Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.
стр. 9171
ملخص لبعض بحوث المؤتمر الثالث للسيرة والسنة النبوية
الرسالة الإسلامية الأولى في مواجهة الفساد العالمي
بقلم الشيخ/ محمد المجذوب
الإسلام والحضارات:
الحضارة في مفهومنا تركيب من خصائص الذات والقيم والتراث الروحي والتصور الثابت للحياة والإنسان والكون، ينتج سلوكا مميزا، ويلزم نفس الفرد والجماعة التي ينتمي إليها أسلوبا خاصا في ممارسة الحياة على هذه الأرض.
ومن هنا كان الافتراق الفاصل ببين حضارة الإسلام والحضارات الأخرى، إذ كان الطابع الأساسي لحضارتنا كونها ربانية تستوحى الأسلوب والسلوك من منطلق العقيدة المتمثلة في الإيمان بوحدانية الله، وتفرده بالسلطان المطلق على كل شيء. وبأنه خلق الكون كله وبكل ما فيه لإبراز جلاله وحكمته وقدرته، ثم ميز الجنس الإنساني- من بين مخلوقاته- برسالات قيمة اصطفى لهذا أفردا منهم يهدون بأمره إلى الحق وإلى صراط مستقيم لا يضل سالكه ولا يشقى.. فمن أسلم منهم وجهه لله والتزم معالمه العاصمة، فهو يتعامل بوحيها مع الحياة والأحياء والأشياء، وبذلك ينشئ الحضارة الربانية التي من شأنها أن تحيل الأرض- بأسرها معبدا لتمجيد الله، وجنة ينعم فيها أبناء آدم بكل الفضائل المحققة لأمنهم- وسعادتهم واطمئنانهم..
وهكذا تكون منجزات المسلم في أي من جوانب الحياة مصورة لعقيدته الحاكمة لتصرفاته فلا يأخذ ولا يدع.
ولا يبدع ولا يصنع إلا في نطاق الواجب الذي تحدده، وبهذا تكون مدنيته خيرا لا شر فيها، وعدالة لا ظلم معها، وهديا لأخيه الإنسان لا بغي فيها ولا عدوان.. وبذلك تتميز عن مدنية الآخرين الذين اختلت عقيدتهم، فاختلت نظرتهم إلى الحياة والى الأحياء، حتى باتت المنفعة العابرة هي المتحكمة في تصرفاتهم، فكانت حضارتهم في النهاية ذلك التراكم الهائل من التناقضات المنافية بمجموعها لصالح الجماعة البشرية.
стр. 9172
الغزو الذي زلزل معاييرنا:
ولكن هذا التوازن الفكري والتصوري الذي ضبط مسار الحضارة الإسلامية منذ انطلاقتها الأولى، قد شرع يهتز بتأثير الاحتكاك.. الذي نشأ عن حركة الفتح، التي حملت إلى الوسط الإسلامي مواريث الأمم التي صنعتها الأهواء والانحرافات؛ وقد تجلى ذلك على أشده في ظهور الفرق المتعددة المتعارضة، وتركز أثره الثقافي في أفكار المعتزلة التي أبت البقاء على طريق الوحي المصفى، وأخضعت مفهوماتها العقدية إلى توجيهات الفلسفة الإغريقية التي كادت تزلزل أساس التصور الإسلامي لولا صمود الكبار من أولي العزم بوجهها.
على أن هذا الصراع بين العقيدة الإسلامية والأفكار الغريبة، قد سجل أكبر أحداثه في عهدنا الراهن.. إذ استطاعت مناهج الغرب أن تستحوذ على فريق من أبناء العالم الإسلامي على امتداده فتقطع صلته بتراثه الروحي إلى حد بعيد.
وعن طريق هؤلاء بدأنا نواجه ألوانا جديدة من الهجوم الشرس على معاقل الإسلام..وعلى أيديهم شرعت المعايير تضطرب في تحديد مفهوم الحضارة، إذ يريدون من المسلمين بحق السيطرة على وسائل التعليم والإعلام أن يعتقدوا أن حضارة الغرب بكل ما تنطوي عليه من عناصر الفساد هي الحضارة، وكل ما عداها فخطأ لا مسوغ لبقائه ...
стр. 9173
ولقد حقق هذا الهجوم أهم انتصاراته في داخل بيت المسلم، حيث ركز أصحابه على تحويل الحياة عن طريق تحويل المرأة المسلمة، فاستطاعوا عن طريق الكتاب المدرسي، والمدرس الموجه، والصحف الملونة المغوية والأشرطة الأجنبية والمقلدة، وعن طريق كل ما ابتكرته التكنولوجية الحديثة من وسائل الإغراء الإعلامي، استطاعوا أن يشككوا الفتاة المسلمة بكل فضائل الماضي، ويوقعوا في خلدها أن الحشمة الإسلامية ليست سوى القيد الذي يحول بينها وبين حقوقها الإنسانية.. وبذلك أصبح البيت الذي احتفظ بسلامته طوال الحقب إذ ظل مركز القيم الحية، ومنطلق المدد المجدد لطاقة الصمود أمام الأحداث، أصبح هذا البيت مع شديد الأسف على وشك أن يتخلى عن رسالته في تثبيت الأخلاق الإسلامية ومميزاتها العاصمة من الذوبان والانحلال.. ولا جرم أن هذا الوضع يمثل ذروة الكارثة في تاريخ الإسلام، وإذا لم تتجه الطاقات الإسلامية الواعية لمقاومته بكل ما تملك من القوة والحكمة، فستكون كل محاولة لوقف التدهور، ولتثبيت القيم الحضارية الإسلامية ضربا من العبث والجهد المهدور..
ألا إن نصر الله قريب:
ولكن من معجزات هذا الإسلام العظيم أنه مهما تكاثفت الأرزاء عليه لا ينفك محتفظا بحجته التي لا تدفع ونظرة ثاقبة إلى الوقائع الراهنة تؤكد أن ثمة طائفة من شباب الإسلام تمثل واحة الضوء في ظلمات التيه، الذي تتخبط البشرية في وحوله.. ومن عجيب أمرها أنها موجودة في كل قرية وحاضرة وإقليم من ديار الإسلام، وقد أعيت حيل الطواغيت فلم يطفئ نورها كبت، ولم يفل من عزيمتها إرهاب، بل إن الإرهاب والكبت ليضاعفان من تصميمها على إعلاء كلمة الله ...
стр. 9174
بهذا الطائفة المختارة - من فتيان الإسلام وفتياته - تستعلن دعوة الله، إذ هم ورثة النبوة وشهداء الحق على الخلق، ومجرد حضورهم بإزاء أولئك المضللين من أبناء المسلمين، كاف لإيضاح الفرق بين الحق والباطل، وبين العملة الصحيحة، والنقد المزور..
ومع كل ما تعانيه هذه الطائفة من حملات التضليل والتعريض لألوان التشهير والتعذيب، لا تزداد إلا تألقا وتوهجا وإقداما على الاستشهاد..
إنهم يجدون بسلوكهم الأعلى سيرة السلف الصالح من شباب الإسلام، الذين بايعوا رسول الله على أن يكونوا الصورة المثلى لدينه القيم: أخلاقا وسلوكا وتضحية..فلا يضيرهم أن يحرموا حق العدالة، ويحال بينهم وبين الرزق الحلال، وأن يطرحوا مع اللصوص والقتلة في غياهب السجون..على حين يتمتع المنافقون والمهرجون والرقاصون بكل ألوان الرفاه والاحترام، وإلى هؤلاء الثابتين على خط النبوة تتجه اليوم أنظار المؤمنين أملا بأن يحقق الله بهم ما حقق بأسلافهم من فرج بعد الضيق، والعزة بعد الذلة، وصلاح العباد بعد أن استشرت عوامل الضياع والفساد..
أما كيف..ومتى..؟.. فذلك من أسرار الغيب الموقوفة على علم الله.. وقد علمنا أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن اللجوء إليه وحده بعد اليأس من سائر الأسباب، هو البشير باقتراب النصر الموعود.. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ .
стр. 9175
مجتمع المدينة قبل الهجرة وبعدها
دكتور: أكرم ضياء العمري
رئيس قسم الدراسات العليا
لا شك أن المجتمع المدني طرأ عليه تغيير عميق أحدثه انتشار الإسلام فيه، وما أعقب ذلك من هجرة المسلمين من قريش أولا ثم من القبائل العربية الأخرى التي أسلمت، وكانت الهجرة حقا على كل المسلمين الجدد ما دامت الدولة الإسلامية الناشئة في المدينة المنورة بحاجة إليهم لتوطيد سلطان الإسلام فيها إذ يغالبه اليهود والمشركون والمنافقون في الداخل ويترصده الأعراب وكفار قريش من الخارج. لذلك تتابعت الآيات في الأمر بالهجرة وبيان فضلها وعظيم أجرها وفي النهي عن الإقامة بين ظهراني المشركين لما في ذلك من تكيد سوادهم وانتفاعهم بالمسلمين في صناعاتهم وزروعهم بل ربما اضطروا للمشاركة معهم في القتال ضد المسلمين.
