← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

الإسلام الذي جعل أساسه عقيدة التوحيد الخالصة: توحيد الله ، وتوحيد شرعه الذي يوصل إليه، في معنى (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) بحيث لا يقبل أي عمل مهما كثر ومهما حَسُن دون أن يبني عليها، والذي لو مات الإنسان على غيرها لما غُفر له ألبتة، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء) .. الإسلام الذي جعل ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات) .. الإسلام الذي يطهر النفوس ويربيها على الصفاء والبعد عن الإجرام في حق ربها، وفي نفسها، وفي حق غيرها من النفوس، حتى تلقى خالقها نظيفة غير ملوثة، فتسعد بالنعيم المقيم، يقول جل شأنه ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى، وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ (طه) . الإسلام الذي يربط بين أفراده رباطاً أخوياً يفوق كل رباط – يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات) .. ويجعل قلوبهم متراحمة تذل لبعضها وتعز على غيرها، وبذا وصفهم الله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين﴾ (المائدة) . الإسلام الذي يجعل أفراده حين يصبغهم جميعاً صبغةً مؤمنةً واحدةً، كالبنيان المتماسك الذي يصمد أمام الهزات العنيفة "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً " (البخاري) ..

стр. 8227

الإسلام الذي يجعل في أفراده إحساساً مرهفاً يشعر بأدنى ألم يمس أي واحد منهم في أي بقعة من جوانب الأرض " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " (البخاري) ، ومن ثم يقف بجانبه دائماً: ينصره إن ظلم، ويحجزه إن تطاول: "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". قال: أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً قال: "تحجزه عن ظلمه فذلك نصره " (البخاري) .. الإسلام الذي يطهر مجتمع أفراده من دناءات الظن، والتجسس، والتحسس، والتنافس المذموم، والتحاسد، والتباغض، والتدابر، والظلم، والخذلان، والإحتقار، والتطاول على الأموال، والدماء والأعراض، والتعويل على مظاهر الأشكال والأجسام، والبيع على بيع الآخرين بما يوغر صدورهم، والهجر الذي يمزق عرى الأخوة ويفرق الأمة "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله تعالى، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: ماله ودمه وعرضه. إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا.. التقوى ها هنا – ويشير إلى صدره – ألا لا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً. ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " (مسلم) .

стр. 8228

الإسلام الذي لم يعتد بعصبيات ولا ألوان ولا جنسيات ولا أوطان، ولم يجعل منها أساساً لوزن عمل صاحبها، وقربة من الله جل وعلا، بل أذاب كل تلك الإعتبارات جميعاً وصهرها في بوتقة الإسلام لتكون ركيزة التفصيل عند الله رب العالمين هي التقوى – فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات) . ومن ثم رأينا في الصحابة الكرام- أفضل قرون هذه الأمة- بلالاً الحبشي، وصهيباً الرومي، وسلمان الفارسي، أخاً للمؤمن القرشي، والهاشمي، وغيره من سادات العرب الذين آمنوا بالله ورسوله. الإسلام الذي جمع أفراده تحت أمة واحدة، وصفها ربنا تعالى بقوله ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء) ، وحذرهم من الخلاف في الدين والتفرق في فهمه شيعاً متناحرة، فقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران) .. وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام) .. ولو أنه وجد اختلاف في الفهم- نتيجة لاختلاف العقول والأنظار- فإن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى تشتيت الأمة، وبلبلة أفكارها، ثم إلى التطاحن والتقاتل، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه سلم: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " (البخاري) .

стр. 8229

الإسلام الذي أوجب الإلتفاف حول إمام المسلمين، والسمع والطاعة له، وحرَّم الخروج عليه ما دام يحكم بكتاب الله تعالى. فعن يحي بن معين عن جدته أم الحصين قال: "سمعتها تقول: حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، قالت: فقال رسول الله ﷺ قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: "إن أُمر عليكم عبد مُجدَّع (حسبتها قالت: أسود) يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا وأطيعوا " (مسلم) .. [١] وحذر الإسلام من شق عصا الطاعة على الإمام، وإلا كان ذلك سبيلاً للخروج من الإسلام. فعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: "من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية " (مسلم) .. [٢] الإسلام الذي قرر أن المسلم الذي يحمل السلاح على المسلمين أو يغشهم ينخلع من الإسلام. فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا " (مسلم) .. [٣] الإسلام الذي قضى باستئصال من يريد تفريق جمع الأمة الإسلامية فعن عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله على الله عليه وسلم يقول: "إنه ستكون هِناتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه، كائناً من كان " (مسلم) .. [٤]

стр. 8230

الإسلام الذي لا يسمح لأفراده أن يوالوا الذين يعادون الله ويعادونهم ويستهزئون بدينهم. فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ﴾ (الممتحنة) [٥] .. ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة) [٦] .. ويؤكد لهم أن وليهم الله ورسوله والمؤمنون، فيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (المائدة) [٧] .. ثم يطمئن نفوسهم بأن من كان وليه الله ورسوله والمؤمنون، فإنه يكون من حزب الله الذي له – بحوله تعالى – الغلبة على صنوف الأعداء – فيقول جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ . (المائدة) هذا هو الإسلام الذي حمى الفرد، والجماعة،والأمة، وحرص على عقاب كل من يحاول الاعتداء على الكليات الخمس التي هي جماع مصالح العباد، وهي: النفس، والعقل، والدين، والمال، والعرض ووضع حدوداً، وقرر تعزيرات تقام على المعتدى، وبهذا استأصل شأفة الجريمة، وطهر الحياة الإسلامية من الفحشاء والمنكر.

стр. 8231

هذا هو الإسلام الذي ساد به سلفنا الصالح، فنشروا به في العالم حضارة أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، حملت معها مبادئ: الرحمة، والسماحة، والعدالة، والأخوة، والمساواة، والصدق، والأمانة، والإخلاص، والوفاء، وغير ذلك من المبادئ السامية، بعد أن ترجمتها في الآفاق سلوكاً عملياً كانوا به أعظم القدوة لمن أراد أن ينهج نهجهم، ويسير على درب الهدى والنور. هذا هو الإسلام، عقيدة ومنهاج، سياسة واقتصاد، تربية واجتماع، سلم وحرب، مصحف وسيف، دين ودولة، أمن وأمان، سعادة في الدنيا والآخرة. به وحده تُحلُّ المشكلات كلها مهما استصعب، وبه وحده تفرج الكروب جميعاً مهما استحكمت حلقاتها. وفي هذا يقول ربنا ﵎: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [٨] . بهذا المفهوم كان الإسلام صالحاً لكل عصر وفي كل مصر، فقضى الله تعالى أن يكون عالمياً يعم البشرية جميعاًً، لأنه لا منجاة لها إلا بهذا الإسلام، ودعاهم إلى الإيمان به وإلى اتباعه ليسلك بهم طريق الهدى والرشاد – فقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [٩]

стр. 8232

فهل من لجوء إلى الإسلام وعض عليه بالنواجذ لنتحقق السعادة بالنجاة؟.. اللهم لك الحمد كل الحمد أن هديتنا للإسلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله – ثبت اللهم قلوبنا عليه، واختم لنا به خير ختام.. وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه. -------------------------------------------------------------------------------- [١] مسلم. [٢] مسلم. [٣] مسلم. [٤] مسلم. [٥] سورة الممتحنة ٠١ [٦] سورة المائدة ٥٧ [٧] سورة المائدة ٥٥ [٨] سورة الأنعام ٦٣ , ٦٤ [٩] سورة الأعراف ١٥٧

