Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.
стр. 9206
ويقرب، مما سبق ما ذكره [٤] أحمد المقري الفيومي صاحب المصباح وهو "الوحي: الإشارة والرسالة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي كيف كان، قاله ابن فارس- ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى، ولغة القرآن الفاشية أوحى بلألف.. ووحيت الذبيحة أحيها ذبحتها ذبحا وحيا.. واستوحيت فلانا استصرخته" اهـ.
(٤) مختار الصحاح:
ويقول [٥] محمد بن أبي بكر الرازي صاحب المختار: "الوحي الكتاب وجمعه وُحىً مثل حلى وحلى، وهو أيضا- الإشارة؛ والكتابة؛ والرسالة؛ والإلهام: والكلام.. الخ".
(٥) أساس البلاغة:
والزمخشري وهو المعني بالتفرقة بين الحقيقة والمجاز في استعمالات الألفاظ لم يضف جديدا إلى ما سبق أن ذكرناه حيث يقول [٦] : "وأوحى إليه ووحى بمعنى، ووحيت إليه وأوحيت إذا كلفته بما تخفيه عن غيره، وأوحى الله إلى أنبيائه.. الخ".
(٦) مفردات الراغب:
وقال الراغب الأصفهاني [٧] : "أصل الوحي: الإشارة السريعة، ولتضمن السرعة قيل: "أمرّ وحي "، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت مجرد من التركيب وبإشارة ببعض الجوارح وبالكتابة.. ومن وحي الإيماء بالجوارح قول الشاعر:
فأثر ذاك الوحي في وجناتها
فأوحى إليها الطرف أني أحبها
هذا بعض ما ورد عن استعمالات كلمة الوحي في كتب اللغة.
والذي نخلص إليه أن كل هذه الدلالات المختلفة لكلمة (الوحى) ذات وشائج دانية تنتهي إلى رحم واحدة هو: الإعلام دون تقييد لهذه الكلمة بوصف معين؛ فالإشارة؛ والكتابة؛ والرسالة؛ والإلهام؛ والكلام في سرعة وخفاء.. كلها وسائل إعلام أو هي: إعلام.
كلمة الوحي واستعمالها في القرآن:
وردت كلمة الوحي واشتقاقاتها في تسعة وسبعين موضعا في القرآن الكريم..
стр. 9207
ومن أجمع الآيات الكريمة الواردة حول أنواع الوحي الشرعي قول الله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٥١: الشورى.
وسنعرض لهذه الآية الكريمة بالدرس بعد قليل؛ ولكننا الآن بصدد ما نحن فيه على النحو التالي:
(١) الوحي إلى رسول الله ﷺ :
стр. 9208
تحدثت آيات القرآن الكريم كثيرا عن الوحي إلى رسول الله من ذلك قوله سبحانه ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ١٦٢: النساء، وقوله سبحانه ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ ٢: يوسف، وقوله سبحانه ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ٢: الرعد، وقوله سبحانه ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا﴾ ١٢٢: النحل، وقوله عز من قائل ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ ٧٢: الإسراء، وقوله ﷻ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك﴾ ٨٦: الإسراء، وقوله ﷻ ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ٢١: فاطر، وقوله عز من قائل ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٧: الشورى، وقوله ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ١٢: الشورى، وقوله سبحانه ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ ٥٢: الشورى.. إلى غير ذلك من الآيات الكريمة مما سنعرض له بالدرس التفصيلي في مواضعه.
(٢) الوحي إلى النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين:
стр. 9209
تحدث القرآن الكريم عن الوحي إلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وذلك لأن قضية الوحي واحدة، ودين الله واحد في أصوله وغاياته، ورسل الله جميعا أخوة، تتابعوا على طريق ذللوا صعابه، ورفعوا منائر الحق على جنباته، ونهض كل منهم بقيادة جند الله في مواجهة فلول الشيطان في مرحلة من مراحل معركة الحق الدائمة، يقول الله سبحانه في بيان هذه الوحدة الجامعة ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ١٦٢- ١٦٣ النساء.
стр. 9210
فهذه الآيات الكريمة تحدثت عن وحدة الوحي، وأن رسول الله ﷺ ليس بدعا في الوحي إليه، ولا فيما أوحي إليه، وذكرت عددا من الرسل الأكرمين من أول نوح باعتباره أبا البشر الثاني بعد أدم، وأول أولى العزم من المرسلين، وأول نبي أوحي إليه برسالة من النبيين، وقد كان آدم ﵇ نبيا مكلما- وبينت الآيات الغاية من الوحي: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١٦٥: النساء.. ويؤكد اعترف الكريم معنى هذه الوحدة الرسالية في قوله سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١٠٩: يوسف، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤٢، ٤٤: النحل، فالله سبحانه يقطع المعذرة وسبيلها على الممترين في أمر الوحي من مشركي قريش وغيرهم، ويسوق لهم الدليل بما سبق من الرسالات، ويأمرهم بسؤال أهل العلم من أهل الكتاب الذين لم يزغ الشيطان قلوبهم، ويتبع الحديث عن إرسال المرسلين- صلوات الله عليهم- بالبينات والزبر بذكر بينة القرآن وإنزال الذكر بيانا للناس كافة، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٧: الأنبياء.
стр. 9211
وليستقر في أذهان البشر ويرسخ في أعماقهم أن توحيد الله هو ركن الوحي الركين وأساسه المتين، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٦٣، ٦٦: الزمر.
(٣) الوحي الإشاري:
. وتأتى كلمة الوحي بمعنى الإشارة لغة كما تقدم ومثال ذلك ما ورد في قوله سبحانه عن زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ١٠، ١١: مريم، فهو ﵇ خرج من المحراب لا يكلم أحدا وهو سوي من كل آفة تمنعه من الكلام، فأومأ إليهم آمرا إياهم بتسبيح الله وقيل كتب لهم [٨] وذلك كما ورد في قوله تعالى ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ ٤١: آل عمران، وفي تفسير هذه الآية الكريمة يقول البيضاوي [٩] : "أي لا تقدر على تكليم الناس ثلاثا، وإنما حبس لسانه عن مكالمتهم خاصة ليخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره قضاء لحق النعمة، وكأنه قال آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر، وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال".
(٤) الوحي إلى بعض الأنبياء قبل النبوة:
وذلك لأن الله ﵎ يعد أنبياءه لرسالته، فيحفظ لهم فطرتهم حتى يحين الوقت الذي يفيض فيه أنوار وحيه على قلوبهم، فهو سبحانه يرعاهم من حيث لا يشعرون أو من حيث يشعرون حتى يتم رسالته ويبلغ الكتاب أجله.
стр. 9212
من ذلك ما كان من لطفه سبحانه بيوسف وقد اجتمعت عليه صبيا المحن، وتظاهرت عليه الخطوب فهو ممتحن بأخوة تسعرت نيران الأحقاد في قلوبهم وطغت على جوارحهم فكادوا له كيدا لئيما وكان أمرهم معه كما قال القائل:
على النفس من وقع الحسام المهند
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
ووضعته المؤامرة في غياهب الجب، أبدلته من حنان الأخوة وزلفى المودة، غدر الأولياء، وإنفصام الإخاء، وتركوه بين مخافات مهلكة، وفزع بئيس، وهنا يهبط الفيض وتتنزل السكينة: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١٥: يوسف، فلقد كان هذا الوحي قبل نبوته بيقين كما في قوله تعالى بعد ذلك ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢٢: يوسف، ولقد نص غير واحد من المفسرين على أن هذا الوحي كان في طفولته، وكادت أن تتفق عبارة ثلاثة منهم على ذلك وهم: الزمخشرى، وأبو السعود، والبيضاوي، أو قل إن دور الأخيرين دور الناقل قال أبو السعود [١٠] : "وأوحينا إليه عند ذلك تبشيرا له بما يؤول إليه أمره، وإزالة لوحشته، وإيناسا له، قيل كان ذلك قبل إدراكه، كما أوحي إلى يحيى وعيسى، وقيل كان إذ ذاك مدركا، قال الحسن ﵁: كان له سبع عشرة سنة [١١] . وذهب البيضاوي [١٢] إلى أن وسيلة الوحي كان جبريل ﵇، ونحن لا نقطع كيف كان الوحي إليه في هذه الضائقة، ونقف عند نص القرآن الكريم، وكذلك عيسى ﵇ أوحي إليه وكلم الناس في المهد صبيا، وكان ذلك قبل أن يؤمر بالنهوض بأعباء الرسالة تكليفا وتشريفا- كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٤٦: آل عمران، وقوله سبحانه: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ
стр. 9213
فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ ٢٩: ٢٢ مريم.