стр. 9176
لقد أدى تدفق المهاجرين المستمر إلى تنويع سكان المدينة وازديادهم بصورة كبيرة تحتاج إلى تنظيم جديد لمشاكل القوت والسكن والأمن، وقد تحمل الأنصار عبئا كبيرا تمكنوا من النهوض به لقوة عقيدتهم ورحابة صدرهم وحسن خلقهم وجودة أيديهم وهكذا سدوا خلة المهاجرين الذين تركوا أموالهم بمكة التي تحتاجها التجارة في المدينة فضلا عن عدم مهارتهم بالزراعة والصناعة المنتشرتين في المجتمع المدني، ولمواجهة هذه المشاكل عقد النبي ﷺ نظام المؤاخاة في السنة الأولى للهجرة وقد ترتبت عليه حقوق خاصة بين المتآخين كالمواساة التي تشتمل كل أوجه العون على مواجهة أعباء الحياة، كما ترتب عليه أن يتوارث المتآخيان دون أرحامهم، فلما زالت دواعي استحداث هذا التوارث رجع به إلى وضعه الطبيعي المنسجم مع الفطرة على أساس صلة الرحم وبقي من المؤاخاة النصر والرفادة والنصية، ورغم قوة الروابط القبلية فإن الإسلام كان أقوى منها مضهر المسلمين من القبائل المختلفة في بوتقة العقيدة، وقضى على العصبية القبلية، وحصر الأخوة والموالاة بين المؤمنين وحدهم.
ووضع مصالح المسلم وعلاقاته الدنيوية كلها في كفة ومصالح العقيدة والتزاماتها من حب لله ورسوله والجهاد في سبيله في كفة أخرى محذرا المسلم من تغليب الأولى على الأخرى.
فكان المجتمع المدني الذي أقامه الإسلام مجتمعا عقيديا يرتبط بالإسلام ولا يعرف الموالاة إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، وهو مفتوح أمام من يريد الانتماء إليه أيا كان لونه أو جنسه إذا انخلع من صفاته الجاهلية واكتسب الشخصية الإسلامية.
стр. 9177
وقد تكفلت تعاليم الإسلام بإشاعة الحب وتدعيمه في المجتمع فتعاون الأقوياء والضعفاء والأغنياء والفقراء في بناء المجتمع والدولة بروح المساواة والعدل والتعاون بعيدا عن الصراع الطبقي والاستغلال الاقتصادي والأغلال الاجتماعية ولو قدر للمجتمع الإسلامي أن يستمر في تقدمه العلمي والحضاري ويمسك بزمام البشرية اليوم لظهرت مزايا الإسلام في بناء مجتمع متراص على أساس الحب والتكافل وليس الحقد والصراع الذي ليس وراءه إلا الدمار لقد وقف أغنياء المسلمين (عثمان وطلحة وسعد والآخرون) وفقراؤهم (أهل الصفة) صفا واحد لدعم رسالة الإسلام وقد حددت العلاقات بين الجميع في نصوص مكتوبة تحدد الحقوق والواجبات وتعلن مبادئ الأمن والحرية الدينية والتعايش السلمي والمساواة أمام الشرع والمسؤولية الجماعية.
وهكذا فإن النقلة التي أحدثها الإسلام في المجتمع المدينة أولا ثم المجتمع الإسلامي في أرجاء الدولة الإسلامية الأولى كانت عميقة وشاملة شملت العقيدة والفكر والنظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والسلوك الفردي اليومي لما تميز به الإسلام من عمق وشمول وقدرة على التأثير حتى صبغ الحياة بكل جوانبها بصبغته ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
стр. 9178
حادث المسجد الحرام وأمر المهدي المنتظر
لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه..
أما بعد: فإن الحادثة النكراء والجريمة الشنعاء التي قام بها جماعة من المسلحين بعد صلاة الفجر من يوم الثلاثاء الموافق ١/١/١٤٠٠ هجرية باقتحامهم المسجد الحرام وإطلاقهم النار بين الطائفين والقائمين والركع السجود في بيت الله الحرام أقدس بقعة وآمنها قد أقضت مضاجع العالم الإسلامي وألهبت مشاعره وقابلها بالاستنكار الشديد وما ذاك إلا لأنها عدوان على البيت الحرام الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا وانتهاك لحرماته وحرمات البلد الأمين والشهر الحرام وترويع للمسلمين واشعال لنار الفتنة وخروج على ولي أمر البلاد بغير حق.
стр. 9179
ولاشك أن هذا الإجرام يعتبر من الإلحاد في حرم الله الذي قال الله فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ويعتبر ترويعا وإيذاء لهم وعدوانا وقد قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ وقال : ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ يضاف إلى ذلك حملهم السلاح وإطلاقهم النار على رجال الأمن الذين أرادوا إطفاء فتنتهم وحماية المسلمين من شرهم وقد قال النبي ﷺ : "من حمل علينا السلاح فليس منا".. ونهى عن حمل السلاح في الحرم وقال ﵊: "إن هذا البلد حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يسفك فيه دم ولا يعضد فيه شجرة".. وقال أيضا ﵊: "إن هذا البلد لم يحل القتال فيه لأحد من قبلي ولا يحل لأحد من بعدي وإنما أحل لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمته اليوم كحرمته بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب".. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
وقد تعدى شر هذه الفتنة وضررها إلى كثير من الحجاج وغيرهم، يضاف إلى ذلك إغلاقهم أبواب المسجد الحرام ومنعهم بذلك الداخلين والخارجين، وبذلك تدخل هذه الطائفة تحت قوله : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وبالجملة فقد حصل بهذه الحادثة الشنيعة ظلم كثير وفساد عظيم وبلاء كبير ول نعلم أنه مر بالمسجد الحرام مثل هذه الحادثة لا في الجاهلية ولا في الإسلام.
стр. 9180
أما تبريرهم لظلمهم وعدوانهم وفسادهم الكبير بأنهم أرادوا إعلان البيعة لمن زعموه المهدي فهذا تبرير فاسد وخطأ ظاهر وزعم لا دليل عليه، ولا يجوز أن يستحلوا به حرمة المسجد الحرام وحرمة المسلمين الموجودين فيه، ولا يبيح لهم حمل السلاح وإطلاق النار على رجال الأمن ولا غيرهم، لأن المهدي المنتظر من الأمور الغيبية التي لا يجوز لمسلم أن يجزم بأن فلان بن فلان هو المهدي المنتظر لأن ذلك قول على الله وعلى رسوله ﷺ بغير علم، ودعوى لأمر قد استأثر الله به حتى تتوافر العلامات والأمارات التي أوضحها النبي ﷺ وبين أنها وصف المهدي وأهمها وأوضحها أن تستقيم ولايته على الشريعة وأن يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا مع توافر العلامات الأخرى وهي كونه من بيت النبي ﷺ .. وكونه أجلى الجبهة أقنى الأنف وكون اسمه واسم أبيه يوافق اسم النبي صلى الله عليعه وسلم واسم أبيه وبعد توافر هذه الأمور كلها يمكن المسلم أن يقول أن من هذه صفته هو المهدي..
стр. 9181
أما اعتماد المنامات في إثبات كون فلان هو المهدي فهو مخالف للأدلة الشرعية ولإجماع أهل العلم، والإيمان، لأن المرائي مهما كثرت لا يجوز الاعتماد عليها في خلاف ما ثبت به الشرع االمطهر، لأن الله سبحانه أكمل لنبينا محمد ﷺ ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة قبل وفاته ﵊، فلا يجوز لأحد أن يعتمد شيئا من الأحلام في مخالفة شرعه ﵊، ثم إن المهدي قد أخبر النبي ﷺ أنه يحكم بالشرع المطهر، فكيف يجوز له ولأتباعه انتهاك حرمة المسجد الحرام وحرمة المسلمين وحمل السلاح عليهم بغير حق؟ وكيف يجوز له الخروج على دولة قائمة قد اجتمعت على رجل واحد وأعطته البيعة الشرعية فيشق عصاها ويفرق جمعها وقد قال ﵊ فيما صح عنه: "من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يشق عصاكم يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه كائنا من كان"أخرجه مسلم في صحيحه.
