Полный текст (23 804 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.
стр. 8576
ويتفق أرسطو مع أستاذه أفلاطون في كثير من آرائه التربوية ويتفقان في أن التربية من وظائف الدولة وأنها تعتمد في تربية الرجل على عاملين هما: الجسم الصحيح السليم وتكوين عادات جسمية مناسبة، ويرى أرسطو أن التربية عن طريق تكوين العادات - الصالحة يجب أن تسبق تربية العقل فكلاهما يهتم بتنمية العقل إلى جانب الجسم باعتبارهما انعكاساً للقوة الإلهية لأن سعادة الإنسان في إيمانه ووحدته مع القوة العليا والإيمان البشري بقوة الإله كفيل بتمكين الإنسان من اتخاذ القرارات الحكيمة في سبل الحياة المختلفة فالتربية عند أرسطو تعني النمو النفسي الجسمي السليم للفرد.
وأهمية آراء أرسطو التربوية أنها كانت نبعاً ثرياً للفكر التربوي الحديث وأساساً بنيت عليه مناهج التعليم بل إن تقسيم أرسطو للمعرفة كان الأساس في المعاهد القديمة إلى القرن الثالث عشر وليس معنى هذا أن آراءه قد نفذت كلها فقد اهتزت كثير من آرائه في عصر النهضة وبعد ظهور التجريب والبحث العلمي وواجهت آراؤه خاصة في الطبيعة نقداً كثيراً وإن ظلت آراؤه في المنطق محوراً للمناقشات.
ويرى (مارتن لوثر) أن معنى التربية وهدفها "هو مساعدة الفرد على فهم التزاماته الإجتماعية التي تجعل في الإمكان تحقيق مجتمع مسيحي سليم، ويتحقق مثل هذا المجتمع إذا عرف المواطنون الله وأطاعوه وإذا قدروا واحترموا الكرامة البشرية سواء بالنسبة لأنفسهم ولغيرهم "، كما يرى أن وظيفة التربية أكبر من مجرد الإهتمام بالناحيتين الدينية والعقلية فعليها أن تهتم بالفرد في نموه الجسمي والإنفعالي.
стр. 8577
ومع ارتباط مفهوم التربية بالدين وتأسيسها على أسس دينية إلا أن اضطهاد الكنيسة للعلماء وتسلطها قد أدى إلى ثورة عامة على الكنيسة ودينها وازدهار العقلية العلمية وانعكس ذلك على تجريد المفهوم التربوي من عنصر الدين وتهكم فرنسيس بيكون (١٥٠١-١٥٥٦) على الآراء القديمة وبناء المعرفة على الغيبيات ومطالبته بتربية الإنسان بطريقة علمية باعتبار أن العلم جدير بإسعاد البشر وتحسين ظروفهم المادية ورفاهيتهم ومع أنه لا يرفض الإلهام الإلهي إلا أنه يرفض أن يلعب ذلك أي دور في التربية التي تقوم على الأسس العلمية فقط وقد تأثر بهذه الآراء عدد من المربين.
أما ج. هـ. بستالوتزي (١٧٤٠-١٨٢٧) فإن التربية عنده: هي نمو جميع قوى الإنسان وملكاته نمواً طبيعياً في اتساق وانسجام كما يرى أن القدرات العلمية تعتمد على العادات التي تكونت من تكرار قوى المتعلم وتدريبه أكثر من الإعتماد على المعرفة البحتة، ويرى الفيلسوف الإنجليزي (هربرت سبنسر) (١٨٢٠-١٩٠٣) أن التربية إعداد للحياة الكاملة ويجب أن تكون المواد الدراسية والطرق التي تدرس بها مما يوصل إلى الحياة الكاملة وهو يهتم كغيره من المربين بالجانب الأخلاقي [٤] .
أما (سير برس تن) فيقول عن التربية:"لقد سلك الناس مسالك مختلفة في التعريف بالتربية ولكن الفكرة الأساسية التي تسيطر عليها جميعاً: أن التربية هي الجهد الذي يقوم به آباء شعب ومربوه لإنشاء الأجيال القادمة على أساس نظرية الحياة التي يؤمنون بها. إن وظيفة المدرسة أن تمنح للقوى الروحية فرصة التأثير في التلميذ تلك القوى الروحية التي تتصل بنظرية الحياة، وتربي التلميذ تربية تمكن من الإحتفاظ بحياة الشعب وتمد يدها إلى الأمام " [٥] .
стр. 8578
إن المفاهيم التربوية كلها تتفق في وظيفة التربية ودورها في تدعيم عقيدة الأمة وتراثها الروحي بصرف النظر عن صحة العقيدة وصلاحها لبناء الحياة والحضارة وأن الأمم جميعاً تستهدي في تربيتها بدينها وعقيدتها يقول برفيسر كلارك:"مهما قيل في تفسير التربية فمما لا محيص عنه أنها سعي للإحتفاظ بنظرية سبق الإيمان بها وعليها تقوم حياة الأمة وجهاد في سبيل تخليدها ونقلها إلى الأجيال القادمة " [٦] .
ويرى (جون ديوي) من أكبر علماء التربية في العصر الحديث أن التربية وسيلة راقية مهذبة لدعم العقيدة التي يؤمن بها شعب أو بلد وتغذيتها بالإقتناع الفكري القائم على الثقة والإعتزاز وتسليمها بالدلائل العلمية إذا احتيج لها، ووسيلة كريمة لتخليد هذه العقيدة ونقلها سليمة إلى الأجيال القادمة وأن أفضل تفسير لنظام التربية هي أنها السعي الحثيث المتواصل يقوم به الآباء والمربون لإنشاء أبنائهم على الإيمان بالعقيدة التي يؤمنون بها والنظرة التي ينظرون بها إلى الحياة والكون وتربيتهم تربية تمكنهم من أن يكونوا ورثة صالحين للتراث الذي ورثه هؤلاء الآباء عن أجدادهم مع الصلاحية الكافية للتقدم والتوسع في هذه الثروة [٧] كما تعني التربية أيضاً "كل المؤثرات الموجهة التي يراد منها أن تصوغ كيان الإنسان وتهدي سلوكه في كل نواحي الحياة جسدية كانت أم عاطفية أم اجتماعية أم فكرية أم فنية أم أخلاقية أم روحية، فالتربية تشمل كل المنظمات والعوامل والأساليب والطرق التي تدخل في نطاق الفعاليات التهذيبية " [٨] .