стр. 8233

الذكر وأثره في حياة المؤمن لفضيلة الدكتور عبد الرحمن بله علي / كلية اللغة العربية الذكر المأثور: إن ذكر الله ، مع يسره وخفة مؤونته على اللسان والنفس من أعظم القربات، وأبرك الطاعات، وأكثرها، ثواباً وأحمدها عند منقلب إياباً كما أنه ذو أثر كبير على سلوك المؤمن في هذه الحياة الدنيا، فهو يصل العبد بربه ويجعله يحلق في آفاق عالية من الطهر والصفاء، فينعم بالقرب والحب والأنس فينعكس ذلك عليه تزكية نفس، وتهذيب أخلاق واستقامة سلوك، واستنارة بصيرة، وشرف مكانة وسيرة. ولا يكفي أن يلهج اللسان بالذكر فحسب بل لا بد أن يخفق القلب بالحب، ويقوم الذهن بالتأمل واستحضار المعاني والمقاصد وتدفع العاطفة إلى العمل والسلوك، كما أن الذكر لا يؤدي غرضه، ولا يحدث في النفوس أثره إلا إذا جاء مأخوذاً من أذكار رسول الله ﷺ ، وهي أذكار محفوظة مدونة في كتب السنة ما بيننا وبينها إلا أن نطلع عليها، ونأخذ منها ونشغل أنفسنا، ونرطب ألسنتنا بها، وندع ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا. وقد نهض جماعة من العلماء الأخيار فدونوها مبوبة في مؤلفات مثل الشيخ النووي الذي ألف كتاب (الأذكار) الذي جمع فيه ما تفرق من غيره من كتب الحديث مما لا غنى لمسلم عنه، ومثل الإمام ابن القيم الذي ألف (الوابل الصيب) مع تقدمه في الفوائد الذكر وفضله وأسراره وأحكامه ومثل (تحفة الذاكرين) للشوكاني ومثل (المأثورات) للإمام حسن البنا التي جاءت حافلة بالمفيد حاوية لكل طيب سهل التطبيق، مؤكد النسبة والتحقيق، وغيرها من الكتب التي اهتمت بأمر الذكر تحقيقاً ورصداً وتبويباً وشرحاً..

стр. 8234

إن الإنسان إذا أراد أن يزرع أرضاً خصبة التربة اختار لها البذر الصالح المجرّب، ليجني ثماراً طيبة، ويحصد محصولاً وفيراً، والأمر هنا أعظم خطباً لأنه دين، وذاك دنيا، وأجود الأذكار أسلمها عاقبة وأكثرها ثواباً وأجودها نبتاً وثماراً وأرضاها لله رب العالمين هي تلك التي تحمل خاتم النبوة، ولو أن إنساناً ذكر الله بالليل والنهار، وعلى كل حال، وبكل لسان شتى ذبلت شفتاه، وعمشت من كثرة البكاء عيناه ولكنه على غير ما شرع الله لرسوله من سنن الهدى – لم يزدد من الله إلا بعداً ومن الشيطان إلا قرباً. ولو أن مؤمناً ترك المأثور من الأذكار النبوية، وأخذ بالمبتدع من الأوراد الصوفية ظناً منه أن هذه هي التي تفتح له أبواب الرزق وأبواب الجنان – لو أن مؤمناً فعل هذا لخرج من الإيمان والإسلام كما تخرج الشعرة من العجين، والجرّ على نفسه خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وإن مشى على الماء، وطار في الهواء. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [١] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [٢] وقال ﵊:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ " [٣] . فضل الذكر: قال ﵊:" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت " [٤] وقال ﷺ :"مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت" [٥] وفيهما حث على ذكر الله لأنه يكسب الحياة ذاتيتها وأصالتها، ويجعلها شيئاً ذا قيمة عظيمة ويخرج بالإنسان من عالم الأحياء، فكم من حي لا يذكر الله هو من الأموات، وكم من ميت كان لله ذاكراً هو من الأحياء.

стр. 8235

والحياة إنما تتحقق إذا اتجهت وجهتها الصحيحة التي أرادها الله لها، ومن أجلها خلق الأحياء والله خلق الخلق لعبادته. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [٦] ومن ثمَّ شبّه رسول الله ﷺ ، الذي يذكر ربه بالحي حسية، ومعنوية بما يفاض عليه من الخير والبركة والفضل وبما يغشاه من التجليات الإلهية والأنوار الربانية، وبما ينعم به من سكينة نفسية وطمأنينة قلبية فذكر الله منقبة جليلة ومكرمة عظيمة وفضيلة رفيعة. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له:"يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فأخبرني بشيء أتشبث به ". فقال:"لا تزال لسانك رطباً بذكر الله ". رواه الترمذي. وقال ﵊:" إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى " [٧] وقد سئل ﵊، أي أهل المسجد خير؟ قال:"أكثرهم ذكراً لله ". قيل: أي الجنازة خير؟ قال:" أكثرهم ذكراً لله ". قيل وأي المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكراً لله ". قيل: وأي الحجاج خير؟ قال:"أكثرهم ذكراً لله ". قيل: وأي العباد خير؟ قال:" أكثرهم ذكراً لله ". قال أبو بكر:"ذهب الذاكرون بالخير كله " [٨] . وقال عبيد بن عمير:"أن أعظمكم هذا الليل أن تكابدوه، وبخلتم على المال أن تنفقوه، وجبنتم عن العدو أن تقاتلوه فأكثروا من ذكر الله " [٩] . وقال عليه صلوات الله وسلامه: " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا العدو فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ "قالوا: بلى يا رسول الله قال: "ذكر الله " [١٠] .

стр. 8236

وقد استشكل بعض أهل العلم تفضيل الذكر على الصدقة لأن العمل الذي يتعدى نفعه إلى الغير أفضل من الذي يقتصر على صاحبه. كما استشكل بعضهم تفضيل الذكر على الجهاد مع ما فيه من دفع لأعداء الإسلام ونشر لأعلامه، ومدّ لأنواره مع ورود الأدلة الصحيحة على تفضيله على إعلاء مكانة في الصالحات. ونجد الشوكاني ﵀ يرد على هذا الإستشكال بأن ذلك باعتبار الأشخاص والأحوال، فمن كان مطيقاً للجهاد قوي الأثر فيه فأفضل أعماله الجهاد، ومن كان كثير المال فأفضل أعماله الصدقة، ومن كان غير متصف بإحدى الصفتين المذكورين فأفضل أعماله الذكر [١١] . فوائد الذكر:

стр. 8237

ذكر ابن القيم ﵀ أكثر من مائة فائدة للذكر منها أنه يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، ويزيل الهم، ويجلب السرور، ويقوي القلب والبدن، وينور القلب والوجه، ويجلب الرزق، ويكسب المهابة والحلاوة، ويورث محبة الله التي هي روح الإسلام ويورث المعرفة والإنابة والقرب وحياة القلب وذكر الله للعبد، وهو قوت القلب وروحه، ويجلي صداه، ويحط الخطايا، ويرفع الدرجات ويحث الأنس ويزيل الوحشة، وينجي من عذاب الله، ويوجب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة وحفوف الملائكة بالذاكر ويشغل عن الكلام الضار، ويسعد الذاكر، ويسعد به جليسه، ويأمن من الحسرة يوم القيامة، وهو مع البكاء سبب لا ظلال الله العبد يوم الحر الأكبر في ظل عرشه، وأنه سبب لإعطاء الله الذاكر أفضل ما يعطي السائلين وأن دوام الذكر للرب ﵎ يوجب الأمان من نسيانه الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، وأن الذكر يسير وهو في فراشه وفي سوقه، وأنه نور الذاكر في الدنيا ونور له في قبره ونور له في معاده، وأن في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله ، وأنه يجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزمه، ويفرق ما اجتمع عليه من الهموم والغموم والأحزان والحسرات، ويفرق ما اجتمع عليه من ذنوبه وخطاياه وأوزاره حتى تتساقط وتتلاشى ويفرق ما اجتمع حربه من جند الشيطان، وأن الذكر ينبه القلب من نومه ويوقظه، والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وأن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمّر إليها السالكون فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وأن الذاكر قريب من مذكوره ومذكوره معه وهذه المعية معية خاصة وأن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال والحمل على الخيل في سبيل الله ، وأنه رأس الشكر، وأن أكرم الخلق على الله من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكر الله ، وأنه يذيب قسوة القلب وما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل ذكر

