Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.
стр. 9241
[٤٣] الحاصل بالمصدر من الوحي الشرعي نقل بعض هذا التعريف.. انظر الظاهرة القرآنية لمالك بن نبي ترجمة دكتور عبد الصبور شاهين ص ١٢٠.
[٤٤] كذلك فإن كلمة "المكاشفة"هذه اصطلاح لا وجود له ولا لمؤداه في الكتاب والسنة.
[٤٥] انظر"مباحث في علوم القرآن "للدكتور صحبي الصالح ص ٢٦.
[٤٦] انظر "المدخل لدراسة القرآن"ص ٧٤. "والوحي المحمدي"ص ٣٥.
[٤٧] انظر "الجامع لأحكام القرآن "للقرطبي جـ ١٦ ص ٥٣. "تفسير القرآن العظيم "لابن كثير جـ ٤ ص ١٢١،١٢٢ و"الكشاف عن حقائق التنزيل "للزمخشري جـ٣ ص ٨٧،٨٨ و"إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم "لأبي السعود جـ ٥ ص ٣٨،٣٩.
[٤٨] انظر "الجامع لأحكام القرآن "للقرطبي جـ ١٦ ص ٥٣.
[٤٩] تفسير ابن السعود جـ ٥ ص ٣٨ وغيره.
[٥٠] انظر القرطبي وتفسير أبي السعود في تفسيرالآية كما سبق آنفا.
[٥١] قاله أبو السعود في الآية ص ٥ـ٣٨.
[٥٢] قال الرازي في مختار الصحاح ص ٢٨٢ الروع: بالفتح: الفزع، والروعة: الفزعة والروع: بالضم القلب والعقل. يقال وقع في روعي أي في خلدي وبالي.
[٥٣] صحيح ابن حبان. وانظر تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٢١.
[٥٤] البخاري جـ اص ٣ ط: الشعب. مسلم في صحيحه.
[٥٥] البخاري: كباب التعبير: باب الرؤيا صالحة.
[٥٦] نسبة الجزء إلى ستة وأربعين جزءا.
[٥٧] فلا تنافي بين مجيء جبريل ﵇ وبين الرؤى الصادقة.
[٥٨] سقنا هذه الحادثة كدليل على أن رؤى الأنبياء صلوات الله عليهم من الوحي.
[٥٩] التنازع حول تفسير قوله تعالى ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ ١١-١٤ النجم وحديث ابن عباس أنه رآه بعينه وهو موقوف وضعيف الإسناد وانظر النووي على مسلم جـ ٣ و"الشفاء"للقاضي عياض، وشرح الطحاوية ص ٢١٣.
[٦٠] زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم جـ اص ٣٤.
стр. 9242
[٦١] تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٢٢.
[٦٢] انظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان. البخاري ومسلم جـ اص ٣٩،٤٢ وقل أن يخلو كتاب من كتب السنة والتفسير من أحاديث الإسراء.
[٦٣] متفق عليه وأخرجه البخاري كتاب "بدئ الخلق"باب "ذكر الملائكة"وانظر اللؤلؤ جـ اص ٤٢.
[٦٤] انظر "البخاري "جـ اص ١٩. ٢٠ كتاب "الإيمان"وانظر "اللؤلؤ والمرجان"ج ٥ ص ٢.
[٦٥] انظر "صحيح مسلم بشرح النووي جـ اص ١٥٧. ١٦٠ وقد نقلنا من الحديث مواضع الاستشهاد فقط.
[٦٦] انظر "صحيح البخاري"ص ٣ جـ ا.
[٦٧] وقلنا على الأرجح إعراضها عن خلاف كثير لا غناء لنا فيه.
[٦٨] انظر صحيح البخاري جـ ٦ ص ١٧٦.
[٦٩] انظر صحيح البخاري جـ اص ٤ وانظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٢ ص ٢٠٦ـ٢٠٨ نفلنا عن النووي بعد شرحه للحديث.
[٧٠] انظر البخاري جـ ٦ ص ١٧٦. وقد وصفت بعض الروايات هذه الأجنحة بما لا نر أنا في حاجة إليه وانظر ابن كثير جـ٤ ص ٨.
[٧١] صحيح مسلم بشرح النووي جـ ٣ ص ٨.
[٧٢] نفسه ص ١١٠.
[٧٣] كلمة جن ومشتقاتها كثيرة تدل على هذا المعنى وانظر (معاجم من اللغة) للشيخ محمد رضا في هذه المادة. جن ومشتقاتها كثيرة تدل على هذا المعنى وانظر (معاجم من اللغة) للشيخ محمد رضا في هذه المادة.
[٧٤] انظر في تفسير الآية تفسير أبي السعود جـ ٤ ص٢٧٨ والبيضاوي ص ٤٣٤.
[٧٥] انظر صحيح البخاري جـ اص ٣٠٢.
[٧٦] انظر صحيح البخاري جـ ١ ص ٣٠٢.
[٧٧] كما يعبر عن ذلك قوله ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي" الحديث.
[٧٨] أي أن النفث في الروع والرؤية الصادقة صورتان يفسر بهما قوله تعالى: ﴿إِلا َّ وَحْيا﴾ ١٥: الشورى، وهما معا الحالة الأولى.
стр. 9243
[٧٩] انظر صحيح البخاري جـ اص ٣٠٢ وقد سبق لنا منذ قليل ذكر طرف من هذا الحديث وكررناه هنا لاعتبار آخر.
[٨٠] المقدمة لعبد الرحمن بن خلدون ص ٧٣: التقدم.
[٨١] قوله "كلية "يحتاج إلى احتراز. فلأنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين "بشر"وإن كانوا صفوة البشر. وهداة البشر.
[٨٢] انظر النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز ص ٦٣.
[٨٣] سبق ذكر أسانيد بعض هذه الأحاديث وهي في الصحيحين وأبي داود والترمذي.
[٨٤] ص ٦٥ من النبأ العظيم.
стр. 9244
علم الجرح والتعديل
لفضيلة الدكتور/ عبد المنعم السيد نجم.
الأستاذ المشارك ورئيس قسم علوم الحديث بالجامعة الإسلامية.
علم الجرح والتعديل:
من المعلوم لدى المسلمين جميعاً أن السنة المشرفة هي مصدر دينهم بعد كتاب ربهم وهي مناط عزهم ولولاها ما راح مسلم ولا جاء.
وقد تكفلت ببيان القرآن وإبراز محتواه إلى الناس لأن الذي تحدث بها هو الذي جاء بالقرآن من عند الله وهو أدرى به، وعليه فالسنة هي الأصل الثاني للشريعة والقرآن هو الأصل الأول كما تقدم، ومنكر الأصل الثاني منكر للأصل الأول لأنه أمر بالأخذ بالثاني وبإنكاره يكون قد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
ولما كانت السنة بهذه الأهمية أمر النبي ﷺ بحفظها وتبليغها على وجهها كما سمعت ونهى عن الكذب في الأخبار عنه وتوعد فاعله مقعداً في النار ولأن نسبة الخبر إلى النبي ﷺ شرع يعمل به وكذب عليه ليس ككذب على غيره، ومن هنا قام جماعة من الأئمة بحفظها في الصدور وتدوينها في السطور وقطعوا في سبيل ذلك الفيافي والقفار وواصلوا الليل بالنهار واعتبروا ذلك من أوجب الواجبات عليهم، وعلى قاعدة الحفظ والتبليغ مع الأمانة والصدق والبعد عن الكذب المشار إليها حرص العلماء على الوقوف على أحوال الرواة بالبحث عن مواليدهم وأسمائهم وكناهم وألقابهم وبلدانهم ورحلاتهم وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم وغير ذلك من كذب أو غفلة أو علة أو نسيان وما إلى ذلك ووضعوا كل واحد منهم مادام قد تصدى للرواية في سجل يجمع كل هذا حتى يعرف من كان من أهل الشأن من غيره.
