← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

وقد أجاب العلماء عن هذا الإختلاف الواقع في ذكر عدد خصال الفطرة في الأحاديث السابقة بأجوبة كثيرة من أهمها ما يلي: الأول: أن النبي ﷺ قد أفرد ذكر الخمس الواردة في حديث أبي هريرة لبيان شدة الحاجة إليها وأنها أهم من غيرها ويؤكد ذلك حديث ابن عمر عند النسائي: "أن رسول الله ﷺ قال: الفطرة: "قص الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة "فاقتصر فيه على ثلاث خصال وقد رواه البخاري بلفظ: " من الفطرة: حلق العانة وتقليم الأظفار وقص الشارب " [٤٧] فهو من باب قوله ﷺ : "الدين النصيحة " و"الحج عرفة" وهو كثير [٤٨] . الثاني: أن يكون قد أعلمه الله تعالى ببعض الخصال فأخبر بها ثم أعلمه بعد ذلك بالزيادة الواردة في الأحاديث الأخرى على تقدير صحتها [٤٩] . ثالثاً: عبارة "سنن الفطرة " بين الوضع اللغوي والإصطلاح الشرعي: السنن: جمع سُنّة تطلق في الأصل على عدة معان من بينها ما يلي: ١- إنها تطلق على الوجه لصقالته وملاسته: تقول وجه مسنون؛ أي مخروط أسيل كأن قد سنّ اللحم عنه. ومن هذا ما حكاه صاحب الفائق في غريب الحديث؛ "أن النبي ﷺ حصّه على الصدقة فقام رجل قبيح السُّنَة صغير القِمّة يقود ناقة حسناء جملاء فقال "هذه صدقة" [٥٠] . ٢- ومنها: أن السنة تطلق على الطريقة والسيرة حسنة كانت أو سيّئة, ومنه ما جاء في الحديث المشهور: "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " [٥١] وفي مجمع الزوائد: عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ قال:"من سنّ سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك. ومن سنّ سنة سيئة فعليها إثمها حتى تترك.. الحديث "رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون [٥٢] .

стр. 8262

ويرى بعض اللغويين: أن السنة إذا أطلقت إنما يقصد بها: الطريقة المحمودة فقط. جاء في التهذيب: السنة هي الطريقة المحمودة المستقيمة. فإذا قيل فلان من أهل السنة؛ معناه: أنه على الطريقة المستقيمة المحمودة. وهي مأخوذة من السنن وهو الطريق. أو من سننت الإبل؛ أي أحسنت رعيتها والقيام عليها. أما السنة في لسان الشرع: فإنها إذا أطلقت فيه فإنما يراد بها: كل ما صدر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير من غير القرآن. والبعض أضاف: أو كان صفة له ﷺ كما أضاف الشاطبي ما كان قد سنه الخلفاء الراشدون ﵃ كجمع المصحف وتدوين الدواوين. وما كان عليه عمل الصحابة ﵃ [٥٣] مستدلاً بما جاء في الحديث العرباض بن سارية عند أبي داود "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" وحديث أبي هريرة من قوله ﵊: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة "قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي " [٥٤] وغير ذلك. ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة؛ القرآن والحديث، ومنه ما جاء في الحديث:"إنما أُنَسيَّ لأسن " [٥٥] أي إنما أدفع إلى النسيان لأسوق الناس بالهداية إلى الصراط المستقيم وأبين لهم ما يفعلوه إذا عرض لهم نسيان. وإذا قيل سنة الله: كان المراد: أحكامه وأمره ونهيه. وسنّ الله الأحكام للناس؛ بينها لهم- وسنه الله سنة، أي بينه طريقاً قويماً قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [٥٦] أي سنّ الله ذلك في الذين نافقوا الأنبياء وأرجفوا بهم؛ أن يقتّلوا أين ما ثقفوا أو وجدوا [٥٧] . والفطرة: بكسر الفاء وتسكين الطاء المهملة؛ من الفطْر بمعنى الشق تقول: فطر ناب البعير أي شق اللحم وطلع.

стр. 8263

وقيل الأصل فيه: الإبتداء والإختراع: تقول: فطر الله العالم: أي أوجده ابتداء واخترعه- وفي التنزيل على لسان سيدنا إبراهيم ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفا﴾ [٥٨] والجمع منه: فطور: وفي التنزيل ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ الآية [٥٩] . والفطرة: هي الحالة منه وصارت تطلق على عدة معان من بينها ما يلي: أ- صدقة الفطر، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك: فقال الحافظ بن حجر:"لأنها تجب بالفطر من رمضان ".. وقال: ابن قتيبة:"المراد بصدقة الفطر؛ صدقة النفوس، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة " [٦٠] . ب- الخلقة التي يكون عليها كل مولود أول خلقه في رحم أمه، قال تعالى: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [٦١] أي خلقني. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية [٦٢] . وقول النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة " يعني الخلقة التي فطر عليها في الرحم من سعادة أو شقاوة فإذا ولده يهوديان هوّداه في حكم الدنيا، أو نصرانيّان نصّراه في حكم الدنيا، أو مجوسيان مجّساه في حكم الدنيا، أي أن حكمه في الدنيا حكم أبويه حتى يعبر عنه لسانه، فإن مات قبل بلوغه مات على ما سبق له من الفطرة التي فطر عليها. فهذه هي فطرة المولود [٦٣] . وقا ل ابن الأثير:" المعنى أنه يولد على نوع من الجبلة والطبع المهيأ لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها. وإنما يعدل عنه من يعدل لآفة من آفات البشر والتقليد.." [٦٤] وقيل المعنى: كل مولود يولد على معرفة الله تعالى والإقرار به فلا تجد أحداً إلا وهو يقر بأن له صانعاً وإن سماه بغير اسمه ولو عبد معه غيره [٦٥] .

стр. 8264

جـ- الإبتداء والإختراع: وفي التنزيل العزيز: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ﴾ [٦٦] قال ابن عباس ﵄: "ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما، أنا فطرتها أي ابتدأت حفرها " [٦٧] . وقد اختلف العلماء في بيان المعنى المراد من سنن الفطرة الواردة في هذه الأحاديث التي هي قيد البحث: فقال الحافظ أبو سليمان الخطابي: فسر أكثر العلماء، الفطرة في هذه الأحاديث بالسنة؛ وتأويل ذلك: أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم بقوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الآية [٦٨] ، أول من أمر بها إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم. ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ﴾ الآية [٦٩] قال ابن عباس ﵄: أمره بعشر خصال ثم عددهن فلما فعلهن، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [٧٠] يقتدى بك ويستن بسنتك، وقد أمرت هذه الأمة بمتابعته خصوصاً. وبيان ذلك في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [٧١] ويقال كانت عليه فرضاً وهن لنا سنة [٧٢] . وبعد أن ذكر العراقي حكاية الخطابي عن أكثر العلماء، بأن الفطرة هي السنة، قال: ويدل عليه: رواية أبي عوانة في المستخرج لحديث عائشة:"عشر من السنة " [٧٣] ومعلوم أن مراده بالسنة: هي الطريقة المحمودة التي استنها الأنبياء ﵈. ويرى فريق آخر من العلماء أن المواد بالسنة في أحاديث الفطرة؛ هي السنة التي تقابل الواجب عند الفقهاء. وهي: ما طلبه الشارع طلباً غير جازم [٧٤] .

стр. 8265

وهذا الرأي غير ظاهر: إذ ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب بعض هذه الخصال، فقد نقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي قوله في شرح الموطأ: عندي أن الخصال الخمس المذكورة في هذا الحديث - يقصد حديث أي هريرة: خمس من الفطرة - كلها واجبة فإن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين. إلا أن الحافظ لم يرتض هذا القول من ابن العربي؛ فقد تعقبه بقول أبي شامة: بأن الأشياء التي مقصودها مطلوب لتحسين الخلق وهي النظافة؛ لا تحتاج إلى ورود أمر إيجاب للشارع فيها اكتفاء بدواعي الأنفس، فمجرد الندب إليها كاف [٧٥] . ويقوي وجهة ابن العربي ما قاله ابن دقيق العيد- نقلاً عن بعض العلماء- من أن الأصل فيما أضيف إلى الشيء أنه منه؛ أن يكون من أركانه لا من زوائده حتى يقوم دليل على خلافه. وقد ورد الأمر باتباع إبراهيم ﵇، وقد ثبت أن هذه الخصال، أمر بها إبراهيم ﵇، وكل شيء أمر الله باتباعه فهو على الوجوب لمن أمر به. وقد يناقش هذا، بأن وجوب الإتباع لا يقتضي وجوب كل متبوع فيه. بل يتم الإتباع بالإمتثال، فإن كان واجباً على المتبوع كان كذلك في حق التابع وعلى ذلك فيتوقف ثبوت هذه الخصال على الأمة على ثبوت كونها كانت واجبة على الخليل ﵇ [٧٦] . وسيأتي لهذا الموضوع مزيد من بيان في شرحنا للأحكام التي تستفاد من هذه الخصال - إن شاء الله. ويرى فريق ثالث؛ أن المراد بالفطرة هنا: أصل الدين الذي اتفقت عليه كل الشرائع كقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ.. الآية﴾ [٧٧] وبذلك جزم أبو نعيم في المستخرج. وقال النووي في شرح المهذب جزم الماوردي والشيخ أبو إسحاق؛ بأن المراد بالفطرة في هذا الحديث، الدين [٧٨] وهذا الرأي من شأنه أن يقوي وجهة ابن العربي في القول بوجوب الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة.