стр. 8238

الله، وأنه يوجب صلاة الله وملائكته على الذاكر، وأن من شاء أن يسكن رياض الجنة في الدنيا فليستوطن مجالس الذكر فإنها رياض الجنة، وأن ذكر الله يسهل الصعب وييسر العسير ويخفف المشاق، ويذهب مخاوف القلب كلها، وأن الإشتغال به اشتغال عن الكلام من الغيبة والنميمة واللغو وأنه سبب لتصديق الرب عبده فإنه أخبر عن الله بأوصاف كماله ونعوت جلاله فإذا أخبر بها العبد صدقه ربه ومن صدقه الله لم يحشر مع الكاذبين ورجي له أن يحشر مع الصادقين.

стр. 8239

وأن الذكر سدّ بين العبد وبين جهنم فإذا كانت له إلى جهنم طريق عمل من الأعمال كان الذكر سداً في تلك الطريق، وأن الملائكة تستغفر للذاكر كما تستغفر للتائب وأن الجبال والقفار تتباهى وتستبشر بمن يذكر الله عليها وأن كثرة ذكر الله أمان من النفاق فإن المنافقين قليلوا الذكر لله قال ﵎ في وصف المنافقين: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وإن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر لكفاه، وأنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا ونوراً في الآخرة، وأن في دوام الذكر في الطريق والبيت والحضر والسفر والبقاع تكثيراً لشهود العبد يوم القيامة فإن البقعة والدار والجبل والأرض تشهد للذاكر يوم القيامة، وأن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى أنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه، وإن ذكر الله من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه ويلذذها، ويجعل قرة عينه فيها ونعيمه وسروره بها بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثقل ما يجد الغافل، وأن دور الجنة تبني بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء، وغراس بساتينها بالذكر أيضاً وأن الإشتغال بالذكر اشتغالاً عن الكلام الباطل من الغيبة والنميمة واللغو ومدح الناس وذمهم وغير ذلك فإن اللسان لا يسكت البتة: فأما لسان ذاكر، وأما لسان لاغ ولا بد من أحدهما في النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وهو القلب إن لم تسكته محبة الله سكتته محبة المخلوقين ولا بد وهو اللسان إن لم تشغله بالذكر شغلك باللغو وما هو عليك ولا بد [١٢] . أفضل الذكر:

стр. 8240

ورد عن رسول الله ﷺ صيغ للذكر مختلفة مثل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومثل سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ومثل ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، ومثل سبحان الله عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته إلى غير ذلك مما هو مدون في كتب السنة إلى جانب أذكاره في ليله ونهاره، أكله وشربه، غضبه وسروره، خروجه ودخوله، صحوه ونومه، ركوبه ونزوله، ركوعه وسجوده، قيامه وجلوسه صومه وحجه وجميع حالاته ومختلف عباداته مما يجعله على صلة بربه فلا غرو إن كان ما ينطق به حجة الأرض بعد حجة السماء. والمتأمل في أذكاره يجدها تمتاز باختصار العبادات وقلة الأعداد وتكامل المعاني وأنها ذات مضمون واضح ودلالة قوية على تمجيد الله وتنزيه ووصفه بكل كمال يليق بجلاله وجماله وبهائه. وقد ورد عنه ﵊ أنه قال: " أفضل ما قلته أنا والنبيين من قبلي لا إله إ إلا الله وحده لا شريك له " [١٣] ووحده لا شريك له أشبه فقط لا غير التي تكتب في الشيكات عقب كتابة الرقم تحوطاً من زيادة مزيد ولله المثل الأعلى فهي مبالغة في توحيد الله ونفي الشريك عنه وسد لباب قد يُتوقع دخول شرك منه. وقد أنفق ﵊ عمره المبارك كله يذود عن جناب التوحيد، ويحارب الشرك بكل ألوانه، ويضع من الإحتياطات ما يدفع الشرك بعيداً عن حمى الكلمة الشريفة، ويحفظها على مرِّ العصور جلية نقية بيضاء. وللكلمة الشريفة التي هي أفضل الذكر شروط ذكرها الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀. الأول: العلم المنافي للجهل، فمن لم يعرف المعنى فهو جاهل بمدلولها. الثاني: اليقين المنافي للشك، لأن من الناس من يقولها وهو شاك فيما دلت عليه من معناها. الثالث:

стр. 8241

الإخلاص المنافي للشرك، فإن من لم يخلص أعماله كلها لله فهو مشرك شركاً ينافي الإخلاص. الرابع: الصدق المنافي للنفاق، لأن المنافقين يقولونها، ولكنهم لم يطابق ما قالوه لما يعتقدونه، فصار قولهم كذباً لمخالفة الظاهر للباطن. الخامس: القبول المنافي للرد، لأن من الناس من يقولها مع معرفة معناها ولكن لا يقبل ممن دعاه إليه. إما كبراً أو حسداً، أو غير ذلك من الأسباب المانعة من القبول فتجده يعادي أهل الإخلاص ويوالي أهل الشرك ويحبهم. السادس: الإنقياد المنافي للترك، لأن من الناس من يقولها وهو يعرف معناها لكنه لا ينقاد للإتيان بحقوقها ولوازمها من الولاء والبراء والعمل بشرائع الإسلام، ولا يلائمه إلا ما يوافق هواه، أو تحصيل دنياه، وهذه حال كثير من المسلمين. السابع: المحبة المنافية لعدمها [١٤] . فاكثرنْ من ذكرها بالأدبِ تنلْ بهذا الذكر أعلى الرتبِ كثرة الذكر: مدح الله تعالى الذاكرين له كثيراً وأعدّ لهم مغفرة وأجراً عظيماً فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله سبحانه.. ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [١٥] .

стр. 8242

قال ابن عباس ﵄ المراد:"يذكرون الله في أدبار الصلوات وغدواً وعشياً وفي المضجع، وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله تعالى "- وقال مجاهد:" لا يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضطجعاً "، وقال عطاء: "من صلى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين الله كثيراً والذاكرات " وسئل ابن الصلاح ﵀ عن القدر الذي يصير به من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فقال:"إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً مساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات " [١٦] . والإنسان إذا داوم على ذكر الله فلا يكاد يعمله عملاً إلا جاء مقروناً بذكر الله تعالى وفي هذا من الخير والبركة ما يجعل عمله مقبولاً وثوابه عظيماً، وأن مدلول الذكر ليتسع حتى يشمل كل عامل لله بطاعة فكل طاعة سواء أكانت قولية أم فعلية أم قلبية فهي ذكر لله تعالى وقال عطاء ﵀: "مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام، كيف تشتري وتبيع وتصلي وتصوم وتنكح وتطلق وتحج وأشباه هذا ". كما أن ذكر الله كثيراً يجعل الدعاء مستجاباً فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيراً والمظلوم والإمام المقسط".

