← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

إن الفكر الإسلامي الذي يمكنه مواجهة الشيوعية هو الفكر الذي يشمل حياة المجتمع الإسلامي، ويوجهه فيما أراد الله له. إن الفكر الشيوعي يقوم أساسًا على تقديم المذهب المادي بديلا عن الدين، وعلى التسليم بحقائق يبنى عليها هذا الفكر. وأهمها عدم الاعتراف بغير المادة، فلا موجود إلا المادة. وإن هذه المادة لها صفة الأزلية والقدم، فهي غير مخلوقة ولا يلحقها العدم، وإن هذه الحياة الدنيا وجدت عن طريق الحركة العشوائية لهذه المادة، والتسليم بهذه الأفكار يقتضي عدم الإيمان بما هو غيبي لأنه لا يخضع للمشاهدة والفكر، فالله غير موجود وكذلك الجن والملائكة وهذا بدوره يقتضي بطلان الأديان التي جاءت بما يعتقد المذهب الشيوعي أنه أوهام أملت الناس في حياة أخرى، وفي البعث والحساب والجزاء وبالتالي فإن الإنسانية لا تستمد تشريعها في مجالات الحياة المختلفة من مصادر خارجة عنه فالإنسان هو الذي يشرع لنفسه وهو المسئول عن نفسه ومصيره. ولأن هذا المذهب لا يؤمن إلا بما هو مادي فهو يعتبر ما يسمى بالروح والعقل والنفس شكلا من أشكال المادة، وأن هذه المادة في حركتها واضطرابها تفسر على أساس القوانين الطبيعية التي أوجدت نفسها بنفسها. هذه الأفكار التي يقوم عليها الفكر المادي الملحد قد تعرضت لمناقشات واسعة دحضت آراءه وأفكاره، بل إن حركة التاريخ والحياة نفسها أثبتت زيف كثير من هذه الأفكار.

стр. 9592

لقد تحطمت نظرية عدم وجود غير المادة أمام وجود الفكر والمشاعر والعقل وأمام الماديات التي يتعامل معها العلماء ولا ترى بالحواس. مثل الذرة وجزئياتها، كما أثبت العلم أن المادة ليست أزلية لأن تاريخها معروف. وأن المادة في أصغر ذراتها وتحللها وعناصرها الدقيقة اعتمدت وتعتمد في وجودها على غيرها، والأزلي هو الذي لا يعتمد في وجوده أو استمراره على غيره، والذي يعتمد في بقائه على شروط معينة أو ظروف معينة لا يمكن أن يكون أزليا. كالمادة التي أثبت العلماء أنها حادثة ومتحولة ومعتمدة على غيرها أما أن الحياة وجدت عن طريق المصادفة فهو افتراض يتعارض مع ما يدعيه الشيوعيون من قيام مذهبهم على العلم. ولم يعد عقل في الحياة مهما كان صغيرا أن يقبل تكون الحياة والكائنات من ذرات سابحة في الفضاء. وأكبر دليل على بطلان ذلك ما نراه في الحياة من تناسق وتنظيم وخضوع لقوانين معينة فالخالق المدبر وراء كل شيء نراه أو نعلمه في الحياة التي لا مجال فيها للمصادفة والعشوائية وإلا لما كان لكل كائن عناصره وقوانينه الدقيقة. إن الإيمان بوجود خالق لهذا الكون ومدبر يقتضي الإيمان بالملائكة والجن. فالذي خلق من المادة إنسانا نراه ونسمعه يخلق منها ملائكة وجنا لا نراهم ولا نسمعهم. فالنار والنور ماديان وليست المادة وقفًا على ما تدركه حواسنا فقط، فالله وحده هو الذي ليس لوجوده صفة مادية لا واقعا ولا موضوعا فهو منزه عن الشبيه والمماثلة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وما عدا الله فهو الذي يماثل غيره تماثلا نسبيا.

стр. 9593

والإيمان بالله خالقا يقتضي الإيمان بالبعث والحساب والجنة والنار وهذه من البديهيات ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وكيف لا يؤمن بالبعث من يعترف بالخلق والوجود الأول أن الإيمان بوجود الله وأزليته وخلقه للحياة وما فيها يترتب عليه حتمية خضوع الإنسانية لخالقها في مجال التشريع لشؤون الحياة كلها سياسية واجتماعية واقتصادية، فالإنسان ليس سيد نفسه لأنه محكوم بقوى تتحكم في ذاته ومصيره ووجوده، وله احتياجه الفطري إلى قوة يستند إليها ويؤمن بها ويحتمي بها ويؤمل فيها، وإلا ما كان للحياة معنى ولا للعمل هدف، فالإنسان محكوم بسنن الله الكونية يجب أن يخضع لها ومحكوم بقوانين بيولوجية يرضخ لها رغما عنه، وبالتالي فإنه لا بد من أن يخضع في نظام حياته إلى ما يشرعه له خالقه. والإنسان مرتبط بقانون في الحياة هو قانون المحافظة على الحياة. والإيمان بالله في قمة هذا كله لأنه الذي يحقق مصالح الإنسان ويمنح الطمأنينة والأمن والاستقرار وازدهار الحياة وسيادة المثل والقيم الإنسانية. هذه لمحات عن الفكر المادي الذي لم يثبت أمام المنطق والعقل والعلم والواقع، واعتراف الماديين بمخالفة مذهبهم لما سبق جعلهم يغيرون ويبدلون في فكرهم وفلسفتهم وأسلوبهم، ويمكننا أن نواجههم بعدة وسائل منها.

стр. 9594

١- تغيير واقع المجتمعات الإسلامية التي تمثل الآن المناخ الطيب لانتشار بذور الشيوعية ونمائها. فالشيوعية لم تدخل إلا البلاد التي تعاني مجتمعاتها من اضطراب في الأوضاع وتغير في النظم السياسية وفقدان للشخصية. وقد كان (كارل ماركس) يظن أن الظروف مواتية لقيام الثورة الاشتراكية في انجلترا إلا أن الأوضاع السيئة لحكم القياصرة في روسيا هو الذي عجل بالثورة هناك بحثا عن البديل فيها، ثم تكرر الأمر أخيرا في فيتنام والحبشة واليمن والصومال وليبيا، وبعض البلاد حيث استطاع الشيوعيون أن يدخلوا عناصر منهم في أماكن يستطيعون منها إحداث تغيير لصالحهم متى وصلت الأوضاع في سوئها إلى اللحظة التي تجعل الأمة في قناعة بأي نوع من التغيير حتى ولو كان ماركسيا كما حدث وسيحدث في كثير من البلاد. ولا يمكن تغيير حال الأمم الإسلامية إلا باتخاذ إجراءات أهمها التخلي عن التخبط بين الأنظمة المختلفة من اشتراكية ورأسمالية، وعلمانية، وقومية، وأن ترجع إلى النظام الذي يتناسب مع طبيعتها وفطرتها الإنسانية والمرتبطة بعقيدة هذه الأمم وتاريخها وحقيقتها وهو الإسلام. ٢- توحيد الولاء، فالدول الإسلامية تتعدد ولاءاتها، وتتنوع انتماءاتها بين دول مرتبطة بنفوذ السوفييت، تدور في فلكهم وتجعل ولاءها لهم فوق ولائها للعقيدة، وتظن أنها بذلك تحمي نظامها من الإمبريالية واليهودية وغيرها، بينما دول تسير في ركب النفوذ الأمريكي، وترى في أمريكا حامية للعالم محققة للعدالة وقائدة في محاربة الشيوعية، كما أن النفوذ اليهودي بدأ يدخل مباشرة في اللعبة، وارتفعت الأصوات باتخاذ حزام ضد الشيوعية مع دولة اليهود. إن القوى كلها تتصارع في منطقة العالم الإسلامي خوفا من الإسلام أولا، ثم محاولة لاحتكار مقدرات الأمم الإسلامية الاقتصادية النامية الواسعة، ثم استغلال قوتها البشرية الضخمة لتكون مخلب قط للجبهة التي تسخرها وتسيطر عليها.

стр. 9595

إن تدخل روسيا في أفغانستان ظنَّه كثير من السذّج مفاجأة لأمريكا التي أظهرت ذلك، بينما تمسح طائرات التجسس الأمريكية العالم كله بأجهزة دقيقة تصور بالليل وبالنهار ومن مسافات بعيدة كل حركة ظاهرة في العالم خاصة في المعسكر الاشتراكي، والمسألة لا تتعدى مسألة اقتسام الأدوار وتحديد مناطق النفوذ، وإلا فبماذا نفسر إطلاق يد أمريكا في الشرق الأوسط، بينما يسكت الأمريكان عن تحرك الروس في القرن الأفريقي؟ إن الخلاف لا ينشب بين القوى العظمى على مناطق النفوذ بل ينشب على التعديات من جانب على نصيب الجانب الآخر، وفيما اتفقا عليه والسذاجة السياسية هي التي تحرك دولا في جانب وأخرى في جانب آخر إلى جانب المصالح. إن الأمم الإسلامية لكي توقف الخطر الشيوعي لابد لها أولا من توحيد ولائها بحيث يكون لله ورسوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ المائدة ٥٥- ٥٦. ويقول الله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ ... ﴾ إلخ الآية.