وكذلك بالنسبة ليحيى ﵇ فقد ورد في قوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ ١٢: مريم. أي خذ التوراة بجد ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ قال الزمخشري [١٣] : الحكم الحكمة.. وهو الفهم للتوراة، وقيل النبوة لأن الله أحكم عقله في صباه وأوحى إليه"، وقال البيضاوي [١٤] وقيل النبوة: أحكم الله عقله في صباه واستنبأه"واختار جلال الدين المحلي [١٥] تفسير "الحكم والنبوة"وقال صبيا: ابن ثلاث سنين وقول الجلال هذا الأخير لا دليل عليه، ولم يشر ابن كثير [١٦] إلى معنى النبوة في تفسير الآية.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون أوحى إليه قبل النبوة صغيرا، وأوحى إليه بالنبوة ذاتها صبيا، والذي نرجحه أن: الحكم غير النبوة لقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ١٨٩:الأنعام، وكذلك في ٧٩:آل عمران، ١٦: الجاثية.
(٥) الوحي إلى أمهات بعض الأنبياء:
стр. 9214
وقد أوحى الله ﵎ إلى أمهات بعض أنبيائه لأمور تتعلق بولادة هؤلاء الأنبياء؛ أو بالحفاظ على حياتهم، وسكنا وربطا على قلوب الأمهات، اقرأ معي قول الله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ ١٦-١٩: مريم، واقرأ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ٤٥:آل عمران.. فهذه آيات كريمة صريحة في الوحي إلى مريم ﵍ وفي رسالة جبريل ﵇ إليها وبشارة الملائكة لها.
أما أم موسى ﵇:
فاقرأ معي قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٧:القصص؛ فهذه الآية الكريمة التي جمعت لأم موسى أمرين: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾ ، و ﴿أَلْقِيهِ﴾ ونهيين: وَ ﴿لا تَخَافِي﴾ ، و ﴿لا تَحْزَنِي﴾ وخبرين وبشارتين: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعيد أن يكون هذا كله بغير وحي قولي، وإن مال لهذا البعيد بعض المفسرين يقول ابن كثير [١٧] "فلما ضاقت به ذرعا ألهمت في سرها؛ وألقي في خلدها؛ ونفث في روعها.." ويقول أبو مسعود [١٨] عند قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ : بإلهام أو رؤيا" ...
стр. 9215
أما الزمخشري [١٩] فيقول: "وأومنت بالوحي إليها، ووعدت ما يسليها ويملأها غبطة وسرورا..فلما ألح فرعون في طلب الولدان أوحى الله إليها فألقته في أليم.. "وعبارة البيضاوي [٢٠] هي نفس عبارة أبي السعود وتقرب منها عبارة الجلال المحلي [٢١] حيث يقول: "وحي إلهام أو منام".
أما القرطبي [٢٢] فيفصل الأقوال في المسألة حيث يقول: "واختلف في هذا الوحي إلى أم موسى فقالت فرقه: كان قولا في منامها، وقال قتادة: كان إلهاما، وقالت فرقة: كان الملك يمثل لها. قال مقاتل: أتاها جبريل بذلك، فعلى هذا هو وحي إعلام لا إلهام، وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية "واحتج القرطبي بروايات صحيحة عن تكليم الملائكة لبعض الناس من غير نبوة..
ونقل أبن منظور في لسان العرب [٢٣] من الأقوال ما هو جدير بأن يذكر "قال الأزهري: "وقول الله ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ .. الوحي ها هنا إلقاء الله في قلبها، قال: وما بعد هذا يدل والله أعلم على أنه وحي من الله على جهة الإعلام للضمان لها ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقيل إن معنى الوحي ها هنا الإلهام، وجائز أن يلقي الله في قلبها أنه مردود إليها وأنه يكون مرسلا ولكن الإعلام أبين في معنى الوحي ها هنا"ويرجح أنه وحي أعلام قوله سبحانه: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ ..٣٨ ٣٩: طه.
والذي نميل إليه ونرجحه ويعين سياق الآية ومنطوقها عليه: أن الوحي إلى أم موسى كان وحي إعلام، لا وحي إلهام.
стр. 9216
وإنه في الجلي المسفر أن الوحي إلى السيدة مريم ﵍، وإلى أم موسى ﵇، لم يكن إلا من جميل عناية الله وعظيم روايته بولديهما الكريمين، ثم بهما بالتبعية وليس العكس صحيحا. وقد سكت القرآن الكريم عن ذكر اسم السيدة الفاضلة أم موسى [٢٤] ﵇، وهذا من مناهج القرآن الموضوعية.
(٦) الوحي إلى الملائكة:
أما وحي الله إلى الملأ الأعلى من الملائكة فأمر بين بديهي، فأمين وحي السماء إلى الأرض هو جبريل ﵇، قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ أي فأوحى الله سبحانه إلى عبده جبريل ﵇ ما أوحاه جبريل إلى محمد ﷺ [٢٥] .
ويقول ربنا سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ ٢: النحل، فالآية الكريمة تذكر أن الله سبحانه ينزل الملائكة بالروح وهي الوحي، أو بعبارة الزمخشري [٢٦] : "بما يحيى القلوب الميتة بالجهل من وحيه".. وقال الجلال السيوطي [٢٧] : "الملائكة أي جبريل والروح أي الوحي".
ويقول سبحانه عن القرآن الكريم ووحيه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١٠٢: النحل.
ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١٩٢- ١٩٥: الشعراء، وجبريل لا ينزل بالوحي إلا إذا كان موحى إليه به من عند الله سبحانه بداهة وقطعا.
стр. 9217
ويقول سبحانه عن وحيه إلى الملائكة في بدر: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١٢: الأنفال.
(٧) معنى الوحي إلى الحواريين:
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ١١١: المائدة. فليس الوحي وحيا مباشرا إلى الحواريين وإنما هو وحي إليهم عن طريق رسولهم عيسى ﵇، والمعنى أمرتهم فيما أوحيت إلى عبدي عيسى ﵇ أن يؤمنوا ويصدقوا بأن عيسى رسول من عندي، وفي عبارة الزمخشري: "أمرتهم على ألسنة الرسل " [٢٨] وقد نقلها عن الزمخشري المتابعون له.
إلا أن ابن كثير [٢٩] المفسر السلفي يذكر غير ما رجحناه ثم يذكر ما رجحناه قال: "قيل إن المراد بهذا الوحي وحي إلهام كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ وهو وحي إلهام بلا خلاف [٣٠] إلى أن قال: وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا.."وقال السدي [٣١] : قذف في قلوبهم ذلك ويحتمل أن يكون المراد وإذ أوحيت إليهم بواسطتك فدعوتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله، فاستجابوا لك وانقادوا، وتابعوك فقالوا ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ ١١١: المائدة.
وهذا الذي ذكره ابن كثير مؤخرا وجعله احتمالا هو ما رجحناه.. والله اعلم..