стр. 8579
فالتربية هي وسيلة المجتمع لأداء وظيفة نقل الثقافة ودعم العقيدة وإرساء المثل والقيم التي يراد غرسها في النشء والمبادئ التي يراد توجيههم إليها، وعن طريق التربية تصوغ الجماعة أفرادها والدول شعوبها وتوجه سلوكهم وأخلاقهم وفق الأهداف التي يسعى المجتمع إليها، ولأن الطفل هو محور العملية التربوية فإن ذهنه وحياته لا بد أن تتشكل بالقالب الذي وضع له وبالعلوم والمعارف التي يزود بها فتهيمن على أفكاره حتى لا يجد في الحياة منظاراًًً غير المنظار الذي أريد له استخدامه في ملاحظاته وتجاربه، فالتربية لذلك تعني "كل عملية أو مجهود أو نشاط يؤثر في قوى الطفل وتكوينه بالزيادة أو النقص أو الترقية أو الإنحطاط سواء أكان مصدر هذه العملية الطفل نفسه أم البيئة الطبيعية أم الإجتماعية بمعناها العام، أو بمعناها الضيق المحدود فالطفل خاضع باستمرار لعمليات تغيير في تكوينه الجسمي والعقلي والخلقي وهذه العمليات هي التربية " [٩] .
стр. 8580
فالطرق التربوية والأساليب والحقائق العلمية التي تساعد على تربية الطفل وتحقيق نموه العقلي والنفسي والأخلاقي والجسمي، تستخدم كلها للوصول إلى النمو الذي يؤدي إلى وجود الإنسان الكامل الذي يحقق أهداف الفلسفة التربوية التي تسلكها التربية وتعمل لها. فالتربية تهتم إذن ببناء الفرد من ساعة وجوده على الأرض ليؤدي دوره المرسوم له في الحياة وليكون قادراً على التغلب على العقبات تعترضه والأحداث التي تواجهه ولأن التربية تهتم بالناحية الخاصة بالنمو ولأنها تعمل لتحقيق النمو الكامل للإنسان عقلياً وجسمياً ونفسياً وخلقياً واجتماعياً لهذا كان من تعريفات التربية أنها عملية التكيف بين المتعلم وبيئته، فالإنسان في سبيل وظيفته يعمل على بقائه أولاً ولا يكون ذلك إلا بتوجيه السلوك وتعديله وتكوين العادات الطيبة والإستفادة منها وتنمية القدرات وصقلها. والتربية تعمل على تشغيل أو تحديد هذه الملاءمة بين الكائن الحي برغباته وأهدافه وبين العالم الخارجي بعقباته ومشاكله، وبعبارة أخرى أن هدف التربية كعملية ملاءمة، هو تكييف الكائن الحي مع مشاكل البيئة.
وأياً كانت هذه التعريفات فإنها كما قلنا لم تخرج عن المفهوم الذي تعارفت الأجيال عليه من أنها العمل على بناء الإنسان منذ طفولته ليكون إنساناً سوياً في جوانبه العقلية والروحية والصحية والنفسية والجسدية في ضوء الديانة أو الفلسفة التربوية التي تؤمن بها أمة ما والعقيدة التي تحيا بها بصرف النظر عن صحة تلك العقيدة أو فسادها وهي عندنا تقوم على عقيدة الإسلام التي جاء بها أفضل الخلق ﷺ ليربي الإنسان وفق استعداداته وقدراته التي أودعها الله فيه ووفق منهج الله ونظامه وهديه وتربيته التي جعلت القرآن خلق الرسول ﷺ ، وسلوكه وحياته.
مرتكزات التربية الإسلامية
стр. 8581
إننا نستمد بطبيعة انتمائنا الإسلامي مرتكزات وأسس التربية الإسلامية من المصدرين الأساسيين للعلوم الإسلامية كلها وهما: الكتاب والسنة لأن أصول التربية الإسلامية ومرتكزاتها وأهدافها موضحة ومفسرة في هذين المصدرين الأساسيين، أما النظريات التربوية الإسلامية فهي وإن كانت مستمدة من الكتاب والسنة إلا أنها في مجملها تمثل آراء علماء المسلمين ومفكريهم خلال تاريخ الإسلام الطويل وهذه النظريات تختلف عن الأسس والأهداف في أنها تمثل آراء البشر القابلة للتطور والتعديل والزيادة والنقصان والنجاح والإخفاق، وقد اجتهد علماء المسلمين في آرائهم التربوية داخل إطار الإسلام وبثوا آراءهم التي تمثل النظرية التربوية في الإسلام من خلال كتب الفقه والحديث والأدب والتصوف وعلم الكلام والأخلاق.
وارتبطت التربية الإسلامية بفلسفة الإسلام ونظرته إلى الإنس والكون لأن اتصال التربية بالفلسفة وثيقة، فإذا كانت الفلسفة تعمل لبناء المجتمع وتكونه فإن وسيلته لذلك هي التربية القائمة على نظرة الفلسفة للإنسان والكون، فالنظرية التربوية منبثقة من الفلسفة التي استمدت منها والتربية هي أداة الفلسفة لبناء الأفراد والمجتمعات ونقلها من المرحلة النظرية إلى مرحلة التطبيق، ومن هنا فإن التفرقة بين الأصول والأهداف والنظرية التربوية الإسلامية أمر ضروري بالنسبة لدراسة مرتكزات التربية الإسلامية. تقوم التربية الإسلامية على ركائز تمثل الأساس بالنسبة لها وهذه المرتكزات هي:
أولاً: مرتكز العقيدة الإسلامية:
تمثل العقيدة المرتكز الأساسي للتربية الإسلامية إذ أن الإيمان بالله هو الموجه لسلوك الإنسان والدافع له إلى اتجاه الخير والنصير له من حيث العناية والرعاية والتوفيق كما أنه الذي يصرفه عن طريق الشر ويجعله متحلياً بالفضائل وحسن الخلق. ونقصد بالإيمان أركان الإيمان التي في حديث أبي هريرة:
стр. 8582
"قال ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث. قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان. قال: والإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه وإن لم تكن تراه فإنه يراك " [١٠] .
ولأن هذا الإيمان هو الموجه للسلوك والضابط له والمتصل اتصالاً وثيقاً بالأعمال الصادرة من الإنسان فإن التربية الإسلامية تربط دائماً بين العمل والسلوك ثم بين العمل الصادر من هذا الإيمان وبين الجزاء قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ [١١] ويقول: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ والقرآن مليء بالآيات التي تقرن الإيمان بالعمل فالإيمان الحق هو الذي يصدر عنه السلوك وينبع منه العمل الصالح ويخرج منه الخلق الكريم فحسن الخلق والإخاء المودة واجتناب الكبائر والتمسك بالفضائل يجب أن تصدر كلها عن هذه العقيدة والرسول ﷺ يقول مبيناً عملية الربط بين الإيمان والسلوك الصادر من المؤمن في التربية الإسلامية: "لا إيمان لمن لا أمان له ولا دين لمن لا عهد له " ويقول في سلوك المؤمن نحو جاره ونحو نفسه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" [١٢] .
"ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع بجنبه " [١٣] . كما يتحدث عن أثر الإيمان في تجنب الرذائل وارتباط الإيمان بالسلوك ساعة فعل العمل.
