Полный текст (23 804 стр.). Показаны 9871–9910 · переход к 9876.
стр. 9871
والعلامة المحقق المحدث الكبير أبو الطيب محمد شمس الحق بن أمير علي العظيم آبادي (١٢٧٣- ١٢١٩ هـ) من كبار محدثي الهند الذين قادوا حركة السنة والسلفية، وأحد نوابغ العصر ممن يشار إليه بالبنان. تلقى العلوم على أساتذة عصره في بلدته وفي لكناؤ ومراد آباد ودهلي. رحل إلى دهلي ولازم السيد نذير حسين المحدث الدهلوي، ثم رجع إلى موطنه سنة ١٣٠٢ هـ. ثم قصد إليه مرة ثانية ولازمه ثلاث سنوات. قرأ عليه الكتب الستة والموطأ والدارمي والدارقطني وتفسير الجلالين بكل روية وتدبر، كما استفاد من الشيخ حسين بن محسن الأنصاري وأسند عنه. ورجع إلى موطنه ديانوان، وعكف عن الدرس والإفادة والتأليف، وقد وهبه الله ملكة راسخة في علوم الكتاب والسنة، وكان مشغوفا بجمع الكتب النادرة القيمة في علوم السنة ونحوها بعد التعليق عليها. وأنفق فيها مالا كثيرا، وله منة عظيمة على أهل العلم وخاصة على طلبة الحديث.
آثاره:
كانت جهوده مرتكزة في خدمة السنة النبوية فمعظم مؤلفاته في السنة منها:
١- غاية المقصود في حل سنن أبي داود: وهذا شرح واسع على السنن لم يطبع منه إلا الجزء الأول فقط قبل سنة ١٢٠٥هـ، وتوجد النسخة الخطية منه بمكتبة خدا بخش، بتنه (الهند) في ثلاثة مجلدات، تنتهي إلى أول كتاب الصلاة، وقد وصل المؤلف في شرحه هذا الكتاب إلى باب في الدعاء للميت إذا وضع في قبره، ولم يمهله الأجل المحتوم لإكماله، وأما ما قال البعض أن غاية المقصود قد أتمه المؤلف في اثنين وثلاثين جزءا فلا يصح. وإنما كان التقدير أن ينتهي الشرح في اثنين وثلاثين جزءا ولكن ما قدر الله اتمامه.
ويمتاز هذا الشرح العظيم بميزات وخصائص نذكر منها بعضها فيما يلي:
كتب المؤلف في أول الجزء المطبوع مقدمة نفيسة تستغرق ثماني عشرة صفحة على القطع الكبير ذكر فيها فوائد شتى تتعلق بالسنن ومؤلفه الإمام أبي داود.
стр. 9872
ثم بسط الكلام في شرح الأحاديث واعتنى بحل مشكلات الحديث وشرح غريبه اعتناء تاما وذكر المسائل الفقهية المستنبطة عنه مع بيان اختلاف المجتهدين وحججهم وتعيين القول الراجح عند المؤلف، وقد تجرد فيه تماما عن التعصب الطائفي فرجح من الأقوال والآراء ما استبان له صوابه واعتضده الدليل.
وكذا ترجم لكل راو في أول موضع جاء ذكره فيه، مع بيان اسمه وكنيته ونسبته ولقبه وقد يكون في إسناد الحديث أو متنه اضطراب فيوضحه ويشرح مراد الإمام أبي داود بقوله، واعتنى بتخريج كل حديث من السنن في آخر شرحه للحديث مع بيان الصحيح والضعيف منه وذكر وجوه التوفيق بين الروايات التي تبدو بادي الرأي مختلفة أو متباينة، وقد أخذ في كثير من المواضع على الأخطاء التي صدرت من شراح السنن وغيرهم وذكر ما هو الصواب. وأخيرا يسوق المؤلف في شرحه جملة من الروايات التي تتعلق بالباب مع ذكر من خرجها من الأئمة مع التمييز بين الصحيح منها والضعيف.
٢- عون المعبود على سنن أبي داود: يقع هذا الشرح في أربعة مجلدات ضخمة طبعت بدهلي (الهند) بين ١٣١٨-١٣٢٣هـ وتوجد نسخة خطية ناقصة منه في مجلدين ضخمين بمكتبة خدا بخش خان (بتنه) .
وقد اشتهر المحدث شمس الحق العظيم آبادي بتأليفه هذا الشرح، إلا أن المجلد الأول منه في الطبعة الأولى قد نشر باسم أخيه الشيخ شرف الحق محمد أشرف العظيم آبادي، والحقيقة أن هذا الشرح من تأليف المحدث شمس الحق وإنما استعان بأخيه وغيره من العلماء أثناء التأليف وهم المحدث عبد الرحمن المباركفوري صاحب تحفة الأحوذي، والشيخ أبو عبد الله إدريس بن أبي الطيب الديانوي، وخال المؤلف الشيخ الحاج عبد الجبار بن الشيخ العالم نور أحمد الديانوي والشيخ القاضي يوسف حسين خان الهزاروي والشيخ محمد الشاه جهانفوري.
стр. 9873
وسبب تأليفه هذا الشرح أنه لما كان يؤلف شرحه الكبير على سنن أبي داود المسمى بغاية المقصود شعر أنه يطول إلى ما لا نهاية له وأن هذا العمل يمكن أن لا يتم في حياته، فشرع في تأليف مختصر ينفع العلماء والطلاب ويعينهم في فهم معاني الأحاديث، وها هو عون المعبود أكمله في سبع سنين.
وهذا الكتاب لا يوجد له مثيل في شروح السنن "وكل من جاء بعده من شيوخ الهند وغيره استمد من شرحه". كما قال الشيخ محمد منير الدمشقي [١٨] .
أما ميزات هذا الشرح فهي نفس خصائص شرحه الكبير غاية المقصود، إلا أن المؤلف سلك فيه مسلك الاختصار ولم يبسط القول في المسائل الخلافية مثل ما بسط في غاية المقصود إلا في بعض المسائل مثل بحث الجمعة في القرى وعدد تكبيرات العيدين ومسئلة التطليقات الثلاث، والصلاة على الميت الغائب، وتعليم الكتابة للنساء وحديث المجدد والتجديد وتحقيق معناه، وشرح حديث أمارات الساعة وتحقيق ما هو الحق في محمد بن اسحاق صاحب المغازي.
