Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.
стр. 9486
وهنا بدأ بعض النساء يشاركن في النقاش فقد استأذنت امرأة من وراء ستارة أن تتكلم فأذنوا لها وكان خلاصة كلامها أن الذي يدعي الإسلام ويضل الناس أولى بالجهاد من غيره، وتسأل: ألا يجب علينا أن نترك العمل ونتفرغ للعبادة والجهاد؟.
وأجبتها بأن الجهاد واجب ولكن قبل جهاد الناس نجاهد أنفسنا في التعليم والعمل ثم لا بد من أسلوب نافع في الدعوة إلى الله.
أما ترك العمل فهذا غير مطلوب شرعا من المسلم إلا إذا كان تفريغ أشخاص بأعيانهم للقيام بالدعوة إلى الله للحاجة إليهم، ولكن لا يتركون ما لأنفسهم أو غيرهم من حقوق، وذكرت لها قصة الصحابة الذين أرادوا الانقطاع للعبادة وترك العمل فقال لهم الرسول ﷺ : "أمَّا أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وقلت للجماعة لكم الحق أن تبينوا للناس الضلال بل يجب عليكم ولكن بشرط أن تكونوا عالمين بأن هذا حق وهذا باطل وهذا أمر ليس سهلا في كل أمر من الأمور.
وبعد نقاش طويل في هذا الموضوع وغيره وبعد أن ترجح لي أني وضَّحت ما يجب توضيحه قلت لهم: لقد أخذتم وقتا طويلا في إبداء ما تريدون من أسئلة وتوضيحات لآرائكم، أما الآن فأرجو أن تعطوننا فرصة لأسألكم أنا، قالوا: لا بأس.
هجوم:
стр. 9487
فقلت: أحقا أنكم تقيمون أحكام الحدود والقصاص على جماعتكم؟. فقال إمامهم: نعم لنا الحق في ذلك، قلت: هل فعلتم هذا عن علم سبقتم به غيركم؟ قالوا: إن كتاب الله وسنة رسوله فيهما الكفاية، ولسنا في حاجة إلى أقوال الناس، قلت: ولكن التطبيق العملي للكتاب والسنة يجب الرجوع فيه إلى الكتاب والسنة فهل وجدتم فيهما أن لكل فئة من المسلمين الحق في إقامة الأحكام المذكورة؟ والمعروف أن ذلك يرجع للحاكم المسيطر بقوة على شئون المسلمين، وأنتم عددكم قليل فإما أن تعتبروا أنفسكم جماعة دعوة تأمرون الناس بالمعروف وتنهون عن المنكر وتبينون الحلال والحرام للناس وقدرتكم قاصرة على الأخذ بالقوة، وإما أن تعتبروا أنفسكم دولة إسلامية لها أن تتصرف تصرف حكومة، وهذا ليس في مقدوركم.
وبلغني أنكم أقمتم حد الخمر على أحد الأعضاء بالقوة وأنه ارتد عن الإسلام وهذا ما يتوقع أن يحصل: انفضاض أعضائكم عنكم وارتداد بعضهم ونفور الناس من الدخول في الإسلام.
والأجدر بكم أن تعودوا إلى تفاسير العلماء وشروح السنة وكتب السلف لتعلموا أأنتم سائرون على سنن السلف أم محدثون مالم يحدثه غيركم.
وهنا برز طالب مصري هو أساس أفكارهم يحاول إنقاذهم وكانت فرصة لمناقشته أمامهم حتى استسلم وطلبت منه أن يتقي الله ويصحح للقوم أفكارهم فذكر أنهم يقرأون في سبل السلام قلت له ستجد بحث هذا الموضوع فيه فارجع إليه.
آخر الدواء الكي:
стр. 9488
ولعلمي أن القوم مغرورون بما عندهم من علم مشوش رأيت أن أصارحهم أكثر فقلت لهم: أنتم هنا أعاجم، والمراجع الإسلامية ليست متوفرة لديكم والموجود بعض الكتب المترجمة التي لا تؤدى المعنى بتمامه بصرف النظر عن أخطائها، وأنا من الجزيرة العربية عربي الأصل والمنشأ واللغة، ولي ما يزيد عن ثلاثين سنة في طلب العلم والذين تلقيت العلم عنهم عرب وعندي مكتبة مملؤة بالمراجع الإسلامية في مختلف العلوم، ومع ذلك إذا قرأت القرآن أو كتب السنة لا أزال إلى الآن يشكل علي الكثير الذي احتاج أن أسأل عنه بعض العلماء أو أراجع وأتعب في الحصول إلى فهمه.
أفيليق بكم أنتم أن تظنوا أنكم بلغتم مبلغا لا تحتاجون فيه إلى تصحيح أفكاركم.
وكان هذا الكلام هو الذي أسكتهم وجعلهم يفكرون في الأمر حتى قال زميلي الدكتور محمد بيلو لقد ترك بعضهم النقاش وحفظ أوراقه التي كان يستعد لإلقاء ما كتب بها.
ولقد كاد زميلي الدكتور يخرج ويتركهم لشدة غضبه من تعنتهم ولكني كنت أقول في نفسي هذه فرصة قد لا تتكرر مرة أخرى فيجب أن نعمل ما نقدر عليه ونصبر، وإنا كنا في حاجة إلى الرجوع إلى الفندق لترتيب أثاثنا لأننا سنسافر صباح غد مبكرين ولم نصل إلى هذه النتيجة إلا في تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ولكنا حمدنا الله على ما حصل فإن هؤلاء الإخوة يظهر عليهم إرادة الحق ولكن الجهل هو الذي حال بينهم وبين الاستجابة السريعة، وكان الجهل مركبا ولو كان بسيطا لما طال النقاش إلى الوقت والحمد لله رب العالمين.
تآلف:
وبعد الانتهاء من هذا النقاش ودعناهم وكانت عاطفتهم معنا أفضل من اللقاء الأول ورجونا أن نزورهم مرة أخرى كما طلبوا منا إبلاغ المسلمين العلماء الذين يزورون أمريكا ألا يكتفوا بزيارة الجامعات الإسلامية المشهورة ويتركوا بقية الجماعات التي قد تكون أولى من غيرها بالزيارة فوعدناهم بتحقيق هذه الرغبة حيث أمكن.
стр. 9489
ذهبنا بعد ذلك إلى أحد المطاعم لتناول طعام العشاء ثم عدنا إلى الفندق وذهب الأخ تاج الدين إلى منزله على أن يعود إلينا صباح غد لإيصالنا إلى المطار للسفر إلى اليابان..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] انظر الملحق الرابع.
[٢] انظر الملحق الأول.
[٣] انظر الملحق الأول.
[٤] تبين لي فيما بعد أن هناك جمعتين: جمعية تضم الطلبة العرب المنحلين الذين يقفون موقف العداء السافر من الإسلام، وأغلب هؤلاء شيوعيون، والجمعية الثانية تسمى رابطة الطلبة العرب المسلمين، وهؤلاء شباب فيهم خير وصلاح وعلى وعي جديد بالإسلام، والظاهر أن الخلاف بينهم وبين الأخ أحمد في التسمية فقط، كما ظهر لي من رد الأخ أحمد عليهم في خطابه ومثل هؤلاء أرى ألا تحول التسمية بينهم وبين الصالحين من الشباب في تلك البلاد.
ولهذا لا أرى داعيا لإقامة جمعية جديدة ما دامت هذه الجمعية موجودة، كما أن اتحاد الطلبة المسلمين له نشاط في أغلب المدن الأمريكية والتعاون معه خير من إيجاد جمعيات متفرقة، جمع الله الكلمة وحقق الإخاء فيه.
[٥] رتب هذا البحث وأعد لطبع في أواخر هذا العام ١٣٩٩هـ.
[٦] والعجيب في الأمر أن الفوضى التي يصدرها لنا الغرب، وبخاصة الفوضى السياسية والعسكرية ـ بذت كل المحاولات في الغرب للوقاية منها وعدم تمكنها في شعوبهم...؟
стр. 9490
سنن الفطرة بين المحدثين والفقهاء
(الحلقة الثالثة)
لفضيلة الدكتور أحمد ريّان
أستاذ مساعد بكلية الحديث
الخصلة الثالثة عشرة: إعفاء اللحية:
واللحى: بكسر اللام وحكي ضمها بالقصر والمد - جمع لحية - بكسر اللام فقط.
وهي اسم لما ينبت من الشعر على الذقن والعارضتين [١] .
واللَّحيان: حائطا الفم، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم من كل ذي لحي. ويقال التحى الرجل: صار ذا لحية وكرهه بعضهم، قال ابن سيده النسب إلى ذي اللحية: لحوي، ويقال رجل لحيان: إذا كان طويل اللحية [٢] .
وقد جاء الأمر بإعفاء اللحية في أحاديث كثيرة صحيحة، منها ما جاء بلفظ الإعفاء كحديث ابن عمر عند البخاري: "انهكوا الشوارب واعفوا اللحى" [٣] ، وعند مسلم "احفوا الشوارب واعفوا اللحى" [٤] ، وحديثه أيضا عند مسلم بلفظ: "أنه أمر بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية" [٥] ،وكذلك حديث عائشة عند مسلم "عشر من الفطرة" ,منها: إعفاء اللحية [٦] .
ةةة ة
كذلك قد جاء الأمر بالإعفاء في بعض الأحاديث بلفظ "أوفوا اللحى" كما هو عند مسلم من حديث ابن عمر [٧] ، وبلفظ "وفروا اللحى" كما هو من حديثه عند البخاري [٨] .
وقال النووي: "وكل هذه الروايات بمعنى واحد". وبيان ذلك:
أن الإعفاء معناه الترك، وترك التعرض للحية بقص أو حلق يترتب عليه تكثيرها فهو من إقامة السبب مقام المسبب.
وذهب البعض: إلى أنها بمعنى: وفروا وكثروا، وصوبه صاحب الفتح ومعنى أرخوا اللحى: يعني أطيلوها.
ومعنى أرجوا وأرجئوا: أي لا تحلقوا بل أخروا حلقها.
وأما معنى وفروا اللحى: فهو من التوفير، وهو الإبقاء، أي اتركوها وافرة.
أما رواية أوفوا: فمعناها: اتركوها وافية.
ما تحقق به سنة اللحية:
стр. 9491
وقد اختلف أهل العلم فيما تتحقق به سنة اللحية؛ فذهب فريق منهم إلى أنها لا تتحقق إلا إذا تركت وشأنها بحيث لا يؤخذ منها شيء أصلا إلا في حج أو عمرة.