стр. 8243

وأخرج أحمد في سنده أن رسول الله ﷺ قال:"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون " فالحديث دعوة إلى الإكثار من ذكر الله إكثاراً يجعل من يراه يظن أن به مساً من الجنون لما يرى عليه من تحريك الشفتين واضطراب البدن من الخوف من الله تعالى. وصاحب هذا الظن هو المنصرف عن ذكر الله المنشغل بمعاصيه المستهزئ بالطائعين الذاكرين الله كثيراً، وفي الحديث- جواز الجهر بالذكر وقد وردت بعض النصوص ترغب في الإسرار به ويجيب الإمام الشوكاني على ذلك فيقول:"وقد وردت أحاديث تقتضي الإسرار بالذكر، وأحادث تؤدي الجهر به والجمع بينهما أن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد يكون الجهر أفضل من إذا أمن الرياء، وكان في الجهر تذكير للغافلين وتنشيط لهم إلى الإقتداء به، وقد يكون الإسرار أفضل إذا كان الأمر بخلاف ذلك " [١٧] . الذكر ضرورة لا مفر منها: لو أن أحداً عفي عن الذكر لكان زكريا ﵇ أولى الناس بهذا حين اعتقل لسانه عن الكلام وحبس عن النطق وذلك أنه لما بُشِّر بالغلام طلب من الله تعالى علامة يعرف بها حيل امرأته حتى يتلقى النعمة إذا جاءت بالشكر: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [١٨] . فكان يعجز عن تكليم الناس وليس به آفة تمنعه منه إنما هي آية من آيات الله الباهرات فكان كلامه وخطابه لقومه إشارة باليد أو إيماءة بالرأس أو كتابة على الأرض، مع هذا قيل له: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً﴾ .

стр. 8244

ومن وراء ذلك حكمة بالغة وسرّ نفيس كأنه لما طلب الآية من أجل الشكر حبس لسانه إلا عن الذكر حتى يخلص لشكر تلك النعمة الكبرى والمنة العظمى وهي رزقه الولد على وهنٍ منه وعقم من زوجه وكِبرَ سِنٍّ منهما معاً فقد ناهزا المائة عام وهكذا جاء الجواب مشتقاً من السؤال ومنتزعاً منه، وهو أوقع في النفس وأدخل في باب الحسن، ذكره الزمخشري في كشافه. ولو أن جماعة أعفيت عن الذكر لكان أولى الناس بهذا المقاتلون في سبيل الله تعالى حين تقوم الحرب بينهم وبين عدوهم على قدم وساق. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فرغم انشغالهم بمجالدة العدو أمروا بالذكر، لأن به اطمئنان القلوب وتثبيت الإقدام واستدفاع كيد العدو، واستجلاب نصر الله. قال ابن عباس ﵄: "لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا جعل لها أجلاً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعْذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله فقال اذكروا الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم وبالليل والنهار في البر والبحر في السفر والحضر في الغنى والفقر في الصحة والسقم في السر والعلانية في الحرب والسلم وعلى كل حال. الذكر في جماعة: أخرج مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده عن أبي هريرة وابن مسعود ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه سلم، قال:"لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده " وأخرج الترمذي عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال:"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا"قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة قال: "حلق الذكر ".

стр. 8245

وأخرج البيهقي من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال:"يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة"، قالوا: وأين رياض الجنة قال: "مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله وذكروا أنفسكم من كان يريد أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده فإن الله ينزل العبد عنده حيث أنزله العبد في نفسه " قال المنذري والحديث حسن. وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ عنه ﷺ :" إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا". قالوا: وما رياض الجنة؟ "قال مجالس العلم ". وأخرت الترمذي عن أبي هريرة قالوا: وما رياض الجنة قال:"المساجد" قيل: وما الرتع؟ قال: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ". ولا تعارض بين هذه الأحاديث فقد تكون رياض الجنة مجالس الذكر ومجالس العلم وهذه قد تكون في المساجد وفي غيرها. فالمجالس التي لم يذكر فيها الله ﷻ كانت خيبة ووبالاً وحسرة يوم القيامة فقد أخرج الحاكم في المستدرك على شرط مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "ما من قوم جلسوا مجلساً، وتفرقوا عنه ولم يذكروا الله فيه إلا كان كأنما تفرقوا عن جيفة حمار وكان عليهم حسرة يوم القيامة ". في رواية:"لا يجلس قوم مجلساً لا يذكرون الله ، ولا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة ".

стр. 8246

وفيه تنفير شديد عن ترك ذكر الله في المجالس فأي مجلس لا يذكر الله فيه ينبغي للمسلم ألا يقعد فيه ولا يخالط أهله بل ينبغي أن يفر منه كما يفر من جيفة الحمار. فحري بنا أن تكون مجالسنا عامرة بذكر الله تعالى ومدارسة العلم والصلاة على الرسول ﷺ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فذلك أليق بنا وأرجى لنا. وقراءة القرآن ومدارسته وتفسير آياته ومعرفة أحكامه من أعظم الذكر وأبركه وخاصة إذا كان ذلك في جماعة لأنهم يعين بعضهم بعضاً ويشجعه، وينتفع بعضهم من بعض ويسدد، من هنا جاء الترغيب في ذلك فقال ﵊:"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" [١٩] . وما يفعله أهل التصوف في أذكارهم الجماعية من ضرب على الدفوف وعزف بالمزامير ليس بذكر ولا هو بقربة لأن القُربَ لا تعرف إلا عن طريق الشرع، وليس في الشرع أمر بهذا ولا استحسان [٢٠] . وزبدة الذكر مخافة الله واستشعار قربه ومراقبة جلاله لتزكوا نفس المؤمن وتسمو روحه، ويطهر قلبه، وتقسيم على نهج الشريعة أقدامه فيدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قال ﵊:" أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ".. يقول ﵊ بعد ذكر هذه الأوصاف: " وأن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر ".

стр. 8247

فذكر الله ليس انصرافاً عن الحياة وانطواء عن الأحياء وتعطيلاً للأعمال وإنما هو (الدينمو) الذي يولد الحرارة ويهب القوة الدافعة إلى العمل والإنتاج، فهو كالنفس الذي يتردد في جوف الإنسان لا يمنعه من العمل والأكل والشرب والصعود والهبوط والجري والمشي. إن ديننا دين وجود لا جمود.. دين اجتماع لا انعزال.. دين حركة لا سكون.. دين إيجابية لا سلبية.. إنه عبادة وقيادة وثقافة وقضاء.. ومصحف وسيف.. ومسجد ومصنع.. إنه دين دنيا حتى لكأن الإنسان يعيش أبداً، ودين أخرى حتى لكأنه يموت غداً.. ولله در الدكتور حسان حتحوت إذ يقول: حسبوا بأن الدين عزلة راهب واستمروا الأوراد والأذكارا عجباً أراهم يؤمنون ببعضه وأرى القلوب ببعضه كفارا والدين كان ولا يزال فرائضاً ونوافلاً لله واستغفارا والدين ميدان وصمصام وفر سان تبيد الشر والأشرار والدين حكم باسم ربك قائم بالعدل لا جورا ولا استهتارا [٢١] الذكر القلبي: إن التفكر في الكون أرضه وسمائه.. حيوانه وجماده.. أخضره ويابسه.. ليله ونهاره.. نجومه وكواكبه، لمن أجل الأعمال وأعظم الطاعات وأفضل العبادات التي ترفع الإنسان في مدارج السمو الروحي، وتنقل الإيمان من التقليد إلى الأصالة ومن الشك إلى اليقين. قال الزمخشري:"الفكرة تذهب الغفلة "، وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة "

стр. 8248

فلا غرو إن رغب الإسلام فيه، وحض عليه فنجد كثيراً من الآيات القرآنية تذكره داعية إليه مثربة عدم الإهنداء إليه والإستعانة به ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٢٢] ، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [٢٣] ، ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [٢٤] ... الخ. كما نجد كثيراً من الأحاديث النبوية تذكر فضله، "لا لعبادة كالتفكير " "تفكر ساعة خير من عبادة سنة " ومما أمره الله به ﵊ أن يكون صمته فكراً، ونظره عبرة. والتفكير في خلق الله تعالى سنة الأنبياء والمرسلين. قال ﵊:"لا تفضلوني على يونس بن مَتَّى فإنه كان يرفع له في كل يوم مثل عمل أهل الأرض " قال العلماء: إنما كان ذلك التفكُّر في أمر الله الذي هو عمل القلب، لأن أحداً لا يقدر أن يعمل بجوارحه في اليوم مثل عمل أهل الأرض.. كما أن التفكر هو ديدن السلف الصالح، روى ابن القاسم عن مالك قال:"قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ قالت: كان أكثر شأنه التفكر ". قيل له: أفَترى التفكر عمل من الأعمال؟ قال: نعم هو اليقين "، وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر، قال:"ليست هذه بعبادة إنما العبادة الورع عما حرم الله والتفكر في أمر الله ".. وقد اختلف العلماء في العملين أفضل: التفكر أو صلاة النفل؟ بعضهم يرى التفكر أفضل، لأنه يثمر المعرفة، وهو أفضل المقامات الشرعية وبعضهم يرى الصلاة أفضل، لما ورد في الحديث من الحث عليها والدعاء إليها والترغيب فيها، ونجد القرطبي في تفسيره يرى السنة التي يعتمد عليها الجمع بين التفكر والصلاة كما كان يفعل ﵊ عندما يستيقظ من نومه فإنه يقرأ أواخر سورة آل عمران الدالة على التفكر، ثم يتوضأ ويصلي فجمع بين التفكر والصلاة.

стр. 8249

والتفكر المقصود هو التفكر في خلق الله، وما حواه كونه من آيات باهرات وشواهد ناطقات بوجوده ووحدانيته وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد. لا التفكر في ذاته العلية، فإن ذلك مظنة الزيغ والهلاك لهذا نهى عنه الرسول ﵊ فقال:" تفكروا في خلقه، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ". وليس المراد أن يظل الإنسان طيلة يومه ناظراً في السماء محدقاً في الأجواء، منقطعاً عن أعماله مقصراً في واجباته فإنه ليجد من الفطرة السليمة أو السنة القويمة، ولا من عمل السلف الصالح الذين يقتدى بهم ويعتمد عليهم ويؤخذ عنهم.. ضروب من الذكر: من ضروب الذكر أن تذكر نعم الله وأفضاله وآلاءه، فيحملك ذلك على شكره والثناء عليه، فذكر النعمة هو في الواقع ذكر لمن أسداها، وتفضل بها، وهذا مما يحمل الإنسان على أن يسخر النعمة في طاعة ربه ومرضاته فذلك أليق بها، وأبقى لها، وأدى لزيادتها كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ . وقد امتن الله بالنعم التي أسبغها على عباده وذلك ليوحدوه ويعبدوه، ولا يشركوا به، ولا يلتفتوا لغيره ولا يجوز في ميزان العقل أن يخلق ويعبد غيره، ويرزق ويشكر دونه فمن الولاء والوفاء أن نذكر آلاءه التي لا تعد ونعماءه التي لا تحصى والتي نشاهدها في كل لحظة عن أيماننا وشمائلنا ومن خلفنا وأمامنا.. ظاهرة وباطنة.. يقول : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [٢٥] ويقول : ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانا﴾ [٢٦] .

стр. 8250

ويقول ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ﴾ [٢٧] ، ويقول : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [٢٨] ويقول سبحانه: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [٢٩] ويقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ [٣٠] . ومن ضروب الفكر أن يحافظ المؤمن على الذكر المأثور في الأوقات والأحوال الذي كان ﵊ يقول فيها كالذكر عند دخول المسجد والخروج منه وعند دخول المنزل والخروج منه وعند الأكل والشرب والجماع والنوم، والسفر والرجوع منه وبالليل والنهار وفي الصلوات والحج والصوم.. وفي مختلف العبادات والأحوال وهو ما يعرف بعمل اليوم والليلة أو المأثورات وقد نهض جماعة من العلماء الأبرار فألفوا فيها كتباً جامعة. وقد أشرنا إليها في أول المقال بما أغنى عن إعادتها هنا. والمداومة على هذه الأذكار تربط المؤمن بخالقه وتعمر قلبه بتقواه وخشيته، وتحيي ضميره بدوام مراقبته، فلا تكاد تمرّ لحظة إلا وهو ذاكر لله ﷻ متعلق به، مراقب له، متفان فيه خائف منه، طامع في عظيم فضله وواسع رحمته.

стр. 8251

كما أنها تنمي فيه ملكة الإقتداء برسول الله ﷺ ، فبه لا بغيره يصل المؤمن إلى ربه ويحظى بعفوه ورضاه وحبه وتقواه، ولن يصل أحد إلى باب الله تعالى إلا إذا سار خلف رسول الله ﵊. والمحافظة على هذه الأذكار تشعر المؤمن بأنه يتأسى برسوله، ويسير على نهجه.. وهكذا تبقى هذه الأذكار جزءاً من حياته، بل هي حياته التي يذوق لها طعماً، يجد في ظلالها الطمأنينة القلبية والسعادة الأبدية.. ربنا أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وصل على صفوتك من خلقك وأمينك على وحيك محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عليه كربة من كرب يوم القيامة " متفق عليه. -------------------------------------------------------------------------------- [١] سورة آل عمران ٣١. [٢] سورة الأحزاب ٢١. [٣] متفق عليه. [٤] رواه البخاري ومسلم. [٥] رواه مسلم. [٦] سورة الذاريات ٥٦. [٧] رواه الترمذي. [٨] رواه ابن أبي الدنيا. [٩] الوابل الصيب ط٣ ص٦٨. [١٠] الحاكم في المستدرك ومالك في الموطأ. [١١] تحفة الذاكرين (دار الكتب العلمية) ص١١. [١٢] الوابل الصيب، ابن القيم، ط٣، ص٣٦ وما بعدها. [١٣] حديث صحيح. [١٤] الورد المصفى المختار للإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، ط جدة، ص٩٩. [١٥] الأحزاب ٣٥. [١٦] الأذكار للنووي ط بيروت ص ٧. [١٧] تحفة الذاكرين ص١٧. [١٨] سورة آل عمران ٤١. [١٩] حديث صحيح. [٢٠] صيد الخاطر لابن الجوزي، ط١، ج١، ص٢١٦.

стр. 8252

[٢١] مجلة المسلمون ٣/١٩٩. [٢٢] الجاثية ١٣. [٢٣] القصص ٧٢. [٢٤] الذاريات ٢١. [٢٥] البقرة ٢٣١. [٢٦] آل عمران ١٠٣. [٢٧] المائدة ١١. [٢٨] الأعراف ٦٩. [٢٩] الأعراف ٧٤. [٣٠] الأحزاب ٩.