стр. 8583
" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن "، "ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "، إن التربية الإسلامية في ربطها المحكم بين العقيدة السلوك وجعل العمل نابعاً من العقيدة والعقيدة أساساً لكل فعل، إنما تؤكد أهمية ربط التربية بمعتقدات الأمة، وكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ترتكز على هذا الجانب وتؤكد عليه وهو: أهمية ربط الأمة بعقيدة الأمة، وقد بينا في تعريفنا للتربية عند (جون ديوي) الذي يرى التربية وسيلة لتدعيم عقيدة الأمة كما أن التربية في نظر البروتستانتيين تعمل على تنمية المعتقدات الدينية وزيادة ميل الطفل وحبه للكنيسة لأن على ذلك ستترتب سعادته الأبدية.
ولأن التربية الإسلامية تربط بين العقيدة والعمل باعتبار العمل مظهراً للإيمان وترجمة له فإن الله جعل العمل معياراً حقيقياً لصدق الإيمان فربط دائماً بين الإيمان والعمل وذم الذين لا يربطون بينهما ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [١٤] ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ .
والعقيدة التي هي أساس من أسس التربية لا بد أن ترتكز على دعائم أهمها:
стр. 8584
الإيمان بالله الذي لا إله غيره وبملائكته ورسله وتوحيد الله في الألوهية باعتبار ذلك القاعدة الأساسية لكل دين أنزله الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ويترتب على الإيمان بلا إله إلا الله الإيمان بأنه خالق الكون وخالق البشر وخالق الحياة والموت أنه العليم بكل ما يقع في الكون وما يدور في النفس الإنسانية من الخير والشر ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [١٥] ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [١٦] وكل صغير وكبير من صنع الله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [١٧] والله خالق هذا الكون هو الذي سخر هذا الكون لينعم به الإنسان وأعد له من أسباب الحياة ونعمها ما ييسر له سر وجوده في الأرض ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [١٨] .
стр. 8585
وقد ذكرنا أن العقيدة لابد أن تنعكس على الإنسان وسلوكه فإذا ما آمن المسلم إيماناً يقينياً بالله سبحانه وبعلمه ومرافقته الدائمة لعبده كان هذا الإيمان محدداً لسلوك المسلم كفرد وسلوك الجماعة كأمة مسلمة فالعقيدة لابد أن تترجم في حياة الفرد الذي يعلم بأن الله مطلع على سره ونجواه وأن أفعاله مكتوبة وهو محاسب عليها، ولابد أن تترجم في حياة الجماعة فتبني نظام حياتها وفق هذه العقيدة التي آمنت بها.
إذ أن شهادة لا إله إلا الله تعني كما يقول الشهيد سيد قطب:
"إفراد الله سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان - والحاكمية.. إفراده بها اعتقاداً في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة فشهادة لا إله إلا الله لا توجد فعلاً ولا تعتبر موجودة شرعاً إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجوداً جدياً حقيقياً يقوم عليه اعتبار قائلها مسلماً أو غير مسلم.
ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية.. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله. لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم - بل لابد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه.. وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه وهو رسول الله وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول: شهادة أن محمداً رسول الله " [١٩] .
إن عنصر الإيمان بالله خالق الكون والحياة والإنسان عنصر فعال في توجيه سلوك الإنسان نحو الخير والعبودية الكاملة لله ونبذ ما عدا الله من طواغيت وأصنام تستعبد الإنسان وتنحرف بسلوكه في الحياة.
стр. 8586
والذي يؤمن بالله غيباً يؤمن بالكتب بعامة والقرآن الكريم بخاصة لأنه كما ذكر الله كتاب هداية ونور وطريق إلى الله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [٢٠] ، والإيمان بالكتاب الذي هو نور للناس يقتضي الإيمان بكل ما فيه من أحكام وقوانين باعتبار أن هذه الأحكام والقوانين إنما جاءت لتحقيق العبور بالإنسان من ظلمات الكفر الإلحاد والأساطير والأوهام والخرافات والأرباب والطواغيت إلى نور الإيمان بالله الذي ينير الطريق القويم ونور العدل والحرية والطمأنينة والمساواة. واتباع ما جاء في الكتاب أمر من الله سبحانه ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [٢١] . واتباع من جاء بالكتاب أمر منه أيضاً ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ [٢٢] . ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [٢٣] . والكتاب هو الفاصل في أمور الحياة صغيرها وكبيرها حقيرها وعظيمها طيبها وخبيثها. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٢٤] ، فالذي يؤمن بالله وبكتابه وبرسله وما جاءوا به من عند الله هدياً ونوراً وأحكاماً وقوانين هم المفلحون في الدنيا والآخرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ
стр. 8587
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [٢٥] .
والجانب السلوكي الذي يجب أن يتمخض عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره واليوم الآخر يأتي في مقدمته أن تكون الطاعة لله ثم لرسوله لأن في طاعته طاعة لله فطاعة الكافرين والمنافقين والشياطين والمبتدعين والفسقة ليس من الإيمان بل إن طاعة ولي الأمر لا تجب إذا لم يكن عاملاً بكتاب الله منهجاً للحياة وسلوكاً للبشر ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ويقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ ومظهر هذه الطاعة أن يحكم المسلمون بما أنزل الله وأن لا يتحاكموا إلى الطاغوت والشيطان والكفرة والملحدين وقوانين البشر وأنظمتهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ .
إن أهم الوسائل التي تمارسها التربية الإسلامية في سبيل غرس الإيمان في القلوب والذي يدفع السلوك للعمل هو الإهتمام ببعض الجوانب العملية منها:
стр. 8588
١- حاجة البشر الفطرية لهذا الإيمان لأن الإيمان بالله هو الذي يمنح الطمأنينة والإستقرار ويحرر الإنسان من الخوف والأوهام والخرافات ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ [٢٦] وحاجة البشرية إلى الله والإيمان به الإحساس الدائم بوجود أمر ملازم للوجود البشري ويقول في ذلك كريس موريس: "أن كون الإنسان في كل مكان ومنذ بدء الخليقة حتى الآن، قد يشعر بحافز يحفزه إلى أن يستنجد بمن هو أسمى منه وأقوى وأعظم، يدل على أن الدين فطري فيه ويجب أن يقر العلم بذلك وسواء أحاط الإنسان صورة محفورة بشعوره بأن هناك قوة خارجية للخير أو الشر أم لم يفعل فإن ذلك ليس هو الأمر المهم بل الحقيقة هي اعترافه بوجود الله والذين أتيح لهم العلم بالعالم لا يحق لهم أن ينظروا نظرة الإزدراء إلى فجاجة أولئك الذين سبقوهم أو الذين لا يعرفون الآن الحق كما نراه. بل إننا بالعكس يجب أن تأخذنا الروعة والدهشة والإجلال لاتفاق البشر في جميع نواحي العالم على البحث عن الخالق والإيمان بوجوده. أو ليست روح الإنسان هي التي تشعر باتصالها بالله؟ أم نخشى أن نقول بأن الحافز الديني الذي لا يملكه إلا الإنسان هو جزء من الكائن الواعي كأية صفة أخرى من الخصائص؟ إن وجود الحافز هو برهان على قصد العناية الإلهية " [٢٧] .
