← Джавами‘

Джавами‘ · id 4473

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

[١٣] انظر سورة الأنفال الآية: ٤١. [١٤] تنسب هذه المبادئ إلى أحد كتاب القرن الثامن عشر وهو آدم سميث، ويرجعها بعضهم إلى غيره وفات هؤلاء أن الإسلام وضع هذه المبادئ والتزامها فيما فرضه من الضرائب. [١٥] انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص٤٣ ط السلفية. [١٦] المصدر السابق ص٤٣/٤٤. [١٧] انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص١٢٧/١٢٨ المطبعة الحلبية. [١٨] انظر كتاب الخراج لأبي يوسف ص١٢٧/١٢٨ وط السلفية. [١٩] أنظر فتوح البلدان للبلاذري ص١٤٣/٤٤/ط الأولى. [٢٠] انظر ج١ من أحكام القرآن لابن العربي ص٥٩/٦٠ وج٢ من تفسير القرطبي ص٢٢٣ ط الأولى دار الكتب. [٢١] انظر شفاء الغليل للإمام الغزالي ص٢٣٦/٣٧/ط بغداد تحقيق د. الكبيسي وج١ من المستصفى ص٣٠٣. [٢٢] انظر ج٦ من كتاب المحلى لابن حزم ص١٥٦ ط منير.

стр. 9627

الدولة الإسلامية الأولى تأسيسها وعوامل نجاحها د. محمد السيد الوكيل وكيل كلية الحديث. ١- الهجرة: أمعن أهل مكة في اضطهاد المؤمنين، وزادوا في تعذيبهم، وسدوا المسالك في وجوههم، فلم يعد أمامهم سبيل إلى النجاة إلا بترك بلادهم وأموالهم وعزم المسلمون المعذبون على أن يشتروا عقيدتهم بما يملكون من متاع الدنيا، وأن يضحوا في سبيلها بكل شيء، ولو كان ذلك الشيء هو الوطن الغالي على النفوس ولو كان هذا الشيء هو الأهل الذين هم أعز شيء في الدنيا على الإنسان، ذلك لأن الأرض، والناس الذين يعيشون عليها لم تعد وطن المؤمن، ولا سكانها أهله فقد جعل الإسلام معالم جديدة للوطن والأهل، وتركزت تلك المعالم في قلوب المؤمنين. لقد أصبح وطن المؤمن هو العقيدة التي يؤمن بها، وأصبح أهل المؤمن وإخوانه هم أولئك الذين يعتنقون تلك العقيدة، ويشاركونه سراءه وضراءه، إن عقيدة المؤمن أعز عليه من الأرض والأهل، وما الأرض؟؟ إنه يستطيع أن يجدها في كل مكان يحل فيه، وما الأهل؟ إنه سيجد في إخوانه المسلمين عوضا عمن فارق من الأهل، ولكنه لن يجد عوضا عن عقيدته إذا فقدها. من أجل هذا ضحى المسلمون بالوطن والأهل والمال والولد فرارا بدينهم وعقيدتهم ولكن إلى أين يتجهون؟ فليذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكا لا يضام من نزل بجواره وكانت الحبشة هي وجهة القوم، وهناك وجدوا الأمن والسلام، وراحة الجسم وهدوء البال، ولكنهم مع ذلك لم يجدوا بغيتهم، فليست الغاية من الهجرة الخلود إلى الراحة واقتناص فرص الأمن والطمأننية، وإنما هي خطوة إيجابية لنشر الدعوة، وتثبيت العقيدة، وإقامة الدولة التي هي أمل المؤمنين، وليست أرض الحبشة ميدانا لهذا العمل الجليل، لقد خبروها بأنفسهم، وعاشوا فيها بطاقاتهم، فلم يجدوا فيها من الدلائل ما يبشر باستعدادها لتحتضن تلك الدولة، وتمنحها فرص الحياة.

стр. 9628

لقد ثار أهلها على النجاشي لما سمعوا منه ما يدل على تصديقه للرسول ﷺ فكيف يسمحون بنشر الدعوة وإقامة الدولة؟؟ لا بد من البحث عن مكان صالح يلجأ إليه المهاجرون. وكان موسم الحج، وكان لقاء العقبة، وسنحت يومئذ الفرصة فاهتبلها المسلمون، وأرسل رسول الله ﷺ مصعب بن عمير ﵁ مع أهل يثرب يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين، وفتحت يثرب ذراعيها للوافدين من المؤمنين. ٢- عقبات في الطريق: لم يرض أهل مكة أن يخرج المسلمون منها إلى أي مكان ولو تركوا أموالهم وديارهم، لذلك وضعوا العقبات في طريق المهاجرين، وحالوا بينهم وبين ما يريدون، واستعملوا في منعهم شتى الحيل. فعندما أراد صهيب بن سنان الهجرة تصدوا له، وقالوا: "أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك والله لا يكون ذلك"، فقال لهم صهيب: "أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلون سبيلي؟ " قالوا: "نعم"، قال: "فإني جعلت لكم مالي". وهذا عياش بن أبي ربيعة، هاجر، وبلغ المدينة، ولكن أهله لم يسكتوا على ذلك، فخرج في إثره أبو جهل ابن هشام، وأخوه الحارث بن هشام - وكان عياش ابن عمهما وأخوهما لأمهما - فلما قدما المدينة احتالا عليه، وقالا: "إن أمك قد نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك"، فانخدع عياش بحيلتهما رغم نصيحة عمر بن الخطاب ﵁ له وسار معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق أوثقاه وربطاه، وعادا به إلى مكة وفتناه، ودخلا به مكة نهارا موثقا، وقالا: "يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا". ولما أراد أبو سلمة أن يهاجر رحل بعيره، وحمل عليه زوجته ومعها ابنها سلمة وهم بالخروج فرآه قوم أم سلمة، فقالوا له: "هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ ".

стр. 9629

ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوا منه زوجه، فلما رأى قوم أبي سلمة ذلك قالوا: "لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا"، وتجاذبوا الصبي حتى خلعوا يده، وانطلق به رهط أبي سلمة. وهكذا تشتت الأسرة، قوم أم سلمة حبسوها عندهم، ومنعوها من الخروج مع زوجها، وقوم أبي سلمة أخذوا الصبي الصغير عندهم نكالا في أم سلمة، وأبو سلمة ذهب وحده مهاجرا إلى المدينة [١] . وإننا لنرى في هذه الأمثلة محاولات مستميتة لصد المؤمنين عن الهجرة، لا حبا لهم، ولا إشفاقا عليهم من وحشة الغربة وآلامها، ولكن لفتنتهم وصدهم عن سبيل الله، ولكن هيهات، فقد صمم المؤمنون على الفرار بدينهم، والتضحية بكل غال وعزيز لديهم حتى يبلغوا غايتهم. وصل المهاجرون إلى المدينة تباعا، وهاجروا جامعات وفرادى، ورسول الله ﷺ مقيم في مكة ينتظر أمر ربه، وحين أذن له في الهجرة اصطحب أبا بكر ﵁ وودعا مكة، وسارا إلى المدينة، ودخلاها في يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى [٢] وبدت الشمس في كبد السماء [٣] . واستقبل الأنصار رسول الله ﷺ وصاحبه ﵁ ومن قبلهما المهاجرين من المسلمين بالحفاوة والتكريم، وأحلوهم من أنفسهم محل التبجيل والتوقير، وآثروهم على أنفسهم، وقاسموهم لقمة العيش، وعوضوهم عما فقدوا برا ومحبة وإخلاصا. ٣- اسم جديد ليثرب: سكن رسول الله ﷺ وأصحابه المدينة، وكانت تعرف عند العرب بيثرب، ولم يرض رسول الله ﷺ بهذا الاسم، وكأنه لمح فيه معنى التثريب - وهو اللوم والتوبيخ - فغير اسمها وسماها المدينة. روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس، كما ينفي الكير خبث الحديد".

стр. 9630

والمعروف عند المؤرخين المسلمين أن يثرب ليس اسما للمدينة، وإنما هو اسم لقرية كانت تقع في الشمال الشرقي لجبل سلع بينه وبين وادي قناة، وهي المنطقة التي كان يسكنها جماعات من العرب العماليق قبل مجيء اليهود. يقول السمهودي: "ونزل جمهورهم - أي اليهود - بمكان يقال له يثرب بمجتمع الأسيال مما يلي زغابة" [٤] . ويقول ابن النجار: "يثرب اسم أرض، ومدينة النبي ﷺ في ناحية منها" [٥] ، ويروي عن ابن زبالة أنه قال: "لو كانت يثرب أم قرى المدينة ما بين طرف قناة إلى طرف الجرف، وما بين المال الذي يقال له البرناوي إلى زبالة" [٦] . ولعل إطلاق اسم يثرب على المدينة تغليبا للاسم لأنه كان اسم أكبر قرية في المنطقة كما نقل ابن زبالة. والذي يظهر لي أن اسم المدينة ليس اسما جديدا على يثرب، وإنما هو اسم أطلق عليها من قديم الزمان، يقول الدكتور جواد علي: "وعرفت بالمدينة كذلك من كلمة (مدينتا) الإرمية التي تعني (مدينة) في عربيتنا"، ثم يقول: "ويظهر أنها عرفت بمدينة يثرب، على نحو ما وجدنا في كتاب (اصطيفان البيزنطي) ثم اختصرت فقيل لها (مدينتا) أي (المدينة) ولما نزل بها الرسول عرفت بمدينة الرسول في الإسلام" [٧] . ويزعم صاحب الرحلة الحجازية أن اسم يثرب تحريف عن الاسم المصري القديم (أثربيس) كما أن (طيبة) أطلق على المدينة نقلا عن طيبة المصرية والذي دعاه إلى ذلك هو اعتقاده بأن اليهود هم الذين أطلقوا عليها الاسمين، وهم نقلوهما من مصر عند خروجهم منها في زمن موسى ﵇. والتحقيق الذي ذكرته لاسم يثرب يتعارض مع ذلك، لأن اليهود قدموا الحجاز والبلدة معروفة باسم يثرب، كما أن اسم طيبة لم يعرف إلا بعد تسمية الرسول لها بذلك الاسم، ولهذا لم يطلق اسم طيبة عليها في المصادر القديمة التي ذكرتها قبل الهجرة.

