← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

وكنا نزور الشيخ بين الحين والحين ويكاد يكون لقاؤنا معه يوم الجمعة بانتظام نذهب إلى بيته قبل الصلاة بساعات ونجلس معه ثم ننزل معاً عندما تقرب موعد الصلاة، وذات لقاء قلت له: يا فضيلة الشيخ، لماذا لا تستخدم مكبر الصوت (الميكروفون) في الخطبة فإن أكثر الناس لا يسمعون صوتك ولا يستفيدون مما تلقيه عليهم من المواعظ والأحكام، فابتسم الشيخ وكان له بسمة خفيفة جميلة تنم عن الرضا والسرور وقال: إن مكبر الصوت لم يدخل المساجد في بلاد نجد ولا أحب أن أكون أول من يستخدمه. قلت: ولماذا؟ ألست الشيخ العلم القدوة إذا لم تفعل أنت ما تراه نافعاً فمن يفعله؟ أليس في استعماله خير وهو نشر تعاليم الدين وآدابه وإسماع أكبر عدد ممكن بواسطته، والنساء في بيوتهن حول المسجد يستمعن الخطبة عن طريق مكبر الصوت فيكون الخير قد تجاوز حدود المسجد، ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ذلك لأنه سيتعرض لجهل الجاهلين، ونقد الناقدين وسيصيبه من أقوال الناس وإيذائهم واستنكارهم لما لم يألفوه شيء كثير فيكون له من أجل ذلك الأجر الكثير، ثم إنك يا فضيلة الشيخ إذا لم تستخدم مكبر الصوت في خطبة الجمعة فلن يجرؤ أحد على استخدامه من بعدك، وسيقول الناس: لو كان فيه خير لاستقدمه الشيخ السعدي، فتكون قد منعت استخدامه مستقبلاً من حيث لا تدري ولا تريد. فاتسعت الإبتسامة على شفتي الشيخ وقد استمع لكلامي كله مصغياً ومتأملاً، وهز رأسه يميناً وشمالاً في هدوء رتيب وقال: ما شاء الله لقد حدثني في ذلك غيرك، وما شرح الله صدري لذلك مثل ما شرحه الآن، وأعدك أن يكون في المسجد (مكبر صوت) في الجمعة القادمة إن شاء الله وبر الشيخ بوعده وأمر بإحضار مكبر للصوت ذي ثلاث سماعات يعمل بواسطة البطارية فلم تكن عنيزة قد عرفت الكهرباء بعد وفرح الناس وتحدثوا عن استماعهم للخطبة في غير جهد، وحرصت على أن أسمع رأيهم فلم أجد معارضاً وما سمعت إلا كلمات

стр. 8332

الإستحسان والسرور، وذهبت إلى الشيخ في بيته لأنقل إليه استحسان الناس وسرورهم فإذا به ينقل إلى بشرى سارة مؤداها أن الشيخ عبد الله السليمان كان يصلي هذه الجمعة في مسجد عنيزة وقد أعجبه أن يكون في المسجد مكبر للصوت فقابل الشيخ بعد الصلاة وأبلغه أنه تبرع.. بماكينة كهرباء للمسجد تضئ خمسين لمبة (مصباحاً كهربائياً) ويشتغل عليها مكبر الصوت. فقلت: الحمد لله. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. لقد كان الشيخ عبد الرحمن السعدي من الناحية الدينية هو كل شيء في عنيزة فقد كان العالم والمعلم والإمام والخطيب والمفتي والواعظ والقاضي وصاحب مدرسة دينية له فيها تلاميذ منتظمون. كان يصلي الفجر بالناس ثم يجلس لأداء الدرس حتى تطلع الشمس ويذهب بعد ذلك إلى بيته حتى الضحوة الكبرى فيعود إلى المسجد يعلم أبناه الفقه والتفسير والحديث والعقيدة والنحو والصرف في دروس منتظمة وكتب اختارها لطلابه ويستمر معهم حتى صلاة الظهر فيصلي بالناس ويعود إلى بيته يستريح فيه إلى صلاة العصر ثم يذهب إلى المسجد فيصلي العصر بالناس ويعطيهم عقب الصلاة وهم جلوس بعض الأحكام الفقهية في دقائق لا تؤخرهم عن الإنصراف سعياً وراء أرزاقهم وعندما تغرب الشمس يصلي بالناس المغرب ويجلس للدرس حتى يصلي العشاء. ويتكرر ذلك في كل يوم. وطلاب الشيخ الذين علمهم في المسجد هم الذين تولوا التدريس في المدارس والمعاهد التي فتحتها الدولة في بلدتهم، فكان الشيخ يكتب بيده شهادة يقول فيها إن فلاناً درس علوم كذا وكذا في كتب كذا وكذا وهو يصلح لتدريس هذه المواد في المستوى الإبتدائي أو الإعدادي أو الثانوي، وتأخذ الدولة بشهادات الشيخ التي أثبتت التجربة فيما بعد أنها معبرة عن الحقيقة أصدق تعبير.

стр. 8333

وكان من سيرته - عليه رحمة الله - أنه في موسم الحصاد تأتي إليه ثمار النخيل والبساتين التي وقفها أصحابها على المسجد الجامع ليؤدي رسالته الإسلامية العظيمة، فكان الشيخ يجمع كل هذه الثمار في المسجد ويوزعها على الفقراء والمساكين ولا يأخذ تمرة واحدة يدخلها فاه أو ينقلها إلى بيته. وسألت أحد الأبناء المقربين إليه: من أين ينفق الشيخ على حاجات معيشته؟ فأخبرني أن له ابنين يعملان بالتجارة في الرياض ويرسلان إليه ما يحتاج من النفقة ولا مورد له غير هذا؟ فقلت: سبحان الله: إن خير ما يأكل المرء ما كان من كسب يده، وإن ولد الإنسان من كسبه، وهكذا تكون سيرة العلماء في الإكتفاء بالقليل والزهد فيما يزيد على ذلك مع الإجتهاد في أداء الواجب والإخلاص فيه. ومرت الأيام.. وفي نهاية عام ١٣٧٥هـ الموافق ١٩٥٦م بدأ العدوان الثلاثي على مصر وهاجمت فرنسا وإنجلترا وإسرائيل أرض مصر ولكل دولة منهم دوافعها الخاصة فقد كانت فرنسا تريد أن تعاقب مصر على مساندة ثورة الجزائر ضدها. هذه المساندة التي وصلت إلى درجة تهريب الأسلحة والذخائر للثوار المسلمين في الجزائر وقد وقعت الباخرة (عايدة) المصرية في يد الفرنسيين وهي تحمل الأسلحة إلى ثوار الجزائر ضد الإستعمار الفرنسي فأضمرت لذلك شراً وكان هجومها على مصر، أما إنجلترا فكان هجومها من أجل أسهمها في قناة السويس التي أممتها مصر وأعادتها إلى الشعب المصري الذي حفر القناة بجهود أبنائه ودمائهم، وكانت مع ذلك تراودها الرغبة في إعادة سيطرتها مرة أخرى على مصر ولم يكن جلاء قواتها عن الأراضي المصرية قد جاوز العامين بعد، وانتهزت إسرائيل رغبة الدولتين الكبيرتين في الهجوم على مصر واتفقت معهما لخدمة أغراضها التوسعية العدوانية ولضرب القوة العربية الإسلامية على أرض مصر.