стр. 8253

من أبحاث فقه السنة سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء لفضيلة الدكتور أحمد علي طه ريان / الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف تقديم: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وزوجاته أمهات المؤمنين، ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فمن المعلوم أن الشريعة الإسلامية قد جمعت إلى جانب ما امتازت به من المبادئ السامية والمثل العليا، والعقائد السمحة، والأخلاق الكريمة - كثيراً من القواعد التشريعية التي لها صفة الدوام والإستمرار في الشرائع السماوية السابقة. وتعتبر من أجل تلك القواعد شأناً وأعظمها أثراً؛ السنن التي فطر الله الناس عليها، وجعلها لهم بارزة من السمات التي تميزهم عن غيرهم من مخلوقاته. ونظراً لأن هذه السنن تعتبر من الأسس الهامة التي اتفقت عليها كل الشرائع لانسجامها مع التكوين الفطري للإنسان؛ كان لها هذا الإهتمام البالغ من بين السنن النبوية الكريمة؛ فقد أفردها رسول الله ﷺ في كثير من أحاديثه، وحض على الإلتزام بها، كما أنه ميّزها عن غيرها من السنن بهذا الوصف الرائع الذي يشير إلى أنها لازمة للإنسان باعتباره إنساناً بغض النظر عن لونه أو عنصره أو دينه، وهو وصف الفطرة. لذلك كانت هذه السنن بحاجة إلى إلقاء الضوء عليها بوجه خاص لإبراز، ما انطوت عليه من معان سامية وحكم بالغة وقواعد شرعية هامة حتى يتسنى للمسلمين التعرف والعمل بها، فيحرزوا بذلك فضيلة العمل بسنة رسول الله ﷺ وسنن الأنبياء قبله صلوات الله وتسليماته عليهم أجمعين، فنقول وبالله التوفيق: بعض النصوص الواردة في سنن الفطرة

стр. 8254

روى الإمام مسلم في صحيحه؛ عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمر والناقد وزهير بن حرب، جميعاً عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن الني ﷺ قال: "الفطرة خمس. أو خمس من الفطرة: الختان والإستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب ". كما رواه عن غير طريق سفيان؛ قال: حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحي؛ قالا: أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الفطرة خمس " وذكر الحديث [١] . ٢- وقال أيضاً في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا حدثنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :"عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط وحلق العانة، وانتقاص الماء ". قال زكريا: قال مصعب:" ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ". زاد قتيبة: قال وكيع:"انتقاص الماء يعني الإستنجاء" [٢] . ٣- وقال أبو داود حدثنا يحي بن معين: أخبرنا وكيع عن زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن أبي شيبة عن طلق بن حبيب عن ابن الزبير عن عائشة ﵂. ثم ساق الحديث السابق كما في مسلم. إلا أنه ذكر رواية أخرى قال: حدثنا موسى بن إسماعيل وداود بن شبيب قالا أخبرنا حماد عن عليّ بن يزيد عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر أن رسول الله ﷺ قال:"من الفطرة: المضمضة والإستنشاق ". فذكر نحوه ولم يذكر: إعفاء اللحية، وزاد: "والختان". قال "والإنتضاح". ولم يذكر انتقاص الماء؛ يعني الإستنجاء ". قال أبو داود: وروى نحوه عن ابن عباس؛ وقال "خمس كلها في الرأس "وذكر فيه الفرق.. ولم يذكر إعفاء اللحية [٣] .

стр. 8255

وقد أخرج ابن ماجه حديث عمار بن ياسر بنفس اللفظ الذي ساقه به أبو داود. مع تقديم بعض الحروف على بعض [٤] . وقد أخرج أبو عوانة في مستخرجه حديث عائشة بلفظ "عشر من السنة "، ذكر فيه الإستننثار بدل الإستنشاق [٥] . أولاً: هذه النصوص من حيث الإسناد: قال الحافظ العراقي: حديث أبي هريرة أخرجه الأئمة الستة فردوه - خلا الترمذي- من طريق سفيان بن عيينة. والترمذي والنسائي، أيضاً، من رواية معمر، والنسائي أيضاً من رواية يونس بن يزيد ثلاثتهم عن الزهري عن ابن المسيب ورواه النسائي من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة [٦] وأقول بل مسلم رواه أيضاً عن غير طريق سفيان. فرواه - كما في الرواية الثانية- عن ابن وهب عن يونس. أما حديث عائشة فقد أخرجه مسلم في صحيحه، وحسنه الترمذي كما أخرجه النسائي وابن ماجه. وقد ضعف النسائي رفعه. فإنه قد رواه موقوفاً على طلق بن حبيب؛ ثم قال: إنه أولى بالصواب من حديث مصعب بن شيبة. قال: ومصعب بن شيبة منكر الحديث [٧] وجاء في شرح الترمذي: إن مصعب بن شيبة، لين الحديث؛ ثم نقل بعد ذلك قول الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث: مصعب بن شيبة وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما؛ فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره: فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ [٨] . وقد اختلف فيمن حدث منه النسيان والشك في الخصلة العاشرة، وهي المضمضة، فذكر مسلم وأصحاب السنن؛ أن مصعباً هو الذي نسي العاشرة، ووقع في رواية لمسلم أن الذي نسيها هو زكريا بن أبي زائدة والأول أكثر وأشهر. وفي سن النسائي عن سليمان التيمي:" وأنا شككت في المضمضة إلا أن سليمان جعل الحديث من قول طلق "، وقال النسائي:" إنه أشبه بالصواب " [٩] . والقائل: إلا أن تكون المضمضة؛ يحتمل أن يكون هو مصعب، ويحتمل أن يكون الراوي عنه هو الذي ذكرها.

стр. 8256

وقد جزم بعدِّ المضمضة فيها أبو بشر بن إياس الراوي له عن طلق.. وقال النسائي؛ وحديث سليمان التيمي وجعفر بن إياس وأشبه بالصواب من حديث مصعب بن شيبة [١٠] . وكذلك هو ثابت في حديث عمار بن ياسر عند أبي داود وابن ماجه [١١] . وقد وافق النسائي في ترجيح رواية كل من سليمان التيمي وجعفر ابن إياس: الدارقطني في العلل. فقد نقل الحافظ السيوطي عنه قوله: هما أثبت من مصعب ابن أبي شيبة وأصح حديثاً. ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: مصعب بن أبي شيبة أحاديثه مناكير، منها عشرة من الفطرة. ولا ذكر ابن منده أن مسلماً أخرجه قال: تركه البخاري فلم يخرجه، وهو حديث معلول رواه سليمان التيمي عن طلق ابن حبيب مرسلاً [١٢] . قال ابن دقيق العيد: لم يلتفت مسلم لهذا التعليل لأنه قدم وصل الثقة عنده على الإرسال - ثم - قال: وقد يقال في تقوية رواية مصعب: إن تثبته في الفرق بين ما حفظه وبين ما شك فيه؛ جهة مقوية لعدم الغفلة. من لا يتهم بالكذب إذا ظهر منه ما يدل على التثبت قويت روايته، وأيضاً لروايته شاهد صحيح مرفوع في كثير من هذا العدد من حديث أبي هريرة الذي أخرجه الشيخان [١٣] . وقال الترمذي: هذا حديث حسن [١٤] . وتقدم ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر من قوله في مصعب: وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما، ولينه أحمد وأبو حاتم وغيرهما؛ فحديثه حسن وله شواهد في حديث أبي هريرة وغيره، فالحكم بصحته من هذه الحيثية سائغ [١٥] . أما حديث عمار بن ياسر؛ الذي أخرجه أبو داود وابن ماجه، وأشار إليه الترمذي [١٦] فقد صحح أكثر المحدثين إرساله؛ لأنه قد جاء في بعض روايات عن أبيه محمد بن عمار بن ياسر؛ ومحمد بن عمار ليست له صحبة. قاله المنذري في التخليص [١٧] . وجاء في رواية أخرى عن سلمة عن عمار بن ياسر؛ قال البخاري: إنه لا يعرف لسلمة سماع من عمار [١٨] .