стр. 9596

٣- معالجة الواقع الاقتصادي للأمم الإسلامية. فأغلب الدول الإسلامية تتميز مجتماعتها بطبقة متميزة وطبقات فقيرة، ولا توزع فيها الثروة القومية توزيعا عادلا. وطبقة الفقراء والمعوزين والمعدمين هي الغالبة، وليس هناك مناخ أفضل للشيوعية من هذا فحقد الفقراء على الأغنياء وأصحاب الجاه والنفوذ كبير وهو المدخل الذي تتغلغل الشيوعية منه إلى طبقة (البلوريتاريا) وطلاب المدارس وتجمعات المزارعين وغيرهم. ولو قامت هذه المجتمعات على أساس النظام الإسلامي في الاقتصاد والذي يوفر العمل والمسكن والدخل القائم على الجهد ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب واختفت مظاهر الرشوة والمحسوبية والتعامل بالأنظمة الربوية في الدول والبنوك والتجارة - لو وجد كل ذلك لما كانت المعاناة الاقتصادية التي تعني منها الدول الإسلامية. ولما كان للشيوعية الفرصة في استغلال هذه الأوضاع السيئة لبث الاضطراب والفوضى في الشعوب المسلمة وحدها. إن مقاومة الشيوعية كما ذكرنا لا تكون بقرارات وسياسات، ولكن بمعرفة المذهب الشيوعي المادي، وتفنيد ادعاءاته بالعقل والعلم والمنطق، وهذا لا يتأتى إلا بتغيير الظروف ومعرفة تامة بالإسلام والأخذ به نظاما شاملا للحياة في كل جوانبها. د. عباس محجوب عضو التحرير

стр. 9597

دراسة في أصول الفقه د. علي أحمد محمد با بكر أستاذ مساعد ١ - أهميّة علم الأصول وخصوبته.. الحياة البشرية على الأرض بثقلها ومسؤولية الحفاظ على توازنها ليس هينة العبء ولا سهلة القياد، وذلك لما تتضمنه من عمق وتشعّب ودقة، وما تزدحم به من رغبات تتفق وتختلف، ومصالح تتعارض وتصطلح، ومطامح تلتقي وتفترق، وأمزجة تصفو وتتكدر، وأصناف من السلوك، وأنواع من الظروف، وبما فيها من شعوب تتباين استعداداتها وأهدافها، وقبائل تتنوع مساعيها، وبما يعتريها من أحداث الزمن وتقلبات الأيام وصروف الدهر، وبما يلابسها من لمسات الخير ووخزات الشر، وما ينتظمها من حركة لا تتوقف، وبما تتطلبه من علاقة بمبدع الوجود وعلائق بالمخلوقات عموما وبين البشر على وجه الخصوص. هذه الحياة لا بد لها من ميزان تنضبط به أمورها وترجع إليه مبهماتها وتوزن به اختلافاتها، وتقاس به جميع حالاتها. ولقد وهب الخالق للإنسان العقل ليميز به ويزن به الأمور، ولكنه لم يترك هذا العقل يتخبط وحده في متاهات الحياة، والعقل عرضة للتأثر باضطرابات النفوس واعتلال الأجسام ومؤثرات البيئة الخ، فجاء عونه تعالى للعقل البشري ببيان مرتكزات مصالح البشر التي تشمل مصالحهم في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة، فبيّن للناس أصول النظم التي يسيِّرون بها الحياة ويبصرون بها الطريق حتى يحقق الإنسان معنى خلافته في الأرض. ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [١] . وحتى يستطيع الاهتداء والسير بلا عثرات، وحتى يطمئن للغايات الصالحة.

стр. 9598

كان هذا العون الإلهي للعقل البشري عن طريق وحيه تعالى لرسوله ﵊ وعصمته له، فتجلت في القرآن الكريم والسنة الشريفة أصول الأحكام الفقهية ومرتكزاتها، فقد فصل لنا هذان المصدران ما فصّلا من الأحكام وتضمّنا من المبادئ والقواعد والتوجيهات العامة ما يقود العقول إلى سواء السبيل. وبمجهودات الصحابة رضوان الله عليهم وما نقلوه عن الرسول ﷺ من شرح وتوضيح وتوجيه، وبمجهودات أئمة الأجيال التي أعقبت الصحابة رضوان الله عليهم جاء البيان لهذه المصادر واتضحت المناهج التي يمكن اتباعها لاستمداد الأحكام التي يعتمد عليها الناس في مسارهم، وبذلك تكوّن علمٌ ذو شأن خطير وأهمية بالغة هو علم أصول الفقه الإسلامي. ومن المعلوم أن الفقه الإسلامي الذي يقوم على هذه الأصول هو ميدان فسيح يشتمل على إجابات لجميع شؤون الناس وحاجتهم، ومن هنا يمكن للناظر إدراك أهمية علم الأصول وخطورته والمكانة الرفيعة التي يحتلها بين العلوم، لأنه الأساس للأحكام التي تحدد مسار الخلق وترسم طريقهم الموصل لبلوغ مصالحهم قبل الممات وبعد الممات. وكما يتوصل بعلم الأصول لمدارك الأحكام ومسالكها كذلك يتوصل به لمقاصد الأحكام وأهداف الشريعة وروحها مما يطمئن القلوب والعقول. ولعله مما يفيد في هذا المقام أن ننقل ما أورده الإمام الأسنوي [٢] في كتابه التمهيد حيث قال:

стр. 9599

"وبعد فإن أصول الفقه علم عظم نفعه وقدره، وعلا شرفه وفخره، إذ هو مثار الأحكام الشرعية ومثار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا. ثم إنه العمدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عليه من المواد كما نص عليه العلماء ووصف به الأئمة الفضلاء، وقد أوضحه الإمام [٣] في المحصول فقال: "يشترط فيه - أي علم الأصول – أمور هي: أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، ويعرف المسائل المجمع عليها، والمنسوخ منها، وحال الرواية، لأن الجهل بهذه الأمور قد يوقع المجتهد في الخطأ. وأن يعرف اللغة إفرادا وتركيبا لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية. وأن يعرف شرائط القياس لأن الاجتهاد متوقف عليه، وكيفية النظر وهو ترتيب المقدمات.. .. .. وأما شرائط القياس وهو الكلام في شرائط الأصل والفرع وشرائط العلة وأقسامها ومبطلاتها، وتقديم بعضها على بعض عند التعارض فهو باب واسع يتفاوت فيه العلماء تفاوتا كبيرا، ومنه يحصل الاختلاف غالبا مع كونه بعض أصول الفقه". فثبت بذلك ما قاله الإمام أن الركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه" [٤] . الخصوبة في علم الأصول: من أبرز خصائص علم الأصول أنه علم يتمتع بخصوبة ودسامة تميزه عن غيره من العلوم، فهو غزير في مادته بعيد عن الجفاف يشبع نهم المقبلين – بجانب أهميته ومكانته الرفيعة – فإذا أدرك الدارس أبعاد هذا العلم يجده متصلا بجميع العلوم الشرعية ومتصلا بأكثر – إن لم يكن كل – بقية العلوم التي تسمى بالعلوم الإنسانية. فهو بتركيبته الخاصة يأخذ دارسه إلى ميادين تلك العلوم المختلفة فلا يتمكن منه إلا بولوجه أبوابا مختلفة وفنونا متنوعة يسبر أغوارها ويخوض غمارها.

стр. 9600

فعلم الأصول - كما أشرنا من قبل – هو الأساس للنظام المتكامل لحياة الإنسان. فبعلم الأصول تتضح المنابع وتعرف المناهج التي تقود إلى الوصول للأحكام التي تنظم حياة الأفراد والجماعات في جميع صورها وجميع مراتبها. وعلم هذا شأنه لا بد من ترابطه مع علوم كثيرة تعالج حياة البشر من جوانبها المختلفة. فدراسة منابع الأحكام تتطلب أول ما تتطلب دراسة القرآن الكريم، المنبع الأول للأحكام: حقيقة شموله لأحكام تفصيلية وقواعد عامة تندرج تحتها بقية الأحكام غير المنفصلة نصا، ومعانيه، والناسخ والمنسوخ منه، وألفاظه مما يقود إلى دراسة اللغة العربية، ولا معنى لدراسة القرآن الكريم كأصل من أصول الفقه إلا فهم حقيقته هذا الكتاب وفهم دلالاته والتعمق في دراسته. وتتطلب دراسة منابع الأحكام الشرعية وأصولها،، ثانيا: دراسة السنة النبوية، بأنواعها وأقسامها ومصطلحاتها لتكون تفسيرا للقرآن الكريم ومفصلة له. وتتطلب دراسة منابع الفقه ومصادره دراسة مكان العقل البشري الذي حددته الشريعة الإسلامية من هذه الأصول، ومجالات اللجوء إليه، وكيفية استخدامه، وحدود ذلك، وهذا بدوره يسوق لدراسة منطقية وعقلية تدور حول قضية القياس وما يرتبط به من مصادر عقلية للأحكام، وإلى دراسة المقاصد الشرعية في الخلق والأهداف العامة والخاصة. وهذا بدوره يقود لدراسة النظريات والفلسفات الوضعية وتوضيح أهدافها ومقاصدها لمقارنتها وبيان أوجه النقص فيها. وتتطلب دراسة علم الأصول دراسة للمجتمع الإنساني، دراسة تكشف عن عادات الناس فيه واختلافات بيئاتهم وتأثير ذلك في تصرفاتهم، ومدى صلاح تلك التصرفات أو فسادها بمقياس الإسلام ومبادئه، وهذه الدراسة الاجتماعية يقدم عليها أصل من الأصول الفقهية التي اعتمدتها بعض المذاهب السنية وهو "العرف".

