Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.
стр. 8366
وآخر هذه البلايا التي ابتلي بها إبراهيم فصبر لحكم ربه برضا مولاه الذي ابتلاه أمر الله تعالى له أن يختن بعد أن بلغ سن ثمانين من السنين، فاختتن إبراهيم بقدوم. كما أخبر بذلك الرسول ﷺ في صحيح الأحاديث.
إنه بهذه السلسلة ذات الحلقات السبع من الإ بتلاءات العظيمة أصبح بها إبراهيم بحق إبراهيم البلوى وإبراهيم الوفاء، وفاز بلقبين عظيمين لم يفز بهما غير إبراهيم وهما الإمامة، والخلة، فكان إبراهيم إمام الموحدين، وخليل رب العالمين.
فسلام عليه في العالمين، وسلام عليه في المرسلين.
٤ - إبراهيم الهجرة:
إن للهجرة في دين الله تعالى شأنا ً ناهيك بها أنها تعدل الجهاد في ذات الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ .
ومن هنا كان العالمون من سلف هذه الأمة يقول أحدهم: " لا أبالي أكنت في قبر مجاهد، أو مهاجر ".
وما ذاك إلا أن الإ بتلاء بهما متساو في المشقة، متعادل في المثوبة والأجر.
стр. 8367
وإبراهيم ﵇ أول من سن الهجرة في ذات الله فقال بعد أن نجاه الله من النار: إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم، فهاجر من بابل العراق إلى الأرض المباركة من الشام وترك وراءه الوطن والأهل والمال. واتجه إلى أرض مجهولة لديه، وبلاد بعدت عليه، فرارا ً بدينه، وهجراً لقومه وأهله وما يعبدون من دون الله. فخرج إبراهيم ومن آمن معه وهو ابن أخيه لوط ﵇، واتخذ من أرض الشام دار هجرة، فكانت الشام تعرف بعد ذلك (بمهاجر إبراهيم) . وسر هذه الهجرة كغيرها من الهجر في ذات الله: أن يتمكن المهاجر من عبادة الله تعالى بعد أن عجز عنها في بلاده، وبين قومه وأن لا يرى المنكر أمامه وهو عاجز عن تغييره وأن يطلب من الأسباب ما يمكنه من الجهاد نصرة للحق وأهله، وإرغاما ً للباطل وحزبه.
٥ - إبراهيم الخلة:
وعن إبراهيم الخلة [٦] نقول: إن إبراهيم ﵇ بذل كل شيء في سبيل حب الله تعالى فغلب عليه ذلك حتى كان لا يطعم الكافر طعاما ً ولا يسقيه شرابا ً، وإلى ذلك الإشارة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فقط طلب الرزق من الثمرات لمن آمن فقط دون من كفر.. فرد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ .
стр. 8368
وفي هذا تقول آثار: إن كافرا ً استقرى إبراهيم يوما ً فسأله طعاماً فقال له:" إن تؤمن بربي أطعمتك؟ فقال الكافر: لا أترك ديني من أجل لقمة طعامك وانصرف، فأوحى الله ﵎ إلى إبراهيم: عبدي أطعمه منذ سبعين سنة وهو كافر بي ولم أمنعه الطعام لكفره، وأنت استطعمك يوما ً فاشترطت عليه أن يترك دينه الذي هو عليه منذ سبعين. فلحقه إبراهيم وا عتذر إليه وأطعمه فقال له الكافر: ما بدا لك يا إبراهيم؟ قال: لقد أوحى الله إلي بكذا وكذا.. فقال الكافر: أو قد وقع هذا، مثل هذا ينبغي أن يؤمن به ويعبد فأسلم الكافر ".
وتقول الآثار: " إن جبريل وميكائيل وإسرافيل لما نزلوا ضيفا ً على إبراهيم وهم في طريقهم إلى قرى لوط، وقدم لهم الطعام وامتنعوا أن يأكلوا. فقال لهم: ألا تأكلون؟ فقالوا: إنا نأكل طعاما ً إلا بحقه فقال: كلوا بحقه قالوا: وما حقه؟ قال: إن تسموا الله في أوله وتحمدوا لله في آخره. فالتفت جبريل إلى ميكائيل وقال: حق للرجل أن يتخذه ربه خليلا ً".
ومهما يكن فإن الخلة قالها إبراهيم - كما قال تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا ً - قالها بتوحيده وصبره وصدقه وحبه ووفائه ورحمته وهجرته وطاعته ونصيحته ومن أعظمها أن يطلب إليه الحبيب أن يقدم له فلذة كبده فلم يتردد إبراهيم وقدم إسماعيل قربانا ً لله تعالى فأي ابتلاء أعظم من هذا الإ بتلاء؟ وكيف والله تعالى يقول فيه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ , وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ .
٦- إبراهيم القدوة:
стр. 8369
وعن إبراهيم القدوة نقول: إن إبراهيم بمواقفه البطولية المشرفة تأهل لأن يكون قدوة لمن جاء بعده من أهل الإيمان والصلاح. وحسبنا في ذلك أن يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَه﴾ .
فقد جعل الله تعالى إبراهيم قدوة لأهل الإيمان يقتدون به في شتى مواقفه التي نجملها فيما يلي: في توحيد الله، في البراءة من الشرك وأهله، في الهجرة في ذات الله، في الصبر على طاعة الله، في الوفاء بكل التزام لله.
ضرب إبراهيم المثل في كل هذه الجوانب من حياة الإيمان والإسلام والإحسان فأصبح مثالا ً يحتذى، وقدوة صالحة بها يقتدى.
٧- إبراهيم الرحمة:
وعن إبراهيم الرحمة نقول: إنه لا أدل على رحمة إبراهيم التي غلب وصفها عليه حتى أصبح يعرف بها من أن يبتليه ربه تعالى بذبح ولده إسماعيل، لأنه ابتلاء يرفع المبتلى إلى درجة الخلة يكون أقسى أنواع الإ بتلاء، وأ شده. فالأمر بذبح فلذة الكبد امتحانا ً لرجل عرف بالرحمة القلبية حتى كان ينادى بالأب - الرحيم، دال على رحمة إبراهيم وشاهد صدق عليها.
ومن مظاهر رحمة إبراهيم قوله وهو يناجي ربه: فمن تبعني فإنه منى، - ومن عصاني فإنك غفور رحيم. فإن في قوله: فأنت غفور رحيم تلويحا ً أشبه بتصريح بأن يقول ومن عصاني فيما هو غير الشرك والكفر فاغفر له وأرحمه، فإنك غفور رحيم.
٨- إبراهيم الأمة:
стр. 8370
وعن إبراهيم الأمة نقول: إن وصف إبراهيم بلفظ الأمة كان من وصف الله تعالى له بذلك في قوله من سورة النحل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ شاكراً لأنعمه.
ووصف الله تعالى هذا له بأنه أمة يعتبر شهادة من الله تعالى له بذلك وكفى بالله شهيداً.
ومعنى أمة أنه جامع للكمالات والفضائل التي لا توجد مجتمعة إلا في أم ة من الناس وهو العدد الكبير. كما أن معنى أمة دال على أن ما تقوم به الجماعة من الناس يقوم به الفرد الموسوم بأنه أمة، وعلى سبيل المثال نقدم رسول الله لهذه الأمة محمد ﷺ . فنجده فداء أبي وأمي كان قائما ً بما تقوم به أمة من الناس وتعجز عنه، فالرسالة، والإمامة والقضاء، والقيادة فهذه المهام من المناصب لا ي قوم بها عادة إلا أفراد عديدون فإذا قام بها فرد كان بذلك أمة وصح وصفه بأنه وحده أمة.
وهكذا كان إبراهيم أمة فإنه عاش دهراً طويلا ً لا يعبد الله ويوحده في الأرض إلا هو، ولا يأمر بمعروف وينهى عن منكر في الأرض سواه، ثم قد جمع من الفضائل النفسية والكمالية البشرية ما لا يجتمع عادة إلا في العدد الكثير من الناس.
والعبرة من هذه الصفات الكمالية التي استعرضناها لإبراهيم ﵇ هي أن يجد فيها الداعية المسلم القدوة الصالحة والأسوة الحسنة فيتمثلها في حياته وهو قائم برسالة الحق والخير يعرضها على الناس ويدعوهم إلى الأخذ بها والتمسك بما فيها من الإصلاح والهدى ليكملوا ويسعدوا. فتساعده على حمل رسالته والوصل بها إلى حيث يريد أن يصل بها من إصلاح الناس وهدايتهم ليكملوا ويسعدوا في الحياتين، وسلام على إبراهيم في المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ج ـ - موسى الكليم:
من نماذج الدعاة إلى الله تعالى، وإلى الحق والخير، موسى النجي الكليم عليه الصلاة والتسليم.
ترجمته:
стр. 8371
فمن هو موسى الكليم؟ إنه موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇. لقب بالكليم وهو لقب تشريف عظيم، إذ كلمه ربه تعالى كفاحا ً أي مواجهة بدون واسطة ملك أو غيره، كما يلقب بالنجي لمناجاة الله تعالى له، وتم له الكلام والمناجاة بطور سيناء، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً، وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً، وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ .
كانت حياة هذا الرسول الكريم والداعية المخلص العظيم مليئة بالبطولات والتضحيات موحية بمعاني القوة والكمال، والخير والجمال. وإنه لمن غير المتيسر استعراض كل تلك الحياة، والوقوف منها على كل مواطن العظة والعبرة فلذا حسبنا منها لقطات قليلة، ونظرات عابرة يسيرة. تعود على من يقف عليها، وينظر فيها بفوائد روحية، وطوائلة خلقية لم يتوفر على مثلها لو درس حياة أمم وأجيال، من غير أمثال هؤلاء الرجال.
هذا وما سنلقي عليه نظرة خاطفة من حياة موسى النجي الكليم وهي كما تقدم مليئة بالعبر والعظات، زاخرة بالبطولات والتضحيات. هو الكمالات النفسية التالية:
بلاؤه وصبره. نجدته وعفته. قوته وأمانته. شجاعته وقوة حجته. صدقه ووفاؤه. إخلاصه وتوكله. علمه وتواضعه.
بلاؤه وصبره:
فعن بلائه وصبره نقول: إن البلاء الذي اكتنف حياة النجي الكريم موسى ﵇ من لدن ولادته إلى وفاته، لبلاء عظيم، وفي قوله تعالى من سورة طه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ إشارة واضحة صنوف البلأ الذي لازم حياة موسى الكليم من المهد إلى اللحد فسلام عليه في المبتلين، سلام عليه في الصابرين.
وها هي ذي نقاط سوداء نشير بها إلى صور عدة من ذلك البلاء:
وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وذكرى للذاكرين.
стр. 8372
- خوف أمه عليه، وهي حامل به، من أن يطلع عليه مجرموا آل فرعون ساعة وضعه، فيذبحوه تنفيذا ً لقرار فرعون بذبح المواليد الذكور في ذلك العام.
- وضعه في صندوق خشبي وإلقاؤه في اليم كلما أحست أمه بحركة، أو سمعت صوتا ً عند باب منزلها خوفا ً عليه من آل فرعون أن يقتلوه. حتى كان يوم انقطع فيه الحبل وذهب الماء بالتابوت إلى قصر آل فرعون للناقمين عليه الطالبين له، فكان هذا فتونا ً أي فتون.
- تحريم الله المراضع عليه، فلم يرضع منهن واحدة وهو يت ض ور جوعا ً، ويتألم عطشا ً فترة من الزمن، حتى رد إلى أمه فأرضعته، وأخذت أجرة عليه. فكان هذا بلاء، وكان فتونا ً أي فتون.
- هم فرعون بقتله لما تشاءم منه، حتى شفعت آسيا له بقولها: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً. فكان هذا بلاء به وفتونا ً أي فتون.
- قتله القبطي (خطأً) وما لحقه من جراء ذلك من الهم والغم، وما أصابه من الخوف نتيجة ائتمار الملأ به ليقتلوه، بالنفس التي قتلها، فقضى أياما ً خائفا ً يترقب، فكان هذا بلاء ً عظيما ً صبر موسى عليه.
- هجرته وحده من أرض مصر إلى مدين بلا زاد يأكله ولا ظهر يركبه فناله من الجوع والأعباء ما هو بلاء أو شد من البلاء.
- رعيه الغنم بالصحراء وهو الذي عاش في قصور الأمراء حتى قضى عشرا ً من السنين في أرض الغربية بعيداً عن والدة وأخته وأخيه. فكان هذا من البلاء الذي نزل به وصبر عليه.
- تكليفه وإن كان فيه تشريفه بحمل الرسالة إلى فرعون الطاغية الجبار، مدعي الربوبية وزاعم الألوهية، مضمونها: أن يتجلى عن دعوى الربوبية والألوهية لله ويعبد الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه. وأن يرسل مع موسى بني إسرائيل عباد الله إلى الأرض المقدسة التي كتب الله، فكان في هذا من البلاء ما فيه، فصبر موسى عليه.
стр. 8373
- خوضه المعركة الفاصلة بينه وبين السحرة تلك المعركة التي أوجس فيها موسى خيفة حتى قال له ربه تعالى: ﴿لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى﴾ .. فكان هذا من البلاء.
- حجاجه لفرعون وآله عدة سنين يقارع فيها الحجة بالحجة ويقابل فيها البرهان بالبرهان، ويسمع فيها من التهديد والوعيد، ما هو بلاء أو أعظم من البلاء.
- ردة بعض بني إسرائيل في غيبته بعبادتهم العجل، وما ناله في ذلك من هم وما أصابه من حزن وغم وما تملكه من جراء ذلك من غضب حتى ألق ى الألواح فتكسرت وأخذ برأس هارون أخيه يجره إليه عاتبا ً عليه مؤنبا ً إياه. أليس هذا من البلاء، فصبر عليه موسى.
- خروجه بخيار قومه إلى الطور ليطلب لبني إسرائيل التوبة ويسأل لهم العفو والمغفرة، وتعنت أولئك المختارين معه، وطلبهم رؤية الله جهرة، حتى أماتهم الله وأحياهم بأخذ الصاعقة لهم وهم ينظرون. وعدم أخذهم التوراة وتمردهم على موسى في ذلك حتى شق الله الجبل فوق رؤوسهم فأخذوها مكرهين خائفين. أليس هذا من البلاء المبين؟ لموسى الكليم؟ وقد صبر عليه.
- اشتراط الله تعالى لقبول توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً ففعلوا حتى بكى موسى وهارون خوفاً من فناء بني إسرائيل، وس ألا الله تعالى أن يرفع منهم القتل فاستجاب الله تعالى لهم وتاب على بني إسرائيل إنه هو التواب الرحيم، أليس هذا من البلاء المبين الذي صبر عليه موسى الكليم؟
- خروجه بني إسرائيل لقتال العمالقة بأرض القدس، ونكول قومه عن قتالهم، وإظهارهم الجبن والخوف منهم بقولهم إن فيها قوما ً جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها. وإساءتهم الأدب معه ﵇ إذ قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ . أليس هذا من البلاء المبين؟
стр. 8374
- ما قضاه في التيه مع بني إسرائيل من حياة طويلة تعرض فيها لألوان من تعنت بني إسرائيل وسوء آدابهم، وقبح سلوكهم الأمر الذي لا يطيقه الأمثل موسى الكليم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. أليس هذا من البلاء المبين الصبر العظيم الذي جعل موسى في عداد أولي العزم الصابرين؟ لاقى موسى ﵇ كل هذه الضروب من البلاء، فصبر عليها، فكان بذلك أحد أولي العزم الصابرين الذي أمر إمام الأنبياء محمد ﷺ بأن يصبر كما صبروا في قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم ﵈.
نجدته وعفته:
وعن نجدة موسى وعفته المثاليتين نقول: ومن كمالات موسى الكليم النفسية والخلقية نجدته وعفته، وهما خلتان كريمتان يتنافس في اكتسابهما وا لإ تصاف بهما أعاظم الرجال. وبما أن هاتين الخلتين تغلبان على حياة الكليم الروحية والخلقية فإنا نكتفي بذكر حادثتين وعرض موقفين تتجلى لنا فيهما خلتا النجدة والعفة عند موسى النبي النجي ﵇.
إن الحادثة الأولى وحياة موسى كلها أحداث مروره بالقبطي والإسرائيلي وهما يقتتلان، واستغاثة الثاني به ليخلصه من الشدة التي أنزلها الأول به، وما تردد موسى في نجدته وإغاثته حيث وكز القبطي وكزة قضى فيها عليه، فكانت هذه مظهراً من أجل المظاهر لنجدة موسى وقوته.
والثانية كانت عند ما جلس تحت الشجرة يستظل بظلها قريبا ً من ماء مدين والرعاة يسقون ويصدرون، وامرأتان تذودان غنمهما حتى لا تختلطا بالرعاء حفاظا ً على شرفهما، وإظهارا ً لكمال عفتهما، فيتقدم الكليم مدفوعاً بخلة النجدة المتأصلة في نفسه، وكأنه أسد هصور وعلى ما هو عليه من وعثاء السفر وغلبة الجوع، فيسقى لهما غنمها ويتولى إلى الظل الذي كان به، كأسد يعود إلى عرينه، فاخر موسى بنجدته المتقدم وقدم المتأخر، وكذلك أهل النجدة يفعلون.
стр. 8375
فهذان هما الحادثان وقد تجلت لنا في كل منهما خلة النجدة لدى موسى ﵇. أما الموقفان فأولهما كان عند ما تقدمته الفتاة المرسلة إليه لتأتي به إلى والدها ليجزيه على معروفه الذي أهدى وجميله الذي أسدى، وقد عبثت الريح بدرع الفتاة فانكشف منها بعض ساقها فأبت عفة موسى عليه أن ينظر منها إلى ما كشف الريح عنها، فقال لها: " يا فتاة الطهر، امشي وراء الظهر، وأرشديني إلى الطريق بحصى تقذفين بها ".