ولما بايع النبي ﷺ أصحابه بايعهم أن لا ينازعوا الأمر أهله وقال: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان"، وهذه الدولة بحمد الله لم يصدر منها ما يوجب الخروج عليها، وإنما الذي يستبيح الخروج على الدولة بالمعاصي هو الخوارج الذي يكفرون المسلمين بالذنوب، ويقاتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان، وقد قال فيهم النبي ﷺ : "أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية".. وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يو القيامة" متفق عليه.
стр. 9182
والأحاديث في شأنهم كثيرة معلومة، وقد قال ﵊: "من رأى من أميره شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة فإن خرج عن الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة جاهلية".. وقال ﵊ في حديث الحارث الأشعري: "وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: الجهاد، والسمع والطاعة، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يراجع".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقد صدر من عماء المملكة فتوى في هذه الحادثة والقائمين بها وأنا من جملتهم وقد نشرت في الصحف المحلية وأذيعت بواسطة الإذاعة المرئية والمسموعة وفيها الكفاية إن شاء الله والإقناع لطالب الحق، ,إنما أردت بكلمتي هذه مزيد الإيضاح لخطأ هذه الطائفة وظلمها وعدوانها فيما فعلت وغلطها فيمن زعمت أنه المهدي، أما إنكار المهدي المنتظر بالكلية كما زعم ذلك بعض المتأخرين فهو قول باطل لأن أحاديث خروجه في آخر الزمان وأنه يملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا قد تواترت تواترا معنويا، وكثرت جدا واستفاضت، كما صرح بذلك جماعة من العلماء بينهم أبو الحسن الآجري السجستاني من علماء القرن الرابع، والعلامة السفاريني، والعلامةالشوكاني، وغيرهم، وهو كالإجماع من أهل العلم، ولكن لا يجوز الجزم بأن فلانا هو المهدي، إلا بعد توافر العلامات التي بينها النبي ﷺ في الأحاديث الثابتة وأعظمها وأوضحها كونه يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما كما سبق بيان ذلك.. ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق ولاة أمرهم للحكم بشريعته والتحاكم إليها، والحذر من كل ما خالفها، وأن يحسن العاقبة للمسلمين إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على عبده ورسوله لنبينا محمد وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 9183
دروس من الفتنة
فضيلة الشيخ محمد المجذوب
المدرس بكلية الدعوة
قضت الحكمة الإلهية أن تكون حياة الإنسان على هذه الأرض سلسلة متصلة الحلقات من المعارك، مع الشيطان وذريته من جانب، ومع غرائزه وشهواته من جانب آخر، ثم مع حاجاته المتجددة أبداَ إلى الضرب في أكناف الأرض. وهو في كل ذلك معرض لأصناف المحن والفتن التي تسلبه الطمأنينة، فلا ينفك فريسة للقلق والروع حتى يجد منفذاً يقربه من السلامة ولو عن طريق الوهم.
ونظرة واعية إلى واقع البشر في هذه الأيام تؤكد لنا هذه الحقيقة، إذ ترينا البسيطة على امتدادها مسرحاً لألوان الأهوال، لا يكاد يسلم من لذعها كائن ولو عاذ بالقمم أو غاص في الخضم.. وليس أسعد للإنسان في مثل هذا الجو الرهيب من أن يعثر على منطقة أمان تهب له فرصة التخلص من قلقه ولو بعد حين.
وعلى ضوء هذا الواقع المشهود ندرك قيمة الهبة العظمى التي خص الله بها هذه البقعة من الأرض. حين أقام فيها بيته العتيق، وجعلها مثابة للناس وأمنا.
стр. 9184
ولقد شاء الله جلت حكمته أن يستأثر عرب الجزيرة بهذه النعمة منذ قيام هذا البيت المطهر دون سائر أرجاء العالم، فكان لهم كالواحة الخضراء في جديب الصحارى، يأوون إليه كلما أحاط بهم الروع، وضاق عليهم الرحب، فيستروحون في ظله نفحات الأمن الذي عز توافره في غيره. حتى ليلقى الرجل في كنفه قاتل أبيه أو أخيه أو ولده. فلا يفكر في النيل منه، توقيرا لبيت ربه وذكرى أبويه وبانييه إبراهيم وإسماعيل ﵉ بل إن الجاني ليحصَن نفسه من عدوان غرمائه بمجرد اتخاذه قلادة من لحاء الحرم، يطوَّق بها عنقه فلا تمتد إليه يد بما يكره ما دام يحمل أثرا من ذلك الشعار، شعار السلام،.. ومن هنا كان الخروج من هذا المألوف شذوذا عن قيم الفطرة في أوساط أولئك الجاهليين، حتى ليعتبرون مجرد الإقدام عليه ضربا من الفجور المجمع على إنكاره. وهكذا يكون العدوان على حرمة البيت العتيق في عرف أهل الجاهلية، عدوانا على الحياة نفسها لا على الإنسان وحده.
وقد حاول مشركو قريش أن يسوغوا إحجامهم عن قبول الدعوة الإسلامية بالخوف من انقلاب العرب عليهم، ظنا منهم أن تقديس العرب لذلك البيت إنما مرده إلى تقديس قريش لَأْلهتهم المنصوبة عليه ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ فجاء الرد الإلهي على ذلك الزعم تذكيرا بأن الفضل لله وحده في توفير كل هذا الخير لجيران بيت ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا..﴾ (٢٨- ٧٥) .
وما أجل وأروع تلك الصورة التي يتملاها العقل المؤمن في قوله تعالى لهؤلاء المجادلين بالباطل في سورة العنكبوت ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ..﴾ .
стр. 9185
بالخوف من انقلاب العرب عليهم، ظناً منهم أن تقديس العرب لذلك البيت إنما مرده إلى تقديس قريش لآلهتهم المنصوبة عليه ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ فجاء الرد الإلهي على ذلك الزعم تذكيراً بأن الفضل لله وحده في توفير كل هذا الخير لجيران بيته ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا..﴾ ٢٨-٥٧ وما أجمل وأروع تلك الصورة التي يتملاها العقل المؤمن في قوله تعالى لهؤلاء المجادلين بالباطل في سورة العنكبوت ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ!..﴾ .
إنه لمشهد التباين الهائل بين واقع الأرض التي اجتاحتها أعاصير الفتنة حتى لا يفي برسمها إلا صورة الناس كل الناس يتخطفون خلالها، إلى جانب الواحة المحروسة بحدود الله، وقد جعل لكل داخل إليها الحق كل الحق في أن يكون آمنا..
هذه النعمة الكبرى، نعمة الأمن، التي استأثر بها عرب الجاهلية وفقدتها سائر شعوب العالم من قبل، قد أصبحت بعد فجر الإسلام حقا مشاعا لكل بني آدم. تهوي أفئدتهم إلى البيت وتنطلق زحوفهم نحوه من كل حدب وصوب، ليتعارفوا في ظله فيأتلفوا، وليذكروا أسم الله في أيام معدودات ومعلومات على ما رزقهم من أصناف الخيرات. ثم يرجعوا إلى ديارهم كيوم ولدتم أمهاتهم، فرحين مبتهجين بما أكرمهم ربي من زيارة بيته، وبما وفقوا إليه من أداء الشعائر وبذل المبرات، والتطهر من الآثام، فهم- كما وصفه- النبي أشعيا- (مفديو الرب يرجعون بترنم، وفرح أبدى على رؤوسهم. ابتهاج وفرح يدركانهم ويهرب الحزن والتنهد) .
стр. 9186
هذا الحرم المطهر الذي جعله الله مثابة للناس، يئوبون إليه بين الحين والآخر، ليستمتعوا في ظله بدفء العافية والهدوء، في معزل عن الشقاق والشحناء اللذين يزحمان مسالك الأرض، وأتم نعمته عليه بأن ألزم واردين ومجاوريه موجبات الأمن التي تجدد ما رث من وشائج الأخوة الإنسانية..
هذا الحرم الأمن ... أليس من غرائب المفارقات أن يعدو بعض الناس على حرمته، فيعكروا صفوه، ويخربوا أمنه، فيجنوا بذلك على أنفسهم أول ما يجنون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا؟!..
أجل.. لقد وجد الشطان خلال التاريخ غير واحد من جنود الباطل يرتضون أن يمتطيهم للإساءة إلى بيت الله، الذي أقامه الله لاستقبال الوافدين إليه من عباده المتقين، فيردهم إلى ما فقدوه من حقيقتهم- ويتجلى عليهم بالنفحات القدسيات التي تفئ عليهم بما سلبوه من هناءتهم!.