стр. 9601

ولعلنا ندرك أن إدراك علم الأصول كما كان في الماضي ضرورة لكل فقيه يُنَصَّب للفتوى أو القضاء، وكان الفقهاء الملمون بالأصول مقدمين على غيرهم خاصة في منصب القضاء، ويفضل من بين هؤلاء العارفون بحياة الناس الاجتماعية وعاداتهم. ونورد هنا القصة التي رواها الفقيه ابن عرفة (٧١٧- ٨٠٣ هـ) : في هذا المضمار، قال: "إن ابن عبد السلام [٥] كان على وشك أن يعيّن قاضيا ولكن معاصريه من العلماء طعنوا فيه بأنه رجل حاد الطبع، فبلغ النبأ ابن عبد السلام فذهب إلى الوالي وزكّى نفسه بأنه يعرف حياة الناس الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم أكثر من غيره، "وهو يشير إلى معرفته بالعرف"وعندما تأكد الوالي من صدق دعواه عينه قاضيا ولم يلتفت لطعن الطاعنين" [٦] . وتتطلب دراسة منابع الفقه الإسلامي دراسة تاريخ التشريع في الإسلام وهو يشتمل على تاريخ الأصول والفقه، ودراسة الظروف التاريخية التي أحاطت بالفقه وأصوله وهذه دراسة تقود للإلمام بالتاريخ عموما من أوسع أبوابه ولا يقتصر على دراسة تاريخ الأصول والفقه وحده، وبذلك يكون الأصولي على علم بكل الظروف التي مرّ بها العلم. ودراسة منابع الفقه تتطلب دراسة دقيقة وافية مستوعبة لتفاصيل علم الفقه الإسلامي ومذاهبه واختلافات الأئمة والمنصوص عليه وغير المنصوص عليه وأماكن الإجماع الخ، حتى يمكنه معرفة الأصول معرفة نظرية وتطبيقية عملية ولا يقتصر على المعرفة النظرية المجردة. ولعله من الأكمل لدارس الأصول الإلمام بأصول ومنابع القوانين الوضعية وذلك لإدراك مصادر تلك القوانين وكيفية استخراجها حتى ينجلي عنده سمو الشريعة الإسلامية ويستطيع - كما أشرنا من قبل - بيان نقائص القوانين الوضعية.

стр. 9602

بجانب ما تقدم من علوم تتطلبها دراسة علم الأصول فهنالك علوم أخرى لها أهمية بالنسبة لدارس الأصول مثل علم الكلام أو العقيدة التي هي من مقدمات علم الأصول، ليتوصل بذلك إلى ثبوت الكتاب والسنة ووجوب صدقهما ليتوصل بذلك إلى الفقه [٧] وكذلك فإن قضايا متعددة خلال أبواب الأصول تحتاج إلى زاد من العقيدة مثل قضايا التعليل، وصفات الأفعال العقلية واتفاق أو عدم اتفاق الشرع معها، وغير ذلك من القضايا التي تتطلب التسلح بسلاح العقيدة ليكون بحثها على بينة من الأمر. من هنا يتبين لنا كيف أن علم أصول الفقه هو من أكثر العلوم خصوبة ودسامة، وأن دراسته وتعمقه غاية في الإمتاع وإشباع النهم العلمي هذا بجانب أهميته وخطورته التي أوضحناها سالفا وهي أنه تحقيق لمصادر وقواعد استخراج الأحكام التي تضمنتها شريعة الله للخلق. ولا غرابة أن تتطلب دراسة علم أصول الفقه الإسلامي ولوج أبواب هذه العلوم المختلفة، وكيف تكون هنالك غرابة بينما تتطلب دراسة القوانين الوضعية - وهي محصورة الفائدة في هذه الدنيا - دراسة العديد من العلوم، ولنستمع إلى أحد كتاب الفقه القانوني الوضعي وهو اللورد "راد كليف" يقول في كتابه (القانون ومحيطه) يقول ما ترجمته: "أرجو أن لا تخطئ فهمي أو تظن أنني أقلل من أهمية واحد من أعظم الدراسات الإنسانية إذا قلت: إننا لا نستطيع أن نفهم القانون بتعلمنا للقانون، فالقانون أكبر من هذه المصطلحات التي ندرسها بمقدار عظيم، فهو جزء من التاريخ، وجزء من الاقتصاد، وجزء من الاجتماع، وجزء من علم الأخلاق وفلسفة الحياة" [٨] .

стр. 9603

فإذا كان هذا هو حال القانون الوضعي ومصادره - وهو محدود الدائرة - وإذا احتاج القانون الوضعي لدراسة كل هذه العلوم وسبر أغوارها، فكيف بالشريعة الإسلامية وأصولها وهي غير منحصرة في هذه الحياة الحاضرة بل تتعداها لتضمن مصلحة الحياة الآخرة أيضا، لا شك أنها أوسع نطاقا وأشمل بحيث تشمل النظرة إلى مصادرها العلوم الأساسية التي تستمد منها صيانة المصلحة في هذه الحياة ثم تنفرد بالعلوم الأخرى وعلى رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية التي هي أساس فهم القرآن الكريم. فعلم أصول الفقه ليس كما يتصوره البعض، علما محصورا في تعريفات ومناقشات لفظية، وعلما جافا غير أخاذ بحيث لا يتسع ليشبع نهم النفوس، فهو عكس ذلك تماما كما حاولنا توضيح ذلك في الفقرات الفائتة، وكما يدرك ذلك علماء الأصول الذين عاشوا تجربة دراسته وتدريسه. أسباب عدم وضوح الرؤية: كثير من الدارسين لعلم الأصول تتعسر عليهم الرؤية الواضحة لحقيقة هذا العلم ولخصوبته، وعليه فهم يعتبرونه - كما أشرنا أعلاه - علما يتسم بالجفاف والتعقيد والانحصار في مناقشات لفظية أو منطقية ثم ردود على المناقشات وردود على الردود وهلم جرا، ثم بعد ذلك تكون الحصيلة ضئيلة، وهذا المفهوم يبعث في نفوسهم مللا من دراسة الأصول ونفورا منه، وربما مر بنا هذا الإحساس في عهد الطلب، وبذلك ينصرف الدارسون عن هذا العلم العظيم الغزير المليء بالفوائد والتي تتجلى فيه مناهج بحث وضعها علماؤنا السابقون لم يسبق لها مثيل، ونادرا ما تجد أحدا يقبل على هذا العلم إلا مضطرا لأداء امتحان مثلا، ثم لا تجده بعد ذلك يتناول مرجعا من مراجع الأصول ليطلع فيه طائعا مختارا مستسيغا له متعمقا في معانيه. هذا الشعور الذي ينتاب المبتدئ في دراسة هذا العلم، وغالبا ما يظل معه خلال حياته العلمية، له أسباب نذكر منها بعضا في الفقرات التالية:

стр. 9604

لعلنا نستطيع القول بأن الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذا الإحساس وهذا المفهوم تنقسم إلى مجموعتين: (١) المجموعة الأولى ترجع إلى الاضطراب في التكوين الثقافي والفكري والبيئي للنشء في المجتمع الإسلامي. (٢) والمجوعة الثانية ترجع إلى كتب الأصول نفسها. أما فيما يختص بالمجموعة الأولى من الأسباب، وهي التي ترجع إلى التكوين البيئي للنشء فهي تتمثل في تأثير أساليب الثقافات الأجنبية ومصطلحاتها وعباراتها في التكوين الثقافي لأبناء المسلمين، حدث ذلك منذ أن هجمت تلك الثقافات مع موجة الاستعمار لبلاد المسلمين وطفقت تنشئ أجيالا هي أقرب إلى ثقافات الأجنبية منها إلى الثقافة الإسلامية الأصيلة والعلوم الإسلامية في مصادرها الأولية، فأصبح بذلك الناشئون بعيدين عن المصطلحات العلمية العربية والإسلامية وعن الألفاظ والعبارات التي تزخر بها كتب العلوم الإسلامية، ومن بينها كتب الأصول. كذلك فإن الأجيال الإسلامية في العصور الحديثة تأثرت إلى حد كبير بالحملة المغرضة التي واجهتها كتب التراث في كثير من البلدان الإسلامية، تلك الحملة التي وصمت هذه الكتب بالجمود والتحجر، فعزف شباب المسلمين عن جهل عن تناول تلك الكتب وعن الاجتهاد في إدراك مضامينها، يضاف إلى ذلك ضعف اللغة العربية في جميع البلاد العربية والإسلامية، وعلم الأصول يتطلب في مقدمة ما يتطلب إدراك اللغة العربية إدراكا تاما ومعرفة أسرارها، كما أوضحنا من قبل. كل ذلك ساعد على خمول كثير من الشباب وإحجامهم عن اقتحام هذه العلوم وسبر أغوارها، وتركوا ذلك إلى قلة متخصصة في فروع هذه العلوم، فأصبح من العسير عليهم -إن هم أرادوا العودة إلى كتب التراث - أن يتبينوا أساليب تلك الكتب.