فكان هذا موقفا ًَ رائعا ً لموسى تجلت فيه عفته أكبر التجلي، وثانيهما كان في استئجاره نفسه من والد المرأتين يرعى له غنمه أتم أجلين وأوفهما "عشر حجج كاملة "مقابل شبع بطنه وإحصان فرجه، إن عملا ً كهذا من شاب في مقتبل العمر، وقوة الفتوة ليعد نادرة النوادر، في حياة الشباب وما كان ذلك إلا لشرف أصل موسى، وكرم محتده وزكاة روحه وعفة نفسه. إن هذه المواقف المشرفة التي وقفها موسى وهو يهيئ لحمل الرسالة ويعد للإمامة والقيادة، لما ينبغي أن يكون نصب أعين الدعاة في كل بلاد الله. أن النجدة والعفة متى خلت النفس منهما خف وزنها، ورق حبل كمالها، وأصبحت نفسا ً لا عبرة بها، ولا وزن لها وأنى لها يومئذ أن تقود أو تسود.
قوة وأمانته:
стр. 8376
وعن قوة موسى وأمانته نقول: أن القوة والأمانة في الرجل من مؤهلاته الكبرى لتسنم المراتب العالية، وا لإ رتقاء إلى المناصب الشريفة السامية، وأن حمل رسالة الحق والخير والإصلاح إلى الناس لمنصب شريف، ومرتبة عالية فلا يرشح لهما إلا من توفر لديه مؤهل القوة والأمانة، وقد جمع الله تعالى لعبده ورسوله موسى ﵇ بين القوة والأمانة: قوة البدن وقوة العزم وقوة الروح، وأمانة النفس وأمانة القول وأمانة العمل، فكان قويا ً أمينا ً، وكان أهلا ً لحمل أعظم رسالة في تاريخ بني إسرائيل. وإن أردنا أن نشير إلى بعض الأحداث التاريخية في حياة موسى التي ظهرت فيها قوته وأمانته، زيادة على شهادة بنت شعيب له ذلك وهي ترشحه للعمل في مال أبيها، إذ قالت: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ .
فإنا نذكر حادثة قتله القبطي بضربة واحدة مالها ثانية فكانت هي القاضية. قال تعالى فيها: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ .
كما نذكر أنه على ما أصابه من جهد، وما مسه من جوع ونصب في رحلته الشاقة وسفره الطويل (والسفر قطعة من العذاب) استطاع أن يرفع غطاء البئر، وقد كان صخرة كبيرة لا يضعها ولا يرفعها بحال إلا عصبة من الرجال وهو المنظر الذي شهدته فتاته فعرفت به قوته، وشهدت بها له عند أبيها ساعة ما رشحته للعمل فقالت: يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. هذا عن قوة موسى أما عن أمانته فحدث ولا حرج وحسبه أن يقرر وصفه بالأمين القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [٧] .
стр. 8377
والأمانة وصف لازم لكل أرباب الرسالات، وحاملي شرف النبوات وموسى نبي الله، ورسول الله، ولهذا نكتفي من جانبنا في إثبات أمانة موسى وتقريرها، بإعادة استعراض الحادثة التي سبق إن استعرضناها مستدلين بها على خلة العفة النفسية لموسى، وهي حادثة بنت العبد الصالح لما صحبته من منزله قريبا ً من الماء، إلى منزل والدها حيث جمعت الطريق بينهما في خلوة كاملة. فقد روى أنه عندما بدا له بعض جسمها عاريا ً مكشوفا ً لم تسمح له أمانته أن ينظر إليها فاضطر إلى أن يمشي إمامها وهي دليله، كل ذلك من أجل أن لا يخون أمانته بنظرة يلقيها على جسم لا يحل له النظر إليه، كأن موسى قرأ ما قرأناه في كتاب الله، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ .
إن موسى لم يقرأ هذا الذي قرأناه، ولكنه كان أمينا ً بالفطرة التي فطره عليها الله ﷻ . فسلام عليه ذا نجدة وعفة. وسلام عليه قويا ً أمينا ً.
شجاعته وقوة حجته:
وعن شجاعة موسى وقوة حجته نقول: إن الشجاعة في اعتقاد الحق وقوله والعمل به تعتبر من أنبل الخلائق، وأسمى الفضائل، وأكرم الشمائل، وفي الحديث الشريف سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله. وإن كانت الشجاعة على نوعين: شجاعة قلوب، وشجاعة عقول، والأخيرة قليلة، والأولى كثيرة.
إن الشج ـ اعة في القلوب كثيرة
وأرى شجع ـ ان العق ـ ول قليلا [٨]
وكلا نوع ي الشجاعة محمود محبوب، وإن كانت شجاعة العقول أكثر حمدا ً لاختصاصها بالنوع الإنساني دون شجاعة القلوب حيث يشارك فيها الإنسان الحيوان ومن أشجع من ذي اللبدة ملك السباع الأسد!!؟
стр. 8378
ونبي الله موسى ﵇ أوتي من الشجاعة بنوعيها حظا ً كبيرا ً وقسطا ً وفيرا ً. ولنستعرض بعض الجوانب من حياته لنشاهد المواقف الشجاعة التي وقفها ﵇، وبها تتجلى لنا شجاعة موسى القلبية والعقلية معا ً وعلنا ً نأتس ى به في شجاعته فنكتسب خلة شريفة: الدعاة أحوج ما يكونون إلى مثلها في حياة الدعوة التي هي حياة العمل والجهاد.
تقدم موسى ﵇ برسالته إلى فرعون وهي رسالة مزدوجة جانب منها يطالب فرعون بالإيمان بالله تعالى ومعرفته وخشيته: إذ أمر الله تعالى موسى أن يقول لفرعون: هل لك إلى، أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى. وجانب يطالبه بالسماح لشعب بنى إسرائيل أن يذهبوا مع موسى إلى الأرض المقدسة من بلاد الشام (فلسطين) إذ أمر الله تعالى موسى وهارون أن يقولا لفرعون ﴿إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ .
стр. 8379
ولما عرف فرعون مضمون الرسالة وما تحمله من دعوة صريحة إلى الإيمان بالله وحده والكفر بكل الطواغيت التي تعبد من دون الله، ما تردد فرعون اللعين في تهدد موسى بالسجن مرة وبالقتل أخرى، إذ قال: لئن اتخذت إلها ً غيري لأجعلنك من المسجونين. وقال لرجال دولته: ذروني أقتل موسى وليدع ربه.... فمثل هذا التهديد والوعيد من طاغية كفرعون من شأنه أن يرهب ويخيف ويجعل المطالب بالحق يتخلى عن مطالبة بعذر الضعف والعجز لكن موسى الشجاع لم يفت ذلك من عضده، ولم يفل من قوة عزمه فقابل تهديد فرعون ووعيده بشجاعة لا نظير لها، إذ لم يزد أن قال إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. فقرر التوحيد وأبطل الشرك وذم الكبر والكفر وأهلهما. فهذا موقف بطولي نادر قد وقفه موسى يسمع فيه رعد التهديد ويرى برق الوعيد، فلم يضعف لدلك ولم يهن فكان مظهرا ً من مظاهر شجاعة موسى النادرة الفذة.
وموقف آخر يتجلى في تقديمه عليه والسلام السحرة عليه في إلقاء حبالهم وعصيهم التي استحالت في اللحظة الأولى إلى حيات وثعابين تملأ ساحة العرض الأمر الذي أوجس منه خوفه في نفسه. فأن تقديم موسى لخصمه عليه في إظهار قوته والضرب بها أمامه لمظهر عظيم من مظاهر الشجاعة القلبية والعقلية معا ً.
وموقف ثالث وإن ذكرنا له فيه جانبين عظيمين فيهما نجدته ﵇ وقوته، فإن اندفاعته القوية نحو الجبار القبطي وهو يصاول الإسرائيلي الضعيف المستضعف، وأخذه إياه بتلك القوة وبدون تردد ولا تهيب حتى أزهق روحه لمظهر جلي لشجاعة موسى القلبية التي هي زينة الرجال وحلية الأبطال.
стр. 8380
هذا عن شجاعته أما عن قوة حجته فحسبنا في تجلية ذلك وبيانه أن نسمع لهذا الحوار الكبير الذي دار بين موسى النبي الكليم وبين خصمه فرعون الجبار العنيد أرسل الله تعالى موسى وأخاه هارون ﵉ برسالة الحق إلى فرعون وم لا ئه، فقا لا: إنا رسول رب العالمين: أن أرسل معنا بني إسرائيل، فرد فرعون على هذا الطلب بقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ ؟؟؟ يريد اللعين بهذا الخطاب: القدح في رسالة موسى واستبعاد أن يكون رسولا ً حيث ذكر بفضله عليه في قصره، وبقتله القبطي وهي جناية قتل تقعد بصاحبها عن شرف الرسالة فرد موسى على الفور وفي شجاعة نادرة قائلا ً: ﴿فَعَلْتُهَا إِذاً﴾ - أي إذ ذلك وأنا ذلك من الظالمين أي الجاهلين , ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ .
وواصل فرعون رده على قول موسى وهارون أنا رسول رب العالمين قائلا ً ُ: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فأجاب موسى بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ . فالتفت فرعون إلى رجاله قائلا ً: كالمتعجب المستخف المكذب لقوله الحق: ﴿أَلا تَسْتَمِعُونَ﴾ ؟ وشعر موسى بمكر فرعون واستهتار بمو قف هـ منه ورسالته فقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ . ولما خاف فرعون على رجاله أن يكون قول موسى الحق قد زلزلهم، وحرك كامن الفطرة في نفوسهم فيكفروا به ويؤمنوا بالله وحده قال في أسلوب ماكر مضلل تنفيرا ً لقلوب م لا ئه من قول موسى حتى لا يعتبروه ويعتدوا به: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ .
стр. 8381
وأراد اللعين بهذا الجواب أن يرمي برجاله في الخصومة ليتحملوا معه عبء المعركة فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ .فأثار بذلك غضبهم وأجج النار حميتهم، بعد أن أظهر نفسه في مظهر المترفع في مستوى لا يصل إليه أحد فيرسل إليه أو يخاطبه بغير إجلاله وإكباره. وعرف موسى هذا فرد عليهم بقوله الأول الذي أزعجهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ . فأعلمهم أن الذي أرسله هو رب كل شيء وليس ورب آبائهم الأولين فقط، ولوح لهم بأن هذه الحقيقة يدركها كل من يعقل، إذ كل الكون حادث مفتقر إلى محدث له، فرب العالمين ورب السماوات والأرض وما بينهما أي خالق ذلك ومالكه والمدبر له هو الذي أرسل موسى وهارون إلى فرعون وملئه برسالة الحق.
وأدرك فرعون قوة الحجة التي أدلى بها موسى، وأنها لا تقاوم بحال فلاذ العين بالتهديد والوعيد حفاظا ً على موقفه المنهار، وإبقاء على سلطانه الذي أخذ يتداعى تحت ضربات الحق الموسوية فقال في صفاقة وعدم حياء لئن اتخذت إلها ً غيري لأجعلنك من المسجونين. ظانا ً أن موسى سيخيفه التهديد والوعيد فيتخلى عن حجاجه قبل أن يفضحه ويهزمه. وعرف موسى هذا فأبى إلا أن يضطره إلى الحوار ليجلله بالخزي والعار فقال له: أولو جئتك بشيء مبين؟ فقال اللعين مضطرا ً إلى ترك الإ نسحاب من الميدان: ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .
علمه وتواضعه:
стр. 8382
وعن علم الكليم وتواضعه في طلبه نقول: إن موسى ﵇ آتاه الله حكما ً وعلما ً كما قال تعالى ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ شأنه في ذلك شأن سائر الأنبياء المرسلين يعلمهم ربهم علوما ًً، ويؤتيهم مع ارف ما يصبحون بها أهلا ً لهداية الناس وإصلاحهم. بيد أن لموسى ﵇ ميزة خاصة به في رغبته في العلم وا لإ ستزادة منه، يدلك على ذلك قول الرسول ﷺ في صحيحي الحاكم وابن حبان: " قال موسى يا رب علمني شيئا ً أذكرك وأدعوك به. قال: قل لا إله إلا الله، قال يا رب كل عبادك يقولون هذا الحديث ... " ففي هذه الرواية الصحيحة تطلع كبير من موسى ﵇ إلى المزيد من العلم والمعرفة، ورغبة أكيدة في طلب العلم والتقوى فيه، وقد بلغ موسى من العلم مبلغا ً جعله لا يرى بين الناس من هو أعلم منه يدل لذلك رواية البخاري، والتي فيها قول الرسول ﷺ : " بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: أتعلم أحدا ً أعلم منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر، فسأل السبيل إلى لقياه ".
стр. 8383
ويدل على علم موسى ﵇ وتبريزه فيه كراهيته للجهل أيضا ً وتنديده بالجاهلين. فإنه لما قال لبني إسرائيل قومه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَة﴾ وردوا عليه قائلين: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ ؟ قال: َ ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ، إذ لا يقف مثل هذا الموقف إلا جاهل، كما أنه لما طلب إليه قومه [٩] أن يجعل لهم إلها ً يعبدونه، رد عليهم فورا ً قائلا ً: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ . ففي الأولى استعاذ موسى من الجهل، وفي الثانية ندد به ونسب إليه كل انحراف في العقيدة وهو كذلك فإن سائر المعاصي والذنوب التي يغشاها الناس ناجمة عن الجهل بالله تعالى وقواعد دينه وأحكام شرعيه، ويشهد لهذه الحقيقة قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فقد خص تعالى العلماء بخشيته ولم يرها لأ هل الجهل به وبشرائعه وأحكام دينه.
стр. 8384
هذا عن علم موسى الواسع، ومعارفه الكبيرة أما عن تواضعه في طلب العلم فحدث لا حرج إذ لولا تواضعه ﵇ عند الطلب لما حاز قصب السبق في باب العلم، إذ العلم لا يناله إلا المتواضعون في طلبه والحصول عليه ويشهد لهذا قول مجاهد رحمه الله تعالى لا يتعلم العلم مستح ولا متكبر ويشهد لتواضع موسى ﵇ في طلب العلم حادثتان جليلتان. الأولى إقامته مع شعيب ﵇ عشر سنين، إن ظاهر القضية يبدوا أن موسى ما أقام لدى شعيب يرعى غنمه إلا لعفة نفسه وإشباع بطنه: ولكن القضية في باطنها: إنها إقامة طلب علم وتربية روحية تخرج بعد هـ اموسى أهلا ً لحمل رسالة الحق والخير، فإن العيش في كنف عبد صالح يوجه ويرشده ويعلم ويحلم لأ كبر مدرسة يتعلم فيها المتعلمون ويتخرج فيها المتخرجون. إن رضا موسى برعي غنم شعيب ليعيش بجواره ويتلقى العلم منه لضرب من ضروب التواضع في طلب العلم. هذه الأولى والثانية أنه لما قام خطيبا ً في بني إسرائيل وأعجب به أحد الشباب فسأله قائلا ً: أتعلم أحدا ً أعلم منك يا موسى؟ فقال: لا، وأوحى الله تعالى إليه قوله: بلى، عبدنا خضر. طلب الرحلة إليه وسأل ربه السبيل إلى لقيه. فجعل الله تعالى له آية له تدله عليه، وترشده إلى مكان لقيه. وفعلا ً رحل موسى في طلب عبد الله ووليه خضر ووجده، ومن خلال ما دار بينهما من حديث تتجلى لنا حقيقة تواضع موسى في طلبه العلم، إذا قال له موسى ﵇ وهو نبي ورسول وقائد أمة وإ مامها: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ ؟ فمن سؤاله هذا وهو سؤال تلطف كبير، تظهر حقيقة تواضع موسى في طلب العلم. وإجابة خضر قائلا ً: َ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ . لأني على علم مما علمني الله، وأنت على علم مما علمك الله، وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا ً، أجاب موسى في تواضع تام: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً
стр. 8385
وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ . ففي قوله ﵇ ستجدني إن شاء الله من الصابرين تلطف كبير واستعطاف عظيم لعبد الله خضر في أن يسمح له بالسير معه والطلب عنه وفي قوله: ﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ من التواضع في طلب العلم مالا يقادر قد ر هـ، ولا يعرف كنه حقيقة إلا ذو البصيرة في هذا الشأن.
ونزيد حقيقة تواضع موسى في طلب العلم وضوحا ً فنقول: إن نبيا ً نجيا ً مكلما ً قائدا ً مسؤولا ً عن أمة بكاملها يذكر له أن عبدا ً من عباد الله أعلم منه فيتخلى على الفور عن كل مهامه وشرف منصبه، ويطلب الرحلة إلى من هو أعلم منه ليتعلم عن هـ، ويتحمل المشاق الصعاب في سبيل لقيه فإذا لقيه تواضع له إلى حد أن قال لي: إني لا أعصي لك أمرا ً، إذ لازم هذا القول أنه لو أمره بأعظم الأمور وأشقها على النفس لما تردد في القيام بها طاعة لأستاذه وتواضعا ً منه في طلب العلم وهكذا يكون طلب العلم وهكذا يكون طلابه....