стр. 9631

وحيث ثبت بالتحقيق العلمي أن البلدة عرفت من قديم الزمان باسم يثرب، كما عرفت باسم المدينة فيما نقله الدكتور جواد عن اصطيفان البيزنطي فإن معنى هذا، أن الرسول ﷺ يكون قد نهى عن تسميتها يثرب لما فيه من معنى التوبيخ واللوم، وأقر تسميتها المدينة على ما كانت عليه، وزاد على ذلك فسمى سكانها الأنصار، وسماها طيبة وطابة [٨] . ٤- عوامل نجاح الدعوة في المدينة: لم تأخذ الدعوة الإسلامية وضعها الطبيعي في مكة، ولم تهيأ لها الظروف التي تستطيع فيها أن تأخذ طريقها إلى قلوب الناس، وذلك لأن أهل مكة حسدوا رسول الله ﷺ على ما آتاه من فضله، وقالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [٩] ودفعهم هذا الحسد إلى الوقوف في وجه الدعوة وصرف الناس عنها بالإيذاء والتعذيب تارة، وبافتراء التهم والأكاذيب تارة أخرى. وعاش المسلمون في مكة أصعب فترة في حياتهم، عاشوا مهددين في أرواحهم محرومين من حقوقهم، يتوقعون نزول الموت أكثر مما يأملون من الحياة، وكان هذا الموقف من المشركين من أكبر العوامل على توقف تيار الدعوة في مكة، وأعظم مؤثر في صد الناس عنها، حتى كانت القبائل ترد رسول الله ﷺ حين يعرض عليها الإسلام بقولها: "أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك" [١٠] . وعلى العكس من موقف أهل مكة كان موقف أهل المدينة من الدعوة الجديدة، فقد تهيأت في المدينة الظروف، واستعدت النفوس لقبول الدعوة وتوفرت الدواعي التي مهدت لاستقرار الدين في القلوب. فلم يكد رسول الله يعرض نفسه ويشرح دعوته للنفر الذين قدموا من المدينة حتى اشرأبت له الأعناق، وتطلعت إليه القلوب، وأقبل عليه أهل المدينة مخافة أن يسبقهم إليه اليهود. وتتلخص عوامل نجاح الدعوة في المدينة فيما يأتي: أ- تهيؤ الأذهان لاستقبال الدين الجديد:

стр. 9632

كان وجود اليهود في المدينة سببا من أسباب تهيئة الجو، وإعداد النفوس لتقبل الدين الجديد، فقد كانوا أهل كتاب، وكانوا ينشرون تعاليم دينهم، ويعيبون الوثنية وأهلها، ويخوفون الناس من يوم تشتد فيه الأهوال، وكانوا كلما توترت الأوضاع بينهم وبين العرب يتوعدونهم بظهور نبي آخر الزمان، وأنه سيبعث بدين سماوي يوافق دينهم، ويكسر الأصنام، ويحارب من يعبدها. كذلك كانت الخصومة بين اليهود وبين الأوس والخزرج سببا آخر من أسباب استعداد العرب للدخول في هذا الدين حيث اليهود يهددون العرب بأنهم سينضمون إلى هذا النبي عند ظهوره، وسيقتلونهم معه قتل عاد وإرم [١١] . لا شك أن تعاليم الدين اليهودي، وترديد ذكر يوم القيامة وما فيه من حساب وعقاب وجنة ونار. والتنديد بالأصنام، والاعتراف بوجود إله واحد لا شريك له، كل ذلك كان تهيئة للنفوس، وشحذا للعقول، ومقدمة جيدة لاستقبال تعاليم الدين الجديد، لأن الذي سيلقى عليها من تعاليمه لا يخرج عن ذلك، فتكون النفوس قد سمعته وألفته. كما كانت الخصومة بين العرب واليهود سببا من أسباب حرص العرب على الدخول في الإسلام فلم يكد رسول الله يعرض الإسلام على النفر الذين قدموا من المدينة للحج، ويدعوهم إلى الإسلام حتى قال بعضهم لبعض: "يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي تهددكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه"فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام [١٢] . ب- سيطرة الأوس والخزرج على المدينة: كان الأوس والخزرج قبل الإسلام قد سيطروا على الأوضاع الداخلية في المدينة، حيث تغلبوا على اليهود، وأخضعوهم لسلطانهم ورضي اليهود بالعيش معهم كموال لهم، وبذلك أصبح موقف الأوس والخزرج في المدينة موقف السيد المسيطر، فهم لا يخافون أحدا، بل ولا يحسبون لأحد حسابا إذا عزموا على فعل شيء.

стр. 9633

وكان نجاح الأوس والخزرج السياسي، وتسلطهم على مقاليد الأمور في يثرب سببا قويا من أسباب نجاح الدعوة الإسلامية فيها حيث دخلها الإسلام على أيد قوية، تملك التصرف في شئونها، وتستطيع أن تقرر مصيرها دون أن ترجع إلى غيرها في ذلك، وبقبول الأوس والخزرح واستجابتهم لما دعاهم إليه رسول الله ﷺ يكون الإسلام قد دخل المدينة من باب واسع، لا يزاحمه فيه شيء، ولا يستطيع أحد أن يعترض على دخوله إليها، أو يقف في طريق المؤمنين به. وبذلك تكون الفرصة قد تهيأت لأن يستمع الناس للدين الجديد، وأن يتدبروه بعقول حرة لم تكبل بأغلال الظالمين الصادين عن سبيل الله، وكانت نتيجة ذلك أن أقبل الناس على الإسلام، واعتنقه السادة من القوم ودخل فيه المنصفون حتى من اليهود أنفسهم كعبد الله بن سلام ومخيريق. جـ - حرب يوم بعاث: دامت الحرب بين الأوس والحزرج زمنا طويلا، بدأت بحرب سمير وانتهت بحرب يوم بعاث، وقدر بعض المؤرخين الفترة التي دامت فيها تلك الحروب بمائة وعشرين عاما [١٣] . هذه الحروب أكلت قوة القوم، وذهبت بالكثير من رؤسائهم حتى لم يبق من الحيين سوى أفراد لم تكن لهم منزلة الزعماء السابقين ومكانتهم في قومهم، فقد كان هؤلاء الزعماء الذين أهلكتهم الحرب معتزين بشخصياتهم، كما كانوا موضع احترام وإجلال من أفراد قبائلهم، وكانت لهم الكلمة العليا في البلاد لا ينازعهم الرأي أحد ولا يتطلع إلى السيادة دونهم إنسان.

стр. 9634

ولقد كان من المحتمل أن يكون هؤلاء الزعماء عقبة في الطريق إسلام قومهم كما كان زعماء مكة حين صدوا المستضعفين عن الدخول في الإسلام، وليس أدل على ذلك من موقف أبي الحيسر أنس بن رافع أحد زعماء الأوس، فإنه قد ذهب إلى مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف مع قريش على قومهم من الخزرج، ولما سمع بهم رسول الله ﷺ ذهب إليهم وكلمهم، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذ: "أي قوم، هذا والله خير مما جئتم له"، عندئذ أخذ أبو الحيسر حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: "دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا" [١٤] . هذا موقف لأحد زعماء الأوس، أعرض فيه عن الإسلام، ومنع غيره من الحديث عنه، ولا شك أن غيره لن يكون أقل منه صدودا وإعراضا، لأنهم كانوا يحرصون على المحافظة على مراكزهم القيادية بين قبائلهم، ويرفضون أن ينازعهم فيها أحد. وموقف آخر لزعيم من زعماء الخزرج - عبد الله بن أبي بن سلول - يحرض قومه على طرد المسلمين من المدينة، فيقول: "هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم". وبلغ رسول الله ما قال ابن أبي، فغضب وسار بالقوم في وقت ليس من عادته أن يسير فيه، فكلمه أسيد بن حضير في ذلك، فقص عليه مقالة ابن أبي، فقال أسيد: "يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا" [١٥] . إن حرب بعاث قد قضت على هؤلاء الزعماء من الفريقين؛ ولم يبق هناك سوى زعماء من الطبقة الثانية، وهؤلاء قد اصطلوا بنار الحرب، وذاقوا ويلاتها، وسئموها وإنهم ليفكرون في الانتظام تحت قيادة رجل منهم، ولم يكن هناك غير عبد الله بن أبي وقد عزموا على أن يتوجوه، ويجتمعوا عليه.