وقد استند هذا الفريق إلى ما يلي:
أ – الأحاديث الصحيحة التي جاءت في طلبها بلفظ الإعفاء وما في معناه، وبصيغة الأمر.
ب - ما أخرجه البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب"، وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه" [٩] .
وبما أن ابن عمر هو راوي الحديث؛ فتصرفه يعتبر بيانا للمعنى المراد من الحديث، وعلى هذا فلا يجوز الأخذ من اللحية أبدا بل تترك على حالها إلا في حج أو عمرة.
ج ـ ما أخرجه أبو داود من حديث جابر بسند حسن قال: "كنا نعفي السّبال إلا في حج أو عمرة" [١٠] ، والسبال: جمع سَبَلة - بفتحتين - وهي ما طال من شعر اللحية، وقد سكت عنه أبو داود والمنذري.
وقد ذهب إلى هذا الرأي من التابعين: الحسن وقتادة؛ حيث قالا: يتركها عافية لقوله ﷺ : "واعفوا اللحى" [١١] .
وقد نسب العراقي هذا الرأي للجمهور، وقال إنه مذهب الشافعي وأصحابه [١٢] .
وذهب فريق آخر إلى جواز الأخذ منها بشرط ألا ينقص طولها عن قبضة اليد بمعنى أنه يجوز له أخذ ما زاد على قبضة اليد أما إذا كانت أقل من قبضة فلا يجوز الأخذ منها، وقد استدل هذا الفريق بما يلي:
أ - ثر ابن عمر السابق وفيه: "كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه"، قال الحافظ في كيفية الاستدلال لهذا الفريق بهذا الأثر: "لذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التقصير بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه" [١٣] .
стр. 9492
وقد نقل بدر الدين العيني عن الإمام الطبري قوله: "فإن قُلْتَ: ما وجه قوله: "اعفوا اللحى"؛ وقد علمت أن الإعفاء الإكثار، وأن من الناس من إذا ترك شعر لحيته اتباعا منه لظاهر قوله: "اعفوا اللحى"؛ فيتفاحش طولا وعرضا ويسمج حتى يصير للناس حديثا ومثلا.
ثم قال:
"قد ثبتت الحجة عن ر سول الله ﷺ على خصوص هذا الخبر، وأن اللحية محظور إعفاءها وواجب قصها على اختلاف من السلف في مقدار ذلك وحدِّه. فقال بعضهم: حدُّ ذلك أن يزاد على قدر القبضة طولا وأن ينتشر عرضا فيقبح.
وروي عن عمر ﵁ أنه رأى رجلا ترك لحيته حتى كبرت فأخذ يجذبها ثم قال: "ائتوني بحلمتين ثم أمر رجلا فجز ما تحت يده"، ثم قال له: "اذهب فأصلح شعرك أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع".
وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ ما فضل وعن ابن عمر مثله" [١٤] .
وممن استحسن هذا الرأي: الشعبي وابن سيرين [١٥] .
أما الفريق الثالث: عطاء فإنه يرى جواز الأخذ منها طولا وعرضا بغير حد مقدر ما لم يفحش الأخذ وينتهي إلى تقصيصها كما كانت تفعله الأعاجم.
ومن هذا الفريق: عطاء فقد نقل عنه قوله: "لا بأس بأن يأخذ من لحيته من طولها وعرضها إذا كبرت"وعلته: كراهة الشهرة وفيه تعريض نفسه لمن يسخر به واستدل بحديث عن أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها" قال الترمذي بعد أن أخرج هذا الحديث: "هذا حديث غريب". ثم قال بعد ذلك: "وسمعت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري - يقول: عمر بن هارون مقارب الحديث لا أعرف له حديثا ليس له أصل أو قال: ينفرد به إلا هذا الحديث...ولا نعرفه إلا من حديث ابن هارون ورأيته حسن الرأي في عمر بن هارون" [١٦] ..
стр. 9493
ونقل عن القاضي عياض قوله: "يكره حلقها وقصها وتحذيفها.."، قال: "وأما الأخذ من طولها فحسن"وقال: "تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره قصها..وجزها.."وقال: "وكره مالك طولها جدا" [١٧] .
وسئل مالك عن اللحية إذا طالت جدا قال: "أرى أن يؤخذ منها ويقص" [١٨] .
وفي المذهب المالكي قولان في مقدار الأخذ: المعروف منهما: أنه لا حد للأخذ فيقتصر على ما تحسن به الهيئة، ومقابله: يأخذ ما يزيد على القبضة [١٩] .
تعليق عام على الآراء السابقة وأدلتها:
الناظر في الأدلة السابقة التي استندت إليه الطائفة الأولى: يرى أنها أقوى سندا وأصرح دلالة من أدلة الفريقين الأخيرين اللذين يريان جواز الأخذ من اللحية مع اختلافهما في المقدار الذي يجوز الأخذ عنده.
كما أن إرسال اللحية - إلى حد معلوم - يكسب المرء وقارا في مسته وثباتا في عواطفه، كما أن في اللحية عصمة للشباب والكهول إذ يصبح المرء ذا اللحية أكبر من سنه، وأجل مقاما من درجته، وأكثر احتراما بين أترابه.
ولكن ما يحتاج إلى تأمل هو: هل المعاني التي تدل على عليها ألفاظ الإعفاء والتوفير والإبقاء ونحوها من الألفاظ التي جاءت في أحاديث طلب اللحية: مرادة على إطلاقها، وبتعبير آخر: هل المطلوب من كل مسلم ترك الأخذ من لحيته مدى حياته إلا إذا ذهب مرة أو مرات إلى الحج؟ ومن يذهب إلى الحج قليل إلى مجموع المسلمين، فمعنى ذلك أن غالبية المسلمين يجب عليهم ترك لحاهم تطول إلى ما شاء الله.
ما يتبادر إلى فهمي - والله أعلم - أن التوفير أو الإعفاء المأمور به، مقيد بما إذا لم تطل اللحية طولا فاحشا بحيث يشوه سمت صاحبه ويجعله هدفا لأعين الناس وأضحوكة في أفواه السفهاء، أو بحيث تصير اللحية علامة مميزة له دون الناس لا يعرف إلا بها.
стр. 9494
لذلك نرى أن فعل عمر ﵁ مع الرجل الذي ترك لحيته تطول دون حد، ثم عدم إنكار الصحابة على عمر في هذا التصرف؛ دلالة على أن المعنى الذي تدل عليه هذه الألفاظ ليس على إطلاقه بل هو مقيد بما إذا لم يفحش، كما أن توفيرها إلى هذا الحد تتحقق فيه العلة التي أمر الرسول ﵊ بإعفاء اللحية لأجلها، وهي مخالفة أهل الكتاب والمشركين الذين يحلقون لحاهم أو يقصرونها، ونستبعد عدم وصول شيء من هذه الأحاديث إلى عمر كما نستبعد نسيانه لها.
من جهة أخرى فقد روي عن ابن عمر وأبي هريرة، أنهما كانا يأخذان من لحيتهما ما يزيد على القبضة مع أنهما قد رويا أحاديث الأمر بالإعفاء مما يدل على أن الأمر ليس على إطلاقه.
قد يقال: إن الثابت عن ابن عمر: أنه كان يأخذ ما يزيد على قبضته في الحج أوالعمرة. نقول: فمن أين أخذ ابن عمر جواز الأخذ في النسك مع أن الأحاديث التي جاءت في الإعفاء مطلقة لم تستثن حالة النسك، والنسك قد نص فيه على الأخذ من شعر الرأس حلقا أو تقصيرا.
وعلى ذلك نقول: إن التحديد بالقبضة أو ما يقاربها زيادة أو نقصا، هو المعيار الذي ينبغي أن يصار إليه، مع عدم الإنكار على من يزيد على ذلك بشرط ألا يفحش وإلا أمر بالأخذ منها لأن هذا يتنافى مع الأمر بالزينة التي أمر الله الناس بالأخذ في أسبابها في قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية [٢٠] .
стр. 9495
وقوله ﷺ من حديث طويل لقيس بن بشر التغلبي عن أبيه: "نعم الرجل خريم الأسدي لولا طول جُمّته وإسبال إزاره"، فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذ شفرته فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى أنصاف ساقيه"، وفيه أيضا: "إنكم قادمون على إخوانكم فأصلحوا رحالكم وأصلحوا لباسكم حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش" أخرجه أبو داود وسكت عنه [٢١] ، والفحش كل ما يشتد قبحه من ذنوب ومعاصي، ويكثر وروده في الزنا، وكل خصلة قبيحة فاحشة من الأقوال والأفعال.
والتفحش هو تكلف الفحش وتعمده في الهيئة الرديئة والحالة الكثيفة داخلة أيضا تحت التفحش والتفحش وإن الله جميل يحب الجمال [٢٢] .
الخصال المكروهة في اللحية:
ذكر الإمام النووي في المجموع عددا من الخصال المكروهة في اللحية نقلا عن الإحياء للغزالي الذي كان قد نقلها بدوره عن قوت القلوب لأبي طالب المكي، وفيما يلي بيان لهذه الخصال مع بيان سبب كراهتها وموقف العلماء منها إن وجد.
الخصلة الأولى: خضاب اللحية بالسواد، والأصل في كراهة الخضاب بالسواد ما جاء في حديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود قال: قال رسول الله ﷺ : "يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة" [٢٣] .
وعند أحمد من حديث قصة إسلام أبي قحافة: "...فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا، فقال رسول الله ﷺ : "غيروهما وجنبوه السواد" [٢٤] .
لذلك قال أكثر العلماء بكراهة الخضاب بالسواد...وقال النووي: "والصحيح بل الصواب: أنه حرام". ثم حكى عن مذهب الشافعية عدم التفرقة في المنع بين الرجال والنساء، وحكى عن إسحاق بن راهوية أنه رخص فيه للمرأة: أن تتزين به لزوجها [٢٥] .
стр. 9496
وقد رخص في الخضاب بالسواد طائفة من السلف، منهم سعد بن أبى وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم من كتاب الخضاب له، وأجاب عن حديث ابن عباس السابق؛ بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر السابق في قصة إسلام أبى قحافة؛ بأن ذلك في حق من صار شيب رأسه مستبشعا ولا يطرد ذلك في حق كل أحد [٢٦] .
وقد رخص فيه بعض العلماء إذا كان المرء مجاهدا، لما فيه من إدخال الرهبة في نفوس الأعداء بإظهار الشباب وما ينطوي عليه ذلك من مظهر القوة [٢٧] .