стр. 9245
ومن هنا نشأ علم الجرح والتعديل أو علم فحص الرجال أو علم ميزان أو معيار الرواة.. وقام جماعة من الأئمة بهذه المهمة الجليلة التي سنها لهم النبي ﷺ ومشى عليها الصحابة عليهم الرضوان، وعلم الجرح والتعديل علم جليل القدر من أجل العلوم التي نشأت بنشأة حفظ السنة وتدوينها بعيدة عن الخلل والزيف. وهو علم لا نعرف له نظير في تاريخ الأمم الأخرى. واستطاع العلماء بهذا العلم الوقوف على أحوال الرواة وميزوا بين الصحيح وغيره من الأخبار، فجندوا أنفسهم لاختبار من يعاصرونهم من الرواة ولم يكتفوا بذلك بل ويسألونهم عن السابقين ممن لم يعاصروهم ويعلنوا رأيهم فيهم دون تحرج ومأثم إذ كان ذلك ذبا عن دين الله وسنة رسوله ﷺ ؛ وقد قيل لأبي عبد الله البخاري إن بعض الناس ينقمون عليك التاريخ يقولون فيه اغتياب الناس فقال: "لا إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا وقد قال ﷺ : "بئس أخو العشيرة".
تعريف علم الجرح والتعديل:
الجرح: بفتح الجيم مصدر جرح كمنع وهو في اللغة التأثير في الجسم بالسيف ونحوه، وأكثر ما يستعمل بالفتح في المعاني والأعراض باللسان.
وأما الجرح بالضم فهو الاسم وأكثر استعماله بالضم في الأبدان بالحديد ونحوه وهما في اللغة بمعنى واحد يقال فلان جرح فلانا أي سبه وشتمه وجرح الحاكم الشاهد أسقط عدالته وذلك مجاز ويقال: جرح الرجل، أصابته جراحه يقول مجد الدين بن الأثير: ومنه حديث بعض التابعين "كثرت هذه الأحاديث واستجرحت"أي فسدت وقل صلاحها وهو استفعل، من جرح الشاهد إذا طعن فيه ورد قوله، أراد أن الأحاديث كثرت حتى أحوجت أهل العلم بها إلى جرح بعض رواتها ورد روايته.. وجرح بتشديد الراء تجريحا أكثر ذلك فيه.
стр. 9246
والجرح في الاصطلاح: رد الحافظ المتقن رواية الراوي لعلة قادحة فيه أو في روايته من فسق أو تدليس أو كذب أو شذوذ أو نحوها.
ويلاحظ في التعريف أنه اشترط فيمن يرد رواية الراوي أن يكون حافظا متقنا وهنا يرد به على البعض الذين يقحمون أنفسهم في غير مجالهم وتخصصهم ويطعنون في بعض الرواة والروايات وإليك تحديد الحافظ الذي يملك حق الرد والجرح، قال جمال الدين المزي:- حينما سئل عن حد الحفظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ قال: "أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب.."وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: "وأما المحدث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية وجمع رواة واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفهم من كل طبقة أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ".
وما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم: "كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء".
معنى الحفظ:
للعلماء اصطلاحات وألفاظ في معنى الحفظ.. قال عبد الرحمن بن مهدي: "الحفظ الإتقان.."وقال أبو زرعه: "الإتقان أكثر من حفظ السرد"، وقال غيره: "الحفظ المعرفة".
قدر الحافظ:
стр. 9247
عين أئمة الشأن قدرا من الأحاديث إذا حفظها الراوي صار حافظا ومما روي في قدر حفظ الحافظ قول أحمد بن حنبل: "انتقيت المسند من سبعمائة ألف حديث وخمسين ألف حديث"وقال أبو زرعة الرازي: "كان أحمد ابن حنبل يحفظ ألف حديث قيل له وما يدريك قال ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.." ويقول يحي بن معين: "كتبت بيدي ألف ألف حديث". ويقول البخاري: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح.."ويقول مسلم بن الحجاج: "صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة"ويقول أبو داود السجستاني: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته كتاب السنن أربعة آلاف وثمانمائة حديث"وقال أبو زرعة: "أحفظ مائة ألف حديث كما يحفظ الإنسان سورة قل هو الله أحد. وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث.."وعن الشعبي قال: "ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته.."ويقول إسحاق بن راهويه: "أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ سبعين ألف حديث عن ظهر قلب" وقال يزيد ابن هارون: "أحفظ خمسه وعشرين ألف حديث بإسناده ولا فخر وأحفظ للشاميين عشرين ألف حديث".
стр. 9248
وهناك الكثير من الحفاظ غير ما ذكرت ممن يحفظون الكثير وبمثل هذا الحفظ يستطيع الراوي أن يعرف الأسانيد سواء كانت للشاميين أو للمصريين أو للبصريين أو المدنيين أو الخراسانيين وما إلى ذلك مهما اختلفت، ويميز طريق كل حديث عن غيره وتصبح الروايات والرواة مهما تباعدت البلدان في حفظه وبين يديه ويفرق بين الصحيح والسقيم منها ولا يستطيع دخيل أن يندس بين راوة الحديث لأنه يعرف الرواة بأعيانهم وأحوالهم ولا تخفى علة عليه، وعمل البخاري مع الذين آتوا بمائة حديث مع عشرة أشخاص مقلوبة السند والمتن ليختبروه فلما سمعها على الحالة المذكورة رد كل حديث إلى سنده، وكل سند إلى حديثه، وما ذلك إلا لحفظه وتمكنه ومعرفته بتركيب الأسانيد والمتون، أما ما يفعله البعض من الجهلة والزنادقة من التطاول على سنة رسول الله ﷺ والتعدي على المصنفات الحديثية المعتمدة ونقدها من غير حفظ ولا اطلاع على فن الحديث وعلومه ففعلهم مرض في قلوبهم وحقد على مصدر الإسلام وبعد عن الدين واتباع للشيطان حيث قام على غير أساس، ولو سألت الواحد منهم كم يحفظ من الأحاديث بأسانيدها لأجابك بالنفي وفاقد الشيء لا يعطيه.
стр. 9249
والسبب في رد الحافظ المتقن رواية الراوي وهو ما كان فيه من علة قادحة فيه أو في روايته كما جاء في التعريف، والعلة عبارة عن سبب غامض خفي قادح في الحديث مع أن ظاهره السلامة منه أي السبب الغامض، وبتعريف آخر نقول الحديث المعلل ما اطلع فيه الحافظ الخبير بالفن على علة تقدح في صحته مع ظهور السلامة عليه وتكون العلة في الإسناد الجامع شروط الصحة ظاهرا مع خفائها فيه، أما علامتها وكيفية معرفتها: فتعرف العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له مع قرائن تضاف إلى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن الذي أدمن الاطلاع فيه وسبر أهله على وهم وقع بإرسال الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو غير ذلك بحيث يغلب على ظنه فيحكم بعدم صحة الحديث أو يتردد فيتوقف في قبوله.. قال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه.."وبقية قيود التعريف سنذكرها إن شاء الله بعد تعريف التعديل.
