Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.
стр. 9521
ثانيا: إذا كان الإسلام حدد الزواج بما لا يزيد عن أربعة إلا أنه جعل لذلك شرطا هو إمكان القدرة على النفقة والقيام بأعباء الزوجية كاملة، وقيدا، هو ضرورة العدل بينهن في المعيشة والمعاشرة، وإلا ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [٢١] ، وبذلك الشرط والقيد تصان الحياة الزوجية من الفوضى والاختلال، ومن الجور والظلم ... وتحفظ كرامة المرأة حتى لا تتعرض للمهانة بدون ضرورة ملجئة واحتياط كامل.. والعدل المشروط هنا هو العدل المادي في المعاشرة والمعاملة، وفي النفقة والمعاشرة، وفي كل ما يمكن تحقيق العدل فيه ويدخل تحت طاقة الإنسان وإرادته بحيث لا تبخس زوجة حقها، ولا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء.. أما فيما يتعلق بمشاعر القلوب وأحاسيس النفوس، فذلك خارج عن إرادة الإنسان، واستطاعته، ولا يطالب بالعدل فيه أحد، وإلى هذا المعنى جاءت الإشارة في قول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [٢٢] .
ومع أن نبي الإسلام ﷺ كان يعدل بين نسائه كأرفع ما يكون وأنبل ما يكون إلا أنه مع ذلك كان يقول: "اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" [٢٣] ، ذلك أن القلوب بيد الله، يقلبها كيف يشاء، ولا سلطان لبشر عليها.
стр. 9522
ثالثا: التعدد علاج يقدمه الإسلام لما قد يطرأ على حياة الأسرة من علل وأدواء.. وهذا العلاج محكوم عليه بحكم الحاجة، وبحسب الحالة الطارئة الواقعة، فمن خرج به عن هذه الملابسات فقد ظلم نفسه، وجاوز حدود الله، والإسلام في تشريعه هذا قائم على أساس أنه دين البشرية العام بمختلف أجناسها وبيئاتها وقد ضمنه الله من الشرائع والأحكام ما يجعله صالحا وافيا بحاجات البشرية إلى قيام الساعة، وقد رخص في موضوع التعدد لمواجهة حالات واقعة في الحياة البشرية لا يمكن أن يقف حيالها مكتوف الأيدي، وإلا كان قاصرا عن مواجهة ظروف الحياة، وحاشا لشرع الله الكامل أن يكون كذلك.. ومن الحالات التي راعاها الإسلام، ورخص في التعدد إزاءها ما يلي:
١- إذا عقمت المرأة، أو ثبت أنها عاقر لا تلد، ووجدت لدى الزوج الرغبة الفطرية في النسل والإنجاب، أو إذا مرضت الزوجة مرضا مزمنا يطول برؤه أو يستعصي على العلاج، وقد لا يتمكن الزوج معه أن يعاشرها معاشرة الأزواج، وقد لا تستطيع هي الأخرى بإزائه أن تقوم بواجباتها كزوجة.. إن المرأة في هاتين الحالتين تكون أمام أحد أمرين.. إما أن يطلقها الزوج ويتزوج بأخرى تستطيع القيام بحقوق الزوجية وتحملها، وقد لا يكون هذا من الوفاء مع زوجة أعطته خدمتها وإخلاصها، وإما أن يبقي عليها مع زواجه بأخرى، وهذا حل قد ترتاح له المرأة العاقلة وتفضله على الطلاق، لأنه بالنسبة لحالة المرض تكون المرأة بحاجة إلى من يقف بجوارها ويتولى شئون علاجها، وفي حالة العقم نجد أن المرأة في كثير من االأحيان هي التي تقوم بعرض الزواج على الرجل وترغبه فيه، وقد تقوم هي بالخطبة له، وتعيش مع غيرها كعيشة الأختين، وقد كان ذلك أمرا عاديا في صدر الإسلام عندما كان النسوة متدينات مسلمات، يعرفن حق الله والزوج، فلما ساد الجهل بالإسلام، وفسدت التربية الصحيحة به أصبح الزواج بثانية مثار بغض بين العشائر وخلاف بين الأزواج.
стр. 9523
٢- يوجد لدى بعض الرجال شبق [٢٤] . لا يستطيعون معه التحكم في غرائزهم. ولا تكفى المرأة الواحدة لإحصانهم إما لعزوف المرأة عن ذلك الشيء لضعفها العام، أو لكبر سنها، أو أنها ذات طبع لا ينشط لتلبية رغبات الزوج كثيرا، فهل يكبت الرجل شهوته - والحالة هذه - أو يطلق لنفسه العنان فيخادن من يشاء من النساء؟ إن هذا وذاك لا يقبله شرع ولا دين، فلم يبق إلا أن يرخص له في الزواج بأخرى مع الإبقاء على الأولى، خاصة وأنه قد توجد لديها الرغبة الأكيدة في استدامة العشرة وعدم الانفصال بعضهما عن بعض.
٣- هناك حالات يزيد فيها عدد النساء على عدد الرجال، ويظهر ذلك واضحا في أعقاب الحروب التي تأتي على كثير من الشباب، فماذا يكون الوضع والحالة هذه... إننا إذا منعنا التعدد، وقلنا لا بد من الاقتصار على نظام الزوجة الواحدة كنا أمام احتمالات ثلاث أمام ذلك العدد الزائد من النساء:
أ- إما أن تظل البنت حبيسة في بيت أبيها بدون زواج، وتقضي حياتها هكذا، لا تعرف الرجال، ولا يعرفها الرجال، وهذا حل لا ترضاه المرأة لنفسها لأنه يناقض فطرتها وطبيعة تكوينها مهما كابر المكابرون وادعوا أنه من الممكن أن تستغني المرأة عن الرجل بالكسب والعمل فتلك مثالية صعبة التطبيق والتحقيق وجهل بنفسية المرأة وطبيعة تكوينها الجسدي والغريزي وحاجتها إلى السكن والأُنس بالعشير.
ب- وإما أن تتخذ المرأة الرجل خدنا أو خليلا في الحرام، وتتصل به اتصالا غير شريف في الظلام ... وهذا الحل لا ترضاه امرأة شريفة لنفسها، فهو ضد كرامتها ومكانتها الإنسانية.
ج- فلم يبق إلا الحل الثالث وهو الزواج من رجل متزوج من قبل، يصونها ويحميها من التبذل والضياع..
стр. 9524
وهذا الحل هو الذي يقول به الإسلام كرخصة لعلاج حالة واقعية مقيدا ذلك بالعدل والقدرة على الإنفاق والإحصان، وهو حل ترضاه المرأة نفسها عن طيب خاطر إزاء تلك الظروف الطارئة وتشجعه، وقد تطالب به، كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية عندما طالبت نساء ألمانيا أنفسهن بتعدد الزوجات لذهاب كثير من رجالها وشبابها وقودا للحروب، ورغبة في حماية المرأة من احتراف البغاء وما يتأدى عنه من أولاد غير شرعيين، ففي عام ١٩٤٨ أوصى مؤتمر الشباب العالمي في ميونخ بألمانيا بإباحة تعدد الزوجات حلا لمشكلة تكاثر النساء وقلة الرجال بعد الحرب العالمية الثانية [٢٥] ، وتقول إحدى الألمانيات: "إن حل مشكلة المرأة الألمانية هو إباحة تعدد الزوجات" [٢٦] فالتعدد- على ما به - رحمة بالمرأة، فحياة برجل، أفضل للمرأة من حياة بلا رجل وهي تعلم ذلك جيدا ومن يعرف نفسية المرأة يجد أنها - حتى في غير أوقات الحروب - قد تختار التزوج برجل معه امرأة أخرى عن رضا واختيار، تقول أستاذة ألمانية: "إنني أفضل أن أكون زوجة مع عشر نساء لرجل ناجح على أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل فاشل تافه، إن هذا ليس رأيي وحدي، بل هو رأي كل نساء ألمانيا" [٢٧] .. وأخيرا.. فنحن لا ننكر أن الزواج الثاني شديد على نفسية الأولى، وبغيض إليها، ولكن ماذا نفعل أمام ضرورات هذه أمثلة لها، لا بد أن تتجرع الزوجة الكأس مع ما فيها من مرارة فذلك أخف الضررين.
٤- المتمعن في موضوع التعدد في الإسلام يجد أن الفقهاء وكلوا الرضا به والرفض إلى المرأة، فمن الممكن أن تقبله ومن الممكن ألا تقبله دون إكراه...كيف؟ المرأة يؤخذ رأيها أولا في موضوع الزواج كما قال ﷺ : "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن" قالوا: "يا رسول الله وكيف إذنها"قال: "أن تسكت" [٢٨] وفي رواية " الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صماتها" [٢٩] .
