Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.
стр. 9556
لقد أعلن الرسول ﷺ تحريم ذلك وأكّده في خطبته المباركة في حجة الوداع تلك الخطبة التي هي منهج السعادة الحقة فقال صلوات الله وسلامه عليه:
"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا".
أخرجه مسلم من حديث جابر.
إن أكل أموال الناس بالباطل ظلم وعدوان جزاؤه نار جهنم وبئس المصير!!
وأما تحديد عدد الحجاج فهو صد عن سبيل الله، وعمل غير صالح..
إن في الحج والعمرة الخير والبركة، ومغفرة الذنوب، وإبعاد للفقر، إذ فيهما يلجأ الإنسان إلى مولاه ويتعرض لنفحات ربه ، قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
سبحانه هو الغني ونحن الفقراء إلى الله جل شأنه.
وقال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
وقال: "تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب".
وكان مما عظمت مصيبته أن خدع بعض المسلمين بالأفكار الضالة، الغارقة في الفساد فتسربت إليهم سمومها.
خدعوا بالاشتراكية والشيوعية، والوجودية، والماسونية، والعلمانية، والقومية فضلوا سواء السبيل...
إن الاشتراكية ضلال ومروق، إن أصولها خبيثة؛
إن نباتها سام؛
إنها شجرة الزقوم؛
إن الاشتراكية سراب خادع يحسبه الظمآن ماء!!
إنها بيت العنكبوت.
إنها ظلمات بعضها فوق بعض.
هكذا أثبتت التجارب، وهكذا أثبت الواقع، وإن الإسلام دين الرحمة والأخوة والسماحة والوفاء.
إن الإسلام دين الإيثار، والمحبة لله ورجاء رضوان الله ﵎.
стр. 9557
والمسلم الحق يتحلى بالأخلاق الكريمة فينفق في سخاء، ويتصدق عن رضا ومحبة، يعمل ويكدح يبتغي من رزق الله ولا يرضى لنفسه الخسّة والدناءة، همته عالية، وإيمانه قوي، فهو رجل الحياة بحق، أما الشيوعيون وأذنابهم ومن على شاكلتهم فهم حيوانات سائمة، فقدوا إنسانيتهم وفقدوا كرامتهم فهم عبيد مسخرون لعبادة أشخاص، أصحاب مبادئ ضالة أردتهم أسوأ نهاية، ثم لهم عاقبة السوء.
أما أجهزة الإعلام في كثير من البلاد الإسلامية، فقد انحرفت عن رسالتها وأصبحت أداة لنشر الأغاني الخليعة التي تتغنى بالمرأة ومفاتنها، وتشيع الفساد الخلقي، بالإضافة إلى نشر الآراء الإلحادية المتعفنة، التي خلفها الاستعمار، فانحرف كثير من الشباب!! وانحط المستوى الخلقي لكثير من الأفراد والجماعات والشعوب.
وما ذاك إلا بسبب ترك المسلمين مصادر النور والخير والسعادة والهداية والشرف والفضيلة ... مصادر النور التي تتمثل في:
أ- كتاب الله العزيز القرآن الكريم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .
ب - وتتمثل أيضا في هدي الرسول ﷺ الذي أرسله الله سراجا منيرا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ .
ج – وتتمثل فيما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، الذين كانوا السفر الميامين، والنجوم الزاهرة، والنماذج الصادقة.
إن العلاج لتخلف المسلمين وضعفهم وتفرق كلمتهم وهزائمهم الفادحة إنما هو بالعودة سريعا إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 9558
وفي هذا العصر الحديث؛ بزغ نجم جديد في سماء الأمة الإسلامية، نجم قوي لامع: هو نجم الجامعة الإسلامية التي قامت لتؤدي دورا عظيما للعالم الإسلامي تؤدي دورها الإيجابي البناء في إعادة مجد الإسلام وعزة المسلمين.
وقد سعدت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة منذ تأسيسها في هذا العهد السعودي الميمون برعاية كريمة من قبل ولاة الأمور في المملكة العربية السعودية، حيث وفروا لها كل أسباب التدعيم المادي والمعنوي حتى أصبحت صرحا عظيما ومصدرا لا ينضب معينه من مصادر علوم الشريعة الإسلامية في غضون أعوام قليلة.
يفد إليها أبناء المسلمين من كل مكان على وجه البسيطة، فيجدون العناية والرعاية في رحابها وينهلون من العلوم والمعارف، ويتفقهوا في الدين ثم يعودون إلى أهلهم وديارهم ينشرون علوم الشريعة ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
فيا أبناء الجامعة الإسلامية:
الميدان أمامكم فسيح، فتقدموا في إيمان وقوة وعزم وكفاح لحمل راية الجهاد المبارك في نشر رسالة الإسلام؛
بلغوا أمانة العلم التي تحملتموها، وكان لكم شرف الانتساب إليها.
تزودوا من العلم إلى أبعد الحدود، وجدوا ليلا ونهارا في الارتشاف من رحيقه، واحرصوا على إجادة كتاب الله إجادة تامة فهو الخير والهدى والفلاح، واقرأوا دائما سيرة الرسول ﷺ وأحاديثه المباركة وسيرة صحابته الكرام تنالوا شرف الأسوة الطيبة بالمصطفى ﷺ .
إنكم ستجدون في كثير من البلاد الإسلامية تركة مثقلة خلّفها الاستعمار وأعداء الله في عصور ضعف المسلمين.
стр. 9559
للحيلولة بين المسلمين وبين التفقه في دينهم فحاربوا كتاب الله وحاربوا اللغة العربية لغة القرآن، واضطهدوا العلماء الأجلاء، ونشروا الفسق والفجور، والخمور، وجردوا المرأة من الحياء والشرف والفضيلة، وجعلوا الكنائس أوكارا للتبشير والصليبية، ونشروا الإلحاد والكفر والزندقة ودنسوا المعاملات المالية بالربا، وحكموا بالقوانين الوضعية، وحولوا أجهزة الإعلام لنشر الفساد الخلقي.
فيا أبناء الجامعة الإسلامية.. أنتم حملة مشاعل الهداية المحمدية، فتقدموا لشرف الجهاد، واعتصموا بحبل الله جميعا، وجاهدوا كما جاهد العلماء الأبرار، واسلكوا طريق الهداة الراشدين المرشدين في العناية بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
لقد كان العلماء في عصورهم الزاهية - ولا زالوا - ينتشرون في أنحاء البلاد ينيرون للناس السبيل إلى الله، ويبصرونهم بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وتاريخ السلف الصالح في أخلاقهم وخوفهم من الله..وفي بطولاتهم وشجاعتهم، وفي حبهم لما عند الله، وإنابتهم إلى الله ومجافاتهم لهذه الدار الفانية.
لقد كان العلماء يبلغون الرسالة في أمانة، وخوف، وخشية من الله، ذي الجلال والإكرام، وحب للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، واقتداء به في جهاده في تبليغ الدعوة إلى الله ، تنظر إليهم فترى في وجوههم نور القرآن وجمال العلم وأدب الإسلام وشعار الفضيلة، فسعد بهم العالم وعرف الناس عن طريقهم هداية القرآن وما جاء به المبعوث رحمة للعالمين.
تمثلت المجتمعات الإسلامية المبادئ الإنسانية السامية ووضح لها الحلال الطيب من الحرام الخبيث، فكان هناك الأمن الشامل والسعادة الوارفة الظلال الطيبة الثمار، فعمَّ الهدوء، وساد الإخاء وأثمرت المحبة والتعاطف، والمودة، والعفة، والورع، والحياء، والفضيلة، وحب الخير، والإيثار، والتعاون على البر والتقوى.
стр. 9560
اللهم اكتب للمسلمين عودة كريمة إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وما كان عليه السلف الصالح رضوان عليهم، حتى تعود إليهم العزة والمنعة، وصدق الله : ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
стр. 9561
حقوق الإنسان في الإسلام
بقلم الشيخ: عبد الفتاح عشماوي
محاضر بكلية الحديث
الباب الثالث
موضوع هذه الحلقة هو الحديث عن المواد الآتية من إعلان حقوق الإنسان كما رتبناها حسب تقاربها واتجاهها لغرض واحد، وهي المواد: ٣ و ٥ و ٩ و ١٢، وهذه نصوصها.
المادة الثالثة: لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه.
المادة الخامسة: لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة.
المادة التاسعة: لا يجوز القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسُّفاً.
المادة الثانية عشرة: لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات.