الخصلة الثانية: تبييض اللحية بالكبريت أو غيره استعجالا للشيخوخة، وإظهارا للعلو في السن لطلب الرياسة والتعظيم والمهابة والتكريم، أو لقبول حديثه وإيهام اللقاء بالمشايخ.
الخصلة الثالثة: خضابها بحمرة أو صفرة تشبها بالصالحين ومتبعي السنة وعلة الكراهة هنا هي النية السيئة أما الأصل في الخضاب بالتحمير أو التصفير فهو محمود وقد حث عليه ﷺ فقد نقل أحمد في المسند بإسناد حسن عن أبي أمامة قال: "خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم فقال: "يا معشر الأنصار: حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب" [٢٨] .
الخصلة الرابعة: نتفها من أول طلوعها وتحفيفها بالموسى إيثارا للمرودة واستصحابا للصبا وحسن الوجه، وتعتبر هذه الخصلة أقبح الخصال المكروهة في اللحية.
الخامسة: نتف الشيب؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ عند أبي داود: "لا تنتفوا الشيب، ما من مسلم يصيب شيبة في الإسلام - قال عن سفيان: إلا كانت له نورا يوم القيامة وقال في حديث يحيى: إلا كتب الله له بها حسنة وحط بها عنه خطيئة" [٢٩] .
وعن الترمذي: "أن النبي ﷺ نهى عن نتف الشيب وقال إنه نور المسلم" وقال: هذا حديث حسن [٣٠] .
стр. 9497
قال ابن العربي: "وإنما نهى عن النتف دون الخضب لأن النتف فيه تغيير الخلقة من أصلها بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه" [٣١] .
السادسة: تصفيفها طاقة فوق طاقة تصنعا ليستحسنه النساء وغيرهن.
السابعة: الزيادة فيها والنقص منها، قال الغزالي: تكره الزيادة في اللحية والنقص منها وهو أن يزيد في شعر العذارين من شعر الصدغين إذا حلق رأسه أوينزل فيحلق بعض العذارين [٣٢] .
الثامنة: تسريحها تصنعا ورياء لأجل الناس.
أقول:اعتبار التسريح من الخصال المكروهة إذا كانت تصحبه نية الرياء وحب الثناء والتظاهر بمظهر العجب والخيلاء، أما التسريح لأجل النظافة وتحسين الهيئة فهو أمر محمود، فقد أخرج مالك عن عطاء بن يسار قال: "أتى رجل النبي ﷺ ثائر الرأس واللحية فأشار إليه النبي ﷺ بيده أن أخرج كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان" [٣٣] ، والثائر: الشعث: بعيد العهد بالدهن والترجل.
وكذلك حديث أبي قتادة الأنصاري الذي أتى رسول الله ﷺ وقال له: "إن لي جمة أفأرجلها فقال رسول الله ﷺ : ونعم وأكرمها" [٣٤] ، الحديث رجال إسناده رجال الصحيح [٣٥] .
وأيضا حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من كان له شعر فليكرمه" قال في الفتح: وإسناده حسن وسكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله ثقات.
قال الشوكاني بعد ذكره لحديث أبي هريرة وما قاله الحافظ بشأنه: فيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح [٣٦] .
стр. 9498
الخصلة التاسعة: ترك اللحية شعثة منتفشة إظهارا للزهادة وقلة المبالاة بنفسه، وأيضا كانت هذه الخصلة من الخصال المكروهة لأجل النية السيئة، أما من شغل عنها بعمل أو مرض أو غير ذلك حتى تشعثت فأرجو ألا يكون عليه بأس.
الخصلة العاشرة: النظر إلى اللحية إعجابا وخيلاء غرة بالشباب أو فخرا بالمشيب وتطاولا على الشباب [٣٧] .
حكم اتخاذ اللحية:
فيما تقدم عرفنا أن اتخاذ اللحية سنة رسول الله ﷺ والمراد هنا بيان موقع هذه السنة من الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة لدى أكثر الفقهاء: الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة.
وإنما قلت أكثر الفقهاء: لأن بعضهم يعتبر الأحكام التكليفية ستة، باعتبار السنة من بين الأحكام ليست مندرجة في الوجوب أو الندب، وبعضهم يعتبرها سبعة: الفرض، والوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والكراهة التحريمية، والكراهة التنزيهية، والإباحة.
فهل إطلاق لفظ السنة على اللحية، يقصد به معنى السنة عند الفقهاء، وهي ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، أو ما طلبه الشارع طلبا غير جازم أو الأمر الذي داوم عليه النبي ﷺ من غير أن يأمر فيه بعزيمة، حسب اصطلاح كل منهم في بيان السنة.
أو أن هذا الإطلاق: باعتبار أن مشروعية السنة إنما ثبتت بواسطة السنة؟
واضح من استعراضنا للأحاديث الصحيحة والآثار الثابتة وما انطوت عليه من الأوامر المشددة؛ إن إطلاق السنة على اللحية: هو أن مشروعيتها ثبتت بالسنة، وأن حكم اتخاذها واجب وأن إزالتها نهائيا بالموسى أو بالنورة أو بأي مزيل آخر حرام.
وقد شدد بعض العلماء النكير على فاعل ذلك: قال أبو شامة: "وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس: إنهم كانوا يقصونها" [٣٨] .
стр. 9499
وإني لأعجب من قول القاضي عياض: "يكره حلقها وقصها وتحريقها" [٣٩] : إذ سوى بين إزالتها وبين تقصيرها، وقد ثبت التقصير - على الأقل- من بعض الصحابة؛ لكن لم ينقل عن أحد منهم أنه كان يحلق لحيته ولو مرة واحدة.
كما أعجب لبعض أهل العلم الذين يحلقون لحاهم ويدّعون أن سنة اللحية كانت خاصة بسكان الجزيرة العربية على عهد رسول الله ﷺ ، مع أنه من المسلم فقها وأصولا أن فعله ﷺ الأصل فيه التشريع إلا لقرينة دالة على الخصوصية، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أن طلب اللحية جاء بألفاظ الأمر الصريحة المقتضية للوجوب، والتي لا يمكن تأويلها أو ليّها إلى مثل هذه الدعوى، كما أننا لم نعثر على أي قرينة يمكن أن تكون صارفة لهذه الأوامر عن ظاهرها.
وأما ذكر إعفاء اللحية مع سنن الفطرة؛ فقد قلنا: إن المراد من لفظ السنة في الحديث، هو الطريقة وليس هو المعنى الذي قصده الفقهاء من السنة: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه..الخ.
وقد صرح علماء المالكية بحرمة الحلق قولا واحدا حيث قال العدوي: "إن حلق اللحية بدعة محرمة" [٤٠] إلا أنهم قد اختلفوا في حكم تقصيرها والمختار عندهم أنه يستحب تقصيرها إن طالت جدا، فإن لم تطل أو طالت قليلا وحدثت مبالغة في القص بحيث صار الشخص مثلة - عند أهل الاعتبار- فإن القص يحرم في هذه الحالة وإن لم يحصل تجاوز في القص ولم تحصل به مثلة فإنه خلاف الأولى [٤١] .
الحكم فيما إذا نبتت للمرأة لحية:
اختلف الفقهاء فيما إذا نبتت للمرأة لحية أو شارب أو عنفقة فحكي عن الإمام الطبري: أنه لا يجوز لها حلق شيء من ذلك ولا تغيير شيء من خلقتها بزيادة ولا نقص [٤٢] .
وحكى النووي عن مذهب الشافعية أنه يستحب لها حلق ذلك [٤٣] .
وقال العدوي المالكي: ويجب على المرأة إزالة ما في إزالته جمال ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية [٤٤] .
стр. 9500
الحكمة من مشروعية إعفاء اللحية:
تنطوي مشروعية إعفاء اللحية على كثير من الحكم الجليلة والمعاني العظيمة وقد أشرنا إليها فيما سبق ويمكن تلخيص هذه الحكم فيما يلي:
١- تعتبر اللحية عنوانا بارزا على رجولة الرجل ومروءته وشجاعته.
٢- اللحية تكسب الرجل ثباتا في عواطفه ورزانة في مواقفه وحكمة في تصرفاته مع أهله وغيرهم.
٣- تعتبر اللحية حارسا أمينا على نزعات القلب وخلجات الشيطان فإذا ما وسوس الشيطان وزيّن للمرء الاقتراب من معصية تذكر هيئته موقف الناس منه.
٤- اللحية شعار المسلمين فمن حافظ عليها فقد حافظ على شعار هام من شعارات الإسلام.
٥- في إرسال اللحية مخالفة لأهل الكتاب والمجوس وغيرهم من ملل الكفر.
الخصلة الرابعة عشرة: فرق شعر الرأس:
الفرق - بإسكان الراء - تفريق بين الشيئين حين يتفرقا، والفرق: الفصل بين الشيئين، وقوله تعالى: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً﴾ [٤٥] ، قال ثعلب: هي الملائكة تُزَيّل بين الحلال والحرام، وقوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ [٤٦] ، أي فصلناه وأحكمناه.
ورّق الشعر بالمشط: يَفرُقه، يفرِقه فرقا، وفرَّقه: سرحه، والفرق: موضع المفرق من الرأس، وفرق الرأس: ما بين الجبين إلى الدائرة.. ومفرَقه كذلك وسط الرأس.
وقولهم للمفرق: مفارق: كأنهم جعلوا كل موضع منه فرقا فجمعوه على ذلك، ومنه قول عائشة ﵂ عند البخاري: "كأني أنظر إلى وبيصة الطيب في مفارق النبي ﷺ وهو محرم...الحديث" [٤٧] .
ونقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض قوله: "الفرق هو فرق شعر الرأس بعضه عن بعض وكشفه عن الجبين، والسدل هو إرسال اشعر وعدم ضم جوانبه" [٤٨] .
стр. 9501
كان رسول الله ﷺ في صدر الإسلام يخالف ما كان عليه المشركون من العوائد وكانوا يفرقون شعورهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينزل فيه وحي؛ على اعتبار أنهم أهل دين في الجملة، وقيل: كان يوافقهم فيما لم ينزل فيه شيء؛ رغبة في استئلافهم وميلهم إليه واتباعهم لشريعته، وكانوا يسدلون شعورهم، فكان النبي ﷺ يسدل شعره أولا مخالفة للكفار وموافقة لأهل الكتاب، فلما انتشر الإسلام وأسلم المشركون وظل أهل الكتاب على ما هم عليه وكفروا برسول الله ﷺ جحدا وعنادا خالفهم رسول الله ﷺ في سدلهم الشعر وكان يفرقه ويأمر زوجاته أن يفعلن ذلك به؛ ففي حديث ابن عباس عند البخاري: "كان النبي ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم فسدل النبي ﷺ ناصيته ثم فرق بعد" [٤٩] .
