← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.

стр. 9276

روى محمد بن حبان بسنده عن سعيد بن المسيب قال: مر عمر بن الخطاب بحسان ابن ثابت وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال حسان: "قد كنت أنشد فيه مع من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: "أنشدكَ الله هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يا حسان أجب عني.. اللهم أيده بروح القدس؟ " قال: "نعم" [٢٣] ورواه مسلم في صحيحه [٢٤] قال أبو حاتم: "في هذا ... كالدليل على الأمر بجرح الضعفاء، لأن النبي ﷺ قال لحسان بن ثابت أجب عني، وإنما أمر أن يذب عنه ما كان يقول عليه المشركون فإذا كان في تقول المشركين على رسول الله ﷺ يأمر أن يذب عنه، وإن لم يضر كذبهم المسلمين، ولا أحلوا به الحرام، ولا حرموا به الحلال، كان من كذب على رسول الله ﷺ من المسلمين الذي يحل الحرام ويحرم الحلال بروايتهم أحرى أن يؤمر بذب ذلك الكذب عنه ﷺ ". وعقب أبو حاتم على حديث أبي هريرة: "يتقارب الزمان وينقص وتظهر الفتن ويكثر الهرج".

стр. 9277

قال: إن العلم ينقص عند تقارب الزمان، وفيه دليل على أن ضد العلم يزيد، وكل شيء زاد مما لم يكن مرجعه إلى الكتاب والسنة فهو ضد العلم، ولست أعلم العلوم كلها إلا في زيادة إلا هذا الجنس الواحد من العلم، وهو الذي لا يكون للإسلام قوام إلا به، إذ الله جل وعلا أمر باتباع رسوله ﵊، وعند التنازع الرجوع إلى ملته وعند الحوادث حيث قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا..﴾ [٢٥] ثم نفى الإيمان عمن لم يحكم رسول ﷺ فيما شجر بينهم فقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [٢٦] فمن لم يحفظ سنن النبي ﷺ ولم يحسن تمييز صحيحها من سقيمها ولا عرف الثقاة من المحدثين ولا الضعفاء والمتروكين ومن يجب قبول انفراد خبره ممن لا يجب قبول زيادة الألفاظ في روايته، ولم يحسن معاني الأخبار والجمع بين تضادها في الظواهر ولا الناسخ من المنسوخ، ولا اللفظ الخاص الذي يراد به العام، ولا اللفظ العام الذي يراد به الخاص.. ولا الأمر الذي هو فريضة وإيجاب، ولا الأمر الذي هو فضيلة وإرشاد، ولا النهي الذي هو حتم لا يجوز ارتكابه من النهي الذي هو ندب يباح استعماله، مع سائر فصول السنن، وأنواع أسباب الأخبار كيف يستحل أن يفتي، أو كيف يسوغ لنفسه تحريم الحلال، أو تحليل الحرام تقليد أمنه لمن يخطئ ويصيب رافضا قول من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﷺ . وقد أخبر ﷺ عن كيفية نقص العلم الذي ذكره في خبر أبي هريرة، وأن ذلك ليس برفع العلم نفسه، بل موت العلماء الذين يحسنون ذلك. وهم وقع فيه البعض..

стр. 9278

بعض الناس وقعوا في وهم سببه أنهم لم يستطيعوا أن يفرقوا بين وصف الشخص بما يجرحه نصيحة ومصلحة للشريعة الغراء وبين الغيبة التي يقصد بها القدح والانتقاص بدون مصلحة تتعلق بالدين. وقد عقد الخطيب البغدادي بابا في وجوب تعريف المزكي ما عنده من حال المسئول عنه.. ومهد له بما رواه بسنده عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من سئل علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار.."

стр. 9279

وقد أنكر قوم لم يتبحروا في العلوم قول الحافظ من أئمتنا، وأولى المعرفة من أسلافنا الراوي ضعيف، وفلانا غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام ورأوا في ذلك غيبة لمن قيل فيه، إن كان الأمر على ما ذكره القائل، وإن كان الأمر على خلافه فهو بهتان.. واحتجوا بالحديث الذي رواه الخطيب بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل ما الغيبة فقال: "ذكرك أخاك بما يكره"قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان في أخيك ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول ففد بهته.." وروى محمد بن حبان بسنده عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قيل لرسول الله ﷺ : "ما الغيبة؟ "الحديث.. قال أبو حاتم: "احتج بهذا ممن ليس الحديث صناعتهم، وزعموا أن قول أئمتنا فلان ليس بشيء، وفلان ضعيف، وما يشبه هذا من المقال غيبة إن كان فيهم ما قيل، وإلا فهو بهتان عظيم" [٢٧] ثم قال: "إن هذا ليس بالغيبة المنهي عنها وذلك أن المسلمين قاطبة ليس بينهم خلاف أن الخبر لا يجب أن يسمع عند الاحتجاج إلا من الصدوق العاقل، فكان في إجماعهم هذا دليل على إباحة جرح من لم يكن يصدق في الرواية عن أن السنة تصرح عن المصطفى ﷺ بضد ما انتحل مخالفونا فيه.."وعن ابن حبان الخبر الدال على صحة ما ذهب إليه.. قال حدثنا الحسن ابن سفيان الشيباني قال أنبانا روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن عروة عن عائشة قالت: أقبل رجل فلما رآه النبي ﷺ قال: "بئس أخو العشيرة، أو قال ابن العشيرة.."فلما جاء النبي ﷺ كلمه وانبسط إليه فلما ولى قالت عائشة يا رسول الله: "لما رأيته قلت.. ولما جاء كلمته وانبسطت إليه"، فقال يا عائشة: "إن شر أمتي عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه"قال أبو حاتم: وفي هذا الخبر دليل على إخبار الرجل بما في الرجل على

стр. 9280

جنس الإبانة أو الديانة ليس بغيبة إذ النبي ﷺ قال: "بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة"، ولو كان هذا غيبة لم يطلقها رسول الله ﷺ وإنما أراد بقوله هذا أن يفتدي ترك الفحش، إلا أنه أراد ثلبه وإنما الغيبة ما يريد القائل القدح في المقول فيه، وأئمتنا رحمة الله عليهم إنما بينوا هذه الأشياء وأطلقوا الجرح في غير العدول لئلا يحتج بأخبارهم لا أنهم أرادوا ثلبهم والوقيعة فيهم. والإخبار عن الشيء لا يكون غيبة إذا أراد القائل به الثلب [٢٨] وجاء في مختصر سنن أبي داوود للمنذري [٢٩] عن أبي هريرة ﵁ أنه قيل يا رسول الله ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره"قيل أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". ومعنى هذا: أي قلت فيه البهتان وهو الباطل وقيل واجهته بما لم يفعل. وقيل قلت فيه من الباطل ما حيرته به.. يقال بهت الرجل بفتح الباء وكسر الهاء إذا تحير وبهت بضم الهاء - مثله.. وأفصح منها بهت - بضم الباء وكسر الهاء - قال الله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ..﴾ [٣٠] . وقال بعضهم: الاغتياب حرام والغيبة ذكر الإنسان بما يكره في غيبته- والبهت وجهه، وكلاهما مذموم كان بحق أو بباطل، إلا أن يكون بوجه شرعي.. فيقول ذلك في وجهه على طريق الوعظ والنصيحة وله التعريض دون التصريح والحديث رواه مسلم بسنده عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة به. قال النووي: "باب تحريم الغيبة وفيه يقال بهته بفتح الهاء مخففة قلت فيه البهتان وهو الباطل؛ والغيبة: ذكر الإنسان في غيبته بما يكره وأصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه وهما حرامان لكن تباح لغرض شرعي، وذلك لستة أسباب:

стр. 9281

(١) التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم لدى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول ظلمني فلان أو فعل بي كذا.. (٢) الاستغاثة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فأزجره عني ونحو ذلك.. (٣) الاستفتاء: بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا فهل له ذلك وما طريقي في الخلاص منه ورفع ظلمه عني ونحو ذلك فهذا جائز، والأجود أن يقول في رجل أو زوج أو والد وولد كان من أمره كذا ومع ذلكَ فالتعيين جائز لحديث هند وقولها: "إن أبا سفيان رجل شحيح". (٤) تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب صونا للشريعة. ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة في مصاهرته، ومنها إذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو عبدا سارقا أو زانيا أو شاربا أو نحو ذلك تذكره للمشتري إذا لم يلعمه نصيحة لا بقصد الإيذاء والإفساد، ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علما وخفت عليه ضرره فعليك نصيحته ببيان حاله قاصدا النصيحة. ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل بها على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة. (٥) أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالخمر ومصادرة الناس وجباية المكوس وتولي الأمور الباطلة فيجوز بغيره إلا بسبب آخر. (٦) التعريف: فإذا كان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأزرق والقصير والأعمى والأقطع والأحول والضال ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصا.. ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.