التعديل: جاء من عدل الحكم أقامه، وعدل الرجل زكاه، والميزان سواه، وعليه فالتعديل التقويم والتسوية والتزكية، والعادل من الناس من يقضي بالحق والعدل من الأشياء ما قام في النفوس أنه مستقيم والمقبول والمرضى قوله وحكمه، وجائز الشهادة، وتقول امرأة عدل ونسوة عدل وقد يجري مجرى الوصف الذي ليس بمصدر فتقول امرأة عدالة.
والتعديل في الاصطلاح: وصف الراوي بما يقتضي قبول روايته..
زيادة إيضاح:
وأستطيع أن أعرفه بتعريف آخر مجمل فأقول: هو علم يبحث فيه عن جرح الرواة وتعديلهم بألفاظ مخصوصة.. ومراتب تلك الألفاظ..
وهذا العلم من فروع علم رجال الحديث ولم تكثر الكتابة فيه مع أنه علم عظيم لأنه ميزان رجال الحديث ومعيار الحكم عليهم وهو الحارس للسنة من كل زيف ودخيل..
стр. 9250
والكلام في الرجال جرحا وتعديلا ثابت عن رسول الله ﷺ ، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وجوز ذلك تورعا وصونا للشريعة لا طعن في الناس، وكما جاز الجرح في الشهود جاز في الرواة والتثبت في أمر الدين أولى من التثبت في الحقوق والأموال.. فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلام في ذلك سيأتي بيان أول من عني بذلك من الأئمة.
الجرح وأحكامه
الجرح أجيز في الرواة باتفاق أئمة الشأن صيانة للشريعة الإسلامية من أن يدخل فيها ما ليس منها ونصيحة لله ورسوله ﵇ والمسلمين ولا يقف على معرفة ذلك إلا المحدث الصادق المشهور بطلب الحديث التقى الورع.. روى الخطيب البغدادي في كفايته بسنده عن أحمد بن محمد البغدادي قال:- سمعت يحي بن معين يقول: "آلة الحديث الصدق والشهرة بطلبه وترك البدع واجتناب الكبائر".
البيان:
لما كانت السنة هي الصادرة عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال والتقريرات وكانت البيان لكتاب الله والتشريع للناس في كل زمان ومكان كان لابد فيها من أن تكون واردة عن النبي ﷺ بطريق ثابت ومنسوبة إليه نسبة حقيقية، وقد أمر ﵇ بتبليغها عنه ونهى عن الكذب فيها ونقل الصحابة عنه ذلك ومشوا عليه..
стр. 9251
روى الخطيب أيضا بسنده عن الأعمش عن خيثمة عن سويد قال: قال علي بن أبي طالب: "إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله ﷺ ..وإذا حدثتكم فيما بيننا فإن الحرب خدعة.."ومن هنا احتاط الصحابة في الرواية والبعض منهم لم يكثر منها خوف أن يدخل في الحديث شيء لم يرد.. روى الخطيب بسنده عن جامع بن شداد قال سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير يحدث عن أبيه قال: "قلت لأبي الزبير مالي لا أراك تحدث عن رسول الله ﷺ كما حدث فلان وفلان وابن مسعود.."قال: والله يا بني ما فارقته منذ أسلمت ولكني سمعته يقول: "من كذب علي فليتبوأ مقعده في النار.."ومعنى هذا والله ما قال متعمدا وأنتم تقولون متعمدا.. ومعنى هذا أنه لا بد من الصدق في الرواية ويحرم الكذب فيها عمدا وغير عمد ولا يعذر غير اليقظ فيها.. قال الخطيب: "ومن سلم من الكذب وأتى شيئا من الكبائر فهو فاسق يجب رد خبره ومن أتى صغيرة فليس بفاسق، ومن تتابعت منه الصغائر وكثرت رد خبره.."وقد روي عن رسول الله ﷺ في بيان الكبائر عدة أحاديث: "اجتنبوا السبع الموبقاتٍ" والكذب على رسول الله ﷺ أعظم من الكذب على غيره..والفسق به أظهر والوزر به أكبر.. وروى بن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل في تثبيت السنن بنقل الرواة لها من قول رسول الله ﷺ وأمره بنقل الأخبار عنه، روى بسنده قال أخبرني أبي نا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية قال حدثني أبو كبشة السلولي قال: سمعت عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار". وروى بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ ..ونحن سكوت لا نتحدث فقال: "ما يمنعكم من الحديث"قلنا سمعناك
стр. 9252
تقول: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار: "حدثوا عني ولا حرج.." وروى بسنده عن عباية بن رافع بن خديج عن رافع قال: مر بنا يوما رسول الله ﷺ ونحن نتحدث فقال "ما تتحدثون"قلنا نتحدث عنك يا رسول الله فقال: "حدثوا وليتبوأ من كذب علي مقعده من جهنم" وروى بسنده عن الحارث بن عمرو قال: أتيت رسول الله ﷺ بمنى أو بعرفات ثم قال:"أيها الناس أي يوم هذا وأي شهر هذا قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم وشهركم وبلدكم اللهم هل بلغت فليبلغ الشاهد الغائب.."
بيان النبي ﷺ أن سنته ستنقل وتقبل:
وردت أخبار مفادها أن السنة ستنقل عن طريقة التحمل والأداة برواية العدول فقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ثابت بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ : "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم.." وروى بسنده أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع"منكم ورواه عنه بثلاث طرق مثله وهذا إخبار من النبي ﷺ : أن سنته ستشيع بين الناس وتنقل من إنسان لإنسان.
العدالة وأحكامها:
стр. 9253
أنشأ العلماء من سلف الأمة ومن تبعهم أمورا أو شروطا تعرف بها، منها ما رواد الخطيب البغدادي في كفايته بسنده عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عتبة ابن مسعود قال سمعت عمر بن الخطاب يقول: "إن أناسا كانوا يأخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع وإنما آخذكم الآن بما ظهر من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس لنا من سريرته شيء الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة.."وروي أيضا بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته".
حد العدل:
حد العدل في المسلمين من لم يظهر به ريبة، أو للعدل بين المسلمين أو العدل في الشهادة الذي لم تظهر منه ريبة وسئل عبد الله بن المبارك عن العدل فقال: "من كان فيه خمس خصال: يشهد الجماعة، ولا يشرب هذا الشراب، ولا تكون في دينه خربه، ولا يكذب، ولا يكون في عقله شيء".
المقدار في تحقق العدالة:
روى الخطيب بسنده عن مالك بن أنس يقول سمعت الزهري يقول سمعت سعيد ابن المسيب يقول: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذي سلطان إلا وفيه عيب لابد ولكن من الناس من لا تذكر عيوبه من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله"، وروى بسنده عن البويطى يقول قال الشافعي: "لا أعلم أحدا أعطى طاعة لله حتى لا يخلطها بمعصية إلا يحي بن زكريا ﵇، ولا عصى الله فلم يخلط بطاعته، فإذا الأغلب الطاعة فهو المعدل، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرح".