وفي الموطأ سدل رسول الله ﷺ ناصيته ما شاء الله ثم فرق بعد ذلك" [٥٠] .
حكم الفرق:
حكى الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض: أن الفرق سنة واستند إلى أنه هو الذي استقر عليه حال رسول الله ﷺ .
ويفهم مما حكاه الحافظ عن بعض العلماء، أن الفرق واجب وأنه قد نسخ به السدل، ووجهه: أنه قد جاء في حديث ابن عباس: "كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء"، فالظاهر أنه فرق بأمر من الله، وقد حكى عن عمر بن عبد العزيز، كما جزم بذلك الحازمي.
أقول إن الظاهر الذي حكاه الحافظ قد صرح به في رواية معمر إذ جاءت بلفظ: "ثم أمر بالفرق"ومعلوم أن الأمر إذا أطلق يستفاد منه الوجوب.
стр. 9502
وقد عقب القرطبي على هذا القول بقوله: "الظاهر أن رسول الله ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب بقصد الاستئلاف فلما لم يؤثر فيهم ذلك، أحب مخالفتهم ففرق، وحينئذ يكون الفرق مستحبا، وما جاء في الحديث بلفظ الأمر؛ لا يبعد عن ذلك لأن الأمر يشمل الواجب والمندوب".
كما أن دعوى النسخ ليست واردة إذ لو كان السدل منسوخا لتركه الصحابة ﵃ أو أكثرهم، لكن المنقول عنهم أن بعضهم كان يفرق والبعض الآخر كان يسدل شعره ولم يعب بعضهم على بعض.
لذلك قال الجمهور باستحباب الفرق اتباعا لما كان عليه ﷺ في آخر حياته وهو المختار.
وقد حكى الحافظ ابن حجر رأي النووي بقوله: قال النووي: الصحيح جواز السدل والفرق [٥١] .
ولكن الموجود في المجموع له: قوله: يستحب فرق شعر الرأس لحديث ابن عباس وذكر الحديث [٥٢] .
ولعله أطلق الجواز لما هو أعم من المباح المستوي الطرفين؛ فقد يطلق الجواز على ما يقابل الحرام حيث يراد به ما يشمل المكروه والمندوب والمباح، أو كان يرى أولا الجواز الذي يراد به المباح المستوي الطرفين، ثم تبين له بعد ذلك أنه مستحب فصرح به في المجموع وهو من آخر أعماله ﵀.
الخصلة الخامسة عشرة: الختان:
الختان - بكسر الخاء- من الختن وهو موضع القطع من الذكر والأنثى ومنه الحديث: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل".
ويطلق الختان على الذكر والأنثى، وقيل الختْن للرجال والخفاض للإناث، ويقال لقطعهما: الإعذار والخفض.
والختانة: صناعة الخاتن، والختن: فعل الخاتن الغلام [٥٣] .
وقد عرفه بعض العلماء بأنه: قطع بعض مخصوص من عضو مخصوص [٥٤] ، والمراد به بالنسبة للرجل: هو قطع الجلدة التي تغطى الحشفة بحيث تنكشف الحشفة كلها، وقيل: يكفي قطع شيء من القلفة وإن قلّ بشرط أن يستوعب القطع تدوير رأسها، وصحح القول الأول [٥٥] .
стр. 9503
وبالنسبة للمرأة قطع جزء من الجلدة التي توجد فوق مخرج البول وتشبه عرف الديك [٥٦] .
وقد استحب العلماء في ختان الرجل: العمل على استئصال الجلدة التي تغطى الحشفة بحيث يكون القطع من عند أول الحشفة، أما في المرأة فينبغي الاقتصار على أخذ جزء يسير ولا يبالغ في القطع، أخذا بحديث أم عطية ﵂: أن امرأة كانت تختن بالمدينة فقال لها النبي ﷺ : "لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب إلى البعل" ولا تنهكي: بفتح التاء والهاء، أي لا تبالغي في القطع وفي رواية: "أشمي ولا تنهكي"شبه القطع اليسير بإشمام الرائحة والنهك المبالغة فيه.
والحديث أخرجه أبو داود وقال: ليس بالقوي [٥٧] قال الحافظ ابن حجر: وله شاهدان من حديث أنس ومن حديث أم أيمن عند أبي الشيخ في كتاب العقيقة وآخر عن الضحاك بن قيس عند البيهقي [٥٨] .
وتزعم العرب أن الغلام إذا ولد في القمر فسخت له فلقته أي اتسعت فصار كالمختون، وقد استحب العلماء من الشافعية فيمن ولد مختونا أن يمر بالموسى على الموضع من غير قطع امتثالا للأمر.
وحكى ابن الحاج المالكي قولين في المسألة: القول السابق عن الشافعية وقول آخر لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأن هذه مؤنة كفانا الله إياها فلا حاجة تدعو إلى فعلها ولأن كشف العورة من كبير أو صغير لا يباح إلا لضرورة شرعية والضرورة معدومة في هذه الحالة [٥٩] .
وقال ابن الحاج: واختلف في حق النساء: هل يخفضن مطلقا أم يفرق بين نساء أهل المشرق ونساء أهل المغرب، فنساء أهل المشرق يؤمرن به لوجود الفضلة عندهن من أصل الخلقة ونساء أهل المغرب لا يؤمرن به لعدمها عندهن وذلك راجع إلى مقتضى التعليل فيمن ولد مختونا، فكذلك: سواء بسواء، يقصد أنه يجري في هذه المسألة القولان السابقان فيمن ولد مختونا [٦٠] .
стр. 9504
أقول: قد قطع الشيخ أبو محمد الجويني في المسألة المقيس عليها: حيث قال: لو ولد مختونا بلا قلفة فلا ختان؛ لا إيجابا ولا استحبابا..
ثم قال: فإن كان من القلفة التي تغطي الحشفة شيء موجود وجب قطعه، كما لو ختن ختانا غير كامل فإنه يجب تكميله ثانيا حتى يَبِين جميع القلفة التي جرت العادة بإزالتها في الختان [٦١] .
حكم الختان:
نظرا لعدم ورود نصوص صريحة - ثابتة- من الشارع توضح مدى مشروعية الختان، فقد اختلفت آراء الفقهاء فيه اختلافا كبيرا حسب ما وصل إلى كل منهم من الأخبار الدالة على مدى هذه المشروعية، ونشير فيما يلي - بإيجاز- إلى أهم الآراء في حكم الختان ثم نذكر أدلة كل منهم إن شاء الله تعالى.
ذهب الشافعي وأكثر أصحابه إلى أن الختان واجب للرجال والنساء، وروي هذا القول عن عطاء إذ نقل عنه قوله: لو أسلم الكبير لا يتم إسلامه حتى يختتن، كما نقل هذا الرأي أيضا عن سحنون من المالكية.
وروي عن أبى حنيفة قولان: أحدهما: بأنه واجب وليس بفرض.
ثانيهما: بأنه سنة يأثم تاركه.
وذهب مالك وأكثر العلماء إلى أنه سنة في حق الرجال والنساء، وفي كتب كثير من المالكية: بأنه سنة في حق الرجال مستحب في حق النساء، ونقل هذا الرأي عن بعض الشافعية وعن أبي حنيفة.
وذهب أحمد بن حنبل إلى أنه واجب في حق الرجال سنة في حق النساء.
كما أن هناك وجها عند الشافعية يذهب إلى أنه ليس بواجب في حق النساء [٦٢] .
وبالجملة فقد انحصرت الأقوال في ثلاثة آراء.
الأول: واجب في حق الرجال والنساء.
الثاني: واجب في حق الرجال سنة في حق النساء.
الثالث: سنة في حق الرجال والنساء.
مستند كل رأي من هذه الآراء الثلاثة:
استند من يقول بالوجوب مطلقا إلى عدد من الأدلة من أهمها ما يلي:
стр. 9505
الأول: قال تعالى: ﴿... أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [٦٣] وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث إبراهيم قال: قال رسول الله ﷺ : "اختتن إبراهيم النبي ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم" [٦٤] .
وقد صح عن ابن عباس ﵄: أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن هي خصال الفطرة، ومنها: الختان، والابتلاء: إنما يقع غالبا بما يكون واجبا.
وقد نوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يتم الاستدلال بهذا الحديث إلا إن كان إبراهيم ﵇ قد فعله على سبيل الوجوب؛ إذ من الجائز أن يكون قد فعله على سبيل الندب، فيحصل الامتثال باتباعه على وفق ما فعل فيكون مندوبا، وقد قال تعالى في حق نبيه محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [٦٥] ، وقد تقرر في الأصول أن أفعاله بمجردها لا تدل على الوجوب، كما أن باقي الكلمات العشر ليست واجبة.
وقد أجيب عن هذه المناقشة: بأن إبراهيم ﵇ لا يفعل ذلك في مثل سنه إلا عن أمر من الله.. وقد نقل الحافظ ابن حجر عن أبي الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه "أن إبراهيم ﵇ أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة، فعجل واختتن بالقدوم، فاشتد عليه الوجع فدعا ربه، فأوحى الله إليه: إنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته، قال: يا رب كرهت أن أؤخر أمرك ... "ثم قال بعد ذلك.. والاستدلال متوقف على أنه كان في حق إبراهيم ﵇ واجبا.. فإن ثبت ذلك استقام الاستدلال به وإلا فالنظر باق [٦٦] .
الثاني: ما أخرجه أبو داود من حديث كليب جد عثيم بن كثير أن النبي ﷺ قال له: "ألق عنك شعر الكفر واختتن" أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر سنده ضعيف، وقد قال ابن المنذر لا يثبت فيه شيء [٦٧] .
стр. 9506
الثالث: جواز كشف العورة من المختون، وجواز نظر الخاتن إليها وكلاهما محرم في الأصل، فلو لم يجب الختن لما أبيح ذلك [٦٨] .
وقد نوقش هذا الاستدلال من قبل القاضي عياض: بأن كشف العورة مباح لمصلحة الجسم. والنظر إليها مباح للمداواة، وليس ذلك واجب إجماعا، وإذا جاز في المصلحة الدنيوية كان في المصلحة الدينية أولى، بل قد يترك الواجب لغير الواجب كترك الإنصات للخطبة بالتشاغل بركعتي التحية وكترك القيام في الصلاة لسجود التلاوة، ومن أمثال ذلك كثير [٦٩] .