стр. 9525
ولما شكت فتاة إلى النبي ﷺ موضوع إقدام والدها على تزويجها من ابن عمها على غير رغبة منها وكل ﵇ ذلك الأمر إليها إن شاءت قبلته، وإن شاءت رفضته دون إرغام، روى النسائي عن السيدة عائشة ﵂ أن فتاة دخلت عليها فقالت: "إن أبي زوجني من ابن أخيه يرفع بي خسيسته وأنا كارهة"، فقلت: "اجلسي حتى يأتي رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ ، فأخبرته فأرسل إلى أبيها فدعاه فجعل الأمر إليها فقالت: "يا رسول الله قد أجزت ما صنع أبي، ولكني أردت أن أعلم أَللِنِّساء من الأمر شيء" [٣٠] .
وعن خنساء بنت خذام الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله ﷺ فرد نكاحها [٣١] .
فالرأي في موضوع الزواج - تعدادا أو ابتداء - موكول إلى المرأة، تقبل منه ما ترى فيه السكن والمودة، وتنتظر ورائه الخير والأمان، أو ترى فيه ضرورة أخف من غيرها، وترفض منه ما تتوقع من ورائه القلق والمتاعب.
وبعد فإن الشريعة الإسلامية في إباحتها للتعدد إنما اعتبرته نوافذ ضيقة لحالات استثنائية اضطرارية، وأدوية محدودة لحالات قائمة، وقد سلكت فيه مسلكا سائغا ومقبولا لا غلو فيه ولا إفراط، ولعل فيما هو منتشر الآن في البلاد التي لا تسمح نظمها بالتعدد وتحتم على أتباعها الاقتصار على واحدة مهما كانت الظروف والأسباب، أقول: لعل فيما هو منتشر الآن في تلك البلاد من الفوضى الجنسية واستباحة الأعراض والتفسخ الأخلاقي والتخالل السري والعلني، والتحايل على النظم ونقضها بشتى الحيل، أن في بعض ذلك ما يكفي كدليل قاطع على سمو التشريع الإسلامي وحكمته التي يلتقي فيها مع الإنسان في فطرته وواقعه، ويتوافق مع شئونه وملابسات حياته لأنه ينظر إليها من جميع زواياها القريبة والبعيدة.
стр. 9526
يقول "اتيين دينيه"إن نظرية التوحيد في الزوجة، وهي النظرية الآخذة بها المسيحية ظاهرا تنطوى تحتها سيئات متعددة ظهرت على الأخص في ثلاث نتائج واقعية شديدة الخطر جسيمة البلاء، تلك هي الدعارة والعوانس من النساء، والأبناء غير الشرعيين، وأن هذه الأمراض الاجتماعية ذات السيئات الأخلاقية لم تكن تعرف في البلاد التي طبقت فيها الشريعة الإسلامية تمام التطبيق، وإنما دخلتها وانتشرت فيها بعد الاحتكاك بالمدنية الغربية [٣٢] .
إن الغرب إذا كان قد عالج موضوع التعدد، بالإغضاء عن الزنا وتيسير سبله للراغبين فيه والراغبات، وبالاعتراف بالخنا والعلاقات المحرمة، والاعتراف باللقطاء وأولاد الزنا الذين امتلأت بهم دور الحضانات وغيرها، إذا كان الغرب رضي لنفسه هذا، فإن الإسلام لا يرضى لرجاله هذا السقوط والتحلل من قيود العفة والتسلل من حين لآخر إلى بؤر الفسق وأماكن الشيطان.. وإنما ينشد لهم مجتمعا نظيفا طاهرا، يحوطه العفاف والشرف، وتجمله المروءة والتقوى.
стр. 9527
يقول جوستاف لوبون: "إن مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقول به، ويزيد الأسرة ارتباطا، ويمنح المرأة احتراما وسعادة لا تراهما في أوربة" [٣٣] .. وهذه امرأة غربية تقول عن بني جنسها من النساء: "لقد كثرت الشاردات من بناتنا وعم البلاء، وقل الباحثون عن أسباب ذلك، وإذا كنت امرأة تراني انظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزنا، وماذا عسى يفيدهن بثي وحزني، وإن شاركني فيه الناس أجمعون، لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة، وهو الإباحة للرجل بأن يتزوج بأكثر من واحدة، وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوربي على الاكتفاء بامرأة واحدة، إن هذا التحديد بواحدة هو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال" [٣٤] وتقول: "..أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلا وعارا وعالة على المجتمع فلو كان تعدد الزوجات مباحا لما حاق بأولئك الأولاد وأمهاتهم ما هم فيه من العذاب الهون ولسلم عرضهن وعرض أولادهن، إن إباحة تعدد الزوجات يجعل كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين" [٣٥] .
ويقول الفيلسوف الألماني شوبنهور: "إنه من العبث الجدال في أمر تعدد الزوجات مادام منتشرا بيننا لا ينقصه إلا قانون ونظام" [٣٦] .. وهو يقصد تعدد الزوجات بصورة غير مشروعة.
وأريد أن أختم الحديث في هذا الموضع بما يأتي:
إن الواقع يشهد والإحصائيات تدل على أن التعدد بين المسلمين يعتبر في حكم الشاذ، وأن الذين يعددون قلة في المجتمع الإسلامي، أما الذين يقتصرون على واحدة فهم الكثرة الساحقة في المجتمعات الإسلامية، ذلك أن ارتفاع النفقات وتكاليف المعيشة، وما يترتب على التعدد من مشاكل أسرية وخلافات مستمرة، كل ذلك جعل الرجل يفكر أكثر من مرة في الإقدام على مثل هذا العمل.
стр. 9528
فالتعدد ليس منتشرا بالصورة التي تزعج المرأة، أو تقلق المفكرين، إن نسبته لا تزيد في معظم بلاد المسلمين عن ٢% فهل من أجل هذه النسبة الضئيلة تصرخ النسوة ويتقول المتقولون على الإسلام، وهي ما جاءت إلا لظروف مقرونة بقيودها.. مع أننا لم نسمع لهؤلاء صوتا بكلمة استنكار واحدة لما ينتشر في بلاد العرب والمسلمين من عادات الغرب في الفسق والفجور واتخاذ الخليلات وسهولة بذل الأعراض فأي المسلكين أولى بحملات التنديد والاستنكار؟؟.
استطراد في تعدد أزواج النبي ﷺ :
قلما يتعرض خصوم الإسلام لموضع تعدد الزوجات فيه دون أن يتناولوا موضوع تعدد أزواج النبي ﷺ ليتخذوا منه مادة انتقاد وغمز لنبي الإسلام وإظهاره لأتباعهم بصورة لا تناسب شرف النبوة ومقامها.
وقد ناقش كثير من علماء المسلمين هذا الموضوع، وردوا على هؤلاء بردود وجيهة أذكر منها في إيجاز:
أنه كان من وراء ذلك الأغراض التشريعية والإنسانية والتعليمية وغير ذلك مما يتعلق بمصلحة الدعوة وتبليغ الرسالة، توخى في بعضها عليه الصلاة والسلم توثيق الرابطة بين الإسلام وبعض القبائل، واستطاع عن طريق ذلك أن يصل إلى قلوب زعماء الشرك وأن يصاهرهم فيصهر ما في قلوبهم من حقد على الإسلام، كما حدث عندما تزوج بجويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق التي كان من آثاره إسلام جميع قبيلتها، وكزواجه ﷺ من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان وصفية بنت حيي بن أخطب.. وتوخى في بعضها الآخر تكريم أرامل الشهداء الذين ماتوا في الحبشة، أو استشهدوا من أجل الدعوة في سبيل الله. وتركوا أرامل لا يقدرون على تحمل أثقال الحياة وأعبائها الجمة مثل هند أم سلمة المخزومية، وزينب بنت خزيمة، وسودة بنت زمعة.
стр. 9529
وكان في بعضها الآخر زواجا تشريعيا كزواجه ﷺ من زينب بنت جحش لهدم نظام التبني عند العرب، والذي كان يحرم على الرجل أن يتزوج امرأة ابنه المتبنى ولذلك كان وقع ذلك الزواج شديدا على نفس النبي ﷺ لأنه سوف يطيل عليه الألسنة، ويفتح أفواه المنافقين بالقيل والقال.. ولمثل هذه الأمور التي كانت تجول في نفس النبي ﵊ نزل القرآن الكريم يعاتبه ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [٣٧] .. وفي الخطاب بزوجناكها بيان أن التزويج من الله، وليس للنبي أي دخل فيه، ومنها توثيق أواصر الترابط بينه وبين صاحبيه الجليلين أبى بكر وعمر وتكريمهما بشرف المصاهرة به ﵊ لجهادهما الصادق، وإخلاصهما العميق في سبيل الدعوة، وذلك ظاهر في زواج الرسول ﷺ بعائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر ﵃.