(٨) الوحي الإلهامي التسخيري إلى الكائنات الحية:
стр. 9218
يقول ربنا سبحانه: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ ٦٨، ٦٩: النحل، فوحي الله سبحانه للنحل هو ما أودعه في فطرة النحل من غرائز ومواهب وملكات سواها وأبدعها الذي أبدع كل شيء، وهو كذلك تسخير النحل لهذا النشاط النافع والسعي الدائب والنظام الرائع، ليكون من ذلك إنعام على الناس ومنافع للناس، وآية من آيات الله للناس، يقول ابن كثير [٣٢] في تفسير الآية الكريمة: "المراد بالوحي هنا: الإلهام والهداية، والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوى إليها ومن الشجرط ويقول الزمخشري [٣٣] : "الإيحاء إلى النحل إلهامها والقذف في قلوبها وتعليمها على وجه هو أعلم به لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه وإلا فنيقتها [٣٤] في صنعها ولطفها في تدبير أمرها، وإصابتها فيما يصلحها: دلائل بينة شاهدة على أن الله أودعها علما بذلك، وفطنها كما أولى أولي العقول عقولهم ".
وإذا كان النص القرآني الكريم ورد بالوحي إلى النحل فليس ذلك فيما نرى قاصرا على النحل بل إن الله ﵎ قد ألهم كل مخلوقاته ما تستقيم به حيواتها، أو يتم للإنسان به تسخيرها وبسط هذه الفكرة يحتاج إلى كتاب قائم برأسه في علوم الأحياء والكائنات، كما قيل:
تدل على أنه الواحد
وفي كل شيء له آية
(٩) الوحي التسخيري للجمادات:
стр. 9219
وهذا نوع آخر في الاستعمال القرآني لكلمة الوحي جاء به القرآن يقول العزيز الحكيم: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ ١١، ١٢: فصلت، يقول البيضاوي [٣٥] عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ : شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختيارا أو طبعا، وقيل: أوحى إلى أهلها بأوامره ونواهيه "اهـ. والذي نميل إليه هو الأول وهو أن الله سبحانه سخر السماوات بنظام قدره وأبدعها على النحو الذي أراده، وللغاية التي يريدها ويعلمها أي أمر لكل سماء بما قدره فكان كما أراده وقدره من أجرام وكواكب، وبما فيهن من خلق كريم كالملائكة، وما الله به أعلم.
ويقول سبحانه عن حالة الأرض يوم البعث: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ ٤، ٥: الزلزلة، فالمتبادر من المعنى أنها تحدث أخبارها لأن الله ﴿أَوْحَى لَهَا﴾ أي أمرها وأذن لها بأن تحدث، ويفصل الزمخشري [٣٦] القول فيقول: "معناه تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث، ويجوز أن يكون المعنى يومئذ تحدث بتحديث أن ربك أوحى بها، على أن تحديثها: "بأن ربك أوحى لها لا تحديث بأخبارها، ويجوز بأن يكون ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ بدلا من أخبارها وكأنه قيل: تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها لأنك تقول حدثته كذا بكذا، أوحى لها: بمعنى إليها: وهو مجاز كقوله سبحانه: ﴿أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٨٢: يس، وقوله: مجاز قضية لسنا بمجال الخوض [٣٧] فيها الآن، وللزمخشري وجهته، ولكل وجهته..بيد أن الحمل على الحقيقة هنا هو الذي تجدد دلائله ناصعة.
(١٠) وحي الشيطان إلى أوليائهم:
стр. 9220
ويقول ربنا جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ١١٢: الأنعام، وغنى عن القول أن وحي الشياطين هذا إلى أوليائهم ليصل إلا وسوسة شياطين الجن لبعض ولشياطين الإنس، فكل يمنى الآخر ويخدع نفسه وغيره، ويعولون جميعا على باطل منهار، وهذه الوسوسة المخادعة المخاتلة، وهذا الوحي الشيطاني لا صلة لهما بوحي الله إلا صلة الظلام الحالك بالنور الأسنى.. ويزداد هذا المعنى إيضاحا بتدبر قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ ١٢١: الأنعام، وهذا الوحي الشيطاني وسيلة إلى (الاستكثار) و (الاستمتاع) المشار إليهما في قوله عز من قائل ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ١٢٨، ١٢٩: الأنعام.
ثم أن حقيقة هذا الوحي هي الشقاء التعيس كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ ٨٢، ٨٤: مريم، وقانا الله سبيلهم، وألزمنا كلمة التقوى، وجعلنا أحق بها وأهلها.
الوحي في الاصطلاح الشرعي
стр. 9221
المعنى الاصطلاحي: قد يكون تخصيصا للمعنى اللغوي: أو قصرا له على واحد من أفراده أو نقلا له إلى معنى جديد تربطه بالمعنى اللغوي رابطة معينة، وقد لا توجد هذه الرابطة أو تكون واهية.
وخير تعريف للوحي الشرعي هو أنه: " إعلام الله تعالى لأنبيائه - صلوات الله وسلامه عليهم - بما يريد بلاغه لحكم من شرع أو كتاب بالكيفية التي يريدها سبحانه" [٣٨] .
اعتراض الشيخ محمد عبده على هذا التعريف:
وقد اعترض الشيخ عبده في رسالة التوحيد على هذا التعريف فقال [٣٩] .. وقد عرفوه شرعا "بأنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكم شرعي ونحوه" أما نحن فنعرفه على رأينا "أنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله بواسطة أو بغير واسطة، والأول يكون بصوت يتمثل لسمعه [٤٠] أو بغير صوت، ويفرق بينه وبين الإلهام، بأن الإلهام تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور"اهـ.
الموافقون للشيخ محمد عبده:
وقد تابعه الشيخ رشيد ونقل هذا الرأي دون تعقيب عليه في كتابه "الوحي المحمدي) [٤١] وتناقل هذا التعريف نقلا عن (الوحي المحمدي) علماء آخرون معاصرون فذكروه في مؤلفاتهم [٤٢] .
المعارضون لهذا التعريف:
стр. 9222
ولقد نقل الأستاذ مالك بن نبي المفكر الجزائري في كتابه (الظاهرة القرآنية) هذا العريف للوحي عن كتاب (الوحي المحمدي) وتعقبه بقوله [٤٣] : "..ولقد بقي هذا التعريف الذي أسهب الأستاذ الإمام في تحديده بعض الغموض فيما يتصل بتفسير اليقين عند النبي: والواقع أننا في الحالة التي لا يكون الوحي فيها منتقلا بطريقة محسة- مسموعة أو مرئية- سنقع في تعريف الوحي تعريفا ذاتيا مسموعة، إذ أن النبي في التحليل الأخير لا يدري بصفة موضوعية كيف جاءته المعرفة وهو يجدها في نفسه مع تيقنه بأنها من عند الله، إن في ذلك تناقضا واضحا يخلع على ظاهرة الوحي كل خصائص المكاشفة [٤٤] ولكن هذه (أي المكاشفة) كما يجب أن نكرر- لا تنتج يقينا مؤسسا على إدراك، ذلك الذي يبدو أنه اليقين المقصود في الآيات التي ورد فيها ذكر الوحي، والتي تتصل بخاصة بإعداد (محمد) ﷺ الشخصي لفهم طبيعة الظاهرة القرآنية" ١ هـ.
وكذلك فعل صاحب [٤٥] "مباحث في علوم القرآن "حين قال: لذلك لا نتفق مع الإمام محمد عنده حين جعل الإلهام وجدانا تستيقنه النفس) .
موقفنا من الفريقين:
ونحن نؤثر التعريف الذي ذكرناه في مقدمة هذا الفصل ونأخذ على تعريف الشيخ محمد عبده ما أخذه عليه غيرنا ونضيف بأن الشيخ:
١- ساق تعريفا غير موضوعي باسم الموضوعية.
٢- ساق تعريفا لا تشهد له نصوص القرآن والسنة ولا وقائع الوحي.