الرابع: احتج الخطابي بأنه من شعار الدين وبه يعرف المسلم من الكافر حتى لو وجد مختون بين جماعة قتلى غير مختونين، صلي عليه ودفن في مقابر المسلمين.
وقد نوقش هذا الاستدلال بأن شعائر الدين ليست كلها واجبة، ما ادعاه في المقتول مردود لأن اليهود وكثيرا من النصارى يختنون فليقيد ما ذكر بالقرينة [٧٠] .
الخامس: أن القلفة تحبس النجاسة فتمنع صحة الصلاة، كمن أمسك نجاسة بفمه.
وقد أجيب عن هذا بأن الفم في حكم الظاهر بدليل أن وضع المأكول فيه لا يفطر به الصائم، بخلاف داخل القلفة فإنه في حكم الباطن، وقد صرح أبو الطيب البصري بأنه عذر مغتفر عند الشافعية.
هذه هي أهم الأدلة التي استند إليها من أوجب الختان للرجال والنساء، وقد ذكرنا عقب كل دليل ما نوقش به ليتبين مدى صلابة كل دليل وقوته على الاحتجاج به.
أما الرأي الثاني الذي يذهب إلى وجوبه على الرجال دون النساء فيمكن تقويته بالأدلة التي استند إليها الفريق الأول:
أما احتجاجه على أنه سنة للنساء فقد استدل له بحديث شداد بن أوس رفعه: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء" أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد فيه الحجاج بن أرطاة ولا يحتج به.
وأخرجه الطبراني في مسند الشافعي عن طريق سعيد بن بشر عن قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عباس، وسعيد بن بشر مختلف فيه.
стр. 9507
وأخرجه أبو الشيخ والبيهقي من وجه آخر عن ابن عباس، كما أخرجه أيضا البيهقي من حديث أبي أيوب.
ونقل عن ابن عبد البر في التمهيد: هذا الحديث يدور على حجاج بن أرطاة وليس ممن يحتج به [٧١] .
وجه الدلالة عند من استدل به: أن التفرقة قد وقعت في الحديث بين ختان الرجال والنساء، فدل ذلك على افتراق الحكم وبما أنه قد ثبت بالفعل بالأدلة السابقة وجوب الختان في حق الرجال، فيقابله: أنه سنة في حق النساء.
وقد أجيب عن ذلك بمنع أن السنة هي التي تقابل الواجب فقد يكون المقابل هو المندوب.
ومن جهة أخرى: فالسنة في الحديث: هي الطريق، وليست بمعنى السنة عند الفقهاء.
يضاف إلى ذلك ما قيل في ضعف الحديث.
أما الفريق الثالث فقد استدل له بحديث: "الفطرة خمس" وهو حديث صحيح، وقد ذكر الختان من الخمس.
وجه الدلالة فيه: أنه قد اتفق أكثر الفقهاء على أن ما ذكر من الختان من السنن، وبما أن الختان قد ذكر معها فيكون سنة.
وقد نوقش هذا الاستدلال بأنه بالاقتران وهو ضعيف.
وقد جاء في الجوهر النقي نقلا عن شرح العمدة: الاستدلال بالاقتران في هذا المكان قوي لأن لفظ الفطرة لفظة واحدة استعملت في هذه الأشياء الخمسة فلو فرقت في الحكم أعني أن تستعمل في بعض هذه الأشياء لإفادة الوجوب وفي بعضها لإفادة الندب لزم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين.. وإنما يضعف دلالة الاقتران إذا استعملت (الجمل في الكلام) [٧٢] ولم يلزم منه استعمال اللفظ الواحد في معنيين كما جاء في الحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة"فاستدل به بعض الفقهاء على أن اغتسال الجنب في الماء يفسده لكونه مقرونا بالنهي عن البول فيه [٧٣] .
стр. 9508
وقد أجيب بأنه لا مانع من جمع المختلفي الحكم بلفظ أمر واحد كما في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [٧٤] فإيتاء الحق واجب والأكل مباح.
وقد ردت هذه الإجابة: بأن هناك فرق بين الأية والحديث:
إذ أن الحديث تضمن لفظة واحدة استعملت في الجميع فتعين أن يحمل على أحد أمرين: الوجوب أو الندب بخلاف الآية فإن صيغة الأمر تكررت فيها والظاهر الوجوب فصرف في أحد الأمرين بدليل وبقي الآخر على الأصل،
وقد عقب الحافظ ابن حجر على هذا الرد بقوله: "إنما يتم على طريقة من يمنع استعمال اللفظ الواحد في معنيين، وأما من يجيزه كالشافعية فلا يرد عليهم" [٧٥] .
كما استدل أيضا لهذا الفريق بالحديث السابق "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء"وقد تقدم بيان وجه الدلالة منه وما ورد عليه من مناقشة [٧٦] .
كما أنه يمكن أن يستدل له ثالثا: بحديث اختتان إبراهيم ﵇ المتقدم.
وجه الدلالة فيه: ثبوت اختتان إبراهيم ﵇ ويزيده ثبوتا ما جاء في الموطأ "كان إبراهيم أول الناس ضيّف الضيف وأول الناس اختتن وأول الناس قص الشارب" [٧٧] .
والحديث وإن ذكره مالك موقوفا على سعيد بن المسيب، فقد قال الحافظ السيوطي: وصله ابن عدي والبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة مرفوعا [٧٨] .
وبما أنه لم يثبت الاستدلال بهذا الحديث على الوجوب فأقل ما يستفاد منه أنه سنة نظرا لأننا قد أمرنا باتباع ما كان يفعله إبراهيم ﵇ بقوله تعالى: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ .
قال الشوكاني: والحق أنه لم يقم دليل صحيح يدل على الوجوب، والمتيقن السنية كما في حديث (خمس من الفطرة) ونحوه والواجب الوقوف على المتيقن إلى أن يقوم ما يوجب الانتقال عنه [٧٩] .
стр. 9509
وهذا القول هو المختار؛ إلا أني أعتقد أن الختان في حق النساء أقل تأكيدا منه في حق الرجال؛ لما حكاه ابن عبد البر في التمهيد بقوله: "والذي أجمع عليه المسلمون أن الختان للرجال" [٨٠] .
ولضعف الحديث الوارد في حقهن، ولأن المشاهد أن حاجة النساء إلى الختان أقل بكثير من حاجة الرجال إليه والله أعلم.
وقد توسع ابن القيم في هذا الموضوع فمن أراد المزيد فعليه الرجوع إليه [٨١] .
وقت الختان:
لم يرد في السنة - فيما أعلم - حديث ثابت في تحديد وقت للختان، لذلك حاول بعض الفقهاء أن يضع تحديدا؛ إما لأنه وجد حديثا ضعيفا فحاول أن يستند إليه - من باب: شيء خير من لا شيء - أو كان مراعاة لمصلحة المختون وسنوجز القول في بيان آراء هؤلاء العلماء ومستند كل فريق فيما يلي:
ذهب الشافعية إلى أن الختان له وقتان وقت وجوب ووقت استحباب، أما الوجوب فيبدأ من وقت البلوغ على الفور، أما وقت الاستحباب فيبدأ منذ الصغر، فإن لم يختن يوم السابع فيوم الأربعين، فإن كان لا يحتمل أُخّر للسنة السابعة فإن لم يختتن حتى بلغ وجب حينئذ الختان في حقه إلا أن يكون ضعيفا وعلم أن الختان يتلفه: فإن الوجوب يسقط..
وهل يحسب يوما الولادة من السبعة أيام؟ وجهان:
قال أبو علي بن أبي هريرة يحسب، وقال الأكثرون لا يحسب؛ فيختن في السابع بعد يوم الولادة.
وذكر النووي: أن ختان الصبي في وقت الصغر مستحب وليس بواجب، وقال: هو المذهب الصحيح المشهور في المسألة [٨٢] .
وعند الشافعية وجهان آخران: أحدهما: أنه يجب على الولي ختانه في الصغر لأنه من مصالحه [٨٣] ، وقد فسر أبو الفرج السرخسي العلة في ذلك بقوله: في ختان الصبي وهو صغير مصلحة من جهة أن الجلد بعد التمييز يغلظ ويخشن فمن ثم جوز الأئمة الختان قبل ذلك [٨٤] .
стр. 9510
والوجه الثاني: أنه يحرم ختانه قبل عشر سنين لأن ألمه فوق ألم الضرب ولا يضرب على الصلاة إلا بعد عشر سنين، وقد ضعف النووي هذا الوجه، وقال عنه ليس بشيء وهو كالمخالف للإجماع [٨٥] .
ونقل ابن المنذر عن الحسن ومالك كراهة الختان يوم السابع لأنه فعل اليهود.
وقال مالك: يحسن إذا أثغر أي ألقى ثغره وهو مقدم أسنانه وذلك يكون في السبع سنين وما حولها.
وسئل مالك عن حديث جابر "أن النبي ﷺ ختن حسنا وحسينا لسبعة أيام"، فقال: لا أدري ولكن الختان طهرة فكلما قدمها كان أحب إلي [٨٦] .
ونقل النووي عنه: عامة من رأيت: الختان ببلدنا إذا أثغر الصبي، كما نقل عن الليث بن سعد: يستحب بابن سبع سنين إلى عشر سنين، ونقل عن أحمد قوله: لم أسمع فيه شيئا [٨٧] .
من هنا نتبين أنه لم يرد حديث صحيح في توقيت الختان، وأن القول بوجوبه وقت البلوغ ليس عليه دليل وربما كان متمسك هذا الفريق حديث سعيد بن جبير عند البخاري.. قال: "سئل ابن عباس مثل من أنت حين قبض رسوله الله ﷺ قال أنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك" أي يبلغ [٨٨] .
وليس فيه دلالة على الوجوب: إذ كل ما يدل عليه أن عادتهم كانت كذلك. على أنه قد اختلف في سنه يوم وفاته ﷺ من عشر سنين إلى ثلاث عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة وقد صوب أحمد بن حنبل أنه كان ابن خمس عشرة سنة وقال ابن القيم: "والذي عليه أكثر أهل السير والأخبار أن سنه كان يوم وفاة النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة.. ثم قال: وعندي أنه يجب على الولي أن يختن الصبي قبل البلوغ بحيث يبلغ مختونا فإن ذلك مما لا يتم الواجب إلا به [٨٩] .
والمختار ما قال به ابن المنذر: ليس في الختان خبر يرجع ولا سنة تتبع والأشياء على الإباحة [٩٠] .
стр. 9511
وزاد ابن القيم نقلا عن ابن المنذر: ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة ولا نعلم مع منع أن يختتن الصبي لسبعة أيام حجة [٩١] .