стр. 9282

أما عن حديث عائشة السابق في الرجل الذي تكلم فيه النبي ﵌ فقد ذكره المنذري في مختصر السنن عن عروة، وهو ابن الزبير رضى الله عنهما عن عائشة رضى الله عنها قالت: استأذن على النبي ﷺ رجل فقال: "بئس ابن العشيرة - أو بئس رجل العشيرة -"ثم قال: "أئذنوا له". فلما دخل ألان له القول، فقالت عائشة: "يا رسول الله ألنت له القول وقد قلت ما قلت؟ "قال: "إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من ودعه الناس- أو تركه - الناس اتقاء فحشه". وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي. قال المنذري: "وهذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري". وقيل: "هو مخرمة بن نوفل الزهري والد المسور بن مخرمة". وعن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة ﵂: أن رجلا استأذن على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "بئس أخو العشيرة.. فلما دخل انبسط إليه رسول الله ﷺ وكلمه، فلما خرج قلت: "يا رسول الله لما استأذن قلت بئس أخو العشيرة فلما دخل انبسطت له؟ " فقال: "يا عائشة إن الله لا يحب الفاحش المتفحش.." [٣١] قال الشيخ الخطابي: "أصل الفحش زيادة الشيء على مقداره ومن هذا قول الفقهاء "يصلى في الثوب الذي أصابه الدم إذا لم يكن فاحشا"أي كثيرا مجاوزا للقدر الذي يتعافاه الناس فيما بينهم. يقول ﷺ : إن استقبال المرء صاحبه بعيوبه إفحاش والله لا يحب الفحش، ولكن الواجب أن يتأنى له، ويرفق به ويكني في القول، ويوري به ولا يصرح.

стр. 9283

وفيه أن النبي ﷺ قد ذكره بالعيب الذي عرف به قبل أن يدخل.. وهذا من النبي صلى اللَه علية وسلم لا يجري مجرى الغيبة، وإنما فيه تعريف الناس أمره، وزجرهم عن مثل مذهبه، ولعله تجاهر بسوء فعاله ومذهبه، ولا غيبة لمجاهر" [٣٢] . من ليست له غيبة: عن أبي عبد الله الجشمي عن جندب - وهو ابن عبد الله البجلي رضى الله عنه - قال: "جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها ثم دخل المسجد فصلى خلف رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، فلما سلم رسول الله ﷺ أتى راحلته فأطلقها.. ثم ركب ثم نادى "اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا أحدا"، فقال رسول الله ﷺ : "أتقولون هو أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟ قالوا بلى". أبو عبد اللَه - هذا هو عباس الجشمي، ذكره النسائي في كتاب الكنى وقد أخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه نحوا من حديث أبى وليس فيه الفصل الأخير.. وأخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك. قال الشيخ ابن القيم رحمه الله تعالى: (وإدخال أبي داود هذا الحديث هنا يريد به أن ذكر الرجل بما فيه في موضع الحاجة ليس بغيبة مثل هذا، ونظيره ما تقدم من حديث عائشة المتفق عليه "ائذنوا له فبئس أخو العشيرة" بوب عليه البخاري: "باب أهل الفساد والريب"وذكر في الباب عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا". وفي الباب حديث فاطمة بنت قيس لما خطبها معاوية وأبو جهم. فقال النبي ﷺ : "أما معاوية: فصعلوك، وأما أبو جهم: فلا يضع العصا عن عاتقه". وقالت هند للنبي ﷺ : "إن أبا سفيان رجل شحيح". وقال الأشعث بن قيس للنبي ﷺ في خصمه: "إنه امرؤ فاجر".

стр. 9284

وقال الحضرمي بين يدي رسول الله ﷺ في خصمه: "إنه رجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء ... "رواه مسلم [٣٣] . رأي الخطيب البغدادي في الأمر بجرح غير الثقاة من الرواة.. روى بسنده عن محمد ابن الفضل بن العباس يقول: "كنا عند عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو إذن يقرأ علينا كتاب (الجرح والتعديل) فدخل عليه يوسف بن الحسين الرازي فقال له: "يا أبا محمد ما هذا الذي تقرؤه على الناس؟ "قال: "كتاب صنفته في الجرح والتعديل"، قال: "وما الجرح والتعديل؟ "قال: "أظهر أحوال أهل العلم من كان منهم ثقة أو غير ثقة.." فقال له يوسف بن الحسين: "استحييت لك يا أبا محمد، كم من هؤلاء القوم قد حطوا رواحلهم في الجنة منذ مائة ومائتي سنة وأنت تذكرهم وتغتابهم على أديم الأرض"، فبكى عبد الرحمن وقال: "يا أبا يعقوب لو سمعت هذه الكلمة قبل تصنيفي هذا الكتاب لما صنعته". قال الخطيب: وليس الأمر على ما ذهبوا إليه، لأن أهل العلم أجمعوا على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به. وفي ذلك دليل على جواز الجرح إن لم يكن صدوقا في روايته مع أن سنة رسول الله ﷺ قد وردت مصرحة بتصديق ما ذكرنا.. وبضد قول من خالفنا. وروى حديث عروة بن الزبير عن عائشة: "ائذنوا له فبئس أخو العشيرة". قال: ففي قول النبي ﷺ للرجل: "بئس رجل العشيرة"، دليل أن أخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم من النصيحة للسائل ليس بغيبة. لما أطلقه النبي ﷺ ، وإنما أراد ﵊ بما ذكر فيه- والله اعلم- أن بئس للناس الحالة المذمومة منه، وهي الفحش، فيجتنبوها، لا أنه أراد الطعن عليه والثلب له.

стр. 9285

قال الخطيب: "وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة، إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل، لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره، والإخبار عن حقيقة الأمر إذا كان على الوجه الذي ذكرنا، لا يكون غيبة". يقول أيضا: ومما يؤيد ذلك حديث فاطمة بنت قيس الذي أخبرناه عبد الرحمن ابن عبيد الله الحرفي بسنده عن مالك بن أنس عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير فتسخطته فقال والله مالك علينا من شيء فجاءت رسول الله ﵌ فذكرت ذلك له. فقال: "ليس لك عليه نفقة"، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: "إنها امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم فانه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فأذيني"، قالت: "فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله ﷺ : "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه وأما معاوية فصعلوك لا مال له انكحي أسامة بن زيد"، قالت: "فكرهته"ثم قال: "انكحي أسامة ابن زيد" فنكحته فجعل الله فيه خيرا كثيرا واغتبطت به. في هذا الخبر دلالة على أن إجازة الجرح للضعفاء من جهة النصيحة لتجنب الرواية عنهم وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم لأن رسول الله ﷺ لما ذكر في أبي جهم أنه لا يضع عصاه عن عاتقه، وأخبر عن معاوية أنه صعلوك لا مال له، عند مشورة استشير فيها لا تتعدى المستشير كان ذكر العيوب الكامنة في بعض نقلة السنن التي يؤدي السكوت عن إظهارها عنهم، وكشفهم عليهم إلى تحريم الحلال وتحليل الحرام.. وإلى الفساد في شريعة الإسلام أولى بالجواز وأحق بالإظهار.