٣- فرق كبير بين "إعلام الله لنبي من أنبيائه "وبين أن يكون الوحي.. عرفانا يجده الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله، ففي هذا التعريف الأخير إيهام وغموض وفقدان للاتساق بين أوله وآخره.
٤- استعمال كلمة (الشخص) في غير موضعها، لأن النبي ليس كأي شخص.
٥- وصفه الإلهام بأنه وجدان تستيقنه النفس، ولا يقين في الإلهام وقد يلتبس على الإنسان الإلهام بوساوس الشياطين.
стр. 9223
٦- شبه وجدان الإلهام بغرائز الجوع والعطش والحزن والسرور، وشتان بين الإلهام والغرائز.
إطلاقات الوحي الشرعي:
ويطلق الوحي في الشرع ويراد به المعنى المصدري، والمعنى الحاصل بالمصدر، أي على المصدر، وعلى متعلقه: وهو ما وقع به الوحي أي أسم المفعول [٤٦] ، وبعبارة أخرى فإن اللفظ يطلق على: عملية نزول الوحي، وعلى الموحى به، فتطلق كلمة الوحي ويراد بها: جبريل، وما ينزل به جبريل.. والقرآن وحي: موحى به، والسنة وحي كذلك: وهناك الفروق بين الوحيين.
أنواع الوحي
يقول الله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ٥١: الشورى.
ذكر المفسرون عند تفسير هذه الآية [٤٧] سبب نزولها وهو أن اليهود قالوا لرسول الله ﷺ ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا، كما كلمه موسى ونظر إليه؛ فإنا لن نؤمن لك حتى تفعل ذلك. فقال النبي ﷺ : "إن موسى ﵇ لم ينظر إلى الله فنزلت في ذلك الآية..".
والمعنى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ : ما ينبغي لبشر، وما صح لإنسان..
﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّه﴾ : بحالة من الأحوال، ووجه من الوجوه.. ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ : إلا أن يكون الكلام وحيا، بأن ينفث في قلبه، ويلقى في روعه.. وقيل ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ رؤيا يراها في منامه وهو بعيد. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ : أو يكلمه من وراء حجاب كما كلم الله موسى ﵇ وحين سأل الله الرؤيا بعد التكليم لم يؤت سؤله ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ : أو يكلمه بإرسال رسول إليه من الملائكة وهو جبريل ﵇ ﴿فَيُوحِيَ﴾ : الملك بإذن الله ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الله إبلاغه لرسوله من البشر.
стр. 9224
وقيل [٤٨] ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ بإرسال جبريل، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كما كلم موسى ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ من البشر إلى الناس كافة، وقيل [٤٩] : قوله تعالى: ﴿وَحْياً﴾ ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ مصدران واقعان موقع الحال، وقوله تعالى ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ظرف واقع موقعهما، والتقدير: وما صح أن يكلم الله أحدا إلا: موحيا أو مسمعا من وراء حجاب أو مرسلا رسولا.. وقرئ [٥٠] ﴿أو يرسلُ رسولا فيوحِي﴾ برفع الفعلين على الاستئناف قرأ بذلك الزهري، وشيبة: ونافع، أي وهو يرسل على إضمار المبتدأ، وقرأ الباقون بالنصب ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ [٥١] متعال عن صفات المخلوقين لا يتأتى الكلام بينه سبحانه وبينهم إلا بواحد من الوجوه المذكورة.
﴿حَكِيمٌ﴾ يجري أفعاله على سنن الحكمة فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بدونها..
تفصيل أنواع الوحي
كل حالة من هذه الحالات الثلاث السابقة تتشعب إلى حالات هي فروع من أصولها، على النحو التالي:
أولا: حالة الوحي القلبي:
وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً﴾ ٥١: الشورى تكون هذه الحالة على صورتين هما:
الأولى: النفث في الروع:
والروع [٥٢] وضم الراء هو القلب، ومعنى النفث في الروع: إلقاء المعنى المراد في القلب، كما قال رسول الله ﷺ [٥٣] : "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم ".
وهذا الإلقاء في القلب يكون من الله أو من جبريل ﵇ إلى الرسول ﷺ مع اليقين القاطع بأن هذا من لدن الله سبحانه.
الثانية: الرؤيا الصادقة:
стр. 9225
عن السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحة في النوم" وفي رواية مسلم "الصادقة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء" [٥٤] .
وقال رسول الله ﷺ [٥٥] : "الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة".
وذهب بعض العلماء في تعليل هذه النسبة [٥٦] مذهبا يحسن ذكره وهو: أن فترة الرؤيا الصادقة التي بدئ بها رسول الله ﷺ كانت ستة أشهر، كان الوحي فيها بالرؤية الصالحة، وأن مدة المرحلتين المكية والمدنية هي ثلاثة وعشرون عاما، فتكون نسبة الأشهر الستة إليها أو منها هي نسبة جزء من ستة وأربعين جزءا. وبعد هذه الفترة الأولى من الوحي أوحي إلى الرسول بمجيء الملك جبريل ﵇. وبالرؤى الصادقة [٥٧] أيضا وذكر هذه الرؤى يضيق عنه هذا المجال، ولكنا نكتفي بذكر رؤيا صادقة مبشرة من رؤاه صلوات الله عليه وسلامه وهي رؤيا دخول المسجد الحرام التي ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ ٢٧: الفتح.
стр. 9226
وكذلك رؤيا إبراهيم ﵇ بذبح [٥٨] ولده إسماعيل ﵇، هي من وحي الله سبحانه إليه، وقد ذكرها القرآن الكريم في قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ٩٩- ١٠٥: الصافات.
فهذه الرؤى الصادقة جميعا التي وقعت للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، هي شعبة من شعب وحي.
ثانياَ: الوحي التكليمي:
وهو المذكور في قوله سبحانه: ﴿ًأَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ والكلام يفترض أن يكون على صورتين:
الأولى: الكلام كفاحا: أي جهرة من غير حجاب
وهو لم يقع لأحد في هذه الدنيا على الراجح، ولقد سأله موسى ﵇ ولم يجب إليه قال تعالى ذاكرا لنا ذاك في محكم كتابه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١٤٣،١٤٤: الأعراف.
стр. 9227
وقد ذهب فريق من السلف والخلف مستدلين بفهم في نص إلى أن رسول الله ﷺ رأى ربه ليلة المعراج، وعلى هذا يكون كلام الله لنبيه قد تم جهرة: وفي الرؤية وكيفيتها ووقوعها [٥٩] خلاف لسنا بصدد الخوض فيه. لأنه خارج نطاق هذا البحث، ويقول ابن قيم الجوزية [٦٠] : "وهى مسألة خلاف بين السلف والخلف. وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة ﵂ كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعا للصحابة"نقول ما كان لابن القيم وهو العالم المحقق أن يتابع الدارمي على هذه الدعوى بل هي كما ذكر: مسألة خلافية ندور فيها مع الدليل أينما دار.
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال لجابر بن عبد الله ﵄: "ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب وأنه كلم أباك كفاحا" وكان أبوه قد قتل يوم أحد، ولا صلة لهذا الحديث بمباحث الوحي. لأنه كما يقول ابن كثير [٦١] : "في عالم البرزخ والآية ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ .. إنما هي في الدار الدنيا ".
والتحقيق كما ذكرنا أن الكلام كفاحا لم يرد به نص قاطع يقول بوقوعه لأحد في الدنيا.
(٢) الكلام من وِراء حجاب:
وقد كلم الله موسى ﵇، كما قال سبحانه: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١٤٤:الأعراف، وكما قال سبحانه: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ ١٦٤:النساء، وورد النص أكثر عموما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَات﴾ ٢٥٣: البقرة.