стр. 9605

أما المجموعة الثانية من أسباب النفور من علم الأصول، والتي ترجع إلى كتب الأصول نفسها، فهي تتلخص في أن كتب الأصول القديمة غالبا ما تركز على المصطلحات اللغوية واللفظية والمنطقية، وعلى مناقشة القول ورد المناقشة الخ - كما أشرنا - مما يبعد بالطالب عن المعنى المقصود أو يجعل من الصعب الخروج بنتيجة واضحة بينة. كذلك فإن كتب الأصول كثيرا ما تقلل من إيراد الأمثلة التطبيقية للقواعد التي تناقشها، فمثلا تورد أحيانا مثالا واحدا لقضية أو قاعدة يكون الكتاب قد ناقشها طويلا، وربما لا تورد في بعض الأوقات أي مثال عقب مناقشة طويلة لبعض القواعد، وبذلك يفقد الدارس الجانب التطبيقي للعلم ويصعب عليه الربط بين القواعد الأصولية التي يقرؤها وبين الفقه التفصيلي فيفقد الهدف الرئيسي من علم الأصول. فلو أن كتب الأصول زخرت بالأمثلة لكل قاعدة وبالتطبيق على المسائل الفقهية باستفاضة لساعد ذلك على جعل هذه المادة أكثر تشويقا، ولو أن الأستاذ الذي يقوم بتدريس علم الأصول في الجامعات والمعاهد يقوم بتوسيع الجانب التطبيقي وعرضه ومناقشته مع الدارسين لساعد ذلك أيضا على إيضاح خصوبة هذا العلم ودسامته. إن أمنيتنا هي أن تميل الكتابات المعاصرة في علم الأصول إلى استجلاء عمق هذه المادة وغزارتها وأن يكثّف العمل في هذا الطريق حتى يدرك طلاب العلوم والمعرفة حقيقة علم الأصول ويكون الإقبال عليه كبيرا كما يكون طوعا واختيارا، وبذلك يعطى هذا العلم حقه من الاهتمام، وكما هو معلوم فإنه لا سبيل إلى الاجتهاد إلا بإدراك تام لهذا العلم. إقبال العلماء في الماضي بمختلف تخصصاتهم على علم أصول الفقه:

стр. 9606

ظل علم أصول الفقه وكذلك علم الفقه محط اهتمام المسلمين في الماضي على مر العصور، وظلا في مقدمة العلوم التي يندفع الدارسون لتلقيها وتدريسها، ولأن مجموع العلمين هو الذي يسترشد به الفرد والمجتمع في التصرفات والمسار وبه تبين أحكام أفعال البشر في دنياهم. وكان عالم الأصول والفقه مقدما على غيره من العلماء لخطورة وأهمية ما يحمله، وهو الذي يولّى أخطر مناصب الدولة وهو القضاء وهو الذي يهرع إليه الناس في الفتوى لحل مشكلاتهم الفقهية التي تتعلق بدنياهم وأخراهم فهو في الحقيقة الموجه للمجتمع المسلم. ومن هنا كان الحادبون على صلاح المجتمع المسلم يحرصون على دخول ميدان الفقه وأصوله حتى يتمكنوا من القيام بدور في توجيه، المجتمع، خاصة قد كان الذي لا يعرف الفقه وأصوله لا يعتبر من ذوي العلم مهما بلغ من المعرفة في كثير من العلوم الأخرى. ولنستمع إلى الإمام الجليل ابن الجوزي (سنة ٥٩٧هـ) وهو يتحدث عمّن يشتغلون بعلوم غير علوم الشريعة ثم يقتصرون عليها وهم يفخرون بتلك المعرفة، ونحن لا ننقل كلام ابن الجوزي للتقليل من العلوم الأخرى، ولكن لنوضح وجهة نظر الماضين، خاصة علماؤهم، فيمن يفرط في إدراك الشريعة وأصولها التي على رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية، يقول ابن الجوزي:

стр. 9607

"قد لبَّس (يعني إبليس) على جمهورهم (يعني أهل اللغة والأدب المقتصرين عليهما) فشغلهم بعلوم النحو واللغة من غير المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما هو أولى بهم من آداب النفس وصلاح القلوب وما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه. فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها، فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها إذ هي مرادة لغيرها، فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل، ولا من الفقه ومع هذا ففيهم كبر عظيم وقد خيل لهم إبليس أنهم من علماء الإسلام، لأن النحو واللغة من علوم الإسلام وبها يعرف معنى القرآن العزيز. ولعمري إن هذا لا ينكر، ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب وهو أمر لا زم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه، وإنفاق الزمان مع تحصيل هذا الفاضل، وليس بمهم، مع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل" [٩] . من حديث هذا الإمام الجليل نلاحظ كيف أن المسلمين بما فيهم العلماء، كانوا في العصور السالفة لا يعتدون كثيرا بمن لا يحمل علم الشريعة من العلماء إلا إذا كان ما يحمله من علم في خدمة علوم الشريعة - وهذا حق - وجماع علوم الشرعية وخلاصتها هو الفقه وأصوله. فالعالم الجليل في اللغة مثلا، في الماضي، كان لا بد له من التزود بالعلوم الشرعية وإلا فإن الاعتداد بعلمه سيكون ضعيفا، وكذلك عالم التاريخ، والكلام، والمنطق الخ الخ. وبناء على هذه الروح السائدة، وبناء على اهتمام المسلمين عموما بعلوم الشريعة، أراد العلماء المتخصصون في غير الشريعة أن يدخلوا ميدان الشريعة ويدلوا بدلوهم.

стр. 9608

ونحن لا نريد أن يفهم من هذا أن هؤلاء الذين أرادوا أن يلجوا ميدان الشريعة كانت دوافعهم دنيوية، فقد كانت دوافعهم كما هو واضح من أحاديثهم وسيرهم دينية، فهم يريدون خدمة العلم وتقديم ما يحملون من علم للناس، وهم لا يستطيعون تقديم شيء للناس إذا كان الناس لا يعتدون ببضاعتهم. وقد دخل بناء على ذلك كثير من علماء اللغة وعلماء الكلام ميدان الشريعة، ووجدوا أن أوسع أبواب دخولهم هو علم الأصول، لأن علم الأصول يوضح كيف تفهم ألفاظ القرآن والحديث وعباراتهما، وعمومهما وخصوصهما، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ودلالات الألفاظ، وإشارات النصوص، والناسخ والمنسوخ، إلى غير ذلك من القضايا التي ترتبط بفهم اللغة ارتباطا تاما. وكذلك فإن علم الأصول هو الذي يبين فلسفة التشريع، وأهداف الشريعة وأغراضها وعللها ومبادئها، ومكان العقل البشري من الشريعة إجمالا ما يوجب الثواب والعقاب عن أفعال العباد. ويبين الدليل والبرهان والحد والرسم والقياس، ويبين أساس تشريع الأحكام ومدخل حسن الأفعال وقبحها العقليين في ذلك، وغير ذلك من القضايا المتعددة التي ترتبط بعلم الكلام والمنطق والعقيدة. لهذا فقد وجدنا كثيرا من علماء اللغة والكلام والمنطق قد ولجوا علم الأصول وألفوا فيه كتبا وأبرزوا فيه قدراتهم اللغوية والمنطقية والعقلية. ومن هنا برزت قضايا الكلام واللغة بصورة واضحة في بعض المؤلفات مما دعا بعض كتاب الأصول المعاصرين إلى القول: إن بعض القضايا الكلامية وردت في كتب الأصول من غير حاجة إلى إيرادها غير رغبة علماء الكلام في إبرازها ليمارسوا قدراتهم الكلامية. ومن غير علماء اللغة والكلام فقد كان هنالك علماء في ميادين أخرى دخلوا ميدان علوم الشريعة وكان مدخلهم هو علم أصول الفقه لأنهم وجدوه يتصل بعلومهم التي أتقنوها ووجدوه علما خصبا.

стр. 9609

-------------------------------------------------------------------------------- [١] البقرة ٣٠. [٢] جمال الدين عبد الرحمن الأسنوي (٧٠٤- ٧٧٧ هـ) . [٣] يقصد الإمام الرازي الشافعي- صاحب المحصول في علم الأصول. [٤] التمهيد ص٣ الطبعة الثانية سنة ١٣٨٧ هـ. [٥] عاش في القرن الثامن الهجري. [٦] انظر المرير، الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية، ج١ ص٦٢- ٦٣. [٧] انظر التفتازاني ـ التلويح ج١ ص٢٠. [٨] انظر اللورد كيف القانون ومحيطه (بالإنجليزية) ص٩٢- ٩٣ الخ. وانظر اللورد لويد (مقدمة لفقه القانون) ص١- ٢ إلخ. [٩] ابن الجوزي تلبيس إبليس ص١٢٦.

стр. 9610

نظام الضرائب في الإسلام د. أحمد حاج علي الأزرق أستاذ مشارك بكلية الشريعة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن مما عنيت به الشريعة الإسلامية عناية كبيرة الشئون المالية، حيث وضعت لها سياسة رشيدة عادلة راعت فيها تحقيق العدالة في كل من جمع المال من أربابه، وصرفه في مصارفه، وإن الباحث ليجد في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله ﷺ وفيما خلفه لنا الأئمة المجتهدون الثروة الفقهية الغنية أصدق شاهد على عدالة تلك السياسة المالية. أساس وضع الضريبة في الإسلام: الضريبة فعيلة بمعنى مفعولة وهي: ما يقرره السيد على عبده في كل يوم أن يعطيه، وقد ترجم لذلك الإمام البخاري في صحيحه بقوله: ضريبة العبد وتعاهد ضرائب الإماء ثم ذكر حديث أنس ﵁ قال: "حجم أبو طيبة النبي ﷺ فأمر له بصاع أو صاعين فكلم مواليه فخفف عن غلته أو ضريبته" [١] . وفي القاموس المحيط الضريبة: واحدة الضرائب التي تؤخذ في الجزية ونحوها وغلة العبد. أما أساس وضع الضريبة في الشريعة الإسلامية فيتضح لنا من استقراء حكمة تشريع الموارد المالية التي نطق بها القرآن الكريم، وحدثتنا عنها السنة النبوية وجرت على ألسنة الأئمة المجتهدين. والذي يؤخذ من نصوص الكتاب والسنة ووجهة النظر التي أبانها كبار الصحابة في اجتهادهم أن الأساس الذي بنيت عليه الموارد المالية هو توفير ما تتطلبه المصالح العامة من النفقات، وتأمين أرباب الأموال على أنفسهم، وأموالهم، وتحقيق التعاون والتضامن بين أفراد المجتمع. فالضرائب إذا في نظر الشارع الحكيم هي واجبات ألزم بها الأفراد في مقابل تمتعهم بالحقوق، وتتمثل الضرائب الإسلامية فيما يأتي:

стр. 9611

١- ضريبة الأموال المنقولة وهي تشمل: زكاة النقدين - الذهب والفضة - وزكاة عروض التجارة، وزكاة السائمة من بهيمة الأنعام. ٢- ضريبة الأرض الزراعية وهي تشمل العشر، ونصف العشر، والخراج. ٣- ضريبة الأشخاص التي تؤخذ من أهل الذمة وهي الجزية، ويمكن أن تلحق زكاة الفطر بهذا الباب. ٤- ضريبة العشور وهي الرسوم الجمركية التي تؤخذ على الصادر من البلاد الإسلامية والوارد إليها. ٥- خمس الغنائم. ٦ - خمس ما يعثر عليه من المعادن والركاز في باطن الأرض. وهذه الضرائب كما ذكرنا هي واجبات ألزم بها الأفراد نظير تمتعهم بالحقوق، ففي الزكاة يقول الحق سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [٢] . ويقول جل شأنه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم﴾ [٣] . فالزكاة فيها تطهير للنفوس من دنس الشح والبخل، وفيها تنمية وغرس للفضائل والأخلاق الكريمة في النفوس، وفيها أيضا حماية لأرباب الأموال على أنفسهم وأمولهم من حقد المعوزين وأطماعهم. وفي صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية التي بينها الله تعالى في كتابه الكريم ما يوحي بالهدف الأسمى الذي توخاه الشارع الحكيم من فرض هذه الفريضة العظيمة.

стр. 9612

والآية الكريمة التي حددت مصارف الزكاة بدأت بذكر الفقراء والمساكين، وتقديمهما في الذكر يدل على عناية الإسلام بهما، لأن هذا الصنف من الناس قلما يخلو منه مجتمع من المجتمعات وهو كثيرا ما يهدد بحاجته المجتمع في أمنه واستقراره فإن ثورة الفقر عارمة، فبالزكاة تسد حاجة هذا الصنف، ويطهر قلبه من الحقد والحسد فيعيش متعاونا مع إخوانه الأغنياء الذين شعر منهم بالعطف والرحمة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [٤] . ومن مصارف الزكاة العاملون عليها وهم: السعاة الذين يبعثهم الإمام لأخذها من أربابها وجمعها وحفظها ونقلها ومن يعينهم في ذلك ممن يسوقها ويرعاها ويحملها، ويدخل فيهم الكاتب والحارس والقاسم. وقد حرص الإسلام على أن يقوم العامل بعمله مقابل أجر يتناسب والعمل الذي قام به وبهذا يتحقق الحافز المادي الذي يجعل العامل يخلص في عمله ويجتهد فيه ويؤديه علي أكمل الوجوه وأحسنها ومن هنا يظهر لنا أن الشريعة الإسلامية كان لها فضل السبق في تقرير هذا المبدأ العظيم. وفي صرف الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم رجاء تأييدهم، واتقاء كيدهم، وإلى الغزاة في سبيل الله المقاتلين للأعداء الذائدين عن الدين والوطن ما يوحي بأن من أغراض الزكاة تمكين ولاة الأمر من القيام بما عهد إليهم من الدفاع عن العقيدة، والدعوة إليها بالترغيب في الإسلام من طريق نشر محاسنه، ودحض المفتريات والشبه التي يثيرها أعداء الإسلام.

стр. 9613

ومما ينبغي الوقوف عنده والإشادة به اهتمام الإسلام بمحاربة تلك المشكلة التي كانت ظاهرة متفشية في المجمعات السابقة للإسلام لا سيما في جزيرة العرب ألا وهي مشكلة الرق، وقد بدأ الإسلام بمعالجة هذه المشكلة بوسائل شتى منها: أنه خصص من ميزانية الزكاة لتحرير الرقاب. وذلك بأن يشترى من السهم المخصص لفك الرقاب عبيدا ويعتقون، ويعان منه المكاتبون، وبذلك تكون الدولة الإسلامية أول دولة حاربت الرق، وحسبها أنها خصصت جزءا من الزكاة لفك الرقاب. وفي قضاء دين المدين العاجز عن الوفاء من الزكاة إبقاء للثقة بين الناس، وتنمية لروح التعاون والتضامن بين الأفراد. أما الجزية فقد وجبت على غير المسلمين كما وجبت على المسلمين الزكاة في مقابل تمتعهم بحقوقهم، وأمانهم على أنفسهم وأموالهم، لأن أهل الكتاب - اليهود والنصارى - ينتفعون بمرافق الدولة العامة كما ينتفع المسلمون، ثم هم لا تجب عليهم الزكاة الواجبة على المسلمين، لأنها وجبت على وجه العبادة وهم ليسوا أهلا لها لعدم الإسلام، فأوجب الله عليهم الجزية بدلا من الزكاة، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [٥] . فهي كسائر الضرائب الإسلامية واجب في نظير حق.

стр. 9614

وأما ضريبة الخراج، فقد وضعت على الأرض التي أقر عليها أهلها من غير المسلمين وتركت بيدهم يستغلونها وينتفعون بها، وأول من فعل ذلك عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته عندما استولى المسلمون على سواد العراق عنوة، وكتب قائد جيش المسلمين في موقعة القادسية سعد بن أبي وقاص ﵁ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بذلك مستشيرا إياه في أمر سواد العراق، وكانت تعتبر في ذلك الوقت من أخصب بلاد الدنيا، وكان سعد بعد أن أتم الله النصر للمسلمين قام بقسمة الغنائم بين المجاهدين ما عدا الأرض فإنه توقف في قسمتها، وكتب بذلك إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب طالبا رأيه في ذلكن وبعد أن وصل الكتاب إلى عمر ﵁ استشار في ذلك كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وبعد حوار طويل استقر رأي عمر ووافقه مجلس شوراه الذي كونه لذلك على ترك الأراضي بيد أهلها، وفرض عليهم فيها الخراج ووضع على رقابهم الجزية [٦] . ولم تكن ضريبة الخراج معروفة في عهد النبي ﷺ ولا في عهد خليفته الأول أبي بكر الصديق ﵁، فعمر ﵁ هو أول من اجتهد في فرضه، قال الإمام أحمد بن حنبل ﵁: "وإنما كان الخراج في عهد عمر ﵁" [٧] . وروى أبو يوسف عن عامر الشعبي ﵁ أن عمر ﵁ مسح السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف ألف جريب، وأنه وضع على جريب الزرع درهما وقفيزا، وعلى الكرم عشرة دراهم، وعلى الرطبة خمسة دراهم، ووضع على الرجل - يعني في رقبته - اثني عشر درهما، وأربعة وعشرين درهما وثمانية وأربعين درهما [٨] . وقد راعى عمر ﵁ في وضع الجزية درجة يسار كل شخص، فجعلها على ثلاث درجات: وقد راعى عمر ﵁ في وضع الجزية درجة يسار كل شخص، فجعلها على ثلاث درجات: ١- غني موسر عليه ثمانية وأربعين درهما في العام.

стр. 9615

٢- ومتوسط في حالته عليه أربعة وعشرون. ٣- وفقير يعمل عليه اثنا عشر درهما. كما أنه راعى في وضع الخراج على الأرض ما تحتمله ويطيقه أهلها. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ فعل بأرض الشام حين فتحت مثل ما فعل بأرض العراق وكذلك فعل بمصر. يقول العلامة السرخسي: "واعتمد عمر بن الخطاب ﵁ فيما صنع بسواد العراق على السنة وذلك أن النبي ﷺ قال: "منعت العراق درهما وقفيزها ومنعت الشام مُديها ودينارها، ومنعت مصر إردبَّها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، قالها ثلاثا" [٩] . قال أبو عبيد: "معنى هذا الحديث والله أعلم أن هذا كائن وأنه سيمنع بعد في آخر الزمان". قال: "وفي هذا الحديث تقوية وحجة لعمر فيما فرضه على أهل العراق من الدرهم والقفيز". قال: "فاسمع قول الرسول ﷺ في الدرهم والقفيز كما فعل عمر بالسواد وهذا هو التثبت" [١٠] . وقال الإمام الخطابي: "معنى هذا أن ذلك كائن وأن هذه البلاد تفتح للمسلمين ويوضع عليها الخراج شيئا مقدرا بالمكاييل والأوزان، وأنه سيمنع في آخر الزمان وخرج الأمر في ذلك على ما قاله النبي ﷺ ، وبيان ذلك ما فعله عمر بن الخطاب ﵁ بأرض السواد فوضع على كل جريب عامر أو غامر درهما وقفيزا" [١١] . وهذا الحديث من أعلام النبوة لإخباره ﷺ بما سيكون من ملك المسلمين لهذه الأقاليم ووضعهم الجزية والخراج عليها، كما يقول الإمام الشوكاني [١٢] .