стр. 8257

أما من حيث المعنى: فلم يزد حديث عمار عما جاء في حديثي أبي هريرة وعائشة سوى ذكر الإنتضاح وقد وردت فيه أحاديث كثيرة بحيث لو ضم بعضها إلى بعض لكانت مقوية له؛ من هذه الأحاديث: ما أخرجه أبو داود عن محمد بن كثير عن سفيان عن منصور عن مجاهد عن سفيان بن الحكم الثقفي - أو الحكم بن سفيان الثقفي - قال:"كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ – توضأ – وينتضح " [١٩] . وقد اختلف في سماع الثقفي هذا من رسول الله ﷺ . وقال النمري له حديث واحد في الوضوء. وهو مضطرب الإسناد [٢٠] . ومنها: ما جاء عن أسامة بن زيد أن جبريل ﵇ لما نزل على النبي ﷺ فعلمه الوضوء. فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج فكان رسول الله ﷺ يرش بعد وضوئه. رواه أحمد وفيه رشدين بن سعد وثقة هيثم بن خارجة وأحمد بن حنبل في رواية وضعفه آخرون [٢١] . وقد أخرج ابن ماجه؛ حديث أسامة من طريق أخرى لكن فيها ابن لهيقة - وفيه كلام -[٢٢] . ومنها ما أخرجه: الترمذي وابن ماجه من أبي هريرة: قال قال رسول الله ﷺ : "إذا توضأت فانتضح " [٢٣] . قال الترمذي: هذا حديث غريب: قال وسمعت محمداً يقول: الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث [٢٤] . ومنها: ما أخرجه ابن ماجه عن جابر قال:"توضأ رسول الله ﷺ فنضح فرجه " [٢٥] . وفيه قيس بن عاصم وهو ضعيف [٢٦] . وقد أخرج النسائي حديث الحكم السابق فقال فيه: عن إسماعيل بن مسعود عن خالد بن الحارث عن شعبة عن منصور عن مجاهد عن الحكم عن أبيه:"أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أخذ حفنة من ماء فقال بها هكذا ووصف شعبة، نضح به فرجه " فذكرته لإبراهيم فأعجبه [٢٧] . ومن شأن هذه الطرق الكثرة: أن يقوي بعضها بعضاً تجعل الحديث صالحاً للعمل به إن شاء الله.

стр. 8258

أما أثر ابن عباس الذي أشار إليه أبو داود؛ فقد وصله عبد الرازق في تفسيره والطبري من طريقه بسند صحيح واللفظ لعبد الرازق: أخبرنا معمر بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ الآية [٢٨] قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والإستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة والختان ونتف الإبط. وغسل أثر الغائط والبول بالماء " [٢٩] . وذكر الحافظ ابن حجر أن أبا حاتم قد أخرج أثر ابن عباس هذا من وجه آخر؛ فذكر فيه غسل الجمعة بدل الإستنجاء [٣٠] . ويلاحظ هنا: أن أثر ابن عباس قد زيد فيه في الرواية الأولى على ما جاء في حديثي عائشة وأبي هريرة: الفرق. كما زيد فيه في الرواية الثانية. غسل الجمعة. أما - فما عدا هاتين الخصلتين فهو متفق مع الحديثين السابقين عن عائشة وأبي هريرة. وهذا الأثر وإن كان موقوفاً على ابن عباس إلا أن السنة الصحيحة قد وردت بكل ما جاء فيه، ونذكر ذلك بإيجاز فيما يلي: أ – إن ما عدا الخصلتين السابقين: الفرق وغسل الجمعة فمذكور في حديثي أبي هريرة وعائشة كما أشرنا إلى ذلك قريباً. ب - إن خصلة فرق الشعر لها شاهد في عدد من الصحاح؛ فقد أخرج البخاري في صحيحة والنسائي وابن ماجه واللفظ للبخاري: عن ابن عباس ﵄ قال:" كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رؤوسهم فسدل النبي ﷺ ناصيته ثم فرق بعد " [٣١] . ولفظ ابن ماجه والنسائي "وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه " [٣٢] .

стр. 8259

وقد علل العلامة السندي في تعليقه على سنن ابن ماجه؛ حبه ﷺ لموافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، قال: لاحتمال استناد عملهم إلى أمره تعالى أو لتألفهم.. وذلك قبل أن يطلع على أحوالهم ويتكشف له أنهم أبغض الناس إلى الله وأن التآلف لا يؤثر فيهم " [٣٣] . وعن عائشة ﵂؛ قالت:"كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق النبي ﷺ وهو محرم ". قال عبد الله:"في مفرق النبي ﷺ " [٣٤] . جـ- أما الغسل يوم الجمعة فقد ثبت وروده في جملة من الأحاديث: نشير إلى بعض الصحيح منها: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول:"إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل " [٣٥] . ولفظ البخاري: "إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " [٣٦] . وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:"الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " متفق عليه [٣٧] . أما خصلة الإستنثار التي وردت في حديث عائشة بدل الإستنشاق في مستخرج أبي عوانة فقد وردت في عدد كبير من الأحاديث الصحيحة تشير إلى بعضها فيما: ما جاء في حديث عبد الله بن زيد رفعه إلى النبي ﷺ :"فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء" [٣٨] ولفظ مسلم "فمضمض ثم استنثر ثم غسل وجهه " [٣٩] . ومنها حديث أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ " إذا استجمر أحدكم وتراً وإذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر " [٤٠] . ومنها حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال:" إذا استيقظ أحدكم من منامه فلينتثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه " [٤١] . ثانياً: عدد خصال الفطرة:

стр. 8260

يستفاد مما ذكر: أن العدد - خمس، أو عشر - لا مفهوم له، وأن خصال الفطرة كثيرة، وليست محصورة في الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة، أو العشر المذكورة في حديث عائشة؛ فقد وجدنا ثلاث خصال أخرى في حديث عمار والأثر الوارد عن ابن عباس كما وجدنا رابعة فيما أخرجه أبو عوانة في مستخرجه. وبذلك تبلغ هذه الخصال خمس عشرة خصلة [٤٢] . وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي:"إن خصال الفطرة تبلغ ثلاثين خصلة ". ثم تعقبه ابن حجر بقوله:"إن أراد خصوص ما ورد بلفظ الفطرة فليس كذلك، وإن أراد أعم من ذلك فلا ينحصر في الثلاثين بل تزيد كثيراً ". فقد أخرج الترمذي من حديث أبي أيوب رفعه " أربع من سنن المرسلين: الحياء والتعطر والسواك والنكاح ". وقد اختلف في ضبط "الحياء " فقيل هي بفتح المهملة وفتح التحتانية وقد ثبت في الصحيحين "الحياء من الإيمان " وقيل هي بكسر المهملة وتشديد النون "الحِنَّاء"فعلى الأول: خصلة معنوية تتعلق بتحسين الخلق. وعلى الثاني: خصلة حسية تتعلق بتحسين البدن. وأخرج البزار والبغوي في معجم الصحابة والحكيم الترمذي في نوادر الأصول من طريق فليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده رفعه " خمس من سنن المرسلين "فذكر الأربعة إلا النكاح وزاد: "الحلم والحجامة " وهكذا [٤٣] .. وأما قول مسلم في حديث أبي هريرة عن طريق يونس بن يزيد عن الزهري. "الفطرة خمس"، وكذلك رواية النسائي من طريق سفيان: "الفطرة خمس"؛ فإن سفيان قد رواه على الشك كما هو عند مسلم من طريقه أيضاً: "الفطرة خمس أو خمس من الفطرة"؛ فإما أن يكون الشك منه أو ممن فوقه أو من الرواة عنه [٤٤] . وقد وقع في رواية أحمد: "خمس من الفطرة "ولم يشك. وكذا في رواية معمر عن الزهري عند الترمذي والنسائي [٤٥] . وقد قال ابن دقيق العيد: دلالة مِن على التبعيض: فيه أظهر من دلالة هذه الرواية على الحصر [٤٦] .