стр. 9286

وأما الغيبة التي نهى الله عنها بقوله : ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [٣٤] ،وزجر رسول الله ﷺ عنها بقوله: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم". فنهى عن ذكر الرجل عيوب أخيه يقصد بها الوضع منه والتنقيص له والازدراء به، فيما لا يعود إلى حكم النصيحة، وإيجاب الديانة من التحذير عن ائتمان الخائن وقبول خبر الفاسق، واستماع شهادة الكاذب، وقد تكون الكلمة الواحدة لها معنيان مختلفان على حسب اختلاف حال قائلها، في بعض الأحوال يأثم قائلها وفي حالة أخرى لا يأثم.. -------------------------------------------------------------------------------- [١] الجرح والتعديل لابن أبى حاتم قسم ١ ص ١٠ وأخرجه أبو داود، والترمذي، والبيهقي وهو حسن. [٢] سورة النساء آية (٥٩) . [٣] سورة النساء آية (٦٥) . [٤] سورة آل عمران آية (١١٠) [٥] سورة البقرة آية (١٣٤) [٦] سورة الفتح آية (١٨) [٧] سورة التوبة آية (١٠٠) [٨] سورة آية الأنفال آية (٦٤) [٩] سورة الحشر آية (٨،٩) [١٠] صحيح مسلم بشرح النووي جـ ص ٨٣،٨٩ [١١] الكفاية للخطيب (ص ٩٤) [١٢] صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١٦ ص ٨٤ وتهذيب السنن لابن القيم جـ ٧ حديث ٤٤٩١ [١٣] صحيح مسلم بشرح النووي جـ ١٦ ص ٩٢ [١٤] مختصر المزني مع معالم السنن جـ ٧ حديث ٤٤٩٣ ص ٣٤ [١٥] الحديد آية ١٠ [١٦] الكفاية للخطيب البغدادي ص ٩٧ [١٧] سورة النساء آية (١١٥) [١٨] الدجالون جمع دجال قال ثعلب: كل كذاب فهو دجال ويقال: الدجال المموه ودجل فلان إذا موه. ودجل بباطله إذا غطاه. [١٩] مقدمات كتاب الجرح والتعديل ص ١٤

стр. 9287

[٢٠] أصل الصعب. والذلول في الإبل، فالصعب العسر، المرغوب عنه. والذلول السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه. فالمعنى سلك الناس كل مسلك مما يحمد ويذم. لا يأذن أي لا يستمع ولا يصغي ومنه سميت الأذن. [٢١] انظر: مختصر سنن أبي داود لمنذري جـ ٧ ص ١١/١٢. ك السنة /باب في لزوم السنة حد [٢٢] نفس المرجع السابق. [٢٣] أنظر المجروحين لابن حبان جـ ١/ص ١٠/ط ١ [٢٤] المجروحين لابن حبان ص ١١/جـ ١ [٢٥] الحشر /٧ [٢٦] النساء /٦٥ [٢٧] كتاب المجروحين لابن حبان البستي جـ ١/ ص ١٧ [٢٨] ابن حبان جـ ١/ ص ١٩ [٢٩] مختصر المنذري للسنن جـ ٧/ ص ١١٢ باب في [٣٠] سورة البقرة آية (٢٥٨) [٣١] مختصر المنذري على سنن أبي داود جـ ٧/ ص ١٦٩ـ١٧٠ كتاب الأدب حديث رقم /٤٦٢٤ [٣٢] نفس المرجع ص ١٧١ [٣٣] مختصر المنذري جـ ٧/ ص ٢١٧ حديث ٤٧١٧ [٣٤] سورة الحجرات آية (١٢)

стр. 9288

مفهوم الأسماء والصفات (الحلقة الأولى) فضيلة الشيخ سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية أسلفت القول في أنني أهتم أعظم الاهتمام بقضايا العقيدة الإسلامية. وهكذا ينبغي أن يكون شأن كل مسلم- ذلك بأن العقيدة هي الركيزة التي يقوم عليها ديننا الإسلام، فمن أفسدها، أو جحدها، أو كفر بها، بطل عمله مهما أكثر منه وحسبه صالحا، وحتى لو كان قد أقر قبل بالشهادتين، فإن إقراره يعتبر منقوضا بما ارتكب مما ينافي مقتضاهما مثله كمثل المتوضئ الذي يحدث ثم يصلي، فإن صلاته تكون - لنقضه وضوءه - بلا ريب باطلة شاء أم أبى. فكذلك مفسد العقيدة، أو الجاحد لها، أو الكافر بها- بمسلكه الشركي أو الكفري - أعماله باطلة شاء أم أبى ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام آية ٨٨) ، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ (المائدة: آية ٥) إن العقيدة بمثابة الروح للبدن، وهل تجد نبضة من حياة في بدن فاضت منه روحه؟.

стр. 9289

إننا إذا جلنا جولات خاطفة متبصرة في المجتمعات الإسلامية، لألفيناها- إلا من رحم الله وحمى منها- أبداناً وهياكل لا روح فيها، لا تقيم للعقيدة الصحيحة وزنا، ولا تتبين معاني التوحيد والشرك، والسنة والبدعة، والحق والباطل، إذ اضطربت في أذهان أفرادها معالم الشريعة، ففقدوا بذلك الفرقان الذي يميز الخبيث من الطيب، ومن ثم لم يعنوا بالتعرف على الله، والتجرد له، واستهانوا بمراقبته وتقواه، وهل يوجد الفرقان في قلب المؤمن إلا بتقوى الله؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ (الأنفال آية ٢٩) . وبهذا اختلت الموازين لدى من ينتسبون إلى الإسلام، فلم يميزوا بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم، ولا بين عدوهم وبين حبيبهم، ولا بين من يقدم لهم طعاماً وبين من يجعلهم له طعاماً، وبين من يمد إليهم يده مصافحا، وبين من يمدها إليهم طاعناً، وأخذوا يسمعون لكل ناعق،.. ويجرون وراء كل داع، فعميت عليهم الأنباء، وأصبحوا في أمر مريج،.. وانتهى مطافهم إلى أن دب الخلاف فيما بينهم، وانكبوا على الدنيا وشهواتها يتنافسون..، فهزلت شخصياتهم..، وبهتت ألوانهم، وخفتت أصوات الحق فيهم- إلا من رحم الله ووفق-، ونظر إليهم أعداؤهم- أعداء الله - فوجدوهم هكذا غثاء كغثاء السيل، رغم بلوغ عددهم ما يقارب ألفا من الملايين، فما خشوا بأسهم واستهانوا بهم، وأخذوا يخططون لضرب وحدتهم أولا، فلما فرقوهم سهل عليهم التهامهم أمة تلو أمة ثانيا، ثم أخذ أعداء الله الدنيا بقوة، وأصلحوا فيها أمرهم، فبلغوا من التقدم ما حطوا به على سطح القمر وغيره من الكواكب- وصار ميزان العالم كفتين: كفة يشغلها ملاحدة شيوعيون، تقابلها كفة أخرى يشغلها صهاينة جشعون، يعاونهم صليبيون حاقدون. وكل من القوتين الباغيتين لا تحب الإسلام ولا ترضى عن المسلمين طالما أنهم مسلمون، وقد قرر الله تعالى هذه الحقيقة في قوله: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ

стр. 9290

الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم﴾ (البقرة آية ١٢٠) ، ثم بين سبحانه طريق الحق وحذر من اتباع أهواء هؤلاء المتخبطين فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (البقرة آية ١٢٠) - والملاحدة الشيوعيون أولى أن لا يرضوا عن المسلمين حتى ينسلخوا من دينهم ويتبعوا إلحادهم - ولا ينبغي أن نغمض أعيننا عن واقع المسلمين، ونهيم في ملذات الحياة الدينا غافلين، إنما يجب علينا أن نرفع غشاوة أعيننا، ونشحدآذاننا، ونفتح مغاليق قلوبنا، ثم نتدبر ونفكر كيف نسير لصد هذا الموج الإجرامي العنيف. لنلق نظرةَ على إخواننا المسلمين في الفلبين، وبورما، وتايلاند، وأفغانستان، وفلسطين المحتلة، وإريتريا، والصومال- لنرى ما يمارسه العتاة المجرمون أعداء الله مع المسلمين في تلك الأمم من حرب الإبادة ابتغاء طمس معالم الإسلام فيها، ومحاولة تحويلها- لا قدر الله- إلى بلاد كفر وإلحاد. ونشحذ آذاننا، ونفتح مغاليق قلوبنا، ثم نتدبر، ونفكر كيف نسير لصد هذا الموج الإجرامي العنيف. لنلق نظرة على إخواننا المسلمين الفلبين، وبورما، وتايلاند، وأفغانستان، وفلسطين، وأريتريا والصومال - لنرى ما يمارسه العتاة المجرمون أعداء الله مع المسلمين في تلك الأمم من حرب الإبادة ابتغاء طمس معالم الإسلام فيها، ومحاولة تحويلها - لا قدر الله - إلى بلاد كفر وغلحاد. ألا تتقطع نياط القلوب المؤمنة حين تترامى تلك الأنباء المفجعة بمحاولات وغدر أولئك الباغين الذين قتلوا وشردوا إخوتنا في الله بغير ذنب إلا أن يقولوا ربنا الله؟.

стр. 9291

ألا تتمزق الصدور التي شرحها الله بالإسلام حين تحمل إذاعات العالم بيان ضاري المعارك التي يستميت فيها أبناء الإسلام المستضعفين في محاولة لحماية حماه؟ إن الدول الإسلامية مهما اختلفت مواقعها واتجاهاتها الخاصة إنما هي بحكم الله أمة واحدة فلماذا ندعها تتمزق وتتقطع أواصرها؟ أليس الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء آية ٩٢) . فأين تطبيق هذا بين المسلمين؟، وأين تطبيق قول رسول الله ﷺ : "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى" (البخاري) ؟ وأين تطبيق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصف آية ١١) وأين الجهاد في سبيل الله لإنقاذ المسلمين الذين أحيط بهم؟ وسامهم المجرمون الغادرون ألوان العذاب؟ لا بالنفس نرى جهادا ولا بالمال- إلا من رحم الله- نجد بذلا؟ فلماذا؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ. إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة آية ٢٨، ٢٩) ﴿يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً؟ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ؟ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ

стр. 9292

رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي؟﴾ (طه: آية ٨٦) . هل هذا التخاذل عن الجهاد بالنفس خشية القتل؟ أليس الله تعالى يقول؟ ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ؟ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة آية ٥١، ٥٢) . فنتيجة الجهاد بالنفس: إما نصر يحمل الخير ويرفع كلمة الله، وإما استشهاد لا موت معه بل حياة به عند الله - وهل هذا التخاذل من الأكثرين عن الجهاد بالمال خشية نفاذه؟ أليس الله تعالى قد ضمن الرزق لكل من خلق. وأنت ممن خلق- فطمأنك وأكد لك وقال لك: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (الذاريات آية ٢٢، ٢٣) - ثم زاد اطمئنانك فبين أن ما لديه غير قابل للنفاذ إطلاقا فقال سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ - (ص آية ٥٤) . أين عدة المسلمين الموحدة التي أمرهم الله تعالى بإعدادها لدحر أعداء الإسلام بأي اسم كانوا وعلى أي أرض وجدوا؟ أين تنفيذ أمره تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُم﴾ (الأنفال آية ٦٠) .

стр. 9293

لم هذا التباطؤ والانكباب على هذه الحياة المترفة التي حولت أغلب لبنات الأمم الإسلامية - إلا من رحم الله - إلى لبنات هشة ناعمة لا تقوى على مجابهات أعداء الله وصد شراستهم في تحركات غادرة بغية محو كيان المجتمع الإسلامي من خارطة العالم، وإذا في مجتمعاتهم الصارخة بالإلحاد والكفر- إن كل مؤمن يملأ قلبه أمل عريض، وضراعة إلى الله صادقة، أن يجمع شتات الأمم الإسلامية ويوحد فرقتها، ويبدد الخلافات بينها، ويجعلها أمة واحدة، معبودها رب واحد، وقدوتها إمام واحد، ونهجها كتاب واحد، ووجهتها قبلة واحدة، وغايتها- بإعلاء كلمة الله- واحدة. إنه مما لا شك فيه أن اجتماع الأمم الإسلامية- وخاصة إذا دعمها الإيمان - يرهب أعداء الله، ويملأ قلوبهم رعبا وفزعا؛ ثم إن يد الله دائما على الجماعة المؤمنة، وهذا يستتبع نصره لها ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر آية ٥١) لما ينصرف أكثر المسلمين عن هدى الله ويصبحون إمَعات؟ إن أحسن الناس أحسنوا تقليدا غير بصير على نهجهم؟ وإن أساءوا أساءوا تقليدا غير بصير كذلك على دربهم؟ إنني أتصور أن الذي صرف أكثر هؤلاء المسلمين عن الله إنما هو جهلهم بالله، ومن جهل الله جهل ما قال، وكما يقال: "من جهل شيئا عاداه". ومن ثم لما جهلوا الله عادوه، ولجئوا إلى غيره فأشركوا فحبطت أعمالهم، ولما جهلوا قول الله تعالى عادوه كَذلكَ، ولجئوا إلى قول غيره، فضلوا وتخبطوا، واستشرى فسادهم، وعم شقاؤهم. وصدق الله جل وعلا حين قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا﴾ (طه آية ١٢٤) . فلابد إذن للمسلم أن يتعرف على الله تعالى حتى يعبد إلها يعرفه، فتسلم له عباداته- وقد ذكر بعض العلماء فوائد معرفة صفات الله وأسمائه، وأفعاله وتقديسه عن النقائص، ونجمل هذه الفوائد - لعظيم أهميتها- فيما يلي:

стр. 9294

١- أن معرفة الله تعالى هي من أشرف العلوم وأجلها على الإطلاق، إذ الاشتغال بفهمها والبحث التام عنها هو اشتغال بأعلى المطالب، وحصوله للعبد هو من أشرف المواهب. ٢- أن معرفة الله تعالى تدعو إلى محبته، وخشيته، وخوفه، ورجائه، وإخلاص العمل له، وهذا هو عين سعادة العبد. ولا يمكن معرفة الله إلا بمعرفة أسمائه وصفاته وفهم معانيها؛ وقد اشتمل القرآن الكريم من تفصيلها، وبيان تعرف الله بها إلى عباده، وتعريفهم لنفسه كي يعرفوه ما لم يشتمل عليه غيره من بيان. ٣- أن معرفة الله تعالى هي أحد أركان الإيمان، بل أفضلها وأصلها، وليس الإيمان مجرد قوله: "آمنت بالله"من غير معرفته بربه، بل إن حقيقة الإيمان أن يعرف الرب الذي يؤمن به، بل ويجب عليه أن يبذل جهده في معرفة أسمائه وصفاته حتى يبلغ درجة اليقين، وبحسب معرفة العبد بربه تكون درجة إيمانه، فكلما ازداد معرفة بربه ازداد إيمانه، وكلما نقصت معرفته نقص إيمانه، وأقرب طريق يوصل إلى معرفة الله تعالى تدبر أسمائه وصفاته من نصوص القرآن والسنة، فإذا مر به اسم من أسماء الله تعالى أثبت له معناه، وما يتضمنه من صفات كمال مطلقة، ومع ذلك ينزهه سبحانه عما يضاد كماله. ٤- أن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه، فيقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات آية ٣٦) ، ولا يمكن أن يعبدوه دون أن يعرفوه، فلا بد من معرفتهم له سبحانه ليحققوا الغاية المطلوبة منهم والحكمة من خلقهم، والاشتغال بمعرفته سبحانه هو اشتغال العبد بما خلق له، وتركه وتضييعه إهمال لما خلق له، وقبيح بعبد لم تزل نعم الله عليه متواترة، وفضله عليه عظيم متوال من كل وجه، أن يكون جاهلا بربه، معرضا عن معرفته.