ونبدأ الحديث في هذا الباب بتقديم خمس آيات قصيرات تمثل أول واقعة تتم على الأرض يعتدي فيها على الحياة والحرية والسلامة الشخصية حسب التعبير اللفظي للمادة الأولى في هذا الباب والثالثة في إعلان حقوق الإنسان، ثم بعد ذكر الآيات نقوم بتفصيل معناها لنرى ما هو الحق الذي تقرر من خالق الإنسان لصون حياة الإنسان من أن تكون في مهب أعاصير الهوى والميل، تُقتل وتُباد حيثما يقصد بها ويراد، ولنذكر الآيات ثم نتعرض لها بالتحليل إن شاء الله تعالى.
стр. 9562
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ. فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين﴾ .
стр. 9563
فالأمر في أول كلمة من هذه القصة من منزِّل هذا الكلام سبحانه، على خاتم رسله ﷺ مكلفا إياه أن يبلغها للناس ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ ، أي بلّغ للعلم والفائدة، وليس للإخبار والإحاطة ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ ، والإنباء تعبير بوصول بالنبوءة التي هي من شأن الأنبياء لما يلقى إليهم من نبأ كان غيبا وأظهرهم الله عليه لينقلوه إلى عباده ليأخذوا عظته ويدركوا عظمه.. ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ ولهذا لم يقل: واتل عليهم خبر ابني آدم، لأن الخبر مجرد إعلام بشيء ترك أثرا أو لم يترك، وابني آدم هما بالتواتر والأرجح قابيل وهابيل، فقابيل هو أول من مثل الشر على الأرض، وكان بذلك أول جندي لإبليس نفذ به أول برنامج سوئه لما قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فالشطر الأول من تعبير إبليس كان قابيل رمزه، والشطر الثاني كان هابيل رمزه أيضا، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالحق الذي وقع وبالحق الذي يجب أن يؤخذ من قصتهما. ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ والكلام عن القربان تحدث فيه المفسرون كثيرا، وربما تسللت إليه خرافات الإسرائيليات، ولكن مبلغ اجتهادنا عن الأصح من الكثير الذي قيل، أن الله جعل حواء تنجب توأما ذكرا وأنثى في كل ولادة، وأنه كان تشريع ابتدائي أن يتزوج الذكر بالأنثى من كل توأم، حتى يكثر النوع البشري ثم ينسخ ذلك ويحرم كما حدث في العصر التالي مباشرة فلم يكن في البداية غير أولاد آدم ينتظر منهم الجنس الإنساني ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء﴾ ، لكن زميلة قابيل لم تكن بالجمال التي عليه زميلة هابيل، فحقد على أخيه وطلب منه مبادلته، - وذلك مبدأ مؤلم صارت به الشهوة من أشد الدوافع إلى
стр. 9564
التوحش الإنساني - لكن أخاه أخبره بأن هذا تنظيم الله ولا بد أن يتجه إليه ليسمح أو يمنع. وأن على كل منهما أن يقرب إلى الله قربانا، وأن قبول القربان من أحدهما دليل على قضاء مأربه، فكان أن تقبل الله من هابيل ولم يتقبل من أخيه ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ ، وقالوا عن أن الذي جعله لم يتقبل منه، هو وقوع أسباب عدة، منها أنه استجاب للشهوة ولم يستجب لإيثار الأخوة، وأنه بسؤال أخيه ما هو من نصيبه المقسوم له من الله، اعتراض على هذه القسمة وعدم رضا بعدل الله وحكمه، وزادوا أنه لما احتكما إلى الله بالقربان، قرب هو أردأ ما عنده، بيننما هابيل قرب خير ما عنده، وهذا أيضا مبدأ صحيح أقره القرآن بقوله تعالى: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ ، لكن الجندي الأول لإبليس أبى إلا أن ينفد أمر الشر كاملا، فازداد حقده على أخيه رافضا حكم الله في القضية، حتى وصل به الأمر إلى قرار بقتله، ليسجل على نفسه أنه أول قاتل على الأرض بلا أسباب ولا حيثيات، سوى تطوعه ليكون أسبق ممثل لإبليس في الاعتداء على (حقوق الإنسان) ، ولو كان هذا الإنسان أخاه، وهذا الأمر كان وما زال يقع، إلى أن يعص الناس الشيطان ويطيعوا الرحمن فيما أحق لهم لخيرهم وأمنهم، ﴿قال لأقتلنك﴾ وتأكيد الفعل هنا عزم على إتيانه بلا تردد ولا رجوع، وليجعل بداية ما تستقبل الأرض هو الدم الأحمر القاني يختلط بثراها، يتفجر من جسم المظلوم هابيل، بيد قابيل ابن أمه وأبيه، من هنا كان الشر في هذه الدنيا هو السائد، واعتداء الإنسان على الحقوق هو القائد، واستحق أن يكون ظلوما جهولا، لما لم يكن مع عهد الله من الأوفياء، ولا على أمانته من الأمناء، لكن الطرف الثاني الممثل للخير وهو هابيل، كان عند شموخ الخير وثبوته، فلم يستثره شر أخيه إلى هجر الخير ليخط إلى شر مثله، فذكره بشيء فتح به الباب إلى الله عسى أن يكون الأخ الأواب،
стр. 9565
فقال له ردا على عزمه القتل ﴿إنما يتقبل الله من المتقين﴾ ، أي تلك قاعدة القبول فلما اتقيته تقبل مني، فارجع إليه بالتقوى يرجع إليك بالقبول، ولكن أنى له ذلك وهو كما قلت أول مجند لطاعة إبليس، فقال له هابيل ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ ، وبذلك استمر هابيل في تمسكه بحبل الخير من جهة، ومن جهة أخرى بالقول الطيب ليرد أخاه عن غيه، فالأخ القتيل ذكر أخاه بربه وخوفه منه، لما ذكر له أولا أنه لن يرد سيّء العمل بمثله ﴿ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ السبب، ﴿إني أخاف الله رب العالمين﴾ ، أي أنا خفته مع أني أقوى منك - كما ذكر المفسرون - فعليك أن تخاف مثلي منه، وألا تفعل ما يغضبه، لكن ذلك لم يحرك في قابيل نحو أخيه شعرة من حنان أو ترفق، ولم يؤثر شيئا في نفسه التي توحشت، ومع هذا لم يقطع هابيل الأمل في ردع أخيه عما ينتويه، واستمر يخوفه قائلا: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين﴾ تتحمل إثمي عندما تقتلني، وإثمك لما عصيت الله بعدم رضاك عن قسمته وحكمته، إذاً فالتلوي في النار جزاؤك، لما ظلمت وقتلت بغير حق، وذلك أبدا الجزاء الذي لا بد أن يحيق بكل ظالم غشوم.
بعد ذلك كله لم يفعل إلا التقدم نحو ضحيته البريئة. عابدا لشيطانه بأسرع ما تكون العبادة. ولنفسه بأخسّ ما تطاع النفس، ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ ، وقتل من؟ تقول الآية في عجب ﴿قتل أخيه﴾ وبهذا قضي عليه بالخسران الذي لا ينتهي بأوان ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، بها أول الخاسرين بعد شيطانه اللعين.
стр. 9566
بدأ عذابه بحمل جثة أخيه على ظهره، متنقلا بها هنا وهناك لا يدري ما يفعل بها، ورائحتها التي تعفنت لازمته ليستنشقها في ليله ونهاره، وظل هكذا زمنا طويلا أوصله بعض المفسرين إلى سنة، وهو يحمل وزره على ظهره حزينا وحسيرا، ولما أخذ من هذا العذاب المؤقت إلى أن يبلغ العذاب المؤبد، أراد الله أن تصان كرامة الميت وأن تحفظ حرمته، خاصة الصالحين من أمثال هابيل، فعلم طريقة مواراة الأموات وإلى يوم القيامة، وذلك بواسطة غراب قتل زميله تم نبش بمنقاره ورجليه قبرا له ودفنه فيه، واختيار الغراب لهذا الأمر لعله - والله أعلم- لسببين: أولهما أن الغراب من أكثر الطيور غدرا وقتلا خاصة للطيور الأضعف منه، ولهذا كان من الخمس الفواسق التي ذكرها النبي ﷺ وأمر بقتلها في حديث صحيح، وثاني السببين أن الغراب حيوان وليس في عقل الإنسان، ولكنه عرف كيف يخفي جريمته على الفور، والإنسان فُضح بجريمته أولا ثم تعلم بعد ذلك من الغراب، ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِين﴾ ، من النادمين على قتل أخيه من غير ذنب ارتكبه، ومن النادمين على عدم دفنها كما فعل الغراب عقب القتل، حيث شقي بحملها ورائحتها طويلا، وفوق أن الندم نفعه منعدم، فهو يقطع الأوصال ويطحن عزائم الرجال، ويصبحهم ويمسيهم في هموم تطاردهم العمر كله، ولعذاب الآخرة أخزى بعدئذ.