стр. 8266

ويرى فريق رابع؛ أن المراد بالفطرة هنا: الإسلام، ومنه قول حذيفة:"لو مت على هذا مت على غير فطرة محمد ﷺ " [٧٩] وعليه قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ لما أخذ اللبن ليلة الإسراء "أصبت الفطرة " [٨٠] . وقد أشار القاضي البيضاوي إلى أنه لا تعارض بين هذه المعاني جميعاً حيث قال في بيان الفطرة المرادة هنا: هي السنة القديمة التي اختارها الأنبياء واتفقت عليها الشرائع وكأنها أمر جبلي فطروا عليها [٨١] .. رابعاً: أهمية الإستمساك بهذه الخصال: يترتب على الإستمساك بهذه الخصال مصالح دينية ودنيوية نشير إلى أهمها فيما يلي: ١- في التمسك بهذه الخصال شرف الإتباع لسنة نبينا ﷺ وسنن الأنبياء قبله وقد قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [٨٢] . ٢- المحافظة على الصورة الحسنة التي خلق الله الإنسان عليها والتي أشار إليها في قوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [٨٣] فكأنه قيل قد حسنت صوركم فلا تشوهوها بما يقبحها، أو حافظوا على ما يستمر بها حسنها. ٣- استمرار التمسك بهذه الخصال فيه استمرار المحافظة على نظافة المواضع التي تعتبر مصدراً للأذى والرائحة الكريهة في جسم الإنسان فيظل الشخص على طهارة دائمة. ٤- في المحافظة على هذه الخصال تحسين لهيئة الإنسان كإنسان قبل أي اعتبار آخر من جنس أو لون أو دين.. وقد سبقت الإشارة إلى قول ابن العربي: أن من ترك هذه الخصال لم تبق صورته على صورة الآدميين، فكيف من جملة المسلمين. ٥- في التمسك بهذه الخصال محافظة على المروءة وعلى التآلف المطلوب لأن الإنسان إذا ظهر في الهيئة الجميلة، كان أدعى لانبساط النفس إليه؛ فيقبل قوله ويحمد رأيه. والعكس بالعكس. ٦- في التمسك بهذه الخصال إحسان إلى المخالط والمقارن؛ من أهل أو صديق أو جليس وذلك بكف ما يتأذى به من رائحة كريهة.

стр. 8267

٧- قي التمسك بهذه الخصال مخالفة لشعار الكفار من المجوس واليهود والنصارى وغيرهم من ملل الكفر. ٨- يترتب على العمل بهذه الخصال فوائد بعيدة الأثر، فإن عدم إزالة الأتربة والشوائب التي تعلق بشعيرات الأنف وكذلك الطفيليات التي تتكون داخل القلفة من شأنها أن تسبب للإنسان أضراراً بالغة لها أسوأ الأثر على صحته. ٩- كما أن في التمسك بها غلبة للشيطان، وقطع لوساوسه وبعد عن تسويلاته، وهو ما يشير إليه قوله ﷺ في حديث أبي هريرة المتقدم: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلينتثر ثلاث مرات فإنّ الشيطان يبيت على خياشيمه " [٨٤] . خامساً: معاني هذه الخصال وما يتعلق بها من أحكام وآداب: وسيكون تناولنا لهذه الخصال حسب ترتيبها في كتب الفقه والحديث، أي سنبدأ بالكلام عن الخصال المتعلقة بالطهارة أولاً. ونختم بالخصال المتعلقة بالزينة؛ من باب تقديم التخلية على التحلية. الخصلة الأولى: انتقاص الماء. بالقاف: وقد وردت هذه الخصلة في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم وبقية الجماعة ماعدا البخاري. وقد ذكر وكيع - أحد رواة هذا الحديث: أن المراد بانتقاص الماء هو الإستنجاء بالماء [٨٥] . وقال ابن ماجه - أثناء سرده للحديث - بعد ذكر الإنتقاص: يعني الإستنجاء [٨٦] . وقال البدر العيني – موضحاً العلاقة بين الإنتقاص والإستنجاء بالماء-: الإنتقاص: انتقاص البول بالماء إذا غسل المذاكير به [٨٧] . وقال أبو عبيد- من علماء اللغة - انتقاص الماء: غسل الذكر بالماء، وذلك أنه إذا غسل الذكر ارتد البول ولم ينزل. وإن لم يغسل نزل منه الشيء حتى يستبرأ [٨٨] . وقيل الصواب: انتفاص الماء بالفاء. والمراد: نضح الماء على الذكر من قولهم لنضح الدم القليل: نُفْصَة. وجمعها: نُفَص [٨٩] .

стр. 8268

ولكن تفسير وكيع هو الأشهر والأصوب. وذلك لأن الإستنجاء بالماء هو الذي يساعد على تخلية الذكر من بقايا البول، المترسب في بعض ثنايا الذكر. ويكون ذلك في الوضوء حتى يكون المرء على يقين من عدم نزول شيء من بوله أثناء وضوئه أو بعده. أما النضح، فإنما يكون بعد الوضوء - على ما سيأتي- وليس المراد منه نقص البول بل الغرض منه إزالة الوسوسة من قلب المؤمن. في الطهارة. وقد اختلف أهل اللغة في الأصل الذي يرجع إليه استعمال الإستنجاء في إزالة آثار البول والغائط عن السبيلين فحكى العيني عن صاحب المطالع: أن الإستنجاء: إزالة النجو. وهو الأذى الباقي في فم المخرج وأكثر ما يستعمل في الماء. وقد يستعمل في الأحجار. وأصله من النجو وهو القَشْر والإزالة [٩٠] . ونقل صاحب اللسان عن أبي عبيد: أن النجو: ما يخرج من البطن من ريح أو غائط. وقد نجا الإنسان والكلب نجواً، والإستنجاء: الإغتسال بالماء من النجو والتمسح بالحجارة منه، وقال كراع، هو قطع الأذى بأيهما كان واستنجيت بالماء والحجارة أي تطهرت بهما. وقال الكسائي: يقال: ما أنجي فلان شيئاً وما نجا منذ أيام أي لم يأت الغائط، والإستنجاء: التنظف بمدر أو ماء، واستنجى أي. مسح موضع النجو أو غسله. وقال بعض العرب: أنجيت قضيباً من الشجرة فقطعته. واستنجيت الشجرة قطع لها من أصلها. ونجا غصون الشجرة نجواً واستنجاها قطعها، قال شمر: وأرى الإستنجاء في الوضوء من هذا لقطعه العذرة بالماء [٩١] . وحكى ابن الأثير ما جاء في حديث بئر بضاعة "تلقى فيها المحائص وما ينجى الناس "أي يلقونه من العذرة. يقال منه: أنجى ينجى؛ إذا ألقى نجوه ونجا وأنجى، إذا قضى حاجته منه، والإستنجاء، استخرج النجو من البطن. وقيل إزالته عن بدنه بالغسل والمسح [٩٢] .

стр. 8269

وقيل إن الإستنجاء من الحدث مأخوذ من النجوة وهو ما ارتفع من الأرض لأنه إذا أراد قضاء حاجته استتر بنجوة من الأرض [٩٣] . والإستنجاء في اصطلاح الفقهاء: هو إزالة النجاسة من السبيلين المعتادين بالماء أو الأحجار أو بهما معاً. سواءً كان الخارج بولاً أو غائطاً أو مذياً أو غير ذلك إذا خرج هذا الغير ملوثاً بالنجاسة [٩٤] . ثبوت الإستنجاء بالماء: ثبت الإستنجاء بالماء في السنة بأحاديث كثيرة منها: حديث أنس بن مالك ﵁: "كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء " [٩٥] . وفي رواية أخرى عن أنس: "أن رسول الله ﷺ دخل حائطاً وتبعه غلام معه ميضأة وهو أصغرنا فوضعها عند سدرة، فقضى رسول الله ﷺ حاجته فخرج علينا وقد استنجى بالماء " [٩٦] وعند البخاري:"إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء "، يعني يستنجي به [٩٧] . إنكار الإستنجاء بالماء: وقد أنكر ثبوت الإستنجاء بعض الشيعة وبعض الفقهاء مستندين في ذلك إلى بعض الآثار المروية عن بعض الصحابة والتابعين وتابعيهم والتي سنورد بعضها فيما يلي: أ- ما روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه سئل عن الإستنجاء بالماء. فقال:" إذن لا يزال في يدي نتن ". ب- وعن نافع ابن عمر: أنه كان لا يستنجي بالماء. جـ- وعن ابن الزبير: قال:"ما كنا نفعله ". د- نقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي ﷺ استنجى بالماء [٩٨] . هـ - روى مالك عن يحي بن سعيد "أنه سمع سعيد بن المسيب يسأل عن غسل الغائط فقال سعيد:"إنما ذلك وضوء النساء " [٩٩] . و– ونقل عن ابن حبيب من المالكية:"أنه منع الإستنجاء بالماء لأنه مطعوم " [١٠٠] .

стр. 8270

ز – وقيل إن عبارة "يستنجي بالماء "الواردة في حديث أنس المتقدم ليست من لفظ أنس، بل هي من قول أبي الوليد: - أحد الرواة عن شعبة - واستدل على ذلك بأن سليمان بن حرب رواه عن شعبة فلم يذكرها، وقال: فيحتمل أن يكون الماء لوضوئه [١٠١] . وعليه فلا يكون في الحديث دلالة على ثبوت الإستنجاء بالماء. وما حكاه ابن التين عن أبي عبد الله الملك البوني؛ من أن قوله:"يستنجي بالماء "مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس، فيكون مرسلاً فلا حجة فيه [١٠٢] . مناقشة أدلة هذا الفريق والرد عليها: أ، ب، جـ – ما نقل عن حذيفة وابن عمر وابن الزبير ﵁ ليس فيه نفي ورود الإستنجاء بالماء عن الرسول ﵊ أو كراهية فعله. بل غاية ما يفيده؛ أنهم كانوا لا يستعملونه بل كانوا يستعملون الأحجار. أو كان ذلك منهم على سبيل المبالغة لدفع قول من يقول بتعيين الماء لإزالة النجاسة الباقية على أحد السبيلين. وقد نقل عن ابن عمر "أنه بال بالمزدلفة فأدخل يده فنضح فرجه من تحت ثيابه " [١٠٣] . د – أما ما نقل عن مالك من إنكاره ثبوت الإستنجاء عن الرسول ﵊ فهو غريب إذ الثابت عن مالك هو تقديم الإستنجاء بالماء، حتى أنه إذا استجمر بالحجارة مرة وصلى فإنه ينبغي أن يستنجي بالماء ذلك لما يستقبل. قال ابن القاسم: وقال مالك:" لا يستنجى من الريح ولكن إن بال أو تغوط فليغسل مخرج الأذى فقط؛ إن بال؛ فمخرج البول الإحليل، وإن تغوط فمخرج الأذى فقط " [١٠٤] . وقال ابن القاسم أيضاً: قلت لمالك؛" فمن تغوط واستنجى بالحجارة ثم توضأ ولم يغسل ما هناك بالماء حتى صلى ". قال:"تجزئه صلاته وليغسل ما هناك بالماء فيما يستقبل" [١٠٥] . وكذلك قواعد المذهب المالكي؛ فإنها تقضي بأفضلية تقديم الماء على الأحجار إذا تعذر الجمع بينهما. وبالجملة؛ فإن مراتب الإستنجاء عندهم خمس: ١- ماء وحجر.