стр. 9295

٥- أن معرفة الله تعالى هي أصل الأشياء كلها، حتى أن العارف به سبحانه حق المعرفة يستدل بما عرف من صفاته، وأفعاله على ما يفعله، وعلى ما يشرعه من الأحكام، لأنه سبحانه لا يفعل إلا ما هو مقتضى أسمائه وصفاته، فأفعاله دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وكذلك لا يشرع ما يشرعه من أحكام إلا حسب ما يقتضيه حمده وحكمته، وفضله وعدله. فأخباره كلها حق وصدق، وأوامره ونواهيه كلها عدل وحكمة [١] . مما سلف يتبين أن معرفة الله تعالى لها من الأهمية العظمى للعبد ما لا يتصور استغناؤه عنه، لأنها الركيزة التي يقوم عليها حكمة إيجاده وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له. لهذا بدأت في محاولة لتنبيه من غفل من المسلمين إلى أهمية العقيدة الإسلامية- أساس هذا الدين- ليجعلوا منطلق أعمالهم منها، حتى تصح لهم بالبناء عليها جميع الأعمال، وعلى الله بعد ذلك في قبولها تنعقد الآمال. ولقد تبلْور في فهمي ما أردت بيانه في بابين: الباب الأول: باب (التعرف على الله تعالى) : وهذا الباب يشمل بدوره قضيتين: إحداهما: (مفهوم الربوبية) وقد أسلفت بيانها تحت عنوان: (مفهوم الربوبية) في أربع حلقات مضَيْنَ. وثانيهما: (مفهوم الأسماء والصفات) وهي موضوع حلقاتي التي تبدأ بحلقتنا هذه، وأسأل الله أن يريني الحق حقا ويرزقني اتباعه، وحسن بيانه للناس. وهذا الباب يشمل بدوره قضيتين كذلك: إحداهما: (مفهوم الإلهية) . وثانيتهما: (مفهوم التشريع) وذلك انطلاقا من قوله جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف آية ٤٠) حقا إن أكثر الناس لا يعلمون أن الحكم لله وحده، وأن العبادة كذلك لله وحده سبحانه.

стр. 9296

وإلى هذا المقام، أجدني قد اقتربت من مدخل الموضوع الذي أريد أن أعالجه، وهو القضية الثانية من باب (التعرف على الله تعالى) وهي:- (مفهوم الأسماء والصفات) نقسم هذا الموضوع إلى مبحثين: المبحث الأول: أسماء الله تعالى. المبحث الثاني: صفات الله تعالى. أولا أسماء الله تعالى (الأسماء الحسنى) معنى الأسماءِ: أسماء جمع اسم، والاسم: معناه لغة هو ما يعرف به الشيء ويستدل عليه. وعند النحاة: هو ما دل على معنى في نفسه غير مقترن بزمن. والاسم الأعظم: هو الاسم الجامع لمعاني صفات الله . واسم الجلالة: أو لفظ الجلالة: هو الله، وهو اسمه . واصطلاحاَ: إذا قيل: أسماء الله تعالى، أو أسماء الله تعالى وصفاته، أو الأسماء والصفات، كان معنى الأسماء أسماء الله تعالى الحسنى التي تسمى بها سبحانه، واستأثر بها لنفسه جل وعلا. لم سميت أسماء الله تعالى بالأسماء الحسنى؟ وردت تسمية الأسماء الحسنى في قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) وفي قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (طه آية ٨) . وسميت الأسماء الحسنى، لأنها حسن في الأسماع والقلوب، وتدل على توحيده، وكرمه وجوده، ورحمته، وأفضاله [٢] كما أنها تدل على أحسن مسمى، وأشرف مدلول. وكل اسم يدل على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت أسماء الله تعالى جميعا حسنى، فهي ليست أعلاماً محضة، إذ لو كانت كذلك ولم تتضمن صفات الكمال لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صافات ليست بصفات كمال: كصفات نقص، أو صفات منقسمة إلى المدح.. والقدح لم تكن حسنى [٣] .

стр. 9297

فكل اسم من أسمائه تعالى دال على جميع الصفة التي اشتق منها لجميع معناها، وذلك نحو اسم الدال (العليم) الدال على أن له علما محيطاً عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. واسم (الرحيم) الدال عَلى أن له رحمة عظمية واسعة لكل شيء. واسم (القدير) الدال على أن له قدرة عامة لا يعجزها شيء - ونحو ذلك. ومن تمام كونها حسنى أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) [٤] .. ما سبب نزول آية ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ؟ قال مقاتل وغيره من المفسرين: "نزلت هذه الآية في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين فأنزل الله تعالى الآية" [٥] . هل حصرت الأسماء الحسنى بعدد معين؟

стр. 9298

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال وسول الله ﷺ : "إن لله تسعا وتسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر" أخرجاه في الصحيحين، والبخاري، وأخرجه الترمذي عن شعيب فذكره بسنده مثله، وزاد بعد قوله: "يحب الوتر": "هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور" ثم قال الترمذي: "هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث"، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق صفوان به [٦] . ومعنى إحصاء الأسماء الحسنى المشار إليه في الحديث عند قوله صلى الله عليه سلم: "من أحصاها دخل الجنة"؛ هو: عدها، وحفظها، وفهم معانيها، ودعاء الله بها دعاء عبادة ودعاء مسألة.

стр. 9299

والأسماء الحسنى ليست محصورة بعدد معين، ودليل ذلك: ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتكَ، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلْقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعلَ القران العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمًه، وأبدل مكانه فرجا"فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: "بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها". فقوله ﷺ : "أو استأثرت به في علم الغيب عندك" دليل على أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء لم ينزلها في كتابه، ولم يعلمها أحدا من خلقه، وإنما استأثر بها في علم الغيب عنده سبحانه، ومن ثم كان هذا دليلا على أن أسماء الله جل وعلا لم تحصر بعدد معين. هل يجب الاقتصار على أسماء الله تعالى الواردة؟ لا شك أن أسماء الله تعالى توقيفية، بمعنى أنه ينبغي علينا أن نقف في تسمية الله تعالى على ما ورد في الكتاب والسنة، لأننا لا نستطيع البتة أن نعرف الأسماء التي سمى الله بها نفسه بآرائنا، وباجتهاد من عند أنفسنا، لأن أسماءه ﵎ من الغيب الذي لا مجال لنا في بلوغه إلا أن يصلنا عن طريق الوحي الذي نزل على رسول الله ﷺ . بأي الأسماء ندعو الله تعالى؟ ذكرت آنفا أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (الأعراف آية ١٨٠) ويقول: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (طه آية ٨) .