قال ابن الحاج: قد مضت عادة السلف أنهم كانوا يختنون أولادهم حين يراهقون البلوغ. لكن قد ورد أن النبي ﷺ ختن الحسن والحسين يوم السابع أو نحوه، والأمر في ذلك قريب، فأي شيء فعله المكلف كان ممتثلا، وذلك راجع إلى مقتضى التعليل لأن الصغير ليس بمكلف والقطع منه قبل تكليفه: فيه إيلام له بما لا يلزمه في الوقت، وأما ختانه حين المراهقة فهو متعين لأن كشف عورته بعد البلوغ محرم لكن يدخل عليه في ذلك الألم الشديد والبطء في البرء بخلاف الصغير فإن ألمه خفيف وبرأه قريب [٩٢] .
مقتضى ما تقدم: أنه يراعى في وقت الختان مصلحة الصبي ومصلحته تتطلب ختانه وهو صغير قبل أن يكبر وتكبر الآلام معه.
على أنه يراعى في التوقيت كذلك حماية الصبي من حيث الصحة وحالة والديه من جهة إمكانهما القيام على رعايته أثناء الختان وبعده حتى يبرأ.
ختان الخنثى المشكل:
قال بعض علماء الشافعية: إن الخنثى المشكل يجب ختانه في فرجيه جميعا، لأن أحدهما واجب ولا يتوصل إليه إلا بختناهما.
وقال بعض آخر بعدم ختان الخنثى المشكل؛ لأنه يترتب عليه أن يُجرح على الإشكال وهو لا يجوز واستظهر النووي القول الثاني وقال إنه المختار [٩٣] .
وأقول إن الخنثى يعطى حكم غيره في الختان لعموم الأدلة. إذ ليس فيها مخصص لمولود دون غيره. على أنه يختن في فرجيه جميعا إن تساويا في النمو وإلا بأن كان أحدهما ناميا دون الآخر فإنه يختن في النامي لأن هذا النمو غلّب انتماءه إلى أحد الجنسين والله أعلم.
وقد صرح المالكية بأن الشخص إذا لم يختن قبل بلوغه فإنه يؤمر بختن نفسه بعد البلوغ ولو كان خنثى مشكلا [٩٤] .
إظهار ختان الذكر وإخفاء الأنثى:
стр. 9512
قال ابن الحاج يستحب في ختان الذكر إظهاره وفي ختان الأنثى إخفاؤه، وأما الدعوة إلى الختان، فقد صرح بعض العلماء باستحبابها كما تندب الإجابة لها، وقد حكى هذا القول عن أحمد والشافعي وأبى حنيفة وأصحابه.
وقال العنبري تجب إجابة كل دعوة لعموم الأمر به فإن ابن عمر روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسا كان أو نحوه" أخرجه أبو داود [٩٥] ونسب ابن حزم الوجوب إلى جمهور الصحابة والتابعين مستدلا بالحديث السابق وبما ورد في معناه [٩٦] .
والمختار الاستحباب؛ لأن الأمر ورد بجوب إجابة الوليمة إذا كان لعرس: "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" رواه ابن ماجه [٩٧] ، وقال عثمان بن أبي العاص: "كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ ولا ندعى إليه" [٩٨] .
أجرة الختان:
أجرة ختان الطفل في ماله؛ فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته [٩٩] .
الحكمة من كون الختان من سنن الفطرة:
الختان إلى جانب كونه سنة من أبينا إبراهيم الخليل ﵇ التي بينها لنا رسول الله ﷺ وحثنا عليها فإنه يشتمل على معان سامية وحكم جليلة نجمل بعضها فيما يلي:
١- في الختان فائدة صحية هامة فقد ثبت أن القلفة إذا لم تقطع في الوقت المناسب: فإنه يتكون يتكون تحتها خلايا (ميكروبية ٩) تتكاثر باستمرار وتسبب أضرارا بالغة الشدة والخطورة على الشخص ولذلك يكون العلاج الطبي من المختصين هو الأمر بإزالة القلفة فورا..
٢- عند التبول تتسلل بعض قطرات البول إلى التجويف الموجود بين القلفة وبين رأس الذكر، وهذه القطرات إلى جانب كونها مرتعا خصبا للجراثيم في هذه المنطقة، فإنها كثيرا ما يخرج بعضها بعد التطهر فتصيب النجاسة الثوب والبدن كما أنها تسبب كثيرا من الوسوسة لدى الشخص إذ يظن أنها خارجة من الذكر فيعيد وضوءه المرة بعد الأخرى.
стр. 9513
٣- إزالة القلفة لها تأثير طيب على المعاشرة الزوجية.
٤- هذا كله إلى جانب كون الختان شعارا هاما من شعارات الإسلام إذ به يفرق بين المسلم وغيره، لأن الغالب؛ أنه لا يحافظ على الختان إلا المسلمون، والله اعلم.
وبعد؛ فبجهد المقل وما أتيح من مراجع وما أمكن اقتناصه من الوقت حاولت جاهدا تجلية ما تضمنته هذه السنن النبوية الكريمة من آداب وأحكام وتشريعات؛ فأرجو أن أكون قد وفقت لما قصدت إليه كما أرجو الله أن يتقبله مني وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، كما أتوجه إليه تعالى برجاء المغفرة لما يكون قد وقع فيه - عن غير قصد - من زلل أو خطأ؛ إنه نعم المولى ونعم النصير.
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
--------------------------------------------------------------------------------
[١] فتح الباري جزء ١٢ص٤٧١، ولسان العرب جزء:٢٠ ص١٠٨ مادة لحا.
[٢] لسان العرب ج٢٠ ص١٠٨، ص١٠٩ مادة لحا.
[٣] فتح الباري ج١٢ ص٤٧٣.
[٤] صحيح مسلم ج١ ص١٥٣.
[٥] المرجع السابق.
[٦] المرجع السابق.
[٧] صحيح مسلم ج١ص١٥٣.
[٨] صحيح البخاري ج١٢ ص٤٧١ فتح الباري.
[٩] فتح الباري ج١٢ ص٤٧١.
[١٠] عون المعبود ج١ ص٢٥٥.
[١١] المجموع ج١ ص٣٤٩ مطبعة العاصمة.
[١٢] طرح التثريب ج٢ ص٨٣.
[١٣] فتح الباري ج١٢ ص٤٧١.
[١٤] عمدة القاري ج٢٢ ص٤٧.
[١٥] المجموع ج١ ص٣٤٩.
[١٦] تحفة الأحوذي ج٨ ص٤٤، عمدة القاري ج٢٢ ص٤٧.
[١٧] طرح التثريب ج٢ ص٨٣.
[١٨] شرح الزرقاني على الموطأ ج٤ ص٣٣٤.
[١٩] العدوي علي أبي الحسن ج٢ ص٣٤٦.
[٢٠] سورة الأعراف الآية رقم ٣١.
[٢١] عون المعبود ج١١ ص١٤٩.
[٢٢] عون المعبود ج١١ ص١٤٩.
[٢٣] عون المعبود ج١١ ص٢٦٦.
[٢٤] نيل الأوطار ج١ ص١٤١.
стр. 9514
[٢٥] المجموع ج١ ص٣٥٢ مطبعة العاصمة.
[٢٦] عون المعبود ج١١ ص٢٦٧ بإيجاز.
[٢٧] المجموع ١ ص٣٥٠ مطبعة العاصمة.
[٢٨] عون المعبود ج١١ ص٢٦٧.
[٢٩] عون المعبود ج١١ ص٢٥٦.
[٣٠] تحفة الأحوذي ج٨ ص١٠٨.
[٣١] عون المعبود ج١١ ص٢٥٦.
[٣٢] المجموع ج١ ص٣٥٠ مطبعة العاصمة.
[٣٣] الموطأ ج٤ ص٣٣٨ من شرح الزرقاني.
[٣٤] المرجع السابق.
[٣٥] نيل الأوطار ج١ ص١٤٨.
[٣٦] نيل الأوطار ج١ ص١٤٦.
[٣٧] طرح التثريب ج٢ ص٨٣، والمجموع ط ص٣٥.
[٣٨] فتح الباري ج٢ ص٤٧٢.
[٣٩] هذه اللفظة وجدت هكذا في كثير من النسخ ووجدت في بعضها بلفظ: تحذيفها، فعلى الأول: تكون بمعنى التقصير وعلى الثاني تكون بمعنى أخذ جوانبها بالموسى، ولا أدري أي المعنيين أراد القاضي عياض.
[٤٠] العدوي على أبي الحسن ج٢ ص٣٤٥.
[٤١] العدوي على أبي الحسن ج٢ ص٣٤٦.
[٤٢] المجموع ج١ ص٣٤٩ العاصمة.
[٤٣] المرجع السابق.
[٤٤] العدوي على أبي حسن ج٢ ص٣٤٥.
[٤٥] سورة المرسلات الآية رقم: ٤.
[٤٦] سورة الإسراء الآية رقم: ١٠٦.
[٤٧] عمدة القارئ ج٢٢ ص٥٦، لسان العرب ج١٢ ص١٧٦ مادة فرق.
[٤٨] فتح الباري ج١٢ ص٤٨٤.
[٤٩] فتح الباري ج١٢ ص٤٨٣.
[٥٠] الموطأ ج٢ ص٢٣٢.
[٥١] فتح الباري ج١٢ ص٤٨٤.
[٥٢] المجموع ج١ ص٣٥٣.
[٥٣] لسان العرب ج١٦ ص٢٩٥ مادة ختن.
[٥٤] تحفة الأحوذي ج٨ ص٣٤.
[٥٥] المجموع ج١ ص٣٥٦ مطبعة العاصمة.
[٥٦] المرجع السابق.
[٥٧] عون المعبود ج١٤ ص١٨٣،ص١٨٤.
[٥٨] فتح الباري ج١٢ ص٤٦٠.
[٥٩] المدخل ج٣ ص٢٩٦ الطبعة الثانية دار الفكر.
[٦٠] المرجع السابق.
[٦١] المجموع ج١ ص٣٥٩.
[٦٢] المجموع ج١ ص٢٥٦ فتح الباري ج١٢ ص٤٦٠ طرح التثريب ج٢ ص٧٥.
[٦٣] سورة النحل الآية رقم١٣٣.
[٦٤] صحيح البخاري ج٨ ص٨١.
стр. 9515
[٦٥] سورة الأعراف الآية رقم ١٥٨.
[٦٦] فتح الباري ج١٢ ص٤٦٣، والسنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٣٢٦.