стр. 8271

٢- ماء ومدر. والمدر كل طاهر منق مستوف الشروط غير حجر. ٣- ماء فقط. ٤- حجر فقط. ٥- مدر فقط [١٠٦] . هـ - أما ما نقل عن سعيد بن المسيب، فاختلف العلماء في بيان المراد منه؛ فقال ابن نافع:"يريد سعيد: أن الإستنجاء بالحجارة بجزء الرجل، وإنما يكون الإستنجاء بالماء للنساء ". وقال الباجي:"يحتمل عندي وجهين: أحدهما أن يكون سعيد أراد أن ذلك حكم من أحكام النساء من جهة العادة والعمل، وأن عمل الرجال الإستنجاء - والوجه الآخر: أنه يريد ذلك عيب الإستنجاء بالماء " [١٠٧] . وقال النووي:"محمول على أن الإستنجاء بالماء لا يجب أو أن الأحجار عنده أفضل ". وقيل: ربما سعيد اتبع مذهب المهاجرين فهم كانوا يقتصرون في استنجائهم على الأحجار وقد قال ابن عبد البر في الإستذكار:"الإقتصار على الأحجار مذهب معروف عن المهاجرين بخلاف الأنصار فإنهم كانوا يجمعون بين الماء والحجارة ". وربما كان سعيد لم يصله خبر عن استنجاء الرسول ﷺ بالماء فاتبع مذهب المهاجرين بدليل ما جاء عند أبي شيبة عن سعيد بن المسيب لما ذكر له الإستنجاء بالماء قال: أنتم فعلتم ذلك؛ هم كانوا يجتزون بالحجارة " [١٠٨] . و– أما ما نقل عن ابن حبيب – فإن ثبت ذلك عنه – فإنه شاذ مخالف لقواعد المذهب المالكي التي أشرنا إليها فيما سلف. ز – أما نسبة عبارة الإستنجاء في حديث أنس المتقدم إلى غيره للوصول إلى عدم إثبات استنجاء النبي ﷺ بالماء. فهو مردود عليه بما يلي: أولاً: ترجيم البخاري لحديث أنس السابق بعبارة "الإستنجاء بالماء "والإمام البخاري فقيه ومحدث. وباختياره تصدير الباب بهذه الترجمة: إثبات الإستنجاء بالماء من النبي ﷺ عن طريق إثبات اتصال الحديث.

стр. 8272

ثانياً: ما رد به الحافظ بن حجر على هذه الدعوى؛ من أن عقبة رواه من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال:" يستنجي بالماء "وكذلك الإسماعيلي؛ من طريق ابن مرزوق عن شعبة:" فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها ﷺ "كما رواه البخاري عن طريق روح بن القاسم عن عطاء بن أبي ميمونة: "إذا تبرر لحاجته أتيته بماء فتغسل به "ولمسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس: "فخرج علينا وقد استنجى بالماء "وبهذا يثبت أن العبارة من قول أنس. وعليه فيكون الحديث صالحاً للإستدلال به على ثبوت الإستنجاء بالماء [١٠٩] . كما يتأكد ذلك؛ بما أخرجه الترمذي من حديث عائشة ﵂ قالت:"مُرْنََ أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم؛ فإن رسول الله ﷺ كان يفعله". قال الترمذي بعد سرده لهذا الحديث: هذا حديث حسن صحيح [١١٠] . وبما جاء عن ابن عباس ﵄ لما نزلت هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.. الآية﴾ [١١١] بعث النبي ﷺ إلى عويم بن ساعدة فقال:" ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم" فقالوا: يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه – أو قال – مقعدته، فقال النبي ﷺ :"هو هذا "رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن، إلا أن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه [١١٢] . أقول: ابن إسحاق لم يذكره البخاري في الضعفاء وذكره في التاريخ الكبير وقال:"قال لي علي بن عبد الله ابن عيينة؛ قال الزهري: من أراد المغازي فعليه بمولى قيس بن مخرمة هذا ". قال ابن عيينة:"ولم أر أحداً يتهم ابن إسحاق ". وقال:"قال لي عبيد بن يعيش سمعت يونس بن بكير يقول سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المحدثين بحفظه" [١١٣] . وقال فيه الحافظ في التقريب:" مقبول" [١١٤] . وقال الذهبي فيه:"هو صالح الحديث " [١١٥] .

стр. 8273

وقد روى حديث عويم بن ساعدة أيضاً؛ محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه وقد أخرجه الطبراني في الكبير وفيه شهر بن حوشب. وقد اختلفوا فيه. ولكن وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة ويعقوب بن شيبة [١١٦] . كما ذكره النووي في المجموع من رواية أبي أيوب وأنس عند ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وقال:"إسناده صحيح إلاّ أن فيه عتبة بن أبي حكيم وثقة الجمهور ولم يبين من ضعفه سبب تضعيفه. والجرح لا يقبل إلا مفسراً " [١١٧] . وبالجملة: فالحديث له طرق كثيرة من شأنها أن يعضد بعضها بعضاً وتجعله صالحاً للإستدلال به على ثبوت الإستنجاء بالماء. ويستدل لثبوته أيضاً بما جاء في الموطأ عن عثمان بن عبد الرحمن أن أباه حدثه أنه سمع عمر بن الخطاب يتوضأ بالماء لما تحت إزاره [١١٨] أي أنه سمع قول من قال إن عمر بن الخطاب يفعل ذلك. الحاصل: أن الإستنجاء بالماء أمر مشروع فعله رسول الله ﷺ واستحسنه وفعله أصحابه ﵃ ونبين فيما يلي مدى هذه المشروعية بمعنى هل تتقوى هذه المشروعية حتى تصل إلى الوجوب بحيث يتعين استعمال الماء أو تبقى في مجال السنية باعتبار أن رسول الله ﷺ فعله وداوم عليه ولم يأمر فيه بعزيمة أو تتنزل إلى درجة المندوب أو الأفضل نظراً للأثر الحسن المترتب على استعمال الماء. حكم استعمال الماء في الإستنجاء: لمعرفة حكم استعمال الماء في إزالة بقايا النجاسة عن مخرج البول أو الغائط علينا أن نعرض بإيجاز لحكم إزالة النجاسة عنهما: ثم ننتقل منه إلى ما نريد:

стр. 8274

يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبو ثور وإسحاق وداود: أن إزالة النجاسة عن أحد المخرجين واجبة لورود الطلب بها بصيغة الأمر مثل حديث عائشة ﵂ عند أبي داود قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه " [١١٩] . وكذلك حديث أبي هريرة " ليستنج بثلاثة أحجار " [١٢٠] والأمر يفيد الوجوب إذا أطلق وليس له صارف كما هنا. وغير ذلك من الأدلة. ويرى الحنفية ورواية عن مالك؛ ونقل عن المزني من أصحاب الشافعي: أن الإستنجاء سنة لمواظبته ﷺ ولا يجب لحديث أبي هريرة عن النبي على الله عليه وسلم قال:"من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " الحديث، أخرجه أبو داود وأحمد كما أخرجه الطحاوي في الآثار. ذكر ذلك البدر العيني بسنده. ثم قال: فالحديث صحيح ورجاله ثقات ثم رد كلام ابن حزم والبيهقي حول سند هذا الحديث. كما استدل هذا الفريق بأن النجاسة الحادثة بسبب البول والغائط هي كدم البراغيث في عدم وجوب إزالة أثرها، فكذلك عينها. وقال المزني:" لأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني " [١٢١] . ونكتفي بهذا الموجز لبيان آراء الفقهاء بعد أن تبين لنا قوة استدلال الفريق الأول على وجوب إزالة النجاسة الحاصلة على أحد المخرجين من أثر البول والغائط لنقصد إلى ما نريد. يرى أكثر الفقهاء – باستثناء بعض الشيعة وبعض الفقهاء كابن حبيب الذي يذهب إلى كراهة الإستنجاء بالماء لأنه مطعوم [١٢٢]-: أفضلية الجمع بين الماء والأحجار في الإستنجاء بأن يقدم الأحجار لإزالة عين النجاسة المتبقية على المحل ثم يتبعها بالماء لغسل الأثر الباقي بعد إزالة العين.

стр. 8275

ومحل هذه الأفضلية: إن توفر الماء وتوفرت الأحجار وأمكن الجمع بينهما، وإن توفرا معاً وتعذر الجمع بينهما لسبب ما. فالأفضل استعمال الماء فإنه مزيل لعين النجاسة وأثرها معاً، بخلاف الأحجار فإنها غالباً تزيل عين النجاسة ولكن يبقى أثرها. وهذه الأفضلية في الجمع بين الماء والأحجار التي قال بها جمهور الفقهاء؛ ليس لها سند صحيح من السنة يمكن الإعتماد عليه. وما جاء في بعض الروايات في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.. الآية﴾ من أن الأنصار كانوا يتبعون الأحجار بالماء، لم يصح منها شيء. قال النووي في رده على صاحب المهذب في استشهاده ببعض هذه الروايات:"وأما قول المصنف: قالوا نتبع الحجارة بالماء. فكذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير وليس له أصل في كتب الحديث " [١٢٣] . ثم قال:"فإذا علم أنه ليس له أصل من جهة الرواية فيمكن تصحيحه من جهة الإستنباط؛ لأن الإستنجاء بالحجر كان معلوماً عندهم يفعله جميعهم. وأما الإستنجاء بالماء فهو الذي انفردوا به فلهذا ذكر، ولم يذكر الحجر لأنه مشترك بينهم وبين غيرهم، ولكونه معلوماً فإن المقصود بيان فضلهم الذي أثنى الله عليهم بسببه. ويؤيد هذا قولهم إذا خرج أحدنا من الغائط أحب أن يستنجي بالماء. فهذا يدل على أن استنجاءهم بالماء كان بعد خروجهم من الخلاء. والعادة جارية أنه لا يخرج من الخلاء إلا بعد التمسح بماء أو حجر، وهكذا المستحب أن يستنجي بالحجر في موضع قضاء الحاجة، ويؤخر الماء إلى أن ينتقل إلى موضع آخر [١٢٤] . وما قاله النووي:"وهكذا المستحب إلى.. الخ ". محل نظر.. لأنهم كانوا يفعلون ذلك بحكم العادة أو أن بيوت الخلاء كانت ضيقة.. أو لا تتحمل استعمال الماء بها وربما كان هذا في الصحراء حيث الحجر متوفر. ولكن هذا قد يتعذر الآن. لذلك أرى أن تؤخذ أفضلية أتباع الأحجار بالماء على الإطلاق.