стр. 9228
وقد كلم الله سبحانه رسوله ليلة الإسراء، وفرض عليه وعلى أمته الصلاة وهذا متفق على صحته [٦٢] ، بل هو مما لا يعذر أحد بجهله، ونجتزئ هنا بالعبارة الأخيرة من الحديث الذي رواه مالك بن صعصعة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه من أحاديث الإسراء وهي [٦٣] : "فنودي أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأجزي عن الحسنة عشرا".
ثالثا: إرسال الملك:
وهو المذكور في قوله سبحانه ﴿.. أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ ٥١: الشورى ويكون على ثلاث صور:
مجيء الملك في صورة بشرية:
كما كان جبريل ﵇ يأتي إلى رسول الله ﷺ في صورة رجل من العرب هو (دحية الكلبي) فيعلم الرسول ﷺ يقينا أنه جبريل، ويراه الصحابة الحاضرون مجلس الرسول ويسمعون قوله ولا يعرفون حقيقته، كما في حديث سؤال جبريل ﵇ للنبي عن الإيمان والإسلام والإحسان وعن الساعة [٦٤] وقد وصف عمر ﵁ هيئة جبريل التي جاء إلى الرسول عليها فقال [٦٥] : "بينما نحن عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه.. وفي آخر الحديث قال رسول الله ﷺ لعمر: "أتدري من السائل؟ " قال: الله ورسوله أعلم.. قال: "فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
стр. 9229
وقد وصف رسول الله ﷺ هذه الحالة الإنسية للملك حين سأله الحارث بن هشام ﵁: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله، فقال: [٦٦] "وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" وقد ذكر لنا القرآن الكريم في قصص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أن الملائكة كانت تتمثل لهم في صور البشر: فإبراهيم ﵇ يظن أن ضيفه من الملائكة بشر، ويقدم لهم طعاما، ويتوجس منهم خوفا حين لم يقربوا الطعام، كما قال سبحانه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ ٢٤- ٢٨: الذاريات.
ولوط ﵇ لا يعرف الملائكة المرسلين إليه، لأنهم على صورة بشر لا يعرفهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ٧٧: هود.. وفي ختام هذا المشهد يقول القرآن الكريم على لسان الملائكة يعرفون لوطا برسالتهم وما وكل إليهم في شأنه ومن يكونون: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ٨١: هود
وأما السيدة مريم ﵍ فيقول سبحانه في شأن إرسال جبريل إليها ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا﴾ ١٧: مريم. وقوله سبحانه: (بشرا سويا) هو أقطع دليل بعد ما تقدم على ما ندلل عليه: ونستشهد له.
(٢) مجيء الملك على صورته الملائكية الحقيقية:
стр. 9230
وفي هذه الحالة يأتي الملك وهو جبريل ﵇ على صورته الأصلية، وهيئته الحقيقية الملائكية التي يراد الله عليها، ولم يأت جبريل ﵇ رسول الله ﷺ على هذه الحالة إلا مرتين هما المشار إليهما- على الأرجح [٦٧] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ ١٣- ١٥النجم، وقالت فيها السيدة [٦٨] عائشة ﵂: "ولكنه رأى (أي رسول الله ﷺ جبريل ﵇ في صورته مرتين "وكانت المرة الأولى في بداية الوحي بعد حراء وقد حدث عنها رسول الله ﷺ بقوله: [٦٩] : "بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه" وفي رواية مسلم "فجئت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض".
стр. 9231
وفي رواية أخرى لمسلم: "فأخذتني رجفة شديدة" قال علماء اللغة: "جئث الرجل إذا اشتد فزعه فهو مجؤوث ومجئوث أي مذعور"ثم قال ﷺ : "فرجعت إلى خديجة فقلت: زملوني "فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ - فقوله ﷺ : "فرعبت منه"يفيد أنه رآه على صورته الحقيقية، وهي صورة لفرط عظمتها تبعث على الروع. وكانت الرؤية الثانية ليلة الإسراء، ويروي عنها عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ : "رأى جبريل له ستمائة جناح" [٧٠] وعن مسروق قال [٧١] : كنت متكئا عند عائشة، فقالت:"يا أبا عائشة: ثلاث: من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن، قالت: من زعم أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متكئا فجلست فقلت يا أم المؤمنين أنظريني، ولا تعجليني، ألم يقل الله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ٢٢: التكوير، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ ٩: النجم، فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من المساء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض.." وفي رواية أخرى للسيدة عائشة ﵂ قالت [٧٢] : "إنما ذاك جبريل ﵇ كان يأتيه في صورة الرجال، وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد أفق السماء".
بقى سؤال عن الكيفية التي جاء بها الملك إلى الرسول ﷺ في حراء فقد يفهم من قوله ﷺ : "فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه" قد يفهم البعض من هذه العبارة أنه جاء بحراء على صورته الملائكية، وإلا فكيف عرفه حين رآه جالسا؟.
стр. 9232
ويجاب على هذا: بأنه لو رآه جالسا على نفس الصورة التي رآه بها في الغار لما اعتراه الرعب حين رآه مرة أخرى فإن معاودة الرؤية على حالة واحدة تورث الألفة. وإنما عرف أنه الملك بملابسات الأحوال وقرائنها المحيطة به ﷺ في هذه الفترة.
(٣) مجيء الملك على حالة غير مرئية تصحبها أمارات دالة:
ومن صفات الملائكة أو من أسمائهم أنهم جنة: وكلمة الجن كلمة دالة على ستر وخفاء [٧٣] قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ ١٥٨: الصافات، فالجنة في الآية الكريمة هم الملائكة، والمعنى أن المشركين جعلوا بين الله سبحانه وبين الملائكة نسبا بزعمهم أن الملائكة بنات اللًه والملائكة تعلم أن هؤلاء المشركين محضرون في العذاب [٧٤] .
ولقد كان جبريل ﵇ يأتي رسول الله ﷺ كثيرا بحالته هذه المستترة فلا يراه أحد وتسمع له صلصلة ولمجيئه دوي، وقد وصف رسول الله [٧٥] ﷺ هذه الحالة حين سأله الحارث بن هشام ﵁: كيف يأتيكَ الوحي؟ فقال ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشد عليا فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال".. وقد وصفت السيدة عائشة هذه الحالة بقولها [٧٦] : "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا".. وسيأتيك مزيد من البيان لهذه الحالة في الفصل الآتي عن كيفية الوحي القرآني.
على أي صورة كان الوحي القرآني
والآن بعد طول التطواف نصل إلى إنسان عين البحث متسائلين: ككيف كان الوحي بالقرآن إلى رسول الله ﷺ ؟
١- (أ) هل كان نفثا في الروع: وإلقاء للمعنى في النفس، وسلكا للفكرة في الفؤاد، كما هو الشأن في الوحي ببعض أقسام السنة [٧٧] ؟
стр. 9233
(ب) أم هل كلان الوحي رؤى صادقة يرى فيها ما يرى فيصدق – حين يعبر منه القول، فيصير واقعا محققا كا ما دار بخلده مناما؟ وهذه وسابقتها هما معا الحالة الأولى [٧٨] من حالات الوحي في أية الشورى كما أسلفنا القول.
٢- أم كان الوحي القرآني كلاما من رب القوى والقدر إلى صفوة خلق الله وخيرة رسل الله ﷺ كفاحا: أو من وراء حجاب؟
وهذه الحالة الثانية من حالات الوحي في آية الشورى.