стр. 9254
ومعنى آخر يحدد العدالة ويبين العدل: قال الخطيب حدثني أبو الفضل محمد بن عبيد الله المالكي أنه قرأ على القاضي أبي بكر محمد بن الطيب قال: "والعدالة المطلوبة في صفة الشاهد والمخبر هي العدالة الراجعة إلى استقامة دينه وسلامة مذهبه وسلامته من الفسق وما يجري مجراه مما اتفق على أنه مبطل للعدالة من أفعال الجوارح والقلوب المنهي عنها والواجب أن يقال في جميع صفات العدالة أنها اتباع أوامر الله تعالى والانتهاء عن ارتكاب ما نهى عنه مما يسقط العدالة.. وقد علم من ذلك أنه لا يكاد يسلم المكلف من البشر من كل ذنب ومن ترك بعض ما أمر به حتى يخرج لله من كل ما وجب عليه وأن ذلك يتعذر فيجب لذلك أن يقال إن العدل هو من عرف بأداء فرائضه ولزوم ما أمر به وتوقى ما نهى عنه وتجنب الفواحش المسقطة وتحري الحق والواجب في أفعاله ومعاملته والتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة فمن كانت هذه حاله فهو الموصوف بأنه عدل في دينه ومعروف بالصدق في حديثه، وليس يكفيه في ذلك اجتناب كبائر الذنوب التي يسمى فاعلها فاسقا وزادوا على هذا بعض الذنوب التي ليست من الكبائر، إما لأنها متهمة لصاحبها ومسقطة له ومانعة من ثقته، وأمانته أو لغير ذلك فإن العادة موضوعة على أن من احتملت أمانته سرقة بصله وتطفيف حبة احتملت الكذب، وأخذ الرشاوى على الشهادة ووضع الكذب في الحديث والاكتساب به فيجب أن تكون هذه الذنوب في إسقاطها للخبر والشهادة بمثابة ما اتفق على أنه فسق يستحق به العقاب.."إلى أن قال: "فهذه سبيله في أنه يجب كون الشاهد والمخبر سليما منه.."قال الخطيب: "والواجب عندنا أن لا يرد الخبر والشهادة إلا بعصيان قد اتفق على رد الخبر والشهادة به وما يغلب به ظن الحاكم والعلم أن مقترفه غير عدل ولا مأمون عليه الكذب في الشهادة والخبر ولو عمل العلماء والحكام على أن لا يقبلوا خبرا ولا شهادة إلا من مسلم بريء من كل كذب قل أو كثر لم يمكن قبول شهادة أحد
стр. 9255
ولا خبره لأن الله قد أخبر بوقوع الذنوب من كثير ولو لم يرد خبر صاحب ذلك شهادته بحال لوجب أن يقبل خبر الكافر والفاسق وشهادتهما وذلك خلاف الإجماع فوجب القول في جميع صفة العدل بما ذكر".
زيادة إيضاح:
وفسر العدل أيضا بأن يكون مسلما بالغا عاقلا فلا يقبل كافر ومجنون مطبق بالإجماع ومن تقطع جنونه وأثر في زمن إفاقته وإن لم يؤثر قبل ولا صغير على الأصح، وقيل يقبل المميز إن لم يجرب عليه الكذب وأن يكون سليما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، والمروءة بضم الميم والراء على وزن سهولة وهي آداب نفسانية تحمل مراعاتها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات ومعرفتها ترجع إلى العرف.
ما يستوي فيه المحدث والشاهد من الصفات وما يفترقان فيه جاء عن أبى بكر محمد ابن الطيب قال: لا خلاف في وجوب قبول خبر من اجتمع فيه جميع الصفات الشاهد في الحقوق من الإسلام والبلوغ والعقل والضبط والصدق والأمانة والعدالة إلى ما شاكل ذلك، ولا خلاف أيضا في وجوب اتفاق المخبر والشاهد في العقل والتيقظ فأما ما يفترقان فيه فوجوب كون الشاهد حرا وغير والد ولا مولود ولا قريب قرابة تؤدي إلى ظنه وغير صديق ملاطف وكونه رجلا إذا كان في بعض الشهادات وأن يكون اثنين في بعض الشهادات وأربعة في بعضها وكل ذلك غير معتبر في المخبر لأننا نقبل خبر العبد والمرأة والصديق وغيره، وإجمالا: الرواية والشهادة كلاهما خبر غير أن الرواية خبر عام قصد به تعريف دليل شرعي وأما الشهادة فهي خبر خاص قصد به ترتيب فصل القضاء عليه ويشترط عدم العداوة بين الشاهد والمشهود عليه.
تنبيه:
стр. 9256
قال الخطيب البغدادي: "فأما الحديث الذي أخبرناه القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي بسنده عن صالح بن حسان عن محمد بن كعب القرظي عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "لا تكتبوا العلم إلا عمن تجوز شهادته.."فإن صالح بن حسان تفرد بروايته وهو ممن اجتمع نقاد الحديث على ترك الاحتجاج به لسوء حفظه وقلة ضبطه، وكان يروي الحديث عن محمد بن كعب تارة متصلا، وأخري مرسل، ويرفعه تارة ويوقفه أخرى.. وساق كل طرقه"، ثم قال: "على أن هذا الحديث لو ثبت إسناده وصح رفعه، لكان محمولا على أن المراد به جواز الأمانة في الخبر بدليل الإجماع على أن خبر العبد العدل مقبول".
стр. 9257
روى ابن حبان بسنده عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قام رسول الله ﷺ بالخيف من منى فقال: "نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له وفي رواية "غير فقيه" ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يضل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل والنصيحة لأولى الأمر ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تكون من ورائهم" [١] قال أبو حاتم: "الواجب على كل من ركب فيها آلة العلم، أن يرعى أوقاته على حفظ السنن رجاء اللحوق بمن دعا لهم النبي ﷺ إذ الله جل وعلا أمر عباده باتباع سنته وعند التنازع الرجوع إلى ملته حيث قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ [٢] ثم نفى الإيمان عمن لم يحكمه فيما شجر بينهم فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [٣] ولم يقل حتى يحكموا فلانا وفلانا فيما شجر بينهم ولا قال حرجا مما قضى فلان وفلان، فالحكم بين الله وبين خلقه رسوله ﷺ فقط، فلا نحب لمن أشعر الإيمان قلبه أن يقصر في حفظ السنن بما قدر عليه حتى يكون رجوعه عند التنازع إلى قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﷺ وقد تقدم حديث "بلغوا عني ولو آية.."والأحاديث الواردة في تغليظ الكذب عليه ﷺ كثيرة كما مر أيضا.
ثبوت السنة وترغيب النبي في طلبها من حاملها ووصيته بالمرتحلين فيها:
стр. 9258
لقد كان الرسول ﷺ له السبق في دفع الناس إلى طلب العلم والتعلم والترغيب فيه روى عبد الرحمن بن أبى حاتم بسنده عن أبي صلح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة.." وروى بسنده عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: "يا أبا الدرداء جئتك من المدينة مدينة الرسول ﷺ لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله" قال: ولا جئت لحاجة؟ "قال: "لا"، قال: "ولا جئت لتجارة؟ " قال: "لا"، قال: "ولا جئت إلا لهذا الحديث؟ "قال نعم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالبي العلم.." وروى أيضا بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "إن الناس لكم تبع" قال فكان إذا أتوه قال مرحبا بوصية رسول الله، قال لنا رسول الله ﷺ : "إنه سيأتيكم أناس من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا.." قال عبد الرحمن بن أبي حاتم:.. وقد روي عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن عباس وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وقيس بن عبادة، وخلق من التابعين وأتباعهم يطول ذكرهم في رحلة بعضهم في طلب العلم الآثار وترغيب بعضهم فيها، أمسكنا عن ذلكَ اكتفاء بما جاء فيه عن النبي ﷺ .. ولما أوصى النبي بطالبي الآثار والمرتحلين فيها ونبه عن فضيلتهم علم أن في ذلك ثبوت الآثار بنقل الطالبين الناقلين لها ولو لم تثبت الأخبار بنقل الرواة لها لما كان في ترغيب النبي ﷺ معنى.. قال بن أبي حاتم مستدلا على ما تقدم بما جاء في أول كتابه: "بدأنا في ذكر ثبوت السنن بنقل الرواة لها بما
стр. 9259
حضرنا من الدلائل الواضحة من كتاب الله وأخبار رسوله ﷺ إذ كان قوم من أهل الزيغ والبدع زعموا أن الأخبار لا تصح بنقل الرواة لها وأن طريق صحتها إجماع العامة عليها فأتينا في ذلك وفي إبطال دعواهم ودحض حجتهم بما رأيناه كافيا".