إخلاصه وتوكله:
стр. 8386
وعن إخلاص الكليم وتوكله نقول: إن الإخلاص وهو إرادة الله تعالى بكل النيات والأقوال والأعمال بحيث لا يلتفت العبد في نيته أو قوله، أو عمله إلى أحد من الناس، هذا الإخلاص هو أساس الدين، وقوامه قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ . وأجدر الناس بهذا وأحقهم به أنبياء الله ورسله، وذلك لكمال معرفتهم بالله تعالى وقوة صلتهم به . وأنبياء الله تعالى ورسله قد يتفاوتون في صفات الكمال الذي آتاهم ربهم، فيكون لأحد هم صفة يشاركه فيها كل الأنبياء والرسل غير أنه يكون فيها أكمل من غيره فتغلب تلك الصفة عليه فيعرف بها، وليس معنى ذلك أن إخوانه من الأنبياء والمرسلين ليسوا موصوفين بها وإنما برزوا فيها فقط فغلبت عليه فذكر بها، ومن ذلك صفة الإخلاص فقد وصف الله تعالى بها نبيه موسى بقوله من سورة مريم ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾ [١٠] .فوصفه بالإخلاص وهو وصف لم يذكره لغيره من سائر المرسلين إلا ما كان من يوسف ﵇ إذ قالت فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ وذلك لتجلى هذه الصفة في موسى وغلبتها عليه في سائر إراداته وأقواله وأعماله، ولنا أن نلحظ ذلك بوضوح في مثل قوله تعالى حكاية عنه ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ . فان دعاؤه ربه تعالى على فرعون وآله بالطمس على أموالهم، وا ل شد على قلوبهم، والمراد من الطمس على أموالهم إما أن تكون حجارة، وإما أن تذهب في الأرض- وتغور فيها فلا يعثر عليها، والمعنى الأول وارد عن السلف، إذ قيل عثر في ديارهم على كيس فيه حمص وبيض قد حول حجاره. وأما الشد على قلوبهم فأنه الطبع
стр. 8387
عليها والختم لأنها ما أصبحت مرجوة ل لإ يمان، وهذا كقول نوح ﵇ ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِراً كَفَّاراً﴾ .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " وهذه الدعوة كانت من موسى ﵇ غضبا ً لله ولدينه على فرعون وملئه ". أقول ومثل هذا لا يكون إلا من قوة الإخلاص الذي عرف به الكليم ﵇.
وفي مثل قوله: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ . قال هذا لقومه بعد أن طلبوا إليه أن يجعل لهم صنما ً يعبدونه، إذ مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم، فاستهواهم ذلك المنظر، وأثر في نفوسهم المريضة فطلبوا بأن يكون لهم إلها ً كما لأولئك المشركين آلهة، ونسوا الله تعالى وقد نجاهم من عدوهم، فلما قالوا ذلك غضب موسى عليهم وصاح في وجوههم قائلا ً: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ، إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها ً وهو فضلكم على العالمين، فغضبه ﵇ وشدة إنكاره على قومه ما أرادوه من الشرك مظهر كبير من مظاهر إخلاص موسى وقوته في ذلك.
هذا وتوكل موسى على الله تعالى في كل شأنه ظاهرة قوية في حياة موسى ﵇، وصفة بارز ة في حياته غالية عليها: إن خروجه من أرض مصر وحيدا ً وهو شاب عاش في الترف وترب ى في النعيم فلولا توكله على ربه لما هاجر تلك الهجرة التي لم يتوفر لها سبب واحد من أسبابها سوى توكله على ربه وتعاقده مع شعيب في ديار الغربة يقيم عشر حج ج يرعى فيها الغنم ويطلب العلم، ويتربى فيها على الكمالات النفسية مظهر من مظاهر التوكل القو ي عند موسى ﵇.
стр. 8388
وخروجه بأسرته من أرض مدين عائدا ً إلى مصر حيث خرج منها خائفا ً من آل فرعون وهم يطلبونه بالنفس التي قتلها مظهر عظيم من مظاهر توكل الكليم، وإلا كيف يعود إلى بلاد أهلها يطالبونه بدم لهم عليه يريدون أن يقتلوه به لولا التوكل الذي غلب على النفس فحجب منها كل ما عداه.
ولا يقولن قائل: إن طلب موسى من ربه أن يزوده بما يكون له عونا ً على أداء رسالته إلى فرعون وملئه حيث طلب من ربه أن يشرح له صدره وييسر له أمره ويحلل عقدة من لسانه وأن يجعل له وزيرا ً من أهله وهو هارون ﵇، لا يقولن قائل أن هذا قادح في كمال التوكل عند موسى، لأن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل ولا يكون قادحا ً فيه بحال، كما أن الخوف مما من شأنه أنه يخاف منه لا يقدح في شجاعة المرء وبطولة ال ب طل، هذا أمر معلوم لدى العالمين، لا يرتاب فيه ولا يخاصم عليه ومما يحكى لنا صفة التوكل القوية لدى موسى ﵇. مطالبته قومه بالتوكل على الله تعالى في غير موطن. من ذلك قوله: يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين، فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجنا برحمتك من القوم الكافرين، فإنه ﵇ لغلبة هذا الوصف عليه ولكثرة ما انتفع به أصبح يراه خير معين لقومه على اقتحام المشاق، وتحمل الصعاب، كما لا يرى إيمانا ً وإسلاما ً بدون توكل على الله تعالى وحده، وهو كذلك ف إ ن من آمن بالله تعالى ربا ً كافيا ً وإلها ً حقا ً أسلم له وجهه وقلبه لا يسعه أن لا يتوكل عليه بحال من الأحوال.
стр. 8389
إذ التوكل: الإ عتماد على ذي الكفاية من العلم والقدرة والحكمة وتفويض الأمر إليه، وسكون النفس إلى كفايته، وعدم تغلب القلب فيما هو فاعله. هذا هو التوكل مع قيد أن ما كان من الأمور المتوكل فيها مما وضع الله تعالى له الأسباب لتحصله، أو للنجاة منه، فان التوكل لا يتم إلا إذا أحضر العبد تلك الأسباب ووفرها إن كان ذلك في استطاعته. وما لم يكن منها مستطاعا ً له فلا يكلف به ولا يسأل عنه أو يحاسب عليه.
وأخيرا ً فإن صفات الكمال التي ذكرنا لموسى ﵇ من البلاء والصبر، والنجدة والعفة والقوة والأ مانة، والشجاعة وقوة الحجة والعلم والتواضع فيه والإخلاص والتوكل ليس المراد أنا نثبتها له ﵇، لأن من الناس من شك في ثبوتها له، أو حاول نفيها عنه فذكرناها نحن مقررين لها يعد إقامة الدليل على ثبوتها، وإنما القصد من ذكرنا أن يأتسي به فيها دعاة الإصلاح اليوم فتكمل لشخصيتهم كما لا تصبح به ذات تأثير على من يدعونهم إلى الله تعالى ليوحدوه ويطيعوه فيتهيئوا بذلك لسعادة الدارين، بعد النجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ومن هنا وجب على الداعي أن يستعرض هذه الصفات ويوطن النفس على محاولة الإ تصاف بها، فيكون له خلق الشجاعة والنجدة والعفة والصبر والتوكل والتواضع في طلب العلم، وذلك برياضة نفسه عل ى ذلك وأخذها به شيئا ً فشيئا ً حتى تصبح هذه الفضائل صفات ثابتة لها فان أغلب الفضائل النفسية مكتسبة يحصل عليها المرء بالرياضة وا لإ جتهاد، ولكل مجتهد نصيب. هذا وسلام على محمد في المرسلين وسلام على موسى في العالمين. والحمد لله رب العالمين.
عيسى ابن مريم ﵇:
стр. 8390
من نماذج الدعاة الصالحين في معارض الكمال البشر ي عبد الله ورسوله عيسى بن مريم ﵇ وهو رابع أولي العزم من الرسل، وخاتمة سلسلة النبوة في بني إسرائيل، وطلبنا لوجوه الإ ئتساء وصالح القدوة في عظماء الرجال من دعاة الحق الصالحين نستعرض حياة هذا النبي الكريم والرسول الظاهر الرحيم علنا ً نكتسب من ذلك الكمال الذي أوتيه ﵇ بعض ما نكمل في أخلاقنا وأرواحنا، لنقوى على أداء واجب الدعوة التي حملناها على ضعفنا وقلة مؤهلاتنا العلمية والنفسية.
وقبل استعراضنا لمظاهر الكمال في حياة هذا الرسول الكريم نترجم له بالجمل الآتية: فنقول: عيسى ﵇ هو عبد الله ورسوله وكلمة الله التي ألقاها إلى مريم، واسم عيسى معرب عن ايشع ومعناه السيد أو المبارك ووالدته مريم بنت عمران من صلحاء بني إسرائيل ومعنى مر يم بالعبرية الخادم أو خادمة الله. ويحمل هذا الإ سم معنى المرأة التي لا تقدر على مقابلة الرجال وا لإ ختلاط بهم كما روى أن النبي ﷺ سأل فاطمة ﵂ عن أحب شيء إلى المرأة. فقالت: أن لا ترى الرجال وأن لا يراها الرجال. فرد عليها ﷺ قائلا ً - وقد ضمها إلى صدره: " ذرية بعضها من بعض ". وهي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
стр. 8391
حملت به والدته بنفخة من روح القدس. نفخها في كمها فسرت إلى فرجها، فكان عيسى ﵇ بكلمة التكوين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . فلذا لقبه رسول الله ﷺ بكلمة الله في قوله:" من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها [١١] إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ". كما كان يلقب بروح الله فيناد ى بذلك فيجيب، وذلك لأن النفخة كانت من جبريل بأمر الله تعالى، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ . وقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ .
стр. 8392
ول دته الصديقة أمه البتول بقرية ب يت لحم من فلسطين. وحفت ولادته آيات عجيبة أظهرها تكلمه في المهد حيث قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً , وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً , وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً , وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ . وقد أعلمت بهذا والدته ﵍ ساعة أن بشرها الملك بذلك إذ قالت الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ , وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ . وعاش عيسى ﵇ بين بني إسرائيل مع والدته ولاق ى هو ووالدته من صنوف الأذى ما صرح به القرآن في غير آية منه: فقد بهتوا والدته ورموها بما هي منه براء واتهموه ﵇ بالسحر، وكذبوه في رسالته إليهم، وآخر الأمر عزموا على قتله وطوقوا منزله بشرطهم واقتحموا عليه المنزل غير أن الله تعالى خيب أملهم وأضل سعيهم فألقى الشبه على رجل منهم فظنوه هو فصلبوه، وما قتلوا عيسى وما صلبوه بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا ً حكيما ً ورفع ﵇ إلى السماء وعمره ثلاث وثلاثون سنة وسينزل في آخر أيام هذه الحياة ويتمم بقية عمره على هذه الأرض فيعيش أربعين سنة يقضيها إماما ً عدلا ً يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية كما جاء ذلك في صحاح الأحاديث. فسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويم يبعث حيا ً.
هذا ومظاهر الكمال التي نريد استعراضها في حياته ﵇ هي: الطهارة، والزهد، والحكمة وكمال اليقين.
طهارته ﵇:
стр. 8393
وعن طهارة المسيح عيسى بن مريم نقول: إن الطهارة الروحية ضرورية لتلقى الوحي الإلهي من الواسطة في ذلك وهم الملائكة ﵈، ومن هنا كان كل الأنبياء إظهار الأرواح أزكياء النفوس معصومين من فعل كل ما يلوث الروح ويخبث النفس. بيد أن ابن مريم ﵇ قد بلغ في هذا الش أن مستوى رفيعا ً جدا ً تميز به بين إخوانه الأنبياء والمرسلين. ويشهد لذلك ثلاثة أمور:
الأول: إن الشيطان لم يقربه أبدا ً، ذلك لاستجابة الله تعالى لجدته حنة في دعائها، إذ قالت لما ولدت مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الرب ﵎ لها، وحفظ مريم وولدها عيسى ﵇ من الشيطان. وفي هذا المعنى يقول الرسول الكريم نبينا محمد ﷺ : " ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا ً من مسه إياه. إلا مريم وابنها "، تم يقول أبو هريرة راوي الخبر: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ . أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وإذا حفظ وهو صبى فحفظه وهو كبير يستعيذ بر ب هـ من الشيطان ويقدر على لعن الشيطان ومخالفته فيما يدعوه إليه أولى وآكد. رو ي أنه ﵇ نام يوما ً على الأرض بدون فراش وتوسد حجرا ً ونام فوجد لذة النوم. فجاءه إبليس عليه لعائن الله وقال له: يا عيسى ألست تزعم أنك لا تريد شيئا ً من عرض الدنيا، فهذا الحجر من عرض الدنيا، فقام فأخذ الحجر ورمى به إليه، وقال: هذا لك مع الدنيا.
стр. 8394
الثاني: أنه ﵇ لما انتهت إليه البشرية تطلب إليه أن يشفع لها عند الله ليفصل بها في عرصات القيامة وقد طال بها الموقف، واشتد بها الحال، وغضب الرب غضبا ً لم يغضب قبله ولا بعده مثله، فلم يذكر عيسى ﵇ عند اعتذاره لها ذنبا ً، كما ذكر ذلك آدم، ونوح وإبراهيم وموسى ﵈ وعلى نبينا الصلاة والسلام أثبت هذا رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة في صحيح مسلم. وبهذا علم أن عيسى ﵇ كان من أطهر الناس روحا ً وأزكاهم نفسا ً، وأكثرهم زهدا ً وأقواهم يقينا ً، وسنذكو شواهد لذلك فيها يلي.
الثالث: أن الله تعالى أيده بروح القدس يسدده ويعينه ويدفع عنه فكان جبريل ﵇ لا يكاد يفارقه فترة حياته كلها حتى رفعه الله تعالى إليه. فمصاحبة جبريل ﵇ له في أغلب أحواله من شأنها أن تزيد في صفاء روحه ﵇ وزكاة نفسه لما في ذلك من البركة والعصمة، إذ ما زالت مجالسة الصالحين والحياة معهم حصنا ً منيعا ً للع ب د لا يقربه معه شيطان ولا يغشى فيه إثما ً أو قطيعة.
ويشهد لهذه الحقيقة وهي أن مجالسة الصالحين من الملائكة ومن الناس من شأنها أن تزيد في طهارة الروح وزكاة النفس ما ثبت عن النبي صلى الله عليه كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ﵇ وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرضه عليه النبي ﷺ القرآن. فإذا لقيه ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
стр. 8395
ووجه الإ ئتساء في هذا الضرب من الكمال الروحي هو أن يعمل الداعي الناشئ على تزكية نفسه وتطهير روحه بفعل ما يزك ي النفس ويطهرها من الإيمان والعمل الصالح. وبإبعادها عن كل ما يدنسها ويلوثها من الشرك والمعاصي مستعينا ً في ذلك بالله تعالى ثم بمجالسة الصالحين من عباد الله المؤمنين، إذ طهارة روح- الداعي ضرورية للتأثير على نفوس المدعوين إلى الله تعالى وحملهم على طاعته والإنابة إليه والتوكل عليه.
زهده ﵇:
وعن زهد عيسى عبد الله ورسوله نقول: إذا كان هو احتقار الدنيا وعدم الرغبة في حطامها، والتقليل من متاعها إلا بقدر البلاغ، والعزوف عما يتكالب عليه أبناء الدنيا من جمع المال وا لإ نغماس في الملاذ والشهوات الجثمانية البهيمية، مع الرغبة الملحة فيما عند الله تعالى، والسعي الحثيث المتواصل إلى ذلك باليقين والعبادة والتوكل. إذا كان هذا هو الزهد المطلوب للكمال البشري والمتعين لأن يكون وصفا ً لازما ً لدعاة الحق والخير من كمال البشر وسادات الناس، فان المسيح عيسى بن مريم ﵇ كان مضرب المثل في هذا الباب، بحيث لم يزهد زهده أحد ممن سبقه أو تأخر عنه باستثناء خاتم الأنبياء محمد ﷺ . وها هي ذي آثار مروية في زهد المسيح ﵇ في الدنيا نوردها شواهد حق على زهده ﵇، ونماذج كمال ل لإ قتداء به ﵇ فيها، وموعظة وذكرى للذاكرين ومن هذه الآثار ما رو ي أنه قال للحواريين: " يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا ". وصاغ هذا المعنى أحد الحكماء في بيتين من الشعر فقال:
أرى رجالا ً بأدنى الدين قد قنعوا
ولا أراهم رضوا في العيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
стр. 8396
كما رو ي أنه قال لحوارييه:" وبحق أقول لكم من طلب الفردوس فخبز الشعير والنوم في المزابل مع الكلاب كثير ". وقال:" يا معشر الحواريين اجعلوا كنوزكم في السماء، فإن قلب الرجل حيث كنزه ". ورو ي أنه ﵇ خرج على أصحابه وعليه جبة صوف، كساء وتبان حافيا ً باكيا ً شعئا ً مصفر اللون من الجوع، يابس الشفتين من العطش فقال: " السلام عليكم يا بني إسرائيل أنا الذي أنزلت الدنيا منزلتها بإذن الله، ولا عجب ولا فخر، أتدرون أين بيتي؟ قالوا: أين بيتك يا روح الله؟ قال: بيتي المساجد، وطيبي الماء، وأدامي الجوع، وسراجي القمر بالليل.... وشعاري خوف رب العزة، وجلسائي الزمن ى والمساكين، أصبح وليس لي شيء، وأمسى وليس لي شيء، وأنا طيب النفس غير مكترث، فمن أغنى مني وأربح؟ ". [١٢]
وثمرة معرفة هذا الجانب من حيا ة عيسى ﵇ هي أن يحرص الداعي الناشئ على اكتساب خلق الزهد والتحلي به بين الناس فان الداعي متى زهد في الدنيا ورغب في الآخرة، ورأى الناس ذلك منه مالوا إليه، وأقبلوا عليه، وبذلك يسهل عليه تعليمهم وهدايتهم وإصلاحهم.