стр. 9616

وكما أن المسلم يجب عليه العشر أو نصفه في الخارج من أرضه فالكتابي يجب عليه الخراج فيما تنتجه أرضه، وكلا من الزكاة والخراج إنما وجب بصفة المؤنة للأرض؛ لأن بقاء الأرض يأيدي ملاكها يستغلونها وينتفعون بها موقوف على جهود كبيرة تبذل شق الأنهار، وتعبيد الطرق، وبناء الجسور، ثم إن أربابها لا ينتفعون بما تخرجه إذا لم تعين الدولة من يأخذ على أيدي المعتدين، ويحفظ الأمن ويصون النظام، وبما أن هذه الأعمال التي تقوم بها الدولة لمنفعة أرباب الأملاك، وجب أن تكون نفقة من يقومون بها في غلات الأرض وخراجها. وأما العشور التي تؤخذ في البلاد الإسلامية على عروض التجارة الواردة إليها، والصادرة منها، فأساسها تبادل المعاملة بالمثل بين البلاد الإسلامية وغيرها من البلدان. وسمى الفقهاء العامل الذي يقوم بأخذ العشور: العاشر، لأن ما يأخذه يدور على العشر، فإنه من المسلم ربع العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن الحربي العشر إن لم يعلم ما يأخذون منا. ومما ينبغي في العمال الذين ينصبون لجباية العشور أن يكونوا أولي بأس ومنعة، ليؤمنوا التجار من اللصوص وقطاع الطرق ويحمونهم منهم، وفي مقابل تلك الحماية ساغ لهم جباية رسوم على ما يمر به التجار من أموال ظاهرة أو باطنة تختلف في صفتها، وقدرها تبعا لاختلاف الشخص المار بها، فهي من المسلم زكاة ومن الذمي جزية، ومن الحربي جزاء الحماية. وأما ما يؤخذ غنيمة بالقتال فقد فرض خمسة لمصالح عامة بينتها آية الأنفال. قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [١٣] . وفي تخصيص هذا الخمس لمن سمى الله تعالى رعاية للمصلحة العامة، وتزكية لنصيب الغانمين حتى لا يحقد عليهم الضعفاء والمحتاجون.

стр. 9617

أما الخمس الذي يؤخذ من المعادن والركاز فإنه يصرف في مصارف الزكاة التي مرجعها إلى المصلحة العامة. وهكذا نرى أن الأساس في هذه الضرائب الإسلامية هو تكوين مال للدولة تستعين به على القيام بواجباتها، والوفاء بالتزاماتها. شرائط الضريبة العادلة: لا شك أن جباية الضريبة من الأفراد فيها استيلاء على جزء من مالهم وحرمان لهم من التمتع به، وهذا الحرمان إنما رخص فيه لأن الضرورة قضت به إذ لا يمكن القيام بالمصالح العامة بدونه، ومن القواعد المقررة أن الضرورة تقدر بقدرها، فيجب ألا يتجاوز بالضرورة القدر الضروري، وأن يراعى في وضعها وطرق تحصيلها مما يخفف وقعها. وقد وضع بعض علماء الاقتصاد في العصور الحديثة قواعد ثابتة لجباية الضرائب [١٤] وتقديرها، وطرق تحصيلها، وموعد جبايتها، وأصبحت هذه القواعد المقياس الذي تقاس به صلاحية الضريبة، وسلامة النظام المالي كله، وأولى هذه القواعد: قاعدة العدالة: والمقصود بها: أن يكون اشتراك كل مكلف في نفقات الدولة متناسبا مع قدرته ويساره؛ أي أن يكون اشتراكه بنسبة الدخل الذي يتمتع به في ظل الدولة. القاعدة الثانية ـ اليقين: ومعناها: أن الضريبة التي تفرض على كل فرد يجب أن تكون واضحة معلومة من حيث موعد الدفع، وكيفيته ومقدارها يدفع بحيث لا يتطرق إلى ذلك أي شك. القاعدة الثالثة ـ الملاءمة: ويقصد بها أن تكون جباية الضريبة في أكثر الأوقات ملاءمة للمكلف، وبالكيفية المتيسرة له أكثر من غيرها. القاعدة الرابعة ـ الاقتصاد: ومعناها: الاقتصاد في نفقات الجباية فتفضل الضرائب التي تقل نفقات جبايتها على الضرائب التي تكثر نفقات جبايتها، حتى يكون الفرق بين ما يخرج من خزائن المكلفين وما يدخل في خزائن الدولة أقل فرق مستطاع.

стр. 9618

وإلى هذه القواعد الأربعة أضاف بعض علماء الاقتصاد قواعد أخرى بعضها متفرع عنها، وبعضها مكمل لها، وأهم هذه القواعد: أن كل ضريبة يجب أن لا تقع إلا على الدخل لا على رأس المال، وعلى صافي الدخل لا على جملة الناتج لتكون الضريبة من ثمرة المال، ولا يكون من عوامل نقص أصله، وأن الضرائب يجب أن لا تمس الدخل الضروري لحياة المكلف، فالحد الأدنى للمعيشة يجب أن يعفى من كل تكليف. هذه هي القواعد والشروط التي التزمها علماء المالية في شأن الضرائب. وإذا نظرنا في الضرائب الإسلامية وعن مدى موافقتها لهذه القواعد وجدنا أن الضرائب الإسلامية تجاري أحدث الأنظمة المالية في العصر الحديث. فالعدالة التي هي أولى القواعد مطلب الشارع الحكيم، وهذه القاعدة مراعاة في جميع الضرائب التي فرضها الإسلام. ففي الزكاة يجب العشر أو نصفه، وهو مقدار نسبي ولا فرق في هذا بين مال ومال ولا بين شخص وشخص، وهذا خلاف ما كانت تسير عليه التشريعات الغربية القديمة التي كانت تعفي من الضريبة طبقة النبلاء ورجال الدين. وحدد التشريع الإسلامي في الزكاة نصابا معينا فإن بلغه المال أخذ منه فالواجب بنسبة محددة، وإلا فهو عفو. وضريبة الجزية لا يطالب بها إلا الغني القادر، ولا يؤخذ من أحد إلا ما يناسب ماليته ودرجة يساره، وبذلك صدر أمر عمر بن الخطاب ﵁ إلى ولاته في مختلف أقاليم الدولة، وجعلها على ثلاث درجات: ثمانية وأربعين درهما، وأربعة وعشرين، واثني عشر درهما على قدر إقلال الرجل وإكثاره [١٥] .

стр. 9619

وكذلك ضريبة الخراج التي فرضها عمر بن الخطاب ﵁ على الأراضي التي فتحت في عهده ورأى عمر إبقاءها بيد أهلها، راعى في وضع الخراج عليها منتهى العدل والرفق بأهل الأرض كل على قدر طاقته، وما تحتمله الأرض من جودة يزكو بها زرعها، أو رداءة يقل بها انتاجها، وفي هذا يحدثنا القاضي أبو يوسف ﵀ فيقول: "بعث عمر ﵁ حذيفة بن اليمان على ما وراء دجلة، وبعث عثمان بن حنيف على ما دونه، فأتياه فسألهما كيف وضعتما على الأرض لعلكما كلفتما أهل عملكما ما لا يطيقون، فقال حذيفة: لقد تركت فضلا، وقال عثمان: لقد تركت الضعف ولو شئت لأخذته، فقال عمر عند ذلك: والله لئن بقيت لأرامل أهل العراق لأدعنهم لا يفتقرون لأمير بعدي" [١٦] . أما قاعدة اليقين فإنا نراها ماثلة في جميع الضرائب الإسلامية. فمقدار الواجب، وموعد الدفع، وكيفيته كل ذلك معلوم علما يقينيا في كل الضرائب. فموعد أداء الواجب حين يحول الحول على المال في الزكاة والخراج، وعلى الشخص في الجزية، ويوم الحصاد في العشر ونصف العشر. وجعل الشارع أداء الحق موكولا إلى رب المال في الأموال الباطنة؛ لأن في عدها على صاحبها حرجا وإضرارا به، والستر على الناس من محاسن الشريعة الإسلامية فوكل إلى رب المال الباطن أن يؤدي الواجب الذي عليه بوازع من دينه. وطلب إلى ولاة الأمور أن يراعوا في تحصيل الأموال من أربابها وصرفها في مصارفها ما يقضي به العدل والرفق.

стр. 9620

وقد حرص القاضي أبو يوسف ﵀ أن يؤكد هذا المعنى لأمير المؤمنين هارون الرشيد ويشير به عليه يقول يوسف مخاطبا لهارون الرشيد في شأن من يوليه جباية الخراج: "وتقدم إلى من وليت ألا يكون عسوفا لأهل عمله، ولا محتقرا لهم، ولا مستخفا بهم ولكن يلبس لهم جلبابا من اللين يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء من غير أن يظلموا، أو يحملوا ما لا يجب عليهم، وأن تكون جبايته للخراج كما يرسم له وترك الابتداع فيما يعاملهم به، والمساواة بينهم في مجلسه ووجهه حتى يكون القريب والبعيد، والشريف والوضيع عنده في الحق سواء [١٧] . وأما قاعدة الملاءمة والاقتصاد فتقضيهما المصلحة العامة التي يترسمها الشارع أينما وجدت، فقد روعي في تحصيل الضرائب الإسلامية وموعد جبايتها أكثر الأوقات ملاءمة للدافعين تيسيرا لهم ورحمة بهم. وكانت الضرائب الإسلامية لا تكلف الدولة في النفقات على جبايتها إلا الشيء القليل، الأمر الذي يختلف عما تسير عليه كثير من الدول في العصر الحاضر حيث تعين لجمع الضرائب عددا من الكتبة، والمحصلين، والمراجعين وغيرهم ممن يمكن الاستغناء عن بعضهم وليس هناك حاجة لبقائهم. والشروط التكميلية التي أضافها بعض علماء المالية نجدها أيضا متحققة فيما جاء به التشريع الإسلامي، فاشترط أن تكون الضريبة في صافي الدخل لا في أصول المال هذا الشرط مراعى في كل الضرائب الإسلامية.