الجرح والتعديل وبيان أحوال الرواة ونفى تهمة الكذب عن الصحابة في الرواية عن رسول الله ﷺ :
كل حديث اتصل إسناده بين من رواه والنبي ﷺ لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى النبي لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم في نص القرآن فمن ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [٤] وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [٥] وهذا اللفظ وإن كان عاما فالمراد به الخاص، وقيل هو وارد في الصحابة دون غيرهم، وقوله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [٦] وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [٧] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [٨] .. وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ
стр. 9260
تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [٩] في آيات كثيرة يكثر إيرادها ويطول تعدادها، ووصف رسول الله ﷺ الصحابة مثل ذلك أطنب في تعظيمهم وأحسن الثناء عليهم، فمن الأخبار المستفيضة عنه في هذا المعنى ما رواه مسلم بسنده عن عبيدة السلماني عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي القرن الذي يلوني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" وروى بسنده عن عبيدة عن عبد الله قال: قال سئل رسول الله ﷺ أي الناس خير قال: "قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته فلا أدري في الثالثة أو في الرابعة، قال ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" وروى أيضاً عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فلا أدري في الثالثة أو في الربعة قال ثم يتخلف من بعدهم خلف تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" كذلك عن أبي هريرة وعمران بن حصين بعدة روايات وفيها والله أعلم أذكر الثالث أم لا..
стр. 9261
ولكن رواية عائشة رضى الله عنها خلت من الشك في العدد قالت سأل رجل النبي ﷺ أي الناس خير قال: "القرن الذي أنا فيه ثم الثاني والثالث" [١٠] وقد حفظه كذلك عبد الله بن مسعود وعمران بن حصين وبه رواه الخطيب البغدادي [١١] قال النووي بعد ذكر اختلاف العلماء في تحديد مدة القرن: "والصحيح أن قرنه ﷺ الصحابة والثاني التابعون والثالث تابعوهم..".
قال ابن القيم: "فقد اتفقت الأحاديث على قرنين بعد قرنه ﷺ إلا حديث أبي هريرة فإنه شك فيه، وأما ذكر القرن الرابع فلم يذكر إلا في رواية في حديث عمران بن حصين لكن في الصحيحين له شاهد من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يغزوا فئام من الناس فيقال لهم هل فيكم من رأى من صحب صحب رسول الله ﷺ فيقولون نعم فيفتح لهم"فهذا فيه ذكر قرنين بعده كما في الأحاديث المتقدمة ورواه مسلم.. فذكر فيه ثلاثة بعده ولفظة يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث فيقولون أنظر هل تجدون فيكم أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فيوجد الرجل فيفتح لهم به ثم يبعث البعث الثاني فيقولون هل فيكم من رأى أصحاب رسول الله فيفتح لهم ثم يبعث البعث الثالث فيقال انظروا هل ترون فيهم من رأى أصحاب أصحاب رسول الله فيفتح لهم ثم يكون البعث الرابع فيقال أن انظروا هل ترون فيم أحدا رأى من رأى أحدا رأى أصحاب النبي ﷺ فيوجد الرجل فيفتح له" [١٢] .
تحريم سب الصحابة
стр. 9262
سب الصحابة ﵃ من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها عليها وكلهم عدول ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون كما قلنا اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما اختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، يقول النووي: "واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه، وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه فكلهم معذورون ﵃..".
стр. 9263
ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم ﵃ أجمعين وعن تحريم سبهم روى مسلم بسنده عن أبي صالح عن أبي هريرة قال، قال: رسول الله صلى عليه سلم: "لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهابا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.." وروى بسنده عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.."قال النووي: قال القاضي عياض: وسب الصحابة من المعاصي الكبائر ومذهبنا ومذهب جمهور أنه يعزر ولا يقتل وقال المالكية يقتل" [١٣] قال الخطابي: النصيف بمعنى النصف كما قالوا الثمين بمعنى الثمن والمعنى أن جهد المقل منهم واليسير من النفقة الذي أنفقوه في سبيل الله مع شدة العيش والضيق الذي كانوا فيه أوفى عند الله وأزكى من الكثير الذي ينفقه من بعدهم" [١٤] .
стр. 9264
قال القاضي عياض: "ويؤيد هذا ما جاء عن الجمهور من تفضيل الصحابة كلهم على جميع من بعدهم، وسبب تفضيلهم نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته ﷺ وحمايته، وذلك معدوم بعده وكذلك جهادهم وسائر طاعاتهم وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا..﴾ الآية [١٥] هذا كله مع ما كان في أنفسهم من الشفقة والتودد والخشوع والتواضع وإيثار الجهاد في الله حق جهاده وفضيلة الصحابة ولو لحظة لا يوازيها عمل ولا تنال درجتها بشيء والفضائل لا تؤخذ بقياس، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء". وروى الخطيب بسنده عن أبي زرعة يقول: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق.. وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق والقرآن حق وإنما أدي إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه سلم, وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة" [١٦] .
لماذا لا نجرح الصحابة!
لأنهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ونصرته، وإقامة دينه وإظهار حقه فرضيهم له صحابة.
وجعلهم لنا أعلاما وقدوة. فحفظوا عنه ما بلغهم عن الله ، وما سن وما شرع وحكم وقضى، وندب وأمر ونهى وحظر وأدب.
فالصحابة ﵃ هم الناس بكتاب الله وسنة رسول الله صلى عليه وسلم وانظروا قضاءه وحكمه فيما اختلف الناس فيه، وشهدوا أخلاقه وآدابه، وأحواله وتصرفه في السلم والحرب والمعاهدات، وأمور الدنيا والآخرة، واستقى كل منهم بقدر استعداده من ينبوع الفيض الرباني.
стр. 9265
وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك فيما رواه البخاري بسنده عن ابن الشهاب قال: قال حميد بن عبد الرحمن، سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.." وتسابق الصحابة في أخذ ما يرد عن النبي ﷺ ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده- بمعاينة رسول الله ﷺ ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتلقفهم منه واستنباطهم عنه.
فشرفهم الله بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة، فقال في كتابه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس﴾ ففسر النبي ﷺ عن الله عز ذكره قوله: ﴿وَسَطاً﴾ قال: "عدلا.." فكانوا عدول الأمة، وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة، وسندهم عال فليس بينهم وبين الله إلا واسطتان النبي وجبريل ﵉.