وكان أن ترتب على هذه الحادثة البشعة، أن يجعل الله من أحق حقوق الإنسان أن تصان نفسه من طيش اللئام ونزق الإجرام، فلم يكتف سبحانه بأن تراق دماء القاتل مقابل ما أراق من دماء، وإنما اعتبره من حيث قدر الجرم كأنه قتل عباده أجمعين ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ليضخم هذا الأمر ويجعله من الهوى ما يرعب به الكواسر القتلة من بني الإنسان.
стр. 9567
ولكن الإنسان لما هانت عليه الحقوق التي فرضها الله لصونه وأمنه، راح يلتمس حقوقا كانت في تضييعها أهون عليه، فما توقف القتل والاعتداء والسطو على الحقوق في البلاد والعباد، والقرصنة وقطع الطرق، وفي سبيل ذلك تزهق أرواح وتمزق أشلاء، كل هذا يحدث على مستوى الأفراد والجماعات والحكومات..
فأيهما أنفع للإنسان لو انتفع به، حقوقه التي وضعها الله له، أم التي وضعها لنفسه، ثم لم يُبق هذه ولا تلك فقط لأنه إنسان، وأشقى نوعه ما قال عنه خالقه ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ .
ولزيادة الإفادة لدى القارئ نقدم مجموعة من الأدلة والشواهد من غير تعليق ليعيها ويقتنيها، نقدمها بلفظها من غير تعليق:
﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ الآيتان ٨ و٩ من سورة الممتحنة.
"من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة" رواه البخاري.
"من قتل قتيلا من أهل الذمة، حرم الله عليه الجنة" رواه النسائي.
روى هشام بن حكيم أنه مرّ بالشام على أناس من الأنباط وقد أقيموا في الشمس وصب على رؤوسهم الزيت. فقال: ما هذا؟
قيل: يعذبون في الخراج، فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله يقول: "إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا" رواه مسلم.
стр. 9568
حدث زيد بن سعنه - وهو حبر يهودي - أنه أقرض النبي ﷺ قرضا كان قد احتاج إليه ليسد به خللا في شؤون نفر من المؤلفة قلوبهم، ثم رأى أن يذهب قبل ميعاد الوفاء المحدد ليطالب بقرضه، قال ابن سعنه: أتيته - يعني النبي صلوات الله عليه- فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، قلت له: يا محمد ألا تقضيني حقي؟ فو الله ما علمتكم بني المطلب إلا قوم مطل- متراخين في الأداء - ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ونظر إليَّ عمر وعيناه تدوران في وجهه كما يدور الفلك المستدير، ثم رماني ببصره فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه ما أسمع؟ وتصنع به ما أرى؟ فو الذي نفسي بيده لولا ما أحاذر فوته - رضا الله ورسوله - لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر إليه متئدا، فقال: "يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، تأمره بحسن اتباعه، اذهب به يا عمر فأعطه، وزده عشرين صاعا من تمر مكان ما رعته، قال زيد: فذهب بي عمر فأعطاني حقي وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أزيدك مكان ما رعتك" رواه الطبراني.
عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل كشف سترا فأدخل بصره قبل أن يؤذن له، فقد أتى حدا لا يحل له أن يأتيه، ولو أن رجلا فقأ عينيه - عندئذ – لهُدرت" رواه أحمد.
"لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم" رواه مسلم.
"من جرد ظهر مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان" رواه الطبراني.
"ظهر المسلم حِمًى إلا بحقه" رواه الطبراني.
"لا تروعوا المسلم، فإن روعة المسلم ظلم عظيم" رواه البزار.
"لا يحل لمسلم أن يروع مسلما" رواه أبو داود.
"لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار" رواه البخاري.
стр. 9569
وقف النبي ﷺ يوما أمام الكعبة فقال: "ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك، ماله، ودمه" رواه ابن ماجه.
خطب ﷺ فقال: "أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى، ثم قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا بلى، ثم قال: أي بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال أليست البلدة مكة؟ قلنا بلى، قال فإن دماءكم وأموالكم - أحسبه قال: وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شركم هذا في بلدكم هذا وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم" من حجة الوداع للبخاري.
قال النبي ﷺ : "لا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه" رواه الطبراني.
"من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه، ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزول الأقدام" رواه الأصبهاني بسنده.
وغيره كثير في ديننا ولكن ما الحيلة وقد ترك هذا الذي ينفع إلى غيره الذي يضر، ولكن صبرا، فالله غالب على أمره.
الباب الرابع
ويشمل الحديث عن المواد الآتية من ميثاق حقوق الإنسان في (هيئة الأمم المختلفة) ٤-٦-١٨-١٩-٢٠-٢١.
المادة الرابعة: لا يجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعها.
المادة السادسة: لكل إنسان أينما وجد أن يعترف بشخصيته القانونية.
المادة الثامنة عشرة: لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء كان ذلك سرا أو مع الجماعة.
стр. 9570
المادة التاسعة عشرة: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل ذلك حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل؟ واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
المادة العشرون: (أ) لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية (ب) لا يجوز إرغام أحد على جماعة ما.
المادة الحادية والعشرون: (أ) لكل فرد الحق في الاشتراك في إدارة الشؤون العامة لبلاده. إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارون اختيارا حرا.
(ب) لكل شخص نفس الحق الذي لغيره في تقلد الوظائف العامة في البلاد.
(ج) إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، ويعبر عن هذه الإرادة بانتخابات نزيهة دورية تجري على أساس الاقتراع السري، وعلى قدم المساواة بين الجميع، أو حسب أي إجراء مماثل يضمن حرية التصويت.
ونبدأ بقصة الاسترقاق سائلين بقوة التحدي، هل في كتابنا أو في سنة نبينا أمر بأن يستعبد الإنسان أخاه الإنسان، وإنما الذي في قرآننا ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ كل بني آدم، والذي في سنة نبينا "الناس سواسية كأسنان المشط" كل الناس.
إذا مصيبة الاسترقاق من أين أتت؟ فليتدبر القارئ ما يأتي:
هل كان الإسلام موجودا لما انتشرت تجارة الرق حتى بيع نبي كريم مرتين، وهو يوسف ﵇، الأولى عند الجب الذي ألقي فيه، وبأي ثمن بيع هذا الرسول، نعم، وإن لم يكن قد أرسل يومها ولكن أوحى الله إليه بها وهو في ظلمات البئر ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ بيع بما ذكرت الآية ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ ، والمرة الثانية التي بيع فيها هذا النبي العزيز، لما بيع لعزيز مصر الذي اشتراه من إخوته ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ .
стр. 9571
وهل كان الإسلام موجودا لما انتشر في عهد الدولة الرومانية بناء على قانون آمِرٍ بالاسترقاق لكل من يقترض ويعجز عن قضاء دينه، ليصبح الذل ذلين، ذل الفقر وذل الاستعباد.
وهل كان الإسلام موجودا لما كان اليهود يجعلون الرق شيئا مأمورا به واجب التنفيذ، لما سجلوه على النحو التالي في كتبهم، في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر الخروج ٢-١٢ ما نصه (إذا اشتريت عبدا عبرانيا، فست سنين يخدم، وفي السابعة يخرج حرا مجانا، إن دخل وحده، لوحده يخرج، إن كان بعل امرأة تخرج امرأته معه، وإن أعطاه سيده امرأة وولدت له بنين وبنات، فالمرأة وأولادها يكونون للسيد، وهو يخرج وحده ولكن إذا قال العبد: أحب سيدي وامرأتي وأولادي لا أخرج حرا، يقدمه سيده إلى الله، ويقربه إلى الباب أو إلى القائمة، ويثقب سيده أذنه بالمثقب يخدمه إلى الأبد، وإذا باع رجل ابنته أمة لا تخرج كما يخرج العبيد) ، (هذا عن استعباد العبراني) أما عن غير العبراني فاسمع العجب الذي قالوه:
إن حام بن نوح - وهو أبو كنعان - كان قد أغضب أباه، لأن نوحا سكر يوما - هكذا جعل اليهود نوحا ﵇ سكيرا - ثم تعرى وهو نائم في خبائه، فأبصر حام ذلك، فلما علم نوح بهذا بعد استيقاظه غضب، ولعن نسله الذين هم كنعان، وقال في سفر التكوين إصحاح ٩: ٢٥ و٢٦: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته، وقال مبارك الرب إله سام، وليكن كنعان عبدا لهم، وفي الإصحاح نفسه: ٢٧: ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام، وليكن كنعان عبدا لهم.