стр. 9621

فمن شروط الزكاة أن يكون المال الذي تجب فيه ناميا، وأن يحول عليه الحول الذي هو مظنة إنتاجه وإثماره، ومظنة لأن يكون أداء الزكاة منه من الثمرة لا من الأصل والخراج لا يؤخذ إلا من أرض أمكن زرعها، بل يروى عن الإمام مالك ﵀ أنه لا يجبى إلا من أرض مزروعة بالفعل، أما إذا ترك ربها زرعها ولو مختارا فلا يؤخذ منها الخراج، وإنما شرط زرعها، أو إمكان زرعها لتكون الضريبة من ثمرتها ونمائها والعشر، ونصف العشر في الزكاة إنما يؤخذان من الثمر والزرع بعد بدوّ صلاحه واشتداده. فمبادئ العدالة والاقتصاد، واليقين، والملاءمة، وغير ذلك مما ذكره علماء المالية والاقتصاد كل ذلك متحقق في النظام الضريبي في الإسلام، مما يدل على أنه نظام بلغ الغاية في الدقة، وتوخى العدالة ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ . وقد سبق التشريع الإسلامي إلى تقرير مبدأ يعتبر من المبادئ الأساسية في علم الضرائب وهو مبدأ عدم تعدد الضرائب، وشرح فقهاء الإسلام حدود هذا المبدأ فقالوا: لا يجوز إيجاب زكاتين في حول واحد، وبسبب واحد. ومما يلاحظ في أمر الضرائب الإسلامية، أن الإسلام لم يكتف ببيان أحكام الضريبة، بل حرص على التدقيق في اختيار رجال الضرائب الذين يقومون بجمعها ممن تجب عليهم، لأن العدالة في نظر الإسلام ليست في سَنِّ التشريع فقط بل هي مراعاة في حسن تطبيقه، ولذلك نرى القاضي أبو يوسف في كتابه "الخراج"يولي عناية كبيرة لمتولي جباية الخراج، ويدقق في أمر من يختار لهذه الوظيفة.

стр. 9622

يقول أبو يوسف مخاطبا لهارون الرشيد الذي طلب منه وضع كتاب يسير على هديه في السياسة المالية للدولة يقول: "ورأيت يا أمير المؤمنين أن تتخذ قوما من أهل الصلاح والدين، والأمانة، فتوليهم الخراج، ومن وليت منهم فليكن عالما مشاورا لأهل الرأي، عفيفا لا يطلع الناس منه على عورة، ولا يخاف في الله لومة لائم، ما حفظ من حق وأدى من أمانة احتسب به الجنة، وما عمل به من غير ذلك خاف عقوبة الله فيما بعد الموت..."إلى أن قال: "وتقدم إلى من وليت ألا يكون عسوفا لأهل عمله، ولا محتقرا لهم، ولا مستخفا بهم، ولكن ليلبس لهم جلبابا من اللين يشوبه بطرف من الشدة والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم" [١٨] . هذا وإن العدل في الضرائب الإسلامية، وإحاطتها بالشرائط الاقتصادية كان من أقوى الأسباب التي ساعدت المسلمين على فتح البلدان، وتثبيت أقدامهم والتفاف أهل البلاد المفتوحة حولهم، وحبهم لهم، لا سيما البلاد التي كانت تقع تحت سيطرة الرومان والفرس، فقد كان أهل تلك البلاد يئنون من وطأة الضرائب الفادحة، والمعاملة القاسية التي كانوا يعيشون فيها. وأصدق شاهد على ذلك ما روى البلاذري: أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة "اليرموك"ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج، وقالوا: "قد شغلنا عن نصركم والدفع عنكم، فأنتم على أمركم"، فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم"، ونهض اليهود فقالوا: "والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد"، فأغلقوا الأبواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من اليهود والنصارى [١٩] . فالرومان والفرس كانوا قد أرهقوهم بالضرائب، وحملوهم مالا يطيقون، ولم يرحموا أحدا، ولم ينقذ الناس من ظلمهم إلا الفتح الإسلامي الذي كان عدلا ورحمة لجميع الناس.

стр. 9623

وهذه الضرائب الإسلامية التي تحدثنا عنها من زكاة، وجزية، وغنائم، وخراج، وعشور، كانت تمثل أهم موارد بيت المال المسلمين (خزانة الدولة الإسلامية) مضافا إليها ما يعثر عليه من معادن وركاز والتركات التي لا وارث لها، ومال الضوائع وكل مال لا يعرف له مالك فمآله إلى بيت مال المسلمين. وقد يسأل بعض الناس قائلا: إذا كان دخل الخزانة العامة للدولة الإسلامية منحصرا في هذه الموارد، فهل تجيز الشريعة الإسلامية فرض ضرائب أخرى إذا لم تف هذه الموارد بحاجة الدولة الإسلامية؟ والجواب على ذلك: نص كثير من علماء الإسلام على أنه لا مانع من فرض ضرائب عادلة إذا دعت لذلك ضرورة ملحة، وليس في بيت المال ما يكفي لسدها. وقد ذكر ابن العربي المالكي والقرطبي اتفاق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها، ونقلا عن الإمام مالك ﵀ قوله يجب على الناس فداء أسرهم وإن استغرق ذلك أموالهم [٢٠] . ونص الإمام الغزالي والشاطبي على أنه إذا خلى بيت مال المسلمين من المال جاز للإمام - ولي الأمر - أن يفرض على الأغنياء ما يراه كافيا. يقول الشاطبي في الاعتصام: "إذا قررنا إماما مطاعا مفتقرا إلى تكثير الجنود لسد الثغور، وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم فللإمام إذا كان عدلا أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم - أي الجند - في المال إلى أن يظهر مال بيت المال".

стр. 9624

ثم يبين الإمام الشاطبي أن هذا الأمر لم ينقل عن أهل الصدر الأول، لأن ما في بيت المال كافيا لسد نفقات الدولة، لكثرة الإيرادات، والقصد في المصروفات فكانت رواتب العمال والولاة لا تتجاوز حد الكفاية، والجند يكفيهم القليل والخلفاء أنفسهم كانوا متعففين عن أموال المسلمين، وكان ولاتهم على الأمصار والأقاليم متمسكين بدينهم يحذرون الإسراف في مال الدولة، ولا يضيعون مال الجباية في غير المصالح العامة، ولذلك حسنت حالة الدولة المالية، ولم تكن بها حاجة إلى فرض ضرائب يقول الشاطبي: "وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين، لاتساع بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى ووجه المصالح هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك النظام بطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدله، فالذين يحذرون الدواهي لو تنقطع عنهم الشوكة، يستحقرون بالإضافة إليها أموالهم كلها، فضلا عن اليسير منها، فإذا عوض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق بهم، يأخذ البعض من أموالهم فلا يتمارى في ترجيح الثاني على الأول، وهو مما يعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد". ونفس هذا المعنى ذكره الإمام الغزالي في كتابيه شفاء العليل والمستصفى [٢١] . ويقول ابن حزم في كتابه المحلى: "إنه يجب على أغنياء كل بلدة أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر، والصيف، وعيون المارة" [٢٢] .

стр. 9625

هذا وإن ما ذكرته من بعض أوجه الشبه بين النظام الضريبي في الإسلام والنظم الضريبية في عصرنا الحاضر لم أقصد منه عقد مقارنة بين ما جاء به الإسلام وما عرف في العصر الحديث، فإن هذا الباب واسع، وإنما أردت أن أبيّن أن الإسلام بتعاليمه السمحة، وتشريعاته الحكيمة، كان له فضل السبق في كثير مما يظنه الناس أنه وليد الحضارة الحديثة. وقد كانت السياسة المالية التي انتهجها الإسلام سياسة رشيدة عادلة حققت الخير الكثير للمجتمع الإسلامي في صدر الإسلام، ولمن كانوا يعيشون في ظله الوارف من غير المسلمين. وما أحوج المسلمين اليوم في أن يعودوا إلى تعاليم دينهم ليتمسكوا بها حتى يكونوا كما وصفهم الله جل شأنه بأنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله. والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى أقوم طريق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. -------------------------------------------------------------------------------- [١] انظر ج٥ من صحيح البخاري مع شرحه للقسطلاني ص٦٥٤ ط دار الطباعة العامرة مصر. [٢] التوبة الآية ١٠٣. [٣] سورة المعارج الآية: ٢٤/٢٥. [٤] التوبة الآية: ٦٠. [٥] سورة التوبة الآية: ٢٩. [٦] انظر ما جرى بين عمر ومجلس الشورى من حوار في كتاب الخراج لأبي يوسف ص٢٩/٣١/ ط السلفية. [٧] انظر كتاب الاستخراج في أحكام الخراج لابن رجب الحنبلي ص/٧ ط أولى. [٨] انظر الخراج لأبي يوسف ص٤٢. [٩] الحديث أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة وأبو داود انظر ج٤ من معالم السنن للخطابي بذيل مختصر السنن للمنذري ص٢٤٨. [١٠] انظر كتاب الأموال لأبي عبيد ص٧١/٧٢ ط امبابي بالقاهرة. [١١] انظر ج٥ من معالم السنن للخطابي ص/٢٤٨. [١٢] انظر ج٨ من نيل الأوطار للشوكاني ص/١٧ ط الحلبي.