وقد قال قائل: فكيف جرحتم من بعد الصحابة؟ كما ظهر ذلك من عناية أئمة الحديث بحفظ السنن على المسلمين وذب الكذب عن رسول رب العالمين، ولولاهم لتغبرت الأحكام عن سنتها حتى لا يعرف أحد صحيحها من سقيمها والملزق بالنبي ﷺ والموضوع عليه مما روى عنه الثقاة والأئمة في الدين، فإن قال قائل: كيف جرحتم من دون الصحابة وأبيتم ذلك في الصحابة والسهو قد يقع منهم كما وجد فيمن بعدهم من المحدثين؟ يقال له: إن الله نزه أقدار أصحاب رسول الله ﷺ عن ثلب قادح، وصان أقدارهم عن وقيعة متنقص، وجعلهم كالنجوم يقتدى بهم.
стр. 9266
وقد قال الله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ فمن أخبر الله أنه لا يخزيه يوم القيامة فقد شهد له باتباعه ملة إبراهيم حنيفا لا يجوز أن يجرح بالكذب، لأنه يستحيل أن يقول الله: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ ثم يقول النبي ﷺ : "من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" فيطلق النبي ﷺ إيجاب النار لمن أخبر الله أنه لا يخزيه يوم القيامة، بل الخطاب وقع على من بعد الصحابة.
وأما من شهد التنزيل، وصحب الرسول ﷺ فالثلب لهم غير حلال، والقدح فيهم ضد الإيمان والتنقيص لأحدهم نفس النفاق، لأنهم خير الناس قرنا بعد رسول الله ﷺ بحكم من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﷺ .
وأن من تولى رسول الله ﷺ إيداعهم ما ولاه الله بيانه للناس لا يجرح، لأن رسول الله ﷺ لم يودع أصحابه الرسالة وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب إلا وهم عنده صادقون جائزوا الشهادة، ولو لم يكونوا كذلك لم يأمرهم بتبليغ من بعدهم ما شهدوا منه، لأنه لو كان كذلك لكان فيه قدحا في الرسالة، وكفى بمن عد له رسول الله ﷺ شرفا، وأن من بعد الصحابة ليسوا في مرتبهم.
والصحابة ندب الله إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم، والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [١٧] .
стр. 9267
وثبت أن النبي ﷺ قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها، منها أن دعا لهم فقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره".
وفي رواية زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه وبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه"، وفي رواية، "ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يضل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم الجماعة فان دعوتهم تحيط من ورائهم"وغير ذلك.
وقال ﷺ في خطبته: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه لعله أن يبلغه من هو أوعى له"وقال: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج".
وهذا وغيره مما أمر به الصحابة أولا، ثم أمروا إلى نقله إلى من بعدهم مع المحافظة على المنقول من الزيادة وطلب الوعي والضبط.
منع الرواية عن الضعفاء ... والتثبت في تحملها
يقصد بهذا العنوان تأكيد ما سبق ووضع قاعدة لمن تؤخذ عنهم الرواية ومن تطرح روايتهم أو يتوقف فيها حتى يبين أمرهم.. روى عبد الرحمن بن أبي حاتم بسنده عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "سيكون في آخر الزمان ناس من أمتي يحدثونكم بما لم تسمعوا به أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم.." وروى أيضا بسنده عن شراحيل بن يزيد يقول: حدثني مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "يكون آخر الزمان دجالون [١٨] كذابون يأتونكم من الأحاديث ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلوكم ولا يفتنوكم..".
стр. 9268
قال عبد الرحمن: "لما أخبر رسول الله ﷺ بكذابين يكونون في آخر الزمان يكذبون عليه علم أن الأول وهم الصحابة خارجون من هذه الجملة وزائل عنهم التهمة" [١٩] ورواه مسلم بسنده عن أبي عثمان مسلم بن يسار عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سيكون في آخر الزمان أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم" وروى بسنده أيضا عن مسلم بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ : "يكون في الزمان دجالون كذابون به" وروي مسلم أيضا بسنده عن مجاهد قال بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول قال رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ ، فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع.. فقال ابن عباس: "إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب [٢٠] والذلول لا نأخذ من الناس إلا ما نعرف". إلى غير هذه الروايات وهي كثيرة، وحاصلها أنه لا يقبل رواية المجهول وأنه يجب الاحتياط في أخذ الحديث، فلا يقبل إلا من أهله، وأنه لا ينبغي أن يروى عن الضعفاء، وسيأتي المراد بالضعف الذي تطرح الرواية بسببه.
بيان أن الأخبار من الدين والتحرز من التوقي فيها.
هنا بيان أن الإسناد من الدين وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقاة، وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز بل واجب، وأنه ليس من الغيبة المحرمة بل من الذب عن الشريعة المكرمة، وسيأتي زيادة في هذا.. روى عبد الرحمن بن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: "إنما هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونه".
стр. 9269
وروى أيضا بسنده عن محمد بن سيرين قال: "إن هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذونه ومرة يروى بلفظ أن هذا العلم دين به.."ويروى أيضا عن ابن سيرين بلفظ: "انظروا عمن تأخذون هذا الحديث فإنما هو دينكم.."وروى بسنده.. قال ابن شهاب: "إذا حدث لي بالإسناد ويقول: لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجة".
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح: "هذه شهادات العدول المرضيين بعضهم على بعض"، وإذا ذكر له الإسناد فيه قال: "هذا فيه عهدة"، ويقول: "لو أن لرجل على رجل عشرة دراهم ثم جحده لم يستطع أخذها منه إلا بشاهدين عدلين، فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول". وروى مسلم بسنده عن عاصم الأحول عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم".
قال مسلم ﵀ في مقدمة كتابه: "اعلم أن الواجب على أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقاة الناقلين لها من المتهمين أن لا يروى منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان من أهل التهم والمعاندين من أهل البدع".
стр. 9270
قال النووي: قال العلماء من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: المبتدع الذي يكفر ببدعته لا تقبل روايته بالاتفاق، وأما الذي لا يكفر بها فاختلفوا في روايته: فمنهم من ردها مطلقا لفسقه ولا ينفعه التأويل، ومنهم من قبلها مطلقا، إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعية إلى بدعته أو غير داعية وهذا محكي عن الإمام الشافعي لقوله أهل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لكونهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم ومنهم من قال: تقبل إذا لم يكن داعية لبدعته ولا تقبل إذا كان داعية وهذا مذهب كثيرين أو الأكثر من العلماء وهو الأعدل الصحيح وقال بعض أصحاب الشافعي: اختلف أصحاب الشافعي في غير الداعية واتفقوا على عدم قبول الداعية.. وقال أبو حاتم ابن حبان - بكسر الحاء -: "لا يجوز الاحتجاج بالداعية عند أئمتنا قاطبة لا خلاف بينهم في ذلك".
وأما المذهب الأول فضعيف جدا ففي الصحيحين وغيرهما من أصحاب السنن وأئمة الحديث الاحتجاج بكثير من المبتدعة غير الدعاة، ولم يزل السلف والخلف على قبول الرواية منهم والاحتجاج بها والسماع منهم وإسماعهم من غير إنكار منهم، وروى مسلم بسنده في كون الإسناد من الدين عن سليمان بن موسى قال: "قلت لطاووس إ ن فلانا حدثني بكذا وكذا"، قال: "إن كان صاحبك مليا فخذ عنه".
(مليا) : يعنى ثقة ضابطا متقنا يوثق بدينه ومعرفته ويعتمد عليه كما يعتمد على معاملة الملي بالمال ثقة بذمته.. وروى مسلم بسنده أيضا عن أبي الزناد عن أبيه قال: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال ليس من أهله".