وها أنت لاحظت أيها القارئ الأوامر المشددة التي قرأتها بتنفيذ الاستعباد بأبشع وجه وأفحش صورة.
وهل كان الإسلام موجودا لما جاءت النصارى بعد اليهود ليأمر ملكهم بولس بما تسمع وتعجب:
стр. 9572
أيها العبيد، أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح، ولا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح، عاملين بمشيئة الله من القلب، خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عاملين أنه مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حرا، وأوصى بطرس بمثل هذه الوصية وأوجبها آباء الكنيسة.
وفي المعجم الكبير للقرن التاسع عشر (لاروس) ما يلي: (لا يعجب الإنسان من بقاء الرق واستمراره بين المسيحيين إلى اليوم، فإن ثواب الدين الرسميين يقرون صحته ويسلمون بمشروعيته) وفي قاموس الكتاب المقدس: (إن المسيحية لا تعترض على العبودية من وجهها السياسي ولا من وجهها الاقتصادي، ولم تحرص (المؤمنين) أي بالمسيحية - على منابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبودية.
واسمع عن المسيحية التي استعمرت أفريقيا قرابة خمسة قرون أخيرا:
стр. 9573
تقول دائرة المعارف البريطانية ج٢ ص٧٧٩: إن اصطياد الرقيق من قراهم المحاطة بالأدغال كان يتم بإيقاد النار في الهشيم الذي صنعت منه الحظائر المحيطة بالقرى، حتى إذا نفر أهل القرية إلى الخلاء تصيدهم الإنجليز بما أعدوا لهم من الوسائل، ويموت في أثناء الشحن ٤.٥% و١٢% أثناء الرحلة، وهكذا فعل الأسبانيون والبرتغاليون وبقية دول أوربا التي أذلت هذه القارة دهورا طويلة، إلى أن قالت دائرة المعارف: وبلغ من استعبد في هذه المدة من ١٦٨٠: ٨٦م أكثر من مليوني عبد، وكانت الملكة (اليزابث الأولى) من أكبر المتاجرين في العبيد، وكان المورّد لها أكبر نخاس في العالم يسمى (جون هونكز) وقد أهدت إليه الملكة شعارا من تمثال لعبد موصدا بالسلاسل والأغلال، أما أمريكا فقد بلغ عدد العبيد فيها قرابة عشرين مليونا يوما ما، وكانت هذه الصورة البشعة بناء على فتوى من أحبار ورهبان اليهود والمسيحيين بأن استعباد السود واجب، وعللوا الفتوى بأنهم من سلالة يافث بن نوح، وظلوا على هذه العقيدة حتى قرن الحضارة الحالي، القرن العشرين، ويرجع تاريخ هذه الفتوى التي أخذت شكل القانون الواجب تطبيقه إلى عام ١٦٨٥، وكان من ضمن بنوده وإن كانت قد خفت حدته في السنوات الأخيرة (من اعتدى على السادة من العبيد بأقل اعتداء قتل، وإذا سرق عوقب أشد العقاب، وإذا أبق العبد قطعت أذناه ورجلاه وكوي بالحديد المحمّى، وإذا أبق للمرة الثانية قتل.
وفي عهد لويس الرابع عشر الفرنسي صدر قانون ينص على (احتقار الجنس الأسود مهما كانت منزلته، ولا يعطون مميزات الجنس الأبيض بأي حال) ، وأنذر من لم يخرج من البلاد قبل يناير سنة ١٨٦٠م سيباع في المزاد العلني.
стр. 9574
فهل هذا كله في تعاليم الإسلام أو فعله المسلمون، أم كان كما ذكرنا وهو قليل من كثير اكتفينا بما أوردنا تحاشيا للتطويل، ومثل يكفي عن أمثال، وهكذا فعله غيرنا، وهذا الغير هو عدونا فعله ونسبه إلينا، على طريقة (ضربني وبكى، وسبقني واشتكى) و (رمتني بدائها وانسلت) ، ليشفوا ما بصدورهم من عداوة الديانة، وضغينة العقيدة.
فماذا فعل الإسلام لما جاء، ووجد هذا الوباء قد هيمن على الأرض في كل الأرجاء، كان من الحكمة ومن جمال التنظيم الإلهي لملكوته، ألا يلغيه سبحانه بمجرد جملة وحي ينزلها، وإنما درجها على طريقة ما فعل تعالى في أمر الخمر، فملأ قرآنه بتشريعات جعل الشرط الأول في كفارتها عتق الرقاب وحرية هؤلاء الأدلاء، فقتل الخطأ بأنواعه الثلاثة، قتل مطلق ولو كان ذا قربى، وقتل عداوة الخصومة والمقتول مؤمن، وقتل المترابطين بميثاق ولو غير مؤمن، يلزم فاعل الحالات الثلاثة بعتق رقبة، ولا يقبل غيرها ما دام يملكها.
الإفطار العمد في رمضان، كذلك.
كفارة الظهار، كذلك.
كفارة اليمين، كذلك.
وبغير كل ما مر جعل الإسلام أعظم ما يتقرب به المسلم إلى ربه عتق الرقاب، ولنقدم نماذج رائعة ليعرف الكل كيف كنا مع هذا التوجيه السماوي الرفيع، بادئا بأقوال من رسولنا ﷺ ثم بمن دونه.
"ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطي بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يعطه أجره" رواه البخاري.
"ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا – أي يقضيها بعد فواتها- ورجل اعتبد محرره" رواه أبو داود.
"عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا العاني" رواه البخاري.
стр. 9575
روى أبو داود عن المعرور بن سويد قال: دخلنا على أبي ذر بالربذة، فإذا عليه برد وعلى غلامه مثله، فقلنا: يا أبا ذر، لو أخذت برد غلامك إلى بردك فكانت حُلة، وكسوته ثوبا غيره، فقال أبو ذر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليكسه مما يكتسي ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه" رواه البخاري.
"من قذف مملوكه بريئا مما قال، أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال" رواه البخاري.
وروى عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنه قال: "من ضرب مملوكه ظلما، قيد منه يوم القيامة" رواه الطبراني.
عن ابن عمر أنه أعتق مملوكا له ثم أخذ من الأرض عودا أو شيئا فقال: مالي فيه من الأجر ما يساوي هذا، سمعت رسول الله يقول: "من لطم مملوكا له أو ضربه فكفارته عتقه" رواه مسلم وأبو داود.
وعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: "عبد أطاع الله وأطاع مواليه، أدخله الله الجنة قبل مواليه بسبعين خريفا، فيقول السيد: رب هذا كان عبدي في الدنيا، قال: جازيته بعمله، وجازيتك بعملك"من تيسير الوصول.
عن النبي ﷺ قوله: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار، حتى فرجه بفرجه" رواه البخاري.
وعنه ﷺ : "أيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه، عظما من عظام محرره، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامها، عظما من عظام محررتها من النار" رواه أبو داود.
أسر في بدر أبو عزير بن عمير أخو مصعب بن عمير ﵁، فقال: كانوا إذا قدموا غداء أوعشاء خصوني بالخبز وأكلوا التمر لوصية الله إياهم بنا.
стр. 9576
وروي أن عليا ﵁ أعطى غلاما دراهم ليشتري بها ثوبين متفاوتي القيمة، فلما أحضرهما أعطاه أرقهما نسيجا وأغلاهما قيمة، وحفظ لنفسه الآخر، وقال له: "أنت أحق مني بأجودهما، لأنك شاب تميل نفسك للتجميل، أما أنا فيكفيني هذا".
روي أن عثمان بن عفان ﵁ دعك أذن عبد له على ذنب فعله، ثم قال له عثمان بعد ذلك: "تقدم واقرص أذني" فامتنع العبد، فألح عثمان عليه، فبدأ يقرص بخفة، فقال له عثمان: "أقرص جيدا فإني لا أتحمل عذاب يوم القيامة"، فقال العبد: "وكذلك يا سيدي، اليوم الذي تخشاه أخشاه أنا أيضا".
رفع عبد لزين العابدين شاة وكسر رجلها، فسأله الإمام: "لماذا فعلت هذا؟ "فقال العبد: "لأثير غضبك"، فرد عليه، "وأنا سأغضب من علّمك وهو إبليس، اذهب فأنت حر لوجه الله".