стр. 9300

فلما تسمى الله جل شأنه بأسماء كلها حسنى، أمرنا جل وعلا أن ندعوه بها لأنه هو وحده سبحانه الذي يعلم ما يستحق أن يسمى به من الأسماء التي تليق بجلاله وعظمته، وبما ينبغي أن يدعى به سبحانه. ولدقة هذا الأمر ذكر كثير من أهل العلم أن الداعي ينبغي عليه أن يدعو الله بالاسم الذي يناسب مسألته: فيقول مثلا: يا رحمن ارحمني، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، يا رزاق ارزقني، يا حفيظ احفظني، يا كريم أكرمني- وهكذا - ولا يصح أن يدعو باسم لا يناسب مسألته كأن يقول يا غفار ارزقني، أو يا رزاق اغفر لي، أو يا حفيظ تب علي، وهكذا. بل ذكر البعض أنه لا ينبغي أن ندعو الله سبحانه بالأسماء التي تبدو في ظاهرها أنها تحمل معنى الإضرار فقط بالعبد مثل: المانع، والضار، والمذل، والقابض، والخافض، والمميت. وذلك حتى لا يتصور متصور- بإفراد هذه الأسماء - أن أسماء الله تعالى من شأنها: أنها تحمل الضرر فحسب. ومن ثم ينبغي إذا ذكرت هذه الأسماء أن تذكر مع الأسماء المقابلة لها، مثل أن يقال: المعطى المانع، النافع الضار، المعز المذل، الباسط القابض، الرافع الخافض، المحيي المميت- وهكذا. ويسمي العلماء هذه الأسماء (بالأسماء المزدوجة) . لأنه يذكر مع كل أسم منها ما يقابله في معناه مما يجعلهما زوجا. الأسماء الحسنى تتضمن صفات الكمال العليا لله تعالى: إن كل اسم من أسماء الله تعالى يتضمن صفة تناسبه بما يليق بجلال الله سبحانه وعظيم شأنه. مثال ذلك: اسم (الرحمن) يتضمن ثبوت صفة الرحمة الذاتية لله سبحانه، واسم (الرحيم) يتضمن ثبوت صفة الرحمة الفعلية لله سبحانه، واسم (السميع) يتضمن ثبوت صفة السمع لله سبحانه، واسم (البصير) يتضمن ثبوت صفة البصر لله سبحانه، واسم (الرزاق) يتضمن ثبوت صفة الرزق لله سبحانه. وهكذا نجد أن كل الأسماء الحسنى تتضمن صفات الكمال العليا لله جل وعلا.

стр. 9301

ليست كل صفة من صفات الله تعالى تشتق منها أسماء له سبحانه: من الأمور الخطيرة التي يجب أن ننتبه إليها أنه: ليست كل صفة لله تعالى يمكن أن نشتق منها اسما له سبحانه، ذلك لأن أسماء الله تعالى - كما سبق أن أسلفت - توقيفية يجب أن نقف عند ما ورد بها النص في الكتاب والسنة، ولا نزيد عليها باجتهاداتنا، لأن ذلك أمرَ من الغيب الذي لا مدخل لنا إليه. وبيان ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ (النساء آية ١٤٢) ويقول: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (آل عمران آية ٥٤) . ويقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال أية ٢٠) . ويقول: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرا﴾ (يونس آية ٢١) . ويقول: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (النمل آية.٣) . ويقول: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ (يوسف آية ٧٦) ويقول: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (الطارق آية ك ١٥، ١٦) . ويقول: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (البقرة آية ١٤، ١٥) . ويقول: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد آية ٢٢، ٢٤) .

стр. 9302

ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة آية ١٥٩) . ويقول: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ (النساء آية ٤٦) ، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (النساء آية ٤٧) ، ويقول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ (النساء آية ٥٢) . ويقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (المجادلة آية ١٤) . ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم﴾ (الممتحنة آية ١٣) . ويقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾ (النساء آية ٣٠) . ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ (النساء آية ٥٦) . ويقول: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاء﴾ (الأنعام آية ١٣٣) . ويقول: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ (هود آية ٥٧) . ويقول: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾ (الأعراف آية ٦٤) . ويقول: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ (الشعراء آية ٦٦ والصافات آية ٨٢) . ويقول: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (التوبة آية ٧٩) .

стр. 9303

ويقول: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (المائدة آية ٨٠) . ويقول: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ (الأعراف آية ٥١) . ويقول: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (التوبة آية ٦٧) . ويقول: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُم﴾ (السجدة آية ١٤) . ويقول: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ (الجاثية آية ٣٤) . ويقول: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (الأعراف آية ١٣٧) . ويقول: ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ (الإسراء آية ١٦) . ويقول: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ﴾ (الشعراء آية١٧٢) ، ويقول: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (النمل آية ٥١) ، ويقول: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ (محمد آية ١٠) . ويقول رسول الله ﷺ : "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (متفق عليه) . ويقول: "لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة دوية مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل عنها فنام- وراحلته عند رأسه، فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها فلم يقدر عليها حتى أدركه الموت من العطش، فقال: والله لأرجعن فلأموتن حيث كان رحلي، فرجع فنام، فاستيقظ. فإذا راحلته عند رأسه فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (رواه البخاري) .

стр. 9304

ويقول: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة" (متفق عليه) . في الآيات والأحاديث التي أوردتها، نجد أفعالا لربنا وهي: على حسب ترتيب الأحاديث كما يلي: أفعال: الخداع، المكر، الكيد، الاستهزاء، الإصمام، والإعماء، اللعن، الغضب، الإصلاء، الاستخلاف، الإغراق، السخرية، السخط، النسيان، التدمير، النزول، الفرح، الضحك. فهل يمكن أن نشتق من هذه الأفعال- وأمثالها- أسماء لله تعالى فنسميه جل وعلا بالأسماء الآتية؟: الخادع أو المخادع، الماكر، الكايد، المستهزئ، المصم، المعمي، اللاعن، الغاضب، المُصْلي، المستخلف، المُغرق، الساخر، الساخط، الناسي، المدمر، النازل الفرح، الضاحك؟ لا ينبغي أن نسمي الله بهذه الأسماء، ونقرنها بالأسماء الحسنى كالرحمن، والرحيم، والغفور، والودود، واللطيف، والعلي، والكبير، والسميع، والبصير، ونحو ذلك مما سمى الله تعالى به نفسه من أسمى وأجل وأعظم الأسماء. والسبب في أنه لا ينبغي ولا يشرع لنا أن نسمي الله سبحانه بمثل تلك الأسماء كالخادع وما ماثل ذلك أمران: الأمر الأول: أنه لم يرد بها النص في الكتاب أو السنة.

стр. 9305

الأمر الثاني: أن من هذه الأسماء (كالخادع أو المخادع، والماكر، والكايد، والمستهزئ، والغاضب، والناسي، والمدمر وما ماثلها) ليست ممدوحة على إطلاقها، بل تمدح في مواضع، وتذم في مواضع أخرى [٧] ، ومن ثم لا يجوز أن تطلق أفعالها على الله مطلقا، فلا ينبغي أن يقال بإطلاق: إن الله تعالى يخادع أو يستهزئ، أو يغضب؛ أو ينسى، أو يدبر، كما لا ينبغي أن يشتق منها أسماء يسمى بها سبحانه، وذلك لأن الله جل وعلا لم يصف نفسه بالخداع، والمكر، والكيد، والاستهزاء، والغضب، النسيان، والتدمير، وما ماثل ذلك، إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، أو استحق أن يجازى به بحق على فعله- والجزاء إنما يكون من جنس العمل، فمن خدع يستحق أن يخدع، ومن مكر يستحق أن يمكر به، ومن نسي الله يستحق أن ينساه الله، ومن فسق استحق أن يدمر، وهكذا لا يجازى الله جل وعلا إلا من يستحق المجازاة بالحق والعدل.