وأكبر ميزة لعون المعبود أن المصنف بالغ في تصحيح متن السنن ومقابلته بالنسخ الموجودة بحيث صار المتن المطبوع مع العون أصح متن للسنن.
٣- والتعليق المغني على سنن الدارقطني في جزءين، طبعه المؤلف على نفقته لأول مرة في الهند.
٤- غنية الألمعي بحث عن عدة مسائل في الحديث.
٥- النجم الوهاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج.
٦- المكتوب اللطيف إلى المحدث الشريف..كتبه إلى شيخه المحدث السيد نذير حسين الدهلوي في كون الإجازة العامة معتبرة. وسبب ذلك أنه اعترض بعض الحنفية على اعتبار هذه الإجازة.
٧- هدية اللوذعي بنكات الترمذي.
٨- تعليق على إسعاف المبطا برجال الموطأ للسيوطي.
٩- نهاية الرسوخ في معجم الشيوخ.
١٠- فضل الباري في شرح ثلاثيات البخاري.
١١- النور اللامع في أخبار الصلاة يوم الجمعة على النبي الشافع.
стр. 9874
١٢- تحفة المتهجدين الأبرار في أخبار صلاة الوتر وقيام رمضان عن النبي المختار.
١٣- إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي الفجر.
١٤- القول المحقق في تحقيق إخصاء البهائم.
١٥- التحقيقات العلى بإثبات فرضية الجمعة في القرى.
١٦- تنقيح المسائل (مجموع الفتاوى له)
وله غير ذلك من الرسائل والمؤلفات في اللغة الفارسية والأردية [١٩] .
والعلامة المحدث الحافظ عبد المنان بن شرف الدين الوزير آبادي (١٢٠٧-١٣٣٤هـ) من أجل تلامذة المحدث السيد نذير حسين، ومن كبار أساتذة الحديث في عصره، تصدر لتدريس علوم السنة في فنجاب فأقبل عليه طلاب العلم إقبالا عظيما من أطراف الهند وخارجها، وتخرج عليه علماء كبار وانتشر تلاميذه في الهند ونشروا السنة النبوية، درس الكتب الستة أكثر من خمس وثلاثين سنة، ولم يبلغ أحد في كثرة الدرس والإفادة ولم يقاربه من تلاميذ السيد نذير حسين. ومن أشهر تلاميذه العلامة أبو الوفاء ثناء الله الأمرتسري، والعلامة محمد إبراهيم مير السيالكوتي. والمحدث عنايت علي الوزير آبادي، والمحدث محمد إسماعيل السلفي [٢٠] .
والعلامة المحدث عبد العزيز الرحيم آبادي (١٢٧٠- ١٢٣٦ هـ) من كبار علماء أهل الحديث أحد أركان حركة المجاهدين. اشتغل بالدرس والإفادة والوعظ والتذكير. تولى إدارة المدرسة الأحمدية بأره بعد االشيخ إبراهيم الآروى، وأنشئت جمعية أهل الحديث الهندية في سنة ١٩٠٦ م على فكرته. وله مواقف محمودة في نشر السنة والسلفية؛ وله بعض المؤلفات القيمة، منها: سواء الطريق في أربعة أجزاء؛ جمع فيه أحاديث صحيحة ونقلها إلى الأردية مع التعليق عليها تعليقا موجزا، وله حسن البيان فيما في سيرة النعمان للعلامة شبلى النعماني، دافع فيه عن المحدثين وموقفهم من السنة، وهداية المعتدي في قراءة المقتدي، أَلفه بأمر شيخه السيد نذير حسين.
стр. 9875
وكانت همته متوجهة إلى قيادة التنظيم السري للمجاهدين في ولاية بهار؛ فكان يجمع التبرعات ويرسل المعنويات المادية إلى ولاية سرحد لتجهيز المجاهدين الذين كانوا بقية السيف لحركة الشهيدين الجهادية؛ قضى حياته في تنظيم الجهاد وتحرير الهند من برائن الاستعمار البريطاني [٢١] .
والعلامة المحقق الشيخ عبد الله بن عبد الرحيم الغازيفوري: (١٢٦٠- ١٣٣٧ هـ) أحد أركان النهضة السلفية في الهند. ومن كبار الأساتذة. تصدر للدرسم والإفادة في مدارس الهند في غازيفور وآره ودهلي. وتولى رئاسة المدرسة الأحمدية بآره؛ وكانت حلقة درسه أكبر حلقة بعد شيخه الدهلوي. تخرج عليه خلق أمثال المحدث عبد السلام المباركفوري، والمحدث عبد الرحمن المباركفوري، والعلامة أبو المكارم محمد علي المئوي، والمحدث محمد سعيد البنارسي والعلامة محمد داود الغزنوي وآخرون.
وله شرح على مقدمة صحيح مسلم أسماه البحر المواج. وتوجد نسخة خطية منه بمكتبة خدا بخش حان في بتنه (الهند) ، وله فتاوى في مجلد ضخم. وله مسائل أخرى في المسائل الخلافية [٢٢] .
والشيخ السيد أحمد حسن الدهلوي: (١٢٥٨-١٣٣٨هـ) أحد كبار علماء السنة المولعين بنشر علوم الكتاب والسنة اشتغل بالتأليف والتصنيف، ومن مؤلفاته: تفسير أحسن الفوائد، وتفسير أحسن التفاسير، وحاشية على بلوغ المرام، وتنقيح الرواة في تخريج أحاديث المشكاة في أربعة أجزاء، وتخريج مسند الإمام أحمد بن حنبل ولم يتمه [٢٣] .