стр. 8334

وعرف الشيخ السعدي هذه الأبعاد كلها وخطب الناس الجمعة في هذا الموضوع ورفع الناس معه أكف الضراعة إلى الله أن يحمي القوة الإسلامية وأن ينصر المسلمين ويرد كيد الكافرين، وقد استجاب الله دعاء، فخطب الشيخ في جمعة تالية مهنئاً ومبشراً ومذكراً بقول الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ . وقد كان للشيخ اهتمامات ظاهرة بأحوال المسلمين في كل بلادهم وكانت مقالاته في الصحف والمجلات في داخل المملكة وخارجها تظهر هذه الإهتمامات وكان يسألنا كثيراً عن أخبار مصر وأحوال المسلمين فيها وجهود علمائها في إقامة السنة وإزالة البدعة مع دعاء حار وأمل كبير في أن يصلح الله أحوال المسلمين. ومع هذه الجهود المضنية التي كان يبذلها الشيخ كان كثير الكتابة والتأليف فقد كتب تفسيراً للقرآن الكريم كله سماه (منحة اللطيف المنان في تفسير القرآن) وله كتاب في الخطب المنبرية ورسائل في العقيدة وسؤال وجواب وفي بعض الموضوعات والقضايا الإسلامية وقد تبرع بكتبه كلها وطبعها أهل الخير المحبون للشيخ وعلمه ووزعوها بالمجان على أهل العلم وطلبته. وفي شهر ربيع الثاني من عام ١٣٧٦هـ توفي الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله ورضوانه وحملت مع الناس نعشه وكانوا يعرفون صلتي الوثيقة به فكانوا يفسحون لي كلما رغبت واقتربت قائلين إنه كان يحبك. وإني لا أجد ما أصف به فضل هذا الشيخ وجهاده ومنزلته بين العلماء أحسن مما سمعته من عجوز جالسة على طريق الجنازة فقد قالت ونحن نمر عليها نحمل نعشه قالت العجوز في صدق وحرارة: "نجم هوى ". رحم الله الشيخ عبد الرحمن السعدي وجعل سيرته الطيبة وأعماله الصالحة في موازين حسناته وأكثر من أمثاله الذين يزهدون في الدنيا ويبتغون ما عند الله.

стр. 8335

عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا " رواه مسلم.

стр. 8336

نماذج [١] من الدعاة الصالحين (الحلقة الأولى) الشيخ أبو بكر الجزائري بسم الله، والحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن دعاة الإسلام في كل زمان ومكان هم دعاة الحق والخير الناهون عن الباطل والشر. الإسلام: ونعني بالإسلام: دين الله الذي جاءت به كل الرسل ﵈. دعاة الإسلام: نعني بدعاة الإسلام: أولئك المصطفين الأخيار من أنبياء الله تعالى ورسله نوحاً ﵇ فمن بعده إلى خاتم الأنبياء محمد ﷺ ، وحوارييهم وأنصارهم ممن يتبعون سنتهم ويهدون بهديهم. الحق: ونعني بالحق: الإيمان بالله تعالى وعبادته وحده بما شرع لعباده أن يعبدوه به من كل أعمال القلوب، والألسن وسائر الجوارح، ليعدهم به للكمال والسعادة في الحياتين. الخير: ونعني بالخير كل الفضائل النفسية والخلقية مما ينجم عنه طيبة النفس وطمأنينتها، وهدوء الخاطر، وصلاح البال، مما تتحقق به سعادة الإنسان في هذه الحياة، ويهيئ به للسعادة في الدار الآخرة. الباطل: ونعني بالباطل: الإيمان بالطاغوت وعبادته دون الله تعالى، أو مع عبادته من كل ألوان الكفر وضروب الشرك، وما يستتبع ذلك من البدع والأهواء المنافية للشرع والعقل معاً. الشر: ونعني بالشر كل الرذائل والخطايا مما يفقد الإنسان طهارة نفسه، وفضائلها، ويحرمه السعادة في الدنيا والآخرة.

стр. 8337

وهذه أمثلة حق صادقة، ونماذج حية ناطقة تمثل مواقف شتى للدعاة الصالحين، وهم يدعون إلى الحق والخير، وينهون عن الباطل والشر ولنبتدئ بأول أولئك الرسل نوح ﵇ فنستعرض جوانب من حياة هذا الداعية الكبير، ليكون نموذجاً صالحاً للداعية المسلم اليوم يأخذ به، وينسج على منواله فيكمل في دعوته، ويشرف بها، ويبلغ الغاية المنشودة عليها، وهي هداية وإصلاح من أراد الله تعالى هدايتهم وإصلاحهم من الناس. أ – نوح ﵇: فمن هو نوح ﵇؟ وما هي الجوانب الهامة في حياته الدعوية التي يمكن للداعية المسلم الإ ستفادة منها في مجال الدعوة الإسلامية؟ إن نوحاً هو عبد الله ورسوله نوح بن لامك بن متوسلخ بن اخنوخ (إدريس) بن برد بن مَهْلايِيل بن قبْنَس بن أنوش بن شيث بن آدم ﵇، هكذا يقول النسابون وي قولون: إن بينه وبين آدم عشرة قرون أي ألف سنة. هذا هو نوح ﵇. وأما الجوانب الهامة في حياته الدعوية فهي تتمثل في الأرقام التالية: (١) طول صبره. (٢) صدق لهجته. (٣) تلوينه أسلوب دعوته. (٤) شجاعته وعظم توكله على ربه . (٥) صدق لجأه إلى ربه . ١- صبره الطويل: وعن صبره الطويل نقول: إن نوحاً ﵇ قد قضى في الدعوة إلى ربه تعالى من أجل أن يؤمن به، ويعبده وحده دون سواه، قضى دهراً طويلا ً، دعا فيه قومه إلى عبادة الله وحده، وإلى تقواه، وإلى طاعته هو بوصفه رسول الله والمبلغ عنه فقال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُون يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ .

стр. 8338

ولاق ى في ذلك من الأذى ما لم يلقه كثير من الداعين إلى الله تعالى، فقد كذبه قومه ووصفوه بالجنون، ووصفوا اتباعه من المؤمنين با لإ سترذال، ولم يعترفوا لهم بأي فضل عليهم. فقالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [٢] بَادِيَ الرَّأْيِ [٣] وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ . ولم يقفوا عند حد التكذيب والعيب بل تجاوزه إلى التهديد بالموت، فقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ والرجم عندهم بالحجارة وسيلة من وسائل الإعدام، كرجم الزناة المحصنين في الإسلام. ولما أنذرهم عاقبة شركهم وتكذيبهم وإجرامهم، وخوفهم بعذاب الله تعالى سخروا منه، وطالبوه بالعذاب متحديين له في ذلك. فقالوا: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ . قضى نوح ﵇ في دعوته دهراً طويلا ً فلم يكل خلاله ولم يمل حتى أوفى على تسعمائة وخمسين عاما ً. وبعدها رفع شكواه إلى ربه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ .

стр. 8339

وبعد أن سبر غور القوم. حلل نفسياتهم، وعرف مركب طباعهم، وأيقن أنهم لا يؤمنون، بناء على وحي الله تعالى له بذلك: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ .. وعلى ما شاهده من حال أجيالهم المتلاحقة وهم يتواصون بالكفر به وبتكذيبه في دعوته. دعا عليهم قائلا ً: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ . ولم يكن هذا عن قلة صبر منه ﵇، وإنما كان خوفاً منه على الجماعة المؤمنة أن يفتنها أولئك الكفار الفجار فيحولوها عن معتقداتها، ويضلوها عن سبيل ربها ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ فلذا دعا ربه بهلاك الكافرين وتدميرهم قطعاً لدابر الكفر والكافرين وإنهاء لفتنة الشرك في الأرض والمشركين. ٢- صدق لهجته: وعن صدق لهجته نقول: إنه كان ﵇ صادق اللهجة، واضح البيان وافي النصيحة، ظهر ذلك من أقواله وهو يخاطب قومه في شتى المواقف، والعديد من المجالات. فلنستمع إليه وهو يخاطب قومه آمراً إياهم بعبادة الله وحده، إذ لا إله لهم غيره، معللا ً لهم أمره بعبادة الله وحده بخوفه عليهم عذاب يوم عظيم. فيقول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .

стр. 8340

ولما رد عليه ملأهم قائلين: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ، قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . وقال في بداية دعوته وهو يبلغها قومه لأول مرة: ﴿أَلا تَتَّقُونَ. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ . ولما ردوا عليه دعوته قائلين: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ ؟. رد عليهم قائلا ً: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ، وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ . ومن خلال هذا الحوار القصير في هذه الجمل التي جاءت في القرآن الكريم وسمعناها عنه ﵇ وهو يدعو إلى الإيمان بالله وعبادته وحده دون من سواه تظهر الحقيقة التي لقينا إليها وقررناها وهي صدق لهجته ﵇ في دعوته، وصدق لهجته [٤] في الدعوة عامل من عوامل نجاحها، والبلوغ بها إلى غاياتها. ٣- تلوينه أسلوب دعوته:

стр. 8341

وعن تلوينه أسلوب دعوته نقول: إن نوحاً ﵇ لم يدخر وسعاً، ولم يدخر يأل جهداً في سبيل إبلاغ دعوته، ونشرها بين قومه، حتى ملوا ذلك منه، وضجروا له فكانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا ما يقول لهم، وما يدعوهم إليه من عبادة الله تعالى وحده وترك عبادة ما سواه، ويستغشون ثيابهم فيغطون بها رؤوسهم حتى لا يروه ولا ينظروا إليه من شدة كراهيتهم له وبغضهم إياه. ولم يمنعه ذلك من مواصلة دعوته فيهم متذرعا ً بكل الوسائل الممكنة، فلم يترك بابا ً لإبلاغ دعوته إلا طرقه، ولا سبيلا ً إلا سلكها وكان لحكمته في دعوته يراعي حال مدعويه، فيسر القول إلى بعضهم، ويجهر به إلى بعض آخر بحسب ما تتطلبه حال الأشخاص المدعوين، إذ من الناس من يكون ذا أنفة وحسية وكبر لا يرضى أن يجهر له بالقول، أو يدعي إلى الحق والخير، أو التوبة وا لإ ستغفار علانية بين الناس، ومنهم السهل الطبع اللين العريكة، الذي لا يشمئز من دعوته جهراً، ولا ينقبض أو يغضب إذا دعي إلى الحق والخير بين الناس.