ولم يقتصر ذلك على ظلمات الجاهلية، بل تجاوزها إلى تاريخ الإسلام أيضا..
لقد بدا أول عدوان في الجاهلية على كرامة هذا البيت بيد (عمرو بن لحي) يوم رفع فوقه صنمه الذي استورده من بلاد الروم، وما زال حتى أغرى الناس بالاستشفاع به إلى الله ... فكان ذلك مبدأ الزيغ عن ملة إبراهيم، إذ ما لبث الطواغيت المتتابعون على طريقه أن ملئوا شرفات البيت المطهر بهذه الأرجاس، إلى أن شاء الله أن ينكسها فيكنسها بيد خاتم رسل الله محيى ملة إبراهيم محمد ﷺ ..
стр. 9187
ثم تلا ذلك زحف أبرهة، الذي ركبه الغرور فآلى ليهدمن أول بيت وضعه الله لعباده في مكة مباركا، كي يصرف عنه العرب إلى فليسه التي أقامها هو لهم في دار ملكه. فإذا هو وفيله وكتائبه المغرورة كعصف مأكول.. وتشرق الأرض بنور الإسلام، ويسترد البيت مكانته الإبراهيمية حنيفا خالصا لله وحده. وكان من حقه أن يستمر على هذا الخط الرباني ما دام للإسلام سلطان يحكم مجرى الأحداث وتهفو إليه القلوب.. قلوب أهل الحق.. إلا أن الشيطان الذي أخزاه الله على أيدي الثلة الأولى من تلاميذ النبوة، لم يلبث أن وجد الثغرات في بناء الأجيال التالية. فعشش وباض وفرخ، ثم زين لمبير ثقيف أن يسلط على بيت الله مجانيقه التي صدعت البنية المكرمة، وقد ألقى على لسانه حجته الإبليسية الداحضة، التي تقول بأن هدمه للبيت كان خدمة للإسلام، كي يتمكن من إعادته إلي حجمه الذي عهده الناس أيام رسول الله والراشدين من بعده! وما أحسبه إلا قد علم يقينا أن الصحابي الجليل سليل الصحابة الأجلة عبد الله بن الزبير، لم يتجاوز رغبة نبي الله ﷺ بتوسعة البيت حتى يشمل حجر إسماعيل ﵇، ولكنها الدنيا التي أعماه حبها فلم يفرق بين مرضاة الله وغضبه.. فكان ذلك من الطاغية أول خرق في حرمات البيت يشهده تاريخ الإسلام.
وما هي إلا حقبة قصيرة حتى تلا تلك الهجمة العاتية طغيان صنائع المجوسية من القرامطة، الذين اقتحموا ساحة المسجد عام ٣١٧ هـ بقيادة شيطانهم الأكبر سليمان الجنابي- أبو طاهر- ففتكوا بالآلاف من عماره. ما بين طائف وراكع وساجد، وقتلوا الآلاف من أبناء مكة، وسبوا الآلاف من نسائم وذراريهم، ثم عادوا بالحجر الأسود. الذي انتزعوه من الركن الذي أنزله فيه رسول الله، ليجعلوه في بناء مزور دعوا سفهاءهم للطواف به على طريقة أبرهة من قبل..
стр. 9188
وغير بعيد من ذلك العهد جاء العدوان الثالث- عام ٤١٤- على يد مصري غتل من ملاحدة اليهودي بن كلس مؤله الحاكم المجنون.. وبينما الناس في غمرة من الخشوع لجلال الله حول بيته، إذا هو يستل دبوسا من الحديد فيهوى به على الحجر الأسود.. وكانت مؤامرة أريد بها استكمال ما بدأه اللعين أبو طاهر من قبل، ولكن الله سلم. فأحيط بالمجرم ومن معه من الفرسان فقتلوا عن أخرهم.
واليوم.. على مقربة من خاتمة القرن الرابع عشر يروع عالم الإسلام بالفاجعة، التي كادت تعفي على سابقاتها الفواجع.
لقد حدثت الفظائع الأولى في عهود المواصلات البطيئة، فانحصر أثر كل منها في نطاق البيئة المتقاربة، ثم لم تتسرب أنباؤها إلى الأبعاد إلا بعد فوات المناسبة، وعقيب برود الجراح حيث مضت إلى الجماهير عن طريق المسافرين والمؤرخين، ليعيدوا الفكر في ظروفها ودوافعها، ويستخلصوا من دروسها العبر التي لا تنسى.
أما قارعة اليوم فقد اقتحمت قلوب الناس وأسماعهم منذ انفجارها عن طريق البرق والعواكس الفضائية، فكانت كالزلزال الضخم ما كاد ينطلق من مركزه حتى انتشرت رواجعه على امتداد الساحة المتصلة به، تلك الساحة التي تشمل أرجاء العالم الإسلامي كله دون استثناء.. ويا لهول ما غمر ذلك العالم من ذهول وهو يتلقى أنباء الحدث العظيم!..
ولعمر الله ما كان شيء من ذلك الذهول الرهيب بعجيب.. فكيف.. ولم؟.. والنازلة إنما تحل في أقدس أقداس هذا العالم.. في أول بيت وضع للناس، في البقعة التي حرمها الله، فجعلها مأمن الخائف، وأنس الشريد، وملاذ الطريد.. في القبلة التي تشد المسلمين بروابط الوحدة والأخوة صباح مساء.. في المثابة التي يفيئون إليها كلما أدهمت الأحداث، وتعرضت وشائج الأرحام لبوادر الجفاف.
стр. 9189
وقد ضاعف من وقع النكبة في البيت العتيق ذكريات لم تبرد جذوتها بعد عن مصير أخيه المسجد الأقصى، ومحاولات العدو التي لم تتوقف قط منذ أسبوع العار، لإزالة معالم الإسلام من حوله ومن تحته، ولا سيما أن روائح محاريبه وقبابه المحترقة بنيران الغدر اليهودي ما تزال تملأ صدور المسلمين، فتجدد شعورهم بهول المأساة التي لا تزداد على الأيام إلا تضخما وتفجرا.. وشتان بين جريمة يقترفها بحق المسجد الأقصى أحفاد القرود من سلالات قريظة والنضير وقينقاع، فلا يستغرب صدورها عن قتلة الأنبياء وسدنة الفساد العالمي، وأخرى تحمل كبرها طائفة تزعم أنها وقفت نفسها للدعوة إلى الله. وللذياد عن ملة رسول الله ﷺ .. ومن هنا جاء حجم الجريمة مضاعفا أضعافا كثيرة، إذ كانت حتى الساعة بمثابة القمة بالنسبة إلى سائر أشكال العدوان التي تعرض لها البيت الحرام في الجاهلية وبعد الإسلام.. فوا أسفاه، ووا حسرتاه، ووا حزن أمتاه!..
وبعد.. فمن هم هؤلاء الأشقياء الذين بلغت بهم القحة والتهور والاستهتار بكرامة كل المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها.. إلى حد الإقدام على كل هذه الفجائع، التي تعجز عن ممارستها أمة من الشياطين؟!..
أسفهاء طمس الجهل بصائرهم، فلم يفرقوا بين حلال وحرام، ونور وظلام!؟.. أم هم حملة علم ضل بهم الطريق، فانزلقوا في هاوية (بلعام) الذي آتاه الله آياته، فعجز عن الارتفاع بها إلي الملأ الأعلى، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه!.
إن فيهم لملامح من هؤلاء وأولئك، إلا أنهم سبقوا الفريقين في كبر جنايتهم على أنفسهم بعد جنا يتهم على أمن المؤمنين.
стр. 9190
أما أنهم السفهاء الذين عميت قلوبهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم.. فذلكَ ما لا يتطلب برهانا ولا دليلا، لأن السفه أبرز معالمهم ... بل إن مجرد تسللهم بالسلاح إلى بيت الله، وإغلاقهم أبوابه بوجوه الوافدين عليه من المصلين والقارئين والمعتمرين إنما هو دليل على أنهم لا يعدون أن يكونوا من المجانين أو المنتحرين.. وكفى بهذا آية تؤكد براءة العلم من تصرفاتهم التي لا يقرها عقل ولا دين..