стр. 9876
العلامة الشيخ أبو سعيد محمد حسين البتالوي: (١٢٥٦ـ ١٣٣٨ هـ) من أجل تلامذة السيد نذير حسين الدهلوي وأحد نوابغ عصره، قضى حياته في الدفاع عن الإسلام وإحياء السنة والسلفية وهو أول من تنبه لفتنة القاديانية وعكف على ردها وإبطالها، وكانت لمجلته "إشاعة السنة"مواقف محمودة في إحياء حركة السنة والسلفية، وله مؤلفات كثيرة منها: تعليقات شتى على كتاب الصلاة والمغازي والتفسير من صحيح البخاري، وتعليقات شتى على النصف الأول من مشكاة المصابيح، وله منح الباري في ترجمة صحيح البخاري [٢٤] .
العلامة السيد عبد العزيز الحسيني الصمدني: (م ١٣٤١هـ) من أخص تلامذة السيد نذير حسين، أسند عن الشيخ حسين بن محسن الأنصاري واشتغل بالتأليف والتصنيف، وله مؤلفات كثيرة، منها:
عزيز المحدثين في تخريج أحاديث، رسالة هدية الأئمة، ورسالة في الموضوعات وشرح أسماء الرجال.
الشيخ فقير الله بن فتح المدراسي: (م ١٣٤١هـ) من مشاهير علماء الحديث الذين لهم فضل عظيم في نشر الطريقة السلفية في أرجاء الهند، وله جهود طيبة في نشر السنة في مناطق مدراس، وله رسائل ومؤلفات، منها: الموعظة الحسنة في خطبة الجمعة بكل لسان من الألسنة.
العلامة المحدث عبد السلام المباركفوري: (م ١٣٤٢ هـ) من كبار الدعاة إلى السنة والسلفية، أسند عن السيد نذير حسين وعن المحدث حسين بن محسن الأنصاري، تولى مسند التدريس في مدرسة صادقفور السلفية، ورحل إلى بلاد الهند وأنشأ هناك مدارس، وتصدر للتدريس في المدرسة الرحمانية بدهلي.
ومن أهم مؤلفاته: سيرة البخاري في الأردية وهو كتاب قيم نادر في بابه [٢٥] .
стр. 9877
الشيخ المحدث عبد الحكيم النصير آبادي: أحد العلماء السلفيين المشتغلين بعلوم السنة، تخرج على السيد نذير حسين واشتغل بالتأليف، من آثاره القيمة: تبويب فقهي لمسند الإمام أحمد بن حنبل، بدأت جمعية أهل الحديث الهندية بطبع هذا الكتاب مع شرح وتعليق المحدث أبي سعيد شرف الدين وتخريج المحدث أحمد حسن، ولكن توقف نشره بعد طبع ست وخمسين صفحة.
والعلامة المحدث أبو تراب رشد الله شاه بن العلامة رشيد الدين شاه: (م ١٣٤٠هـ) من كبار العلماء المحققين ومن أجل تلامذة الدهلوي، وله دور بارز في نشر السنة والعقيدة السلفية في بلاد السند، وهو أول من أسس مدرسة سلفية في بلدته وأدخل الكتب الستة في المنهج الدراسي وصنف كتبا عديدة في التوحيد والسنة ورد الشرك والبدعة، منها: كشف الأستار عن رجال معاني الآثار وهو تلخيص معاني الأخبار من رجال معاني الآثار للعيني في ثلاثة أجزاء [٢٦] .
والشيخ المحدث الحافظ عبد الجبار بن الشيخ منشى بدر الدين العمر فوري ثم الدهلوي: (١٢٧٧-١٣٤٤) أحد كبار علماء السنة المولعين بنشرها وإحيائها، لازم السيد حسين نذير وأسند عنه ثم اشتغل بالدرس والتأليف والوعظ والتذكير في عدة أماكن، ولهمواقف محمودة في الرد على منكر السنة عبد الله الجكرالوي الذي جاء بهذه الفكرة الخبيثة، وكان شاعرا وأديبا في العربية، تولى إدارة التحرير لمجلة ضياء السنة ببلدة كلكتا، وله مؤلفات قيمة، منها: صمصام التوحيد في رد التقليد وتذكير الإخوان في خطبة الجمعة بكل لسان، وتخرج عليه علماء كبار منهم ولده المجاهد الحافظ عبد الستار حسن العمر فوري والمحقق الأديب عبد العزيز الميمني والشيخ عبد الجبار الكهند يلوي [٢٧] .
стр. 9878
والشيخ المحدث العلامة أبو المكارم محمد علي بن العلامة فيض الله المئوي: (١٢٧٦-١٣٥٢هـ) أحد كبار علماء الهند والمتضلعين من علوم الكتاب والسنة تلمذ على أساتذة عصره وأسند عن المحدث السيد نذير وبذل جهوده لنشر السنة وإحيائها ونشر العقيدة السلفية والدفاع عنها، وألف رسائل ومؤلفات أكثرها ردود على مخالفي السنة.
والمحدث الكبير العلامة أبو العلى عبد الرحمن بن الحافظ عبد الرحيم المباركفوري: (م ١٣٥٣هـ) من مشاهير عصره وأحد كبار محدثي الهند، طار صيته في الآفاق، كان له ملكة راسخة في علوم الشريعة قرأ العلوم على أساتذة عصره ثم لازم الحافظ الغاز يفوري وأخذ عنه العلوم المتداولة، ولازم السيد نذير حسين الدهلوي وتشبع بعلومه وأسند عنه كما أخذ عن المحدث حسين بن محسن الأنصاري اليماني واستفاد من المحدث شمس الحق العظيم آبادي حينما كان عنده في أثناء تأليف عون المعبود تصدر للدرس والإفادة بقريته مباركفور وأنشأ هناك مدرسة دار التعليم كما أنشأ مدارس سلفية في بعض مدن الهند وقراها، ودرس وأفاد بها إلى مدة ثم اختار الانقطاع للتأليف والتصنيف، وقد نشطت بجهوده حركة السنة نشاطا كبيرا.
تلامذته:
في هذه المدة التي تحتوي ثلث عمره في التعليم والتدريس والإفادة انتفع به خلق كثير أشهرهم: المحدث عبد السلام المباركفوري ونجله المحدث عبيد الله الرحماني حفظه الله وأطال الله بقاءه، الذي استعان به المؤلف في شرحه على الترمذي، والعلامة نذير أحمد الأملوي، والشيخ عبد الصمد المباركفوري، والشيخ محمد إسحاق الآروي، والعلامة الدكتور تقي الدين الهلالي المغربي حفظه الله.