стр. 9635

بالقضاء على هؤلاء الزعماء، تمهد الطريق للإسلام، وبتبرم النفوس من حياة الحرب والخوف والقلق، وتطلعها إلى حياة آمنة مستقرة كان كل شيء قد تهيأ ليستقبل الإسلام والمسلمين. د - الإيمان العميق: ويتوج هذه الأسباب كلها ذلك الإيمان العميق الذي ملأ قلوب المهاجرين والأنصار على حد سواء، فقد كانوا واثقين بوعد الله لهم، وكانت المحنة التي عاشها المهاجرون تضاعف الإيمان في قلوبهم، لأنهم يعلمون أن هذا الطريق لا يمكن أن يكون ممهدا سهلا، فحياة الأنبياء كلها مشقات، حياة المصلحين كلها عقبات، وما داموا قد عزموا على السير في طريقهم، فلا بد لهم أن يتحملوا مثل تحملهم حتى تكون العاقبة لهم. بهذا الإيمان العميق هاجر المسلمون من مكة، وبمثل هذا الإيمان استقبلهم الأنصار في المدينة، وبهذه العقيدة الراسخة ودعوا بلادهم وضحوا بالأموال والأولاد وبمثل هذه العقيدة الراسخة عوضهم الأنصار كل ما فقدوا فآثروهم بالأموال، وهيأوا لهم حياة الأمن والاطمئنان. وكانت الأوضاع في المدينة قد تهيأت لقبول الدين الذي حمله إليهم المهاجرون، إن الإيمان العميق والعقيدة الراسخة يجعلان صاحبهما أقدر على تحمل التبعات والنهوض بأعباء الرسالة التي آمن بها، إنهم بالإيمان صبروا على أذى المشركين في مكة، وبالإيمان شقوا طريقهم في المدينة، وتحملوا لأواءها حتى قامت على أكتافهم دولة الإسلام. -------------------------------------------------------------------------------- [١] ابن هشام (١/٤٦٨-٤٦٩) . [٢] مختصر السيرة (١٧٣) . [٣] ابن هشام (١/٤٩٢) . [٤] وفاء الوفا (١/١٦١) . [٥] أخبار مدينة الرسول ص١٢. [٦] نفسه. [٧] المفصل (٤/١٣٠) . [٨] مسلم بشرح النووي (٩/١٥٥- ١٥٦) . [٩] الزخرف الآية: ٣١. [١٠] مختصر السيرة ص١٤٩. [١١] ابن هشام (١/٤٢٩) .

стр. 9636

[١٢] ابن هشام (١/٤٢٩) . [١٣] وفاء الوفاء (١/٢٥٠) . [١٤] ابن هشام (١/٤٢٧-٤٢٨) . [١٥] نفسه (٢/٢٩١-٢٩٢) .

стр. 9637

كيف نجا المسلمون من عاصفة المغول والتتار المدمِّرة؟ د. جاد محمد رمضان رئيس قسم التاريخ بالجامعة الحمد لله العلي القدير والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسوله البشير النذير، أما بعد: فإن الذي يتتبع أحداث التاريخ يجد أن المسلمين تعرضوا لأخطار جسيمة وأحداث أليمة وأن هذه الأخطار وتلك الأحداث كانت تعتريهم إذا ما ابتعدوا عن دينهم وتفرقت كلمتهم واختلفت أهواؤهم، فإذ عادوا إلى دينهم واتفقت كلمتهم وتوحدت آراؤهم نجاهم الله من الخطر ومنحهم النصر والأمن وهيأ لهم أسباب الرخاء والسعادة. ومن الأخطار التي تعرض لها المسلمون غارة المغول والتتار على بلادهم في القرن السادس الهجري. من هم المغول والتتار: المغول والتتار قبائل من الترك البدو كانوا يسكنون الجزء الشرقي من بلاد التركستان وما يليها شرقا من بلاد الصين في العصور الوسطى، ويذكر مؤرخوا الترك ونسابوهم أن ألنجة خان أحد ملوك الترك ولد له في الأزمنة القديمة ولدان توأمان هما مغول خان وتتار خان وقد تفرعت منهما قبائل المغول والتتار. وقد عاش أولادهم في صفاء مدة طويلة ثم حدث نزاع بينهما تغلب فيه التتار أولا وصارت لهم السيادة مدة طويلة ثم اتحدت قبائل المغول وحاربت التتار وهزمتهم وانتزعت منهم السيادة وظل الملك متوارثا فيهم إلى عهد بيسوكا بهادر والد جنكيز خان. وقد ولد جنكيز خان سنة ٥٤٩ هـ ولما بلغ الثالثة عشرة من عمره توفي أبوه وانفض أكثر قبائل المغول من حوله لصغر سنه فلما بلغ مبلغ الرجال ظهرت مواهبه السياسية والعسكرية فجمع قبائل المغول حوله وسنّ لهم قانونا يسيرون على هديه ويحكمون بمقتضاه ووحد صفوفهم واستعان بهم على توسيع ملكه. أسباب غزو المغول للبلاد الإسلامية:

стр. 9638

ذكر المؤرخون أسبابا متعددة لغزو المغول للبلاد الإسلامية وقيل إن من بين هذه الأسباب أن الخليفة الناصر لدين الله العباسي (٥٧٥-٦٢٢هـ) كتب إلى جنكيز خان يستنجد به على خوارزم شاه علاء الدين محمد سلطان الدولة الخوارزمية الذي اتجه بجيوشه إلى بغداد يريد فرض سيطرته عليها بالقوة [١] . ونحن نستيعد ذلك لأن خليفة المسلمين لا يستعين بوثني على مسلم مهما كان الأمر. أما السبب المباشر لاجتياح المغول الوثنيين مملكة خوارزم شاه فهو طمع والي أحد ثغورها على نهر سيحون في أموال جماعة من التجار المغول كانوا قد جاءوا إلى هذا الثغر سنة ٦١٥هـ ومعهم أموال طائلة. وقد تذرع الوالي للاستيلاء على أموال هؤلاء التجار باتهامهم بالتجسس لحساب جينكيزخان وكتب إلى شاه خوارزم بذلك فأمره بقتلهم وكانوا نحو أربعمائة كما أمره بالاستيلاء على ما معهم من التجارة وكان شيئا كثيرا فنفذ أمر الشاه واستولى على تلك التجارة وباعها لتجار بخارى وسمرقند وقبض ثمنها. ولما بلغ ذلك جينكيزخان استشاط غضبا وأرسل رسولا إلى خوارزم شاه يطلب إليه تسليم هذا الوالي ليقتص منه فارتكب خوارزم شاه غلطة أخرى وقتل رسول خان المغول [٢] . وبذلك أتاح لجنكيزخان فرصة مهاجمة أملاكه ودفعه الغرور إلى البدء بالعدوان فجمع جيشه وهاجم حدود التركستان الغربية مما يلي مملكته، ولم يكن على حدود بلاد المغول حامية قوية لأن جينكيزخان وجيشه كانوا في مهمة داخل الأمبراطورية، ولم يكن على الحدود سوى عدد قليل من النساء والأطفال ومع ذلك لم يتمكن ذلك المغرور من التغلب عليهم وعاد بخفّي حنين [٣] .

стр. 9639

أدرك خوارزم شاه خطأه وأحس أنه عرَّض دولته لخطر الغزو المغولي وأتاح لجينكيزخان الطامع في التوسع فرصة أخرى لاجتياح مملكته واستولى عليه الفزع فأمر سكان المدن القريبة من الحدود بالجلاء عنها خوفا من بطش المغول وكانت هذه المدن من أخصب بلاد الدولة وأكثرها حدائق وبساتين فهجرها سكانها وتركوها قفرا موحشة ولم يدر أنه بعمله هذا قد أخلى الطريق أمام الغزاة ومهد لهم سبيل الوصول إلى داخل مملكته. ولما بلغ جينكيزخان خبر هجوم خوارزم شاه على أطراف أمبراطوريته عاد على رأس جيشه مسرعا إلى حدود الدولة الخوارزمية وأعد العدة لغزوها في أواخر سنة ٦١٦هـ وعبر نهر سيحون واجتاز الحدود بسهولة وواصل سيره نحو الغرب حتى وصل إلى أبواب مدينة بخارى وكانت حاميتها عشرين ألفا فلم تقو على الصمود في وجهه وولت مدبرة فدخلت جموع المغول المدينة وأسلمتها للنهب وفرّ من أمكنه الفرار من أهلها ومن لم يتمكن من الفرار ضرب عنقه. وقد اتخذ جينكيزخان من مساجد بخارى التي كانت عامرة بالتقى والعلم والأدب مرابض لخيله ووصف نفسه بأنه لعنة الله سلطها على خلقه عقوبة لهم على خطاياهم [٤] . واصلت جيوش المغول سيرها نحو سمرقند في المحرم ٦١٧هـ وأنزلت بها ما نزل ببخارى وكان خوارزم شاه معسكرا غربي نهر جيحون يستعد للدفاع عن بلاده وصد تلك العاصفة المدمرة التي هبت عليها من الشرق فأرسل جينكيزخان عشرين ألفا من جيشه في طلبه فلما اقتربت تلك الفرقة من معسكر خوارزم شاه فرّ نحو الغرب يقصد نيسابور فتبعه إليها فغادرها إلى مازندران فطارت وراءه وما زال ينتقل من مكان إلى مكان وهي في أثره حتى لجأ إلى قلعة له على جزيرة بحر الخزر فتحصن بها هو وأتباعه وتوفي بعد ذلك بفترة قصيرة [٥] . ولما رأى المغول حصانة القلعة يئسوا من اقتحامها وعادوا إلى مدينة مازندران فاستولوا عليها ثم سقطت في أيديهم مدن الري وهمذان ومرو وغيرها من المدن.