стр. 8276

الحالات التي يتعين فيها الإستنجاء بالماء: أ – يتعين استعمال الماء في الإستنجاء إذا تعدى الخارج المحل المعتاد؛ بأن تنتشر النجاسة إلى الصفحتين في الدبر، أو تمتد إلى الحشفة في الذكر. وذلك لأن الإستجمار بالحجر في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في تكرر غسله كلما أحدث، والرخصة تقدر بقدرها، أمّا ما عدا المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في تكرر غسله كلما أحدث فلا يجزئ فيه إلا الغسل لأن الأمر حينئذ خرج من موضوع الإستنجاء إلى موضع إزالة النجاسة وهي واجبة عند عامة الفقهاء. وأما ما كان يفعله بعض أصحاب رسول الله ﷺ من الإكتفاء بالأحجار فلعدم موجب استمال الماء عندهم، وهو تجاوز الخارج المحل المعتاد وهذا ما يفهم من قول علي ﵁: " إن من كان قبلكم كانوا يبعرون بعراً وأنتم اليوم تثلطون ثلطاً فاتبعوا الماء الأحجار " [١٢٥] يريد ﵁: أنههم كانوا يتغوطون يابساً كالبعر لأنهم كانوا قليلي الأكل وأنتم اليوم تثلطون رقيقاً وهو إشارة إلى كثرة الأكل والمآكل وتنوعها وعلى قول علي ﵁ يحمل قوله ﷺ : " يكفي أحدكم ثلاثة أحجار "أي ما لم يتجاوز محل العادة. ويستعمل الماء هنا لإزالة النجاسة الكائنة على المحل المعتاد والأماكن الأخرى التي وصل إليها عند أكثر الفقهاء خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف اللذين يقصران وجوب الإزالة بالماء للنجاسة الحاصلة على الأماكن الزائدة عن المحل المعتاد، أما المحل المعتاد فيكفي فيه الإستجمار بالأحجار [١٢٦] .

стр. 8277

٢- إزالة المني لمن فرضه التيمم كالمريض أو عادم الماء الكافي لاغتساله فإنه يتعين عليه غسل المني من المخرج بالماء عند أكثر الفقهاء الذين يقولون بنجاسة المني. كما يتعين الماء لغسل المني لمن فرضه الوضوء كأن خرج بلا لذة في حالة اليقظة أو لذة غير معتادة. فإنه يجب عليه إزالة المني عن المخرج قبل أن يشرع في الوضوء [١٢٧] . ويسن لمن فرضه الغسل ولكن أراد تأخيره لما بعد النوم، أن يغسل ذكره من المني قبل الوضوء ويشهد لذلك حديث ابن عمر ﵄ "ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال رسول الله ﷺ :"توضأ واغسل ذكرك ثم نم " [١٢٨] . ومعلوم أن الواو لمطلق الجمع أي أغسل ذكرك وتوضأ ثم نم وفي رواية أبي نوح عند مالك "فاغسل ذكرك ثم توضأ ثم نم " [١٢٩] . وأصرح من ذلك: حديث عائشة ﵂ عند البخاري قالت: " كان النبي ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة ". أي كوضوئه للصلاة [١٣٠] . ٣- إزالة دم الحيض أو النفاس للمريضة التي طهرت منه ولكنها لم تستطع الإغتسال أو تستطيع الإغتسال ولكن عدمت الماء الكافي لذلك فإنها يجب أن تزيل آثار دم الحيض أو النفاس قبل تيممها للصلاة وكذلك الحكم في الإستحاضة إن لم تلازم المرأة كل يوم ولو مرة وإلا فهو معفو كسلس البول [١٣١] . ٤- إزالة بول المرأة بكراً أو ثيباً لتعديه المخرج عادة. وقد استثني الحنابلة البكر من وجوب استعمال الماء لإزالة البول عن المخرج بحجة أن عذرتها تمنع انتشار البول وكذلك الثيب إذا خرج بشدة لأن حدته تمنع انتشاره حول المخرج [١٣٢] . ويلاحظ أن تعين الغسل هنا وفي الحالات السابقة هو من باب إزالة النجاسة وتعين الماء لإزالة النجاسة محل اتفاق عند أكثر العلماء.

стр. 8278

٥- إزالة المذي من محل الخارج أو الأماكن الأخرى التي وصل إليها. وقيل بوجوب غسل كل الذكر وقيل كل الذكر مع الأنثيين. فمن أخذ بحديث علي:"سألت النبي ﷺ عن المذي فقال:"من المذى الوضوء ومن المني الغسل " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [١٣٣]-: قال بالإقتصار على موضع المذي فقط. ومن أخذ بحديث المقداد بن الأسود - "ليغسل ذكره"الحديث ولم يذكر فيه الأنثيين. وقد اختلف في وصله وإرساله – [١٣٤]-: قال بالإقتصار على غسل كل الذكر فقط. ومن أخذ بحديث حزام بن حكيم عن عمه عبد الله الأنصاري الذي جاء فيه:"سألت رسول الله ﷺ عما يوجب الغسل وعن الماء يكون بعد الماء؟ فقال:"ذلك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة " [١٣٥] قال بغسل الذكر كله والأنثيين. وقد رد ابن القيم قول ابن حزم بتضعيف هذا الحديث وذكر له شاهداً من حديث عليّ عند أبي عوانة وفيه:"يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ " [١٣٦] . فهذه هي أهم الحالات التي يتعين فيها استعمال الماء في الإستنجاء وإن كان الحنفية يرون أن المائع الطاهر كالخل وماء الورد يحل محل الماء في حكم إزالة النجاسة المذكورة في الصورة السابقة [١٣٧] . أما في غير هذه الحالات وما يماثلها فلا بأس من استعمال الأحجار ونحوها في الإستطابة من البول والغائط ولو مع توفر الماء – وإن كان استعمال الماء أفضل كما أشرنا لذلك فيما تقدم – لثبوت ذلك في السنة. من قال بتعيين الماء مطلقاً في الإستنجاء وأدلتهم نقل عن بعض أصحاب مالك:"أن الإستجمار بالأحجار لا يكون إلا عند عدم الماء "كما نسب إلى العترة والحسن البصري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي علي الجبائي: القول بعدم اجتزاء الحجارة للصلاة ووجوب الماء وتعيينه في الإستنجاء وأهم أدلتهم ما يلي:

стр. 8279

١- قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [١٣٨] . ٢- حديث أنس المتقدم؛ وفيه ثبوت استنجاء النبي ﷺ بالماء. ٣- حديث عائشة:"مُرْن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء.." الخ وقد تقدم. ٤- حديث قباء: وفيه الثناء على أهلها لأنهم كانوا يستنجون بالماء وقد تقدم الكلام عليه. وقد أجيب عن هذه الأدلة بما يلي: ١- بالنسبة للآية، فقد وردت في الوضوء ولا شك أن الماء متعين له ولا يجزئ التيمم إلا عند عدمه. ٢- أما حديث أنس؛ ففيه ثبوت الإستنجاء بالماء وليس فيه ما يدل على تعيينه وحصر الإستطابة فيه. ٣- أما حديث عائشة؛ فإنه يفيد ثبوت استنجاء النبي ﷺ بالماء كما يفيده حث الأصحاب على الإقتداء به ﷺ في ذلك. والسنة في فعله ﷺ – لا في قول عائشة ﵂ – وقد ثبت عنه الأمران. ٤- حديث قباء – على فرض ثبوته – فهو يفيد استنجاء بالماء أو إتباع الأحجار بالماء وليس فيه قصر الإستنجاء على الماء دون الأحجار [١٣٩] . والمعتبر في حد الإستنجاء هو الإنقاء ولا يتقيد بعدد معين إذ لم يصح عن النبي ﷺ في ذلك عدد معين ولا أمر به. فالمدار على الإنقاء حتى تذهب لُزوجة النجاسة وآثارها [١٤٠] . آداب الإستنجاء: ١- يندب لمن أراد الإستنجاء بالماء: أن يتحوط في ذلك بإحضار الماء الذي يريد استعماله في الإستنجاء أو يؤكد من وجوده في المكان الذي يجلس فيه لذلك؛ لما جاء في حديث أنس ﵁: "كان رسول الله ﷺ إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام معنا إداوة من ماء "أخرجه البخاري [١٤١] . وفي رواية له أيضاً "فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء ".

стр. 8280

وقال أبو الدرداء: - موجهاً كلامه لأهل الكوفة – "أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد " [١٤٢] يقصد ابن مسعود ﵄. ٢- كما ينبغي على الشخص ستر عورته عن الناس عند إرادته التكشف للإستنجاء للجماع على حرمة كشف العورة في الجملة. فإذا خشي رؤية الناس لعورته وجب الستر. لما جاء في قوله ﷺ – من حديث طويل – "من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا كثيباً من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم " رواه أبو داود [١٤٣] . وفي فتح القدير: إنما يستنجي إذا وجد مكاناً يستر فيه نفسه. ولو كان على شط نهر ليس فيه ما يستره لو استنجى بالماء، قالوا يفسق [١٤٤] . ٣- ألا يمس ذكره بيمينه حال الإستنجاء. وقد عقد الإمام البخاري باباً في صحيحه وترجم له بهذا المعنى حيث قال: (باب النهي عن الإستنجاء باليمين) ثم ذكر بعد ذلك حديث قتادة عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه " [١٤٥] بل ينبغي أن يستعمل اليد اليسرى في الإستنجاء لحديث حفصة ﵂:"أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل شماله لما سوى ذلك " [١٤٦] . والنهي هنا عن الإستنجاء باليمين إنما هو للتنزيه عند الجمهور وللتحريم عند الإمام أحمد وأهل الظاهر. وإنما كان للتنزيه عند الجمهور لأن النهي فيه لمعنيين؛ أحدهما: لرفع قدر اليمين، والآخر: أنه لو باشر النجاسة بها فإنه ربما يتذكر عند تناوله الطعام ما باشرت يمينه من النجاسة فينفر طبعه من ذلك.