دخل رجل على سلمان الفارسي ﵁ فوجده يعجن، فقال له: "يا أبا عبد الله، ما هذا؟ "فقال: "بعثنا الخادم في شغل، فكرهنا أن نجمع عليه عملين".
هذا وقد أمر الإسلام الحاكم أن يرصد ثُمُنَ الزكاة لفك الرقاب، أبعد هذا نتهم ونحن المدافعون، ويُبرَّأ غيرنا وهم الدافعون؟ أيدان البرآء ويبرؤ المجرمون؟ ولكن هكذا الإسلام، كتب عليه أن يظل في المعترك طالما الدنيا قائمة، وعندما تبيد بباطلها لن تكذب العين ناظرها، عندما ترى لمن انعقد النصر والعز أبد الآبدين.
стр. 9577
أما عن مواد هذا الباب (الباب الرابع) التي تحدثت عن حق كل إنسان في تولي الوظائف رئاسية كانت أو مرؤوسية، ونحن لا نتركها منفلتة مطلقة، وإنما نشترط في ذلك الاستقامة على أمر الله والاشهاد بالأمانة والحرص على قضاء مصالح المسلمين، وسنكتفي بآيتين نفصلهما تفصيلا مسهبا إن شاء الله يستبين منهما القارئ ما وضعه الإسلام من ركيزة راسخة الغور، تقوم عليها ولاية الأعمال في الدولة لتخدم غيرها وليس لتخدم هي، والآية الأولى تتصل برأس الدولة، والثانية بأعضائها الذين يتكون منهما جسم هذه الدولة.
فعن الأولى يقول عز من قائل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ، والتمكين في الأرض هو بأعلى ما يتولى الإنسان من شؤون يصبح بها سيد قومه المطاع، وقد أشير بذلك في أكثر من آية، كقوله سبحانه عن ذي القرنين ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، فقد آتاه سبحانه من القوة والسلطان ما ذكرت الآية بعد ذلك، وكقوله تعالى ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ، وكقوله تعالى ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكنَّاكم فيه﴾ أي القوة والجاه والسلطان.
стр. 9578
﴿أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ أي أساس التمكين أن يقوم الممكَّن بما يجعل من نفسه نموذجا طيبا يُتَّبع الذين سادهم وتولى أمرهم، وأساس هذا الذي يجعل منهم أهلا إلى أن يهابوا ويُتبعوا، هو أن يتبّعوا ما أمر به من الله جل علاه، ومستحيل أن يكون ذلك بغير الصلاة والزكاة، واكتفت الآية بهما لأنهما قمة العبادات وأحبها إلى الله، وإتيانهما بصدق يلزم المعتز بهما أن يجعل بقية العبادات في نفس الدرجة من حيث الحرص والأداء، ولو كانت سننا ومستحبات ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ . فهو بعد أن يأخذ نفسه أولا حتى يرى من رعيته على الحال الجميل الذي أسلفنا، فتأتي النظرية المأثورة سلسلة سهلة (الناس على دين ملوكهم) ، لكنه لم يقف عند تأثر الناس بمسلكه، بل راح يبحث ويراقب من حاد عن هذا المسلك، وبذلك أصبح آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر بما كرمته به الآية، ولأن الله شد ملكه ومكن سلطانه، لا يكتفي بالأمر بالمعروف والنهي على طريقة الوعاظ الذين لا يملكون إلا الكلمات يحركون بها اللسان، ثم ينفلتون تاركين الخيار لمن استمعوا إليهم طاعة أو معصية، ولكن الحاكم القائم بأمر الله يملك اللسان والسنان معا، ويعطي لكلٍّ من معينه حتى يلتقي النوعان معه على وجه، هو ثم وجه الله ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ، فإن كان أمر الحاكمين والمحكومين على إيداع ما ذكرت الآية، فلن يكون هناؤهم وعزهم في الدينا فقط بسبب ما أطاعوا به الله، وإنما في العاقبة الكبرى لهم شيء آخر ما خطر على البال ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أي في الدنيا ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي سيكون جزاء الآخرة أحسن من ذلك الذي استحسنوه في الدنيا، وإن كان الأمر على غير ما ذكرت الآية، فالعاقبة أيضا في انتظار وصولهم إليها، ولكن شتان، على صورة ما قال الشاعر:
سارت مشرقة وسرت مغربا
стр. 9579
شتان بين مشرق ومغرب
والآية الثانية التي قلنا إننا سسنتناولها بالتحليل قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ .
﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ ولو قلنا وعد غيره لما اطمأنت النفس على تنفيذ الوعج إلا إذا وقع وتم، لأن غيره قد يملك أسباب الوفاء وقد لا يملك، وقد يكون ساعة الوعد صادق النية أو عكس ذلك، وحتى لو كان صادقها ويملك أسباب الوفاء فقد يطرأ له ما لم يحتسبه فريغم على عدم الوفاء أو يتأخر زمنا ما حتى تتوفر له ظروف الوفاء، لكن لما نسمع هذه الجملة ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ فيقفز إلى الذهن حالا أن الذي يملك أسباب الوفاء كاملة، هو الأقدر من كل ما عداه على أن يفي بما وعد، وقد سأل سبحانه متحديا ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ ثم وعد ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ذلك لأن الإمكانات كلها هو آخذ بناصيتها، وبالتالي فلن يثنيه أحد عن إتمام الوعد والموعد، لأن كل من عداه مخلوق له يلازمه ضعف الخلقة العاجزة، المحتاجة إلى عون موجدها.
стр. 9580
﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالوعد بالخير لا يعطى إلا لمن قدَّم له، وعكسه له الوعيد وليس الوعد، فأصحاب الوعد هم المذكورون بصفتهم الموضحة في الآية - آمنوا وعملوا الصالحات - ذلك لأن الكثير يدعي الإيمان، ولكن الدورة الإيمانية في القلب أضعف من أن تحرك آلات الجسم بالعمل الصالح، ومن هنا فحظه في وعد الله بعيد المنال، أما إذا كانت قوة الدفع في القلب تجعل الدورة دفاقة إلى جميع البدن، فستجعله ينحني راكعان ويمد يده مزكيا، ويلجم نفسه صائما، ويجعل من الحلال والحرام جنديين يقظين يوقفانه عند حدود الله، ومن أصبح منتجا للخير يفيض منه على نفسه وغيره، فكان أن أردفت الآية ترفع شأنه لتجعله أهلا للظفر بالوعد الصدق وهو:
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ، والاستخلاف نوعان: نوع خاص، وهو الخلافة والإمارة فيصبح جليلا مهابا يرهب منه ويرغب فيه، ونوع عام وهو الاستخلاف في تولي الأعمال بجميع أنواعها والاستيلاء بالوصايا والهدايا والتوارث ونحو ذلك، فيصبح المجتمع كله نعم الخليفة لله في أرضه، وفي الآخرة هم سعداء خلقه ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة﴾ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَر﴾ ، هكذا مجتمع المعرفة بالله، من قبل ومن بعد، ثم تستمر الآية التي نحن بصددها والتي أعطت حق العمل الجليل المستمر من السفح إلى الذُّرى قائلة:
стр. 9581
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ إذ لا عمل ولا هناء بعمل ولا استقرار به من الفرد إلى المجموع إلى الحاكم إلا بالدين الذي ارتضى لهم، وليس سواه البتة ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾ ، يمكنه الله لهم يجعلهم يعيشون في عز أحكامه ونور تنفيذه، يعبدون به ويحكمون به ويسوسون بأوامره ونواهيه، ويقاتلون به ومن أجله، وينشرونه ويمكنون مكانه في البلاد والعباد، وهل إذ أصبح قوم هذا شأنهم يخوفهم الله من أحد سواه؟ ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ فلا قوة كفار أفرادا كانوا أو دولا يستطيعون تخويفهم أو كسر شوكتهم، أليس الله بكاف عبده؟ ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾ ، ثم تستمر آياتنا قائلة:
﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ ثناء من الله عليهم أولا، وسبب لما أصبحوا فيه ثانيا، وهل يكون العابد الموحد، والمعتمد على قهر القاهر فوق عباده، وعلى القائل عن نفسه ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنّ﴾ هل يكون هذا النوع من الذين أدركوا الحقيقة، إلا أن يمكن لهم في الدنيا وفي الآخرة من مالكهما وحده علا وعز.
﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فبعد أن علم وفهم، ثم أنكر وراح يكفر، فهل بأقل من الفسق يوصف، وما من وصف هو أدنأ من الفسق، فهو لمعصيته المتمردة على كل معقول ومنقول مقبول، فهو متمرد على نفسه وظالم لها مبين، وكتمرد على كل ناصح أمين، ونهاية الأمر أن ذلك أوصله إلى التمرد على رب العالمين، فهل يبقى هملا ويترك عبثا، أم هو هذا الاستفهام الإنذاري التحقيري ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ﴾ .
стр. 9582
ذلك - بعد تحليل هاتين الآيتين - هو حقيقة العمل للصغير والكبير والمحكوم والحاكم، بشروطه الرائعة التي وضعتها الآيتين، وميزته الفذة الفريدة، أنه عمل مُسعد لأهله حالا مآلا، وليس على طريقة حقوق الإنسان التي وضعها لنفسه، فهي مادة صرفة تنتهي بنهاية مادة الدنيا، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.
ثم كعاتنا نقدم من عاطر ما سلف من أيامنا نماذج نصِّية لا تعليق معها.
عن أبي ذر ﵁ قال: "قلت يا رسول الله: ألا تستعملني؟ - أي توكل إليّ بعض عملا - فضرب بيده على منكبي ثم قال: "يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها" رواه مسلم.
وعن يزيد بن أبي سفيان قال: قال لي أبو بكر الصديق حين بعثني إلى الشام، يا يزيد، إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذلك أكثر ما أخاف عليك بعد ما قال رسول الله ﷺ : "من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمّر عليهم أحد محاباه، فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله جهنم" رواه الحاكم وصححه.
جاء رجل يسأل رسول الله ﷺ : متى تقوم الساعة؟ فقال له: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الرجل: وكيف إضاعتها؟ قال إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة" رواه البخاري.
عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي ﷺ ، قال: "دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان" رواه البخاري.
стр. 9583
جمع أبو بكر ﵁ كبار الصحابة في مرض وفاته وقال لهم: "إنه قد نزل بي ما ترون، ولا أظنني إلا ميتا، فأمروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمرتم في حياة مني، كان أجدر ألا تختلفوا بعدي"، لكنهم لم يجمعوا على واحد منهم وتركوا الأمر لأبي بكر، فاستشار وتم بذلك أن اختار عمر ثم وافقوا عليه، وبعد ذلك دخل عليه أحدهم قبل الوفاة وقال له: "ما أنت بقائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته، وهو إذا وُلِّي كان أفظ وأغلظ"، فرد أبو بكر قائلا: "أبالله تخوفني؟ خاف من تزود من أمركم بظلم، أقول اللهم إني استخلفت على أهلك خير أهلك".
لما طعن عمر ﵁ قيل له وهو بين الموت والحياة: "أوص يا أمير المؤمنين، إستخلف"، قال: أأتحمل أمركم حيا وميتا...! وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - أي أبو بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني - أي النبي ﷺ –"ثم ذكر أسماء ستة من الصحابة هم عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأضاف إليهم ابنه عبد الله مخبرا إياه أن يبدي الرأي ولا يقبل الخلافة، حتى اختاروا بمحض إرادتهم عثمان ﵁.
قال المغيرة بن شعبة لعمر يوما وهو في عافيته: "استخلف ابنك عبد الله على المسلمين"، فقال له: "لا أَرَبَ لنا في أموركم، وما حمدتها لأرغب فيها لأحد من بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن وكان شرا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد".
ذهب بعض الصحابة إلى علي في بيته بعد مقتل عثمان ليبايعوه في بيته، فقال ﵁: "في المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلا من رضا المسلمين"، ولما طعن في نهاية خلافته أقبل بعضهم وقالوا: "إن فقدناك، ولا نفقدك، أفنبايع الحسن؟ "، فقال لهم: "ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر".
стр. 9584
تحدث عمر ﵁ مع الناس يوما فقال: "أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته بالعدل، كنت قضيت ما عليّ"، قالوا: "نعم"، فقال: "لا حتى أنظر عمله، أعمل بما أمرته أم لا؟ ... أيما عامل لي ظلم أحدا بلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته"، وقد ظلم أحد الولاة رجلا من الرعية في أرضه فشكاه إلى عمر فبعث إليه يقول: "أنصف فلانا من نفسك، وإلا فأقبل، والسلام"، فسارع الوالي بردّ الأرض إلى صاحبها، وفي خطاب له إلى أحد الولاة يقول: "إفتح لهم بابك، وباشر أمورهم بنفسك، فإنما أنت رجل منهم، غير أن الله جعلك أثقل منهم حملا".
وكتب ﵁ إلى عامله أبي موسى الأشعري: "قد بلغ أمير المؤمنين أنه فشا لك ولأهل بيتك هيئة في لباسك ومطعمك ومركبك ليس للمسلمين مثلها، فإياك يا عبد الله أن تكون مثل البهيمة التي مرت بواد خصب، فلم يكن لها هم إلا السمن، وإنما حتفها في السمن، واعلم أن للعامل مردا إلى الله، فإذا زاغ العامل زاغت رعيته، وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته".
وبلغه ﵁ أن أميره على الكوفة قد بنى لنفسه منزلا فخما، وجعل عليه حاجبا، فأرسل محمد بن مسلمة ﵁ وأمره أن يأخذ زيتا وحطبا ويحرق القصر، وأعطاه رسالة ليبلغها له "بلغني أنك بنيت قصرا اتخذته حصنا، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه قصر الخبال، لا تجعل على منزلك بابا يمنع الناس من دخوله، وتنفيهم به عن حقوقهم".
كتب إلى عمرو بن العاص واليه على مصر يقول له: "بلغني أنك تتكئ في مجلسك، فإذا جلست فكن كسائر الناس".
وقوله ﵁: "أنا في مال المسلمين كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".
ونختم بهذا الحديث وإن لم يأت في ترتيبه مع الأحاديث "من استعمل رجلا على عصابة، وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" رواه الحاكم وصححه.
стр. 9585
وحسبنا ذلك من كثير ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُون﴾
أما عن حرية الفكر فيما يدعى بإعلان حقوق الإنسان، فمن في العالمين طُرًّا يضاهيها في هذا؟ لقد زخر كتابنا الأعظم في الحصن على إطلاق الفكر بآيات عديدة، وليست باثنتين أو ثلاثة، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِم﴾ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ وكثير غيرها.
والتفكر عندنا ذو غايتين، نفكر في هذا الصنع الملكوتي الهائل، سواء ما ثبت منه كالسماء وما فيها من شمس وقمر وكواكب، والأرض وما فيها من هواء وفضاء وجبال ورمال، أو ما يتقلب فيها من عوارض إنسانية وحيوانية وزرعية، أو ما لا حصر له من عجائب هذه الصنعة الكونية المهيبة، فمن شأن الفكر في هذا أن يصلنا بغير انقطاع بالقوي الأعظم الذي صنع فأبدع، فنزداد به إيمانا وعليه اعتمادا وبه وثوقا، فنأمن في جنابه وننأى عن عذابه، لما فنينا في طاعته وتسابقنا إلى مرضاته، نتيجة للتفكر في ملكوته زيادة على تصديقنا برسالاته.
والغاية الثانية من التفكر لننتج بها فجاجا من أصول شريعتنا ومعين سنتنا، بما نسميه (الاجتهاد) ، تلك الفجاج التي نأخذ نورها من نور الله الذي أنزله الله على رسول الإسلام ﷺ ليكفي به العالمين ضياء مثناء، فيستمر هذا النور بالاجتهاد وهاجا لا يخبو ما بقيت أيام الدنيا، فلا إثم يقع علينا ولا كبت يئد فكرنا.
أما عن الذين جاؤوا ليضعوا لنا في آخر الزمان حقوق الإنسان، فاسمع عنهم أيها القارئ ما ظنوه جهل لدينا.