стр. 9530
وأمر آخر يصح أن يزاد.. وهو أن الدعوة كانت بحاجة إلى من يبلغ أحكامها الشرعية الخاصة بالنساء وهي كثيرة، وإذا كنا في موضوع الشهادة العادية في الديون والأقضية مثلا تقبل شهادة امرأتين مع رجل إذا لم يوجد رجلان، فما بالنا بالأحكام الأخرى المتنوعة التي تتعلق بالنساء خاصة وما أكثرها، إن زوجة واحدة لا تستطيع القيام بهذا العبء وحدها، فالأمر أكبر بكثير من ذلك، إذ أنه لا يقتصر على أمور الطهارة والحيض فقط، كما قد يتصور البعض وإنما كل ما يتعلق بأحكام الزوجية، وآداب البيت، وشئون المرأة عبادة ومعاملة وأخلاقا، خاصة تلك الأمور التي كان ﷺ يستحي أن يصارح بها النساء، أو يستحين أنفسهن من أن يسألنه فيها من أحكام الجنابة والطهارة وغيرها.. من أمثلة ذلك ما روي عن عائشة ﵂ أن امرأة من الأنصار سألت النبي ﷺ عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، تم قال: "خذي فرصة ممسكة فتطهري بها"قالت: "كيف أتطهر بها؟ "قال: "سبحان الله تطهري بها"قالت عائشة ـ وكأنها تخفي ذلك –: "تتبعي بها أثر الدم" [٣٨] ثم إنه ﷺ استحيا أو استتر بثوب كما في رواية الترمذي، أي منعه الحياء بأن يصرح لها بوضع القطنة المطيبة بالمسك في المكان الذي كان يخرج منه الدم إتماما للطهارة، فأخذتها السيدة عائشة وأفهمتها المراد، هكذا كانت أمهات المؤمنين خير مبلغ لمثل هذه الأمور النسائية في حياة الرسول ﷺ ، كما كن فيها وفي غيرها من رواية الحديث والاستفتاء خير مرجع بعد وفاته ﵊.. يقول السيد رشيد رضا: "كان الرجال يرجعون بعده ﵊ إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام الدين، ولاسيما الزوجية، فمن كان له قرابة منهن، كان يسألها دون غيرها، فكان أكثر الرواة عن عائشة أختها أم كلثوم، وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث، وابن أخيها القاسم وعبد الله
стр. 9531
ابنا محمد بن أبي بكر، وحفصة وأسماء بنتا أخيها عبد الرحمن، وعبد الله وعروة ابنا عبد الله بن الزبير من أختها أسماء وروى عنها غيرهم من أقاربها ومن الصحابة والتابعين. وهم كثيرون جدا.
كذلك كان أكثر الرواة عن حفصة أخوها عبد الله بن عمر، وابنه حمزة وزوجه صفية بنت عبيد، وأم بشر الأنصارية.. الخ.
وأكثر الرواة عن ميمونة بنت الحارث أبناء أخوتها، ولا سيما أعلمهم، وأشهرهم عبد الله بن عباس، وأشهر الرواة عن رملة بنت أبي سفيان ابنتها حبيبة وأخواها معاوية وعتبة وابنا أخيها وأختها.
وهكذا نرى كل واحدة من أمهات المؤمنين قد روى عنها من علم الدين كثير من أولي قرباها، ومن النساء والرجال الآخرين..، ولعل أكثر ما سمعه النساء منهن لم يصل إلى الذين دونوا أحاديثهن.
إن أمهات المؤمنين التسع اللائي توفي عنهن رسول الله ﷺ كن كلهن معلمات ومفتيات لنساء أمته ولرجالها في ما لم يعلمه غيرهن من أحكام شرعية وآداب زوجية، وحكم نبوية" [٣٩] .
стр. 9532
أجل لقد ساهمت أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن مساهمة فعالة في نقل السنة النبوية - وهي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله - بأمانة وضبط إلى الأمة الإسلامية وناهيك بهؤلاء النسوة اللاتي ما خفيت عنهن صغيرة ولا كبيرة من أمر رسول الله ﷺ وكن جميعا في إذن عام بأن يخبرن الناس ما دار في ظلام الليل قولا سمعنه، أو فعلا رأينه من صاحب الرسالة ﵊، ولقد ذكر رواة السنة أن نساء النبي ﷺ روين عنه ﵊ أكثر من ثلاثة آلاف حديث، كان للسيدة عائشة فيه النصيب الأكبر، فقد روت ألفين ومائتين وعشر أحاديث [٤٠] .. ثم تلتها السيدة أم سلمة حيث روت حوالي ثلاثمائة وثمانية وسبعين [٤١] وتتابع الباقي يروين ما بين خمسة وستين مثل أم حبيبة رملة بنت أيى سفيان [٤٢] ، وستين كحفصة بنت عمر [٤٣] ، وستة وأربعين كميمونة بنت الحارث [٤٤] ، وأحد عشر كزينب بنت جحش، [٤٥] وغير ذلك، ﵅ جميعا..
--------------------------------------------------------------------------------
[١] سورة الروم – ٢١.
[٢] ابن ماجه: كتاب النكاح ج١/٥٩٢ ط١٣٩٥هـ ١٩٧٥.
[٣] النسائي ج٦/٥٧ كتاب النكاح ط دار الفكر ببيروت ١٣٩٨/١٩٧٨.
[٤] سورة النساء – ٣.
[٥] النسائي ج٧/٦٣ كتاب عشرة النساء، وكذا رواه أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة.
[٦] مسلم كتاب الإمارة.
[٧] حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للأستاذ عباس العقاد ط الهلال /١٧٧.
[٨] رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس/الإصحاح الثالث-٢.
стр. 9533
[٩] (إن الاستشهاد بنصوص العهد القديم أو الجديد ليست إقرارا منا بصحة هذه النصوص والاعتراف بأنها نصوص الوحي الذي تنزل من عند الله، إذ أن نصوص التوراة التي أوحاها الله تعالى على موسى ﵇، وكذلك نصوص الإنجيل التي أوحاها على عيسى ﵇ قد حرفت جيمعا فلا يعتمد على النصوص التي بأيدي الناس اليوم ـ المجلة) .
[١٠] حقائق الإسلام وأباطيل خصومه /١٧٨ ط الهلال.
[١١] حقوق النساء في الإسلام أو نداء إلى الجنس اللطيف ط المكتب الإسلامي ١٣٩٥،١٩٧٥ ص٦١.
[١٢] كتاب محمد رسول الله تأليف "اتيين دينيه"سليمان إبراهيم ص٣٩٤ هامش ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود ومحمد عبد الحليم محمود، ط ثانية سنة ١٩٥٨ نهضة مصر.
[١٣] أحكام الأسرة في الإسلام د. محمد سلام مدكور ج١ ص١٧٧ ط ثانية ١٣٨٩ –١٩٦٩.
[١٤] الإصحاح الحادي عشر – ١.
[١٥] انظر تعليق المجلة السابق.
[١٦] تفسير الطبري ج٤/٢٣٢ ط ثانية ١٩٧٣-١٩٥٤.
[١٧] سورة النساء ٣.
[١٨] ابن ماجه، باب النكاح ج١/٦٢٨، ومسند الشافعي ج٢/١٦ كتاب النكاح.
[١٩] ابن ماجه باب النكاح ج١/٦٢٨.
[٢٠] أخرجه الشافعي ج٢/١٩ كتاب النكاح ط سنة ١٣٦٩- ١٩٥٠.
[٢١] سورة النساء – ٣.
[٢٢] سورة النساء –١٢٩.
[٢٣] النسائي ج٧/٦٤ كتاب عشرة النساء.
[٢٤] الشبق: شدة الشهوة، كما في لسان العرب.
[٢٥] محاضرات في الثقافة الإسلامية، أحمد محمد جمال /١٦٠ط الثالثة دار الشعب بالقاهرة.
[٢٦] المرجع السابق.
[٢٧] المرجع السابق نقلا عن الأخبار المصرية.
[٢٨] البخاري كتاب النكاح ج٧/٢٣ ط الحلبي سنة ١٣٤٥.
[٢٩] مسلم كتاب النكاح ج٢/١٠٣٧ ط الحلبي.
[٣٠] النسائي ج٦/٨٦ كتاب النكاح، وابن ماجه كتاب النكاح ج١/٦٠٢ واللفظ للنسائي.
[٣١] البخاري كتاب النكاح ج٧/٢٣ ط الحلبي.
стр. 9534
[٣٢] كتاب "محمد رسول الله"تأليف "إيتين دينيه"وسليمان إبراهيم ص٣٩٥... ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود ومحمد عبد الحليم ط ثانية سنة ١٩٥٨ نهضة مصر.
[٣٣] حضارة العرب – ٣٩٧ ترجمة عادل زعيتر ط الرابعة.
[٣٤] حقوق النساء في الإسلام للشيخ رشيد رضا ص٧٥ نقلا عن جريدة لندن تروت بقلم إحدى الإنجليزيات.
[٣٥] المرجع السابق.
[٣٦] الإسلام روح المدينة للشيخ مصطفى الفلابني ص٢٢٦ ط بيروت ١٣٨٠- ١٩٦٠.
[٣٧] سورة الأحزاب – ٣٧.
[٣٨] رواه البخاري ومسلم وابن داود وابن ماجه ـ كتاب الحيض.
[٣٩] حقوق النساء في الإسلام ٨٧، ٨٨.
[٤٠] اتفق الشيخان منها على مائة حديث وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين، انظر مقدمة ابن الصلاح تحقيق د/ بنت الشاطئ ص٧٩٨، ٧٩٩، دار الكتب سنة ١٩٧٤.