أجل.. إن قادة هؤلاء السفهة قد مارسوا القراءة من قبل، وحفظوا غير قليل من الكتاب والسنة، وكتبوا بعض رسائل أودعوها خلاصة ما استقر في قلوبهم من الأفكار التي كشفت شذوذهم وانحرافهم عن سواء السبيل، فإذا أبرز سماتهم العناد والغرور، الذي غشى على بصائرهم، فأراهم كل فهم انتهى إليه كبار علماء العصر خطأ بل ضلال لا يستحق بنظرهم سوى الرد والرفض، تماما كما فعل قتلة ذي النورين رضى الله عنه الذين غسل المضللون أدمغتهم، من كل أثر للوعي الإسلامي السليم، وشحنوا قلوبهم بالكراهية للخليفة المظلوم، حتى باتوا كما وصفهم هو بقوله "أراهمني الباطل شيطانا.."فقد نسوا كل سابقة لصاحب رسول الله، وانقلب بنظرهم بإيحاء موجهيهم محض شيطان والعياذ بالله!.
أجل لقد مضى هؤلاء وأولئك من الدهماء وراء مضلليهم، مسلوبي الإرادة والتفكير، أشبه بالضرير الذي أسلم قياده إلى شيطان يتلعب به كما يشاء، فأعادوا بذلك دور أسلافهم من أتباع الفتنة، الذين بلغ بهم الضياع حد استباحة حرم المسلمين وإهدار دمائهم. فإذا وقع في أيديهم أحد من أهل الكتاب لم يمسوه بسوء بل اكتفوا بأسماعه القرآن ثم أبلغوه مأمنه!.. ذلك بأنهم لم يفقهوا من الإسلام إلا ما دسه في أذهانهم طواغيتهم. فهم من أكثر المسلمين ملازمة لكلام الله وحديث رسله..، إلا أنهم من أبعد الناس عن نور العلم الحق، الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام..
стр. 9191
أنا لا أريد التعرض لدواخلهم، فأحكم على عقائدهم بالسداد أو الفساد. فالمغيب لله وحده، وليس لنا سوى المشاهد من الأعمال.. وهو هنا كاف لإدانتهم بالجريمة، دون أي اعتبار لما في وراءه من ألوان النوايا..
وما أرى حاجة لمحاكمة أفكارهم بشأن المهدي، بعد أن أشبعها علماؤنا بحثا وتدقيقا، فنحن مع أهل العلم في إثبات ظهوره ذات يوم على الوجه الذي حدده الخبر النبوي الصحيح، وهو تحديد بالغ الوضوح بحيث لا يحتمل أي شبهة إلا عند أدعياء المعرفة ممن لا ينظرون أبعد من أنوفهم.. وقد أثبت هؤلاء المغرورون أنهم هم الأدعياء حقا، وإلا فكيف يفسرون دخولهم بالسلاح إلى البيت العتيق؟! وكيف يؤولون إغلاقهم أبوابه دون الناس وهم يقرؤون في كتابه الخالد ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا!!﴾ وبأي تعليل يسوغون تجمعهم على تلك الصورة القتالية، بعد أن فضحوا أنسفهم من خلال خطبهم المسجلة، وهم يوزعون الأوامر على أعوانهم من حملة السلاح ليتخذوا مواقعهم هنا وهنالك على المآذن وفوق السطوح وفي زوايا المسجد ... مما يقطع بأنهم قد خططوا للصدام منذ اللحظة الأولى، على الرغم من إعلان رسول الله ﷺ يوم الفتح أن الله قد أباح له مكة ساعة من نهار، ولن تباح لغيره بعد ذلك إلى الأبد ... ويستحيل على معني بخبر المهدي، إلى الحد الذي أوضحوه في رسائلهم، أن يفوته الإطلاع على هذا الحديث المشهور (٤) وما يحمله من إنذار خطير لكل من تسول له نفسه العبث بأمن البيت، بل بأمن مكة المكرمة كلها.. فكيف إذا ذكرنا وعيد العزيز الحكيم في شأن بيته الكريم ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٢-٢٥) وقد فهم أولو العلم من ذلك أن مجرد الهمَ بسوء في بيت الله كاف لاستيجاب العذاب الموعود.
стр. 9192
ثم إني لا أدري لماذا تقفز إلى ذهني، وأنا أفكر في حركة هؤلاء الممرورين صور أسلافهم من الخوارج الذين حبسوا بصائرهم في نطاق الأخطاء التي شاهدوها أو توهموها، فلم يجدوا سبيلا للإصلاح إلا في القضاء على القادة الثلاثة في عواصم الإسلام الثلاث! ... وسرعان ما تتابعوا في هذا المنحدر يفتعلون الأحداث، ويحدثون الفتوق، ويعطلون الطاقات الإسلامية عن مواصلة الجهاد لنشر دين الله وإقامة شريعة اللَه- وهم مصرون على غرورهم بأنهم وحدهم حماة الإسلام، وكل من عداهم فأعداء لله ورسوله ...
وما أكاد أفرغ من هذه المشاهد الموجعة حتى أجداني تلقاء صور متلاحقة من وقائع الرعب المعاصرة التي توشك أن تعم الدول كلها، فتطغي أنباؤها على سائر الحوادث العالمية الأخرى.. إن ثمة جيلا من الشذاذ تباعدت مصادر هوياتهم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ولكنهم تلاقوا على أمر واحدا هو الكراهية لأوضاع المجتمعات التي يعايشونها، ثم التعبير عن ذلك بالتجرد للعنف، فهم اليوم مصدر بلاء غير محدود على شعوبهم، التي سلبت نعمة الاطمئنان، فهي تتخبط من تصرفاتهم في ظلمات من القتل والخطف والإرهاب، تستثير الشفقة من كل إنسان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.
ومن حق هذه المشاهد على تباعد أزمنتها وتباين أغراضها، أن تتداعى في خيال المفكر، لما يربط بينها من وحدة في الخلفيات غير المنظورة. ذلك أن النقمة من الواقع كانت هي الشرارة التي فجرت في أعماق الجميع رغبة التغيير، ثم اختلفت بهم السبل، فسلك كل فريق منهم الاتجاه الأقرب إلى طبيعته ونشأته، مع بقاء الكل أسارى نظرتهم السوداء، إذلم يستطيعوا الارتفاع عن تصورهم المحدود، الذي لا يؤمن بأن في الحياة وسيلة للإصلاح خارج نطاق العنف والكراهية.
إنه الغلو والغرور، الغلو في التشاؤم الذي يضخم به الشيطان حجم المسيئات حتى تحجب عن عيني المتشائم طيف كل حسنة.
стр. 9193
ثم الغرور الذي أفسد مقاييس أصحابه، فضيق عليهم مجال الرؤية، فلا يبصرون شيئا وراء منظورهم الكالح الكريه.
وإذا كان لإرهابي أوروبة وأمريكة واليابان والصين وما إليها بعض العذر في جنوحهم للجريمة بسبب فقدانهم أنوار الوحي، وتخبط أممهم في أوحال الفجور والطغيان، فأي عذر للمسلم في سلوك متاهات هؤلاء الكافرين، وبين يديه الصراط الذي لا يضل سالكه، وأمامه الدليل الذي لا يبرح يذكره بمسئوليته نحو أولئك الجانحين، وبرسالته التي هي الرحمة المهداة للعالمين! ... بلى ... إنه الغلو والغرور.
وقديما أخرج الغلو أمما من عبادة الله إلى عبادة الحجارة، نحتوها تماثيل لصالحيهم لتذكرهم بفضائلهم كيلا يفارقوها، ثم زين لهم الشيطان اتخاذها آلهة من دون الله ... كما زين للمخدوعين من المتأخرين اتخاذ شيوخهم آلهة، لا يعصون لهم أمرا ولا يخالفون لهم نهيا!
وقبل ذلك كان للغرور سلطانه على نزيل الملائكة، فأخرجه من رحمة الله إلى غضبه، وأخرج به قرونا بعد ذلك كثيرا من جنة الطاعة إلى جحيم المعصية التي أحالت الحياة البشرية مسرحا لصراع لا نهاية له مادام هناك إنسان وشيطان.
ولعمر الحق أن لفحة من هذا الغرور وذلك الغلو قد أصابت بلوثتها بعض ذوى الغيرة من أصحاب (القلوب الطيبة) فراحوا- عقيب الفتنة - يثيرونها شعواء على الجامعات الإسلامية، والسلفية، والملتزمين بالسنة النبوية، حتى سمحوا لأنفسهم بتحميلهم مسئولية الانحراف الذي زين لأصحابه ذلك العدوان الأثيم على حرم الله.- ولو هم رجعوا إلى عقولهم دون عصبيتهم لردوا كل اتهام من ذلك النوع الذميم، ولرددوا مع سلفهم الكريم قول ربهم العليم الحكيم: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ..