стр. 9626

[١٣] انظر سورة الأنفال الآية: ٤١. [١٤] تنسب هذه المبادئ إلى أحد كتاب القرن الثامن عشر وهو آدم سميث، ويرجعها بعضهم إلى غيره وفات هؤلاء أن الإسلام وضع هذه المبادئ والتزامها فيما فرضه من الضرائب. [١٥] انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص٤٣ ط السلفية. [١٦] المصدر السابق ص٤٣/٤٤. [١٧] انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص١٢٧/١٢٨ المطبعة الحلبية. [١٨] انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص١٢٧/١٢٨ وط السلفية. [١٩] أنظر فتوح البلدان للبلاذري ص١٤٣/٤٤/ط الأولى. [٢٠] انظر ج١ من أحكام القرآن لابن العربي ص٥٩/٦٠ وج٢ من تفسير القرطبي ص٢٢٣ ط الأولى دار الكتب. [٢١] انظر شفاء الغليل للإمام الغزالي ص٢٣٦/٣٧/ط بغداد تحقيق د. الكبيسي وج١ من المستصفى ص٣٠٣. [٢٢] انظر ج٦ من كتاب المحلى لابن حزم ص١٥٦ ط منير.

стр. 9627

الدولة الإسلامية الأولى تأسيسها وعوامل نجاحها د. محمد السيد الوكيل وكيل كلية الحديث. ١- الهجرة: أمعن أهل مكة في اضطهاد المؤمنين، وزادوا في تعذيبهم، وسدوا المسالك في وجوههم، فلم يعد أمامهم سبيل إلى النجاة إلا بترك بلادهم وأموالهم وعزم المسلمون المعذبون على أن يشتروا عقيدتهم بما يملكون من متاع الدنيا، وأن يضحوا في سبيلها بكل شيء، ولو كان ذلك الشيء هو الوطن الغالي على النفوس ولو كان هذا الشيء هو الأهل الذين هم أعز شيء في الدنيا على الإنسان، ذلك لأن الأرض، والناس الذين يعيشون عليها لم تعد وطن المؤمن، ولا سكانها أهله فقد جعل الإسلام معالم جديدة للوطن والأهل، وتركزت تلك المعالم في قلوب المؤمنين. لقد أصبح وطن المؤمن هو العقيدة التي يؤمن بها، وأصبح أهل المؤمن وإخوانه هم أولئك الذين يعتنقون تلك العقيدة، ويشاركونه سراءه وضراءه، إن عقيدة المؤمن أعز عليه من الأرض والأهل، وما الأرض؟؟ إنه يستطيع أن يجدها في كل مكان يحل فيه، وما الأهل؟ إنه سيجد في إخوانه المسلمين عوضا عمن فارق من الأهل، ولكنه لن يجد عوضا عن عقيدته إذا فقدها. من أجل هذا ضحى المسلمون بالوطن والأهل والمال والولد فرارا بدينهم وعقيدتهم ولكن إلى أين يتجهون؟ فليذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يضام من نزل بجواره وكانت الحبشة هي وجهة القوم، وهناك وجدوا الأمن والسلام، وراحة الجسم وهدوء البال، ولكنهم مع ذلك لم يجدوا بغيتهم، فليست الغاية من الهجرة الخلود إلى الراحة واقتناص فرص الأمن والطمأننية، وإنما هي خطوة إيجابية لنشر الدعوة، وتثبيت العقيدة، وإقامة الدولة التي هي أمل المؤمنين، وليست أرض الحبشة ميدانا لهذا العمل الجليل، لقد خبروها بأنفسهم، وعاشوا فيها بطاقاتهم، فلم يجدوا فيها من الدلائل ما يبشر باستعدادها لتحتضن تلك الدولة، وتمنحها فرص الحياة.

стр. 9628

لقد ثار أهلها على النجاشي لما سمعوا منه ما يدل على تصديقه للرسول ﷺ فكيف يسمحون بنشر الدعوة وإقامة الدولة؟؟ لا بد من البحث عن مكان صالح يلجأ إليه المهاجرون. وكان موسم الحج، وكان لقاء العقبة، وسنحت يومئذ الفرصة فاهتبلها المسلمون، وأرسل رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ﵁ مع أهل يثرب يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، وفتحت يثرب ذراعيها للوافدين من المؤمنين. ٢- عقبات في الطريق: لم يرض أهل مكة أن يخرج المسلمون منها إلى أي مكان ولو تركوا أموالهم وديارهم، لذلك وضعوا العقبات في طريق المهاجرين، وحالوا بينهم وبين ما يريدون، واستعملوا في منعهم شتى الحيل. فعندما أراد صهيب بن سنان الهجرة تصدوا له، وقالوا: "أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك"، فقال لهم صهيب: "أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ " قالوا: "نعم"، قال: "فإني جعلت لكم مالي". وهذا عياش بن أبي ربيعة، هاجر، وبلغ المدينة، ولكن أهله لم يسكتوا على ذلك، فخرج في إثره أبو جهل ابن هشام، وأخوه الحارث بن هشام - وكان عياش ابن عمهما وأخوهما لأمهما - فلما قدما المدينة احتالا عليه، وقالا: "إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك"، فانخدع عياش بحيلتهما رغم نصيحة عمر بن الخطاب ﵁ له وسار معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق أوثقاه وربطاه، وعادا به إلى مكة وفتناه، ودخلا به مكة نهارا موثقا، وقالا: "يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا". ولما أراد أبو سلمة أن يهاجر رحل بعيره، وحمل عليه زوجته ومعها ابنها سلمة وهم بالخروج فرآه قوم أم سلمة، فقالوا له: "هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ ".

стр. 9629

ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا منه زوجه، فلما رأى قوم أبي سلمة ذلك قالوا: "لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا"، وتجاذبوا الصبي حتى خلعوا يده، وانطلق به رهط أبي سلمة. وهكذا تشتت الأسرة، قوم أم سلمة حبسوها عندهم، ومنعوها من الخروج مع زوجها، وقوم أبي سلمة أخذوا الصبي الصغير عندهم نكالا في أم سلمة، وأبو سلمة ذهب وحده مهاجرا إلى المدينة [١] . وإننا لنرى في هذه الأمثلة محاولات مستميتة لصد المؤمنين عن الهجرة، لا حبا لهم، ولا إشفاقا عليهم من وحشة الغربة وآلامها، ولكن لفتنتهم وصدهم عن سبيل الله، ولكن هيهات، فقد صمم المؤمنون على الفرار بدينهم، والتضحية بكل غال وعزيز لديهم حتى يبلغوا غايتهم. وصل المهاجرون إلى المدينة تباعا، وهاجروا جامعات وفرادى، ورسول الله ﷺ مقيم في مكة ينتظر أمر ربه، وحين أذن له في الهجرة اصطحب أبا بكر ﵁ وودعا مكة، وسارا إلى المدينة، ودخلاها في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى [٢] وبدت الشمس في كبد السماء [٣] . واستقبل الأنصار رسول الله ﷺ وصاحبه ﵁ ومن قبلهما المهاجرين من المسلمين بالحفاوة والتكريم، وأحلوهم من أنفسهم محل التبجيل والتوقير، وآثروهم على أنفسهم، وقاسموهم لقمة العيش، وعوضوهم عما فقدوا برا ومحبة وإخلاصا. ٣- اسم جديد ليثرب: سكن رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وكانت تعرف عند العرب بيثرب، ولم يرض رسول الله ﷺ بهذا الاسم، وكأنه لمح فيه معنى التثريب - وهو اللوم والتوبيخ - فغير اسمها وسماها المدينة. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد".

стр. 9630

والمعروف عند المؤرخين المسلمين أن يثرب ليس اسما للمدينة، وإنما هو اسم لقرية كانت تقع في الشمال الشرقي لجبل سلع بينه وبين وادي قناة، وهي المنطقة التي كان يسكنها جماعات من العرب العماليق قبل مجيء اليهود. يقول السمهودي: "ونزل جمهورهم - أي اليهود - بمكان يقال له يثرب بمجتمع الأسيال مما يلي زغابة" [٤] . ويقول ابن النجار: "يثرب اسم أرض، ومدينة النبي ﷺ في ناحية منها" [٥] ، ويروي عن ابن زبالة أنه قال: "لو كانت يثرب أم قرى المدينة ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف، وما بين المال الذي يقال له البرناوي إلى زبالة" [٦] . ولعل إطلاق اسم يثرب على المدينة تغليبا للاسم لأنه كان اسم أكبر قرية في المنطقة كما نقل ابن زبالة. والذي يظهر لي أن اسم المدينة ليس اسما جديدا على يثرب، وإنما هو اسم أطلق عليها من قديم الزمان، يقول الدكتور جواد علي: "وعرفت بالمدينة كذلك من كلمة (مدينتا) الإرمية التي تعني (مدينة) في عربيتنا"، ثم يقول: "ويظهر أنها عرفت بمدينة يثرب، على نحو ما وجدنا في كتاب (اصطيفان البيزنطي) ثم اختصرت فقيل لها (مدينتا) أي (المدينة) ولما نزل بها الرسول عرفت بمدينة الرسول في الإسلام" [٧] . ويزعم صاحب الرحلة الحجازية أن اسم يثرب تحريف عن الاسم المصري القديم (أثربيس) كما أن (طيبة) أطلق على المدينة نقلا عن طيبة المصرية والذي دعاه إلى ذلك هو اعتقاده بأن اليهود هم الذين أطلقوا عليها الاسمين، وهم نقلوهما من مصر عند خروجهم منها في زمن موسى ﵇. والتحقيق الذي ذكرته لاسم يثرب يتعارض مع ذلك، لأن اليهود قدموا الحجاز والبلدة معروفة باسم يثرب، كما أن اسم طيبة لم يعرف إلا بعد تسمية الرسول لها بذلك الاسم، ولهذا لم يطلق اسم طيبة عليها في المصادر القديمة التي ذكرتها قبل الهجرة.
следующие страницы →