[٤١] مقدمة ابن الصلاح ص٧٦٦ تحقيق د/ بنت الشاطئ، ط دار الكتب اتفق الشيخان على ثلاثة عشر منها.
[٤٢] مقدمة ابن الصلاح ص٧٩٠ تحقيق د/ بنت الشاطئ، دار الكتب.
[٤٣] المرجع السابق ص٧٩١.
[٤٤] المرجع السابق ص٨٠٤.
[٤٥] المرجع السابق ٧٩٥.
стр. 9535
التشبه بالنساء والرجال
لفضيلة الدكتور محمد محمد الشريف
أستاذ مساعد بكلية الحديث
عن ابن عباس ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال" [١] .
إن خلق الذكر والأنثى من آيات الله العظام الدالة على كمال علمه وحكمته وقدرته وعظمته، فكل منهما يميل إلى الآخر ويشعر في جواره بالسكن والمودة والرحمة، وبهذا تستمر الحياة ويسعد الأحياء، ولا يستطيع ذكر مهما بلغ من جاه أو مال أو شرف أن يستغني عن الأنثى، ولن تستطيع الأنثى كذلك أن تستغني عن الذكر، ولذلك ربط الله بينهما بالرابطة القوية وهي الزواج. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [٢] .
وقد تعالت حكمة الله تعالى فخصص لكل نوع وظيفة هامة لا يقوم بها غيره وهيأ لكل من الأسباب والوسائل ما يمكنه من النهوض بهذه الوظيفة وبهذا يكون التكامل البشري في أرقى صوره، فوظيفة الرجل الخلافة في الأرض وتعميرها والمشي في مناكبها لابتغاء فضل الله ورزقه. وقد أعطاه الله من القوة والتحمل والصبر والجلد ما يهيئه لهذا، وسخر له الكون وأعطاه من العقل والحكمة ما يحسن به تدبير أموره وما يصلح به شأنه، ولذلك كان الرجل جلدا قويا متعقلا مفطورا على الكدح والسعي!.
وأما المرأة فوظيفتها الأولى إنجاب الذرية، وحملها، ووضعها، وإرضاعها، وتعهدها، ورعايتها، وتربيتها، والقيام عليها، بينما يشغل الرجل بواجباته.
стр. 9536
وما أجل هذه الوظيفة التي تتميز بها المرأة، ولقد فطرها الله وهيأها للقيام بهذه الرسالة. فجعل نفسها مليئة بالعطف والرحمة والحنان، وجعلها تحن إلى الصغار وتميل إلى تعهدهم منذ نعومة أظافرها، ولذا فإنها تحب العرائس من اللعب لتستعد بفطرتها لوظيفتها، كما أنها تحب القرار في البيوت وتنفر من الخروج منها لغير ما حاجة، وقد أعطيت من الصبر على الحمل والوضع والإرضاع والتربية ما يسهل عليها هذه المهمة الشاقة، كما أنها تخضع بذاتها لزوجها وتنقاد لأمره.
ولقد جعل الله تكوينها البدني والنفسي مهيئا لهذه العمليات التي لا يقوم بها إلا المرأة. بل إن تكوين المرأة كله يدور في محيط هذه الوظيفة ولذلك كانت المرأة القرار المكين الذي تتجلى فيه آيات الله الباهرة في تكوين الجنين في أطواره المختلفة فتبارك الله أحسن الخالقين.. ووظيفة هذا شأنها وهذه منزلتها جديرة بأن تتفرغ لها المرأة وتوفر جهدها عليها، وجدير بالمجتمع أن يقدر لها قدرها وأن يرعاها أحسن رعاية.
ولا ننسى أن المرأة تساعد الرجل على القيام بوظيفته خير قيام فتعينه على التعفف والاستقامة، وتتعهد حاجياته الضرورية من مطعم ومشرب وملبس ومسكن وتتعهد أولاده، فيكون فارغ البال لعمله هادئ النفس، وعلى هذا فطرت المرأة منذ نعومة أظافرها فتشعر أن هذه الوظيفة من أجمل أمانيها وأحلى آمالها مهما بلغت من الدنيا!.. وإذا قام كل من الرجل والمرأة بما هو مفطور عليه استقامت الأمور، وسعد الناس، وعاشوا عيشة راضية، لاستقامتهم على الفطرة التي فطرهم الله عليها.
стр. 9537
ولقد أراد الله سبحانه - وله الحكمة البالغة - أن يجعل الذكر أفضل من الأنثى، وأن يكون له السيادة والقوامة عليها، وهي قوامة وسيادة قائمة على الفطرة السليمة التي خلق عليها كل من الذكر والأنثى، وهي كذلك قائمة على التبصر والحكمة والقدرة على تحصيل مطالب الحياة قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [٣] ، مع أنهما يستويان في الحقوق والواجبات، فلكل منهما حق على الآخر، فكما أن على الرجل أن يسعى، فعلى المرأة أن تقوم بالإعفاف والخدمة، وكذلك يستويان في الأمر بالعمل الصالح وجزائه، ولكن الله سبحانه قد كلف الأنثى بما يناسب فطرتها فأعفاها من الصلاة والصيام عند الحيض والنفاس، وجعل صلاتها في بيتها أكرم من صلاتها في المسجد وجعلها لا تتطوع بالصيام إلا بإذن زوجها.. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [٤] ، وليست القوامة قائمة على التحكم والتسلط والعدوان، ولذلك كان أعظم الناس حقا على الرجل أمه وعلى المرأة زوجها والله سبحانه عزيز لا يغلب، حكيم لا يفعل شيئا عبثا، عليم بما يصلح الكون ويسعد البشر، وقد اقتضت حكمته هذا الصنع المتقن البديع، وإن من نعم الله على الرجل أن يختاره الله هكذا رجلا له القوامة والسيادة قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [٥] فعليه أن يقدر النعمة ويصونها ويجعلها شكرا للمنعم حتى تدوم له ويزيده منها قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ [٦] ، وقال تعال: ى ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ
стр. 9538
الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [٧] ولقد كان جديرا بالرجل والمرأة أن يرضى كل منهما بما كلف به من مهام ليعيش حميدا سعيدا، لكن الشيطان الرجيم - وقد قعد للناس يصدهم عن الصراط المستقيم - جعل البعض يعترضون على أمر الله فيهم ويتركون مهامهم المنوطة بهم، ولذا نرى بعض الرجال لا يقدر نعمة الرجولة، ويقوم بكل عمل ممكن ليكون شبيها بالأنثى في هيئتها وزينتها وسلوكها، وكذلك نرى بعض الإناث يتأبين على الفطرة ويحاولن الظهور بمظهر الرجال والتساوي بهم، وهذا انتكاس بالإنسانية وتمرد على الفطرة الربانية لا يجني منه المجتمع إلا الشر المستطير والخطر الكبير، ولقد حذر الله تعالى الإنسان من تمني ما ليس من شأنه، فلا يتمنى الذكر أن يكون أنثى أو كالأنثى، ولا تتمنى الأنثى أن تكون ذكرا أو كالذكر، قال تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما﴾ [٨] ولهذا حذر رسول الله ﷺ أشد التحذير من الانتكاس بالفطرة وتغيير صنع الله البديع المحكم، ومن الاستجابة لكيد الشيطان اللعين الذي تهدد بني آدم بالإغواء والإضلال، ولذلك أخبر ﷺ أن الله سبحانه قد أشتد غضبه على قوم رغبوا عن خلقه وتشبهوا بالنساء [٩] .
стр. 9539
وفي الحديث المصدر به البحث يقول ابن عباس ﵄: "لعن رسول الله ﷺ "واللعن هو الطرد، فقد دعا رسوله الله ﷺ على من فعل ذلك بالطرد وهو البعد عن رحمة الله تعالى، كما أخبر ﷺ أن من فعل ذلك فقد أحل بنفسه الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، هذا واللعن الصادر منه ﷺ على ضربين: أحدهما يراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه، وهو مخوف فإن اللعن من علامات الكبائر، والآخر يقع في حال الحرج وذلك غير مخوف بل هو رحمة في حق من لعنه بشرط أن لا يكون الذي لعنه مستحقا لذلك فعن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اللهم إني اتخذت عندك عهدا لا تخلفنيه فإنما أنا بشر فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة" [١٠] ، وفي حديث أنس ﵁ "إنني اشترطت على ربي فقلت إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة" [١١] ولقد كان ﷺ في نهاية الشفقة والرحمة بأمته. ومعنى كونه "ليس لها بأهل"أي في حقيقة الأمر عند الله تعالى ولكنه في ظاهره مستوجب لذلك بأمارة شرعية، وهو ﷺ يحكم بما ظهر له والله يتولى السرائر.
وقيل إن ما وقع منه ﷺ من ذلك ليس مقصودا، بل هو مما جرت به العادة وسبق به اللسان، ولا يراد حقيقة الدعاء فخاف أن يصادف شيئا من ذلك إجابة فسأل الله أن يجعل ذلك خيرا لصاحبه، ولم يكن يقع منه ﷺ ذلك إلا نادرا لسعة حلمه وعفوه، ولم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا، بل كان رفيقا حليما يحب الرفق في الأمر كله.