стр. 9194
وبعد ... فإن في كارثة الحرم التي زلزلت ضمائر المسلمين في كل مكان، لدروسا كبيرة جديرة بأن تثير في صدورنا العميق من التأملات، والكثير من التطلعات ... ولعل في رؤوس هذه الدروس تعميق الوعي بحقائق الإسلام، ومزيدا من توثيق الصلة بين المجتمع وهذه الحقائق، حتى تزول كل فجوة بين الدين والواقع ... وسيكون من نتائج ذلك صيانة الطابع الإسلامي للمجتمع من كل منافس دخيل سواء في نطاق الأفكار، أو التعليم، أو الإعلام على اختلاف وسائله.
وشيء آخر هام هو أن نشجع الحوار حول كل مشكلة تواجه الفكر الإسلامي على أساس من الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وبذلك نفسح المجال أمام الشباب المتحمس! للتنفيس عن مكنوناته، والاستماع إلى الفهم الآخر، وبهذا وذاك ننقذه من العزلة الفكرية التي تعرضه وتعرض أمته للكثير من المآسي، التي خبرناها خلال التاريخ.
والله وحده المسؤول أن يجنبنا مزالق الغلو والغرور، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه الهادي إلى كل خير والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
في المحرم ١٤٠٠ هـ
стр. 9195
آية العدد
فضيلة الشيخ: أبو بكر الجزائري
رئيس قسم التفسير بالجامعة الإسلامية
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
معلومات أولية:
هذه الآية الكريمة هي أول آية من سورة الإسراء، ومجموع آي هذه السورة الكريمة مائة وإحدى عشرة آية.. وكما تسمى هذه السورة بالإسراء تسمى أيضاَ بسورة سبحان، وسورة بني إسرائيل لذكر كل من الكلمات الثلاث فيها.. وهى مكية إلا بعض آيات منها، وكان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه يقول فيها وفي سورة الكهف ومريم إنهن من العتاق الأدل ومن تلادي.. يعني أنهن مما نزل في مكة وأنهن من محفوظاته..
والآية لغة: العلامة وجمعها آي، أو آيات.. قال الشاعر العربي:
إلا رواكد جمرهن هباء
بادت وغير آيهن [١] مع البلى
فَبدا وغيب ساره المعزاء
ومشجج أما سوا قذاله
شرح الكلمات في الآية:
﴿سُبْحَانَ﴾ : اسم مصدر من سبح المضعف نقل إلى العلمية فأصبح علما على تسبيح الله تعالى أي تقديسه وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. وهو أي سبحان اسم جامد، يتصرف ملازم للبناء على الفتح لا يفارقه أبدا.
стр. 9196
ومعناه: تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من سائر النقائص والعيوب. وهو هنا مفيد مع التنزيه التعجيب من عظيم قدرة الله تعالى. وشرف النبي ﷺ ، القدرة الإلهية التي أسرت بعبد الله في دقائق من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والمسافة بينهما مسيرة شهر للراكب، ثم إلى الملكوت الأعلى، وعادت به وإن فراشه ما زال دافنا لم يبرد. والشرف النبوي الذي تم في هذا الإسراء والمعراج حيث رفع الله عبده ورسوله إلى أن بلغ به مستوى وقف دونه جبريل ﵇ وقال معتذرا حيث تخلى عن صحبة محمد ﷺ وتركه ليرتفع وحده:
وما منا إلا له مقام معلوم.. وارتفع رسول الله حتى انتهى إلى مقام سمع فيه صرير الأقلام وشرفه ربه بالمناجاة والكلام.
أسرى: أسرى فعل ماض وفاعله الله ومعناه: السير ليلا ومثله تسرى وهما بمعنى واحد، وأن الإسراء يكون أول الليل، والسري بالضم ما كان أخره. وقد جمع الفعلين الشاعر في قوله:
حي النظيرة ربت الخدر
أسرت إلي ولم تكن تسري
وأسرى به، كسرى به أي سار به ليلا. والأول مصدره الإسراء، والثاني السري والسريان بالتحريك.
﴿بِعَبْدِهِ﴾ :الباء للمصاحبة، والعبد لغة المملوك الذي عبدته الطاعة لسيده وذللته وهو هنا محمد النبي ﷺ ، والضمير عائد على الإسراء وهو الحق ﵎. واختير لقب العبودية هنا عن لقب النبوة والرسالة.. وهما شرفان: لأمرين:
أحدهما: حتى لا تضل أمة محمد ﷺ به كما ضلت النصارى بعيسى بن مريم بسبب الغلو في الرفعة والكمال حتى يؤله غير الله تعالى ولذا قال ﷺ : "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد الله ورسوله فقولوا: عبد الله ورسوله ... ".
стр. 9197
وثانيهم: أن لقب العبودية الخاصة أشرف من لقب النبوة والرسالة وذلك أن اتخاذ الرب المرء عبدا له خاصا به يتشرف بطاعته والقرب منه وبمناجاته وموالاته ومحبته أفضل من أنباء الرب للإنسان بأخبار، أو إرساله برسالة، وقد لاحظ هذا المعنى الشاعر العربي الذي نزل القرآن بلغته في قوله:
يا قوم قلبي عند زهراء
يعرفه السامع والرائي
فإنه أشرف أسمائي
لا تدعني إلا بيا عبدها
﴿لَيْلاً﴾ : الليل معروف وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وضده النهار، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.. وذكره مع الإسراء من باب التوكيد، كقول من قال جئت أمس نهارا أو أتيت البارحة ليلا، لأن الإسراء والسريان لا يكون إلا ليلا، وتنكيره لتقليل الفترة الزمانية التي كانت فيه، إذ أخبرت أم هاني بنت أبي طالب، وقد كان النبي ﷺ نائما في بيتها ليلة الإسراء. أخبرت أن النبي ﷺ فارق فراشه وعاد إليه وهو دافئ لم يبرد بعد..
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ : من ابتدائية إذ بداية السري كانت من المسجد الحرام، وذلك أن الملك لما أخذه من بيت أم هانيء ذهب به إلى المسجد الحرام فأجرى له عملية شق الصدر وغسله بماء زمزم، ثم حشو صدره بالإيمان والحكمة أعدادا له للرحلة إلى الملكوت الأعلى.
والمسجد الحرام هو المكان الذي كان حول الكعبة الشريفة كالمطاف اليوم. إذ لم يكن المسجد الحرام مبنيا كما هو عليه اليوم. وسمي بالمسجد لسجود المصلين به..ووصف بالحرام لأنه بالحرم، وكل ما كان داخل الحرم وصف بلفظ الحرام كقولهم المشعر الحرام، والبيت الحرام، والبلد الحرام.
وهو أقدم المساجد على الإطلاق ودونه المسجد الأقصى، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة وما حرمت مكة ولا شرفت إلا به، فهو كالبدر ومكة كالهالة له، والبدر أشرف من هالته.
стр. 9198
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ : إلى غائية، إذ انتهاء الإسراء كان إلى المسجد الأقصى، ومن ثم ابتدئ المعراج إلى الملكوت الأعلى.
والمسجد الأقصى هو مسجد بيت المقدس ووصف بلفظ الأقصى بمعنى الأبعد لبعده عن المسجد الحرام. واسم التفضيل (الأقصى) مشعر بوجود مفضل عنه وهو القصى. فما هو المسجد القصى بمعنى البعيد..إنه المسجد النبوي الشريف غير أنه عند حدوث هذا الحادث الجلل ونزول هذه الآية الكريمة لم يكن موجودا إذ لم يبن إلا أيام هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة، غير أنه في علم الله تعالى حاصل وموجود فلذا أومأ إليه بلفظ الأقصى إشارة إلى وجود مسجد قصي دونه. ومن هنا ذكرت المساجد المفضلة الثلاثة في هذه الآية المكية، الأول والأخير بالنص، والثاني الوسط بالإيماء والإشارة، وفي الحديث الصحيح:"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد..المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى".
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ : المباركة في الشيء إكثار الخير فيه وإدامته له.. وفاعل هذا هو الله ﵎، وحول الشيء ما أحاط به من الأماكن القريبة منه والبعيدة.. والمراد به هنا أرض فلسطين والشام إذ بارك الله تعالى في تلك البلاد دينا ودنيا، إذ هي مجتمع الأنبياء، ومحشر الناس- وأرض الزروع والثمار والأنهار زادها الله بركة وطهرها من عداة أوليائه وكفرة نعمه.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ : اللام لام التعليل: إذ علة الإسراء وغايته أن يطلع الله رسوله على الملكوت الأعلى وما فيه من عجائب الخلق، ومظاهر العلم والقدرة الإلهية.
و (من) تبعضية إذ الذي رآه رسول الله ﷺ من آيات الله بعض ما له تعالى من الآيات فقط، وليس كل الآيات، وهذا معلوم بالضرورة.