стр. 8281

وقد حمل أحمد والظاهرية النهي على التحريم لأن النهي إذا أطلق وليس له صارف يكون للتحريم. وقد تشدد أهل الظاهر في هذه المسألة حتى قال الحسين بن عبد الله الناصري، في كتابه (البرهان) على مذهب أهل الظاهر: ولو استنجى بيمينه لا يجزيه، وهو وجه عند الحنابلة وطائفة من الشافعية [١٤٧] . ٤- كما ينبغي عليه إذا أراد الإستنجاء عقب البول أن يستبرئ منه حتى لا ينزل منه شيء بعد الإستنجاء أو بعد الوضوء. وهو يختلف باختلاف الأشخاص، فقد يكون بالمشي بضع خطوات، وقد يكون بالتنحنح قليلاً، وقد يكون بالسلت والنتر الخفيفين؛ والسلت: هو إمرار الإبهام على أعلى القضيب من بدايته والسبابة من أسفله كذلك. ويمرهما معاً ثم ينتره نتراً خفيفاً بضع مرات مع التلطف وعدم الإسترسال في ذلك، حتى لا تسترخي أعصاب القضيب وتسبب له أضراراً كثيرة وأيضاً: حتى لا يصل إلى الوسوسة المضرة بالدين وبعض الناس لا يحتاج في استبرائه إلى شيء من ذلك. وبالجملة: ينبغي على المرء أن يستبرئ حتى يطمئن إلى عدم نزول شيء من البول بعد الإستنجاء أو بعد الوضوء – وقد وردت في الإستبراء أحاديث كثيرة أصحها حديث ابن عباس في قصة صاحبي القبرين فقد جاء فيه: "أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله " وفي الترمذي "لا يستتر من بوله "أي لا يتحفظ منه وعند أبي نعيم "كان لا يتوقى " أخرجه مسلم والبخاري وأبو داود والنسائي [١٤٨] . وقد اختلف العلماء في حكم الإستبراء؛ فأوجبه المالكية وبعض الحنفية وبعض الشافعية. وقال يندبه الحنابلة وبعض الحنفية وأكثر الشافعية. وأرى أن يحمل الوجوب على ما إذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إذا لم يستبرئ خرج منه شيء بعد التطهر. فإن لم يتحقق أو غلب على ظنه ذلك، فإنه يندب فعله على سبيل التحوط [١٤٩] .

стр. 8282

٥- ينبغي لمن أراد الإستنجاء بالماء أن يبل يده التي سيلاقي بها الأذى بالماء حتى تنسد المسام في كفه فلا تتسرب بعض آثار الفضلات في داخلها فيصعب بعد ذلك إزالة الرائحة منها [١٥٠] . كما يسن في حقه أيضاً أن يدلك هذه اليد بعد الإستنجاء بتراب ونحوه أو يغسلها بمنظف آخر كصابون وغاسول ونحوهما من المواد المستعملة [١٥١] في النظافة وقد أخرج أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ قال:"كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ثور أو ركوة فاستنجى ثم مسح يده على الأرض ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ "أخرجه أبو داود. كما أخرج ابن ماجه رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قضى حاجته ثم استنجى من تور ثم دلك يده بالأرض " [١٥٢] . ٦- كما ينبغي عليه أن يبدأ بغسل قُبُلهِ أولاً حتى لا يتنجس إذا ما بدأ بغسل دبره أولاً، كما ينبغي عليه أن يسترخي قليلاً عند غسل مقعدته لأنه أعون على الإستنجاء الجيد. الخصلة الثانية الإنتضاح: معنى الإنتضاح: اختلف العلماء في تفسير معنى الإنتضاح الوارد في بعض أحاديث الفطرة. وقد حكى ابن العربي أربعة أقوال للعلماء في بيان المراد من عبارة "فانتضح "الواردة في حديث هريرة أن النبي ﷺ قال:"جاءني جبريل فقال يا محمد إذا توضأت فانتضح " [١٥٣] وقد تقدم تخريجه: الأول: معناه إذا توضأت فصب الماء على العضو صباًّ ولا تقتصر على مسحه فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل. الثاني: معناه: استبرىء الماء بالنتر والتنحنح: يقال: نضحت: استبرأت وانتضحت: تعاطيت الإستبراء له. الثالث: معناه إذا توضأت فرش الإزار الذي يلي الفرج ليكون ذلك مذهِباً للوسواس.

стр. 8283

الرابع: معناه الإستنجاء بالماء. إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار. فإن الحجر يخفف الوسخ والماء يطهره، وقد حدثني أبو مسلم المهدي؛ قال:"من الفقه الرائق: الماء يذهب الماء ". ومعناه: أن من استنجى بالحجر فإنه لا يزال البول يرشح فيجد منه البلل فإذا استعمل الماء نسب الخاطر ما يجد من البول إلى الماء وارتفع الوسواس انتهى كلام ابن العربي [١٥٤] . وقال صاحب التحفة:"والحق أن المراد بالإنتضاح في هذا الحديث: هو الرش على الفرج بعد الوضوء، كما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب " [١٥٥] . وقال الخطابي في معالم السنن في تعليقه على حديث الحكم بن سفيان الثقفي:"كان رسول الله ﷺ إذا بال يتوضأ- توضأ- ينتضح ".. الإنتضاح ههنا الإستنجاء بالماء وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء ". وقال أيضاً:"وقد يتأول الإنتضاح أيضاً على رش الفرج بالماء بعد الإستنجاء ليدفع بذلك وسوسة الشيطان ". وذكر النووي عن الجمهور:"أن هذا الثاني هو المراد ههنا ". وقال صاحب العون:"قلت: وهذا- إشارة إلى كلام النووي:- هو الحق " [١٥٦] . ويتأيد ما ذكره النووي من أن الإنتضاح: هو الرش بالماء على الفرج وما يلبسه من السراويل ونحوها بما نقله صاحب التحفة من حديث ابن عباس الذي أخرجه عبد الرزاق في جامعه " أنه شكا إليه رجل فقال إني أكون في الصلاة فيتخيل لي أنه بذكري بللاً. فقال: قاتل الله الشيطان إنه يمس ذكر الإنسان ليريه أنه قد أحدث. فإذا توضأت فانضح فرجك بالماء فإن وجدت فقل هو من الماء ففعل الرجل ذلك فذهب " [١٥٧] وهذا الأثر موقوف على ابن عباس ﵁ لما جاء في سنن البيهقي عن سعيد بن جبير: أن رجلاً أتى ابن عباس فذكره [١٥٨] .

стр. 8284

كما يتأيد ما ذكره النووي أيضاً بما قال أهل اللغة في تفسير بعض الأحاديث الواردة فيه: قال صاحب النهاية:" من السنن العشر الإنتضاح بالماء "وهو أن يأخذ قليلاً من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقد نضح عليه الماء ونضح به إذا رش عليه [١٥٩] . وقال صاحب اللسان: استنضح الرجل وانتضح: نضح شيئاً من ماء على فرجه بعد الوضوء، وروى عن النبي ﷺ أنه عد عشر خلال من السنة وذكر فيها الإنتضاح بالماء. وهو: "أن يأخذ ماء قليلاً فينضح به مذاكيره ومُؤْتَزَرَه بعد فراغه من الوضوء لينفي بذلك عنه الوسواس " [١٦٠] . إذا ثبت هذا أقول: استحب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنفية والحنابلة أن يرش على الفرج أو ما حول من إزار أو سروال أو ثوب؛ قليلاً من الماء ليقطع بذلك وسوسة الشيطان. قال حنبل: سألت أحمد، قلت: أتوضأ واستبرئ وأجد في نفسي قد أحدثت بعده. قال:"إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفاً من ماء فرشه على فرجك ولا تلتفت إليه فإنه يذهب إن شاء الله " [١٦١] . الخصلة الثالثة من خصال الفطرة: غسل البراجم: وقد ورد في الأمر بتنقية البراجم من الأوساخ عند الطهارة للصلاة وغيرها، فقد أخرج ابن عدي من حديث أنس:"أن النبي ﷺ أمر بتعامد البراجم عند الوضوء، وذلك لأن الوسخ إليها سريع.. الحديث". قال العراقي:" إسناده ضعيف " [١٦٢] لكن له شواهد من حديث عائشة عند مسلم المذكور في صدر البحث. وللترمذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث عبد الله بن يسر رفعه:"قصوا أظفاركم، وادفنوا قلائمكم، وتقّوا براجمكم "وفيه عمر بن بلال وهو غير معروف [١٦٣] . كما روى أحمد في المسند من حديث ابن عباس:"أنه قيل له: يا رسول الله لقد أبطأ عنك جبريل. فقال: "ولم لا يبطئ عني وأنتم لا تستنّون ولا تقلّمون أظفاركم ولا تقصون شواربكم ولا تتقون رواجبكم " [١٦٤] .

стр. 8285

قال أبو عبيد:"البراجم والرواجب مفاصل الأصابع كلها "، وقال ابن سيده؛" البرجمة: المفصل الظاهر من المفاصل.. وقيل الباطن منها ". وحكى عن صاحب التهذيب:"أن البراجمة: هي البقعة الملساء التي بين البراجم، والبراجم: هي المشنّجات في مفاصل الأصابع ". وقال في موضع آخر:"المشنجات في طهور الأصابع، وفي كل أصبع ثلاث برجمات إلا الإبهام فلها برجمتان ". وحكى عن الجوهري:"أن البراجم: هي مفاصل الأصابع التي بين الأشاجع والرواجب والأشاجع – جمع أشجع -: وهي أصول الأصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف وقيل عروق ظاهر الكف. والرواجب هي رؤوس السلاميّات من ظهر الكف إذا قبض القابض كفه نشزت وارتفعت ". وقال محقق اللسان:"البراجم: رؤوس السلاميات، والرواجم – الرواجب – بطونها وظهورها ". هذا ما قاله علماء اللغة في بيان معنى البراجم والرواجب والأشاجع [١٦٥] ولكني أختار في بيانها ما قاله الإمام الرهوني في حاشيته على الزرقاني حيث قال:" الرواجب: هي مفاصل الأصابع العليا والبراجم: هي الوسطى والأشاجع هي السفلى التي تتصل ظاهر الكف ". وقد نظمها في بيتين من الزجر تقريباً للحفظ قال: رواجب براجم أشاجع ثلاثة مفاصل الأصابع فأول لأول ثم كذاك والبدء من أعلى فحقق ما هناك [١٦٦] ويرجح النووي كلام أبي عبيد وصاحب المحكم:"بأن الرواجب والبراجم جميعاً هي مفاصل الأصابع كلها " [١٦٧] وهو ما يفهم من قول الخطابي. بأنها المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ ولا سيما ممن لا يكون طري البدن، وقول الغزالي:"كانت العرب لا تغسل اليد عقب الطعام فيجتمع في تلك الغضون وسخ فأمر بغسلها " [١٦٨] . والحاصل: أن بعض العلماء فسر البراجم: بأنها عقد ظهور الأصابع فقط. ومنهم من فسرها: بأنها عقد بطون الأصابع فقط. ومنهم من فسرها بأنها عقد بطون الأصابع وظهورها.