٣- أم وقع بالحالة الثالثة وهي الحالة الملائكية، وعلى أي صورها وقع؟ .. أبمجيء الملك متمثلا في صورة البشر؟ أم على صورته الملائكية الحقيقية التي رآه بها خاتم النبيين مرتين: نزلة في أوائل الفترة الملكية، وأخرى في أخرياتها ليلة المعراج؟
أن تنزل عليه النور من آيات ربه بوسيلة الملك على صورة هي لجلالها أصبحت من أبهى صور الجلال ولروعتها كان سيد البشر ينسلخ بها عن دنيا البشر؟
стр. 9234
والحقيقة التي تغبط راسيات الجبال ثباتها، وتنسخ آية سناها الشمس وضحاها: أنه ما من آية في القرآن تلقاها الرسول مناما، أو نفث في روعه معناها، وولا حاجة بنا أن نضرب في بيداء تيهاء وأمامنا سوى الصراط عليه الوى، وعلى جنباته المنائر فوق الذرى، يقول ربنا له الكبرياء في السموات والأرض وهو اصدق القائلين: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ٤- ٥ النجم، فمعلم الوحي هو جبريل شديد القوى ﵇، ويقول جل ذكره: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٢٧ التكوير.. فالله سبحانه يصف جبريل فيما نحن بين يديه من آيات بأنه رسول كريم وضلالة إفكهم، ويبين صلوات الله عليه ليس ظنينا ولا متهما فيما يبلغ من أخبار الغيوب، وليس ضنينا على البشر في تبليغها وتعليمها..
ويقول ﵎: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ١٠٢: النحل،.. ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ ١٩٢- ١٩٦: الشعراء.
فكل هذه آيات بينات، وحجج قاطعات. وبراهين واضحات في نسبة شرع البلاغ؛ وعز وأمانة التبليغ إلى الروح الأمين ﵇.
стр. 9235
وإذ قد بلغنا هذه المرحلة من الطريق: وعلمنا أنه لم يكن وحي بالقرآن إلا وكان جبريل واسطة له وأمينا عليه فلننتقل إلى مرحلة أخرى نسائل فيها أنفسنا كيف كان يأتيه جبريل ﵇؟
الكيفيةْ التي جاء عليها الملك:
ولن نتجشم كبير عناء في هذه المرحلة فقد عبد لنا فيها الطريق الحارث بن هشام ﵁ حين سأل [٧٩] رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس؛ وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول"، قالت عائشة رضى الله عنها ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصمه عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا".
فهكذا الحديث الكريم يحدثنا بحالتين للوحي: يأتيه فلا يراه من حوله وإنما يسمعون لمجيئه دريا وصلصلة أو يتمثل له الملك بشرا سويا فيحدثه فيعي عنه كل ما قال.
حالة الرسول ﷺ وقت إشرافات الوحي:
وهى حالة صورتها الإشارة ولم تستطع التعبير عن كنهها وإبراز صورتها للبشر صورة ولا عبارة، فصاصلة حول الوجه الكريم، وليس ثمة أجراس، ولا أجرام نواقيس، ودوى كدوى النحل وسعادة البنحل بتشبيه هو منه ببعيد.. وتأتي العبارات تصف وتعبر فقد رأت الآثار ولكن سنا الأنوار يأخذ بالأبصار، وليس من نفحته الأنوار [٨٠] كمن هو غارق في لجج الأنوار. تقول أقرب الناس إلى من تنزل عليه الوحي: عائشة ﵂ "كان يأتيه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"وتأتي عبارة الحديث الآخر "كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة " [٨١] .
стр. 9236
ويعبر العلماء كل بما أفاء الله عليه عن فهمه لهذه المعاني.. يقول الشيخ [٨٢] عبد الرحمن ابن خلدون: "توجد لهم- أي للأنبياء ﵈ في حال الوحي غيبةَ عن الحاضرين معهم. مع عطيط كأنها غثي أو إغماء رأين العين، وليست منها في شيء [٨٣] وإنما هي في القيقة استغراق في لقاء الملك الروحاني: بإدراكهم المنسب لهم في الخارج عن مدارك البشرية بالملكية.
أما العلامة الدكتور دراز ﵀ فيقول [٨٤] بعد نظرة فيما صح من الآثار: "وكلنا نعرف تلك الظاهرة العجيبة التي كانت تبدو على وجهه الكريم، في كل مرة حين ينزل عليه القرآن، وكان أمرها لا يخفى على أحد مما ينظر إليه فكانوا يرونه قد احمر وجهه فجأة، وأخذته البرحاء حتى يتفصد جبينه عرقا، وثقل جسمه كان كاد يرض فخذه فخذ الجالس إلى جانبه، وحتى لو كان راكبا لبركت به راحلته، وكانوا يسمعون عند وجهه أصواتا مختلفة تشبه دوي النحل.. ثم لا يلبث أن تسرى عنه تلك الشدة، فإذا هو يتلو قرآنا جديدا وذكرا محدثا".. ثم يتحدث عن سر هذه الظاهرة قائلا: "وكذلك فليؤمنوا بأن نور القمر النبوي إنما كان شعاعا منعكسا على ضوء تلك الشمس التي يرون آثارها وإن كانوا لا يرونها. نعم إنهم لم يرونها بأعينهم طالعة في رابعة النهار، ولم يسمعوا صوتها بآذانهم جرسا مفهوما وكلاما يفقهه الناس، ولكنهم كانوا يرون قبسا منها في الجبين، وكانوا يسمعون حسيسها حول الوجه الكريم، وإن في ذلك لهدى للمهتدين".
هذه عبارات بعض العالمين من البشر وهي على وجهدها رنت إلى سماء لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم.
стр. 9237
فلنعد إذا إلى طلب مزيد من علم حول "ظاهرة الوحي"متأدبين بأدب الملائكة مع رب العالمين، قائلين: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٣٢: البقرة، متسائلين: ما سر ما اصطلح العلماء على تسميته "ببرحاء الوحي"؟ ولماذا الدوي والأجراس؟ ولماذا المعاناة والشدة الموصوفة علة لسانه ﷺ ؟! ... السر يكمن في قوله جل ذكره: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ ٥: المزمل، وتأمل مليا: فهو ثقيل في كل موازين الحق والعدل، والخير والبر، والعزة والأمن، ثقيل في موازين العقول الراشدة، والقلوب المستنيرة، ثقيل بأمى معاني الكلمة، ثقيل في غير عنت ولا إكراه.. ثقيل وهو ملء قلوب المؤمنين، وبيان ألسنة الموحدين، ونور عقول المتدبرين، وصدق رب العالمين: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً﴾ ٣١: الرعد، أي لو أن قرآنا كانت له هذه الصفات لكان هذا القرآن لعظمته الخالدة وإعجازه الذي بلغ المنتهى.
شوق الرسول وحرصه على انطباع الوحي في فؤاده:
стр. 9238
فأما الدلائل البينة على هذا الشوق الجارف فهي كثيرة وسنذكر بعضها إن شاء الله في بحث آخر عن "النزول وقضاياه"، ونذكر هنا من محكم الذكر الكريم ما يدل على كريم حرصه ﷺ على أن يصبح قلبه الذكي كأنه صورة من صحائف اللوح المحفوظ، يقول ربنا جل ذكره: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ ١١٤: طه، ويقول سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١٦- ١٩: القيامة، وقد أ، زل الله على فؤاده الكريم سكينة الذكر، وأمنه من مخافة النسيان، فأوحى إليه جل ذكره: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ ٦- ٧: الأعلى.
والذي نخلص إليه من كل ما سبق: أنه من تكريم الله لكتابه بكل صنوف التكريم، وحفظه له بمختلف أنواع الحفظ، أن كان الوحي القرآني بهذه الصورة المشرقة الناصعة فلم يكن شيء من القرآن قط غلا وتلقاه رسول الله ﷺ مشافهة من جبريل ﵇ في حالة كان فؤاده الكريم يتلألأ يقظة ويشرق وعيا، أو قل كاد طبيعته البشرية حالة الوحي أن تأخذ صورة ملائكية، وكيف لا ونفسه الشريفة في الذروة العليا بين خلق الله جميعا.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر ج ٢٠ ص٢٥٧ بعدها الطبعة المصورة لدار التأليف. وما بين الأقواس المعقولة هو من عبارتنا
[٢] انظر لسان العرب جـ ٢٠ ص ٢٥٧-٢٦٠
[٣] انظر القاموس المحيط جـ ٤ ص ٤٠١ ط: الحلبي
[٤] المصباح المنير ص ١٠١٠ط: الأميرية.