стр. 9199
والآيات: جمع آية، وهي العلامة الدالة على وجود الشيء أوعدمه، وهي هنا مظاهر العلم والقدرة الإلهية المتجلية في خلق الله العظيم وصنعه البديع الحكيم من السموات والملائكة والأنبياء، والجنة والنار وما في الأولى من النعيم المقيم، والثانية من العذاب الجحيم، إذ كل ذلك رآه رسول الله ﷺ في هذه الرحلة التاريخية الفذة التي لم يسبق لها نظير. والتي من حكمها: أن الله ﵎ قد أطلع رسوله محمد ﷺ في هذه الرحلة إلى الملكوت الأعلى على كل غيب كان أخبره به وحيا في القرآن الكريم، فارتقى به من علم اليقين إلى عين اليقين: إذ ما كان غيبا له آمن به ودعا إلى الإيمان به أصبح شهادة له حيث رآه وأبصره وأحس به وباشره بجسمه. فرأى آدم أبا البشر ورأى إخوانه الأنبياء وجرى له معهم أحاديث، وتمت له معهم مقابلات عامة وخاصة، ورأى الجنة حيث بلغ إلى سدرة المنتهى والتي عندها جنة المأوى، ورأى الملائكة وشاهد نعيم الجنان من حور وقصور وعيون، وفوق ذلك كله وأعظمه وأجله مناجاة الله له وكلامه إياه وإدناؤه منه وتقريبه إليه..الله أكبر!..ماذا وهب الله رسول الله!!
وصدق الله العظيم إذ يقول.. ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ .
стр. 9200
وقوله تعالى في هذه الآيات: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ إلى آخرها كله في المعراج المحمدي ومن هنا كان هذه اللفظة تقريرا لمعجزة المعراج، والتي أشير إليها في آية سبحان إشارة فقط بكلمة لنريه من آياتنا: إذ الآية نصا صريحا في الإسراء وليس كذلك في المعراج ولكن ما في آية سبحان من إشارة قررتها وأوضحتها آيات النجم، إذ فيها أنه ﷺ رأى جبريل مرتين مرة بأجياد من مكة والثانية كانت بالملكوت الأعلى عند سدرة المنتهى في جنة المأوى، حيث أراه ربه تعالى من آياته الكبرى ما شرف به على أهل الأرض والسماء، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم..
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ :في هذه الجملة التفات من التكلم إلى الغيبة..ونكتته البلاغية تربية المهابة في النفس السامع.
ومعنى هذه الجملة: إثبات صفتي السمع والبصر لله تعالى. وهما صفتان ذاتيتان أزليتان. بهما يسمع كل صوت، ويبصر كل ذات وصفة الحصر الناجمة عن ضمير الفصل، وتعريف المسند بالألف واللام دالة على أن صفات الخالق الذاتية أو الفعلية صفات تخصه لا يشاركه فيها غيره، ولا يشبهه فيها أحد. وبيان ذلك أن صفات المخلوق كالسمع والبصر والعلم والإرادة والحياة مثلا ليست ذاتية له بل هي موهوبة ككل حياته من خالقه ، فالإنسان حي بالله وبه يرى ويسمع ويبصر، ولولا ما وهبه اللْه من ذلك ما كان شيئا ولا كان له شيء. إذ خلقه من قبل ولم يك شيئا..
وهذا سر حصر هذه الجملة السمع والبصر في الله ونفيها لهما ضمنا عما سواه.. والغرض الذي سيقت له هذه الجملة الكريمة هو تقرير حادثة الإسراء والمعراج، وأنها تمت على سمع وبصر من الله تعالى على حد قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وفي ذلك من تشريف النبي ﷺ والإعلاء من شأنه ما لا يقادر قدره، ولا يدرك مداه.
стр. 9201
والمعنى العام لهذه الآية التي شرحنا كلماتها للقارئ الكريم ليتأتى له استيعاب معناها كاملا وتفهمه له، على وجه ينتفع به:
هو أن الله تعالى أخبر عن تنزيه نفسه من كل ما لا يليق به، ويتنافى مع جلاله وكماله من سائر العيوب والنقائص. معجبا عباده من قدرته العجيبة حيث أسرى بعبده ورسوله محمد ﷺ ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى الملكوت الأعلى، وأراه من آياته الكبرى في ذلك الملكوت الأعلى، وأراه من آياته الكبرى في ذلك الملكوت الأعلى الأمر الذي لم يحصل لغيره ولم يتم لأحد سواه. منوها بفضل المسجدين الشريفين: الحرام والأقصى..
معللا لهذه المعجزة الكبرى والآية العظمى- الإسراء والمعراج- مبينا الغرض منها وهو أن يرى رسوله وحبيبه من عظائم صنعه، وعجائب خلقه، وأن يقف به على تلك الغيوب التي أعلمه بها وحيا، أوحاه إليه، وعرفه عليها بإخباره بها فأصبح الإيمان بها يقينا، واليقين فيها عين اليقين إذ ليس الخبر كالعيان، ولا الإنباء كالمشاهدة.
فقرر تعالى بهذه الآية الكريمة، مبادئ الإيمان وحقائقه وهي تفرده تعالى بالربوبية، والألوهية والكمال. وإثبات نبوة محمد عبد الله ورسوله ﷺ بأعظم دليل وأقوى برهان وتقرير مبدأ المعاد والجزاء في الدار الآخرة بالوقوف برسوله على عالمي الجزاء من دار االسعادة ودار الشقاء.
قال رجل لعبد الله بن مسعود: علمني كلمات جوامع نوافع. فقال: اعبد الله ولا تشرك به شيئا، وزل مع القرآن حيث زال. ومن جاءك بالحق فاقبل منه وإن كان بعيدا بغيضاً، ومن جاءك بالباطل فاردد عليه وإن كان حبيباً قريباً.
(ابن مسعود)
--------------------------------------------------------------------------------
стр. 9202
[١] الشاهد في قوله غير آيهن يريد أن الزمان ومروره غير علامات الدار ولم يبق منها إلا رواكد أي أثافي صار الجمر الذي بينهن غبارا ... ووتد قد بدا أعلاه وأما سائره فقد غاب في الأرض. إذا المشجج المضروب على رأسه فشج لذلك. وسواء فذاله يريد أعلاه. وساره هو سائره والمعزاء الأرض الصلبة ذات الحصى.
стр. 9203
حول الوحي
محاولة لفهم ومدرجة إلى درس
لفضيلة الدكتور/عبد الفتاح إبراهيم سلامة
الأستاذ المساعد بكلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية
أحمد الله العلي العظيم: هو أهل التقوى: وأهل المغفرة..والصلاة وسلاما على إمام المرسلين، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الكرام الصادقين، أما بعد:
فمن مأثور القول: ما قاله إمام دار الهجرة: مالك بن أنس ﵁: "إذا أخطأ العالم "لا أدري" فقد أصيبت مقاتله"..
تذكرت هذه المأثورة الأثيرة إلى نفسي، وأنا أقدم هذه الصحائف للنشر حول موضوع (الوحي) - فالموضوع ذو جلال عظيم، وأنَّى لمثلي أن يتصدى.. وتحسست مقاتلي..واتخذت من التسويف مطية..وتعللت بالغد..
ومضت سنوات وهذا الصحائف حبيسة القمطر، وتذكرت كراما حسنوا لي نشرها، واستيقنت أن التسويف أمينة القاعدين، وأن (الغد) يوم العاجزين.
وإذا كان القصور ضريبة بشرية، فليس لي عن قدري من مفر..ولا يزال المرء على مدرجة الطريق، حتى يبلغ حاجة في صدره.. ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٣٨:الأحزاب..)
وإذا كنت قد تجاوزت قدري، فعذري أن لي انتسابا، وأن الأخذ بالأسباب: ينفع يوم لا تنفع الأنساب، والله من وراء القصد، وهو المستعان، وعليه التكلان..
الوحي في لسان العرب
نجوس معك خلال أمهات كتب اللغة: نستخرج ما في بطونها من دلالات كلمة (الوحي) واستعمالاتها في لغة العرب.
(١) يقول ابن المنظور في لسان العرب [١] : الوحي: الإشارة؛ الكتابة: والرسالة؛ والإلهام؛ والكلام الخفي؛ وكل ما ألقيته إلى غيرك؛ يقال؛ أوحيت؛ ووحي وحيا؛ وأوحى أيضا أي: كتب قال العجاج:
لقدر كان وحاه الواحي
حتى نحاهم جدنا والناحي
(وحاه الواحي: أي كتبه الكاتب)
стр. 9204
والوحي: المكتوب؛ والكتاب أيضا على ذلك جمعوا فقالوا: وحي مثل حَلْي وحُلِّي، قال لبيد: كما ضمن الوحي سلامها (والسلام: الحجارة؛ أراد: كما تضمن الحجارة وتحفظ ما يكتب عليها) .