стр. 9271
وروى بسنده عن مسعر قال: "سمعت سعد بن إبراهيم يقول لا يحدث عن رسول الله ﷺ إلا الثقاة.." وروى بسنده عن عبد الله بن المبارك يقول: "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". ويقول أيضا: "بيننا وبين القوم القوائم.." ومعنى هذا الكلام إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه وإلا تركناه فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم..
زيادة إيضاح:
سبق لنا أن أشرنا إلى رأي بعض الأئمة حكم رواية المبتدع وبقي هنا أن نزيد هذه المسألة إيضاحا، جمع الخطيب البغدادي ﵀ مذاهب العلماء عما جاء في الأخذ عن أهل البدع والأهواء والاحتجاج بروايتهم.
فقال: اختلف أهل العلم في السماع من أهل البدع والأهواء، كالقدرية والخوارج والروافض، وفي الاحتجاج بما يروونه، فمنعت طائفة من السلف صحة ذلك؛ لعلة أنهم كفار- عند من ذهب إلى أكفار المتأولين، وفساق عند من لم يحكم بكفر متأول.
وقال من ذهب إلى هذا المذهب: أن الكافر والفاسق بالتأويل بمثابة الكافر المعاند، والفاسق العامد فيجب ألا يقبل خبرهما ولا تثبت روايتهما.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى قبول أخبار أهل الأهواء الذين لا يعرف منهم استحلال الكذب والشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة.
وممن قال بهذا القول من الفقهاء: أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، فإنه قال: "وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة، لأنهم يرون شهادة بالزور لموافقهيم". ويحكى أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري.
стр. 9272
يقول الشيخ السبكي في طبقاته عند كلامه على شهادة المبتدع: "وقد تزايد الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا هذا فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوءه في نفسه وماله.. وبلغني أن كبيرهم استفتي في شافعي أيشهد عليه بالكذب فقال: ألست تعتقد أن دمه حلال؟ قال: نعم..قال: فما دون ذلك دون دمه، فاشهدوا دفع فساده عن المسلمين فهذه عقيدتهم ويرون أنهم المسلمون أنهم أهل السنة.." الخ
قال الخطيب البغدادي: "وقال كثير من العلماء: تقبل أخبار غير الدعاة من أهل الأهواء، فأما الدعاة فلا يحتج بأخبارهم، وممن ذهب إلى ذلك أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل".
وقال جماعة من أهل النقل والمتكلمين: أخبار أهل الأهواء كلها مقبولة وإن كانوا كفارا وفساقا بالتأويل، فمن ذهب إلى منع قبول أخبارهم احتج بما قدمنا ذكره.
وساق الخطيب السند عن أبي سكينة بن مشاجع بن قطبة: قال سمعت علي بن أبي طالب ﵁ وهو في مسجد الكوفة يقول: "انظروا عمن تأخذون هذا العلم فإنما هو الدين"وأورد الروايات السابقة عن ابن سيرين وغيره في كون السند من الدين ... ومنها ما رواه الخطيب أيضا بسنده عن عاصم.. قال سمعت ابن سيرين يقول: "كانوا لا يسألون عن الإسناد، حتى كان بآخره، فكانوا يسألون عن الإسناد، لينظروا من كان صاحب سنة كتبوا عنه، ومن لم يكن صاحب سنة لم يكتبوا عنه".
وجاء عنه ما رواه بسنده عن علي بن حرب قال: "من قدر ألا يكتب الحديث إلا عن صاحب سنة، فإنهم يكذبون كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي.."وروى أيضا بسنده عن ابن لهيعة يذكر أنه سمع رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: "انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلناه حديثا.."وسيأتي مزيد بيان في هذا.
стр. 9273
وأما عن أدلة ما تقدم فقد ذكر الخطيب بعض المنقول عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع.. وأشار إلى ما قاله الشافعي في جواز قبول شهادة أهل الأهواء غير صنف من الرافضة خاصة..
وروى بسنده عن علي بن الجعد يقول سمعت أبا يوسف يقول: "أجيز شهادة أهل الأهواء - أهل الصدق منهم - إلا الخطابية، والقدرية، الذين يقولون إن الله لا يعلم الشيء".
وروى بسنده أيضا عن ابن المبارك يقول: س"أل أبو عصمة أبا حنيفة ممن تأمرني أن أسمع الآثار؟ "قال: "من كل عدل في هواء، إلا الشيعة فإن أصل عقدهم تضليل أصحاب محمد ﷺ ، ومن أتى السلطان طائعا، أما إني لا أقول أنهم يكذبونهم، أو يأمرونهم بما لا ينبغي، ولكن وطؤا لهم حتى انقادت العامة بهم فهذان لا ينبغي أن يكونا من أئمة المسلمين".
وأما من ترك الدعاة من أهل البدع أن يروى عنهم، وروى عمن لم يكن داعية أو أفتى بذلك.
يقول الخطيب: "فأخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي بسنده عن عبد الرحمن بن مهدي يقول: "من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل، ومن رأى رأيا ودعى إليه فقد استحق الترك". وروى ابن معين ومالك بن أنس وأحمد بن حنبل وجماعة أنهم كانوا يروون عن غير الداعية ويتركون الرواية عن الداعية فعل ابن المبارك فقد تحدث عن هشام الدستوائي، وترك عمرو بن عبيد ولما سئل قال:"إن عمرو يدعو" [٢١] وذكر من مثل هذه العبارات الكثيرة كلها يوضح مذهب كل من العلماء فيما ذهب إليه من الرد والقبول.
الخبر الدال على طلب معرفة الضعفاء والوقوف على أحوالهم.
стр. 9274
وردت عدة أخبار تشير إلى الحث على معرفة الضعفاء حتى يقف الباحث على أمرهم. روى ابن حبان والمنذري: عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر بن حجر الكلاعي قالا: "أتينا العرباض بن سارية - وهو ممن نزل فيه ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين، وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: "صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.."قال المنذري: "وأخرجه الترمذي وابن ماجه وليس في حديثهما ذكر حجر ابن حجر، غير أن الترمذي أشار إليه تعليقا"وقال الترمذي: "حسن: صحيح"والخلفاءَ: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.. وقال ﷺ "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر.. فخص اثنين- فإذا قال أحدهما قولا وخالفه فيه أحد من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى.. ويقول الخطابي في معالم السنن أيضا: (والنواجذ) آخر الأضراس.. واحدها ناجذ.. وإنما أراد الجد في لزوم السنة، فعل من أمسك الشيء بين أضراسه، وعضو عليه، منعا له أن ينتزع، وذلك أشد ما يكون من التمسك بالشيء، إذا كان ما يمسكه بمقاديم فيه أقرب تناولا وأسهل انتزاعا.
стр. 9275
وقد يكون معناه أيضا: الأمر بالصبر على ما يصيبه من المضض في ذات الله، كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه.. وقوله: "كل محدثة بدعة" فإن هذا خاص في بعض الأمور دون بعض، وكل شيء على غير أصل من أصول الدين، وعلى غير عياره وقياسه.. وأما ما كان مبنيا على قواعد الأصول ومردود إليها فليصل ببدعة ولا ضلالة. [٢٢] ..
وقال ابن حبان قال أبو حاتم: في قوله ﷺ : "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا فعليكم بسنتي.." "دليل صحيح على أنه ﷺ أمر أمته بمعرفة الضعفاء من الثقاة لأنه لا يتهيأ لزوم السنة مع ما خالطها من الكذب والأباطيل إلا بمعرفة الضعفاء من الثقاة وقد علم النبي ﵊ بما يكون من ذلك في أمته إذ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ... "
الأمر بجرح الضفعاء ونشوء هذا العلم.