стр. 9540
ولا ريب أن المتشبه بالمرأة والمتشبهة بالرجل يستحقان اللعن والطرد من رحمة الله إن لم يتوبا، والسر في هذا أن في التشبه تمردا على فطرة الله تعالى، واستجابة لكيد الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم تكبرا فطرد من رحمة الله تعال، فأراد لبني آدم أن يكونوا مثله في ذلك، فأتاهم من كل سبيل ليضلهم ويغويهم ولقد تجاسر الشيطان الرجيم وأبان عن وظيفته الخبيثة فقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [١٢] وفي هذا ضلال مبين، إذ أنه لا يرضى بصنع الله الذي أتقن كل شيء، ولا يروقه حسن الصنعة، وعظمة الصانع القادر، وهو سبحانه ما خلق كل شيء إلا بالحق، ولم يخلق شيئا عبثا ولا باطلا! ولكن الإنسان لضعفه أمام الشيطان وغروره ومكره يرضخ له ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
ولذلك فإن التشبه من الكبائر، لاستحقاق فاعله لعنة الله تعالى كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ ، يقال: شبهت الشيء بالشيء أقمته مقامه بصفة جامعة بينهما، وأشبه الولد أباه وشابهه إذا شاركه في شيء من صفاته والصفة المشترك فيها قد تكون ذاتية، كما يقال هذا الدرهم كهذا الدرهم، وقد تكون معنوية، نحو زيد كعمرو أي في استقامته وورعه مثلا، ويقال تشابه الرجلان إذا تساويا.
стр. 9541
فالتشبه إذن هو تكلف المشاركة والاتفاق في معنى من المعاني، وتشبه الرجل بالمرأة أن يتصنع أن يكون مثلها في خاصية من خواصها وفي مظهر من مظاهرها، ولقد فطرت المرأة على حب التزين والتجمل لتكون محببة إلى الرجل، وقد أحل الشارع الحكيم لها أن تلبس الحرير، وأن تتحلى بالذهب، ومنع من ذلك الرجل، كما أن المرأة تحب الألوان الزاهية والبراقة لما فيها من زينة ظاهرة تلائم فطرتها، كما أن العرف على أن للمرأة ثيابها الخاصة بها في صفتها وهيئتها. ولقد فطر الله المرأة على الحسن والجمال غالبا، وسوى لها أعضاءها على أتم ما تكون حسنا وجاذبية، وزودها بالشعر الغزير في رأسها ليزيدها جمالا وحسنا، في حين أنها فطرت على أنه لا شعر لها في وجهها وفي بعض أعضائها، لأن ذلك حسن يلائمها.. وقد أباح الشارع الحكيم لها أن تتجمل بكل ذلك التجمل الفطري الشرعي، وللمرأة صوتها العذب الرقيق وبدنها الضعيف.
إن هذه الأمور ونحوها خاصة بالنساء تلائم فطرتهن، فإذا تكلف الرجل شيئا منها وعمد إلى الاتصاف بها فقد تشبه بالمرأة، واستحق اللعنة، فإذا بالغ في التزين والتجمل وجعل كل همه الاعتناء الزائد بالزينة فقد تشبه بالمرأة، وإذا لبس الحرير أو تحلق بالذهب في أصبعه أو وضعه على صدره فقد تشبه بها.
стр. 9542
وإذا اختار الألوان البراقة لثيابه أو لبس نعلا يشابه نعلها فقد تشبه بها، وإذا ترك شعر رأسه لينمو ويكثر وصنع به كما تصنع بشعرها، فقد تشبه بها.. وإذا أزال ما في وجهه من شعر اللحية فقد تشبه بها، وإذا حاول التثني والتكسر في كلامه وهيئته ومشيته فقد تشبه بها، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على ضعف الدين وضعف الرجولة وضعف الذات وفقد الغيرة والنخوة والمروءة والشهامة، وعلى الميل إلى مظاهر الخسة والدناءة، وهذا هو التخنث المقيت الذي لعن صاحبه، فعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال: "أخرجوهم من بيوتكم"، قال: "فأخرج النبي ﷺ فلانا وأخرج عمر فلانا" [١٣] ، والمخنث هو المؤنث من الرجال وهو من يتشبه بالنساء في هيئاتهن وحركاتهن وثيابهم وفي كلامهن وأخلاقهن، وإنما يذم من تكلف وتصنع، وأمَّا من كان من أصل خلقته مشبها للمرأة في رقة الصوت وتكسره وفي هيئته وحركته، فلا ذم ولا لوم، لأن الذم واللوم لمن تكلف وتعمد وتصنع، كما يفهم ذلك من لفظ "المتشبهين"وغيره لم يتعمد وليس في وسعه وطاقته غير هذا، ومن كان مشبها للمرأة من أصل الخلقة يؤمر بتكلف تركه ومعالجة نفسه، ومداواة قصورها شيئا فشيئا حتى يصير رجلا سويا، فإن فعل هذا ولم يقدر على العودة إلى أصل الرجولة ولم يوفق لترك ما هو من خصائص المرأة، فلا لوم عليه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ومن لم يعالج نفسه بل تركها وشأنها وتمادى في ذلك فهو مذموم، لا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به، قال النووي: "فمن خلق كذلك ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن بل هو خلقه الله عليها فهذا لا ذم عليه ولا عتب ولا إثم ولا عقوبة لأنه معذور لا صنع له في ذلك" ... وقال: "ومن لم يكن ذلك له خلقة بل يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن ويتزيا بزيهن، فهذا هو المذموم الذي جاء في
стр. 9543
الأحاديث الصحيحة لعنه" [١٤] .
ولقد شاع تشبه الرجل بالمرأة لدى الكفرة الذين ضلوا عن دينهم وأصبح دينهم هو الشهوات يبحثون عنها ويستمتعون بها بكل وسيلة، وقد فقدوا رجولتهم وكرامتهم، فصاروا عبيدا للشيطان وللنساء، وهم بفعلهم هذا يرغبون في التقرب إلى المرأة ويطلبون ودها، ويوقعونها في حبائل الهوى لينالوا منها لذتهم.
وأما المسلمون فلهم من دينهم ورجولتهم ومروءتهم وأنفتهم ما يمنعهم من هذا التدني والسقوط.
ولقد شذ البعض فتشبه بهن، ونسي هؤلاء أن المرأة لا تريد من هو مثلها ومن يخضع ويركع لها، إن المرأة لا تميل إلى الرجل الذي هو كالمرأة، وإنما تريد رجلا كامل الرجولة يعطيها ما تفقده من نفسها ومن بنات جنسها، وترى فيه السيد المطاع والآمر الحازم والرجل الشهم، إنها تريد رجلا قوي الدين قوي الشخصية يغار عليها ويدافع عنها ويوفر لها كل ما تريد، وهى بفطرتها تميل إلى الخضوع له والاستسلام لأمره، وإن الكفرة وقد ضلوا السبيل يريدون بنا أن نصير مثلهم، وبعد أن أفسدوا الضعيفات من النساء يحاولون إفساد شباب الإسلام والقضاء على ما لديهم من بقية من رجولة وحمية، ولكي نقضي على هذه الظاهرة الشاذة يجب أن نعود بالشباب إلى دين ربهم، حيث العفة والطهارة والإباء والرجولة، وما أكرم هذا الشباب الذي ينشأ على عبادة ربه، إنه يتأبى على كل هذه الإنحرافات ولا يأبه لها.