٢- إيجاد الرغبة للإيمان والطلب للهداية قبل الإعتماد على الأدلة النظرية لأن خلو الرغبة من قلب الإنسان لا يجعله مؤمناً مهما ذكر له من الأدلة والبراهين وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [٢٨] .
стр. 8589
ويقول على لسان سيدنا نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾ فهم لا رغبة لهم في الإيمان بالرغم من الأدلة المادية المتعلقة بحياتهم والدافعة للإيمان التي ذكرها الله لهم ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [٢٩] . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [٣٠] .
ويمكن إيجاد هذه الرغبة بالترغيب والترهيب والجزاء والعقاب والآيات في ذلك كثيرة منها: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [٣١] .
ولا يتم الترغيب في الإيمان إلا إذا تخلص الإنسان من ربقة التقليد والتعصب لعقيدة الآباء والتكبر والتعالي واتهام الناس بالجهل والفساد في العقائد ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [٣٢] .
стр. 8590
٣- ربط الإيمان بالله بحياة الفرد وإشعاره بقرب الله منه والمراقبة الدائمة له حتى يكون هذا الشعور ضابطاً للسلوك وموجهاً له ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [٣٣] . وربط الإيمان بحياة الفرد يتدرج من وضع يده على المحسات إلى ما لا يحس بدءاً بالإنسان نفسه وما بينه وبين الطبيعة الإلهية من توافق وانسجام ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [٣٤] .
ثم التدرج إلى صورة أكبر من نعم الله على الإنسان ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [٣٥] .
стр. 8591
٤- بيان التوافق بين الإيمان والعلم لأنهما يكملان بعضهما لأن العلم الذي تؤمن به هو العلم الذي مصدره الله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والذي خلق الإنسان وعلمه البيان فبالعلم والإيمان يوجه السلوك ويقوم وتعتقد القلوب وتفهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [٣٦] . إن القرآن يحدثنا أن التأمل والتفكير في الظواهر الطبيعية واستعمال الحس والمشاهدة هي وسيلة المعرفة لله والدالة على وجوده وبديع خلقه وإحكام صنعه ثم هي الوسيلة لتقوية الصلة العقلية بالله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [٣٧] . والتربية الإسلامية تدعو إلى كشف حقائق الوجود لمن تربيهم وتدعو إلى استخدام الحواس والقدرات التي أودعها الله في الإنسان ليدرك عجائب صنع الله فيكون نابعاً من إدراك وفهم وراسخاً لا يتزعزع ولا ينقص بل يزيد وينمو.
ثانياً: مرتكز الإنسان والفطرة:
اختلف العلماء حول الطبيعة الإنسانية بين من يرون الإنسان مادة أولية تطورت وتعقدت ومن يرونه عقلاً وروحاً ومن يرونه مكوناً من الروح والمادة واختلفت تبعاً لذلك تفسيراتهم لطبيعة الإنسان هل هي طبيعة حيوانية أم طبيعة روحية أم متوسطة بينهما.
стр. 8592
أما الإسلام فله رأيه في طبيعة خلقه فالقرآن يحدد خلق الإنسان فيقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [٣٨] . فالقرآن يبين أن الإنسان خلق في أطوار ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [٣٩] . والأطوار هي انتقال الإنسان من مرحلة الطين إلى مرحلة الإنسان ولا اهتمام لنا بالسل وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً سلة التي بين هذين الطورين إذ أن التحديد العلمي لذلك قد يكون صحيحاً وقد لا يكون والنفخة الروحية التي ذكرها القرآن هي التي جعلت من الطين إنساناً مكرماً، أما التفاصيل الموجودة في الآية فهي تتناول أطوار نشأت الفرد الإنساني بعد أن صار إنساناً ويقول أيضاً: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ . ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فإذا فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ .
стр. 8593
من تفسير هذه الآية يقول سيد قطب ﵀:" ولقد كان خلق الإنسان من عناصر هذا الطين اللزج المتحول إلى صلصال ثم من النفخة العلوية التي فرقت بينه وبين سائر الأحياء، ومنحته خصائص الإنسانية وأولها القدرة على الإرتقاء في سلم المدارك العليا الخاصة بعالم الإنسان، هذه النفخة التي تصله بالملأ الأعلى: وتجعله: أهلاً للإتصال بالله وللتلقي عنه ولتجاوز النطاق المادي الذي تتعامل فيه العضلات والحواس، إلى النطاق التجريدي الذي تتعامل فيه القلوب والعقول والتي تمنحه ذلك السر الخفي الذي يسري به وراء الزمان والمكان ووراء طاقة العضلات والحواس إلى ألوان من المدركات وألوان من التصورات غير محدودة في بعض الأحيان.
ذلك كله مع ثقلة الطين في طبعه ومع خضوعه لضرورات الطين وحاجته من طعام وشراب ولباس وشهوات ونزوات، ومن ضعف وقصور وما ينشئه الضعف والقصور من تصورات ونزعات وحركات.
والتوازن بين خصائص العناصر الطينية فيه والعناصر العلوية هو الأفق الأعلى الذي يطلب إليه أن يبلغه وهو الكمال البشري المقدر له. فليس مطلوباً منه أن يتخلى عن أحد عنصريه ومطلبه ليكون ملكاً أو يكون حيواناً " [٤٠] .
стр. 8594
إن وجود خصائص مادية وخصائص روحية في الإنسان جعلت التركيب الإنساني جامعاً لصفات ترجع بعضها إلى الناحية المادية وبعضها إلى الناحية الروحية فيه وبعضها إلى امتزاح الناحيتين في الإنسان وهذا ما يسمى بالميول والدوافع والغرائز، أو ما يسمى بالفطرة التي تشمل الثلاثة وكل واحدة من الثلاثة لها دلالتها وتفريعاتها فالغرائز هي الإستعدادات النفسية العضوية فطرية أو موروثة تجعل المرء يحدد مواقفه سلباً أو إيجاباً إزاء مواضيع معينة بعد إدراكه لها مباشرة أما الدوافع فهي كل أمر يدفع الإنسان إلى سلوك معين أو تغير داخلي معين سواء كان الدافع داخلياً من الإنسان أو خارجياً من بيئته التي يعيش فيها. والدافع يشمل كل الدوافع كالميول والرغبات والحوافز والحاجات وذلك كله يعبر عنه الإسلام بالفطرة باعتبارها قوة دافعة تدفع الإنسان إلى القيام بأفعال معينة نتيجة مواجهة مواقف معينة في الحياة، ولا نود أن نفصل الدوافع كلها ولكننا سنعرض لبعضها، فحب التملك دافع فطري في الإنسان عالجه القرآن مراراً ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ وقد ترتبت بعض الصفات على غريزة حب التملك في الإنسان مثل التدافع في الدنيا وحب الشهوات والنساء والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث وهو مع ذلك هلوع جزوع إذا أصابه شر ومنوع وناس إذا أدركه الخير.