مؤلفاته:
قضى قسطا كبيرا من حياته في التأليف والتصنيف وأعظم كتبه كتابه العظيم:
١- تحفة الأحوذي في شرح جامع الترمذي في أربعة مجلدات. والشرح يمتاز من بين شروح الجامع بمميزات وخصائص منها:
стр. 9879
أن المؤلف ذكر ترجمة كل راو من رواة الجامع بقدر الحاجة والضرورة وأسهب ترجمة بعضهم في بعض المواضع حسب المقام.
وخرج الأحاديث الواردة في الكتاب وبذل غاية جهده في إيضاح مشكلات الأسانيد والمتون وحلها، وذكر الأقوال المعتبرة والمباحث المعتمدة عند الفقهاء المحدثين والسلف الصالح في شرح الأحاديث وتوضيحها، وخرج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي في كل باب بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان، وذكر ألفاظها مهما أمكن وتكلم في بعضها وأظهر ما فيه من الكلام للأئمة النقاد من المحدثين.
ولم يشر الإمام الترمذي في كثير من الأبواب إلى أحاديث أخرى توافق أصل حديث الباب بقوله: "وفي الباب خلاف"فأشار المؤلف بقوله: وفي الباب عن فلان وفلان وخرجها.
وأضاف أحاديث أخرى أطلع عليها المؤلف عند قول الترمذي: وفي الباب عن فلان وعن فلان توسع المؤلف في ذكر مذاهب الفقهاء وبيان اختلافهم فيذكر أقوال العلماء ممن لم يذكرهم الترمذي، والترمذي مشهور بالتساهل في تحسين الحديث وتصحيحه فذكر المؤلف عقب تحسينه أو تصحيحه تصحيح غير واحد من أهل الحديث غير الترمذي أو تحسينهم ليطمئن القلب وينشرح الصدر، مع التنبيه على المواضع التي وقع فيها التساهل والتسامح من الإمام الترمذي في تحسينه أو تصحيحه، ويذكر الترمذي في كثير من المواضع اختلاف أهل العلم ولا يذكر الراجح من المرجوح ففي هذه المواضع يظهر المؤلف ما هو الراجح، ويسرد دلائل أقوال الفقهاء التي ذكرها الترمذي بدون دليلها، ثم يبدي رأيه في المسألة فيرجح ما رجحه الدليل ويزيف دلائل الأقوال المرجوحة، ويوضح قول الترمذي في بيان المذاهب، "ذهب قوم من أهل العلم"فيعينهم ويبين مراد الترمذي بلفظ القوم، وإذا وقع التساهل من الترمذي في نقل المذاهب في بعض المواقع فينبه المؤلف على هذا التساهل في أكثر الأحيان، وقد سلك المؤلف في هذا الشرح مذهب المحققين يرجح ما رجحه الدليل بدون تعصب لمذهب فقهي خاص.
стр. 9880
٢- مقدمة تحفة الأحوذي في مجلد ضخم، وفي بابين، ذكر في الباب الأول تدوين علوم الحديث وأنواع كتب السنة وأسماء كتب الحديث الموجودة وشروحها مع تعريف كل منها، وذكر في الباب الثاني ترجمة الإمام الترمذي وما يتعلق بالجامع وبمصطلحات الترمذي من فوائد ومحاسن، وذكر شروح الترمذي ورواة الجامع على ترتيب أبجدي.
٣-أبكار المنن في تنقيد آثار السنن في جزء.
٤-تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام بالأردية في جزءين.
٥- خير الماعون في منع الفرار من الطاعون.
٦- والمقالة الحسنى في سنية المصافحة باليد اليمنى.
٧- كتاب الجنائز.
٨- نور الأبصار (في إثبات الجمعة في القرى والرد على من أنكرها) .
٩- تنوير الأبصار بتأييد نور الأبصار.
١٠ ضياء الأبصار.
١١- والقول السديد فيما يتعلق بتكبيرات العيد (كلها بالأردية) ، وله غير ذلك من المؤلفات والرسائل ناقصة أو غير ناقصة أو غير مطبوعة [٢٨] .
والشيخ المحدث أحمد الله بن أمير الله البرتابكدهي ثم الدهلوي (م ١٣٦٢هـ) من مشاهير علماء الحديث المفلقين في علوم الكتاب والسنة، قصر همته على تدريس الحديث طول حياته، وقد نفع الله بدروسه خلقا كثيرا، وقد انتهت إليه رئاسة الحديث في عصره وأكثر علماء أهل الحديث في شبه القارة الهندية أخذوا عنه وتتلمذوا عليه وبواسطته يتصلون بالمحدث نذير حسين الدهلوي.
درس بمدرسة حاجي عليجان بدهلي ثم بدار الحديث الرحمانية بدهلي ثم المدرسة الزبيدية وقد تخرج عليه علماء كبار من أهل الحديث، اشتهر منهم: المحدث محمد يونس البرتاب كدهي، والعلامة نذير أحمد الأملوي، والمحدث عبد السلام البستوي ﵏، والحافظ محمد الغوندلوي، والمحدث عبيد الله الرحماني، والشيخ عبد الغفار حسن الرحماني، وسيأتي ذكر بعض هؤلاء في ذكر تلاميذ تلامذة السيد حسين نذير [٢٩] .
стр. 9881
والشيخ المحدث الحافظ أبو تراب عبد التواب بن العلامة قمر الدين الملتاني (م ١٣٦٦ هـ) : من كبار علماء الحديث في عصره، تتلمذ على يد السيد نذير حسين واستجاز من العلامة محمد راغب الطباخ الشامي ١٣٧٠هـ، اشتغل بتدريس السنة ونشر السلفية مع مساعدة حركة المجاهدين، وكان له عناية كبيرة بتصحيح كتب الحديث والتعليق عليها ونشرها، ومن آثاره العلمية: تراجم وشروح مشكاة المصابيح وبلوغ المرام وثمانية أجزاء من صحيح البخاري إلى الأردية، وتعليقات على حاشية صحيح مسلم للسندي، وتعليقات على تحفة المودود بأحكام المولود؛ وهو أول من ابتدأ بنشر مصنف ابن أبي شيبة مع تعليقاته عليه ولكن لم يتم طبعه لأجله المحتوم، تخرج عليه خلق من أمثال المحقق عطاء الله الفوجياني [٣٠] .