[٥] مختار الصحاح ص ٧٣٠ ط الأميرية.
стр. 9239
[٦] أساس البلاغة ص ١٠١٠ ط الشعب.
[٧] انظر المفردات في غريب القرآن الكريم لأبي القاسم الحسين بن محمد الشهير بالأصفهاني ص ٥١٥، ٥١٦: ط الحلبي بالقاهرة، وقد أوعب الراغب وأوجزنا.
[٨] انظر تفسير البيضاوي ص ٣٩٩ وغيره ط: البهية المصرية.
[٩] انظر ص ٦٨.
[١٠] إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم (تفسير أبي السعود) جـ ٣ ص ٥٧ ط: صبيح. الكشاف جـ ٢ ص ١٢٦ ط: الحلبي.
[١١] وهذا التحديد إن صحت نسبته للحسن لا دليا عليه..
[١٢] انظر البيضاوي ص ٢٣٤.
[١٣] الكشاف جـ ٢ ص ٢٧٥.
[١٤] انظر تفسيره ص ٢٩٩. ومعنى استبنأه: جعله نبيا.
[١٥] انظر تفسير الجلالين ص ٢٨١.
[١٦] انظر تفسير ابن كثير جـ ٣ ص ١١٣.
[١٧] انظر تفسير ابن كثير جـ ٣ ٣٨٠.
[١٨] انظر تفسير أبي مسعود جـ ٤ ص ١٤٧.
[١٩] انظر الكشاف جـ ٢ ص ٤٦٦
[٢٠] انظر ص ٣٧٥.
[٢١] انظر الجلالين ص ٣٥٨.
[٢٢] انظر الجامع لأحكام القرآن جـ ١٣ ص ٢٥٠.
[٢٣] انظر لسان العرب جـ ٢٠ ص ٢٥٨ ذلك انظر القرطبي جـ ١٣ ص ٢٥٠
[٢٤] وقيل: إن اسمها هو أيارخا أو أيارخت، وقيل يوخابز أو يوخابيل، وقيل غير ذلك.
[٢٥] قيل بغير هذا في تفسير هذه الآية فمراجعة في مواضعه من كتب التفسير إن شئت.
[٢٦] انظر الكشاف جـ٢ ص ١٩٧.. وقوله "الميتة بالجهل"أي التي أهلكها الجهل في ليل الجاهلية
[٢٧] انظر الجلالين ص ٢٤٣ وانظر كذلك البيضاوي ص ٢٦٢.
[٢٨] انظر الكشاف جـ اص ٤٩٠ والبيضاوي ص ١٣٦ وغيرها.
[٢٩] انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ ٢ ص ١١٤.
[٣٠] بل في كون الوحي إلى أم موسى وحي إلهام خلاف، ذكرنا منذ قليل تفصيله ورجحنا أنه وحي إعلام.
стр. 9240
[٣١] يقول المتحدثون: سلسلة الخزف: هي كلبي عن السدي عن ابن عباس.
[٣٢] انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ ٢ ص ٥٧٥.
[٣٣] انظر الكشاف جـ ٢ ص ٢٠٩.
[٣٤] نيقتها: النيقة: بالكسر الاسم من تنيق في مطعمه وملبسه إذا تجود وبالغ فيه كتنوق، ورجل نيق ككيس وانتاق وانتقى والنيق بالكس: أرفع مودة ضع في الجبل.. وانظر القاموس المحيط جـ ٣ ص ٢٩٧.
[٣٥] انظر أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ص ٤٥٨، وانظر كذلك الكشاف ٣جـ ص ٦٧.
زولها كانت عبارة البيضاوي في هذا الموضع أو في وأسهب فقد قدمناها في النقل وعرضناها للفحص.
[٣٦] انظر الكشاف جـ ٢ ص ٣٥٣.
[٣٧] يقول كاتب هذا البحث: توسع ابن جني فجعل اللغة كلها مجازا أو أكثرها، ووصف ابن القيم وفي الصواعق المرسلة جـ ٢ من ص ٢ـ١٠٦ وما بعدها في المجاز بأنه طاغوت ... ولقد اتخذت فرق وطوائف المجاز مطية لإبطال الحق. والتلبيس بالباطل. وهذا من سوء القصد وضلال الصنيع ومع هذا ففي قضية المجاز مباحث وسيعة لمن حسن قصده. واتسع فهمه. وسلك السبيل القاصدة.
[٣٨] صغنا هذا التعريف بالصياغة التي وجدناها أنسب من غيرها وانظر في هذا (الوحي المحمدي) للشيخ رشيد رضا ص ٣٥ ورسالة التوحيد للشيخ محمد عبده ص ١٤٨ـ١٤٩ ط: الهلال. والظاهرة القرآنية للاستاذ مالك بن نبي ص ١١٩-١٣٠ والمدخل لدراسة القرآن الكريم للشيخ أبي شهبة ص ٧٤.
[٣٩] ص ١٤٨، ١٤٩ من رسالة التوحيد.
[٤٠] وتفسير ذلك كما ورد بهامش رسالة التوحيد "كصلصلة الجرس أو كلام الملك كما في الحديث الثاني من صحيح البخاري"اهـ من نسخة المؤلف.
[٤١] انظر ص ٣٥ من الوحي المحمدي.
[٤٢] انظر مثلا المدخل من لدراسة القرآن الكريم ص ٧٤ للشيخ أبي شهبة: فعند تعريفه للمعنى.
стр. 9241
[٤٣] الحاصل بالمصدر من الوحي الشرعي نقل بعض هذا التعريف.. انظر الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي ترجمة دكتور عبد الصبور شاهين ص ١٢٠.
[٤٤] كذلك فإن كلمة "المكاشفة"هذه اصطلاح لا وجود له ولا لمؤداه في الكتاب والسنة.
[٤٥] انظر"مباحث في علوم القرآن "للدكتور صحبي الصالح ص ٢٦.
[٤٦] انظر "المدخل لدراسة القرآن"ص ٧٤. "والوحي المحمدي"ص ٣٥.
[٤٧] انظر "الجامع لأحكام القرآن "للقرطبي جـ ١٦ ص ٥٣. "تفسير القرآن العظيم "لابن كثير جـ ٤ ص ١٢١،١٢٢ و"الكشاف عن حقائق التنزيل "للزمخشري جـ٣ ص ٨٧،٨٨ و"إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم "لأبي السعود جـ ٥ ص ٣٨،٣٩.
[٤٨] انظر "الجامع لأحكام القرآن "للقرطبي جـ ١٦ ص ٥٣.
[٤٩] تفسير ابن السعود جـ ٥ ص ٣٨ وغيره.
[٥٠] انظر القرطبي وتفسير أبي السعود في تفسيرالآية كما سبق آنفا.
[٥١] قاله أبو السعود في الآية ص ٥ـ٣٨.
[٥٢] قال الرازي في مختار الصحاح ص ٢٨٢ الروع: بالفتح: الفزع، والروعة: الفزعة والروع: بالضم القلب والعقل. يقال وقع في روعي أي في خلدي وبالي.
[٥٣] صحيح ابن حبان. وانظر تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٢١.
[٥٤] البخاري جـ اص ٣ ط: الشعب. مسلم في صحيحه.
[٥٥] البخاري: كباب التعبير: باب الرؤيا صالحة.
[٥٦] نسبة الجزء إلى ستة وأربعين جزءا.
[٥٧] فلا تنافي بين مجيء جبريل ﵇ وبين الرؤى الصادقة.
[٥٨] سقنا هذه الحادثة كدليل على أن رؤى الأنبياء صلوات الله عليهم من الوحي.