حكمته ﵇:
стр. 8397
وعن حكمة عيسى ن ب ي الله ورسوله ﵇ نقول: إذا كانت الحكمة هي السداد والإصابة في الأمور، أو هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، كما هي الحلم والعلم والفقه في دين الله تعالى ومعرفة أسرار لشرعه فإن عيسى ﵇ كان عالما ً حليما ً ذا أصاب ة وسداد فيما يقول ويعمل، ينطق بالحكمة ويعلمها، رو ي أن امرأة من عجائز بيت لحم بعثت إليه بطفلها يقول له: إن أمي تطلب منك إبرة. فكأنه ﵇ استهجن هذه الطلبة ولم يكن يملك الإبرة فقال للغلام: أطلب تجد، فعاد الغلام إلى أمه وأخبرها بما قال له السيد المسيح فجأته تعتب عليه ردها خائبا ً، فقال لها ﵇: إني أعطيت ولدك حكمة وهي خير من إ بر ة، فقلت له أطلب تجد. ولم يكن لدي إبرة فأعطيها إياه فسكت غضب المرأة، وندمت على عتابها!!!
ورو ي أنه كان ي ق ول للحواريين: " كما ترك لحم الملوك الحكمة فاتركوا لهم الدنيا ". كأنه يعني بالحكمة علم الشرع والعمل به، الإ هتداء بهديه.
ورو ي أنه قال للحواريين:" لا تحدثوا بالحكمة غير أهلها فتظلموا، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم. والأمور ثلاثة، أمر بين رشده فاتبعوه، وأمر بين غيه فاجتنبوه وأمر اختلف عليكم فيه فردوا علمه إلى الله ". وقال لأصحابه يوما ً: " أنتم ملح الأرض فإذا فسدتم فلا دواء لكم وأن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب والصبحة من غير سهر ". يريد بالصبحة النوم بعد صلاة الصبح.
стр. 8398
ومن حكمه ﵇ قوله: " حب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة، ورب ش هوة أورثت صاحبها حزنا ً طويلا ً ". وكان يقول: " طالب الدنيا مثل شارب ماء البحر كلما ازداد شربا ً ازداد عطشا ً حتى يقتله "، وكان يقول: " لا يستقيم حب الدنيا وحب الآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء ". وقالت له امرأة يوما ً:" طوبى لحجر حملك ولئدى أرضعك !!. فقال: طوبى لمن قرأ كتاب الله واتبعه ". [١٣]
هذه بعض ما أثرى من حكمه ﵇، والقصد من إيرادها الإشارة إلى ك م ال عيسى ﵇ في هذا الباب، وندب الداعي إلى الله تعالى إلى أن- يتعلم الحكمة ويعمل بها حتى يصبح من أهلها.
ويورث الحكمة شيئان: العمل بالكتاب والسنة، وكثرة الصمت، لأن العمل بالكتاب والسنة يعصم من الخطأ في العمل والحكم، وكثرة الصمت يعصم من الخطأ في القول والتقدير. وقديما ً قال لقمان ﵇: " الصمت حكمة وق ل يل فاعله ".
كمال يقينه ﵇:
وعن كمال يقين عيسى ﵇ نقول فقد رو ي " أن الحواريين فقدوا يوما ً نبيهم عيسى ﵇ فسألوا عنه، فقيل لهم أنه توجه نحو البحر، فانطلقوا يطلبونه هناك، فلما انتهوا إلى البحر، وجدوه ﵇ على الماء يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى وعليه كساء قد ارتدى بنصفه، واتزر بنصفه الآخر. فلما قرب منهم قال له بعضهم ولعله أفضلهم: أجيء إليك يا نبي الله؟ فقال بلى، فوضع الرجل إحدى رجليه في الماء، ثم ذهب ليضع الأخرى، فقال: أؤه، غرقت يا نبي الله، فقال له عيسى ﵇: أرني يدك يا قصير الإيمان، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء ".
стр. 8399
وقيل له ﵇ يوما ً " بأي شيء تمشي على الماء؟ فقال: بالإيمان واليقين، فقالوا: أنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت، قال: فامشوا إذا ً، فمشوا معه في الموج فغرقوا، فقال لهم: مالكم؟ فقالوا: خفنا الموج، قال: ألا خفتم رب الموج! فأخرجهم، ثم ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها، ثم بسطها، فإذا في إحدى يديه ذهب، وفي الأخرى مدر أو حصى، فقال: أيهما أحلى في قلوبكم؟ قالوا: هذا الذهب. قال: فإنهما عندي سواء ".
هذه صورة واضحة من كمال يقين عيسى ﵇ أبرزناها للداعي الناشئ ليتصورها دائما ً في نفسه ويتمثلها في حياته فتكون عونا ً له على تقوية صبره وكمال يقينه، إذ حاجته إلى الصبر واليقين في باب الدعوة أشد من حاجته إلى غيرهما من أسباب نجاح الدعوة، وعوامل فوزه فيها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . ومن هنا قيل بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ...
--------------------------------------------------------------------------------
[١] النماذج: جمع نموذج. والنموذج مثله وقال صاحب القاموس في الأخير لحن ومعناه: المثال "معرب ". والجمع: نموذجات وأنموذجات. وقول صاحب القاموس لحن خطأ فيه كثيرون. وقالوا: إنها دعوة لا تصح وسمى الزمخشري: الأنموذج.
[٢] الأراذل: جمع الأرذل أي الأكثر رذالة، وهو المحتقر الذي لا فضيلة له.
[٣] بادئ: أي ابتداء من غير تفكر فيك، ولو فكروا فيك لما اتبعوك.
[٤] اللهجة: اللسان، ولغة الإنسان التي جبل عليها واعتادها. يقال فلان فصيح اللهجة، وصادق اللهجة. (منجد) .
стр. 8400
[٥] ترجون بمعنى تأملون من الله تعالى وقاراً لكم إن أنتم آمنتم به وعبدتموه وحده دون سواه. أو ترجون بمعنى تعتقدون أي ما لكم تعتقدون وقار الله وتعظيمه بأن تعبدوه وحده وتتركوا عبادة غيره وهو قد خلقكم أطواراً ... الخ.
[٦] الخلة أقصى المحبة وفي وجه اشتقاقها أقول كثيرة أشهرها وأقربها أنها من تخلل الحب كل مسالك النفس وتعلقه بكل جزئيات البدن. وعليه قول القائل: قد تخللت مسلك الروح مني وبذا سمى خليلاً.
[٧] الآية في سورة الدخان ونصها: ﴿ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم. أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين﴾ .
[٨] عجز البيت مكسور ولعله: وار ى الشجاعة في العقول قليلا.
[٩] كان ذلك لما مروا بأهل قرية يعكفون على أصنام لهم يعبدونها. فقالوا لموسى ﴿اجعل لنا إلها ً كما لهم آلهة﴾ رد عليهم قائلاً: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾ ..
[١٠] قرء في السبع مخلصا ً بفتح اللام أيضاً ً، وهو من الإ صطفاء لا من الإخلاص.
[١١] متفق عليه.
[١٢] كل ما أوردناه من الآثار المتعلقة بحياة نبي الله تعالى عيسى ﵇ هو من البداية لابن كثير.
[١٣] هذه الرواية لم تكن من البداية.
стр. 8401
ترجمة البيهقي
لفضيلة الشيخ نايف هاشم الدعيس
المحاضر بكلية الشريعة
ولد أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله [١] بن موسى البيهقي في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة [٢] بقرية – خسرو جرد [٣]- وعاش أربعاً وسبعين سنة وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في نيسابور [٤] وحمل [٥] منها إلى (بيهق) [٦] فدفن بها.
وقد عاش في زمن عاصف بالفتن التي ضربت أمواجها بلاد الإسلام فابتلى المسلمون بلاءًا عظيماً وصاروا طوائف وأحزاباً يطعن بعضهم في بعض حتى طمع فيهم أعداؤهم وهاجم [٧] ملك الروم بلاد الشام بجيوشه الجرارة على حين غفلة من المسلمين.
ولولا ما قدر في كتاب لجاز البلاد والأموال وصدّع الصرح الشامخ الذي بناه رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
وفي الوقت الذي يهاجم الروم فيه الشام تحاصر مدينة البصرة ويباع [٨] نصف مدينة (الرها) بعشرين ألف دينار، ويدخل طغرلبك مدينة نيسابور وخراسان وما جاورها، وتتجدد الفتن في كل وقت وحين بين أهل السنة من جهة والشيعة والرافضة من جهة أخرى عمّ الذعر قلوب الناس وتخلخل الأمن ونهب [٩] الأتراك كل من ورد إلى بغداد فشاع الغلاء وقلّ المورد، ولعن الخطباء الرافضة والأشاعرة على المنابر ونحي عن المناصب الشافعية فضج أهل خراسان وأرسل [١٠] البيهقي رسالته إلى عميد عبد الملك الكندري التي دافع فيها عن أهل السنة عامة وعن الأشعري وما نسب إليه خاصة دفاعاً قوياً لم يترك في نفس الوزير الكندري إلا أثراً عكسياً فتمادى في ظلمه وعد وأنه ولم يأبه بكل ما كتب إليه حتى مات (طغرلبك) وانتقل الأمر من بعده إلى ابن أخيه (ألب أرسلان) الذي نقم على الكندري أعماله فقبض عليه وقتله وأسند أمر الوزارة إلى (نظام الملك) الذي انتصر للشافعية وأبطل ما كان من سب الأشعرية.