стр. 9640

أما جينكيزخان فإنه أقام بمدينة سمرقند بعد فتحها وأرسل جيشا تحت إمرة أحد أبنائه إلى مقاطعة خراسان فاستولى على جميع مدنها بسهولة ولم يتعرض لأهلها بسوء غير أنه كان يأخذ الرجال ليسخرهم في خدمة الجيش. ولم يمض سوى فترة قصيرة حتى بسط المغول سيطرتهم على بلاد فارس وكان جينكيزخان أرسل جيشا آخر إلى بلاد القفجاق فدانت له في أسرع وقت [٦] . وتوفي جينكيزخان سنة ٦٢٤ بعد أن اتسعت امبراطوريته اتساعا عظيما ولما أحس بدنو أجله قسم إمبراطوريته بين أبنائه الأربعة والذي يعنينا منهم تولوي خان الابن الرابع لجنكيزخان الذي خصه أبوه بحكم خراسان وما يؤمل فتحه من ديار بكر والعراق. المغول يطرقون أبواب العراق: تمكن تولوي خان من بسط نفوذه على بقية الإمارات الفارسية حتى وصل إلى حدود العراق وتوفي سنة ٦٥٤هـ فخلفه ابنه هولاكوخان الذي طمع في توسيع رقعة ملكه على حساب الدولة العباسية وأخذ يتلمس الأسباب لتحقيق غرضه فأرسل إلى الخليفة العباسي المستعصم بالله (٦٤٠-٦٥٦هـ) يدعوه لمساعدته على حرب الحشاشين [٧] ، ولكن الخليفة لم يلب الطلب فاتخذها هولاكوخان ذريعة لمهاجمة بغداد وأرسل إليه إنذارا سنة ٦٥٥هـ يطلب منه هدم حصون بغداد وردم الخنادق التي حولها وأن يسلم البلاد لابنه ويحضر لمقابلته أو يرسل من ينوب عنه فإن أجاب إلى ذلك نال رضى خان المغول وأبقى على دولته وجيشه ورعيته وإن لم يصغ للنصح فليستعد للحرب [٨] .

стр. 9641

أعاد الخليفة رسل المغول الذين حملوا إنذار سلطانهم إليه بعد أن زودهم بالهدايا والتحف وبعث معهم وفدا على رأسه شرف الدين بن الجوزي يحمل رده على السلطان المغولي، فاتجه الوفد ومعه رسل المغول إلى همذان حيث كان السلطان يعسكر هناك فلما ترجم لهولاكوخان ردّ الخليفة الذي كان ينطوي على التهديد المشفوع بالرغبة في المسالمة أغضبه ما فيه من تهديد [٩] وحمّل رسل الخليفة إنذارا ثانيا بمهاجمة بغداد فسلم الرسل الإنذار إلى الوزير مؤيد الدين بن العلقمي الذي سلمه بدوره إلى الخليفة فاستشاره الخليفة فيما ينبغي أن يفعله لدرء هذا الخطر فأشار عليه الوزير بإرسال مبلغ كبير من المال وكثير من الهدايا والتحف إلى هولاكو مع الاعتذار عما ورد في رده عليه من عبارات التهديد والموافقة على الدعاء له في خطبة الجمعة ونقش اسمه في السكة [١٠] . ونحن نشك كثيرا في الجزء الأخير من هذه المشورة إذ كيف يطلب الوزير المسلم من الخليفة الدعاء لهولاكو على المنابر ونقش اسمه على السكة وهو وثني باعتراف رشيد الدين نفسه الذي يذكر عنه في نفس مؤلفه ص٣٣٧ أنه بنى معابد للأصنام في مدينة (خوى) مما يجعلنا نستبعد أن يكون ذلك من بين ما أشار به وزير الخليفة إلا إذا كان ذلك من قبيل التقية والتحايل للخروج من المأزق بإرضاء هولاكو ليصرفه عن غزو بغداد ولو مؤقتا حتى تتهيأ للخليفة أسباب القوة ويتمكن من الصمود له وحماية رعيته من بطشه. وقد مال الخليفة إلى الأخذ برأي وزيره ولكن منافسي الوزير اتهموه بممالأة المغول فعدل الخليفة عن العمل بمشورته وأرسل إليه رسالة جاء فيها: "فقو قلبك ولا تخافن تهديد المغول ووعيدهم فإنهم رغم كونهم أرباب دولة وأصحاب شوكة إلا أنهم لا يملكون سوى الهوس في رؤوسهم والريح في أكفهم"فاضطرب الوزير لعدم فهم الخليفة للموقف وأيقن أن دولة العباسيين قاب قوسين أو أدنى من الزوال [١١] .

стр. 9642

اجتمع الوزير وقادة الجند وأعيان بغداد وأخذوا يعدون الجيوش للدفاع عنها أما الخليفة فإنه أرسل هدية بسيطة مع أحد القضاة إلى هولاكو وحمله رسالة جاء فيها: "لو غاب عن الملك فله أن يسأل المطلعين على الأحوال إذ إن كل ملك - حتى هذا العهد - قصد أسرة بني العباس ودار السلام بغداد كانت عاقبته وخيمة ومهما قصدهم ذووا السطوة من الملوك وأصحاب الشوكة من السلاطين فإن بناء هذا البيت محكم للغاية وسيبقى إلى يوم القيامة. استشاط هولاكو غضبا من رسالة الخليفة وصمم على مهاجمة بغداد. وفي المحرم سنة ٦٥٦هـ حاصر هولاكو بغداد فدافع جيش الخليفة عنها ولكنه لم يقو على الصمود لجيش المغول فسقطت المدينة في أديهم آخر الشهر. وقد أجمل ابن طباطبا ما نزل بأهل بغداد في قوله: "فجرى من القتل الذريع والنهب العظيم والتمثيل البليغ ما يعظم سماعه جملة فما الظن بتفصيله". وكان ما كان ما لست أذكره فظن ظنا ولا تسأل عن الخبر [١٢] وأصبحت بغداد التي كانت مضرب الأمثال في سعة العمران وتقدم الحضارة قفرا موحشة وتراكمت جثث القتلى في شوارعها فغيرت رائحتها وحدث بسبب هذا التغير وباء شديد راح ضحيته خلق كثير. وفرّ بنفسه من أمكنه الفرار من أهل المدينة إلى بلاد الشام أما الخليفة ومعظم أفراد أسرته فقد خرجوا إلى هولاكو ولكنه أمر بقتلهم بعد أيام ولم يترك سوى الابن الأصغر الذي يقال إنه تزوج بعد ذلك من امرأة مغولية وأنجب منها ولدين [١٣] .

стр. 9643

ويتهم كثير من المؤرخين ابن العلقمي الشيعي بتحريض هولاكو على غزو بغداد انتقاما من العباسيين الذين أساءوا معاملة الشيعة خصوصا في الأيام الأخيرة لحكم المستعصم عندما هاجم أهل السنة بتحريض من أبي بكر بن الخليفة حيّ الكرخ الذي كان يسكنه الشيعة ونهبوه وقتلوا كثيرا من أهله [١٤] ، ولكن ابن طباطبا العلوي يتنفي تلك التهمة عن ابن العلقمي مستدلا بأن هولاكو أبقاه في منصبه ولو كان خائنا ما وثق به [١٥] . ومع أن ابن طباطبا قد يتهم بالتحيز لأنه شيعي مثل ابن العلقمي إلا أن حجته قد يؤيدها الواقع لأن العاعدة جرت بأن من ارتكب الخيانة من أجله هو أول من يحذر الخائن ويفقد الثقة به ويزدريه اللهم إلا أن يقال إنه أبقاه لينتفع بخبرته مع حذره منه ومراقبته له ومات ابن العلقمي بعد ثلاثة أشهر فخلفه ابنه ولكنه لحق بأبيه بعد قليل. ومهما يكن من أمر فقد كانت هذه هي نهاية الدولة العباسية بعد أن حكمت معظم بلاد العالم الإسلامي خمسة قرون وربع قرن تقريبا وازدهرت في عصرها الحضارة الإسلامية ازدهارا ظل حتى اليوم مضرب الأمثال في الشرق والغرب. المماليك يحمون البلاد الإسلامية من غارات المغول: أرسل هولاكو بعد استيلائه على بغداد كتائب من جيشه استولت على بقية مدن العراق ثم اتجه على رأس جيشه لفتح بلاد الشام وكانت مقسمة إلى إمارات يحكمها أمراء من الأيوبيين وحاصر مدينة حلب وفتحها سنة ٦٥٧هـ وأباحها لجنده سبعة أيام يقتلون وينهبون أما القلعة فإنها قاومت أربعين يوما وأسر المغول كثيرا من مهرة الصناع ونقلوهم إلى عاصمة ملكهم لينتفعوا بفنهم ويستفيدوا من خبرتهم [١٦] .

стр. 9644

ثم اتجه هولاكو على رأس جيشه إلى مدينة حارم الواقعة في الجنوب الغربي لمدينة حلب وحاصرها وطلب من أهلها تسليمها فأبوا أن يسلموها لغير فخر الدين والي قلعة حلب فاستدعاه هولاكو وسلموها إليه ولكن هولاكو غضب من ذلك وأمر بقتلهم فقتلوا جميعا وسبيت نساؤهم [١٧] . ولما سمع أهل دمشق بما حلّ بإخوانهم من أهل حلب وحارم أرسلوا وفدا من الأعيان إلى هولاكو يعلنون الخضوع والولاء وتسليم المدينة فأمنهم على حياتهم ثم اضطر بعد ذلك إلى العودة إلى فارس حيث بلغه موت أخيه وغادر الشام في جمادى الآخرة سنة ٦٥٨هـ وترك جيشه تحت قيادة الأمير كيتوبوغا نويان ليحمي بلاد الشام ويتم فتح ما بقي من مدنها ثم يتجه إلى مصر. وكان يحكم مصر إذ ذاك السلطان المنصور علي بن معز الدين أيبك أول سلاطين دولة المماليك البحرية وكان المنصور علي في الخامسة عشرة من عمره فجمع نائب السلطنة الأمير سيف الدين قطز مجلسا من الأمراء والعلماء وأعيان الدولة في أواخر سنة ٦٥٧هـ للنظر في أمر السلطنة وجمع المال اللازم للتجهيز لصد تيار المغول عن مصر واتفقت الكلمة على خلع المنصور علي لصغر سنه وتولية سيف الدين قطز السلطنة والاستعداد لصد موجة المغول عن مصر [١٨] . وكان الملك الناصر يوسف الأيوبي صاحب حلب قد أرسل إلى مصر الصاحب كمال الدين المعروف بابن العديم يستنجد بها لصد تيار المغول المدمر فوصل إليها في أواخر أيام المنصور علي وحضر المجلس الذي قرر عزله ولما استقر لسيف الدين قطز ردّ على رسالة الملك الناصر بأنه سيصل إلى الشام على جناح السرعة لنجدته وعاد ابن العديم يحمل رد السلطان المظفر قطز [١٩] .