стр. 8595
يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [٤١] .
فهذه الآيات تصور النفس الإنسانية التي تتحكم فيها الإنفعالات حين لا تستند إلى عقيدة ثابتة وقيم دائمة فهي تلجأ إلى الله في ساعات الشدة فإذا صرف الله عنهم الشدة نسوه بل كفروا بما آتاهم من فضله ورحمته وقد يفرح الإنسان برحمة الله ونعمه وتنسيه الفرحة شكر النعمة والرحمة بل قد يجبر ويتكبر ويبطر فإذا ابتلاه الله في نعمته جزاء عمله تملكه اليأس والقنوط من رحمة الله. وهذه الحالات هي للنفس البشرية التي لا تستقيم على منهج الله ولا تثبت على قيمه.
هذه الدوافع الفطرية والغرائز المادية كلها خير إذا وجهت إلى الخير وشر إذا وجهت إلى الشر واسيء استعمالها.
стр. 8596
أما الدوافع الفطرية الروحية فإن الإسلام قد قررها ومنها نزعة التدين في الإنسان واستعداده الفطري في الإلتجاء إلى الله ومعرفته والركون إليه والإطمئنان عنده بصرف النظر عن صحة التدين أو انحرافه فالبشرية في تاريخها لم تخل من الآلهة التي عبدتها باطلاً من دون الله من الأشجار والأحجار والنيران والأبقار بل والبشر أنفسهم ولكن الفطرة السليمة هي التي عاهد الله عليها بني الإنسان وأخذ منهم العهد عليه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [٤٢] .
وعن الآية روي عن ابن عباس قوله:"إن الله مسح صلب آدم فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة فأخذ منهم الميثاق أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً وتكفل لهم بالأرزاق ثم أعادهم في صلبه فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول ومن أدرك الميثاق الآخر فلم يقر به لم ينفعه الميثاق الأول ومن مات صغيراً قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة " [٤٣] .
والرسول ﷺ يقول: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه ". ويقول الحديث القدسي: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً " [٤٤] .
стр. 8597
وقد سبق أن ذكرنا الطبيعة الإنسانية في آراء الفلاسفة والإسلام وقد ذكرنا أن الإسلام يرى في الإنسان طاقات ضخمة يمكن توجيهها إلى الخير إذا وجهت توجيهاً صحيحاً وإلى الشر أو لم يحسن استخدامها فالإسلام يرى أن الدوافع والغرائز والميول يمكن أن توجه إلى الخير لتسمو بالإنسان وترقى به وتخلصه من الخلود إلى الأرض والركون إلى الشهوات وطاعة الشيطان وقد بين الرسول ﷺ في قوله: "إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان ثم قرأ ﴿الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ ".
والإسلام يقرر أن الإنسان كثيراً ما ينحرف عن فطرته ولكن التربية هي الوسيلة لإرجاع الإنسان إلى فطرته وتوافقه معها وإرسال الله الرسل للناس مع إشهاده لهم على أنفسهم إنما هي الوسيلة لهداية الإنسان إلى فطرته وتوجيهه إليها ومع أن القرآن يذكر أن الله ألهم النفس تقواها وفجورها وأن الإنسان قد يفلح بتزكيتها ويخيب بدسها فإن سيدنا إبراهيم يدعو الله قائلاً: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [٤٥] .
فالرسل جاءوا معلمين للكتاب ومزكين للنفوس وموجهين للدوافع والفطرة ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [٤٦] .
стр. 8598
وهكذا نجد أن الإسلام يقرر أن التربية تقوم على أساس من تقرير وجود غرائز وميول ودوافع تسير سلوك الإنسان وأن مهمة التربية هي توجيه هذه الطاقات الطبيعية إلى الخير وإلى وجهتها التي خلقت من أجلها وعلى دور التربية وواجبها يترتب الجزاء الأخروي ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [٤٧] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] الأحزاب ٢٣-٢٤
[٢] طه ٧٤-٧٦.
[٣] القاموس المحيط ٣٨٩-٣٩٠.
[٤] راجع د. سعد مرسي - تطور الفكر التربوي ص ٤٢٥ وما بعده الفصل الثالث العصور الحديثة.
[٥] أبو الحسن الندوي- التربية الإسلامية الحرة ص ٧٥ ط٢.
[٦] المصدر السابق ص ٧٦.
[٧] جون ديوي نقلاً عن أبي الحسن الندوي - أهمية نظام التربية والتعليم ص ١٢-١٣.
[٨] محمد فاضل الجمالي - آفاق التربية الحديثة في البلاد النامية ص ١٢٧.
[٩] التربية وطرق التدريس ص١١.
[١٠] فتح الباري ص١١٤ كتاب الإيمان ج١.
[١١] الكهف ١٠٧.
[١٢] رياض الصالحين ١٥٣.
[١٣] فتح الباري ص ٥٦/٥٧ كتاب الإيمان.
[١٤] الصف آية ٣.
[١٥] ق ١٦.
[١٦] لقمان ١٦.
[١٧] يس ٣٦.
[١٨] إبراهيم ٣٢- ٣٤.
[١٩] معالم في القرآن ١٧- ١٨.
[٢٠] سورة إبراهيم الآية ١.
[٢١] الأعراف آية ٣.
[٢٢] محمد ٣٣.
[٢٣] النساء ٨٠.
[٢٤] سورة الأعراف الآية ١٥٧.
[٢٥] سورة النساء الآية ١٧٤- ١٧٥.
[٢٦] سورة الجن آية ١٣.
[٢٧] العلم يدعو للإيمان ص٢٠٢-٢٠٣.
[٢٨] البقرة الآية ٦- ٧.
[٢٩] نوح الآيات ٧- ١٢.
[٣٠] الأنعام ٢٥.
[٣١] الطلاق الآية ١١.
[٣٢] الأعراف الآية ١٧٩.
стр. 8599
[٣٣] ق الآية ١٦.
[٣٤] سورة عبس ٢٤- ٣٢.
[٣٥] إبراهيم الآيات ٣٢- ٣٤.
[٣٦] الروم الآية ٥٦.
[٣٧] آل عمران ١٩١-١٩٠.
[٣٨] سورة المؤمنون ١٢- ١٤.
[٣٩] نوح ١٤.
[٤٠] في ظلال القرآن ص ٢١- ٢٢ ح١٤ م٥.
[٤١] سورة الروم ٣٣/٣٦
[٤٢] الأعراف ١٧٢-١٧٣
[٤٣] تفسير ابن كثير ص٢٦٢ ج٢
[٤٤] رواه مسلم
[٤٥] البقرة ١٥١.