стр. 9544
وأما المرأة المترجلة فهي التي تتشبه بالرجال وتحاول أن تظهر بمظهرهم، فالرجل له ثيابه الخاصة به في هيئتها، وقد خلق الرجل للعمل والسعي والمشي في مناكب الأرض طلبا للرزق وابتغاء من فضل الله، فإذا لبست ثياب الرجل فقد تشبهت به واستحقت اللعنة، ولا ريب أن هذا الثوب تجعله بصورة تزيد في زينتها، وتزيد الرجال فتنة بها، وكثيرا ما يكون ضيقا ملتصقا بالجسم، فيبرز محاسنها ويصور أعضاءها تماما، وهذا يزيد الفتنة اشتعالا، ويزيد الرجال ضعفا وعجزا عن مقاومة إغراء المرأة، هذا وقد تقص شعرها من غير حاجة كما يقص الرجل، وقد تذهب في ذلك إلى الرجل يقصه ويصففه لها، وفي ذلك جرائم خلقية شتى لا يرضى بها صاحب مروءة وغيرة ... والمرأة شأنها القرار في البيوت والقيام بمصالح الرجال فيها، من تربية أولاد وإعداد طعام وتنظيف مسكن وثياب ... فإذا تركت بيتها كما يفعل الرجل وفرَّت إلى الشوارع والأسواق لغير ما حاجة، فقد تشبهت بالرجل، وإذا زاحمت الرجال بمنكبيها وتركت حياءها الفطري وراءها ظهريا سعيا وراء المال فقد تشبهت بالرجل، وهي بذلك تفر من مملكتها الكريمة، ومن عرشها المصون، وتترك البيت والأولاد للخدم والشوارع ودور الحضانة أو للأقارب والجيران، ولا ريب أن ذلك يؤدي إلى سوء أخلاق النشء، وفساد طباعهم لأنهم فقدوا حنان الأمومة الحقيقية ورعايتها وتربيتها، ولم تجن الأمة من جراء ذلك إلا الشر والضياع والانحلال والضعف، والحق أن أكرم شيء للمرأة أن تلزم بيتها وأن تقوم بحق زوجها وحق أولادها، فهذه المرأة هي العاملة الناجحة التي تؤدي لأمتها دورا جليلا لا يقوم به غيرها، وحسن قيام المرأة بهذه الواجبات يعدل ما للرجل من أعمال البر كالحج بعد الحج والجهاد والجمعة والجماعة، فهي تقوم بأقدس الأعمال وأشرفها وأنفعها، إذ توفر للرجل كل ما يعينه على أمور دينه ودنياه، وتربي للأمة الأجيال الصالحة، ومثل هذه المهمة جليلة وسامية، وهي تستغرق كل وقتها، ولا
стр. 9545
تجد فراغا لتستريح فيه من هذا العناء، فحق على الأمة أن تكافئ مثل هذه المرأة وأن تقدر لها جهدها، فإذا فقدت المرأة عائلها، وجب على الأمة أن تتعهدها وترعاها، وإذا لم تجد من يقوم بحاجتها، فلا بأس بأن تسعى على معاشها متأدبة بآداب الشريعة الغراء، من تصوُّن، وتستّر، وعدم اختلاط، أو اختلاء بالرجال، وأما خروجها لطلب المال من غير ما حاجة، فهو في الحقيقة ضار بالمرأة، وبالأسرة، وبالأمة، وإن العرف يسميها بالعاملة، وهي في الحقيقة هاربة عاطلة، لأنها تركت واجبها الملزمة به، لتجلس على المكتب، أو تبيع أو تأخذ ثمن ما يباع، لقد جعلوها سلعة تستهوي أنظار الرجال ليتعاملوا معها فتروج التجارة.
وهذا لا يليق وكرامة المرأة، كما أنها لا تقوى على تحمل أعباء العمل ومشاقه، لأن فطرتها غير مهيأة لذلك، وكثيرا ما تعجز عن عملها وتكله إلى غيرها من الرجال، لتشغل نفسها بما يخف عليها من طعام وشراب وقراءة مسلية ونحو ذلك، كما أنها لا تسلم من الرجال ولا يسلم الرجال منها وإن كانت غير متبرجة، ومروءة الرجل وغيرته لا تسمح له بأن تجلس زوجه بين الرجال تنظر إليهم وينظرون إليها، وتتحدث إليهم ويتحدثون إليها!
стр. 9546
أضف إلى ذلك هذه الأموال الطائلة التي تقتطعها من أموال الأمة، وهي تنفق في غير ما حاجة أو مصلحة، إنما تبدد على أحدث ما في العصر من ثياب وزينة ومظاهر براقة، ولا تستفيد الأسرة من ذلك بقليل ولا كثير، ولقد كان الأولى بها أن تستقر في بيتها لتصلح من شأنه وتوفر ما تأخذ ليعطى للرجال الذين ينفقون على النساء والأولاد، ويكون ذلك سببا في خفة حدة كثير من مشاكل وسائل المواصلات وارتفاع الأسعار. ومن الإنصاف أن نقول: إن المرأة وظيفتها في بيتها، ومهما جمعت من مال، ومهما بلغت من منصب وجاه، فإنها تحن إلى عش الزوجية وإلى حياة الأمومة وإلى تربية الأطفال، ولا يصرف بالها عن ذلك أي صارف، ومن الإنصاف أن نقول أيضا أن عمل المرأة خارج البيت يفقدها كثيرا من خصائص الأنوثة التي تجذب الرجال إليها، فالصوت تذهب رقته، والحياء يقل أو ينعدم - والحياء مفتاح الطهر والعفة والشرف للمرأة - ويجعلها تنظر إلى غير زوجها ممن يفوقه مالا أو جاها أو حسنا.
ولضعف المرأة فقد قلدت الرجل وتشبهت به في كل شيء، حتى فيما يضر بالصحة ويذهب بالمال ويؤدي إلى نفرة الناس وكراهيتهم، ولقد رأينا بعض النساء من أهل الترف والغناء والتمثيل يشربن الدخان كما يشرب الرجال، ويعددن هذا من مظاهر المدنية الرقي، وما هو إلا انحطاط وهوى، وما أعظم المضار التي تترتب على الدخان حتى عده الكثير من العلماء حراما، وما أشد ندامة صاحبه عند الكبر ويوم القيامة، ولقد روى أبو هريرة ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ الرجل يلبس لبسة المرأة والمرأة تلبس لبسة الرجل" [١٥] .
стр. 9547
ولم يكتف سيدنا رسول الله ﷺ بزجر المتشبهين بالنساء ولبيان أنهم مطرودون من رحمة الله تعالى إن لم يتوبوا، بل أمر بإخراجهم من البيوت، فعن ابن عباس ﵄ قال: "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم" قال: "فأخرج النبي ﷺ فلانا وأخرج عمر فلانا" [١٦] .
وقد أخرج ﷺ أنجشة - وهو العبد الحبشي الأسود - وكان غلاما لنبي الله ﷺ ، وكان حسن الصوت وكان يحدو بأمهات المؤمنين ونسائهم، وقد روى أبو داود بسنده عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أتي بمخنث خضب يديه ورجليه، فقيل: "يا رسول الله إن هذا يتشبه بالنساء"، فنفاه إلى النقيع فقيل: "ألا نقتله"فقال: "إني نهيت عن قتل المصلين" [١٧] وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ كان عندها وفي البيت مخنث فقال لعبد الله أخي أم سلمة: "يا عبد الله إن فتح لكم غدا الطائف فإني أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال النبي ﷺ : "لا يدخلن هؤلاء عليكن" [١٨] .
стр. 9548
وكان هذا المخنث يدخل على نسائه ﷺ ونساء الصحابة لأنه كان يعتقد أنه من غير أولي الإربة، أي ممن لا حاجة له في النساء، كما في حديث عائشة ﵂: "كان يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث فكانوا يعدونه من غير أولي الإربة" [١٩] ، وإنما أبيح دخول من لا إربة له في النساء لأنه ليس كامل الذكورة وفيه نوع من الأنوثة، فلا يشتهي النساء إذا دخل عليهن، فلما سمع منه النبي ﷺ هذا الكلام الدقيق في وصف محاسن النساء، علم أنه من أولي الإربة وأصحاب الميل إلى النساء، ولكنه يتستر ويخادع، ولقد وصف محاسن المرأة وعورتها بحضرة الرجال، وقد نهي أن تصف المرأة المرأة لزوجها خشية افتتانه بها فكيف إذا وصفها الرجل للرجل.
стр. 9549
ولقد ظهر أن هذا المخنث كان يطلع على ما لا يطلع عليه كثير من النساء من عوراتهن ومحاسنهن ولقد روي أنه وصف منها ما يستهجن ذكره ويفحش الاطلاع عليه، ولذلك منعه ﷺ من الدخول على نسائه، ومنع نساءه من الظهور عليه لأنه له حكم الفحول من الرجال الراغبين في النساء، فقال ﷺ : "لا يدخل هؤلاء عليكن" والداخل كان واحدا، وهو المخنث، وإنما جمع إشارة إلى جميع المخنثين لما رأى من وصفه للنساء، ومعرفته ما يعرفه الرجال منهن، ويمنع كذلك حرصا على حرمة البيوت وصيانة لها، وحفاظا على العفة والفضيلة وحتى لا يروا النساء في زينتهن، فتحصل الفتنة والشهوة، ومنعا لمن يتظاهر بأنه لا إربة له في النساء وقد يكون في الحقيقة غير ذلك ولم يكتف ﷺ بذلك بل أمر بإخراجهم من المدينة، وعزلهم عن الناس ونفيهم بعيدا عن النساء وقد ذكر العلماء أن اسم هذا المخنث "هِيْت"بكسر الهاء وسكون الياء وبالتاء، وقيل "هنب"بالنون والباء وهو الأحمق، وقيل "ماتع"مولى فاختة المخزومية، وقيل "مانع"والمحفوظ أنه "هيت"، ولقد نفاه ﷺ من المدينة إلى موضع بالبيداء يسمى الحمى، وكان يدخل كل يوم جمعة إلى المدينة يستطعم الناس، ثم يعود إلى منفاه، وقد روي أن سعدا خطب امرأة بمكة فقال هيت:"أنا أنعتها لك"، وكان يدخل على سودة فقال النبي ﷺ : "ما أراه إلا منكرا" فمنعه، ولما قدم المدينة سيره إلى خاخ، ولعل هذا تكرر منه فنفاه ﷺ مرات وقد أخرج عمر ﵁ من المدينة من كان كذلك، فلقد سمع قوما يقولون أبو ذؤيب أحسن أهل المدينة، فدعا به، فقال: "أنت لعمري"، فأخرج عن المدينة فقال: "إن كنت تخرجني فإلى البصرة حيث أخرجت يا عمر نصر بن حجاج"، وكان نصر هذا يتغنى به بعض النساء ليلا، فسأل عنه ونفاه من المدينة حتى لا يفسد النساء على الرجال، وجعدة السلمي كان يخرج وراء بعض النساء
стр. 9550
إلى البقيع ويتحدث إليهن، فكتب بعض الرجال إلى عمر يشكون ذلك فأخرجه، وقد يصل الأمر ببعض المخنثين إلى أن يفقد رجولته حتى يؤتى، وقد ينتهي الأمر بالمسترجلة إلى أن تتعاطى السحاق بغيرها من النساء، ومن فعل ذلك من الرجال كان حكمه حكم الزاني وللمرأة من الذم والعقوبة القاسية، ما يكون عبرة وعظة وردعا وزجرا.