стр. 8342

وهذا من نوح ﵇ تلوين لدعوته، وبحث لها عن كل ما يمكنها من الذيوع وا لإ نتشار، ثم الفوز وا لإ نتصار، ولنستمع إليه وهو يعرض شكاته ويرفعها إلى ربه تعالى ليعذره وينصره: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلا فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [٥] وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ . فمن خلال هذه الشكاة التي رفعها نوح إلى ربه تتجلى حقيقة دعوة نوح ﵇ وأنه كان ذا بصيرة في دعوته وعلم بها، يلون أساليبها، ويتحين الفرص لإبلاغها وإنجاحها يعتمد في دعوته على أسلوب الترغيب طورا ً والترهيب طوراً آخر، ليأخذ النفوس بالحكمة ويحذو بها إلى محيط الدعوة بالرغبة أو الرهبة، هذا شأن الداعية الحكيم في دعوته العليم بها البصير بمتطلبات نجاحها. ٤- شجاعته وعظم توكله:

стр. 8343

وعن شجاعته وعظم توكله أقول: إن نوحا ً ﵇ كأن ذا شجاعة عظيمة شأنه شأن سائر الأنبياء والمرسلين، وإن تفاوتوا في ذلك قوة وضعفا ً. أما توكله على ربه تعالى فقد ك ان مضرب المثل بحق، وتتجلى هاتان الصفتان: قوة الشجاعة، وعظم التوكل في الموقف التالي: جاء من سورة يونس ﵇ قوله الله تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ . وبتدبر هذه الآية الكريمة على النحو التالي: نوح ﵇ يشعر بأن قومه قد استثقلوا ظله وسئموا الحياة معه، وما أصبحوا لا يطيقون سماع كلامه، ولا رؤية وجهه كل ذلك كأن نتيجة لدعوته إياهم إلى عبادة الله تعالى وتقواه، وهم يصرون على الشرك والفسق ولا يريدون تركهما ولا التحول عنهما بحال. كما يشعر أن قومه يهددونه بالقتل ويتوعدونه به في غير موطن: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ . فيعلمهم في وضوح أنه لا يخاف الموت ولا يرهبه وأنه قد توكل على ربه فلذا هو لا يخاف سواه، ولا يعتمد على غيره بحال من الأحوال ويدلل على عدم خوفه من الموت، وع ل ى عظم توكله على ربه فيرشدهم إلى طريقة قتله والتخلص منه إن كانوا يعتزمون ذلك حقا ً ويريدون هـ ويبالغ في التدليل على شجاعته وعظم توكله على ربه، فينبههم إلى أنهم عندما يجمعون أمرهم على قتله ينبغي لهم أن لا يترددوا في ذلك، حتى لا يفشلوا في مهمتهم ولا يكون أمرهم غمة عليهم. بهذا التدبر للآية يتضح أن نوحا ً ﵇ ك ان من أقوى الناس شجاعة ومن أعظمهم توكلا ً على ربه تعالى.

стр. 8344

وقوة الشجاعة، وعظم الوثوق في الله والتوكل عليه من أخص صفات الدعاة الصالحين وبدونهما لا يقوى الداعي على تحمل رسالة الدعوة إلى الله تعالى، وإبلاغها إلى الناس. ٥ - صدق لجئه إلى ربه: وعن صدق نوح في لجئه إلى ربه تعالى نقو ل: إن نوحا ً ﵇ ك ان صادق اللجئ إلى الله تعالى منيبا ً إلى ربه مسلما ً إليه متوكلا ً في كل شأنه عليه يظهر بوضوح في مثل قوله: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ . وفي قوله وقد ازدجره قومه بعد صراع مرير تجاوزت مدته مئات السنين: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ . قال تعالى في الإخبار عن حاله مع قومه في تكذيبهم له، وزجرهم إياه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ أن انتصر يا ربي، فانتصر الله تعالى له فأنجاه وأغرق أعداءه ولما هدده قومه توعدوه، وقالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ لجأ في صدق إلى ربه يطلب نصرته وأن يخلصه من قومه العتاة الطغاة الفاسقين فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . كما قال تعالى عنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ .

стр. 8345

وأخيراً فنبي الله تعالى نوح ﵇ اجتمع له من صفات الكمال في الداعية ما كان به أول الدعاة فقد جمع بين طول الصبر، وصدق اللهجة، وكمال البيان، وتلوين الأسلوب مراعاة لحال من يدعوهم بعد معرفته لنفسياتهم، وعظم الشجاعة وقوة التوكل وكمال الوثوق، وصدق اللجأ، وهي صفات ما اجتمعت لداع من دعاة الحق والخير، والناهين عن الباطل والشر إلا كان مثالا ً يحتذى به وكانت حياته نموذجا ً صالحا ً يتمثل بها في حياة الدعوات الإصلاحية بين بني الناس. فعلى أبنائنا النابهين الذين اختاروا لأنفسهم أن يكونوا دعاة حق وخير وأئمة هداية وإصلاح أن يتحلوا أولا ً بالصبر واليقين إذ بهما تنال الإمامة في الدين، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . وثانيا ً أن يترسموا خطى الدعاة الصالحين وينسجوا على منوالهم وقد قدمنا لهم أصدق نموذج للداعية الصالح عرفته البشرية بعد سيد الدعاة محمد ﷺ ألا وهو أبو البشر الثاني نوح أحد أولي العزم من الرسل، فليذكروا منه طول صبره، وصدق لهجته، وكمال بيانه، وتلوينه لأسلوب دعوته وعظم شجاعته وقوة توكله وصدق لجئه إلى ربه، فإنهم بذلك يكسبون من صفات الكمال في الدعاة ما يعينهم على أداء مهمتهم وإبلاغ رسالتهم. حقق الله تعالى لهم ذلك. وسلام على نوح في العالمين وعلى محمد في المرسلين.. والحمد لله رب العالمين. ب- إبراهيم ﵇. من هو إبراهيم؟ .. إنه أبو الأنبياء والضيفان إبراهيم بن آزر (تارخ) بن ناحور بن ساروغ بن راعو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخش ذ بن سام بن نوح ﵇.

стр. 8346

هذا هو إبراهيم في نسبه اسما ً وكنية. أما إبراهيم في كمالاته النفسية، فإنه أمة كاملة، وليس فردا ً واحداً. كما قال عنه ربه تعالى في كتابه الكريم القرآن العظيم ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وذلك لما جمع الله تعالى فيه الكمالات البشرية التي لا يجمع إلا في الأمة من الناس (العدد الكثير) فقد طفحت حياة الخليل بصنوف الإبتلاءات، وضروب البطولات ما أصبح به مثالا ً صالحا ً، وأسوة حسنة لكل راغب في الكمال البشري يفوز به بين العالمين. هذا وإن المرء ليحار عندما يريد أن يستعرض حياة كريمة شريفة، نادرة في خصائصها فذة في نعومتها وشمائلها كحياة إبراهيم الخليل، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، إذ تزدحم أمامه جحافل الكمالات الإبراهيمية فلا يدري ماذا يستعرض منها، وقد تشاكلت في الحسن، وتسامت في الجلال والجمال، وهذه كواكبها في سماء الحياة الإبراهيمية أنها: الدعوة، والحجة، والبلوى، والهجرة، والخلة، والقدرة، والرحمة والأمة وزاد في إشراق هذه الكواكب أن الأرض يومها كانت مقفرة من الحق والخير، مظلمة لا ضوء فيها ولا نور. ساد فيها الظلم وتحكمت في أهلها الأوثان. وانحرفت فيها الفطر البشرية، وتحجرت منها العقول الآدمية، فعبد الناس الأصنام وخنعوا للظلم واستكانوا للطغيان. والآن قد أظلمت سماء الحياة البشرية، وتغشت أرضها، وحل بها ما كان بأرض بابل والكلدانيين من سائر أنواع الكفر والظلم والشر والفساد والطغيان. فهل لنا أن نستعير لها من كواكب الحياة الإبراهيمية ما تستنير به وتشرق من جديد. ولم لا..؟ وما المانع لنا..؟