تحت هذا الموضوع سنبين الأدلة المجوزة في جرح الضعفاء وأنه من الدين، وبيان الفرق بين الجرح والغيبة المنهي عنها..
стр. 9276
روى محمد بن حبان بسنده عن سعيد بن المسيب قال: مر عمر بن الخطاب بحسان ابن ثابت وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال حسان: "قد كنت أنشد فيه مع من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: "أنشدكَ الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا حسان أجب عني.. اللهم أيده بروح القدس؟ " قال: "نعم" [٢٣] ورواه مسلم في صحيحه [٢٤] قال أبو حاتم: "في هذا ... كالدليل على الأمر بجرح الضعفاء، لأن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت أجب عني، وإنما أمر أن يذب عنه ما كان يقول عليه المشركون فإذا كان في تقول المشركين على رسول الله ﷺ يأمر أن يذب عنه، وإن لم يضر كذبهم المسلمين، ولا أحلوا به الحرام، ولا حرموا به الحلال، كان من كذب على رسول الله ﷺ من المسلمين الذي يحل الحرام ويحرم الحلال بروايتهم أحرى أن يؤمر بذب ذلك الكذب عنه ﷺ ".
وعقب أبو حاتم على حديث أبي هريرة: "يتقارب الزمان وينقص وتظهر الفتن ويكثر الهرج".
стр. 9277
قال: إن العلم ينقص عند تقارب الزمان، وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد، وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو ضد العلم، ولست أعلم العلوم كلها إلا في زيادة إلا هذا الجنس الواحد من العلم، وهو الذي لا يكون للإسلام قوام إلا به، إذ الله جل وعلا أمر باتباع رسوله ﵊، وعند التنازع الرجوع إلى ملته وعند الحوادث حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..﴾ [٢٥] ثم نفى الإيمان عمن لم يحكم رسول ﷺ فيما شجر بينهم فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [٢٦] فمن لم يحفظ سنن النبي ﷺ ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها ولا عرف الثقاة من المحدثين ولا الضعفاء والمتروكين ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يحسن معاني الأخبار والجمع بين تضادها في الظواهر ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام، ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاص.. ولا الأمر الذي هو فريضة وإيجاب، ولا الأمر الذي هو فضيلة وإرشاد، ولا النهي الذي هو حتم لا يجوز ارتكابه من النهي الذي هو ندب يباح استعماله، مع سائر فصول السنن، وأنواع أسباب الأخبار كيف يستحل أن يفتي، أو كيف يسوغ لنفسه تحريم الحلال، أو تحليل الحرام تقليد أمنه لمن يخطئ ويصيب رافضا قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﷺ .
وقد أخبر ﷺ عن كيفية نقص العلم الذي ذكره في خبر أبي هريرة، وأن ذلك ليس برفع العلم نفسه، بل موت العلماء الذين يحسنون ذلك.
وهم وقع فيه البعض..
стр. 9278
بعض الناس وقعوا في وهم سببه أنهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين وصف الشخص بما يجرحه نصيحة ومصلحة للشريعة الغراء وبين الغيبة التي يقصد بها القدح والانتقاص بدون مصلحة تتعلق بالدين.
وقد عقد الخطيب البغدادي بابا في وجوب تعريف المزكي ما عنده من حال المسئول عنه.. ومهد له بما رواه بسنده عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سئل علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.."
стр. 9279
وقد أنكر قوم لم يتبحروا في العلوم قول الحافظ من أئمتنا، وأولى المعرفة من أسلافنا الراوي ضعيف، وفلانا غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام ورأوا في ذلك غيبة لمن قيل فيه، إن كان الأمر على ما ذكره القائل، وإن كان الأمر على خلافه فهو بهتان.. واحتجوا بالحديث الذي رواه الخطيب بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل ما الغيبة فقال: "ذكرك أخاك بما يكره"قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول ففد بهته.." وروى محمد بن حبان بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قيل لرسول الله ﷺ : "ما الغيبة؟ "الحديث.. قال أبو حاتم: "احتج بهذا ممن ليس الحديث صناعتهم، وزعموا أن قول أئمتنا فلان ليس بشيء، وفلان ضعيف، وما يشبه هذا من المقال غيبة إن كان فيهم ما قيل، وإلا فهو بهتان عظيم" [٢٧] ثم قال: "إن هذا ليس بالغيبة المنهي عنها وذلك أن المسلمين قاطبة ليس بينهم خلاف أن الخبر لا يجب أن يسمع عند الاحتجاج إلا من الصدوق العاقل، فكان في إجماعهم هذا دليل على إباحة جرح من لم يكن يصدق في الرواية عن أن السنة تصرح عن المصطفى ﷺ بضد ما انتحل مخالفونا فيه.."وعن ابن حبان الخبر الدال على صحة ما ذهب إليه.. قال حدثنا الحسن ابن سفيان الشيباني قال أنبانا روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن عروة عن عائشة قالت: أقبل رجل فلما رآه النبي ﷺ قال: "بئس أخو العشيرة، أو قال ابن العشيرة.."فلما جاء النبي ﷺ كلمه وانبسط إليه فلما ولى قالت عائشة يا رسول الله: "لما رأيته قلت.. ولما جاء كلمته وانبسطت إليه"، فقال يا عائشة: "إن شر أمتي عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه"قال أبو حاتم: وفي هذا الخبر دليل على إخبار الرجل بما في الرجل على
стр. 9280
جنس الإبانة أو الديانة ليس بغيبة إذ النبي ﷺ قال: "بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة"، ولو كان هذا غيبة لم يطلقها رسول الله ﷺ وإنما أراد بقوله هذا أن يفتدي ترك الفحش، إلا أنه أراد ثلبه وإنما الغيبة ما يريد القائل القدح في المقول فيه، وأئمتنا رحمة الله عليهم إنما بينوا هذه الأشياء
وأطلقوا الجرح في غير العدول لئلا يحتج بأخبارهم لا أنهم أرادوا ثلبهم والوقيعة فيهم.
والإخبار عن الشيء لا يكون غيبة إذا أراد القائل به الثلب [٢٨] وجاء في مختصر سنن أبي داوود للمنذري [٢٩] عن أبي هريرة ﵁ أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره"قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته".
ومعنى هذا: أي قلت فيه البهتان وهو الباطل وقيل واجهته بما لم يفعل.
وقيل قلت فيه من الباطل ما حيرته به.. يقال بهت الرجل بفتح الباء وكسر الهاء إذا تحير وبهت بضم الهاء - مثله.. وأفصح منها بهت - بضم الباء وكسر الهاء -
قال الله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ..﴾ [٣٠] .
وقال بعضهم: الاغتياب حرام والغيبة ذكر الإنسان بما يكره في غيبته- والبهت وجهه، وكلاهما مذموم كان بحق أو بباطل، إلا أن يكون بوجه شرعي..
فيقول ذلك في وجهه على طريق الوعظ والنصيحة وله التعريض دون التصريح والحديث رواه مسلم بسنده عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة به.
قال النووي: "باب تحريم الغيبة وفيه يقال بهته بفتح الهاء مخففة قلت فيه البهتان وهو الباطل؛ والغيبة: ذكر الإنسان في غيبته بما يكره وأصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه وهما حرامان لكن تباح لغرض شرعي، وذلك لستة أسباب:
следующие страницы →