стр. 9645

أخذ السلطان يجمع الرجال والأموال والسلاح ويستعد لصد المغول وأدرك أن مهمته على جانب كبير من الخطورة فالشعب الذي سيواجه به المغول قد استولت عليه الرهبة واستبد به الخوف من هول ما سمعه عن فظائع المغول ووحشيتهم وسفكهم للدماء وتخريبهم للديار فضعف روحه المعنوي عن الجرأة على الوقوف في مهب هذا الإعصار المهلك. ولم يوهن من عزم قطز أو يضعف من تصميمه على الخروج لمنازلة المغول ما سمعه من أقوال المرجفين ولم يأبه بما احتج به الداعون إلى الانتظار داخل الحدود المصرية حتى يدخل إليها المغول ونادى بالنفير العام للجهاد في سبيل الله ودرب المتطوعين على فنون القتال في وقت قصير جدا ولم يكد ينتهي من مهمته حتى اقترب المغول بقيادة كيوبوغانيان من حدود مصر [٢٠] . موقعة عين جالوت الفاصلة: اتجه السلطان قطز على رأس جيش كثير العدد إلى بلاد الشام في أوائل رمضان سنة ٦٥٨هـ وكانت الخطة التي رسمها هي أن يقابل المغول في أرض الشام وألا ينتظر قدومهم إلى مصر وكان يهدف من وراء ذلك إلى أمرين: الأول: انتهاز فرصة البدء بالقتال التي كان المغول يحرصون على انتهازها أولا ليضعفوا الروح المعنوي في نفوس أعدائهم. الثاني: لقاء المغول خارج أرض مصر حتى لا تكون ميدانا للحروب وعرضة للتدمير والتخريب. وقد أرسل السلطان أمام قواته طليعة من الفرسان بقيادة ركن الدين بيبرس وعند بلدة الصالحية [٢١] انضمت الكتائب الشامية التي كانت قد جاءت إلى مصر فارة من وجه المغول إلى الجيوش المصرية.

стр. 9646

وصلت طلائع الجيوش المصرية إلى غزة وأرغمت المغول على التخلي عنها ودخلها الأمير بيبرس على رأس فرسانه، ولم يكن المغول يتوقعون أن يصل المصريون إليهم بهذه السرعة فلما رأوا الجحافل الإسلامية قد ملأت السهول والأودية اضطروا إلى إخلاء جنوب الشام وأشار بعض ضباطهم على قائدهم كيتوبوغا نويان بطلب النجدة من السلطان هولاكو ولكنه اغتر بقوته وخدع بانتصاراته السابقة ولم يعمل بمشورتهم. سارت الجيوش الإسلامية من غزة متجهة إلى الشمال ومحاذية ساحل البحر الأبيض ومرت بيافا وقيسارية إلى جبل الكرمل جنوب حيفا وعند قرية ((عين جالوت)) الواقعة بين بيسان ونابلس دارت المعركة الفاصلة بين الجيش الإسلامي وجيش المغول في ٢٥ من رمضان سنة ٦٥٨هـ. بدأت المعركة بهجوم عنيف من المغول فتراجعت ميْسَرَة الجيش الإسلامي وإذا بنداء يدوّي في ساحة المعركة ((وا إسلاماه وا إسلاماه وا إسلاماه)) فاتجهت الأنظار إلى مصدر الصوت فإذا المنادي هو السلطان نفسه فالتهب حماس الجيش وعادت الميسرة إلى مكانها الأول وحمل الجيش الإسلامي حملة صادقة على جيش المغول حتى هزمهم هزيمة ساحقة ومزقهم شرّ ممزق وخرّ قائدهم كيتوبوغا صريعا في الميدان واعتصمت طائفة منهم بالتل المجاور لمكان الموقعة فأحدقت بهم العساكر المسلمة وصابروهم على القتال حتى قتلوا معظمهم وفرّ الباقون لا يلوون على شيء وقتل الأهالي الموتورون من المغول من وقع في أيديهم من هؤلاء الفارين [٢٢] . وبعد انتهاء الموقعة اتجه السلطان قطز إلى دمشق فقوبل بحفاوة بالغة من أهلها لأنه صدّ هذه الموجة العاتية التي اجتاحت بلادهم وأنزلت بهم صنوف البلايا وقد أمر السلطان بشنق الذين تعاونوا مع المغول وعيّن حاكما على دمشق من قبله [٢٣] .

стр. 9647

أما بيبرس فإنه تعقب المنهزمين من المغول حتى كاد أن يلحق بهم على مقربة من مدينة حلب ولكنهم أطلقوا من كان في أيجديهم من الأسرى وتركوا أولادهم وأسرعوا خفافا حتى لا يلحق بهم فتخطف الناس أولادهم ودانت حلب بالطاعة لسلطان مصر. نتيجة الموقعة: لو قدر للمغول أن ينتصروا في موقعة ((عين جالوت)) لانسابوا في مصر كالسيل الجارف ولامتدت موجتهم إلى السودان وبلاد المغرب وعبرت إلى الأندلس واجتاحت أوربا وقضت على الحضارة الإسلامية والمسيحية على السواء لذلك تعتبر هذه الموقعة من أهم المواقع الفاصلة في التاريخ لأنها أنقذت العالم الإسلامي من شر مستطير وأطفأت هذه الصاعقة المهلكة التي كادت أن تقضي على حضارة العالم ومدنيته. علاقة المغول بالمماليك بعد موقعة عين جالوت: كانت علاقة المغول بالمماليك بعد موقعة عين جالوت عدائية تارة وودية تارة أخرى وكان أشد خطر هددت به مصر من جانب المغول في عهد سلطانهم تيمور لنك الذي نظم جموع المغول واتجه على رأسها نحو الغرب وأعاد سيطرة المغول على بغداد ٧٩٥هـ. وفي ٨٠٣هـ انقض على بلاد الشام انقضاض الصاعقة واستباح مدينة حلب ثلاثة أيام وقتل من سكانها نحو عشرين ألفا وخرّب مساجدها ثم اجتاح مدن حماه وحمص وبعلبك وعاث فيها فسادا. وصلت أخبار هذه الطائفة المغولية المدمرة إلى القاهرة فخرج السلطان الناصر فرج بن برقوق منها على رأس جيشه متجها نحو الشام ووصل إلى دمشق في جمادى الأولى من السنة نفسها واشتبك الجيش الإسلامي مع جيش المغول في معارك حزئية ثبت فيها الجيش الإسلامي أمام هجمات المغول الشديدة وبرهن على مقدرته الحربية.

стр. 9648

ثم بدأت مفاروضات الصلح بين الطرفين غير أن السلطان فرج اضطر إلى مغادرة الشام لإحباط مؤامرة في مصر دبرت لخلعه فرأى علماء دمشق وفقهاؤها ومعهم ابن خلدون المؤرخ العربي المشهور رأوا أنه لامناص من التماس الأمان والصلح مع تيمور لنك فتظاهر بإجابة ملتمسهم ولكنه غدر بهم وأسلم المدينة للنيران [٢٤] . وبعد أن عاد الناصر فرج إلى القاهرة أرسل رسالة شديدة اللهجة إلى إلى تيمور لنك يخبره فيها أنه عائد إلى الشام ليطرده منها وأنه لم يترك الميدان خوفا منه ولا ضعفا عن منازلته ولكن أمورا داخلية اضطرته إلى الرجوع إلى عاصمة ملكه وأنه سوف يعود إلى ميدان القتال بمجرد انتهاء مهمته في القاهرة. وقد أشعلت هذه الرسالة نار الحقد في نفس تيمور لنك فصمم على الانتقام. ولكنه غادر الشام قبل أن ينفذ ما صمم عليه، ولا يستبعد المستشرق الألماني ((بروكلمان)) أن يكون تيمورلنك قد تذكر بطولة جيش مصر في مقاومة جيش هولاكو وسحقه فأراد أن لا يعرض جيشه لما تعرض له جيش المغول على عهد هولاكو [٢٥] . وقبل أن يغادر تيمورلنك دمشق نقل صفوة علمائها ونخبة من صناعها وأهل الفن فيها إلى عاصمته ((سمرقند)) فبدأت الصناعات الدقيقة والفنون الجميلة تزدهر هناك وانحطت الصناعة في دمشق، وندرت الفنون الجميلة. ولم يقدر لتيمورلنك أن يعود إلى بلاد الشام مرة أخرى فقد أمضى العامين التاليين في غزو آسيا الصغرى وتمكن من هزيمة السلطان العثماني با يزيد الأول وأسره وشغل بذلك عن مهاجمة الشام ولم تمهله المنية حتى يحقق هذه الأمنية حيث توفي سنة ٨٠٧هـ وبعد موته ضعف جانب المغول ولم يعد يخشى على البلاد الإسلامية منهم بل هدى الله الأجيال التالية منهم إلى الإسلام وجعلهم أنصارا له. ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .

стр. 9649

-------------------------------------------------------------------------------- [١] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج٣ ص١٣٦. [٢] ابن الأثير: الكامل ج١٢ ص١٥٠. [٣] الخضري: محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية ج٢ ص٤٧١. [٤] ابن الأثير: الكامل ج١٢ ص١٥١. [٥] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج٣ ص١٢٧. [٦] الخضري: محاضرات في تاريخ الدول الإسلاميةج٢٨ ص٤٧٤. [٧] الحشاشون جماعة من الباطنية سموا بذلك لاستعمالهم مادة الحشيش المخدرة في التأثير على بسطاء العقول حتى يطيعوهم طاعة عمياء، ومؤسس هذه الجماعة الحسن بن الصباح الذي يرجح أنه من أصل فارسي رحل إلى مصر في شبابه أثناء حكم الفاطميين لها وتلقى فيها تعاليم الباطنية ثم عاد إلى وطنه لنشرها هناك، وتمكن سنة ٤٨٣هـ من الاستيلاء على قلعة الموت القريبة من بحر قزوين واتخذها وكرا له ولأتباعه ثم اتخذت هذه الجماعة أوكارا لها في بلاد الشام فيما بعد. [٨] رشيد الدين المهداني: تاريخ المغول (الترجمة العربية) مجلد ٢ ج١ ص٢٦٧-٢٦٩. [٩] ابن طباطبا: الفخر الرازي في الآداب السلطانية ص٢١٦. [١٠] رشيد الدين: تاريخ المغول (الترجمة العربية) مجلد ٢ ج١ ص٢٧٢. [١١] رشيد الدين: تاريخ المغول مجلد٢ ج١ ص٢٧٢. [١٢] الفخري في الآداب السلطانية ص٢٤٧. والمعروف أن الشطر الثاني فظن خيرا ولا تسأل عن السبب. فتصرف فيه ابن طباطبا بما يناسب الغرض الذي ساق البيت من أجله حيث لا مجال لظن الخير في هذا الموقف. [١٣] رشيد الدين: تاج المغول مجلد ٢ ج١ ص٢٩٤. [١٤] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج٣ ص١٩٣،١٩٤. [١٥] الفخري ص٢٤٩. [١٦] رشيد الدين: تاريخ المغول مجلد ٢ ج١ ص٣٠٥-٣٠٧. [١٧] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج٣ ص٢٠٣. [١٨] ابن إياس: بدائع الزهور وروائع الدهور ج٢ ص٩٤-٩٥.

стр. 9650

[١٩] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج٣ ص١٩٩. [٢٠] أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ج٧ ص٧٧ و٧٨. [٢١] الصالحية: إحدى قرى مركز فاقوس بمحافظة الشرقية بالوجه البحري بمصر أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب ٦٤٤هـ. [٢٢] أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ج٧ ص٧٩،٨٠. [٢٣] أبو الفدا: المختصر في أخبار البشر ج٢ ص٢٠٦-٢٠٧. [٢٤] ابن عرب شاه: عجائب المقدور في أخبار تيمور ص١٠٢ وما يليها. [٢٥] تاريخ الشعوب الإسلامية (الترجمة العربية) ج٣ ص٣٠.

стр. 9651

نماذج أخرى من الدعاة الصالحين (الحلقة الثالثة) لفضيلة الشيخ أبو بكر الجزائري رئيس قسم التفسير بالجامعة أبو بكر الصديق إن عرضنا لهؤلاء النماذج من الدعاة الصالحين لم يكن المقصود منه استيفاء كل كمال كانوا عليه، في حياتهم فإن ذلك يتطلب منا وقتا وجهدا في حين أن الجانب المهم فيما نتوخاه من حياة هؤلاء النماذج الصالحين هو جانب الدعوة إلى الله تعالى، فنعنى بإبرازه ليكون قدوة لنا ومثالا صالحا نحتذيه وننسج على منواله، عسى الله تعالى أن يهبنا بعض ما وهبهم من الإخلاص له في الدعوة لله تعالى والصدق فيها والجد الذي لا يعرف الهزل والعمل الذي لا يعرف الكلل ولا الملل. لقد كانت النماذج الأولى التي استعرضنا جوانب حياة الدعوة فيها هي أعاظم الرسل من أولي العزم عليهم الصلاة والسلام وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين. أما المجموعة الثانية من نماذج الدعاة الصالحين فهي الخلفاء الراشدون الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين. ولنبدأ استعراضنا بأبي بكر الصديق، فمن هو أبو بكر الصديق؟ إنه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي. كني أبي بكر ولقب بالعتيق، والصديق وهما لقبا شرف وكمال فالأول من العتاقة التي هي الحسن والجمال في الوجه، والثاني من الصديقية التي هي أسمى ألقاب الصالحين في الحياة وكأن ذلك لصدقه وتصديقه، فهو أول من آمن من الرجال بالرسول ﷺ وصدقه فيما جاء به وقد قال ﷺ ما معناه -: "ما من أحد عرضت عليه الإسلام إلا وكانت له كبوة إلا أبا بكر ﵁". هذا أبو بكر الصديق بن أبي قحافة من حيث اسمه وكنيته ولقبه ونسبه.

стр. 9652

أما أبو بكر من حيث كمالاته النفسية والخلقية، والتي هي مدار الأسوة للدعاة الناشئين فنستعرض طرفا منها فنقول: إن فضل أبي بكر نتركه للرسول ﷺ وجده يذكره لنا ويقف بنا عليه، فما هناك من هو أصدق من رسول الله، ولا أعرف بأبي بكر منه فلنستمع إلى أعظم بيان في هذا الشأن روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﵊: "إن من أمنِّ الناس عليَّ في صحبته وماله، أبا بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام". إن هذا الخبر الصادق يعلن عن سمو أبي بكر وعلو شأنه بحيث لا ينبغي لأحد أن يطمع في درجة أبي بكر بحال من الأحوال، ولو اكتفينا بذكر هذا الخبر في بيان فضل أبي بكر لكان كافيا، غير أن حبنا للصديق يأبى علينا أن لا نذكر المزيد من فضائله. أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قوله قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن تبع اليوم منكم جنازة؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر أنا، قال فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر أنا، قال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة". وأخرج البيهقي في شعب الإيمان أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم". عفته: ومن كمالات الصديق النفسية والخلقية التي اشتهر بها بين قومه في الجاهلية قبل الإسلام أنه لم يشرب خمرا قط ولم يقل شعرا، وقد روى ابن عساكر عن عائشة ﵂ بسند صحيح قالت: "والله ما قال أبو بكر شعرا قط في جاهليته ولا في إسلامه، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية".

стр. 9653

وهذا دال على كمال الرجل العقلي ومدى ما كان عليه من مروءة تأبى عليه أن يسف في قول أو عمل يتنزه عنهما عظماء الرجال، وهذا الكمال هو الذي رشح أبا بكر الصديق للدعوة إلى الإسلام فدعا أخيار قريش في الجاهلية إلى الإسلام فأجابوه طواعية واختيارا وهم من كانوا من كبار الصحابة وخيارهم فيما بعد كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وغيرهم من رجالات الإسلام بمكة. ذكر ابن عساكر الرواية التالية وأنها مع غرابة سندها لا تتعارض مع حياة الصديق وتطلعاته إلى الكمال حتى في عهد الجاهلية قبل الإسلام قال فيها ابن عساكر: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ : "هل شربت الخمر في الجاهلية؟ "فقال: "أعوذ بالله"، فقيل له: "ولم؟ "قال: "كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر لم يحفظ عرضه وأضاع مروءته وكيف يحفظ مروءته أو يصون عرضه من يفسد عقله فيصبح في حالة سكر لا فرق بينه وبين المجانين إذ قد يقول الهجر ويأتي العهر وهو لا يرى ما قال ولا ما فعل، والعياذ بالله". كمال عقله: إن كمال العقل في المرء مصدر شرفه وينبوع كمالاته ومن أوتي كمال العقل تأهل للعبادة بين الناس وشرف فيهم والسلطان عليهم وإن حظ الصديق من كمال العقل كان وافرا كبيرا، ولنورد تدليلا على ذلك بعض مظاهر ذلك لنشاهد من خلالها كمال عقل الصديق ﵁ فنقول: ١ – إسلامه المبكر الذي لم يسبقه فيه أحد من رجال قريش أبدا بشهادة الكثيرين كعلي بن أبي طالب وزيد بن أرقم وابن عباس وغيرهم وفي ذلك يقول حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ والدعوة الإسلامية ﵁: إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة فاذكر أبا بكر بما فعلا خير البريئة أتقاها وأعدلها إلا النبي وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده وأول الناس منهم صدق الرسلا

стр. 9654

٢ – ثناء الرسول ﷺ في غير موطن من مواطن الشرف والكمال أخرجه البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل أنتم تاركون لي أصحابي؟ إني قلت أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم كذبت!!!! وقال أبو بكر: صدقت!!!! ". وأخرج الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كا فأناه إلا أبا بكر فإن له عندنا يدا يكافئه بها الله يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر" ولننه الحديث عن كمال عقل أبي بكر الصديق بالإشارة إلى أحداث جسام تجلى فيها عقل أبي بكر ورجحانه بما لا تزيد عليه. الأولى: ثباته يوم وفاة الرسول حيث ذهلت العقول، وطاشت الأحلام، وقال عمر ما قال [١] فقام أبو بكر يخطب الناس ويهدئ روعهم، ويسكن من نفوسهم، ويقول: "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وقرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ . الثانية: لما قبض رسول الله ونجم الشر وارتد من العرب وقالوا: نصلي ولا نزكي، أتى عمر ﵁ أبا بكر وقال له: "يا خليفة رسول الله تألف الناس وأرفق بهم وإنهم بمنزلة الوحش"فقال أبو بكر: "رجوت نصرك، وجئتني بخذلانك، وجئتني بخذلانك، جبارا في الجاهلية خوارا في الإسلام؟ بماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات، مضى النبي ﷺ وانقطع الوحي، والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي، وإن منعوني عقالا".