стр. 9306

إن المخادع حين يخادع بباطل وظلم، أو الماكر حين يمكر بباطل وظلم، أو الكايد حين يكيد بباطل وظلم، أو المستهزئ حين يستهزئ بباطل وظلم، والناسي حين ينسى بباطل وظلم، والفاسق حين يرتكب فسقه بباطل وظلم، يكون أكمل الحكمة من الله تعالى حين يخادعه، أو يمكر به، أو يكيده، أو يستهزئ به، أو ينساه، أو يدمره بالحق والعدل. ومن ثم فلا يشرع أن يوصف الله تعالى بتلك الأفعال المذكورة ولا أن يسمى بأسماء تشتق منها على وجه الإطلاق، لأن الله تعالى لم يصف بمثل أفعال الخداع، والمكر، والكيد، والاستهزاء، والنسيان، والتدمير، وما ماثل ذلك مطلقاً، ولا أدخل ذلك في أسمائه الحسنى. "ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد، فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه. وغر هذا الجاهل أنه أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى، فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم - وهذا جهل عظيم- فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع يستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد، ولا المتكلم، ولا الفاعل، ولا الصانع، لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم، والحكيم، والعزيز، والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر، المخادع، المستهزئ؟ ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى: الداعي، وآلاتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف أضعاف ذلك من الأسماء التي أطلقت على نفسه أفعالها في القرآن - وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل. والمقصود

стр. 9307

أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد، والمكر، والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه؟ " [٨] وإني لأستحسن أن أسوق هنا المثل الذي ذكره الإمام ابن القيم في بيان كيف كاد الله تعالى ليوسف ﵇ مجازاة لإخوته على ما فعلوه، وذلك في عباراته الآتية:- "إن جزاء المسيء بمثل إساءته جائز في جميع الملل، مستحسن في جميع العقول، لهذا كاد سبحانه ليوسف ﵇ حين أظهر لإخوته ما أبطن خلافه جزاء لهم على كيدهم له مع أبيه، حيث أظهروا له أمرا وأبطنوا خلافه، فكان هذا من أعدل الكيد الذي قال فيه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (يوسف آية ٧٦) فإن إخوته فعلوا به مثل ذلك حتى فرقوا بينه وببن أبيه وادعوا أن الذئب أكله، ففرق بينهم وبين أخيهم بإظهار أنه سرق الصواع، ولم يكن ظالما لهم بذلك الكيد حيث كان مقابلة ومجازاة، ولم يكن أيضا ظالما لأخيه الذي لم يكده ... بل كان إحسانا إليه وإكراما له في الباطن، وإن كان طريقة ذلك مستهجنة، لكن لما ظهر بالآخرة براءته ونزاهته مما قذفه به، وكان ذلك سببا إلى اتصاله بيوسف واختصاصه به، لم يكن في ذلك ضرر عليه، يبقى أن يقال: وقد تضمن هذا الكيد إيذاء أبيه وتعريضه لألم الحزن على حزنه السابق، فأي مصلحة كانت ليعقوب ﵇ في ذلك؟ فيقال: هذا من امتحان الله تعالى له، ويوسف إنما فعل ذلك بالوحي، والله تعالى لما أراد كرامته، كمل له مرتبة المحنة والبلوى ليصبر فينال الدرجة التي لا يصل إليها إلا على حسب الابتلاء، ولو لم يكن في ذلك إلا تكميل فرحه وسروره باجتماع شمله بحبيبه بعد الفراق، وهذا من كمال إحسان الرب تعالى، أن يذيق عبده مرارة الكسر قبل حلاوة الجبر، ويعرفه قدر نعمته عليه بأن يبتليه بضدها" [٩] ثم قال: "فعلم أنه لا

стр. 9308

يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق، كما لا تمدح على الإطلاق، والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم، ولا من جهة القدرة، فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم من جهة سوء القصد، وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور، ويظلم بفعل ما ليس له فعله، أو ترك ما يجب عليه فعله" [١٠] . وقال في موضع آخر: "والصواب أن معانيها- (أي معاني هذه الألفاظ) تنقسم إلى محمود، ومذموم، فالمذموم، منها: يرجع إلى الظلم والكذب، فما يذم منها إنما يذم لكونه متضمنا للكذب، أو الظلم، أوْ لَهماَ جميعاً. وهذا هو الذي ذمه الله تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم﴾ (البقرة آية ٩) ، فإنه ذكر هذا عقيب قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة آية ٨) . فكان هذا القول منهم كذبا وظلما في حق التوحيد والإيمان بالرسول واتباعه، وكذلك قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأََرْض﴾ (النمل آية ٤٥) ، وقوله: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر آية ٤٣) ، وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ. فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ (النمل آية ٥٠، ٥١) . ثم قال على هذه الألفاظ: "أنها منقسمة إلى محمود ومذموم، فما كان منها متضمنا للكذب والظلم فهو مذموم، وما كان منها بحق وعدل ومجازاة على القبيح فهو حسن محمود" [١١] . بيان الأسماء الحسنى التي وردت النصوص بها في الكتاب والسنة: أولا: ما ورد في القرآن الكريم بحسب ترتيب السور [١٢] : سورة الفاتحة: وردت فيها الأسماء الآتية: الله- الرب- الرحمن- الرحيم- المالك. الله:

стр. 9309

هو اسم الجلالة. وهو علم على الرب أي اسم للرب ﵎ ويقال إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَّسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الحشر آية ٢٢، ٢٣، ٢٤) [١٣] . وقد ورد ذكر اسم (الله) في القران الكريم في مواضع متفرقة ثمانين وتسعمائة مرة [١٤] . وهذا التكرار العديد لهذا الاسم يدل على مدى عظمته وأهميته. واختلف في: هل هو مشتق؟ أو غير مشتق؟ (أي جامد) ؟ : فقال البعض: إنه جامد لم يشتق من غيره، ذلك لأن اسمه تعالى أزلي، والأزلي في سبقه لم يؤخذ من غيره، ومن ثم فهو اسم علم محْض كسائر الأعلام المحْضة التي لا تتضمن صفات تقوم بمسمياتها. وقال البعض: إنه مشتق: واختلفوا في اشتقاقه: فقال فريق: إنه مشتق من أله الذي مضارعها: يأله، ومصدرها: الآلهة، وألوهةَ، وألوهيةَ ومعنى أَله: عبد. وهذا الرأي هو الراجح. وقال فريق آخر: إنه مشتق من أَله الذي مضارعها: يأله، ومصدرها: أَلَهاً. ومعنى أله: تحير. وهذا الرأي مرجوح. وقال القرطبي في تفسيره الجزء الأول ص ١٠٢: "روى سيبويه عن الخليل أن أصله (ألاَه) مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله: أناس. وقيل أصل الكلمة (لاه) وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه".