وإنما أمر النبي ﷺ بإخراج هؤلاء من المخنثين من المدينة قطعا لدابر الرذيلة ووأدا لها في مهدها، وحتى لا تؤدي بصاحبها إلى ما هو أفحش وأشنع، وحتى لا يراه غيره ولا يسمع به، فلا يكون الأثر المذموم، وكذلك إيصادا لباب الشهوة والفتنة، قال المهلب: "إنما حجبه عن الدخول على النساء، لما سمعه يصف المرأة بهذه الصفة التي تهيج قلوب الرجال، فمنعه لئلا يصف الأزواج للناس فيسقط معنى الحجاب"اهـ. ويستفاد من الحديث أنه يجب حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وأنه يجب إبعاد من يستراب به في أمر من الأمور لا سيما في أمر النساء، وفي الحديث تعزير من يتشبه بالنساء بالإخراج من البيوت والنفي، إذا تعين ذلك طريقا لردعه، وظاهر الأمر وجوب ذلك، وقد اتفق العلماء على أن تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار، حرام.
وظاهر الحديث أن المرأة المسترجلة المتشبهة تنفى كذلك، وإنما يكون ذلك إذا كان النفي إلى مكان أمين، وكان معها محرم لها وحيث تؤمن الفتنة بها، فإن لم يتيسر ذلك فلتعزر، ولتحبس، ولتمنع من المخالطة تأديبا وزجرا حتى تتوب إلى ر بها.. والمعروف أن عمر أخرج رجالا ولم يذكر العلماء من أخرجهن عمر من النساء، وأكثر الروايات "وأخرج عمر فلانا"بالتذكير، ورواية أبي ذر للبخاري "فلانة"بالتأنيث ووقع ذلك أيضا في شرح ابن بطال، وأما رواية الباقين فبالتذكير وكذا عند الإمام أحمد [٢٠] والاعتماد على رواية التذكير ونسخ البخاري التي في أيدينا بالتذكير، والله أعلم.
стр. 9551
--------------------------------------------------------------------------------
[١] البخاري ج٤ ص٢٦.
[٢] الروم ٢١.
[٣] النساء ٣٤.
[٤] آل عمران ١٩٥.
[٥] آل عمران ٦.
[٦] الكهف ٣٧.
[٧] الانفطار ٦،٧،٨.
[٨] النساء ٣٢.
[٩] المستغفري.
[١٠] مسلم ج١٦ ص١٥٢.
[١١] المرجع السابق.
[١٢] النساء ١١٨،١١٩.
[١٣] البخاري ج ٤ ص٢٦.
[١٤] شرح مسلم ج١٤ ص١٦٤.
[١٥] أبو داود ج٢ ص٣٨١.
[١٦] البخاري ج٤ ص٢٦.
[١٧] أبو داود ج٢ ص٨٥٠.
[١٨] البخاري ج٤ ص٢٦.
[١٩] مسلم ج١٤ ص١٦٤.
[٢٠] انظر فتح الباري ج١٠ ص٣٥٧.
стр. 9552
فيمن تكون ... أسوة المسلم؟
بقلم الشيخ محمد المهدي محمود
المدرس بدار الحديث المدنية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الهدى ورسول الخير، من اصطفاه الله رحمة للعالمين سيدنا محمد ﷺ ...
أما بعد فيقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ .
جاء المصطفى ﷺ إلى هذا العالم داعيا إلى الله راسماً الطريق إلى رضوان الله ومحبته، رافعا علم التوحيد موضحا معالم العبودية لذي الجلال والإكرام. عاش الهادي الأمين صلوات الله وسلامه عليه حياته الطيبة المباركة مجاهدا أعظم ما يكون الجهاد، عابدا أكمل ما تكون العبادة والإنابة والخشوع والخوف من الله تعالى.
عاش صلوات الله وسلامه عليه يبلغ رسالة ربه في رحمة، ويرسم الطريق إلى الله في رفق وحكمة وتؤدة، داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا فكان المثل الأعلى في الأسوة الكاملة.
كان المثل الأعلى في عظمة الأخلاق في كل ناحية من النواحي وفي كل ميدان من الميادين أدَّبه ربُنا ﵎ فأحسن تأديبه وأثنى عليه سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .
стр. 9553
وكان ﷺ الأسوة الكريمة والقدوة الحسنة، ومثلا أعلى للمؤمنين الذين صفت أرواحهم، وزكت نفوسهم، وطهرت قلوبهم، واطمأنت أفئدتهم واستنارت ألبابهم، فعاشوا في دنياهم يريدون الله والدار والآخرة، ويجمعون الزاد لدار البقاء برجاء أن يجعلهم مع أطيب رفقة، رفقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وقد أمر الله المؤمنين بقوله ﵎: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ .
عاش صلوات الله وسلامه عليه حياته المباركة، فملأ الدنيا نورا ورحمة وخيرا وبركة، وبرا وعدلا، ملأها أمنا وإيمانا، وسلما وإسلاما، وروحا وريحانا، ثم ودعها راحلا إلى الله يلقى وجه الله الكريم بعد أن أدى الأمانة كاملة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد.
بلغ الرسالة أعظم ما يكون التبليغ، وأدى الأمانة أكمل ما يكون الأداء وترك الدنيا وفيها نور التوحيد الصادق وعبير الإيمان وكمال الأخلاق، وعطر المحبة، والأخوة في الله ولله، والرحمة الشاملة المباركة في كل ناحية من نواحي الحياة، والعدالة في أسمى صورها ومحاسنها وأكمل معانيها، والأمانة مع أجمل ثمارها وأعظم بركاتها وفوائدها.
وبذلك تمت نعمة الله ﵎ على المؤمنين فقال عز شأنه في آخر ما نزل من القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ .
فارق الرسول صلوات الله وسلامه عليه هذه الدنيا بعد أن بيّن للمسلمين طريق العزة والمجد والسؤدد والسيادة.
стр. 9554
بيّن لهم أن القرآن المصباح المعجز الإلهي المبارك، والكتاب المعجز بتشريعاته، وبلاغته، وقصصه، وأخباره، وحكمه، وهدايته، وما أوضح من حقائق كونية، إنه هداية الباري جل وعلا قال : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ .
وكلما تقدم العلم والكشف والاختراع والابتكار تأكد صدق هذه الآيات البينات التي أنزلها الله ﷻ .
قال : ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ .
فما بالنا نرى المسلمين اليوم وقد تخلفوا عن ركب الحضارة والتقدم والمجد والعزة؟.
تخلفوا عن قيادة وتوجيه الإنسانية.
تفرقت كلمتهم، وتمزقت وحدتهم، وضاعت مقدساتهم، واعتدي على بلادهم ذلك لأنهم لم يستضيئوا بنور قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ .
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ .
وقوله: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .
وقول الرسول ﷺ : "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا".
وقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
ما بالنا نرى المسلمين اليوم وقد تفشت فيهم الأمراض الاجتماعية الفتاكة؟.
تركوا الحكم بكتاب الله فحرموا نعمة الهدوء والعيش الآمن الوارف الظلال الطيب الثمار.
احتكموا لغير ما أنزل الله واستبدلوا بتشريع الله القوانين الوضعية التي هي من صنع البشر فحرموا نعمة الاستقرار وعاشوا في شقاء وفوضى واضطراب.
стр. 9555
خرجت المرأة عن مبادئ العز والشرف والحياء والفضيلة، فاضطربت الحياة المنزلية، واهتزت السعادة الزوجية، وأصيبت حياة الأسرة بالفشل والشقاق، والنزاع، وحل الخصام محل الوئام، وضاع الأطفال الأبرياء.
انحرف الشباب فجنح إلى التقليد الأعمى للأجانب، فضَّل الصراط المستقيم، وفقد درب البطولة والشجاعة، بعد أن تردّى في هوة الغزو الفكري والاستعمار الثقافي.
وتعامل المسلمون بالربا فزاد فقرهم، وكثر شقاؤهم، واننزعت البركة من أموالهم وأصبحوا يتعاملون بالقروض الأجنبية، وهيهات أن يكون فيها خير أو أن يكون فيها بركة، بعد أن أعلنوا الحرب على الله تعالى ورسوله وبعد أن لعنهم الرسول ﷺ .