стр. 8286

فعلى رأي الفريقين الأول والثاني يكون بعض العقد قد نص عليها والبعض لم ينص عليها ولكن ما لم ينص عليها أيضاً يتعهدها بالتنقية والتنظيف قياساً على ما نص عليه لوجود العلة فيه وهي تسارع الوسخ إليه. وقد أدخل العلماء في هذا الباب كل العقد التي تكون مجتمعاً للوسخ سواء كانت في ظهور الأصابع أو بطونها، وسواء كانت في اليدين أو الرجلين كما ألحقوا بها ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن وقعر الصماخ فيزيله بالمسح لأنه ربما أضرت كثرته بالسمع. وكذلك ما يجتمع في داخل الأنف أو أي موضع شبيه بالبراجم في جميع أجزاء سواء نشأ عن عرق أو غبار أو غيرهما [١٦٩] . تنظيف البراجم سنة: والمراد: أنه يسن في حق المسلم أن يتعاهد هذه المواضع بإظهار ما يخفى من ثنايا هذه العقد، وإمرار الماء عليها ودلكها حتى يتأكد من نظافتها وليس ذلك في حال الوضوء فقط بل في كل ما يرى ضرورة لذلك. وقد أشار الإمام النووي إلى هذا المعنى حيث قال:" وأما غسل البراجم فمتفق على استحبابه. وهو سنة مستقلة غير مختصة بالوضوء " [١٧٠] . الخصلة الرابعة: الإستياك: والإستياك: هو دلك الفم بالسواك أو المسواك. والسواك أو المسواك: اسم للآلة التي تستعمل في دلك الفم. والإستياك مشتق من ساك؛ فإذا قيل: إستاك أو تسوك فلا يذكر الفم. يجمع السواك على سوك على وزن فعل، مثل كتاب وكتب، وربما همز فيقال فيه: سؤك، ويذكر ويؤنث؛ ففي الحديث "السواك مطهرة للفم "؛ أي يطهر الفم. قال أبو منصور:"ما سمعت أن السواك يؤنث "ثم قال:" والسواك مذكر.."وقوله: "مطهرة للفم"؛ كقولهم الولد مجبنة مجهلة مبخلة [١٧١] . ما يستاك به:

стр. 8287

ومشروعية الإستياك تحصل بكل شيء خشن يصلح لإزالة بقايا الطعام والرائحة المتغيرة من الفم، والصفرة التي تعلو الأسنان؛ وذلك كالخرقة أو الخشبة أو الأصابع الخشنة. وقد جاء في سنن البيهقي من حديث أنس أن رجلاً من الأنصار من بني عمرو بن عوف قال: يا رسول الله؛ إنك رغبتنا في السواك فهل دون ذلك من شيء؟ قال: "إصبعاك سواك عند وضوئك تمرهما على أسنانك، إنه لا عمل لمن لا نيّة له ولا أجر لمن لا حُسْبةَ له " [١٧٢] الحديث رجاله ثقات إلا أن الراوي له عن أنس بعض أهله غير مسمى وقد ورد في بعض طرقه بأنه النضر بن أنس وهو ثقة. ولفظه: "تجزئ من السواك الأصابع " [١٧٣] . وفيه عيسى بن شعيب البصري. قال فيه عمرو بن علي الفلاّس:"إنه صدوق "وقال ابن حبان:"كان ممن يخطئ حتى فحش خطؤه فاستحق الترك "وله عند البيهقي طريق آخر غير طريق عيسى بن شعيب؛ في إسنادها: إسماعيل بن أبي نصر الصابوني عن محمد الحسن بن محمد المخلدي عن محمد بن حمدون بن خالد عن أبي أمية الطرسوسي، عن عبد الله بن عمر الحمال، عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس، قال قال رسول الله ﷺ :"الإصبع تجزئ من السواك " [١٧٤] . وفيه عبد الله بن المثنى. قال الحافظ فيه:"صدوق كثير الغلط " [١٧٥] . وقد جزم النووي بصحة إجزاء الإصبع الخشنة في الإستياك سواء كانت إصبع نفسه أو إصبع غيره موافقاً بذلك كثيراً من الفقهاء [١٧٦] . ومخالفاً للصحيح المشهور عند الشافعية بعدم صحة إجزاء إستياك الإنسان بإصبع نفسه [١٧٧] . وعند الحنابلة رأيان في الإستياك بالإصبع والخرقة؛ قيل لا يصيب السنة لأن الشرع لم يرد به ولا يحصل الإنقاء به حصوله بالعود. قال صاحب المغني:- بعد ذكر ما تقدم:" والصحيح أنه يصيب بقدر ما يحصل من الإنقاء ولا يترك القليل من السنة للعجز عن تحصيل كثيرها والله أعلم " [١٧٨] .

стр. 8288

وإني لأعجب من موقف الشافعية، إذ يفرقون بين الإستياك بإصبع الغير وإصبع الشخص نفسه فيجيزون الإستياك بإصبع الغير ويمنعون أن يستاك الإنسان بإصبع نفسه؟ والحق أن المدار على الإنقاء وإزالة الرائحة من الفم فإن كان الإصبع خشناً قادراً على ذلك أجزأ الإستياك به وإن كان لا يستطيع ذلك فلا، والله أعلم. قال ابن عبد البر:"ما جلا الأسنان ولم يؤذها ولا كان من زينة النساء فجائز لاستنان به " [١٧٩] . أفضل ما يستاك به: يرى أكثر العلماء أفضلية الإستياك بعود الأراك، وهو شجر طيب الرائحة ثم بعده، جريد النخل، ثم عود الزيتون، ثم ما له رائحة ذكية، ثم غيره من العيدان مما لم ينه عنه [١٨٠] . وقال البعض بأفضلية الإستياك بعود الزيتون وقالوا: هو أفضل من عود الأراك؛ لأنه يطيب الفم [١٨١] . وقد أخرج الطبراني من حديث أبي خبرة الصباحي وله صحبة فذكر حديثاً قال فيه؛"ثم أمر لنا يعني رسول الله ﷺ بأراك فقال: "استاكوا بهذا ". وروى الحاكم في المستدرك من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مرض رسول الله ﷺ ومعه سواك من أراك فأخذته عائشة ﵂ فطيبته تم أعطته رسول الله ﷺ فاستن به. وقال العراقي- بعد ذكره لهذا الحديث، والحديث الذي قبله - الحديث أي حديث عائشة في الصحيح وليس فيه ذكر الأراك وفي بعض طرقه عند االبخاري؛ ومعه سواك من جريد النخل. ثم قال.. وروى أحمد في مسنده من حديث ابن مسعود "أنه يحتبي سواكاً من الأراك " [١٨٢] . ما لا يستاك به: ويستحب ألاّ يستاك بعود ليّن لا يقلع القلحة ولا يزيل الرائحة، ولا بعود يابس يجرح اللثة بل يستاك بعود وسط بين الليونة واليبوسة ويمكن معالجة اليابس بوضعه في الماء بعض الوقت.

стр. 8289

وقد حكى عن ابن عبد البر: كراهة الإستياك بالريحان والقصب لأنهما يسببان بعض الأمراض [١٨٣] . وفي المغني: كراهة الإستياك بعود الريحان والآس والأعواد الزكية لما روى عن قبيصة بن ذؤيب؛ قال: قال رسول الله ﷺ :"لا تتحللوا بعود الريحان ولا الرمان فإنهما يحركان عرق الجذام " رواه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده، وقيل السواك يضر بلحم الفم [١٨٤] . وأضاف بعض العلماء كراهة الإستياك بأعواد التبن والقصب والأشنان- أحد المواد المنظفة- والحلفة وكل ما جهل أصله من الأعواد وقد نظم بعض أهل العلم في ذلك بيتين من الرجز تسهيلاً للحفظ حيث قال: تجنب من الأشياء سبعاً فلا تكن بها أبداً تستاك تنجو من العطب بحلفة أو رمّان أو ما جهلته وريحان أو أشنان أو تبن أو قصب [١٨٥] وحكى ابن عبد البر عن بعض أهل العلم كراهة السواك بشيء يغير الفم ويصبغه بأي لون لما فيه من التشبه بزينة النساء [١٨٦] . كيفية الإستياك: استحب العلماء: أن يبدأ المسلم الإستياك من الجانب الأيمن من فمه لما ثبت من حب رسول الله ﷺ للتيامن في كل شيء. وأن يكون الإستياك عرضاً في الأسنان حتى لا يدمي لحم لثة وقد وردت بعض الآثار في جعل الإستياك عرضاً في الأسنان منها ما رواه البيهقي في سننه عن ربيعة بن أكثم قال "كان رسول الله ﷺ يستاك عرضاً ويشرب مصّاً ويقول: "هو أهنأ وأمرأ " [١٨٧] . قال العراقي: إن ربيعة بن أكثم استشهد بخيبر، فعلى هذا يكون الحديث منقطعاً؛ لأنه من رواية ابن المسيب عنه [١٨٨] . كما روى أبو داود في المراسيل وذكره البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال قال رسول الله ﷺ :"إذا شربتم فاشربوا مصّاً وإذا استكتم فاستاكوا عرضاً " [١٨٩] .

стр. 8290

وعند أبي نعيم من كتاب له في السواك عن عائشة ﵂ قالت:"كان النبي ﷺ يستاك عرضاً ولا يستاك طولاً " قال العراقي إسناده ضعيف [١٩٠] إلى غير ذلك من الأحاديث التي لم يخل أحدها من مقال ولكن يستأنس بها مع الفوائد المترتبة على الإستياك عرضاً؛ للقول بأفضليته. وأن يكون الإستياك طولاً في اللسان لما جاء في البخاري ومسلم وأبي داود واللفظ له؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال:"أتينا رسول الله ﷺ نستحمله فرأيته يستاك على لسانه". وقال سليمان، قال:"دخلت على النبي ﷺ وهو يستاك وقد وضع السواك على طرف لسانه وهو يقول: "إه إه " [١٩١] وإه: بهمزه مكسورة بعدها هاء ساكنة وفي رواية البخاري: "يقول أعْ أعْ والسواك في فيه كأنه يتهوع " [١٩٢] أي كأنه يتقيأ. وعند ابن خزيمة:"عا عا " وفي صحيح الجوزي "إح إح " بكسر الهمز وبالحاء المهملة. وفي مسند أحمد:"واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق " ووصفه غيلان بأنه يستن طولاً. وكل هذه الروايات؛ تفيد أنه ﷺ كان يبلغ بالسواك إلى أقصى الحلق. وإنما اختلف الرواة في حكاية الصوت الذي كان يخرج من فمه ﷺ حينما كان يستاك لتقارب مخارج هذه الأحرف [١٩٣] . وقد حكى النووي عن بعض أهل العلم كيفية الإستياك؛ قال:"يستحب أن يستاك عرضاً في ظاهر الأسنان وباطنها ويمر السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه ويمره على سقف حلقه إمراراً خفيفاً ". قال:"وأما جلاء الأسنان بالحديد وبردها بالمبرد فمكروه لأنه يضعف الأسنان ويفضي إلى انكسارها، ولأنه يخشنها فتتراكم الصفرة عليها والله أعلم " [١٩٤] .