стр. 9586
لقد عاقبت أوربا مفكريها في أحقاب متقاربة بالموت عددا بلغ في مجموعه ثلاثمائة ألف، قتلوا منهم إحراقا بالنار وهم أحياء اثنين وثلاثين ألفا، منهم الباحثان الشهيدان (برونو) و (غاليليو) ، والأخير لأنه قال بدوران الأرض حول الشمس - سواء كان ذلك خطأ أو صوابا - فما كانت هناك ضرورة لقتله، ولما قال (دي رومنس) إن (قوس قزح) يظهر من انعكاس ضوء الشمس في ماء السحاب، وليس قوسا حربيا في يد الله ينتقم بها من عباده كما يقول الرهبان الكنسيون ليرهبوا الناس، فكان أن سجن حتى مات، ثم حاكموا جثته فألقيت في النار، وأحرقوا (جيوفث) و (فأيتي) شيا على النار لأفكار قد لا تستحق عندنا التعزير من الإمام، إن لم يكن لها قدر واحترام، ونحن المسلمين ماذا كنا وقتئذ؟ لو تحدثنا عن أنفسنا لقيل إنه شيء طبيعي أن يقول الشخص عن نفسه ما يزين به وينكر ما يشين، لهذا سنقدم إليك أيها القارئ العزيز ما قاله مفكر منهم في كتاب ألفه بعنوان (خلاصة تاريخ العرب) وهو الوزير الفرنسي (سيدو) يقول فيه:
لقد أتى محمد فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب، ووجه أفكارها إلى مقصد واحد أعلى شأنها، حتى امتدت سلطنها من نهر التاج المار بإسبانيا والبرتغال، إلى نهر الكونج وهو أعظم أنهار الهند، وانتشر نور العلم والتمدن بالشرق والغرب، وأهل أوروبا إذ ذاك في ظلمة القرون المتوسطة وجهالتها، وكأنهم نسوا نسيانا تاما ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان أسلافهم الأقدمين، واجتهد العباسيون ببغداد، والأمويون بقرطبة، والفاطميون بالقاهرة، في تقديم الفنون، ثم تمزقت ممالكهم، وفقدوا شوكتهم السياسية، فاقتصروا على السلطة الدينية التي استمرت لهم في أرجاء ممالكهم.
стр. 9587
واستطرد (سيدو) يقول في كتابه: وكان لهم من الصنائع والمعلومات والاستكشافات ما استفاده منهم نصارى أسبانيا حين تم طردهم منها، كما أن الأتراك والمغول بعد تغلبهم على ممالك آسيا استفادوا معارف من تغلبوا عليهم، ولا نزال إلى الآن نرى آثار التمدن العربي حين نبحث عن مبادئ ما نحن فيه من المعلومات الأوروبية، فإن العرب في نهاية القرن الثامن بعد الميلاد فقدوا الحمية الحربية وشغفوا بحوز المعارف، حتى أخذت مدائن قرطبة وطليطلة والقاهرة وفاس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند همتهم في الاشغال بجمع ما ابتكرته الأفهام البشرية من العلوم والفنون، واشتهروا في غالب البلاد خصوصا البلاد النصرانية من أوروبا بابتكارات تدل على أنهم أئمتنا في المعارف.
ويستمر (المسيو: سيدو) في كتابه قائلا:
ولنا شاهد صدق على علو شأنهم الذي تجهله الفرنج من أزمان بعيدة.
الأول: ما أثر عنهم من تاريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والأسفار وقواميس ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثير من الفنون الفاخرة.
الثاني: ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والمباني المتأنقة والاستكشافات المهمة في الفنون، وما وسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم الأخرى التي مارسوها بغاية النشاط.
ونختم ما نكتفى به من قول هذا الوزير الفرنسي المفكر: المسيو (سيدو) بتقوله: لقد كان المسلمون متفردين بالعلم في تلك القرون المظلمة، فنشروه حيث وطئت أقدامهم، وكانوا هم السبب في خروج أوروبا من الظلمات إلى النور.
وحسبنا هذا فقد شهد شاهد من أهله، وأي شاهد، فهو من ساستهم وسادتهم ومفكريهم.
стр. 9588
إن حرية الفكر عندنا لا تسامى في كل مبادئ الدنيا وقوانينها، حيث وضعها بنفسه سبحانه في أقدس وأخلد كتاب نزل لما قال ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً﴾ ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ ثم بعد ذلك ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئا﴾ وعندئذ يعرف من أحسن الفكر ومن أساءه، فليس كل من فكَّر قدر.
لقد قلت إن الاجتهاد في شريعتنا فتحٌ واسع ٌلا يوصد بابه، ولقد استعمله رجالنا العظام في أرشد عصور الإسلام، فقد رفض علي ﵁ الخلافة بكل عظمتها وصولجانها عقب وفاة عمر ﵁ لما عرضت عليه مشروطة تحد من فكره ومن اجتهاده، فقد جمع عبد الرحمن بن عوف المسلمين في المسجد.. ثم نادى عليا، وكان عبد الرحمن قد فوض لاختيار الخليفة بعد أن اعتذر هو عنها، على أن يتبعه المسلمون في بيعة من يبايعه.
ووضع عبد الرحمن يده في يد علي قائلا نبايعك على أن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الشيخين - يقصد أبا بكر وعمر- فلم يوافق عليّ على اجتهاد الشيخين وقال: بل أجتهد رأيي، فدفع عبد الرحمن يده ونادى عثمان ﵁ فقبل اجتهاد الشيخين وإن كان قد حدث بعد ذلك ما حدث.
وموقف علي أيضا مع الخوارج مشهور، لما أرسل إليهم عبد الله بن عباس ﵁ ليناظرهم، فرجع إلى علي منهم أربعة آلاف وبقي أربعة آلاف حيث هم، فأرسل إليهم علي يقول: كونوا حيث شئتم، وبيننا وبينكم ألا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا، وألا تظلموا أحدا، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب.
стр. 9589
ولما سئل ﵁ عن حال الذين شقوا عليه عصا الطاعة وقاتلوه وهم معاوية ومن تبعه أكفار هم؟ قال: لا، أمشركون هم قال: لا، قالوا ما حالهم إذا؟ قال: إخواننا بغوا علينا، فسلام عليه وعلى كل من صنعهم الإسلام في العالمين.
стр. 9590
كلمة التحرير
الفكر الشيوعي وكيف نقاومه؟
د. عباس محجوب
الشيوعية عقيدة مبنية على أسس فلسفية وعلى فكر له تصوره الواضح في ميادين الاقتصاد والسياسة والتاريخ والاجتماع.
وقد فتنت هذه العقيدة المنحرفة كثيراً من الناس في إيمانهم بالله ، وما يترتب على هذا الإيمان من خضوع لله واستسلام له وتنفيذ لشرعه في الحياة وإعلاء لكلمته في الأرض، وقد استطاعت هذه العقيدة المنحرفة أن تضلل كثيرا من المسلمين وغير المسلمين وأن تنفذ إلى كثير من البلاد في دساتيرها ومناهجها التعليمية، ووسائلها الإعلامية، وإلى أن يحتل مكانة في بعض الجامعات حتى أصبحت من نظريات الحياة التي تدرس والتي يروج لها في أوساط السذج والبسطاء من طلبة العلم ومدعيه، وأنصاف المتعلمين وتجمعات العمال والاتحادات النسائية والطلابية.
مثل هذه االعقيدة الفاسدة لا تواجه أبدا بإجراءات سياسية أو اقتصادية أو تربوية ولكنها تواجه من البداية بعقيدة صحيحة مبنية على فكر سليم وتصور كامل يشمل جوانب الحياة كلها في الاقتصاد والسياسة والتربية والاجتماع والتاريخ، وحين نقول عقيدة صحيحة نقصد أن العقائد المنحرفة والمنسوبة للإسلام، والتصورات الناقصة للفكر الإسلامي لا تستطيع أن تقف أمام الفكر الشيوعي. بل إن العقائد المنحرفة تمهد السبيل لانتشار الشيوعية، كما أن المواقف المتعنتة والعواطف الجامحة تؤدي إلى نتائج عكسية يكتسب من ورائها دعاة الشيوعية، والدليل على أن العقائد المنحرفة تعجز أمام الفكر الشيوعي أن أكبر االأحزاب الشيوعية في أوربا متمركزة في معقل المسيحية ومقر البابا، بل إن الحزب الشيوعي الإيطالي كان قاب قوسين أو أدنى من حكم إيطاليا بالرغم من الدعم الأمريكي والصلوات الموجهة من الكاثوليك في العالم.
стр. 9591
إن الفكر الإسلامي الذي يمكنه مواجهة الشيوعية هو الفكر الذي يشمل حياة المجتمع الإسلامي، ويوجهه فيما أراد الله له.