стр. 8402
وليس مهمّاً أن تُعدد الحوادث بقدر الإهتمام بمعرفة مدى تأثيرها على نفسه المملؤة إيماناً وورعاً ونزاهة وحباً للسنة، التي نصب نفسه للدفاع عنها والتمسك بها فجمع كل ما تحصل عليه ليجعل منه منهجاً يتسم بالتمسك بعرى وثيقة تستمد الهدي من مشكاة النبوة فتكشف الظلام الكثيف الذي هيمن على ربوع الأرض وأحاطها من كل جانب بسبب المطاحنة المذهبية والتعصبات الجاهلية.
وهكذا نراه يمضي قُدماً في ترسيخ الأسس التي قام عليها صرح الإسلام فألف الكتب وجمع فيها ما لم يتهيأ لغيره جمعه فاستوعب الكثير مما يتعلق بالعقائد والسنة والفقه. وكان جل اهتمامه متابعة ما أثر عن الشافعي بعد أن ثبت له تمسكه بالكتاب والسنة وأنه فاق غيره في ذلك.
ولم يكن البيهقي بالرجل الذي يطوع النصوص لمذهبه كما فعل غيره وإنما غرضه منها أسمى من أن يتحدث عنه بمثل ذلك.
وليس غريباً أن يسلك هذا السبيل وهو يتبع إماماً تمسك بالسنة وأوصى بها [١١] ما بلغه منها وما لم يبلغه، حتى علق قوله بثبوت ما خفي عليه منها.
أضف إلى ذلك تلقيه العلم عن أئمة برزوا في مناحي الإجتهاد فكان كل واحد منهم جبلا شامخاً تتحطم عنده أمواج التعصب.
стр. 8403
وقد انعكس ذلك على مؤلفاته فجاءت صورة صادقة للتعبير عما ينطوي عليه نفسه من حب وإيثار للسنة على غيرها وميول نحو الحق وإن أدى إلى مخالفة الإمام الذي [١٢] تولى الدفاع عنه، واشتهر بحبه له، فصنف التصانيف لنصرة [١٣] مذهبه حتى اشتهر عن إمام الحرمين قولته المشهورة "ما من شافعي المذهب إلا وللشافعي عليه منه، إلا أحمد البيهقي فإن له على الشافعي منه " [١٤] . وقال الذهبي:"إن البيهقي أول من جمع نصوص الشافعي " [١٥] ، وردّ عليه السبكي [١٦] ورجح أنه آخر من جمع نصوصه، وأيده السيد أحمد صقر [١٧] بما نقله عن البيهقي نفسه وأنه ذكر ثلاثة كتب [١٨] سبقه مؤلفوها إلى جمع نصوص الشافعي فيها والظاهر أن الذهبي قال ذلك في حقه باعتبار استيعابه في مصنفاته أكثر - أو كل - ما في كتب السابقين، وبهذا تجتمع الأقوال التي اتفقت على تفوق البيهقي في هذا المضمار على كل من شارك فيه.
(صفاته)
قال السبكي [١٩] :"كان الإمام البيهقي أحد أئمة المسلمين وهداة المؤمنين والدعاة إلى حبل الله المتين، فقيه جليل، حافظ كبير، أصولي نحوي زاهد ورع، قانت لله، قائم بنصرة المذهب أصولاً وفروعاً جبلاً [٢٠] من جبال العلم، أخذ الفقه عن ناصر العمري وقرأ علم الكلام على مذهب الأشعري ثم اشتغل بالتصنيف بعد أن صار أوحد زمانه وفارس ميدانه، وأحذق المحدثين وأحدهم ذهناً، وأسرعهم فهماً، وأجودهم قريحة ". هـ.
وقال ابن ناصر الدين:"كان واحد زمانه، وفرد أقرانه حفظاً واتقاناً، وثقة، وعمدة " [٢١] .هـ
وقال [٢٢] ابن خلكان:"كان قانعاً من الدنيا بالقليل " [٢٣] . هـ.
(علمه)
стр. 8404
لم تذكر كتب التراجم كيف بدأ البيهقي حياته العلمية كما لم تعطنا فكرة واضحة المعالم عن أسرته وطفولته وكيف نشأ، لكنها لم تغفل اهتمامه وشغفه بالبحث والإطلاع الذي جازبه حدود قريته إلى العراق والجبال [٢٤] والحجاز فتلقى من علمائها الكثير وقد ربي عددهم على المائة [٢٥] .
فأخذ عن شيخه أبي عبد الله الحاكم علم الحديث، وأخذ الفقه [٢٦] عن أبي الفتح ناصر بن محمد العمري المروزي [٢٧] . (ت ٤٤٤هـ) .
وقال عبد الغافر [٢٨] :"جمع بين علم الحديث والفقه، وبيان علل الحديث ".
وقال السمعاني [٢٩] :"جمع بين معرفة الحديث والفقه ". هـ.
ومن الغريب أن يقول الذهبي عنه:"دائرته في الحديث ليست كبيرة لكن بورك له في مروياته" [٣٠] .
على رغم ما لمسناه في كتبه من الإطلاع الواسع والمعرفة التامة بالأحاديث وما يتعلق بها.
ورغم ما تقدم من أقوال العلماء وشهاداتهم له وتقديمه في معرفة الحديث ورغم ما أثر عنه من أقوال [٣١] تفيد مدى اهتمامه واشتغاله بهذا العلم منذ حداثته ونعومة أظافره.
وكما استغربنا كلام الذهبي عنه نقف حائرين أمام تفسير عدم تمكنه من الإطلاع على (سنن النسائي) و (سنن ابن ماجه) و (جامع الترمذي) [٣٢] ، وقد علمنا مدى حرصه واهتمامه بكتب السنة وما قام به من رحلات عديدة للتحصيل وجمع المعلومات.
(مصنفاته)
بعد أن جاب البيهقي أقطار الأرض طلباً للعلم والتقى بالكثير من العلماء ونهل من مواردهم المختلفة حتى فاق الكثير منهم عاد إلى بلده [٣٣] وأخذ يكتب الرسائل ويؤلف الكتب حتى بلغت - فيما قيل - ألف جزء، منها ما هو في الحديث، ومنها ما جمع بين الفقه والحديث ومنها ما انفرد بالعقائد، ولقد بورك له في مؤلفاته حتى لا يكاد يستغني عنها مسلم فنشر منها الكثير وما لم تزغ عنه أعين الباحثين يترقبون له الفرص لنشره وبثه ليستقى من نهله العذب.
стр. 8405
ولقد عدّد المترجمون عنه الكثير من كتبه لاسيما ما كتبه السيد أحمد صقر فقد ذكر من مؤلفاته واحداً وثلاثين مؤلفاً لكنه اقتصر في التعريف بها على ما كتبه السبكي عنها، وهي عبارات وجيزة مختصرة ولهذا سنذكر أهم تلك المؤلفات مع التعريف بها:-
١- السنن الكبرى.
وهو أهم مؤلفاته وشهد له السبكي بقوله:"ما صنف في علم الحديث مثله تهذيباً وترتيباً وجودة" فأقر قول شيخه الذهبي "ليس لأحد مثله " [٣٤] وذكره [٣٥] السخاوي ضمن كتب السنن وقال:"فلا تعد عنه لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام، بل لا تعلم - كما قال ابن الصلاح- في بابه مثله ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن ولكن قدمت تلك لتقديم مصنفيها في الوفاة ومزيد جلالتهم".
وقال الفاداني [٣٦] المكي:"لم يصنف في الإسلام مثلهما " ويعني السنن الكبرى والسنن الصغرى".
وقال أبو عبد الله محمد الأمير الكبير في تفسير كلام السخاوي المتقدم - أي لا تتجاوز أنت عن كتاب السنن الكبرى ولا حاجة لك في طلب غيره " [٣٧] وقد جمع في مؤلفه السنن من أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وتقريراته وموقوفات الصحابة وما أرسله التابعون فكان موسوعة كبرى في الحديث وقد رتبه على أبواب الفقه [٣٨] ، واشتغل به بعض العلماء فاختصره كل من إبراهيم بن علي المعروف بابن عبد الخالق الدمشقي (ت ٧٤٤هـ) في خمس مجلدات [٣٩] والحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) والشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ت ٩٧٤ هـ) وصنف الشيخ علاء الدين علي بن عثمان المعروف بابن التركماني (ت ٧٥٠ هـ) كتاباً سماه (الجوهر النقي في الرد على البيهقي) وهو مطبوع في حاشية كتاب (السنن الكبرى) وأكثره اعتراضات [٤٠] عليه ومناقشات له ومباحثات معه.
ولخص كتاب (الجوهر النقي) [٤١] زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي (ت ٨٧٩ هـ) في كتاب سماه (ترجيح الجوهر النقي) وقد رتبه على حروف المعجم وبلغ فيه إلى حرف الميم.
следующие страницы →