стр. 8291

ويستحب غسل السواك بعد الإستعمال لتطييبه وتنظيفه مما علق به من الفم لئلا ينفر الطبع منه بعد ذلك، ولما أخرجه أبو داود عن عائشة ﵂ أنها قالت:"كان النبي ﷺ يستاك فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه " [١٩٥] والمراد بقول عائشة ﵂:"فأبدأ به "؛ أي باستعماله في فمي قبل الغسل لتصل بركة فم رسول الله ﷺ إليّ. ولا بأس من استعمال السواك الواحد لأكثر من شخص لحديث عائشة ﵂ عند أبي داود " كان رسول الله ﷺ يستن وعنده رجلان أحدهما أكبر من الآخر فأوصى إليه في فضل السواك أن كبّر، أعط السواك أكبرهما " [١٩٦] قال صاحب العون في تفسير هذه العبارة: أي أوحى إليه أن فضل السواك وحقه أن يقدم من هو أكبر [١٩٧] ولعل المعنى المراد هو - والله أعلم - أن الله بعد أن أوصى إليه ما للسواك من فضل أعلمه بأن من أحكامه: أن يقدم الأكبر فالأكبر إذا اجتمع عدة أشخاص على الإستياك بسواك واحد. ولا خلاف بين أهل العلم في أفضلية البداءة بالجانب الأيمن من الفم ولكنه قد اختلف هل يباشر المرء الإستياك بيده اليمنى أو اليسرى؟ فنقل عن بعض أهل العلم من متأخري الحنابلة: أن الإستياك يكون باليد اليمنى: لأنه ورد في بعض طرق حديث عائشة المشهور؛ "كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وتطهره وسواكه " [١٩٨] ولأن السواك من باب التطيب وهو يكون باليد اليمنى. وقد نص صاحب المغني على استحباب التيامن في الإستياك. ولكنه لم يفصل مراده منه؛ هل التيامن المستحب هو البداءة بالجانب الأيمن من الفم أو الإستياك باليد اليمنى [١٩٩] .

стр. 8292

وقال بعض الشافعية: الظاهر أنه يكون باليد اليسرى لأنه من باب إزالة الأذى كالإمتخاط ونحوه وقوى هذا الفريق رأيه هذا بما نقل عن أبي العباس القرطبي من المالكية حيث قال في المفهم:" حكاية عن مالك أنه لا يتسوك في المساجد لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم ". وقد أجابوا عن استدلال الفريق الأول: بأن المراد منه: البداءة بالشق الأيمن في الترجل والبداءة بلبس النعل والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهر، والبداءة بالجانب الأيمن من الفم في الإستياك [٢٠٠] . وبهد أن تبين لنا أن كلا الرأيين يخلو من دليل قوي، وأنه من الناحية العملية: نجد أنه من العسير حمل فائدة السواك على أحد الأمرين: التطيب، أو إزالة القذر بصفة قاطعة؛ لأنه يقوم بالأمرين معاً وإن كان إلى الثاني أقرب. كما أن قيام اليدين بتسويك جانب الفم والأسنان، ظاهراً وباطناً. أمر شاق إن لم يكن متعذراً لذلك ينبغي أن يستاك بما يستطيعه سواء باليد اليمنى أو اليسرى أو هما معاً. لا بأس من الإستياك أمام الناس: نقل عن القاضي عياض بأن ذا المروءة لا ينبغي له فعل السواك أمام الناس [٢٠١] . وهذا محمول على أنه من باب إزالة القذر وربما كان هذا الرأي مستنداً إلى ما تقدم نقله عن الإمام مالك من عدم الإستياك بالمساجد ... وقد رد ابن دقيق العيد هذا القول بأمرين: الأول: ما ورد من حديث أبي موسى ﵁ قال:"أتيت النبي ﷺ وهو يستاك وطرف السواك على لسانه يقول:"أعْ أعْ "والسواك في فيه كأنه يتهوع. وقال: إن بعضهم ترجم على هذا الحديث باستياك الإمام بحضرة رعيته ". الثاني: أن السواك من باب العبادات والقرب فلا يطلب إخفاؤه. والله أعلم [٢٠٢] . وقد أجيب عن هذين الأمرين بما يلي:

стр. 8293

بالنسبة للأمر الأول: فإن النبي ﷺ لم يبدأ الإستياك بحضرة أبي موسى بل كان متلبساً به قبل مجيئه. كما أن أبا موسى واحد لا جماعة وأيضاً فإن النبي ﷺ يستشفى بجميع فضلاته فلا يستقذر ذلك منه بخلاف غيره [٢٠٣] . أما بخصوص ترجمة النسائي للحديث بقوله: (هل يستاك الإمام بحضرة رعيته) فقد قال العلامة السندي- تعليقاً على هذه الترجمة - إنها تشير إلى أن الإستياك بحضرة الغير ينبغي أن يكون مخصوصاً بما لا يكون ذلك مستقذراً منه لكونه إماماً ونحوه. والله تعالى أعلم [٢٠٤] اهـ. وأما بالنسبة للأمر الثاني فقد أجيب عنه بأن كونه من باب العبادات والقرب لا يدل على فعله بحضرة الناس؛ ألا ترى أن الإستبراء واجب ونتف الإبط مندوب ومع ذلك ينبغي إخفاؤهما [٢٠٥] وأرى أنه لا بأس من الإستياك بحضرة الناس لثبوت استياكه ﷺ في حديث أبي موسى أمام الناس. ولم يكن أبا موسى وحده بل كان معه غيره فقد جاء عن النسائي: عن أبي موسى قال أقبلت إلى النبي ﷺ معي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله ﷺ يستاك.." الحديث [٢٠٦] . كما ثبت ذلك عن أصحاب رسول الله ﷺ فقد جاء في سنن الترمذي: كان زيد ابن خالد يشهد الصلوات في المسجد وسواكه على أذنه "موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استنّ ثم ردّه إلى موضعه " [٢٠٧] . وثالثاً لم يرد نهي عن الرسول ﵊ لأحد من الصحابة عن الإستياك بالمسجد أمام الناس بالرغم من كثرة المستعملين له وإدامتهم عليه. والله أعلم. فوائد السواك:

стр. 8294

الأصل في هذا الباب حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:" السواك مِطْهَرةٌ للفم مَرضاة للرب " [٢٠٨] . . قال النووي: حديث صحيح رواه أبو بكر محمد بن إسحاق ابن خزيمة إمام الأئمة في صحيحه والنسائي والبيهقي في سنتهما وآخرون بأسانيد صحيحة، وذكرهم البخاري في صحيحه في باب الصيام - تعليقاً- بصيغة لجزم [٢٠٩] . وقد نقل العراقي ما رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:"عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب، مفرحة للملائكة، يزيد في الحسنات " وهو من السنة يجلو البصر ويذهب الحضرة ويشد اللثة. ويذهب البلغم ويطيب الفم. وزاد البيهقي في رواية أخرى "ويصح المعدة " وفي بعض طرقه عند غير البيهقي "ويزيد في الفصاحة " قال البيهقي: تفرد به خليل ابن مرة وليس بالقوى. وقد قال فيه أبو زرعة:"شيخ صالح.."وقال ابن عدي:"يكتب حديثه " [٢١٠] وقد نظم الحافظ بن حجر قصيدة في بيان فضائل السواك ذكر فيها نحواً من ثلاث وثلاثين فائدة، دينية وصحية واجتماعية من فوائد السواك من شاء فليرجع إليها [٢١١] . حكم الإستياك: ذهب بعض الفقهاء إلى وجوب السواك ونقل هذا عن داود الظاهري وإسحاق بن راهويه. كما نقل أيضاً عن داود؛ أنه يقول بوجوبه مع عدم بطلان الصلاة بتركه. أما ما نقل عن إسحاق؛ فإنه يذهب إلى بطلان الصلاة لو ترك عمداً [٢١٢] وقد استدل لهما بما أخرجه أبو داود بسنده إلى عبد الله بن عبد الله بن عمر ﵃ قال:"أرأيت توضِئَ (تَوضُّؤَ) ابن عمر لكل صلاة طاهر أو غير طاهر عم ذاك؟ فقال: حدَّثنيه أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثها أن رسول الله ﷺ أُمِرَ بالوضوء لكل صلاة طاهراً وغير طاهر فلما شق ذلك عليه، أُمِرَ بالسواك لكل صلاة " [٢١٣] .

стр. 8295

وجه الدلالة في الحديث قوله:"أمر بالسواك لكل صلاة ". والأمر يقتضي الوجوب والأمر له أمر لأمته حتى يقوم الدليل على التخصص. وأيضاً است دل لهما: بالأحاديث التي جاءت في السواك بصيغة الأمر كحديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال:"تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم.. الحديث" [٢١٤] . وكذلك بما رواه البزار في مسنده من حديث العباس أن النبي ﷺ قال:"تدخلون عليّ قلحاً استاكوا " ورواه أحمد في مسنده من حديث تمام بن العباس أن النبي ﷺ قال:"ما لي أراكم تأتوني قلحاً استاكوا " وما رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عباس مرفوعاً:" عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم.. الحديث " [٢١٥] . ويجاب عن حديث ابن أبي عامر بأنه قد تكلم فيه بأن في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن وبأنه على فرض صحته فإنه يفيد الوجوب في حقه ﷺ دون أمته - وإن كان هذا محل نظر سنعرض له قريباً. أما الإستدلال بالأحاديث الأخرى التي جاءت بصيغة الأمر فقد قال: العراقي:"لم يصح منها شيء "أما حديث أبي أمامة ففيه علي بن زيد الألهاني وهو ضعيف جداً، وأما حديث أبي العباس وحديث تمام ففيهما أبو علي الصقلي وهو مجهول. وأما حديث ابن عباس فتفرد به الخليل بن مرة وهو منكر الحديث وقد سبق ما قيل فيه قريباً. والمعتمد عند المالكية والحنفية أنه مندوب عند كل وضوء أما الشافعية والحنابلة وعدد من كبار المالكية بأنه سنة وقد صرح الشافعية والحنابلة بأنه سنة عند كل صلاة. وقد علل الحنفية عدم القول بالنسبة عند كل وضوء: بأنه ليس هناك ما يدل على مواظبته ﷺ عند كل وضوء. ثم ذكروا الأحاديث الواردة في ذلك وقالوا: غاية ما تفيده الندب فقط [٢١٦] .