إن الفكر الشيوعي يقوم أساسًا على تقديم المذهب المادي بديلا عن الدين، وعلى التسليم بحقائق يبنى عليها هذا الفكر. وأهمها عدم الاعتراف بغير المادة، فلا موجود إلا المادة. وإن هذه المادة لها صفة الأزلية والقدم، فهي غير مخلوقة ولا يلحقها العدم، وإن هذه الحياة الدنيا وجدت عن طريق الحركة العشوائية لهذه المادة، والتسليم بهذه الأفكار يقتضي عدم الإيمان بما هو غيبي لأنه لا يخضع للمشاهدة والفكر، فالله غير موجود وكذلك الجن والملائكة وهذا بدوره يقتضي بطلان الأديان التي جاءت بما يعتقد المذهب الشيوعي أنه أوهام أملت الناس في حياة أخرى، وفي البعث والحساب والجزاء وبالتالي فإن الإنسانية لا تستمد تشريعها في مجالات الحياة المختلفة من مصادر خارجة عنه فالإنسان هو الذي يشرع لنفسه وهو المسئول عن نفسه ومصيره. ولأن هذا المذهب لا يؤمن إلا بما هو مادي فهو يعتبر ما يسمى بالروح والعقل والنفس شكلا من أشكال المادة، وأن هذه المادة في حركتها واضطرابها تفسر على أساس القوانين الطبيعية التي أوجدت نفسها بنفسها.
هذه الأفكار التي يقوم عليها الفكر المادي الملحد قد تعرضت لمناقشات واسعة دحضت آراءه وأفكاره، بل إن حركة التاريخ والحياة نفسها أثبتت زيف كثير من هذه الأفكار.
стр. 9592
لقد تحطمت نظرية عدم وجود غير المادة أمام وجود الفكر والمشاعر والعقل وأمام الماديات التي يتعامل معها العلماء ولا ترى بالحواس. مثل الذرة وجزئياتها، كما أثبت العلم أن المادة ليست أزلية لأن تاريخها معروف. وأن المادة في أصغر ذراتها وتحللها وعناصرها الدقيقة اعتمدت وتعتمد في وجودها على غيرها، والأزلي هو الذي لا يعتمد في وجوده أو استمراره على غيره، والذي يعتمد في بقائه على شروط معينة أو ظروف معينة لا يمكن أن يكون أزليا. كالمادة التي أثبت العلماء أنها حادثة ومتحولة ومعتمدة على غيرها أما أن الحياة وجدت عن طريق المصادفة فهو افتراض يتعارض مع ما يدعيه الشيوعيون من قيام مذهبهم على العلم. ولم يعد عقل في الحياة مهما كان صغيرا أن يقبل تكون الحياة والكائنات من ذرات سابحة في الفضاء. وأكبر دليل على بطلان ذلك ما نراه في الحياة من تناسق وتنظيم وخضوع لقوانين معينة فالخالق المدبر وراء كل شيء نراه أو نعلمه في الحياة التي لا مجال فيها للمصادفة والعشوائية وإلا لما كان لكل كائن عناصره وقوانينه الدقيقة.
إن الإيمان بوجود خالق لهذا الكون ومدبر يقتضي الإيمان بالملائكة والجن. فالذي خلق من المادة إنسانا نراه ونسمعه يخلق منها ملائكة وجنا لا نراهم ولا نسمعهم. فالنار والنور ماديان وليست المادة وقفًا على ما تدركه حواسنا فقط، فالله وحده هو الذي ليس لوجوده صفة مادية لا واقعا ولا موضوعا فهو منزه عن الشبيه والمماثلة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وما عدا الله فهو الذي يماثل غيره تماثلا نسبيا.
стр. 9593
والإيمان بالله خالقا يقتضي الإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار وهذه من البديهيات ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكيف لا يؤمن بالبعث من يعترف بالخلق والوجود الأول أن الإيمان بوجود الله وأزليته وخلقه للحياة وما فيها يترتب عليه حتمية خضوع الإنسانية لخالقها في مجال التشريع لشؤون الحياة كلها سياسية واجتماعية واقتصادية، فالإنسان ليس سيد نفسه لأنه محكوم بقوى تتحكم في ذاته ومصيره ووجوده، وله احتياجه الفطري إلى قوة يستند إليها ويؤمن بها ويحتمي بها ويؤمل فيها، وإلا ما كان للحياة معنى ولا للعمل هدف، فالإنسان محكوم بسنن الله الكونية يجب أن يخضع لها ومحكوم بقوانين بيولوجية يرضخ لها رغما عنه، وبالتالي فإنه لا بد من أن يخضع في نظام حياته إلى ما يشرعه له خالقه. والإنسان مرتبط بقانون في الحياة هو قانون المحافظة على الحياة. والإيمان بالله في قمة هذا كله لأنه الذي يحقق مصالح الإنسان ويمنح الطمأنينة والأمن والاستقرار وازدهار الحياة وسيادة المثل والقيم الإنسانية.
هذه لمحات عن الفكر المادي الذي لم يثبت أمام المنطق والعقل والعلم والواقع، واعتراف الماديين بمخالفة مذهبهم لما سبق جعلهم يغيرون ويبدلون في فكرهم وفلسفتهم وأسلوبهم، ويمكننا أن نواجههم بعدة وسائل منها.
стр. 9594
١- تغيير واقع المجتمعات الإسلامية التي تمثل الآن المناخ الطيب لانتشار بذور الشيوعية ونمائها. فالشيوعية لم تدخل إلا البلاد التي تعاني مجتمعاتها من اضطراب في الأوضاع وتغير في النظم السياسية وفقدان للشخصية. وقد كان (كارل ماركس) يظن أن الظروف مواتية لقيام الثورة الاشتراكية في انجلترا إلا أن الأوضاع السيئة لحكم القياصرة في روسيا هو الذي عجل بالثورة هناك بحثا عن البديل فيها، ثم تكرر الأمر أخيرا في فيتنام والحبشة واليمن والصومال وليبيا، وبعض البلاد حيث استطاع الشيوعيون أن يدخلوا عناصر منهم في أماكن يستطيعون منها إحداث تغيير لصالحهم متى وصلت الأوضاع في سوئها إلى اللحظة التي تجعل الأمة في قناعة بأي نوع من التغيير حتى ولو كان ماركسيا كما حدث وسيحدث في كثير من البلاد.
ولا يمكن تغيير حال الأمم الإسلامية إلا باتخاذ إجراءات أهمها التخلي عن التخبط بين الأنظمة المختلفة من اشتراكية ورأسمالية، وعلمانية، وقومية، وأن ترجع إلى النظام الذي يتناسب مع طبيعتها وفطرتها الإنسانية والمرتبطة بعقيدة هذه الأمم وتاريخها وحقيقتها وهو الإسلام.
٢- توحيد الولاء، فالدول الإسلامية تتعدد ولاءاتها، وتتنوع انتماءاتها بين دول مرتبطة بنفوذ السوفييت، تدور في فلكهم وتجعل ولاءها لهم فوق ولائها للعقيدة، وتظن أنها بذلك تحمي نظامها من الإمبريالية واليهودية وغيرها، بينما دول تسير في ركب النفوذ الأمريكي، وترى في أمريكا حامية للعالم محققة للعدالة وقائدة في محاربة الشيوعية، كما أن النفوذ اليهودي بدأ يدخل مباشرة في اللعبة، وارتفعت الأصوات باتخاذ حزام ضد الشيوعية مع دولة اليهود.
إن القوى كلها تتصارع في منطقة العالم الإسلامي خوفا من الإسلام أولا، ثم محاولة لاحتكار مقدرات الأمم الإسلامية الاقتصادية النامية الواسعة، ثم استغلال قوتها البشرية الضخمة لتكون مخلب قط للجبهة التي تسخرها وتسيطر عليها.
стр. 9595
إن تدخل روسيا في أفغانستان ظنَّه كثير من السذّج مفاجأة لأمريكا التي أظهرت ذلك، بينما تمسح طائرات التجسس الأمريكية العالم كله بأجهزة دقيقة تصور بالليل وبالنهار ومن مسافات بعيدة كل حركة ظاهرة في العالم خاصة في المعسكر الاشتراكي، والمسألة لا تتعدى مسألة اقتسام الأدوار وتحديد مناطق النفوذ، وإلا فبماذا نفسر إطلاق يد أمريكا في الشرق الأوسط، بينما يسكت الأمريكان عن تحرك الروس في القرن الأفريقي؟ إن الخلاف لا ينشب بين القوى العظمى على مناطق النفوذ بل ينشب على التعديات من جانب على نصيب الجانب الآخر، وفيما اتفقا عليه والسذاجة السياسية هي التي تحرك دولا في جانب وأخرى في جانب آخر إلى جانب المصالح.
إن الأمم الإسلامية لكي توقف الخطر الشيوعي لابد لها أولا من توحيد ولائها بحيث يكون لله ورسوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ المائدة ٥٥- ٥٦.
ويقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ ... ﴾ إلخ الآية.
следующие страницы →