وفي حديث الحارث الأعور، قال علقمة: قرأت القرآن في سنتين، فقال الحارث: القرآن هين، الوحي أشد منه، أراد بالقرآن: القراءة: وبالوحي: الكتابة والخط، ويقال وحيت الكتاب وحيا فأنا واح (أي كاتب) ..
وأوحى إليه: بعثه، وأوحى إليه: ألهمه، وفي التنزيل العزيز ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْل﴾ ٦٨: النحل، وفيه ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٥: الزلزلة، ومعنى هذا أمرها ووحى لها؛ وفي هذا المعنى قال العجاج:
وشدَها بالراسيات الثبت
وحى لها القرار فاستقرت
(أي أمر الله الأرض بالقرار، وشدها بالجبال الراسيات) وقيل: أراد أوحى، إلا أن من لغة هذا الراجز إسقاط الهمزة مع الحرف؛ ويروى أوحى، ووحى إليه وأوحى: كلمه بكلام يخْفيه من غيره، ووحى إليه وأوحى: أومأ، وفي التنزيل العزيز ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ١١: مريم..، وقال الشاعر:
فأوحت إلينا والأنامل رسلها..
وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ ١١: مريم أي: أشار إليهم، قال: والعرب تقول: أوحى ووحى، وأوعى ووعى، بمعنى واحد، ووحى يحي ووعى يعي..
стр. 9205
وأوحى الله إلى أنبيائه: قال ابن الأعرابي: أوحى: إذ ابعث برسول ثقة إلى عبد.. واستوحيته: إذا استفهمته، والوحي ما يوحيه الله إلى أنبيائه، قال ابن الأنباري في قولهم: "أنا مؤمن بوحي الله".. سمي وحيا لأن الملك أسره عن الخلق، وخص به النبي ﷺ المبعوث إليه.. وقال أبو إسحق: أصل الوحي في اللغة كلها إعلام في خفاء، والوحي (بفتح الحاء ممدودة) النار، والملك، والسيد من الرجال، والوحي والوحي مثل الوغي: الصوت يكون في الناس.. والوحا الوحا، والوحاء الوحاء، البدار البدار، الإسراع الإسراع.. وموت وحي سريع، الإيحاء البكاء يوحى أباه: يبكيه، والنائحة توحي الميت: تنوح عليه، ومن أمثالهم "من لا يعرف الوحي أحمق"يقال للذي يتواحى دونه بالشيء، أو لتعبير من لا يعرف الوحي، ومن أمثالهم "وحي في حجر"يضرب مثلا لمن يكتم سره، وللشيء الظاهر البين..) اهـ.
هذا ما ذكره ابن منظور [٢] وقد أسهب في القول وأسهبنا في النقل عنه ومع ذلك فلم ننقل كل ما قاله، وأنت تجد رحما جامعة بين استعمالات الكلمة المختلفة رغم تباين الدلالات أحيانا.
(٢) القاموس المحيط:
أما مجد الدين الفيروز آبادي فيوجز ما أطنب فيه صاحب اللسان إذ يقول: [٣] (الوحي: الإشارة؛ والكتابة: والمكتوب؛ والرسالة: والإلهام والكلام الخفي: وكل ما ألقيته إلى غيرك؛ والصوت يكون في الناس وغيرهم: كالوحى، والوحاة والجمع وحي، وأوحى إليه بعثه وألهمه ونفسه وقع فيها خوف.. وأستوحاه: حرَكه ودعاه ليرسله واستفهمه، ووحّاه توحية عجله) اهـ.
(٣) المصباح المنير:
стр. 9206
ويقرب، مما سبق ما ذكره [٤] أحمد المقري الفيومي صاحب المصباح وهو "الوحي: الإشارة والرسالة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي كيف كان، قاله ابن فارس- ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى، ولغة القرآن الفاشية أوحى بلألف.. ووحيت الذبيحة أحيها ذبحتها ذبحا وحيا.. واستوحيت فلانا استصرخته" اهـ.
(٤) مختار الصحاح:
ويقول [٥] محمد بن أبي بكر الرازي صاحب المختار: "الوحي الكتاب وجمعه وُحىً مثل حلى وحلى، وهو أيضا- الإشارة؛ والكتابة؛ والرسالة؛ والإلهام: والكلام.. الخ".
(٥) أساس البلاغة:
والزمخشري وهو المعني بالتفرقة بين الحقيقة والمجاز في استعمالات الألفاظ لم يضف جديدا إلى ما سبق أن ذكرناه حيث يقول [٦] : "وأوحى إليه ووحى بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلفته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه.. الخ".
(٦) مفردات الراغب:
وقال الراغب الأصفهاني [٧] : "أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: "أمرّ وحي "، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد من التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة.. ومن وحي الإيماء بالجوارح قول الشاعر:
فأثر ذاك الوحي في وجناتها
فأوحى إليها الطرف أني أحبها
هذا بعض ما ورد عن استعمالات كلمة الوحي في كتب اللغة.
والذي نخلص إليه أن كل هذه الدلالات المختلفة لكلمة (الوحى) ذات وشائج دانية تنتهي إلى رحم واحدة هو: الإعلام دون تقييد لهذه الكلمة بوصف معين؛ فالإشارة؛ والكتابة؛ والرسالة؛ والإلهام؛ والكلام في سرعة وخفاء.. كلها وسائل إعلام أو هي: إعلام.
كلمة الوحي واستعمالها في القرآن:
وردت كلمة الوحي واشتقاقاتها في تسعة وسبعين موضعا في القرآن الكريم..
стр. 9207
ومن أجمع الآيات الكريمة الواردة حول أنواع الوحي الشرعي قول الله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٥١: الشورى.
وسنعرض لهذه الآية الكريمة بالدرس بعد قليل؛ ولكننا الآن بصدد ما نحن فيه على النحو التالي:
(١) الوحي إلى رسول الله ﷺ :
стр. 9208
تحدثت آيات القرآن الكريم كثيرا عن الوحي إلى رسول الله من ذلك قوله سبحانه ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١٦٢: النساء، وقوله سبحانه ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ٢: يوسف، وقوله سبحانه ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ٢: الرعد، وقوله سبحانه ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا﴾ ١٢٢: النحل، وقوله عز من قائل ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ٧٢: الإسراء، وقوله ﷻ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ ٨٦: الإسراء، وقوله ﷻ ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٢١: فاطر، وقوله عز من قائل ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٧: الشورى، وقوله ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ١٢: الشورى، وقوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٥٢: الشورى.. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة مما سنعرض له بالدرس التفصيلي في مواضعه.
(٢) الوحي إلى النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:
стр. 9209
تحدث القرآن الكريم عن الوحي إلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك لأن قضية الوحي واحدة، ودين الله واحد في أصوله وغاياته، ورسل الله جميعا أخوة، تتابعوا على طريق ذللوا صعابه، ورفعوا منائر الحق على جنباته، ونهض كل منهم بقيادة جند الله في مواجهة فلول الشيطان في مرحلة من مراحل معركة الحق الدائمة، يقول الله سبحانه في بيان هذه الوحدة الجامعة ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ١٦٢- ١٦٣ النساء.
стр. 9210
فهذه الآيات الكريمة تحدثت عن وحدة الوحي، وأن رسول الله ﷺ ليس بدعا في الوحي إليه، ولا فيما أوحي إليه، وذكرت عددا من الرسل الأكرمين من أول نوح باعتباره أبا البشر الثاني بعد أدم، وأول أولى العزم من المرسلين، وأول نبي أوحي إليه برسالة من النبيين، وقد كان آدم ﵇ نبيا مكلما- وبينت الآيات الغاية من الوحي: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١٦٥: النساء.. ويؤكد اعترف الكريم معنى هذه الوحدة الرسالية في قوله سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١٠٩: يوسف، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤٢، ٤٤: النحل، فالله سبحانه يقطع المعذرة وسبيلها على الممترين في أمر الوحي من مشركي قريش وغيرهم، ويسوق لهم الدليل بما سبق من الرسالات، ويأمرهم بسؤال أهل العلم من أهل الكتاب الذين لم يزغ الشيطان قلوبهم، ويتبع الحديث عن إرسال المرسلين- صلوات الله عليهم- بالبينات والزبر بذكر بينة القرآن وإنزال الذكر بيانا للناس كافة، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧: الأنبياء.
следующие страницы →