стр. 8347

وعليه فبسم الله، وعلى بركته نستعرض تلك الصفات الثمانية التي عددناها كواكب زهرا ً في حياة إبراهيم الخليل، صفة بعد أخرى، وما منها إلا وتمثل جانبا ً هاما ً من حياة إبراهيم المفعمة بجلائل الأعمال وعظائم مثل الكمال، فلنستعرضها ع َ لنا ًَ نكتسب من أبي الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم الخليل ما يساعدنا على النهوض بأعباء ما أنيط بنا - بوصفنا مسلمين - من واجب الدعوة إلى الله تعالى ليعبد وحده بما شرع أن يعبد به فيكمل بذلك العابدون في دنياهم ويسعدوا في أخراهم. ١- إبراهيم الدعوة: عند التأمل لا يرى أن هناك مبالغة في نسبة إبراهيم إلى الدعوة وإضافته إليه في قولنا إبراهيم الدعوة أو في كل ما ننسبه إليه من صفاته الكمالية التي امتاز ﵇، وذلك لأن إبراهيم ﵇ غلبت عليه صفات فأصبحت كل صفة تمثل شخصية مستقلة، وذاتا ً متميزة فإبراهيم يمثلها وهي تمثله فقولك دعوة إبراهيم، كقولك إبراهيم الدعوة، سواء بسواء. فعن إبراهيم الدعوة نقول: إن إبراهيم ﵇ قد أضطلع بأمر الدعوة إلى الله تعالى في سن مبكرة جدا ً ولعل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ دلالة واضحة على أنه ابتدأ الدعوة إلى الله في حداثة سنه. ويرجع هذا أيضاً أنه بدأ بدعوته أباه قبل قومه وذلك لكونه في حجره وكفالته.

стр. 8348

وفي دعوة إبراهيم أباه إلى عبادة الله تعالى وحده، جعل عبادة الأصنام قبل دعوة غيره من أهل بلاده دلالة قوية على رشد إبراهيم وحكمته. فقد أمر نبينا محمد ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ف جمعهم ودعاهم كما جاء ذلك مبينا ً في سيرته ﷺ حيث ناداهم فعم وخص حتى قال:" يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت فإني لا أغنى عنك من الله شيئا ً. أنقذي نفسك من النار " والآيات القرآنية التي عرضت دعوة إبراهيم ﵇ لأبيه هي آيات سورة مريم ﵍ فلنوردها ولنقف على مواطن العبرة والهداية منها. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَبِيّاً , إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ . ففي نهيه ﵇ أباه عبادة الأصنام بأسلوب الإ ستفهام الذي هو أخف على النفس من صيغة النهي لا تفعل مظهر من مظاهر الحكمة وفي الدعوة، لأن آزر بحكم أنه والد كبير السن له حق التبجيل الإ حترام يتنافى معه مخاطبته بصيغة الأمر الدالة على العلو والقهر. وفي وصفة إله آزر الذي يعبده بأنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يغن ي عنه شيئا ً متى أراد الله تعالى أن يعذبه إن هو استمر على الكفر به وعبادة غيره. مع أنه إخبار بالواقع الذي لا ينكره آزر عليه لعائن الله، إلا أنه أسلوب دعوى عال لا يرقي إليه إلا ذو القدم الراسخة في الدعوة، لان آزر كان غافلا ً تم اما ً عن كون آلهته لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، وإنما يعبدها تقليدا ً لغيره من أهل بلاده، فليسلب إبراهيم عنها أخص صفات الألوهية كان قد أماتها قلبه وهيأه بذلك الإيمان بالله السميع البصير الذي هو على كل شيء قدير.

стр. 8349

وقوله له: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ . فإنه ﵇ تحاشى أن يصم والده بوصمة الجهل التي يأباها الإنسان حتى ولو كان جاهلا ً حقا ً كما أنه لم يصف نفسه بالعلم تمدحا ً وتعاليا ً على والده، وإنما أخبره أنه جاءه من العلم ما لم يأته هو وأو أتاه ما أتي إبراهيم من العلم لما طلب إليه أن يقوده الهدى، ولكان هو القائد له ولنفسه أيضا ً وهو أسلوب عظيم لا يشعر معه المدعو بأدنى غضاضة، أو أية إهانة، أو انتقاص كرامة، فلا يتعقد نفسيا ً، ولا يتحطم شخصيا ً، ومتى بقيت للمدعو كرامته وشخصيته أمكنه أن يأخذ مع الداعي له ويعطى، وهو طريق الوصول إلى معرفة الحق. وبالتالي إلى الهداية المطلوبة لمن شاءها الله تعالى له. وقوله له: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ . فإنه بعد إقناعه والده أن ما يعبده لا يسمع ولا يبصر ومن كان كذلك لا يعبد عقلا ً ولا شرعا ً مع استمرار آزر على عبادته أعلمه في هذه الجملة الكلامية أنه إنما يعبد الشيطان، ونهاه عن ذلك معللا ً له النهي بأن الشيطان كان ومازال للرحمن عصيا ً، وطاعة العاصي تعرض المطيع للعذاب الذي ينال العاصي، إذ طاعة العاصي للسلطان تعتبر معصية للسلطان نفسه وبذا ينالهما جزاء المعصية معا ً، ولهذا قال له في إشفاق عليه ورحمة به: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا ً، إذ يجمعه وإياه صعيد العذاب، بعد اليم والتوبيخ والعتاب فتتم الولاية بينهما بسبب القرب الذي حصل لهما.

стр. 8350

وقوله له: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ . بعد غضب والده عليه وتهديده له بعذاب الرجم بالقول أو الفعل ومطالبته بالبعد عنه وهجرته له دهرا ً طويلا ً. إذ قال له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيّاً﴾ . أقول إن قوله له سلام عليك سأستغفر لك ربي، لقول من أسد الأقوال لا يقوله إلا من أوتي رباطه الجأش، ورحمة القلب، وهما من ضروريات الداعي الناجح، ولذا كان الخليل إمام الدعوة وقدوتهم في الحياة. وبعد هذا العرض والسماع لدعوة إبراهيم لأبيه وأقرب الناس إليه نستعرض دعوة إبراهيم وهو يوجهها إلى قومه وأهل بلده لنقف ع لى مظاهر كماله في دعوته العامة بعد الخاصة. ولنطلب ذلك من سورة العنكبوت إذ جاء فيها قول الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ . ففئ هذه الجمل الكلامية التي وجهها إبراهيم ﵇ إلى قومه الوثن ي ين، وحكاها عنه القرآن الكريم، لتكون حافزاً كبراً للمنزل عليه نبينا محمد ﷺ على إبلاغ دعوته إلى قومه، وثباته عليها، ائتساء بإبراهيم إمام الموحدين واقتداء به في مجال الدعوة والبلاغ المبين.