والعلامة شيخ الإسلام أبو الوفاء ثناء الله الامر تسري (١٢٨٧- ١٣٦٧هـ) : عبقري من عباقرة الإسلام، داعية كبير وحامل لواء السنة، دافع عن الإسلام طول حياته، تلقى العلوم عن المحدث عبد المنان الوزير آبادي وعن أساتذة دار العلوم ديوبند وكانفور وأسند الحديث عن السيد نذير حسين المحدث، أسس دارا للطباعة والنشر وأصدر مجلته الشهيرة جريدة أهل الحديث الأسبوعية في سنة ١٣٢١هـ، التي استمر نشرها أربعا وأربعين سنة حتى وافته المنية، وأسس جمعية أهل الحديث الهندية مع أصحابه ونشط لها طول حياته، ناظر كل الطوائف الكافرة والمضللة ورد على أهل البدع والخرافات والجمود والتقليد وسعى لنشر السنة والسلفية، ألف كثيرا في الرد على الميرزا غلام أحمد القادياني ولكثرة ردوده عليه ما كان يحصيها المؤلف نفسه، وكتب في الرد على الفرقة الهندوكية "آريه سماج"وعلى المسيحية وعلى منكري السنة، وله تفاسير القرآن في العربية والأردية [٣١] .
стр. 9882
الشيخ المحدث محمد نعمان بن الحاج عبد الرحمن المئوي الأعظمي (١٢٩٧- ١٣٧١هـ) من الأساتذة المشهورين الذين خدموا السنة بتدريسها، أسند عن السيد نذير حسين الدهلوي وتصدر لتدريس الحديث بجامعة دار السلام عمر آباد بمدراس، وتخرج عليه علماء كبار.
والشيخ العلامة محمد إبراهيم مير السيالكوتي: (م ١٣٧٦هـ) من كبار علماء الهند وناصري السنة والعقيدة السلفية، تتلمذ على المحدث عبد المنان الوزير آبادي وأسند عن المحدث السيد نذير حسين واشتغل بالدرس والإفادة والتأليف والوعظ والتذكير وله ردود عنيفة على القاديانية، ومنكري السنة وآريه سماج، أصدر مجلة الهادي، وأسس مدارس، ومن مؤلفاته: تفسير لسور عديدة من القرآن، وسيرة المصطفى، والسيرة النبوية، وعون الباري لحل عويصات البخاري، وكشف الغمة على اختلاف الأمة، وغزوات النبي.
وقد تخرج عليه خلق كثير أمثال الشيخ عصمت الله الرحماني المئوي، والشيخ محمد اسماعيل السلفي، والشيخ أبو حفص العثماني، وآخرون
والجدير بالذكر أنه كان من مؤسسي جمعية أهل الحديث الهندية وكان الساعد الأيمن لشيخ الإسلام ثناء الله الامر تسري في أعماله الدينية والإصلاحية [٣٢] .
تلاميذ تلامذة السيد نذير حسين المحدث الدهلوي
نذكر هنا بعض علماء الحديث الذين تخرجوا على تلامذة السيد نذير حسين المحدث الدهلوي وساهموا في نشر السنة وإحيائها:
تلامذة المحدث عبد الوهاب الملتاني الدهلوي
стр. 9883
١- الشيخ العلامة محمد إبراهيم الجوناكدهي (م سنة ١٣٦٠هـ) : أحد مشاهير أهل الحديث المشهورين في الأوساط الدينية والعلمية، قضى حياته في التأليف والتصنيف ونشر السلفية وإحياء السنة بكل جرأة وحماس وشدة. كان كثير الرد على التقليد والبدع والخرافات، وعلى كل من يراه على الخطأ حتى رد على شيخه عبد الوهاب ردودا عنيفة في بعض المسائل: ومن آثاره: سلسة مؤلفاته المسماة بالمحمديات على الموضوعات الدينية والمسائل الخلافية. وله خطبات محمدي في مجلدات جمع فيها خطب النبي ﷺ ونقلها إلى الأردية، وترجم تفسير ابن كثير وإعلام الموقعين لابن القيم وشرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي وجزء رفع اليدين للبخاري إلى الأردية ونشرها من مطبعته المحمدية. وله رسائل أخرى كثيرة. وكان له جريدة أسبوعية أسماها "أخبار محمدي"، وكانت لمناظراته وردوده أثر كبير في إزالة البدع والمنكرات وترك التقليد والجمود على المذهب إلا أن تشدده قد أضر بالدعوة السلفية كثيرا بحيث فهم الناس أن السلفية عبارة عن إثارة الخلافات والإصرار على بعض الفروع. ولذيوع رسائله ومؤلفاته بين عامة الناس وفي أوساط السلفيين بكثرة زاد هذا الضرر، عفا الله وعنه؛ فإن جهوده التي نؤاخذ عليها اليوم كانت في عصر المناظرات والجدل والمناقشة الكلامية، ولعل هذا كان مبررا له لهذا الصنيع [٣٣] .
٢- والشيخ أحمد بن محمد الدهلوي ثم المدني: تخرج على صنوه الشيخ عبد الوهاب واشتغل بنشر السنة والعقيدة السلفية في بلاد الهند، ثم هاجر إلى المدينة المنورة ودرس وأفاد بالحرم المدني، وأسس داري الحديث بالمدينة المنورة ومكة المكرمة بمساعدة الحافظ حميد الله الدهلوي السلفي من كبار أثرياء دهلي، ودرس بدار الحديث بالمدينة كتب الحديث، ومن مؤلفاته: تاريخ أهل الحديث، ومسائل اللحية، ومناسك الحج (بالأردية) وكيفية صلاة المرأة (بالأردية) .