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
وقال ﷺ : "لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهداه".
إن أكل المال الحلال الطيب الطاهر تستجاب به الدعوات، وتنال به البركات والخيرات والحسنات، ويتنزل النصر من السموات.
ما بالنا نرى كثيرا من المسلمين اليوم عميت أبصارهم فضلوا عن سواء السبيل؟ لقد حددوا النسل تارة، وحددوا الملكية تارة أخرى.
وكانت ثالثة الأثافي في أن حددوا عدد الحجاج إلى بيت الله الحرام.
إن تحديد النسل افتراء على الله وسوء ظن بالرزاق القادر على كل شيء، وليتهم حافظوا على أموال الله الذي آتاهم، ولم يبعثروها في أوجه الفساد إن هذه الأموال تنفق تارة في إعانة الداعرين؛ وتارة أخرى في استيراد الدخان والخمور؛ وثالثة في أوجه الكماليات للنساء، فأخرجوهن عن الفطرة السليمة التي فطر الله المرأة عليها.
وتحديد ملكية الأفراد أكل أموال الناس بالباطل، وظلم شنيع للأسر الكريمة، واعتداء شنيع على الحرمات.
стр. 9556
لقد أعلن الرسول ﷺ تحريم ذلك وأكّده في خطبته المباركة في حجة الوداع تلك الخطبة التي هي منهج السعادة الحقة فقال صلوات الله وسلامه عليه:
"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
أخرجه مسلم من حديث جابر.
إن أكل أموال الناس بالباطل ظلم وعدوان جزاؤه نار جهنم وبئس المصير!!
وأما تحديد عدد الحجاج فهو صد عن سبيل الله، وعمل غير صالح..
إن في الحج والعمرة الخير والبركة، ومغفرة الذنوب، وإبعاد للفقر، إذ فيهما يلجأ الإنسان إلى مولاه ويتعرض لنفحات ربه ، قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
سبحانه هو الغني ونحن الفقراء إلى الله جل شأنه.
وقال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وقال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب".
وكان مما عظمت مصيبته أن خدع بعض المسلمين بالأفكار الضالة، الغارقة في الفساد فتسربت إليهم سمومها.
خدعوا بالاشتراكية والشيوعية، والوجودية، والماسونية، والعلمانية، والقومية فضلوا سواء السبيل...
إن الاشتراكية ضلال ومروق، إن أصولها خبيثة؛
إن نباتها سام؛
إنها شجرة الزقوم؛
إن الاشتراكية سراب خادع يحسبه الظمآن ماء!!
إنها بيت العنكبوت.
إنها ظلمات بعضها فوق بعض.
هكذا أثبتت التجارب، وهكذا أثبت الواقع، وإن الإسلام دين الرحمة والأخوة والسماحة والوفاء.
إن الإسلام دين الإيثار، والمحبة لله ورجاء رضوان الله ﵎.
стр. 9557
والمسلم الحق يتحلى بالأخلاق الكريمة فينفق في سخاء، ويتصدق عن رضا ومحبة، يعمل ويكدح يبتغي من رزق الله ولا يرضى لنفسه الخسّة والدناءة، همته عالية، وإيمانه قوي، فهو رجل الحياة بحق، أما الشيوعيون وأذنابهم ومن على شاكلتهم فهم حيوانات سائمة، فقدوا إنسانيتهم وفقدوا كرامتهم فهم عبيد مسخرون لعبادة أشخاص، أصحاب مبادئ ضالة أردتهم أسوأ نهاية، ثم لهم عاقبة السوء.
أما أجهزة الإعلام في كثير من البلاد الإسلامية، فقد انحرفت عن رسالتها وأصبحت أداة لنشر الأغاني الخليعة التي تتغنى بالمرأة ومفاتنها، وتشيع الفساد الخلقي، بالإضافة إلى نشر الآراء الإلحادية المتعفنة، التي خلفها الاستعمار، فانحرف كثير من الشباب!! وانحط المستوى الخلقي لكثير من الأفراد والجماعات والشعوب.
وما ذاك إلا بسبب ترك المسلمين مصادر النور والخير والسعادة والهداية والشرف والفضيلة ... مصادر النور التي تتمثل في:
أ- كتاب الله العزيز القرآن الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ب - وتتمثل أيضا في هدي الرسول ﷺ الذي أرسله الله سراجا منيرا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ .
ج – وتتمثل فيما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، الذين كانوا السفر الميامين، والنجوم الزاهرة، والنماذج الصادقة.
إن العلاج لتخلف المسلمين وضعفهم وتفرق كلمتهم وهزائمهم الفادحة إنما هو بالعودة سريعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 9558
وفي هذا العصر الحديث؛ بزغ نجم جديد في سماء الأمة الإسلامية، نجم قوي لامع: هو نجم الجامعة الإسلامية التي قامت لتؤدي دورا عظيما للعالم الإسلامي تؤدي دورها الإيجابي البناء في إعادة مجد الإسلام وعزة المسلمين.
وقد سعدت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منذ تأسيسها في هذا العهد السعودي الميمون برعاية كريمة من قبل ولاة الأمور في المملكة العربية السعودية، حيث وفروا لها كل أسباب التدعيم المادي والمعنوي حتى أصبحت صرحا عظيما ومصدرا لا ينضب معينه من مصادر علوم الشريعة الإسلامية في غضون أعوام قليلة.
يفد إليها أبناء المسلمين من كل مكان على وجه البسيطة، فيجدون العناية والرعاية في رحابها وينهلون من العلوم والمعارف، ويتفقهوا في الدين ثم يعودون إلى أهلهم وديارهم ينشرون علوم الشريعة ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
فيا أبناء الجامعة الإسلامية:
الميدان أمامكم فسيح، فتقدموا في إيمان وقوة وعزم وكفاح لحمل راية الجهاد المبارك في نشر رسالة الإسلام؛
بلغوا أمانة العلم التي تحملتموها، وكان لكم شرف الانتساب إليها.
تزودوا من العلم إلى أبعد الحدود، وجدوا ليلا ونهارا في الارتشاف من رحيقه، واحرصوا على إجادة كتاب الله إجادة تامة فهو الخير والهدى والفلاح، واقرأوا دائما سيرة الرسول ﷺ وأحاديثه المباركة وسيرة صحابته الكرام تنالوا شرف الأسوة الطيبة بالمصطفى ﷺ .
إنكم ستجدون في كثير من البلاد الإسلامية تركة مثقلة خلّفها الاستعمار وأعداء الله في عصور ضعف المسلمين.
стр. 9559
للحيلولة بين المسلمين وبين التفقه في دينهم فحاربوا كتاب الله وحاربوا اللغة العربية لغة القرآن، واضطهدوا العلماء الأجلاء، ونشروا الفسق والفجور، والخمور، وجردوا المرأة من الحياء والشرف والفضيلة، وجعلوا الكنائس أوكارا للتبشير والصليبية، ونشروا الإلحاد والكفر والزندقة ودنسوا المعاملات المالية بالربا، وحكموا بالقوانين الوضعية، وحولوا أجهزة الإعلام لنشر الفساد الخلقي.
فيا أبناء الجامعة الإسلامية.. أنتم حملة مشاعل الهداية المحمدية، فتقدموا لشرف الجهاد، واعتصموا بحبل الله جميعا، وجاهدوا كما جاهد العلماء الأبرار، واسلكوا طريق الهداة الراشدين المرشدين في العناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
لقد كان العلماء في عصورهم الزاهية - ولا زالوا - ينتشرون في أنحاء البلاد ينيرون للناس السبيل إلى الله، ويبصرونهم بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وتاريخ السلف الصالح في أخلاقهم وخوفهم من الله..وفي بطولاتهم وشجاعتهم، وفي حبهم لما عند الله، وإنابتهم إلى الله ومجافاتهم لهذه الدار الفانية.
لقد كان العلماء يبلغون الرسالة في أمانة، وخوف، وخشية من الله، ذي الجلال والإكرام، وحب للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، واقتداء به في جهاده في تبليغ الدعوة إلى الله ، تنظر إليهم فترى في وجوههم نور القرآن وجمال العلم وأدب الإسلام وشعار الفضيلة، فسعد بهم العالم وعرف الناس عن طريقهم هداية القرآن وما جاء به المبعوث رحمة للعالمين.
تمثلت المجتمعات الإسلامية المبادئ الإنسانية السامية ووضح لها الحلال الطيب من الحرام الخبيث، فكان هناك الأمن الشامل والسعادة الوارفة الظلال الطيبة الثمار، فعمَّ الهدوء، وساد الإخاء وأثمرت المحبة والتعاطف، والمودة، والعفة، والورع، والحياء، والفضيلة، وحب الخير، والإيثار، والتعاون على البر والتقوى.
стр. 9560
اللهم اكتب للمسلمين عودة كريمة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه السلف الصالح رضوان عليهم، حتى تعود إليهم العزة والمنعة، وصدق الله : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
следующие страницы →