[٥٩] التنازع حول تفسير قوله تعالى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ ١١-١٤ النجم وحديث ابن عباس أنه رآه بعينه وهو موقوف وضعيف الإسناد وانظر النووي على مسلم جـ ٣ و"الشفاء"للقاضي عياض، وشرح الطحاوية ص ٢١٣.
[٦٠] زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم جـ اص ٣٤.
стр. 9242
[٦١] تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٢٢.
[٦٢] انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. البخاري ومسلم جـ اص ٣٩،٤٢ وقل أن يخلو كتاب من كتب السنة والتفسير من أحاديث الإسراء.
[٦٣] متفق عليه وأخرجه البخاري كتاب "بدئ الخلق"باب "ذكر الملائكة"وانظر اللؤلؤ جـ اص ٤٢.
[٦٤] انظر "البخاري "جـ اص ١٩. ٢٠ كتاب "الإيمان"وانظر "اللؤلؤ والمرجان"ج ٥ ص ٢.
[٦٥] انظر "صحيح مسلم بشرح النووي جـ اص ١٥٧. ١٦٠ وقد نقلنا من الحديث مواضع الاستشهاد فقط.
[٦٦] انظر "صحيح البخاري"ص ٣ جـ ا.
[٦٧] وقلنا على الأرجح إعراضها عن خلاف كثير لا غناء لنا فيه.
[٦٨] انظر صحيح البخاري جـ ٦ ص ١٧٦.
[٦٩] انظر صحيح البخاري جـ اص ٤ وانظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٢ ص ٢٠٦ـ٢٠٨ نفلنا عن النووي بعد شرحه للحديث.
[٧٠] انظر البخاري جـ ٦ ص ١٧٦. وقد وصفت بعض الروايات هذه الأجنحة بما لا نر أنا في حاجة إليه وانظر ابن كثير جـ٤ ص ٨.
[٧١] صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٣ ص ٨.
[٧٢] نفسه ص ١١٠.
[٧٣] كلمة جن ومشتقاتها كثيرة تدل على هذا المعنى وانظر (معاجم من اللغة) للشيخ محمد رضا في هذه المادة. جن ومشتقاتها كثيرة تدل على هذا المعنى وانظر (معاجم من اللغة) للشيخ محمد رضا في هذه المادة.
[٧٤] انظر في تفسير الآية تفسير أبي السعود جـ ٤ ص٢٧٨ والبيضاوي ص ٤٣٤.
[٧٥] انظر صحيح البخاري جـ اص ٣٠٢.
[٧٦] انظر صحيح البخاري جـ ١ ص ٣٠٢.
[٧٧] كما يعبر عن ذلك قوله ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي" الحديث.
[٧٨] أي أن النفث في الروع والرؤية الصادقة صورتان يفسر بهما قوله تعالى: ﴿إِلا َّ وَحْيا﴾ ١٥: الشورى، وهما معا الحالة الأولى.
стр. 9243
[٧٩] انظر صحيح البخاري جـ اص ٣٠٢ وقد سبق لنا منذ قليل ذكر طرف من هذا الحديث وكررناه هنا لاعتبار آخر.
[٨٠] المقدمة لعبد الرحمن بن خلدون ص ٧٣: التقدم.
[٨١] قوله "كلية "يحتاج إلى احتراز. فلأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين "بشر"وإن كانوا صفوة البشر. وهداة البشر.
[٨٢] انظر النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز ص ٦٣.
[٨٣] سبق ذكر أسانيد بعض هذه الأحاديث وهي في الصحيحين وأبي داود والترمذي.
[٨٤] ص ٦٥ من النبأ العظيم.
стр. 9244
علم الجرح والتعديل
لفضيلة الدكتور/ عبد المنعم السيد نجم.
الأستاذ المشارك ورئيس قسم علوم الحديث بالجامعة الإسلامية.
علم الجرح والتعديل:
من المعلوم لدى المسلمين جميعاً أن السنة المشرفة هي مصدر دينهم بعد كتاب ربهم وهي مناط عزهم ولولاها ما راح مسلم ولا جاء.
وقد تكفلت ببيان القرآن وإبراز محتواه إلى الناس لأن الذي تحدث بها هو الذي جاء بالقرآن من عند الله وهو أدرى به، وعليه فالسنة هي الأصل الثاني للشريعة والقرآن هو الأصل الأول كما تقدم، ومنكر الأصل الثاني منكر للأصل الأول لأنه أمر بالأخذ بالثاني وبإنكاره يكون قد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
ولما كانت السنة بهذه الأهمية أمر النبي ﷺ بحفظها وتبليغها على وجهها كما سمعت ونهى عن الكذب في الأخبار عنه وتوعد فاعله مقعداً في النار ولأن نسبة الخبر إلى النبي ﷺ شرع يعمل به وكذب عليه ليس ككذب على غيره، ومن هنا قام جماعة من الأئمة بحفظها في الصدور وتدوينها في السطور وقطعوا في سبيل ذلك الفيافي والقفار وواصلوا الليل بالنهار واعتبروا ذلك من أوجب الواجبات عليهم، وعلى قاعدة الحفظ والتبليغ مع الأمانة والصدق والبعد عن الكذب المشار إليها حرص العلماء على الوقوف على أحوال الرواة بالبحث عن مواليدهم وأسمائهم وكناهم وألقابهم وبلدانهم ورحلاتهم وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم وغير ذلك من كذب أو غفلة أو علة أو نسيان وما إلى ذلك ووضعوا كل واحد منهم مادام قد تصدى للرواية في سجل يجمع كل هذا حتى يعرف من كان من أهل الشأن من غيره.
стр. 9245
ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل أو علم فحص الرجال أو علم ميزان أو معيار الرواة.. وقام جماعة من الأئمة بهذه المهمة الجليلة التي سنها لهم النبي ﷺ ومشى عليها الصحابة عليهم الرضوان، وعلم الجرح والتعديل علم جليل القدر من أجل العلوم التي نشأت بنشأة حفظ السنة وتدوينها بعيدة عن الخلل والزيف. وهو علم لا نعرف له نظير في تاريخ الأمم الأخرى. واستطاع العلماء بهذا العلم الوقوف على أحوال الرواة وميزوا بين الصحيح وغيره من الأخبار، فجندوا أنفسهم لاختبار من يعاصرونهم من الرواة ولم يكتفوا بذلك بل ويسألونهم عن السابقين ممن لم يعاصروهم ويعلنوا رأيهم فيهم دون تحرج ومأثم إذ كان ذلك ذبا عن دين الله وسنة رسوله ﷺ ؛ وقد قيل لأبي عبد الله البخاري إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ يقولون فيه اغتياب الناس فقال: "لا إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا وقد قال ﷺ : "بئس أخو العشيرة".
تعريف علم الجرح والتعديل:
الجرح: بفتح الجيم مصدر جرح كمنع وهو في اللغة التأثير في الجسم بالسيف ونحوه، وأكثر ما يستعمل بالفتح في المعاني والأعراض باللسان.
وأما الجرح بالضم فهو الاسم وأكثر استعماله بالضم في الأبدان بالحديد ونحوه وهما في اللغة بمعنى واحد يقال فلان جرح فلانا أي سبه وشتمه وجرح الحاكم الشاهد أسقط عدالته وذلك مجاز ويقال: جرح الرجل، أصابته جراحه يقول مجد الدين بن الأثير: ومنه حديث بعض التابعين "كثرت هذه الأحاديث واستجرحت"أي فسدت وقل صلاحها وهو استفعل، من جرح الشاهد إذا طعن فيه ورد قوله، أراد أن الأحاديث كثرت حتى أحوجت أهل العلم بها إلى جرح بعض رواتها ورد روايته.. وجرح بتشديد الراء تجريحا أكثر ذلك فيه.
следующие страницы →