стр. 9884
٢- والشيخ المحدث عبد الستار بن المحدث عبد الوهاب الملتانى: تخرج على أبيه واشتغل بالدرس والتأليف في الهند والباكستان قرب نصف قرن، وله مؤلفات منها التفسير الستاري (ستة أجزاء) وتفسير الفاتحة، ونصرة الباري في شرح صحيح البخاري (عشرة أجزاء من البخاري) طبع في المكتبة السعودية بكراتشي ١٩٥٦ م وله رسائل كثيرة في المسائل الخلافية. انتهج منهج أبيه في مؤلفاته، منهج الشدة والتنطع والتركيز على بعض الفروع [٣٤] .
--------------------------------------------------------------------------------
[١] مقدمة مفتاح كنوز السنة.
[٢] مفتاح السنة: ١٦٥- ١٦٦.
[٣] نموذج من الأعمال الخيرية: ٤٦٨.
[٤] مفتاح السنة: ١٦٥- ١٦٦.
[٥] مجلة برهان ج٤١/ عدد ٢، أغسطس سنة ١٩٥٨ م.
[٦] نموذج من الأعمال الخيرية: ٣٨٨.
[٧] مقدمة فتاوى نور العين، تذكرة علمائي حال ٢٢- ٢٣، نزهة الخواطر ٨-١١١، غاية المقصود: ١٧، عون المعبود، أبجد العلوم: ٨٨٦.
راجع لترجمة النواب البوفالي وأسرته إبقاء المنن بإلقاء المحن للمترجم نفسه بالأردية، مآثر صديقي (٤ أجزاء) تذكرة علمائي هند: ٢٥٠- ٢٥١، جريدة أهل الحديث أمر تسر ١٨- ١ سنة ١٩٢٠ م. وأبجد العلوم وإتحاف النبلاء والتاج المكلل (كلها للنواب) .
[٨] نزهة الخواطر ٨- ٥٠٠.
[٩] نفس المصدر ٨/٤٩٩.
[١٠] نزهة الخواطر ٧/٣٠١- ٣٠٢ وسيرت السيد داود غزنوي.
[١١] نزهة الخواطر ٨/٩٠، جريدة أهل الحديث أمر تسر ١٧/٤٣، حيات وحيد الزمان: أهل حديث كي علمى خدمات: ١٦٤، تراجم علمائي حديث.
[١٢] نزهة الخواطر ٨/٥١٥-٥١٦، جريد أهل الحديث أمر تسر ١٧/٣٠، حياة وحيد الزمان للأستاذ عبد الحليم الجشتي.
[١٣] جريدة أهل الحديث أمر تسر ١٩/١٩ سنة ١٩٢١، تاريخ أهل الحديث للسبالكوتي: ٤٣٩، أهل الحديث كي علمي خدمات ١٧٢- ١٧٣.
стр. 9885
[١٤] من مقدمة تفسير سناري.
[١٥] نزهة الخواطر ٨/٤-٥، تذكرة علمائي حال: ٨، الحياة بعد الممات ٣٤٢.
[١٦] تذكرة السعيد, عدد خاص لمجلة نصرة السنة، نزهة الخواطر ٨/٤٣١-٤٣٢، تراجم علمائي حديث هند ١/٢٨، جريدة أهل الحديث ١٦/٣ سنة ١٩١٨م.
[١٧] عدد خاص لمجلة نور التوحيد حول وفاة المترجم له، عدد خاص لمجلة الهدى دربهكة ص٥٦، حياة أبي القاسم امحدث من مجلة المنار ٣/سنة ١٩٧٠م، تراجم علماء حديث أهل هند ١/٢٩١.
[١٨] نموذج من الأعمال الخيرية: ٦٢٧.
[١٩] مصادر ترجمته: نزهة الخواطر ٨/١٧٩، مقدمة أعلام أهل العصر (الطبعة الثانية) : هندوستان كي قديم إسلامي درسكاهين ص٤٧ المحدث شمس الحق العظيم آبادي حياته وآثاره.
[٢٠] جريدة أهل الحديث أمرتسر ١٦/٤١ سنة ١٩١٩م؛ تاريخ أهل الحديث للسيالكوتي؛ مقدمة اتحاف النبيه:٢٣، نزهة الخواطر ٨/٣١١-٣١٢، تذكرة علمائي حال ٥٥-٥٦.
[٢١] مقدمة حسن البيان الطبعة الثالثة، نزهة الخواطر ٨/٢٥٦، مجلة الهدى عدد خاص عن دار العلوم الأحمدية.
[٢٢] نزهة الخواطر ٨/٢٧٨، تراجم علمائي هند ١/٣٥٩، تذكرة علمائي أعظم كره ١٩٧-١٩٨، تذكرة علمائي هند ٢٦٢، جريدة أهل حديث أمرتسر ١٧/ص١٦٧، سيرة داود غزنوي ٢٤٠-٢٤٤.
[٢٣] نزهة الخواطر ٨/٤٤، مقدمة أحسن التفاسير (الطبعة الجديدة) ، تراجم علمائي حديث هند ١/١٦٢.
[٢٤] نزهة الخواطر ٨/٤٢٨، جريدة أهل الحديث أمر تسر ١٨/٤١-٤٢، سنة ١٩٢١م، تذكرة علمائي حال.
[٢٥] نزهة الخواطر ٨/١٦١، تذكرة علمائي حديث هند ١/٣٢٣، تذكرة علمائي حال ٢٩، تراجم علمائي مباركفور ١٦٧، تذكرة علمائي أعظم كره ١٥٨، مقدمة إتحاف النبيه ٢٢.
[٢٦] مقدمة السمط الابريز على مسند عمر بن عبد العزيز؛ مقدمة هداية المستفيد في ترجمة فتح المجيد ١/٩٠-٩٣.
стр. 9886
[٢٧] جريدة أهل حديث أمر تسر ١٦/٥ سنة ١٩١٨م، تراجم علماء حديث هند ١٦٠، تذكرة علماء حال ٣٩، نزهة الخواطر ٨/٢١٧-٢١٨.