стр. 8351

كما تكون درساً نافعا ً لكفار قريش، ولكل مشركي العرب، إذ يتعلمون من خلالها بطلان الشرك الذي هم عليه، وأحقية التوحيد الذي يدعون إليه. ففي قوله: يا قوم اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، إنما تعبدون من دون الله أوثانا ً وتخلقون إفكا ً. إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا ً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون، وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين. في هذا القول الكريم من مظاهر العلم والحكمة وسلامة التوجيه، وحسن الدعوة ما لا يقادر قدره، الأ مر الذي يجعل إبراهيم أحد نماذج الدعاة الصالحين، الذين يؤتسى بهم ويقتدى باتباعهم. وإن أمعنا النظر وأعملنا الفكر في هذه الكلمات التي ألقاها إبراهيم في قومه دعوة لهم إلى الحق، وإرشادا ً لهم إلى سبيله تجلت لنا ينابيع الحكمة، وعناصر العلم الغزير الواسع وأساليب البيان الفتان. إن في قوله: ﴿يا ق َ وم﴾ بدل (أيها المشركون) من استمالة قلوب القوم، واستهواء نفوسهم ما يجعلهم لا ينفرون من سماع دعوته، والتأمل فيها، لأن القومي عادة لا يريد ما يضرهم أو يسئ إليهم ولكن يريد لهم ما ينفعهم ويرفعهم. وفي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ تقرير منه بالإيمان بوجود الله تعالى، ونفي للتعطيل الذي هو مذهب الملاحدة الدهريين، لأن أمرهم بطاعة الله تعالى مستلزم للإيمان به . وفي قوله: ﴿واتقوه﴾ بعد أمرهم بعبادة الله تعالى نه ى لهم عن الشرك في عبادته لأن التقوى لله تعالى مستلزمة لعدم قطع عبادته ولإفراده تعالى بها، وعدم إشراك غيره فيها، فيكون قوله هذا كقوله الله تعالى في القرآن الكريم من سورة النساء ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ .

стр. 8352

وفي قوله ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ما يجذبهم إلى التعقل والتفكر فيما يدعوهم إليه من الهدي والخير، حيث أشعرهم بأن ما يدعوهم إليه من عبادة الله وتقواه بنفي الشرك عنه، والإ ستمرار في عبادته، خير لهم في الحال والمآل من الكفر والشرك لما يثمره الإيمان والطاعة والتوحيد من الكمال النفسي، وا لإ ستقامة في الحياة وما يستتبع من سعادة الدنيا والآخرة، ولما يعقبه الكفر والشرك والعصيان من آثار سيئه في النفس والسلوك، وما يستلزم ذلك من الردى والشقاء والهلاك في الحياتين. وفي قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، دعوة لهم إلى الإ رتفاع بنفوسهم عن منحدر التقليد والجمود إلى مستوى العلم والتفكير، فإن من يعلم الخير والشر، والحق والباطل ويقدر على التمييز بينهما يدرك أن عاقبة الحق والخير أحمد من عاقبة الباطل والشر وأن عبادة الله وتقواه خير من الكفر والشرك ومعصية الله. وفي قوله: ﴿تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ قصر لهم على الحقيقة التي يتجاهلونها وهي أنهم ليسوا على شيء في عبادتهم لأوثانهم، لأن الأوثان من صنيع أيديهم وبذلك لم تكن أبدأً أهلا ً لأن تعبد مع الله الخالق لكل شيء إنها في الواقع لم تعد أن تكون إفكاً ائتفكوه، وكذباً اختلقوه فلا يصح عقلا ً أن تعبد بحال من الأحوال، وهي مفتقرة في وجودها إلى من صنعها، ولو حكم العقل في القضية لحكم بعبادة الصانع، وبطلان عبادة المصنوع.

стр. 8353

وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ برهنة منه ﵇ على بطلان عبادة تلك الأوثان، لأنها لا تملك لعابديها رزقا ً، والإله يعبد ويتوسل إليه بالطاعة وشتى القرب ليهب الرزق والخير والبركة والعافية، فإن كان لا يملك ذلك فهو لا يهبه، ولذا فلا حق في عبادته وطاعته وهكذا قرر إبراهيم بطلان آلهة قومه بهذا المنطق من الكلام، لحكمته وعليه السلام. وفي قوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ بناء لصرح التوحيد على أساس بطلان الشرك وتهاويه، فإن الآلهة التي لا تملك الرزق يجب أن ترفض عبادتها، وأن يتجه المفتقرون إلى الرزق إلى الذي يملكه ويعطيه فليعبدوه ليهبهم الرزق، وليشكروا له ذلك ليحفظه عليهم ويزيدهم منه، فإن شكر النعم يحفظ العبد ويستوجب المزيد. وفي قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ تذكير لهم بالمعاد والحياة الآخرة، ليربي في نفوسهم ملكة التقوى لله تعالى ويحي في قلوبهم عقيدة البعث والجزاء التي قد تكون الوثنية أتت عليها وأماتتها في نفوسهم. وفي قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ إعلان منه ﵇ أنه يتكلم من مركز القوة وأنه ليس براغب ولا راهب فهو يقول قولته، وتنفذ دعوته فإن استجابوا وآمنوا ووعدوا واستقاموا نجوا من العذاب وفازوا بالنعيم، وإن كذبوا فليس ذلك بضائرة شيئا ً، فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم كهود وصالح، ونوح من قبل، وما ضر ذلك رسل الله في شيء بل أنجاهم الله وأهلك المكذبين وليس هناك ما يخافه الدعاة إلى الله تعالى من عدم استجابة الأقوام لهم إذ ما عليهم إلا البلاغ المبين وقد بلغوا وبينوا. ٢- إبراهيم الحجة:

стр. 8354

وعن إبراهيم الحجة نقول: لقد أخبر الرب ﵎ أنه آتى خليله إبراهيم حجته التي تفوق كل حجة، وتعظم سائر الحجج، إنها حجة خالق العقول والحجى يمنحها من يشاء وقد وهبها إبراهيم ليتغلب بها على من يحاجه، ويريد أن يحجه، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ . ولما كانت قوة الحجة من أسباب النصر على الخصوم، وكان الداعية المسلم يعتمد على قوة الحجة في دعوته لأن ذلك من أسباب نجاحها فإنا نستعرض هنا موقفين عظيمين لإبراهيم ﵇ قارع فيهما الحجة وانتصر فيهما على خصوم التوحيد من قومه، ليشاهد من خلال الإ ستعراض كيف كان الخليل ﵇ يرد حجج المبطلين، وينتصر على الظالمين والمشركين بما آتاه الله من العلم والحكمة وقوة الحجة لعل من يقتدي به ﵇ في أساليب دعوته وكيفية استخدام حجة ربه ليظهر على خصومه وينتصر على أعداء دعوته. - الموقف الأول: كان له مع الطاغية النمرود البابلي الذي ادعى الربوبية أول من ادعاها من الخلق. وقد عرض هذا الموقف القرآن الكريم عرضاً موجزاً في عدة جمل لا تتجاوز العشر حيث قال تعالى من سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .

стр. 8355

وعرض هذا الموقف يكون كالتالي بابل من بلاد العراق ملك جبار يقال له النمرود بن كنعان بن كوشى بن سام بن نوح ﵇ امتد ملكه حتى شمل كل المعمورة يومئذ ودام زمن ملكه نحوا ً من أربعمائة سنة فغره طول العمر وسعة الملك وقوة السلطان فادعى الربوبية كما ادعاها من بعده فرعون مصر على عهد موسى ﵇، فحضر مجلسه إبراهيم ﵇ بعد حادثة إلقائه في النار ونجاته منها فدعاه إلى الإيمان بالرب ﵎ فأنكر الطاغية أن يكون هناك رب غيره، وأخذ يناظر إبراهيم في شأن وجود الله تعالى وربوبيته لكل شيء وما حمله على ذلك إلا كبرياؤه واغتراره بسعة ملكه وطول عمره.

стр. 8356

وحاول الطاغية أن يقنع إبراهيم بأنه لا رب إلا هو، وأنه هو الرب لا غير فأنكر عليه ذلك إبراهيم ورده وكان الطاغية قد سأل إبراهيم عن ربه فقال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. فعرفه له بصفاته الخاصة به وهي الإحياء والإماتة وهما من مظاهر وجود الله تعالى وعلمه وقدرته، وتدبيره للكون والحياة. لأن من قدر على إعطاء الحياة وسلبها قادر على كل شيء ممكن وعلمه وقدرته، وتدبيره للكون والحياة. لأن من قدر على إعطاء الحياة وسلبها قادر على كل شيء ممكن في هذه الحياة هو الرب الحق الذي يستحق عبادة الخلق. أما من لا يحيي ولا يميت ولا يرزق الأحياء ولا يدر حياتهم فليس أهلا ً للربوبية بحال من الأحوال، وعرف الطاغية أنه مهزوم أمام هذه الحجة الباهرة وقال من أجل الحفاظ على مركزه والبقاء على ما وجهه وصيانة لموافقة المنهار أمام قوة الحق: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ ، بهذا قد اعترف ضمنا ً أن هنا ربا ً غيره، كل ما في الأمر أنه هو أيضا ً رب يحيي ويميت كما يحيي رب إبراهيم يميت، وتقول الأخبار أنه عمد إلى جانيين في السجن قد استوجبا القتل فدعاهما إلى مجلسه فنفذ حكم الإعدام في أحدهما وعفا عن الآخر. بذلك خدع عقول الحاضرين من أهل بطانته ورجال مجلسه، وأنه فعلا ً يحيي ويميت، إلا أن إبراهيم تفطن للخدعة وعرف المغالطة وقال له إنك أحييت حيا ً ولم تحيي الميت والرب الحق يحيي الميت ويميت الحي وإن بقيت على مغالطتك فإن الله يأتي بالشمس صباح كل يوم من المشرق فأت بها أنت من المغرب. ولم يجد الطاغية في هذا مجالا ً للمغالطة والتضليل كما وجد ذلك في الأولى كما أنه لم يجد ما يقدمه حجة تدحض حجة إبراهيم فانقطع الطاغية وبهت وبان زيف حجته وبطلت دعواه، وقامت الحجة عليه لله. نتائج هذه المناظرة: نلخص ثمرة هذا الموقف في النقاط الست التالية: ١- قوة السلطان وسعة الملك وطول العمر من موجبات الغرور والطغيان للإنسان.