[٤٦] البقرة
[٤٧] النازعات ٤٠-٤١.
стр. 8600
من مشاهد الإعجاز النفسي في القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور علي البدري
الأستاذ المشارك بكلية اللغة العربية
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً. والصلاة والسلام على خاتم المرسلين الذي أوتي الكتاب ومثله معه. وبعد ...
فإن القرآن الكريم كتاب الله تعالى. كتاب خالد. وحجة دامغة. وحكمة بالغة. ومعجزة متجددة. ما بقي الجديدان. تعهد الله تعالى بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [١] على حين أن التوراة والإنجيل لم يحظيا بمثل هذه الرعاية الإلهية وترك شأنهما لأمانة أهل الكتاب.
فخانوهما. وحرفوهما. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [٢] . والقرآن الكريم كتاب أنزله الله تعالى. ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد [٣] .
ودعا أهل الكتاب إلى الحق فقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٤] .
هذا ولا يختلف منصفان اثنان سواء منهم في ذلك من شرح الله صدره للإسلام. ومن جعل على بصره غشاوة. في هذه الحقيقة الواقعة "إعجاز القرآن " [٥] .
стр. 8601
والقرآن الكريم منذ أربعة عشر قرناً. يعرض على دنيا الناس آيات التحدي. في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [٦] .
وقوله جل في علاه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [٧] .
وقوله : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [٨] .
وقال عز شأنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [٩] . ثم أعلن القرآن الكريم للناس هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [١٠] .
стр. 8602
هذه آيات التحدي. يتلوها الناس منذ فجر الإسلام. لقد قرعت آذان الجاحدين مرات ومرات. وعجزوا وما يزالون وسيظلون عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن الكريم. أو بمثل عشر سور فقط. أو بمثل سورة واحدة. ودون ذلك خرط القتاد. وذلك أمل بعيد المنال والسورة القصيرة الواحدة ونحوها من الآيات فوق طاقة البشر مهما بذلوا في ذلك من حيلة.
ومما ينبغي أن يعرفه الناس. أن إعجاز القرآن الكريم ليس في ألفاظ أو معانيه فحسب. وإنما جوهر الإعجاز في خصائص في نظم القرآن وراء ألفاظه ومعانيه [١١] . وذلك فوق طاقة الإنس والجن مجتمعين أو متفرقين. ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
وعلى الرغم من أن جوانب إعجاز القرآن الكريم كثيرة أوضحها نظمه الفريد. الذي يقول عنه الزمخشري: "وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف والخفاء حداً يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره " [١٢] .
فإن هناك جانباً هاماً في الإعجاز وهو صنيعه النفوس المستعدة لمعرفة الحكمة وفصل الخطاب. فلا يسمع المرء كلاماً. يخلص إلى النفس كما يخلص القرآن الكريم إليها. فتحس بروعته وحلاوته. وعظمته ومهابته. وتأمل قوله تعالى:
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [١٣] . وإذا تأملت النفس المؤمنة آيات من كتاب الله تعالى. ازدادت إيماناً. وتأمل قوله تعالى:
س ِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [١٤] .
стр. 8603
والقرآن الكريم تستبشر به النفوس وتنشرح له الصدور ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [١٥] .
وإذا تحدث عن الوعيد. عادت النفوس من مرتاعة قد علاها الوجيب وتغشاها القلق والفرق.!! لقد حال القرآن الكريم بين كثير من النفوس ومضمراتها أيام الجهالة والجحود. فكم من عدو لرسول الله ﷺ . من صعاليك العرب وفتاكها. أقبلوا يريدون اغتياله! فإذا بهم يسمعون آيات من الذكر الحكيم فيقول قائلهم لرسول الله ﷺ :"يا رسول الله لقد كان وجهك أبغض الوجوه إليّ. وكان دينك أبغض الأديان إليّ. فوالله لقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ. وأضحى دينك أحب الدين إليّ ". [١٦] (من حديث ثمامة بن أثان) .
وهكذا تصبح عداوتهم موالاة. ويضحي كفرهم إيماناً. إنه صنيع الوحي الإلهي في نفوس البشر. وذلك مالا يتوفر لأي كتاب سوى القرآن الكريم ونظمه الفريد [١٧] ، وتلك دلائل شاهدات على الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.
وإذا أمكن أن نشير بإيجاز إلى بعض الذين ملك القرآن عليهم أقطار نفوسهم. وذلك على سبيل المثال لا الحصر – فهذا عمر بن الخطاب ﵁.
لقد خرج يريد قتل رسول الله ﷺ فتصل إلى قلبه آيات من سورة طه فتحييه بعد موات. وتضيئه بعد إظلام. فلا يلبث أن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويضحي الفاروق ﵁ أعظم نفسية إنسانية يقتدي المسلمون بها بعد رسول الله ﷺ وبعد الصديق ﵁. إنه صنيع القرآن الكريم في النفوس الطّاهرة. وإنه الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.
стр. 8604
وأنيس الغفاري شقيق أبي ذر ﵄ يقول:"إن الناس يتهمون محمداً ﷺ بالكهانة والسحر والشعر والجنون.!! وتالله لو وضعت القرآن الكريم على أقراء الشعر (قوافيه) فما التأم على إحداها. وهو ليس من أقاويل الكهنة. وإنه لصادق وإنهم لكاذبون ".
وتلك شهادة نفسية بما للقرآن الكريم من تأثير على النفوس التي شرح الله صدرها للإسلام.
وهذا الوليد بن عقبة يسمع النبي ﷺ يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [١٨] . فيقول:" إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أسفله لمعرق وإن أعلاه لمثمر ثم أتبع هذا بقوله: وما يقول هذا بشر" [١٩] .
ومثل هذا القول لا يقوله إلا رجل خالط القرآن الكريم أعماق نفسه وذلك من شواهد الإعجاز النفسي في القرآن الكريم. أما تأثر الذين ختم الله على قلوبهم ... فقد كان واضحاً أيضاً.
فهذا عتبة بن ربيعة يستقدم سلاح الإغراء ضد رسول الله ﷺ . فيذهب إليه متحدثاً بلسان قريش كلها. وقبله قال له عمه أبو طالب:"يا ابن أخي أبق عليّ وعلى نفسك. ولا تحملني من الأمر مالا أطيق "!!
فيقول الرسول ﷺ :"والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ".
стр. 8605
وفي موقف آخر يقبل النبي ﷺ مباهلة النصارى لأنه يحمل نفساً كريمة واثقة من نصر الله تعالى. ولكنهم يتراجعون [٢٠] . ومع هذا الاطمئنان النفسي بنجاح الدعوة الإسلامية في مكة أو في المدينة. فلقد جاء عتبة هذا في مكة يقول للنبي ﷺ :"يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت. وقد أتيت قومك بدين جديد فرقت به وحدتهم وشتَّت به ألفتهم. وسفهت أحلامهم وعبت آباءهم. فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها ... !!