[٦٧] فتح الباري ج١٢ ص٤٦٣، والسنن الكبرى ج٨ ص٣٢٤.
[٦٨] المرجع السابق ج١٢ ص٤٦٣.
[٦٩] طرح الترثيب ج٢ ص٧٥، فتح الباري ج١٢ ص٤٦٢.
[٧٠] فتح الباري ج١٢ ص٤٦٢.
[٧١] فتح الباري ج١٢ ص٤٦١، وعون المعبود ج١٤ ص١٨٦، والسنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٣٢٥.
[٧٢] هكذا والمعنى غير واضح ولعل الأصح: في جملة من الكلام.
[٧٣] الجوهر النقي للعلامة علاء الدين بن علي بن عثمان المرديني الشهير بابن التركماني على حاشية كتاب السنن الكبر ى للبيهقي ج٨ ص٣٢٣.
[٧٤] سورة الأنعام الآية رقم ١٤١.
[٧٥] فتح الباري ج١٢ ص٤٦١.
[٧٦] السنن الكبرى للبيهقي ج٨ ص٣٢٥ ونيل الأوطار ج١ ص١٣٥.
[٧٧] تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ج٢ ص٢١٩ الطبعة الأخيرة.
[٧٨] تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ج٢ ص٢١٩.
[٧٩] نيل الأوطار ج١ ص٤٣٥.
[٨٠] عون المعبود ج١٤ ص١٩٠.
[٨١] تحفة المودود بأحكام المولود طبعة دار الكتب العلمية لبنان من ص١٢٧-إلى ١٤١.
[٨٢] المجموع ج١ ص٣٥٧.
[٨٣] المجموع ج١ ص٣٥٧.
[٨٤] فتح الباري ج١٢ ص٤٦٣.
[٨٥] المجموع ج١ ص٣٥٧.
[٨٦] فتح الباري ج١٢ ص٤٦١.
[٨٧] المجموع ج١ ص٣٥٩.
[٨٨] نيل الأوطار ج١ ص١٣٦، وصحيح البخاري ج٨ ص٨١ طبعة صبيح بالقاهرة.
[٨٩] تحفة المودود ص١٤٢.
[٩٠] الجوهر النقي، انظر حاشية السنن الكبرى ج٨ ص٣٢٧.
[٩١] تحفة المودود ص١٤٥.
[٩٢] المدخل ج٣ ص٢٩٦.
[٩٣] المجموع ج١ ص٣٥٨.
[٩٤] العدوي على أبي الحسن ج٢ ص٣٤٥.
[٩٥] عون المعبود ج١٠ ص٢٠٤.
[٩٦] المحلى ج١ ص٢٢، ص٢٠٤. دار الاتحاد العربي للطباعة - القاهرة.
[٩٧] سنن ابن ماجه ج١ ص٥٩١ الطبعة الثانية دار الفكر.
[٩٨] المغني ج٧ ص٢٨٦.
стр. 9516
[٩٩] المجموع ج١ ص٣٥٨.
стр. 9517
تعدد الزوجات وحكمته في الإسلام
الدكتور جمعة الخولي
الأستاذ بكلية الدعوة بالجامعة
الزواج سنة الإسلام، شرعه الله ليعف الإنسان نفسه، ويحافظ على بقاء نسله وليكون طريقا للتواصل والبر والرحمة، وسكنا يثوي إليه الزوجان، فيلقيان عنده أعباء الحياة الخارجية إلى حين.
والإسلام يرفع من مكانة الزواج وأهميته، ويسمو بحكمته حتى يجعله من أقوى أسباب التواد بين الغرباء، والتقارب بين البعداء، وتوثيق أواصر القربى بين الأسر بعضها وبعض قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [١] .
ولقد ذهب كثير من فقهاء المسلمين إلى أن الزواج واجب يأثم من تثاقل عنه ما دام قادرا، قال رسول الله ﷺ : "النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم" [٢] . كما قال ﵊: "من كان منكم ذا طول فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لا فالصوم له وجاء" [٣] .. وقد أحاط الإسلام الزواج بما يحفظ عليه استمراره واستقراره، ويبقي على آثاره الطيبة، وغاياته النبيلة.
فكان أن شرع من ما شرع، رخصة تعدد الزوجات إلى أربع إذا اقتضته الضرورة وألجأت إليه الظروف، واشترط على الأزواج العدل والتسوية بينهن في السكن والرزق، وأن تكون لديهم القدرة على الحياة الزوجية.. قال سبحانه: ﴿.. فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [٤] .
стр. 9518
وقال ﷺ : "من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل" [٥] ، وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن - وكلتا يديه يمين - الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولّوا" [٦] .
وإن أعداء الإسلام ومثيري الشغب ضده، اتخذوا من ذلك التشريع الحكيم ذريعة للطعن في نظام الإسلام... والحط من قيمة المرأة، ليشككوا في صلاحية هذا الدين ومقومات خلوده وبقائه على امتداد العصور... وقبل الحديث عن التعدد وحكمته وواقعيته في الإسلام، أحب أن أسأل أولا... هل الإسلام هو الذي أنشأ التعدد وابتدعه وأطلقه حتى يؤاخذ به، أم هو الذي قيده وضبطه حتى يحمد له...
إن الذين كتبوا عن تاريخ الزواج على اختلاف النظم الإنسانية بينوا أن التعدد كان معروفا في جميع البيئات قبل الإسلام، يهودية ومسيحية، عربية وغير عربية.. أباحته اليهودية دون حد، وكان ذلك شائعا في ملوكها وأنبيائها، ولا توجد في أسفار العهد القديم نصوص تحرم التعدد أوتمنعه عن الآباء والأنبياء ولمن دونهم من الخاصة والعامة [٧] .
كما كان التعدد فاشيا في العالم المسيحي بين العامة ورجال الدين، إذ أن أسفار العهد القديم وهي - مقدسة لدى النصارى - تبيحه ولا تمنعه.. ثم أنه لم يرد في النصوص الأولى للمسيحية التي تحكيها أناجيلهم المتداولة نص صريح يمنع تعدد الزوجات بل إنه يوجد في رسالة بولس إلى "تيموثاوس"ما يفيد أن التعدد جائز، فقد جاء فيها "يلزم أن يكون الأسقف بعل امراة واحدة" [٨] ، [٩] ... وفي ذلك ما يدل على ان الزيادة على الواحدة لغير الأسقف جائزة، وإن منع تجدد الزوجات قاصر على رجال الدين، ومن يعدد منهم ينخرط في سلك العامة، ويمنع من الانخراط في سلك الكهنوت.
стр. 9519
كما ثبت تاريخيا ان بين المسيحيين الأقدمين من كان يتزوج أكثر من واحدة، وفي أباء الكنيسة الأقدمين من كان له كثير من الزوجات، يذكر الأستاذ عباس العقاد أن "وسترمارك"العالم في تاريخ الزواج قال: "إن تعدد الزوجات باعتراف الكنيسة بقي إلىالقرن السابع عشر وكان يتكرر كثيرا في الحالات التي لا تحصيها الكنيسة والدولة" [١٠] .
ويقول الشيخ رشيد رضا: "وقد فشا التعدد في الرومان فعلا لا قانونا حتى حظره جوستنيان في قوانينه، ولكنه ظل فاشيا بالفعل، وأباحه ببعض البابوات لبعض الملوك بعد الإسلام كشرلمان ملك فرنسا الذي كان معاصرا للخليفتين المهدي والرشيد من العباسيين [١١] ويقول المستشرق الفرنسي: "إتيين دينيه"الذي أسلم وسمى نفسه "ناصر الدين"هؤلاء ملوك فرنسا دع عنك الأفراد الذين كانت لهم الزوجات المتعددات والنساء الكثيرات وفي الوقت نفسه كان لهم من الكنيسة كل تعظيم وإكرام [١٢] .
وهكذا لو ترك أتباع الكنيسة الأمر على عهوده الأولى لكان التعدد جائزا عندهم، لكن الكنيسة خضوعا لمؤثرات أجنبية بعيدة عن تعاليم المسيحية ذاتها هي التي ابتدعت القول بمنع تعدد الزوجات، وأخذ رؤساؤهم الدينيون يؤولون في آيات الزواج كما أولوا في غيرها حتى أصبح التزوج بأكثر من واحدة حراما عندهم كما هو معروف.. وحتى قبل المسيحية واليهودية كان التعدد مباحا مأثورا عن الأنبياء أنفسهم فإبراهيم ﵇ تزوج سارة وهاجر، ويعقوب تزوج ليئة وراحيل، وفي العهد القديم ما يدل على أن موسى كانت له زوجة أخرى مع ابنة الرجل الصالح [١٣] ، وأن كثيرا من أنبياء بني إسرائيل كانوا يعددون ومعروف أن داود وسليمان ﵉ كان لهما زوجات كثيرة، ولقد جاء في سفر الملوك الأول أن سليمان ﵇ كان له سبعمائة من النساء السيدات، وثلاثمائة من الجواري [١٤] ، [١٥] .
стр. 9520
فالإسلام لم يبتدع التعدد، وإنما جاء فوجده منتشرا في جميع الطبقات يمارسه اليهود والعرب وغيرهم على أوسع نطاق، دون التقيد بأي اعتبار، قال الطبري: "كان الرجل في الجاهلية يتزوج عشرة من النساء والأكثر والأقل" [١٦] .
فكان لا بد أن يتدخل الإسلام لعلاج هذه الظاهرة التي وصلت إلى حد الفوضى في كثير من الأحيان، وأصبح لا دافع من ورائها إلا التلذذ الحيواني، والتنقل بين الزوجات كما ينتقل الخليل بين الخليلات.. فكيف كان علاج الإسلام لها..ذلك ما نبينه في الفقرات التالية:
أولا: بعد أن كان الزواج مطلقا دون حد، متروكا للهوى دون قيد، من شاء فليستكثر ومن شاء فليقلل، قيد الإسلام ذلك بأربع نساء فقط، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [١٧] .. وعلى إثر نزول هذه الآية قام رسول الله ﵊ يأمر من كان معه أكثر من أربع أن يمسك منهن أربعا، ويسرح الباقي... روى ابن ماجه أن غيلان بن مسلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ : "اختر منهن أربعا" [١٨] وروى أيضا أن قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "اختر مهن أربعا" [١٩] .
وعن نوفل بن معاوية الرملي قال أيضا: "أسملت وعندي خمس نسوة"فقال له رسول الله ﷺ : "فارق واحدة وامسك أربعا، فعمدت إلى أقدمهن عندي عاقر منذ ستين سنة ففارقتها" [٢٠] .