стр. 8357

٢- الدعاة يغشون مجالس الملوك لنصحهم ووعظهم وإرشادهم، أو لدعوتهم إلى ربهم. ولا ينقص ذلك من شرفهم ولا يمس بكرامتهم. ٣- صاحب الرسالة يبلغها ولا يهاب في ذلك سلطانا ً ولا يخاف بطشاً ولا عدواناً. ٤- الإدلاء بالحجة يكون بعد الإنكار أو ظهور علاماته. ٥- الإ ن ك ار بالحجة من القوي ة إلى الأقوى لإفحام الخصم وإقامة الحجة عليه. ٦ - النصر والغلبة لدعاة الحق وناصريه، والهزيمة وا لإ نكسار لدعاة الظلم والقائمين عليه. وأخيرا ً أن السر في هذا الإ نتصار الباهر الذي حققه إبراهيم على خصمه النمرود عليه لعائن الله تعالى هو موالاة الله تعالى لإبراهيم فإن من والاه الله تعالى أخرجه من كل ظلمه، وأمده بكل نور وبه ينتصر ويظهر إذ ذكرت هذه القصة تدليلا ً على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . الموقف الثاني: جاء هذا الموقف في قول الله تعالى من سورة الأنعام، ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . ولنستعرض أحداث هذا الموقف على النحو التالي:

стр. 8358

أنه بعد أن ألان إبراهيم جانبه لوالده وعرض عليه دعوة الله تعالى في لطف وظرف وأدب ازداد ع ت وآزر وظهر إصراره على كفره، وعدم تراجعه عن موقفه العدائي لإبراهيم داعي الله تعالى الأمين. هنا تغير موقف إبراهيم إزاء آزر فاتسم بنوع من الشدة والصرامة فقال ما قصه الله تعالى في كتابه من سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وفي هذا تصريح كامل بتضليل آزر وقومه خالٍ من كل مواربة أو مجاملة. ورأى إبراهيم ﵇ أن يسلك في هداية قومه طريق الوقوف بهم على مظاهر الكون وآيات الله فيه ليريهم خطأهم في عبادة غير الله تعالى من تلك الأصنام التي لا تخلق شيئا ً ولا تنفع ولا تضر أحداً علهم يثبون إلى رشدهم ويعودون إلى عبادة ربهم الحق الذي خلقهم ورزقهم ويميتهم ثم يحييهم وهو على كل شيء قدير.

стр. 8359

فلما أظلم الليل بغروب شمس النهار وطلع كوكب من الكواكب المنيرة ونظر إليه وقال في أسلوب استفهامي إنكاري: هذا ربي أي أهذا ربي؟ كما يزعمون؟ فلما أفل الكوكب وغاب بغروبه في الأفق قال: لا أحب الآفلين. وبذلك قرر عدم صلاحية الكوكب للألوهية لذهابه، وطلب غيره مما يصلح لذلك. فلما رأى القمر بازغا ً قال هذا ربي فلما أفل القمر، قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالمين. فأرى إبراهيم قومه وأسمعهم أنه باحث عن آية طالب له متطلع إلى يوم يعرف فيه ربه الذي خلقه ورزقه وخالق كل العالمين حتى رأى الشمس بازغة وهي أعظم كوكب في السماء وأكثر الكواكب إشراقا ً ونوراً وضياء ً. فلما رآها قال هذا ربي هذا أكبر. فلما أفلت بغروبها وذهاب جرمها واختفائه عن أعين الناس واجه قومه بالحقيقة التي ينشدها لهم يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ً وما أنا من المشركين. وهنا حاجه قومه في توحيد ربه فأنكروا عليه ذلك كما أنكروا عليه براءته من آلهته فانبرى لهم قائلا ً: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ ، فكيف يصح عقلا ً أن أتنكر لربي رب السماوات والأرض فأنكر وجوده وأنكر توحيده، والحال أنه قد هداني لمعرفته فعرفته وإلى صراطه المستقيم فسلكته، أبعد كل هذا تحاجوني في ربي أما ترعون، أم أنكم قوم لا تعقلون؟. ولما رأوا من إبراهيم الإصرار على التوحيد، وإبطال الشرك والتنديد به، وشاهدوا استخفافه التام بآلهتهم المدعاة الباطلة خوّفوه بآلهتهم، وأنها ستنتقم لنفسها ولعابديها منه إن هو بقي على معاداتها وا لإ ستخفاف بها والسخرية منها.

стр. 8360

فرد عليهم إبراهيم قائلا ً: سأبقى على توحيد الله، وعلى الدعوة إليه، منددا ً بشرككم ساخرا ً من آلهة باطلكم، ولا أخاف تلك الآلهة التي تشركون بها إن تصيبني بشيء، إذ أنها لا تنفع ولا تضر لضعفها وحقارتها إن هي إلا أصنام نحتموها بأيديكم، وعبدتموها بأهوائكم، فكيف تضر، أو يخاف منه ضر أو شر، اللهم إلا إذا أراد ربي أن يصيبني بشيء عقوبة لي على تقصير مني في عبادته، أو ابتلاء لي في طريق دعوته للصبر عليها، أو أتخلى عنها فإن ذلك من مقتضيات حكمة الله وعلمه، فقد وسع ربي كل شيء علماً. ثم بعد إقامة الحجة عليهم في بطلان آلهتهم وعجزها عن إصابته بأي أذى أو سوء لم يرده الله تعالى له. أقبل عليهم يوبخهم بجهلهم وغفلتهم وعدم تذكرهم إذ لو علموا بطلان ما هم عليه، ولم يجهلوا الحق الذي يدعون إليه، ولم يغفلوا عن واقع الحياة التي يعيشون وتذكروا في أنفسهم أن ما يخوفون به إبراهيم إنما هو جماد لا حياة فيه، ولا سمع ولا بصر له فكيف يمكنه أن يضر إبراهيم، أو يناله بأدنى سوء، لما خوفوه ﵇ بما اتخذوا من أصنام آلهة ولكنهم جهلاء غافلون فاقدون لكل تدبر أو تذكر. وبعد أن وبخهم على جهلهم وغفلتهم، وعدم تذكرهم، عاد لحجاجهم عله يكسر من أغلال تقليدهم ويمزق غفلتهم، ويخفف من تبلد حسهم فيتبينوا الحق ويرجعوا إليه فتتم هدايتهم وينجو من غوايتهم. فقال لهم في أسلوب الإ ستفهام التعجبي المثير للنفس، المحرك للضمير: وكيف أخاف أنا من أشركتم من آلهة لا سمع لها ولا بصر، ولا قدرة لها على نفع أو ضر، ولا تخافون أنتم أنكم أشركتم في ربوبية الله تعالى وعبادته ما لم ينزل به سلطانا ً من هذه الأوثان التي تعبدون، والآلهة التي تزعمون، مع أن الشرك ظلم عظيم يستوجب فاعله العقوبة الشديدة، والعذاب الأليم.