стр. 8261

وقد أجاب العلماء عن هذا الإختلاف الواقع في ذكر عدد خصال الفطرة في الأحاديث السابقة بأجوبة كثيرة من أهمها ما يلي: الأول: أن النبي ﷺ قد أفرد ذكر الخمس الواردة في حديث أبي هريرة لبيان شدة الحاجة إليها وأنها أهم من غيرها ويؤكد ذلك حديث ابن عمر عند النسائي: "أن رسول الله ﷺ قال: الفطرة: "قص الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة "فاقتصر فيه على ثلاث خصال وقد رواه البخاري بلفظ: " من الفطرة: حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب " [٤٧] فهو من باب قوله ﷺ : "الدين النصيحة " و"الحج عرفة" وهو كثير [٤٨] . الثاني: أن يكون قد أعلمه الله تعالى ببعض الخصال فأخبر بها ثم أعلمه بعد ذلك بالزيادة الواردة في الأحاديث الأخرى على تقدير صحتها [٤٩] . ثالثاً: عبارة "سنن الفطرة " بين الوضع اللغوي والإصطلاح الشرعي: السنن: جمع سُنّة تطلق في الأصل على عدة معان من بينها ما يلي: ١- إنها تطلق على الوجه لصقالته وملاسته: تقول وجه مسنون؛ أي مخروط أسيل كأن قد سنّ اللحم عنه. ومن هذا ما حكاه صاحب الفائق في غريب الحديث؛ "أن النبي ﷺ حصّه على الصدقة فقام رجل قبيح السُّنَة صغير القِمّة يقود ناقة حسناء جملاء فقال "هذه صدقة" [٥٠] . ٢- ومنها: أن السنة تطلق على الطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيّئة, ومنه ما جاء في الحديث المشهور: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " [٥١] وفي مجمع الزوائد: عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال:"من سنّ سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك. ومن سنّ سنة سيئة فعليها إثمها حتى تترك.. الحديث "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون [٥٢] .

стр. 8262

ويرى بعض اللغويين: أن السنة إذا أطلقت إنما يقصد بها: الطريقة المحمودة فقط. جاء في التهذيب: السنة هي الطريقة المحمودة المستقيمة. فإذا قيل فلان من أهل السنة؛ معناه: أنه على الطريقة المستقيمة المحمودة. وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. أو من سننت الإبل؛ أي أحسنت رعيتها والقيام عليها. أما السنة في لسان الشرع: فإنها إذا أطلقت فيه فإنما يراد بها: كل ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير من غير القرآن. والبعض أضاف: أو كان صفة له ﷺ كما أضاف الشاطبي ما كان قد سنه الخلفاء الراشدون ﵃ كجمع المصحف وتدوين الدواوين. وما كان عليه عمل الصحابة ﵃ [٥٣] مستدلاً بما جاء في الحديث العرباض بن سارية عند أبي داود "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" وحديث أبي هريرة من قوله ﵊: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة "قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي " [٥٤] وغير ذلك. ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة؛ القرآن والحديث، ومنه ما جاء في الحديث:"إنما أُنَسيَّ لأسن " [٥٥] أي إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الصراط المستقيم وأبين لهم ما يفعلوه إذا عرض لهم نسيان. وإذا قيل سنة الله: كان المراد: أحكامه وأمره ونهيه. وسنّ الله الأحكام للناس؛ بينها لهم- وسنه الله سنة، أي بينه طريقاً قويماً قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [٥٦] أي سنّ الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم؛ أن يقتّلوا أين ما ثقفوا أو وجدوا [٥٧] . والفطرة: بكسر الفاء وتسكين الطاء المهملة؛ من الفطْر بمعنى الشق تقول: فطر ناب البعير أي شق اللحم وطلع.

стр. 8263

وقيل الأصل فيه: الإبتداء والإختراع: تقول: فطر الله العالم: أي أوجده ابتداء واخترعه- وفي التنزيل على لسان سيدنا إبراهيم ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفا﴾ [٥٨] والجمع منه: فطور: وفي التنزيل ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الآية [٥٩] . والفطرة: هي الحالة منه وصارت تطلق على عدة معان من بينها ما يلي: أ- صدقة الفطر، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك: فقال الحافظ بن حجر:"لأنها تجب بالفطر من رمضان ".. وقال: ابن قتيبة:"المراد بصدقة الفطر؛ صدقة النفوس، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة " [٦٠] . ب- الخلقة التي يكون عليها كل مولود أول خلقه في رحم أمه، قال تعالى: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [٦١] أي خلقني. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية [٦٢] . وقول النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة " يعني الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة فإذا ولده يهوديان هوّداه في حكم الدنيا، أو نصرانيّان نصّراه في حكم الدنيا، أو مجوسيان مجّساه في حكم الدنيا، أي أن حكمه في الدنيا حكم أبويه حتى يعبر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فطر عليها. فهذه هي فطرة المولود [٦٣] . وقا ل ابن الأثير:" المعنى أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها. وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد.." [٦٤] وقيل المعنى: كل مولود يولد على معرفة الله تعالى والإقرار به فلا تجد أحداً إلا وهو يقر بأن له صانعاً وإن سماه بغير اسمه ولو عبد معه غيره [٦٥] .

стр. 8264

جـ- الإبتداء والإختراع: وفي التنزيل العزيز: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ﴾ [٦٦] قال ابن عباس ﵄: "ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأت حفرها " [٦٧] . وقد اختلف العلماء في بيان المعنى المراد من سنن الفطرة الواردة في هذه الأحاديث التي هي قيد البحث: فقال الحافظ أبو سليمان الخطابي: فسر أكثر العلماء، الفطرة في هذه الأحاديث بالسنة؛ وتأويل ذلك: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [٦٨] ، أول من أمر بها إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ﴾ الآية [٦٩] قال ابن عباس ﵄: أمره بعشر خصال ثم عددهن فلما فعلهن، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [٧٠] يقتدى بك ويستن بسنتك، وقد أمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصاً. وبيان ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [٧١] ويقال كانت عليه فرضاً وهن لنا سنة [٧٢] . وبعد أن ذكر العراقي حكاية الخطابي عن أكثر العلماء، بأن الفطرة هي السنة، قال: ويدل عليه: رواية أبي عوانة في المستخرج لحديث عائشة:"عشر من السنة " [٧٣] ومعلوم أن مراده بالسنة: هي الطريقة المحمودة التي استنها الأنبياء ﵈. ويرى فريق آخر من العلماء أن المواد بالسنة في أحاديث الفطرة؛ هي السنة التي تقابل الواجب عند الفقهاء. وهي: ما طلبه الشارع طلباً غير جازم [٧٤] .

стр. 8265

وهذا الرأي غير ظاهر: إذ ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب بعض هذه الخصال، فقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي قوله في شرح الموطأ: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث - يقصد حديث أي هريرة: خمس من الفطرة - كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين. إلا أن الحافظ لم يرتض هذا القول من ابن العربي؛ فقد تعقبه بقول أبي شامة: بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النظافة؛ لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف [٧٥] . ويقوي وجهة ابن العربي ما قاله ابن دقيق العيد- نقلاً عن بعض العلماء- من أن الأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه؛ أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه. وقد ورد الأمر باتباع إبراهيم ﵇، وقد ثبت أن هذه الخصال، أمر بها إبراهيم ﵇، وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به. وقد يناقش هذا، بأن وجوب الإتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه. بل يتم الإتباع بالإمتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان كذلك في حق التابع وعلى ذلك فيتوقف ثبوت هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل ﵇ [٧٦] . وسيأتي لهذا الموضوع مزيد من بيان في شرحنا للأحكام التي تستفاد من هذه الخصال - إن شاء الله. ويرى فريق ثالث؛ أن المراد بالفطرة هنا: أصل الدين الذي اتفقت عليه كل الشرائع كقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ.. الآية﴾ [٧٧] وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج. وقال النووي في شرح المهذب جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق؛ بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث، الدين [٧٨] وهذا الرأي من شأنه أن يقوي وجهة ابن العربي في القول بوجوب الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة.
следующие страницы →