إن كنت تريد بهذا الأمر (الإسلام) مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد شرفاً سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا؛ وإن كان هذا الذي لديك رئياً من الجن بذلنا لك الطب حتى يبرأ، أو لعل شعر جاش في صدرك فإنكم يا بني عبد المطلب تقدرون من ذلك على ما لا نقدر عليه " [٢١] .
وهكذا يكون الإغراء بالمال والجاه والسيادة. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [٢٢] ولكن عتبة هذا لم يلبث إلا قليلاً حتى سمع من رسول الله ﷺ من صدر سورة فصلت إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [٢٣] . وإذا بالرجل يلقي يديه خلف ظهره ويصفر لونه. وتأخذ الآيات عقله ولبه فيصيبه الأعيان. ويذهب إلى جماعة الكفر متثاقلاً. لا يستطيع المشي. فيقول لهم:
"يا معشر قريش. أطيعوني هذه المرة واعصوني فيما سواها. خلوا بين الرجل وما هو فيه. فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن ظهر عليكم. فهو منكم. وملكه ملككم. وكنتم أسعد الناس. لقد سمعت من كلامه ما ليس شعراً ولا سحراً ولا كهانة. ثم قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم ".
стр. 8606
ولم يلبث القوم أن اتهموه بالوقوع في سحر محمد ﷺ ولكنهم قالوا: لقد عاد عتبة بغير الوجه الذي ذهب به إلى محمد ﷺ .
إنه التأثير النفسي بالقرآن الكريم. وذلك من سمات الإعجاز النفسي في كتاب الله .
وفي بيعتي العقبة الأولى والثانية. سمع الأنصار آيات من كتاب الله تعالى فأشرقت بها نفوسهم - بعد ظلام – فعادوا إلى المدينة المنورة (يثرب آنئذ) فنشروا فيها الإيمان حتى قال الكثيرون: فتحت الأمصار بالسيوف وفتحت المدينة المنورة بالقرآن.
وذلك من أوضح الدلائل على الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.
وهذا هو الوليد بن المغيرة، يسمع القرآن الكريم من رسول الله ﷺ فيقول:"لقد سمعت من محمد ﷺ كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليعلو وما يعلى عليه ". إن هذا الوصف الجيد ليدل دلالة بالغة على مدى إحساسه النفسي بروعة القرآن الكريم. وهذا لا يتنافى مع كفره لأنه قد كفر عن علم. قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [٢٤] .
إن الوليد بن المغيرة على الرغم من إحساسه النفسي بوحي السماء، اتهم النبي ﷺ بالسحر. وقال عنه:"هو شيء يكون ببابل من حذقه فرق به بين الرجل وامرأته وبين الرجل وأخيه ... وهكذا فرق محمد ﷺ بين فلان وزوجته وبين فلان وأقاربه ". وراح يعدد ... ببصيرة عمياء. وقد رد الله تعالى هذا الكفور بأن يصليه سقر التي لا تبقي ولا تذر [٢٥] .
стр. 8607
ومهما يكن من شيء، فتأثر الوليد بالقرآن الكريم لا شك فيه. وهو أثر من الإعجاز النفسي للقرآن الكريم والفضل ما شهدت به الأعداء.
إن الوليد قال للناس:"يا معشر قريش، ما رجل منكم أعلم بالشعر ولا برجزه ولا بقصيدة. والله ما يشبه كلام محمد شيئاً من هذا. وأنتم تزعمون أنه شاعر مجنون. فهل رأيتموه يخنق؟ وتزعمون أنه كاهن!! فهل جربتم عليه كهانة قط "؟ لقد عاش بينهم رسول الله ﷺ ثلاثة وخمسين عاماً أربعون منها قبل النبوة وثلاثة عشر عاماً بعدها.
فكيف يتأتى لأمثال هؤلاء المعتوهين أن يقولوا فيه ما قالوا؟!! إنه الحقد وعمى البصيرة.
﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [٢٦] . وهذا الرجلان هما الوليد بن المغيرة، وعروة بن مسعود الثقفي والقريتان مكة والطائف [٢٧] إن تأثر الوليد هذا من أوضح دلائل الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.
وإن الجن حينما سمعوا القرآن الكريم لم يلبثوا أن قالوا: ما حكاه عنهم القرآن الكريم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً. يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً. وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ [٢٨] .
стр. 8608
إن القرآن الكريم يضيء ظلمات القلوب. ما لم يكن أصحابها من المغضوب عليهم أو من الضالين [٢٩] فهؤلاء قد بين الله تعالى شأنهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . وإذا سألت عن سر استواء الإيمان وعدمه عندهم؟ فالجواب قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . وإذا سألت عن سر هذا الختم المهلك للدنيا وللآخرة معاً؟ فالجواب قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [٣٠] . وتلك حال النفوس العمياء الصماء. وهي نفوس أكثر أهل الأرض قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [٣١] أما النفوس السوية فإن القرآن الكريم يحييها بعد أن كانت متينة ويضيئها بعد أن كانت مظلمة. قال تعالى:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٣٢] . وقال عز شأنه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِم﴾ .
стр. 8609
ولقد أشار القرآن الكريم إلى آثاره في نفوس بعض رهبان النصارى، وقسيسيهم في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [٣٣] . وهذا لسماعهم بضع آيات من كتاب الله . ولك أن تتأمل الآيات الكريمة الآتية:
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [٣٤] .
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [٣٥] .
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [٣٦] .
ويستطيع كل مسلم إذا تأمل القرآن الكريم أن يشعر بطمأنينة النفس قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [٣٧] .
стр. 8610
إن القرآن الكريم يشعر النفس بنعمة الرضا بقضاء الله وقدره [٣٨] ويملؤها بكل معاني الخير [٣٩] وهو علاج نفسي يغني عن جميع عقاقير الأطباء، الذين يسمون أنفسهم أطباء نفسيين وهم أحوج الناس إلى علاج نفوسهم. ومن عاش مع القرآن الكريم، عاش هادئ النفس مطمئن السريرة [٤٠] . عاش في كنف الله تعالى يستشعر إيجابية صفات الله تعالى، وفاعليتها في الكون والحياة. فإذا أصابه سوء، واضطرته ظروفه إلى الضيق لجأ إلى ربه الذي يتولاه. وتذكر قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [٤١] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [٤٢] وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٤٣] وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء﴾ [٤٤] وقوله جل علاه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٤٥] وقوله : ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [٤٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [٤٧] وقوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [٤٨] وقوله عز شأنه: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [٤٩] وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [٥٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
стр. 8611
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ .
ومن هالة الصراع المستمر منذ فجر التاريخ إلى اليوم وإلى الأبد بين الحق والباطل فعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ [٥١] .