стр. 8361

وختم حجاجه ﵇ بقوله: فأي الفريقين أحق بالأمن من الخوف إن كنتم تعلمون. فريق الإيمان والتوحيد والطاعة وهو أنا، أم فريق الكفر والشرك والمعصية وهو أنتم. أجيبوا عن سؤالي هذا إن كان لديكم علم تجيبون به. وإلا فاعترفوا بجهلكم، وضعف مسلككم في حجاجكم. فإن ذلك أولى بكم، وأليق بمثلكم أيها المحجوجون المغلوبون. وإلى هنا انتهى الحجاج بين إبراهيم وقومه بانتصار إبراهيم وغلبته وانكسار قومه وهزيمتهم. والنتائج التي تستخلص من هذا الحجاج قد تلخص فيما يلي: ١- مراعاة الأدب في الدعوة والمناظرة بعدم استعمال الكلمة الخشنة النابية، إلا إذا خرج الخصم المجادل عن تلك الحدود من الآداب المرعية في الجدال والمناظرة. ٢- مراعاة حال المدعو، وتقديم البيان والهد ي إليه شيئا ً فشيئا ً والأخذ بيده تدريجا ً تدريجاً إلى أن يوصل به إلى محيط الهدى ودائرة النجاة إن قدر له ذلك، وإلا فقد أعذر إليه وبرئت ذمة الداعي. ٣- من واجب منكر الباطل على غيره أن يتبرأ منه كما ت برأ إبراهيم من الشرك والمشركين، وا لإ زدراء منه بتناقضه، إذ كان ينهى عن الشيء ويفعله أو يرضى به. ٤- تخويف المشركين إبراهيم من آلهتهم أن تمسه بسوء، سنة باقية في الناس إلى اليوم، فكثيرا ً ما يخوف القبوريون اليوم المصلحين من الأولياء والصالحين الأموات إذا المصلح الداعي أنكر على الناس دعاءهم وا لإ ستغاثة بهم والذبح لهم.

стр. 8362

٥- صاحب الحق أولى بالدفاع عن حقه وتحمل الأذى في ذلك من صاحب الباطل، غير أن الناس اليوم على خلاف ذلك فإنا نرى أصحاب الباطل يبذلون الكثير من الجهد والمال في سبيل نصرة باطلهم ويتحملون في سبيل ذلك الكثير من الأتعاب، ونرى على العكس من ذلك أصحاب الحق فإنهم في الغالب لا يبذلون لنصرة حقهم نفسا ً ولا مالا ً، ولا يتحملون تعبا ً كبيراً ولا صغيراً. ٦- الحق وإن ظهر لا بد له من تأييد بقوة الحجة، أو سلطان، وإلا لما سلم أهل الباطل له، ولا ما أذعنوا له، واعترفوا به. والح ـ ق وإن ع ـ لا ليس بم ـ ؤيد حتى يحوط بج ـ انبيه حس ـ ام خط الرس ـ ول بيدي ـ هـ خندق ـ ا ً وم ـ شى تحوله قنى وس ـ هام ٣- إبراهيم البلوى: وعن إبراهيم البلوى نقول: إن ما ابتلي به إبراهيم ﵇ من صنوف البلوى، وضورب الإ متحان ليعد وحيدا ً في بابه، فريداً في حياة الإ بتلاء وا لإ ختبار. إنه لم يعرف في تاريخ البشرية الطويل وخاصة بين أصحاب الرسالات من ابتلي ابتلاء إبراهيم الخليل، كل ذلك ليعد لمنصب الإمامة التي لم يتسمه ولم يرق إليه سوى إبراهيم ﵇. قال تعالى في ذلك: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ . إن ما ابتلي به إبراهيم فصبر له وفاز بحسن عقباه لكثير جداً، ونحن نذكر طرفاً منه:

стр. 8363

١- إرساله وحده إلى أمة غارقة في الوثنية، ضاربة في الضلال، على رأسها ملك جبار طال عمره واتسع ملكه فغره ذلك فادعى الربوبية، فهو لا يرى رباً سواه، ولا ملكاً حاكماً غيره إلى مثل هذه الأمة وهذا الملك يُبعث إبراهيم ليندد بالشرك والوثنية، ويصرخ في وجه الظالم والطغيان. فيحمل رسالته بكفه وينادي بأعلى صوته: ماذا تعبدون أئفكا ً آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين؟ ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون.. ما تعبدون؟ قالوا نعبد أصناما ً فنظل لها عاكفين. هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون. قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا ً إلا كبيرا ً لهم لعلهم إليه يرجعون. ٢- إلقاؤه في النار: ورأى المشركون آلهتهم متساقطة مبعثرة متناثرة فثارت ثائرتهم، وتأججت نار الحمية في قلوبهم، وتساءلوا عمن فعل بآلهتهم الخراب والدمار، والحق بها الخزي والعار وعلموا أنه الفتى الساخط عليها الناقم منها إبراهيم أحضروه وناظروه فكبتهم وأذلهم وألحق المهانة بهم وبآلهتهم فحاكموه وظلما ً حكموا عليه فبنوا تنوراً أعظم تنور وأحرقوا فيه النار حتى كانت جحيماً لا تطاق القوة فيها فكان هذا كذلك امتحانا ً من أقسى الإ متحانات وابتلاء نادرا ً في باب الإ بتلاءات. ٣- هجرته إلى الشام:

стр. 8364

وثالث الإ بتلاءات أن يهاجر إبراهيم فيترك أهله وبلاده، ويقول إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم. إنه بعد أن أنجاه الله من النار بكلمة الله تعالى ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت كما أراد الله برداً وسلاماً على إبراهيم، فخرج منها ولم يمسه سوء ولم ينله مكروه. قرر إبراهيم الهجرة فخرج مهاجراً يؤم أرض الشام وبلاد كنعان. فخروجه من بلاده ﵇ تاركاً كل شيء وراءه وهو يتجه إلى مجهول من البلاد ليس له فيه صديق أو حميم يعتبر ابتلاء من أعظم أنواع الإ بتلاءات. ٤ - إسكانه امرأته وولده بوادي مكة: بأمر الله تعالى أسكن إبراهيم أم إسماعيل وولدها وادي مكة حيث لا زرع ولا ضرع والمرأة شقيقة الرجل، والولد فلذة كبده. فليس من غير الإ بتلاء القاسي الشديد أن يضع الرجل زوجه وولده في مكان بعيد ليس فيه ماء ولا مرعى، ولا جار ولا دار، ويقفل راجعاً فتقول له امرأته: لمن تتركنا هنا؟ .. آلله أمرك، فيقول: نعم، فتقول إذاً فاذهب فإنه لا يضيعنا. يذهب ويترك امرأته وولده امتثالا ً لأمر ربه تعالى. ٥ - رؤياه ذبح ولده:

стр. 8365

ومن أعظم البلايا التي ابتلي بها إبراهيم وحي الله تعالى إليه أن يذبح ولده إسماعيل قربانا ً لله تعالى إنه بعد أن كبر إسماعيل وبلغ حد السعي والعمل رأى إبراهيم ﵇ رؤياه العظيمة التي توحي بذبح إسماعيل قربانا ً لله تعالى فقال لإسماعيل يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، فأجابه إسماعيل قائلا ً: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين، وخرج إبراهيم بإسماعيل إلى منى ليذبحه هناك، وفعلا ً تله للجبين، وأمر مديته على رقبة الابن الصابر وإذا الحديد لم يقطع، وإذا بمناد يقول خذ الكبش واترك الغلام، وفداه الله بذبح عظيم فذبحه ونجا إسماعيل وقال الله تعالى يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء العظيم. ٦ - بناء البيت: إذا كان التكليف من الإ بتلاء فإن تكليف إبراهيم ربه ببناء بيت له بوادي مكة حيث لا رجال ولا ماء ولا عدة ولا عتاد فيقوم إبراهيم بمساعدة ولده إسماعيل بإنشاء بيت عظيم عجزت قريش وهي أمة عن إتمامه عند تجديد بنائه، لتكليف جد شاق ابتلي به إبراهيم إعدادا ً له ليصبح إمام الناس، وخليل رب العالمين ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . ونهض إبراهيم بهذا التكليف وبنى البيت الذي أمر ببنائه، فكان هذا نوعا ً من الإ بتلاء الذي ابتلي به إبراهيم فصبر عليه، فكان بذلك إبراهيم البلوى والوفاء.. ٧- ختانه نفسه:

стр. 8366

وآخر هذه البلايا التي ابتلي بها إبراهيم فصبر لحكم ربه برضا مولاه الذي ابتلاه أمر الله تعالى له أن يختن بعد أن بلغ سن ثمانين من السنين، فاختتن إبراهيم بقدوم. كما أخبر بذلك الرسول ﷺ في صحيح الأحاديث. إنه بهذه السلسلة ذات الحلقات السبع من الإ بتلاءات العظيمة أصبح بها إبراهيم بحق إبراهيم البلوى وإبراهيم الوفاء، وفاز بلقبين عظيمين لم يفز بهما غير إبراهيم وهما الإمامة، والخلة، فكان إبراهيم إمام الموحدين، وخليل رب العالمين. فسلام عليه في العالمين، وسلام عليه في المرسلين. ٤ - إبراهيم الهجرة: إن للهجرة في دين الله تعالى شأنا ً ناهيك بها أنها تعدل الجهاد في ذات الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ . ومن هنا كان العالمون من سلف هذه الأمة يقول أحدهم: " لا أبالي أكنت في قبر مجاهد، أو مهاجر ". وما ذاك إلا أن الإ بتلاء بهما متساو في المشقة، متعادل في المثوبة والأجر.