[٢٨] نزهة الخواطر ٨/٢٤٢، تراجم علماء حديث هند، تذكرة علمائي هند، مقدمة تحفة الأحوذي.
[٢٩] نزهة الخواطر ٨/٤٧، تراجم علماء حديث هند ١/١٦، العجالة النافعة مع التعليقات الساطعة ١٠٧.
[٣٠] مقدمة اتحاف النبيه ٢٢- ٢٣، نموذج من الأعمال الخيرية ٨٧.
[٣١] سيرت ثنائي لعبد المجيد خادم سوهدروي، ونقوش أبي الوفاء: ياد رفتكان ٤١٧، نزهة الخواطر ٨/٩٥-٩٦، تاريخ أهل الحديث ٤٣٣-٤٣٤.
[٣٢] تاريخ أهل الحديث للمترجم نفسه.
[٣٣] مقدمة تفسير سورة الفاتحة للشيخ عبد الستار.
[٣٤] تراجم علمائي حديث هند /١٧٤-١٧٦، مقدمة خطبات محمدي للمترجم نفسه.
стр. 9887
مفهوم الأسماء والصفات
فضيلة الشيخ / سعد ندا المدرس بالجامعة الإسلامية
(الحلقة الثانية)
أسلفت في الحلقة الأولى ما يتضمن أن معرفة الله جل وعلا هي المنطلق الذي تصح منه العبادة، إذ لو أنها قد انبعثت من غيره، لما انبسطت لها قاعدة ترتكز عليها، فلا يلبث صاحبها حتى يجدها تهوي به في مكان سحيق، وتستحيل هباءًَ منثورا، وكيف يعرض الإنسان عن معرفة خالقه وهو سبحانه يوالي عليه نعمه كل لحظة منذ ولادته حتى مماته؟ وكيف ينصرف عن التعرف على الحي القيوم الذي بيده مقاليد كل شيء، والذي لا يستغني عنه طرفة عين، ويسعى إلى التعرف على أفراد من البشر أمثاله، وهم لا يملكون له -فضلا عن أنفسهم- ضرّاً، ولا نفعاً، ولا يملكون موتاً، ولا حياةً ولا نشوراً؟
إن أول ما يجب على العبد أن يتعرف على ربه سبحانه، ليستطيع أن يحقق الغاية التي من أجلها خلق، وهي التي ذكر الله في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات آية ٥٦) ، إذ لا سبيل إلى تحقيق العبادة إلا عن طريق البدء بمعرفة الله تعالى، ولا يمكن للعبد أن يعبد من يجهله، وإلا كان تخبطا وضربا في تيه بيداء مهلكة.
ومن ثم بدأت أساهم - بقدر ما ييسر الله تعالى لي- في الكتابة في باب التعرف على الله تعالى باعتباره نقطة البدء في حياة المسلم، بادئا ببيان مفهوم الربوبية في أربع حلقات سابقة، ثم ثنيت ببيان مفهوم أسماء الله تعالى وصفاته في حلقة أولى مضت، وانتهيت فيها من بيان أسماء الله تعالى التي تضمنتها سورة الفاتحة.
وفي هذه الحلقة أعرض -بحول الله وقوته- بيان أسماء الله تعالى التي تضمنتها سور القرآن الكريم، مشيرا إلى ما تكرر من الأسماء في مختلف سور القرآن الكريم، بالصيغة ذاتها، أو بصيغ مختلفة.
стр. 9888
وسوف أحاول إن شاء الله تعالى -حوَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْسبما ييسر لي سبحانه- إلقاء بعض الضوء على هذه الأسماء الكريمة التي تضمنتها سور القرآن الكريم، ابتداء من سورة البقرة حتى سورة الناس، وذلك على الوجه التالي:
المحيط:
هو اسم من أسماء الله تعالى، ورد في القرآن الكريم ثماني مرات منها ست مرات [١] بلفظ (محيطٌ) بالرفع فيما يأتي:
في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (البقرة آية ١٩) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (آل عمران آية ١٢٠) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (الأنفال آية ٤٧) ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (هود آية ٩٢) ، وقوله: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ (فصلت آية ٥٤) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (البروج آية ٢٠) .
ومنها مرتان [٢] بلفظ (محيطاً) بالنصب، فيما يأتي:
في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ (النساء آية ١٠٨) ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (النساء آية ١٢٦) .
وإحاطة الله تعالى بالشيء معناها: حصره إياه من جميع جوانبه، مع العلم المطلق بكل دقائقه، بحيث لا يتصور أن تفلت منه ذرة، أو ما فوقها، أو ما دونها، علما أو إيجادا، أو إعداما.
стр. 9889
ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (البروج آية ٢٠) ، تمثيل لعدم نجاة المكذبين الكافرين بعدم فوت المحاط به على المحيط [٣] ، ذلك بأنه سبحانه هو الذي خلق كل شيء وملَكَه، واستأثر بالتصرف فيه عن قدرة تامة، وعلم مطلق، لذا يقول سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (الطلاق آية ١٢) .
القدير: (القادر، المقتدر)
القدير:
هو اسم من أسماء الله تعالى، ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة [٤] ،منها تسع وثلاثون مرة ورد فيها بلفظ (قديرٌ) بالرفع في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة آية ٢٠) ، وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة آية ١٠٦) . وقوله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة آية ١٤٨) ، وقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران آية ٢٦) ، وقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة آية ١٧) .
стр. 9890
ومنها ست مرات [٥] ورد فيها بلفظ (قديراً) بالنصب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً﴾ (النساء آية ١٣٣) . وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ (النساء آية ١٤٩) ، وقوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾ (الفرقان آية ٥٤) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الأحزاب آية ٢٧) . وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ (فاطر آية ٤٤) ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (الفتح آية ٢١) .
القادر:
هو اسم من أسماء الله تعالى؛ ورد في القرآن الكريم اثنتي عشرة مرة [٦] ج منها أربع مرات (٣) (قادرٌ) : بالرفع، في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ (الأنعام آية ٣٧) ، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً﴾ (الأنعام آية ٦٥) ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (الإسراء آية ٩٩) ، وقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ (الطارق آية ٨) .