وبهذا تستريح نفسه ويوطن نفسه على استمرار هذا الصراع فيسعى إلى الجهاد بنفسه أو بماله أو بما يستطيع! إن التفكر في معاني القرآن يشفي النفوس من أوجاعها وأسقامها. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ [٥٢] ومن تعرض للفتن فعليه أن يسلك سبيل القرآن الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾ [٥٣] . ولهذا يقول رسول الله ﷺ :"إن هذا القرآن مأدبة الله. فتعلموا من مأدبته ما استطعتم " [٥٤] . ويقول جعفر الصادق:"عجبت لأربع كيف يغفلون عن أربع (أي من الدعوات القرآنية) :
عجبت لمن مسه الضر. كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ دعا بها أيوب فقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [٥٥] .
وعجبت لمن يمكر به الناس. كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ والله تعالى يقول عقيبه: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [٥٦] .
стр. 8612
وعجبت لمن تكاثر أعداؤه كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . دعا بها المسلمون حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ فقال : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [٥٧] .
وعجبت لمن أصابه محزن. كيف يغفل عن قوله تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّأَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ . وقد دعا بها ذو النون ﵇ فاستجاب الله له. كما قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ ولم يكن ذلك له خاصة. لأن الله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٥٨] . وهكذا يتجلى لنا أن القرآن الكريم جوهر الطب النفسي، وأنه معجز إعجازاً نفسياً لا يماثله في هذا المجال أي كتاب في علم النفس أو في غيره. قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إن للقرآن الكريم تأثيراً جوهرياً في النفوس الطاهرة المطمئنة [٥٩] . ولقد صور الشاعر الراحل هاشم الرفاعي كيف يكون القرآن الكريم راحة للنفس. لا ينفع غيره شيئاً على الإطلاق! وحتى في أحلك اللحظات. لحظات الإعدام. فيقول على لسان مظلوم حكم عليه بالإعدام فبعث برسالة إلى أبيه في ليلة التنفيذ منها قوله:
الليل من حولي هدوء قاتل
والذكريات تمور في وجداني
ويشدني ألمي فأنشد راحتي
في بضع آيات من القرآن
والنفس بين جوانحي شفافة
دب الخشوع بها فهد كياني
قد عشت أؤمن بالإله ولم أذق
إلا أخيراً لذة الإيمان
ثم يعود إلى التركيز على ما يريح النفوس ويعزيها عن فقد الحياة. على حبل المشنقة. فيولي وجهه جهة عدالة القرآن فيقول لأبيه:
стр. 8613
هذا الذي سطرته لك يا أبي
بعض الذي يجري بفكر عان
لكن إذا انتصر الضياء ومزقت
بيد الجموع شريعة القرصان
فلسوف يذكرني ويكبر همتي
من كان في بلدي حليف هوان
وإلى لقاء تحت ظل عدالة
قدسية الأحكام والميزان
إن القرآن الكريم علاج للثكالى والمفجوعين والمرضى والمحرومين والبؤساء والمظلومين يفرون إلى ربهم بتلاوة كلماته فتكون عليهم برداً وسلاماً. والله بهم بر رحيم. يعيشون في كنفه راضين مطمئنين. شاكرين الله تعالى أن جعل لهم ألسنة رطبة بذكره على الدوام.
لقد قال بعض هؤلاء الراضين:"لو علم رجال الدنيا اللذة التي نحن فيها مع ربنا، لقاتلونا عليها بالسيوف. وما ذلك إلا بسبب الرضا النفسي الذي أسبغه عليهم كتاب الله الكريم: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [٦٠] أما المفتونون فيقول الله تعالى عنهم: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [٦١] .
إن تربية المرء على هدي كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ تورثه سكينة في قلبه وطمأنينة في نفسه يشعر بحلاوتهما مادام على صلة بالقرآن [٦٢] ولقد وصف رسول الله ﷺ القرآن بأنه:"لا يخلق عن كثرة الرد. ولا تنقضي عبره. ولا تغنى عجائبه. هو الجد ليس بالهزل. لا يشبع منه العلماء. ولا تزيع به الأهواء. ولا تلتبس به الألسنة. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا:
стр. 8614
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ . من قال به صدق. ومن حكم به عدل. ومن خاصم به فلج. ومن قسم به أقسط. ومن عمل به أجر. ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم!! ومن طلب الهدى في غيره أضله الله. ومن حكم بغيره قصمه الله. هو الذكر المبين. والصراط المستقيم. وحبل الله المتين. والشفاء النافع. عصمة لمن تمسك به. ونجاة لمن اتبعه. ولا يعوج فيقوم ولا يزيع فيستعتب " ا. هـ[٦٣] .
هذا وصف نبوي كريم للقرآن الكريم – ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [٦٤] . وإن هذا الكتاب الخالد. هو مصدر هداية المسلمين فرداً فرداً وهو سبيل إصلاح نفوس البشرية صلح أول هذه الأمة. ولن يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها. به ألف الله تعالى بين قلوب المؤمنين فقال عز شأنه لنبيه ﷺ : ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [٦٥] .
وبه أنزل الله تعالى السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً، وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [٦٦] ، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ .
стр. 8615
﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [٦٧] .
إن تأثيره في النفوس لمن أوضح سمات الإعجاز النفسي في القرآن الكريم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الحجر آية ٩.
[٢] سورة البقرة آية ٧٩.
[٣] سورة إبراهيم آية ١.
[٤] سورة المائدة الآيتان ٥، ١٦.
[٥] التصوير الفني في القرآن للأستاذ سيد قطب ص١١.
[٦] سورة الطور الآيتان ٣، ٣٤.
[٧] سورة هود الآيتان ٣، ١٤.
[٨] سورة يونس الآيتان ٣٨، ٣٩.
[٩] سورة البقرة الآيتان ٢٣، ٢٤.
[١٠] سورة الإسراء آية ٨٨.
[١١] أنظر إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي ص ٢٣٨ وما بعدها – وانظر أيضاً البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن للزملكاني تحقيق د. أحمد مطلوب ود. خديجة الحديثي ط بغداد ص٥٣ – وانظر معاني القرآن للفراء ط دار الكتب المصرية ص١٩.
[١٢] الكشاف جـ٢ ص٤٧٣ وانظر إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة منير سلطان ط الأسكندرية سنة ١٣٩٧هـ/ ١٩٧٧م ص١٧٦.
[١٣] سورة الزمر آية ٢٣.
[١٤] سورة الأنفال آية ٢.
[١٥] سورة فصلت آية ٤٢.
[١٦] من هدي النبوة للأستاذ الشرباصي الحسنين ط القاهرة ص٧٦.
[١٧] إعجاز القرآن ... لعبد الكريم الخطيب ص٢٣٤ ط سنة ١٣٩٤هـ وانظر فكرة النظم بين وجوه الإعجاز ... للدكتور فتحي أحمد عامر ط المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
[١٨] سورة النحل آية ٩٠.
следующие страницы →