وهكذا ضبط الإسلام نظام التعدد وحدده بما لا يزيد عن أربعة، بعد أن كان مطلقا بدون حد، منطلقا دون قيد.
стр. 9521
ثانيا: إذا كان الإسلام حدد الزواج بما لا يزيد عن أربعة إلا أنه جعل لذلك شرطا هو إمكان القدرة على النفقة والقيام بأعباء الزوجية كاملة، وقيدا، هو ضرورة العدل بينهن في المعيشة والمعاشرة، وإلا ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [٢١] ، وبذلك الشرط والقيد تصان الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال، ومن الجور والظلم ... وتحفظ كرامة المرأة حتى لا تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل.. والعدل المشروط هنا هو العدل المادي في المعاشرة والمعاملة، وفي النفقة والمعاشرة، وفي كل ما يمكن تحقيق العدل فيه ويدخل تحت طاقة الإنسان وإرادته بحيث لا تبخس زوجة حقها، ولا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء.. أما فيما يتعلق بمشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، فذلك خارج عن إرادة الإنسان، واستطاعته، ولا يطالب بالعدل فيه أحد، وإلى هذا المعنى جاءت الإشارة في قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [٢٢] .
ومع أن نبي الإسلام ﷺ كان يعدل بين نسائه كأرفع ما يكون وأنبل ما يكون إلا أنه مع ذلك كان يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" [٢٣] ، ذلك أن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، ولا سلطان لبشر عليها.
стр. 9522
ثالثا: التعدد علاج يقدمه الإسلام لما قد يطرأ على حياة الأسرة من علل وأدواء.. وهذا العلاج محكوم عليه بحكم الحاجة، وبحسب الحالة الطارئة الواقعة، فمن خرج به عن هذه الملابسات فقد ظلم نفسه، وجاوز حدود الله، والإسلام في تشريعه هذا قائم على أساس أنه دين البشرية العام بمختلف أجناسها وبيئاتها وقد ضمنه الله من الشرائع والأحكام ما يجعله صالحا وافيا بحاجات البشرية إلى قيام الساعة، وقد رخص في موضوع التعدد لمواجهة حالات واقعة في الحياة البشرية لا يمكن أن يقف حيالها مكتوف الأيدي، وإلا كان قاصرا عن مواجهة ظروف الحياة، وحاشا لشرع الله الكامل أن يكون كذلك.. ومن الحالات التي راعاها الإسلام، ورخص في التعدد إزاءها ما يلي:
١- إذا عقمت المرأة، أو ثبت أنها عاقر لا تلد، ووجدت لدى الزوج الرغبة الفطرية في النسل والإنجاب، أو إذا مرضت الزوجة مرضا مزمنا يطول برؤه أو يستعصي على العلاج، وقد لا يتمكن الزوج معه أن يعاشرها معاشرة الأزواج، وقد لا تستطيع هي الأخرى بإزائه أن تقوم بواجباتها كزوجة.. إن المرأة في هاتين الحالتين تكون أمام أحد أمرين.. إما أن يطلقها الزوج ويتزوج بأخرى تستطيع القيام بحقوق الزوجية وتحملها، وقد لا يكون هذا من الوفاء مع زوجة أعطته خدمتها وإخلاصها، وإما أن يبقي عليها مع زواجه بأخرى، وهذا حل قد ترتاح له المرأة العاقلة وتفضله على الطلاق، لأنه بالنسبة لحالة المرض تكون المرأة بحاجة إلى من يقف بجوارها ويتولى شئون علاجها، وفي حالة العقم نجد أن المرأة في كثير من االأحيان هي التي تقوم بعرض الزواج على الرجل وترغبه فيه، وقد تقوم هي بالخطبة له، وتعيش مع غيرها كعيشة الأختين، وقد كان ذلك أمرا عاديا في صدر الإسلام عندما كان النسوة متدينات مسلمات، يعرفن حق الله والزوج، فلما ساد الجهل بالإسلام، وفسدت التربية الصحيحة به أصبح الزواج بثانية مثار بغض بين العشائر وخلاف بين الأزواج.
стр. 9523
٢- يوجد لدى بعض الرجال شبق [٢٤] . لا يستطيعون معه التحكم في غرائزهم. ولا تكفى المرأة الواحدة لإحصانهم إما لعزوف المرأة عن ذلك الشيء لضعفها العام، أو لكبر سنها، أو أنها ذات طبع لا ينشط لتلبية رغبات الزوج كثيرا، فهل يكبت الرجل شهوته - والحالة هذه - أو يطلق لنفسه العنان فيخادن من يشاء من النساء؟ إن هذا وذاك لا يقبله شرع ولا دين، فلم يبق إلا أن يرخص له في الزواج بأخرى مع الإبقاء على الأولى، خاصة وأنه قد توجد لديها الرغبة الأكيدة في استدامة العشرة وعدم الانفصال بعضهما عن بعض.
٣- هناك حالات يزيد فيها عدد النساء على عدد الرجال، ويظهر ذلك واضحا في أعقاب الحروب التي تأتي على كثير من الشباب، فماذا يكون الوضع والحالة هذه... إننا إذا منعنا التعدد، وقلنا لا بد من الاقتصار على نظام الزوجة الواحدة كنا أمام احتمالات ثلاث أمام ذلك العدد الزائد من النساء:
أ- إما أن تظل البنت حبيسة في بيت أبيها بدون زواج، وتقضي حياتها هكذا، لا تعرف الرجال، ولا يعرفها الرجال، وهذا حل لا ترضاه المرأة لنفسها لأنه يناقض فطرتها وطبيعة تكوينها مهما كابر المكابرون وادعوا أنه من الممكن أن تستغني المرأة عن الرجل بالكسب والعمل فتلك مثالية صعبة التطبيق والتحقيق وجهل بنفسية المرأة وطبيعة تكوينها الجسدي والغريزي وحاجتها إلى السكن والأُنس بالعشير.
ب- وإما أن تتخذ المرأة الرجل خدنا أو خليلا في الحرام، وتتصل به اتصالا غير شريف في الظلام ... وهذا الحل لا ترضاه امرأة شريفة لنفسها، فهو ضد كرامتها ومكانتها الإنسانية.
ج- فلم يبق إلا الحل الثالث وهو الزواج من رجل متزوج من قبل، يصونها ويحميها من التبذل والضياع..
стр. 9524
وهذا الحل هو الذي يقول به الإسلام كرخصة لعلاج حالة واقعية مقيدا ذلك بالعدل والقدرة على الإنفاق والإحصان، وهو حل ترضاه المرأة نفسها عن طيب خاطر إزاء تلك الظروف الطارئة وتشجعه، وقد تطالب به، كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عندما طالبت نساء ألمانيا أنفسهن بتعدد الزوجات لذهاب كثير من رجالها وشبابها وقودا للحروب، ورغبة في حماية المرأة من احتراف البغاء وما يتأدى عنه من أولاد غير شرعيين، ففي عام ١٩٤٨ أوصى مؤتمر الشباب العالمي في ميونخ بألمانيا بإباحة تعدد الزوجات حلا لمشكلة تكاثر النساء وقلة الرجال بعد الحرب العالمية الثانية [٢٥] ، وتقول إحدى الألمانيات: "إن حل مشكلة المرأة الألمانية هو إباحة تعدد الزوجات" [٢٦] فالتعدد- على ما به - رحمة بالمرأة، فحياة برجل، أفضل للمرأة من حياة بلا رجل وهي تعلم ذلك جيدا ومن يعرف نفسية المرأة يجد أنها - حتى في غير أوقات الحروب - قد تختار التزوج برجل معه امرأة أخرى عن رضا واختيار، تقول أستاذة ألمانية: "إنني أفضل أن أكون زوجة مع عشر نساء لرجل ناجح على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل فاشل تافه، إن هذا ليس رأيي وحدي، بل هو رأي كل نساء ألمانيا" [٢٧] .. وأخيرا.. فنحن لا ننكر أن الزواج الثاني شديد على نفسية الأولى، وبغيض إليها، ولكن ماذا نفعل أمام ضرورات هذه أمثلة لها، لا بد أن تتجرع الزوجة الكأس مع ما فيها من مرارة فذلك أخف الضررين.
٤- المتمعن في موضوع التعدد في الإسلام يجد أن الفقهاء وكلوا الرضا به والرفض إلى المرأة، فمن الممكن أن تقبله ومن الممكن ألا تقبله دون إكراه...كيف؟ المرأة يؤخذ رأيها أولا في موضوع الزواج كما قال ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: "يا رسول الله وكيف إذنها"قال: "أن تسكت" [٢٨] وفي رواية " الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها" [٢٩] .
стр. 9525
ولما شكت فتاة إلى النبي ﷺ موضوع إقدام والدها على تزويجها من ابن عمها على غير رغبة منها وكل ﵇ ذلك الأمر إليها إن شاءت قبلته، وإن شاءت رفضته دون إرغام، روى النسائي عن السيدة عائشة ﵂ أن فتاة دخلت عليها فقالت: "إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته وأنا كارهة"، فقلت: "اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ ، فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: "يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم أَللِنِّساء من الأمر شيء" [٣٠] .
وعن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها [٣١] .
فالرأي في موضوع الزواج - تعدادا أو ابتداء - موكول إلى المرأة، تقبل منه ما ترى فيه السكن والمودة، وتنتظر ورائه الخير والأمان، أو ترى فيه ضرورة أخف من غيرها، وترفض منه ما تتوقع من ورائه القلق والمتاعب.
وبعد فإن الشريعة الإسلامية في إباحتها للتعدد إنما اعتبرته نوافذ ضيقة لحالات استثنائية اضطرارية، وأدوية محدودة لحالات قائمة، وقد سلكت فيه مسلكا سائغا ومقبولا لا غلو فيه ولا إفراط، ولعل فيما هو منتشر الآن في البلاد التي لا تسمح نظمها بالتعدد وتحتم على أتباعها الاقتصار على واحدة مهما كانت الظروف والأسباب، أقول: لعل فيما هو منتشر الآن في تلك البلاد من الفوضى الجنسية واستباحة الأعراض والتفسخ الأخلاقي والتخالل السري والعلني، والتحايل على النظم ونقضها بشتى الحيل، أن في بعض ذلك ما يكفي كدليل قاطع على سمو التشريع الإسلامي وحكمته التي يلتقي فيها مع الإنسان في فطرته وواقعه، ويتوافق مع شئونه وملابسات حياته لأنه ينظر إليها من جميع زواياها القريبة والبعيدة.
следующие страницы →