стр. 8296

أما المالكية: فقد عللوا ذلك بما جاء في حديث "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " وفي بعض الروايات "عند كل وضوء " وبما أن الأمر المنفي في الحديث؛ هو الأمر المقتضي للوجوب لا غير، فبقي الأمر المفيد للندب. إذ هو لا مشقة فيه. أو كما قال الباجي: فالمراد هنا - أي المنفي -:الوجوب واللزوم دون الندب فقد ندب ﷺ إلى السواك وليس في الندب إليه مشقة لأنه إعلام بفضيلته واستدعاء لفضله لما فيه من جزيل الثواب [٢١٧] . أما الشافعية والحنابلة: فقد استدلوا على القول بالسنة، بحثه ﷺ ومواظبته عليه وترغيبه فيه وندبه إليه وتسميته إياه بالفطرة [٢١٨] . والواقع أنه ليس هناك فرق كبير بين القولين: بالسنية والندبة - إذ يعرّف كل من السنة والمندوب عند الفقهاء: بأنه ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. غاية ما في الأمر أن البعض يشترط لإطلاق الحكم بالنسبة حصول المواظبة عليه من النبي ﷺ والبعض الآخر لا يشترط ذلك بل يكفي عنده حصول الفعل منه ﷺ ولو مرة أو صدور الأمر به لا على سبيل الحتم والإلزام، بل على سبيل الترغيب والإرشاد. وعلى أية حال: فإن التفرقة بين الأمرين، من اصطلاحات الفقهاء، وكما قيل: لا مشاحة في الإصطلاح لكن ما ينبغي التعويل عليه. أن جميع الفقهاء بما فيهم ابن حزم [٢١٩]- ما عدا ما نقل عن داود وإسحاق - متفقون على أن السواك ليس بواجب. والعمدة في الإستدلال على ذلك؛ بالحديث المخرج في الصحيحين؛ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:"لولا أن أشق على المؤمنين - وفي حديث زهير: على أمتي - لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " [٢٢٠] .

стр. 8297

وفي الموطأ من حديث ابن شهاب الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة: " لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء " [٢٢١] كما أخرج البخاري رواية "مع كل وضوء" تعليقاً. وأسندها ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصححها. وبما أن "لولا "حرف امتناع لوجود؛ أي لولا وجود المشقة من وجوب استعمال السواك عند كل صلاة أو عند كل وضوء؛ لحصل الأمر بذلك، وبما أن المشقة حاصلة فقد امتنع الأمر المقتضى للوجوب وبقي حال السواك على ما كان عليه من الندب إليه والحث والترغيب فيه. وقد استند علماء الحنابلة والشافعية ومعهم ابن حزم على الرواية الأولى التي جاءت بلفظ "عند كل صلاة " في قولهم بمشروعية السواك عند كل صلاة. كما اعتمد المالكية والحنفية وبعض الشافعية على الرواية الثانية التي جاءت بلفظ " مع كل وضوء " في القول؛ بأن السواك مشروع عند كل وضوء وقد تأول بعض علماء الفريق الثاني الحديث الأول، وقالوا: إنه على تقدير عند وضوء كل صلاة. وقد أكثر الفريقان من إيراد الحجج المؤيدة لدعوى كل منهما ودفع الإعتراضات الواردة عليها. إلا أنه يمكن القول بأن الإستياك عند كل صلاة وإن كان أقوى سنداً لذكر دليله في الصحيحين وغيرهما فإن القول الثاني أنسب عملاً؛ لما علمنا أن السواك يندب غسله قبل الإستعمال أو بعده وقد قالت عائشة ﵂:"كنا نعدُّ لرسول الله ﷺ ثلاثة آنية مخمرة من الليل؛ إناء لطهوره وإناء لسواكه وإناء لشرابه "رواه ابن ماجه [٢٢٢] وهذا لا يتوافر غالباً في موطن الصلاة. كما سبقت الإشارة إلى أن بعض العلماء قد كره الإستياك في المسجد بدعوى أن الإستياك من باب إزالة القذر والمساجد منزهة عن ذلك.

стр. 8298

وقد حاول بعض علماء الفريق الأول إيجاد مخرج لذلك حيث قالوا: وهذا - أي فعله عند كل صلاة - لا يقتضي ألاّ يعمل إلا في المسجد حتى يتمشى هذا التعليل، بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة وقد روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح عن زيد بن خالد الجهني قال:"ما كان رسول الله ﷺ يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك. ومن كان في المسجد وأراد أن يصلي جاز أن يخرج من المسجد ثم يستاك ثم يدخل ويصلي ". ثم ذكر هذا البعض أيضاً:"أن بعض أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يروحون إلى المسجد والسُوك خلف آذانهم " [٢٢٣] . بذلك كله نقول: بأنه يستحب الإستياك عند كل من الوضوء والصلاة إذا كان هناك فارق في الزمن بينهما. أما لو كانت الصلاة عقب الوضوء فالسواك عند المضمضة في الوضوء كاف عند إعادته مرة أخرى مع الصلاة لأنه يطلق عليه حينئذ أنه تسوك عند الصلاة أو مع الصلاة والله أعلم. الحكمة من مشروعية السواك عند الصلاة: ذكر الحافظ العراقي أنه قد ورد مرفوعاً عند البزار في مسنده من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه يتسمع لقراءته فيدنو منه أو كلمة نحوها – حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه شيء إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم للقرآن " ثم قال: رجاله رجال الصحيح إلاّ أن فيه فضيل بن سليمان النميري وهو وإن أخرج له البخاري ووثقه ابن حبان؛ فقد ضعفه الجمهور، وآخر الحديث عند ابن ماجه، من قول علي - إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك، وفيه بحر بن كثير السقا؛ ضعيف جداً وقد رفعه أبو نعيم في الحلية من هذا الوجه [٢٢٤] .

стр. 8299

أقول قد ذكره البيهقي في السنن الكبرى، عن أبي عبد الرحمن السلمي موقوفاً على عليّ ﵁ بلفظ:"أمرنا بالسواك " وقال:"إن العبد إذا قام يصلي أتاه الملك فقام خلفه يسمع القرآن ويدنو فلا يزال يستمع ويدنو، حتى يضع فاه على فيه فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف الملك " [٢٢٥] زاد صاحب كنز العمال بعد هذا: "فطيبوا ما هنالك " [٢٢٦] . وذكر صاحب التحفة - نقلاً عن المنذري في الترغيب - عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:"لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إليّ من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك " رواه أبو نعيم في كتاب السواك بإسناد جيد [٢٢٧] . كما روى عن جابر ﵁ قال قال رسول الله ﷺ :"ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك " رواه أبو نعيم أيضاً بإسناد صحيح [٢٢٨] . وقد ذكر البيهقي في السنن عدداً من الأحاديث بهذا المعنى عن عائشة ﵂ ولم يخل واحد منها من مقال في إسناده [٢٢٩] . مدى مشروعية السواك في حقه ﷺ : ذهب بعض أهل العلم إلى أن السواك كان واجباً في حقه ﷺ واستدل بذلك بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء.. الحديث وقد تقدم. وفيه "أمر بالسواك لكل صلاة " قال العراقي: في إسناده محمد بن إسحاق وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس. فلا يصلح للإحتجاج به [٢٣٠] . وقد دلّ على نفي الوجوب في حقه ﷺ ما رواه أحمد في مسنده من حديث واثلة ابن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ " قال العراقي: وإسناده حسن. ومعلوم أن الخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح [٢٣١] . الأوقات التي تتأكد فيها مشروعية السواك:

стр. 8300

مشروعية السواك عامة؛ بمعنى أنه يستحب فعله في كل وقت تظهر الحاجة فيه إليه؛ لقوله ﷺ : "السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " الحديث. والأحاديث الأخرى التي وردت في الأمر به والحث عليه بصيغة عامة. إلا أنه يتأكد استحبابه في عدة أوقات من أهمها ما يلي: أ- مشروعيته عند الوضوء وعند الصلاة وقد تقدم بيان ذلك. ب- عند قراءة القرآن. نظراً لأن الفم طريق للقرآن فينبغي أن ينظف مما به من قذر أو كراهية رائحة كما أنه يقطع البلغم ويزيد في الفصاحة ويساعد على النطق الصحيح للحروف. ويشهد بذلك الحديث السابق: "السواك مطهرة للفهم.. الحديث" [٢٣٢] . جـ- عند دخول المنزل لأنه سيتعامل مع أهله ويقترب منهم وربما تأذوا من رائحة فمه وقد أخرج مسلم عن عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك " [٢٣٣] . ولأبي داود بلفظ "قلت لعائشة: بأي شيء كان يبدأ الرسول ﷺ إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك " [٢٣٤] . د- عند الإستيقاظ من النوم سواء كان ذلك بالليل أم بالنهار؛ نظراً لما يطرأ على الفم من التغير في المدة التي يكون فيها الشخص نائماً بسبب ما يتصاعد من الأمعاء من الأبخرة وبقايا الفضلات المترسبة بين الأسنان. ويتأكد السواك إذا كان القيام بالليل للتهجد لحديث حذيفة عند مسلم قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام ليتهجد يشوص فاه بالسواك"وفي رواية أخرى له:"كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك " [٢٣٥] . ولأبي داود من حديث عائشة ﵂:"أن النبي ﷺ كان لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا يتسوك قبل أن يتوضأ " [٢٣٦] . وقد سكت عنه أبو داود. وقال المنذري: في إسناده علي بن زيد بن جدعان ولا يحتج به. ولكن هذا من فضائل الأعمال التي جوز العلماء العمل فيها بالحديث الضعيف.
следующие страницы →