стр. 9655

والثالثة: هي استخلافه عمر بن الخطاب على المسلمين ذلك الاستخلاف الذي لم تر الدنيا خيرا منه قط إلا ما كان من استخلاف رسول الله ﷺ له ﵁، ذلك الاستخلاف الذي بدأه باستشارة خيار أصحاب رسول الله ﷺ واحدا واحدا، فقد استشار عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وسعيد بن زيد أسيد بن حضر في أناس من المهاجرين والأنصار وذلك لما ثقل في مرضه الذي توفي فيه...وقد قال له بعضهم: "ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلاف عمر علينا وقد ترى غلظته؟ ". وقال أبو بكر: "بالله تخوفوني؟ أقول: اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك، أبلغ عني ما قلت من وراءك". ثم دعا عثمان فقال: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجا منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيرا فإن عدل فذلك ظني به، وعلمي فيه، وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته". ثم أمر بالكتاب فختمه، ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما، فبايع الناس ورضوا به. فكان في هذه الخلافة من عز الإسلام وامتداد سلطانه، ونصرة المسلمين وصلاح حالهم ما لم يكن يخطر على بال أحد، فدلت هذه وسابقتاها على ما أوتي أبو بكر من رجاحة العقل، وكماله وكمال العقل ورجاحته من ضروريات الداعي الناجح ومن أخص صفاته الكمالية. شجاعته:

стр. 9656

إن الشجاعة القلبية لا تقل أهمية عن الشجاعة العقلية بالنسبة لدعاة الحق والخير من رجال الدعوات بين الناس، وإذا كان أبو بكر الصديق ﵁ مضرب الأمثال في رجحان العقل وكماله وقد وقفنا على مظاهر ذلك في الكلمة السابقة فإن الصديق كان في باب الشجاعة القلبية مضرب المثل أيضا، ولنكتف في التدليل على ذلك وإثباته ببعض الوقائع فقط إذ لا يخامرنا شك في شجاعة أبي بكر الصديق ولنترك للبزار يذكر لنا في مسنده الحديث الطريف التالي: قال علي ﵁: "أخبروني من أشجع الناس؟ "قالوا: "أنت"، فقال: "أما أنا ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني من أشجع الناس؟ ". قالوا: "لا نعلم، فمن؟ "قال: "أبو بكر الصديق؛ إنه لما كان يوم بدر فجعلنا لرسول الله ﷺ عريشا، فقلنا: من يكون مع رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهرا سيفه على رأس رسول الله ﷺ لئلا يهوي إليه أحد من المشركين، فهو أشجعنا". إن شهادة بطل كعلي طبقت شهرة شجاعته الآفاق لأكبر دليل على شجاعة أبي بكر الصديق وها هو ذا علي مرة أخرى يذكر من شجاعة أبي بكر ما يبهر العقل ويقرر تفوق أبي بكر الصديق على أصحاب رسول الله ﷺ في الشجاعتين العقلية والقلبية قال علي ﵁: "ولقد رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذته قريش، هذا يجبأه (يبغته) وهذا يتلتله (يحركه ويزلزله) وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلها واحدا قال علي: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، فكان يضرب هذا ويجبأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله".

стр. 9657

وأخيرا فقد أخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: "سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ؟ فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى رسول الله النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقا شديدا فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟؟ "إن تقدم أبي بكر لدفع عقبة بن أبي معيط وتخليص رسول الله ﷺ من أذاه ودفع ذلك الشقي عليه لعائن الله على مرأى ومسمع من رجالات قريش المتواطئة على الجريمة بما صنع أخوهم لموقف بطولي ينم عن شجاعة نادرة لمن قام به وهو أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه. جوده وكرمه: إن الجود والكرم من صفات الكمال في الإنسان، وما زالت البشرية منذ أن كانت تقدس هذين الوصفين في الإنسان وتعتبرهما من مظاهر الكمال النفسي في الإنسان. بيد أن أصحاب الدعوات والذين يوقفون حياتهم على نصر دعوتهم، لا مناص من أن يتكلفوا الجود والكرم ويوطنوا له النفس على ذلك حتى يصبح الجود والكرم من أخص صفاتهم إذ الجود والسخاء والكرم وهي صفات ثلاث وإن اختلفت لفظا فإنها متحدة معنى وهي بذل المعروف وتقديم الإحسان والمبالغة في ذلك إلى حد الإيثار على الأهل والولد والنفس، وبذلك يملك الداعي النفوس، ويجذبها إلى محيط دعوته، كما قال الشاعر: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان إن أبا بكر الصديق وهو أحد نماذج الدعاة الصالحين من غير النبيين قد كان مع عفته وكمال عقله وعظم شجاعته جوادا كريما يبذل في سبيل الله، وينفق على نصرة دينه ورسوله ما لا يبذله غيره، وذلك ثابت في السنن.

стр. 9658

وحسبنا من ذلك قول الرسول ﷺ المتقدم: "إن من أمن الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذا غير ربي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام". وأصرح من هذا في بذل أبي بكر في سبيل نصرة رسول الله ودين الله تعالى رواية أحمد عن أبي هريرة إذ فيها قوله ﷺ : "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر ﵁" ولما سمع هذا الثناء العطر من فم رسول الله ﷺ ينحدر كأنه حب الغمام على قلب ظمآن، بكى ﵁ وقال: "هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله! ". وأقوى من هذا أيضا رواية الترمذي عن أبي هريرة وفيها قوله ﷺ : "ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر فإن له يدا يكافئه الله بها يوم القيامة. وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر! ". وتقول الآثار وهي متوافرة بين رجال السلف ونسائهم إن أبا بكر الصديق أسلم وعنده أربعون ألف دينار من ذهب فأنفقها كلها في سبيل الله نصرة لرسول الله وإنقاذا للمعذبين من المماليك المؤمنين كبلال وغيره، وفيه جرى قول الله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى, الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى, وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى, إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى, وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ولا ننسى إن نسينا ما قال أبو قحافة لما هاجر أبو بكر وما صنعت معه حفيدته أسماء بنت الصديق، إذ لو ترك أبو بكر لأهله مالا لما وضعت أسماء الحجارة في كوة المنزل ووضعت عليها منديلا وقالت للشيخ تطمئنه، وتبدد من مخاوفه: "ضع يدك يا جدي على هذا فإنه قد ترك لنا أبو بكر فلم نرزأ في ماله إن رزئنا في نفسه".

стр. 9659

وما دمنا نورد هذه الشواهد لا لندلل بها على كرم أبي بكر فحسب بل لنحيي في نفوسنا ونحن نتهيأ لحمل رسالة دعوة الإسلام هذا الخلق الكريم خلق الجود والسخاء والكرم لضرورة الدعوة والداعي إليه، فإننا سنعرض مسابقة عمر وأبي بكر في هذا المضمار كما رواها أبو داوود والترمذي علنا نخرج منها وقد أشبعت أرواحنا بمعاني البذل في سبيل الله وتهيأت نفوسنا لذلك وأصبحنا بحمد الله نضرب في هذا السبيل بسهم غير قصير ولا قليل. وهذا عرض المسابقة قال عمر ﵁: "أمرنا رسول الله أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي فقلت: اليوم أسبق أبا بكر - إن سبقته يوما - فجئت بنصف مالي فقال لي رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله. وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر ما أبقيت أهلك؟ " قال: "أبقيت لهم الله ورسوله"، فقلت: لا أسبقه في شيء أبدا". انتهت المسابقة كما هو ظاهر بفوز الصديق وسبقه وفضل السبق يظهر في كون المسبوق عمر بن الخطاب أزهد الناس في الدنيا، وأقوى الناس على فعل الحق وقوله والسؤال هو ما نصيبنا نحن من هذا الخلق الضروري للداعي، إنه بإجراء الخاطر على مثل هذه الأمثال لأعاظم الرجال لا نعدم روح الجود ولا نفقد نفسية الكرم وما أنصح به الداعي الناشئ أن يمرن نفسه ويروضها شيئا فشيئا على اكتساب هذه الخلال والاتصاف بهذه المعاني الروحية الكريمة، وأنه لا بد آخذ منها بنصيب غير قليل لا سيما عبد هيأه الله تعالى لدعوة عباده إليه فسوف يمده بكل ما يؤهله لذلك وإنا والحمد لله لواجدون من ذلك أثرا في نفوسنا وإن كان يقل أحيانا ويكثر أخرى. علم أبي بكر ﵁: ومن جود أبي بكر إلى علمه وفقهه ﵁.