стр. 9310

وقال الشوكاني في تفسيره الجزء الأول ص ١٨: "أصل اسم (الله) إله: حذفت الهمزة وعوضت عنها أداة التعريف فلزمت". ومعنى اسم الجلالة (الله) : أنه المعبود وحده، الذي لا يستحق العبادة بجميع أنواعها سواه، ولهذا كانت الحكمة في خلقه للثقلين أن يحققوا هذه العبادة مجردة له وحده سبحانه، وهذا ما أشار إليه في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات آية ٥٦) . هل يشرع ذكر الله باسم الجلالة (الله) مفردا؟ وأجد من المناسب وأنا أتكلم عن اسم الجلالة، أن أشير إلى ما يلجأ إليه بعض الجاهلين من المسلمين من ذكر الله باسم الجلالة مفردا- ذلك أننا نرى البعض منهم يجعل له وردا يردد فيه اسم الجلالة (الله) مرات عديدة كألف مرة، أو ألفين أو أكثر أو أقل؛ بل وقد تجتمع مجموعة من الناس يرددون اسم الجلالة (الله) رافعين أصواتهم، ويبدءون بقولهم: الله، الله الله، وهم جالسون مغمضي أعينهم، أو هم واقفون يتمايلون ذات اليمين وذات اليسار، ويقفزون بين الحين والآخر إلى أعلى، يتوسطهم قائد، يصفق بيديه، وبجواره أحيانا امرأة تتمايل كذلك تنشدهم أناشيد كفرية ماجنة، تدق على طبل بيدها، يلاصقها خليع يتمايل وهو يؤدى نغمات مزمار هي صفير يتسق مع الطبل والتصفيق، حتى يصير جو هذا الجمع كأنه ماخور حفته الشياطين من كل جانب، يتصاعد منه لهيب الإثم كأنما فتح على أبواب جهنم والعياذ بالله، ثم يدعى أولئك المخبولون أنهم بهذا الراقص الداعر، وهذه الوقاحة المتَردّية التي لا يليق صدورها من عاقل، وهذه الأصوات المنكرة التي لا تميز منها سوى (أه، أه، أه) - (حع، حع، حع) أو (هو، هو، هو) أنهم يذكرون الله. فمن قال إن الله قد شرع أن يذكر باسمه مفردا؟ ومن قال إن من أسماء الله: أه..؟ أو حع..؟ أو هو..؟

стр. 9311

ومن قال إن الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات- فضلا عن التصاقهم بهن في تمايلهم الفاجر- قد شرعه الله؟ ومن قال إن الذكر جماعة له سند من الشرع الحنيف؟ ومن قال إن الذكر بهذه الأصوات المنكرة المزعجة قد جاءت به النصوص؟ ومن ثم فإنني أوجز بيان الحق في هذا الموضع كما جاءت به الأدلة الصحيحة فيما يلي: أولا: أنه لم يشرع أن يذكر الله باسمه مفردا: فما ذكر الرسول ﷺ قط ربه باسمه مفردا، إذ لم يرد نص واحد يدل على أنه ذكر باسم (الله) أو (حي) أو (هو) أو (لطيف) أو (قدوس) ، بل إن كل ذكره ﷺ كان جملا تفيد معاني كاملة، ومما ثبت عنه قوله: "خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" بل ويعلمنا ﷺ الذكر المشروع في مثل ما يأتي: ١- قوله: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمس، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا رجل عمل أكثر منه" أخرجه البخاري ومسلم. ٢- وقوله: "من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر" أخرجه البخاري ومسلم. ٣- وقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" أخرجه الصحيحان. ٤- وقوله: "لأن أقول سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس"أخرجه مسلم. ٥- وقوله "أحب الكلام إلى الله تعالى أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، والحمد الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" أخرجه مسلم.

стр. 9312

٦- وقوله: "من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال، أو زاد عليه" أخرجه مسلم. ٧- وقوله: "سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بكَ من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها حين يمسي فمات من ليلته، دخل الجنة، ومن قالها حين يصبح فمات من يومه، دخل الجنة" أخرجه البخاري. ٨- وقوله: "ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث، لم يضره شيء" قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". ٩- وقوله: "إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت. فإن متَ من ليلتك مت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تقول" متفق عليه. ١- وقوله: "دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" أخرجه الترمذي. هذه أمثلة الذكر المشروع الذي أمرنا به رسول الله ﷺ ، وكله جمل مفيدة، وليس هناك حديث واحد صحيح يفيد الذكر بالاسم المفرد. وإن لم يقبل الضائعون هدي رسول الله ﷺ ، فليأتوني بأثارة من علم تؤيد زعمهم إن كانوا صادقين. ثانيا:

стр. 9313

أما أن يكون هناك أسماء لله تعالى هي (أه) أو (حع) أو (هو) ، فذلك ما لا يعقل، فضلا عن أنه لم يرد بمثل هذا أي نص، ولا يقر إنسان في رأسه ذرة من عقل أن هذه أسماء لله تعالى، ذلك بأن أسماءه كلها حسنى، ليس منها اسم قبيح أو ناب في لفظه أو في معناه. والله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف آية ١٨٠) ثالثا: وأما الاختلاط بين الرجال والنساء الأجنبيات، فذلك ما لم يشرعه ديننا الإسلام، فالرسول ﷺ يقول: "ما خلا رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما" فضلا عن أن ما ينتج من الاختلاط المحرم من التصاق وتمايل وخلاعة ومجون، وطبل وزمر ورقص باسم ذكر الله، كلها من المنكرات الفاحشة التي حرمها الإسلام، واعتبرها وسائل مؤدية إلى الزنا، وهو قد سد كل ذريعة توصل إلى محرم، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ فعبر القرآن الكريم بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ ولم يقل: "ولا تزنوا". وذلك لأن التعبير الأول يحرم الاقتراب من كل ذريعة تؤدي إلى الزنا من: نظر، واختلاط، والتصاق، ومجالسة، وكل ما يفضي إلى الزنا، وجعل كل ذريعة تفضي إلى المحرم محرمة. رابعا: وأما الذكر جماعة، فلم يرد نص إطلاقا على مشروعيته، ولذلك فإن الذكر بصورة جماعية إنما هو بدعة غير مشروعة، لم يفعلها رسول الله ﷺ ، ولا صحابته الكرام رضوان الله عليهم، وما لم يشرعه رسول الله ﷺ فلا يكون بعده مشروعا، لذلك وضع لنا الأساس في ذلك في قوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" وفي قوله: "من أحدث في أمرنا ما هذا ما ليس منه فهو رد". خامسا:

стр. 9314

وأما رفع الصوت بالذكر فلم ترد بها النصوص، بل إنها وردت بخلافه، فقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف آية ٥٥) ، وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف آية ٢٠٥) . ولما رفع بعض الصحابة أصواتهم بالذكر- ولا شك أنهم ما عرفوا سوى الذكر المشروع- وسمعهم الرسول ﷺ قال لهم: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته"- متفق عليه- ومن ثم فإن ما تعارف عليه أولئك الجاهلون من الذكر المفرد والجماعي والجهري، إنما هو وحي الشيطان الذي أوقعهم به في شركه، بل وألقى هذا الرجيم في روع أوليائه أن الذكر بالألفاظ الأعجمية مثل: آهيا، شراهيا، أصباؤت آل شداى، آج أهوج، جلجلوت، إنما هو ذكر شرعي كذلك بزعم أن هذه الألفاظ هي أسماء الله تعالى باللغة العبرانية أو السوريانية [١٥] . أليس في القران الكريم والسنة المشرفة وما ضماه من أسماء الله الحسنى وبيان الذكر المشروع بها غنية عما سواهما لأولئك الدجالين فيما يأفكون؟ ألا قتل الخراصون، الذين هم في غمرة ساهون، والذين يلحدون في أسماء الله تعالى، إنهم سيجزون ما كانوا يعملون. احتجاج الجاهلين بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ على الذكر المفرد: وقد يحتج بعض الجاهلين بقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ في الآية رقم ٩١ من سورة الأنعام على مشروعية الذكر المفرد.

стр. 9315

وردا على هذا الاحتجاج أحيل أولئك الجاهلين على هذه الآية ليقرأوها كاملة، حتى يعلموا أن المراد بهذا الأمر من الله لرسوله ﷺ ليس أمرا بالذكر (بالاسم المفرد) كما يزعمون، وإنما هو جواب لمن أنكر أن الله لم ينزل وحيا على بشر. ولا أتركهم يبحثون عن الآية المذكورة، فلعلهم لا يهتدون إلى مكانها في المصحف فأضعها أمام ناظرهم ومن كان منهم يحمل في رأسه عقلا، فإنه سوف يدرك الحق فيها إن كان منصفا. أما الآية فهي قوله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ؟ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام آية ٩١) . ويبين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أن الآية يوجز معناها فيما يلي:
следующие страницы →