стр. 8367

وإبراهيم ﵇ أول من سن الهجرة في ذات الله فقال بعد أن نجاه الله من النار: إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم، فهاجر من بابل العراق إلى الأرض المباركة من الشام وترك وراءه الوطن والأهل والمال. واتجه إلى أرض مجهولة لديه، وبلاد بعدت عليه، فرارا ً بدينه، وهجراً لقومه وأهله وما يعبدون من دون الله. فخرج إبراهيم ومن آمن معه وهو ابن أخيه لوط ﵇، واتخذ من أرض الشام دار هجرة، فكانت الشام تعرف بعد ذلك (بمهاجر إبراهيم) . وسر هذه الهجرة كغيرها من الهجر في ذات الله: أن يتمكن المهاجر من عبادة الله تعالى بعد أن عجز عنها في بلاده، وبين قومه وأن لا يرى المنكر أمامه وهو عاجز عن تغييره وأن يطلب من الأسباب ما يمكنه من الجهاد نصرة للحق وأهله، وإرغاما ً للباطل وحزبه. ٥ - إبراهيم الخلة: وعن إبراهيم الخلة [٦] نقول: إن إبراهيم ﵇ بذل كل شيء في سبيل حب الله تعالى فغلب عليه ذلك حتى كان لا يطعم الكافر طعاما ً ولا يسقيه شرابا ً، وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فقط طلب الرزق من الثمرات لمن آمن فقط دون من كفر.. فرد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .

стр. 8368

وفي هذا تقول آثار: إن كافرا ً استقرى إبراهيم يوما ً فسأله طعاماً فقال له:" إن تؤمن بربي أطعمتك؟ فقال الكافر: لا أترك ديني من أجل لقمة طعامك وانصرف، فأوحى الله ﵎ إلى إبراهيم: عبدي أطعمه منذ سبعين سنة وهو كافر بي ولم أمنعه الطعام لكفره، وأنت استطعمك يوما ً فاشترطت عليه أن يترك دينه الذي هو عليه منذ سبعين. فلحقه إبراهيم وا عتذر إليه وأطعمه فقال له الكافر: ما بدا لك يا إبراهيم؟ قال: لقد أوحى الله إلي بكذا وكذا.. فقال الكافر: أو قد وقع هذا، مثل هذا ينبغي أن يؤمن به ويعبد فأسلم الكافر ". وتقول الآثار: " إن جبريل وميكائيل وإسرافيل لما نزلوا ضيفا ً على إبراهيم وهم في طريقهم إلى قرى لوط، وقدم لهم الطعام وامتنعوا أن يأكلوا. فقال لهم: ألا تأكلون؟ فقالوا: إنا نأكل طعاما ً إلا بحقه فقال: كلوا بحقه قالوا: وما حقه؟ قال: إن تسموا الله في أوله وتحمدوا لله في آخره. فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقال: حق للرجل أن يتخذه ربه خليلا ً". ومهما يكن فإن الخلة قالها إبراهيم - كما قال تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا ً - قالها بتوحيده وصبره وصدقه وحبه ووفائه ورحمته وهجرته وطاعته ونصيحته ومن أعظمها أن يطلب إليه الحبيب أن يقدم له فلذة كبده فلم يتردد إبراهيم وقدم إسماعيل قربانا ً لله تعالى فأي ابتلاء أعظم من هذا الإ بتلاء؟ وكيف والله تعالى يقول فيه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ , وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ . ٦- إبراهيم القدوة:

стр. 8369

وعن إبراهيم القدوة نقول: إن إبراهيم بمواقفه البطولية المشرفة تأهل لأن يكون قدوة لمن جاء بعده من أهل الإيمان والصلاح. وحسبنا في ذلك أن يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه﴾ . فقد جعل الله تعالى إبراهيم قدوة لأهل الإيمان يقتدون به في شتى مواقفه التي نجملها فيما يلي: في توحيد الله، في البراءة من الشرك وأهله، في الهجرة في ذات الله، في الصبر على طاعة الله، في الوفاء بكل التزام لله. ضرب إبراهيم المثل في كل هذه الجوانب من حياة الإيمان والإسلام والإحسان فأصبح مثالا ً يحتذى، وقدوة صالحة بها يقتدى. ٧- إبراهيم الرحمة: وعن إبراهيم الرحمة نقول: إنه لا أدل على رحمة إبراهيم التي غلب وصفها عليه حتى أصبح يعرف بها من أن يبتليه ربه تعالى بذبح ولده إسماعيل، لأنه ابتلاء يرفع المبتلى إلى درجة الخلة يكون أقسى أنواع الإ بتلاء، وأ شده. فالأمر بذبح فلذة الكبد امتحانا ً لرجل عرف بالرحمة القلبية حتى كان ينادى بالأب - الرحيم، دال على رحمة إبراهيم وشاهد صدق عليها. ومن مظاهر رحمة إبراهيم قوله وهو يناجي ربه: فمن تبعني فإنه منى، - ومن عصاني فإنك غفور رحيم. فإن في قوله: فأنت غفور رحيم تلويحا ً أشبه بتصريح بأن يقول ومن عصاني فيما هو غير الشرك والكفر فاغفر له وأرحمه، فإنك غفور رحيم. ٨- إبراهيم الأمة:

стр. 8370

وعن إبراهيم الأمة نقول: إن وصف إبراهيم بلفظ الأمة كان من وصف الله تعالى له بذلك في قوله من سورة النحل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ شاكراً لأنعمه. ووصف الله تعالى هذا له بأنه أمة يعتبر شهادة من الله تعالى له بذلك وكفى بالله شهيداً. ومعنى أمة أنه جامع للكمالات والفضائل التي لا توجد مجتمعة إلا في أم ة من الناس وهو العدد الكبير. كما أن معنى أمة دال على أن ما تقوم به الجماعة من الناس يقوم به الفرد الموسوم بأنه أمة، وعلى سبيل المثال نقدم رسول الله لهذه الأمة محمد ﷺ . فنجده فداء أبي وأمي كان قائما ً بما تقوم به أمة من الناس وتعجز عنه، فالرسالة، والإمامة والقضاء، والقيادة فهذه المهام من المناصب لا ي قوم بها عادة إلا أفراد عديدون فإذا قام بها فرد كان بذلك أمة وصح وصفه بأنه وحده أمة. وهكذا كان إبراهيم أمة فإنه عاش دهراً طويلا ً لا يعبد الله ويوحده في الأرض إلا هو، ولا يأمر بمعروف وينهى عن منكر في الأرض سواه، ثم قد جمع من الفضائل النفسية والكمالية البشرية ما لا يجتمع عادة إلا في العدد الكثير من الناس. والعبرة من هذه الصفات الكمالية التي استعرضناها لإبراهيم ﵇ هي أن يجد فيها الداعية المسلم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة فيتمثلها في حياته وهو قائم برسالة الحق والخير يعرضها على الناس ويدعوهم إلى الأخذ بها والتمسك بما فيها من الإصلاح والهدى ليكملوا ويسعدوا. فتساعده على حمل رسالته والوصل بها إلى حيث يريد أن يصل بها من إصلاح الناس وهدايتهم ليكملوا ويسعدوا في الحياتين، وسلام على إبراهيم في المرسلين والحمد لله رب العالمين. ج ـ - موسى الكليم: من نماذج الدعاة إلى الله تعالى، وإلى الحق والخير، موسى النجي الكليم عليه الصلاة والتسليم. ترجمته:
следующие страницы →