стр. 9660

إن الجانب العلمي في حياة الداعي يعتبر من أهم جوانب حياته، إذ بدون العلم بدعوة الله تعالى والفقه في أسرارها والبصيرة في شرائعها وأحكامها، لا يتأتى للمرء مهما كان صادقا مخلصا أن يدعو إلى الله تعالى، ويفيد الناس بدعوته إن من لا يعرف الله تعالى ولا يعرف الطريق الموصل إليه ، ليس من حقه ولا من شأنه الدعوة إليه إذ فاقد الشيء لا يعطيه. ولما كان أبو بكر الصديق ﵁ أحد نماذج الدعاة الصالحين كان لا بد من الكشف عن جانب حياته العلمية والفقهية ليقتدي به في ذلك ويؤتسى، إذ الغرض من دراسة هذه الشخصيات التي لمعت أسماؤها في دنيا الدعوة وازدهرت بدعوتها الحياة هو الاقتداء بهم وتقمص حياتهم، ليكون المقتدي بهم خلفا لهم في دعوتهم، يبلغها كما بلغوها، ويبينها للناس كما بينوها وبذلك تتصل حلقات الدعوة ويستمر هدى الله في الناس. إن أبا بكر الصديق على جانب كبير من العلم والفقه، إذ كان كبار علماء الصحابة يعترفون له بذلك ويعدونه أعلمهم وأفقههم في دين الله تعالى، ولنذكر شواهد ذلك براهين على علم أبي بكر وكماله فيه وعلى فقهه في شرع الله وتفوقه فيه ولما عسانا أن نكتسب من علم أبي بكر وفقهه. ١ – روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ خطب يوما فقال: "إن الله خير عبدا يبن الدنيا، وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله تعالى". فبكى أبو بكر، وقال: "نفديك بآبائنا وأمهاتنا"، وقال أبو سعيد: "فعجبنا لبكاء أبي بكر وقلنا يخير الله عبدا من عباده بين الدنيا وبين ما عنده فيختار ما عنده فيبكي أبو بكر، ولكن لم يلبث حتى عرفنا أن المخيّر هو رسول الله ﷺ ، وأن ذلك كان نعيا لحياة رسول الله ﷺ لنا، فعرفنا أن أبا بكر كان أعلمنا".

стр. 9661

٢- قوله ﵁ في أهل الردة كما في الصحيح: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه". هذا القول منه ﵁ دل على طول باع أبي بكر في العلم وعلى سعة آفاقه في فهم نصوص الشريعة ومعرفة أسرارها. وكيفية وجه الاستنباط منها إذ قال: "الزكاة أخت الصلاة فو الله لأقاتلن من فرق بينهما". واندهش الصحابة لموقف أبى بكر وعلى رأسهم عمر ولكن لم يلبثوا إلا قليلا حتى ظهر لهم الحق واستصوبوا رأي أبي بكر في المسألة وقاتلوا أهل الردة حتى خضعوا للإسلام. ٢- موقفه ﵁ من صلح الحديبية ورضاه به وسكون نفسه إليه في حين اضطرب عمر ﵁ وقال ما لا ينبغي أن يقال إزاء قضاء رسول الله ﷺ وحكمه الأمر الذي جعل عمر يقول: "ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة لكلامي الذي تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيرا". وبيان الحادثة كما في البخاري وسيرة ابن هشام أنه لما التأم الأمر بين الرسول ﷺ وقريش ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ﵁ فأتى أبا بكر ﵁ وقال: "يا أبا بكر أليس برسول الله؟ "قال أبو بكر: "بلى"، قال: "أو لسنا بالمسلمين؟ "قال: "بلى"، قال: "أو ليسوا بالمشركين؟ " قال: "بلى"، قال: "فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ "قال أبو بكر: "يا عمر الزم غرزه، فإني أشهد إنه رسول الله"، قال عمر: "أنا أشهد أنه رسول الله"، ثم أتى رسول الله فقال: "يا رسول الله ألست برسول الله؟ "قال: "بلى"، قال: "أو لسنا بالمسلمين؟ "قال: "بلى"، قال: "أو ليسوا بالمشركين"؟ قال: "فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ "قال: "أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني".

стр. 9662

لقد قارن أهل العلم بين موقف أبي بكر من هذه القضية وبين موقف عمر ﵄ فخرجوا بنتيجة حاسمة ألا وهو فقه أبي بكر وسعة علمه، وأنه أعلم أصحاب رسول الله ﷺ على الإطلاق. وهناك مظاهر كثيرة تجلى فيها فقهه وعلمه ﵁. حسبنا منها قول النبي ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" وقوله في رواية الترمذي: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره". حلمه وتواضعه: وبما أن الحلم والتواضع من مكارم الأخلاق والداعي الصادق في دعوته لا غنى له عنهما بحال من الأحوال، إذ ضد الحلم السفه والطيش ومقابل التواضع الكبر، والعياذ بالله، فمن هنا نذكر بعض مظاهر هاتين الخلتين الكريمتين في أبي بكر الصديق وهو أحد نماذج الدعاة الصالحين بعد الأنبياء المرسلين. فنقول ذكر السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين أن ابن عساكر رحمه الله تعالى أخرج في كتابه أن أنيسة قالت: "نزلت بفناء أبي بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعد ما استخلف، فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن"، إن عملا هكذا أبو بكر الوزير والصاحب الأول والصديق الأوفى لرسول الله ﷺ ، ثم هو خليفة المسلمين كافة يتنازل في تواضع لا نظير له عند أمثاله في دنيا الناس أبدا فيحلب لجواري الحي أغنامهن، إنها لمثل في التواضع لا يسامى فيه أبو بكر ولا يدانى بحال من الأحوال. وأخرج ابن عساكر أيضا عن أبي صالح القفاري أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يتعهد عجوزا كبيرة من النساء عمياء في بعض أطراف المدينة يسقي لها ويقوم ببعض أمرها وذلك من الليل، فكان يأتيها أحيانا فيجد غيره قد سبقه إليها فسقى وقضى حاجتها فحاول عمر أن لا يسبقه فوجده أبا بكر الصديق، والعجب في ذلك أنه كان يفعل ذلك أيام خلافته ﵁ فقال عمر لما تبين له أنه أبا بكر أنت هو لعمري! .

стр. 9663

فهذه كالتي سبقت من مظاهر التواضع الفذ النادر الذي لم يعرف به أحد غير أبي بكر الصديق ﵁ وأخرى فقد روي عنه رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا مُدح يقول: "اللهم أنت أعلم مني أنت أعلم مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيرا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون". هذا عن تواضع أبي بكر ﵁ أما حلمه فالحديث عنه يطول ومن أحلم من أبي بكر؟ أخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال: "جاء الحسن بن علي ﵄ إلى أبي بكر وهو على منبر النبي ﷺ فقال: انزل عن مجلس أبي فقال: صدقت: إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى، فقال علي ﵁: والله ما هذا عن أمري، فقال أبو بكر: صدقت، والله ما أتهمك". إن هذه الحادثة إن تمت على وجهها كما رويت تكشف عن مدى حلم أبي بكر الصديق وتجعله بحق مضرب المثل في الحلم وضبط النفس ورباطة الجأش، وصدق القول وسلامة الصدر ولنستعرض جزئيات الحادثة مفصلة ليتبين لنا وجه الكمال النفسي فيها، ونظهر حقيقة الحلم الذي كان خلق أبي بكر ﵁.

стр. 9664

يجلس أبو بكر على منبر رسول الله ﷺ وهو خليفته في أمته بإشارته ﷺ وإجماع الأمة عليه، فيأتيه من يقول له: انزل من على منبرنا فإنه مجلس أبينا وجدنا فلا يتردد أبو بكر في اعترافه بالحق فيقول: نعم إنه مجلس أبيك ولا يكتفي بدل الغضب بالاعتراف الصريح بل يرفع الغلام المنحني له العاتب عليه في حجره ويبكي وما أبكته كلمة الحسن وإنما أبكاه فراق رسول الله ﷺ ويتفطن أبو الحسن لتصرف ولده الصغير الذي آلمه فقد جده الذي كان يجلس على منبره فيأتيه فيجلسه معه عليه فيقول لأبي بكر: انزل عن مجلس أبي وهي كلمة مثيرة للغاية ولو كانت من صبي صغير لا يعقل، إذ قد يظن أن الغلام مدفوع لأن يقول هذا وهو ما جعل أبا الحسن ﵄ يقول لأبي بكر مقسما له بالله تعالى أن هذا ما صدر عن أمره، وإنما هو من تصرف الحسن فقط، وعرف أبو بكر نفسية ابن عم رسول الله وخاف أن يظن به غير رحابة الصدر وسلامة النية وطيب الطوية فبادر بتصديقه، ونفي التهمة عليه بقوله: صدقت وو الله ما أتهمك. ولنكتف في الاستشهاد على حلم أبي بكر وتواضعه بهذا الذي أسلفنا ونحن نعلم أن كمال أبي بكر النفسي الذي نظمه في سلك الدعاة الصالحين ولا يأتي عليه قول ولا تتسع له الصفحات مهما كبرت وطالت. حسن سياسته:

стр. 9665

إن الكمال النفسي الناجم عن الإيمان الكامل والعلم الواسع والتقوى العامة، يؤهل صاحبه لحسن السياسة وسلامة الحكم وقوة القيادة والحكمة فيها وهذا الذي تم لصديق بحذافيره وبرز فيه وكان مثال الحاكم العادل، والسياسي البارع والقائد المظفر الرشيد ويكفينا شاهدا على كمال أبي بكر في رشده وحسن سياسته، وعظمة قيادته، من عشرات الشواهد والتي من أبرزها إعلان الحرب على المرتدين وقتالهم إلى أن أخضعهم للإسلام وعادوا إليه، وتسيير جيش أسامة الذي عبأه رسول الله ﷺ وحال دون تحريكه وخروجه إلى بلاد الشام مرض رسول الله ﷺ ثم وفاته فإن أبا بكر - والفتنة قائمة والمسلمون في أحرج المواقف وأصعب الأحوال - قد أنفذ جيش أسامة كما أراد الله ورسوله فكان في ذلك من الخير والنصرة للإسلام والعزة ما لا يقدر قدره. أقول يكفينا شاهدا خطبته التي خطبها بعد أن تمت بيعته خليفة لرسول الله ﷺ على المسلمين فقد رسم في تلك الخطبة التاريخية الشهيرة سياسته في الحرب والسلم وفي الحكم والقضاء كما في القيادة والتدبير فقال: "يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له إن شاء الله تعالى والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله تعالى، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله تعالى بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله".
следующие страницы →