ومنها ثلاث مرات بالجر بلفظ (قادرٍ) في قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ (يس آية ٨١) ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (الأحقاف آية ٣٣) ، وقوله: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (القيامة آية ٤٠) .
ومنها أربع مرات بصيغة الجمع بلفظ (قادرون) بالرفع في قوله تعالى:
стр. 9891
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ (المؤمنون آية ١٨) ، وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾ (المؤمنون آية ٩٥) ، وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ (المعارج آية ٤٠) ، وقوله: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ (المرسلات آية ٢٣) .
ومنها مرة واحدة بصيغة الجمع بلفظ (قادرين) بالنصب في قوله تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾
المقتدر:
هو اسم من أسماء الله تعالى، ورد [٧] في القرآن الكريم أربع مرات، منها مرتان بلفظ (مقتدرٍ) بالجر، في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر آية ٤٢) ، وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر آية ٥٥) .
ومنها مرة واحدة بلفظ (مقتدراً) بالنصب في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾ (الكهف آية ٤٥) .
ومنها مرة واحدة بصيغة الجمع بلفظ (مقتدرون) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (الزخرف آية ٤٢) .
واسم (قادر) على وزن (فاعل) ، واسم (قدير) على وزن (فعيل) وهي صيغة مبالغة، واسم (مقتدر) على وزن (مفتعل) ، وفي اللغة العربية زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
стр. 9892
وهذه الأسماء الثلاثة تتضمن جميعها أن الله سبحانه يستطيع أن يفعل كل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأمره -عندما يريد شيئا- إنما هي كلمة كن: فيكون ما يريد في الحال. وفي هذا يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النحل آية ٤٠) ، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (مريم آية ٣٥) ، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس آية ٨٢) ، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (غافر آية ٦٨) ، وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر آية ٥٠) .
وليس أدل على كمال القدرة المطلقة للقادر، القدير، المقتدر، من أن يوجد سبحانه ما يريده بكلمة كن فيكون ما يريد كلمح البصر.
العليم: (العالم- العلام) :
هو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة المبالغة على وزن فعيل، ورد في القرآن الكريم اثنتين وخمسين ومائة مرة [٨] ، منها أربعون ومائة مرة بلفظ (عليمٌ) [٩] بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٩) ، وقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة آية ٩٥) ، وقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١١٥) .
стр. 9893
ومنها اثنتان وعشرون مرة [١٠] بلفظ (عليماً) بالنصب، في مثل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١١) ، وقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ (النساء آية ٧٠) ، وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً﴾ (النساء آية ١٢٧) .
العالم:
هو اسم من أسماء الله تعالى.. على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن خمس عشرة مرة [١١] منها سبع مرات بلفظ (عالمُ) بالرفع [١٢] ، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الأنعام آية ٧٣) ، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ (الرعد آية ٩) ، وقوله: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (السجدة آية ٦) .
ومنها مرة واحدة بلفظ (عالمَ) بالنصب [١٣] ، في مثل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ (الزمر آية ٤٦) .
ومنها خمس مرات بلفظ (عالمِ) بالجر [١٤] ، في مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة آية ٩٤، الجمعة آية ٨) ، وقوله: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة آية ١٠٥) .
ومنها مرتان بصيغة الجمع بلفظ (عالمين) بالنصب [١٥] ، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء آية ٥١) ، وقوله: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء آية ٨١) .
العَلاَّم:
стр. 9894
هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعّال) ، وهو صيغة مبالغة، يدل على سعة العلم وعظمته، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات، في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة آية ١٠٩) ، وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة آية ١١٦) ، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ (التوبة آية ٧٨) ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (سبأ آية ٤٨) .
وعلم الله تعالى أزلي، وهو صفة من صفاته الذاتية سبحانه، يقتضي علمه بالظواهر والسرائر، وإحاطته بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعْزُب مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر [١٦] ، فيعلم ما يصلح للعباد وما يدبرهم عليه [١٧] .
والله العليم سبحانه قد كمل في علمه، يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ويعلم ما في السموات والأرض، وهو تعالى بكل شيء عليم.
وأن العبد إذا استشعر عظمة علم الله، وسعته، وشموله لكل ما خلق الله جل وعلا، فإنه يعيش دائما يراقب الله الذي يعلم السر وأخفى، ويطلب منه دائما أن يزيده من بالعلم الذي ينفعه في دينه ودنياه تنفيذا لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه آية ١١٤) .
الحكيم:
стр. 9895
هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعيل) ، ورد في القرآن الكريم سبعا وتسعين مرة [١٨] ، منها إحدى وثمانون مرة بلفظ (حكيم) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ٣٢) ، وفي قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٩) ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران آية ٦) ، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (الأنعام آية ١٨)
ومنها ست عشرة مرة [١٩] ، بلفظ (حكيما) بالنصب في مثل قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١١) ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (الفتح آية ٤) ، وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (الإنسان آية ٣٠) .
والحكمة هي وضع الشيء في موضعه اللائق به، فالله تعالى الحكيم الذي له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق سبحانه شيئا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة فالله الحكيم سبحانه حكيم في خلقه، وأمره، وتعليمه ما يشاء، ومنعه ما يشاء.
وحكيم بمعنى مُحْكِم، والله تعالى مُحكِم للأشياء، متقن لها، كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النحل آية ٨٨) [٢٠] .
التوّاب:
стр. 9896
هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فعَّال) ، ورد في القرآن الكريم إحدى عشرة مرة [٢١] ، منها ثماني مرات بلفظ (توّابٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ٣٧) ، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة آية ١١٨) ، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات آية ١٢) .
ومنها ثلاث مرات [٢٢] بلفظ (تواباً) بالنصب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ (النساء آية ١٦) ، وقوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ (النساء آية ٦٤) قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ (النصر آية ٣) .
والتواب: معناه الذي يتوب على عباده كلما رجعوا إليه، فيقبل توبتهم.
كما قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ (غافر آية ٣) .
وكما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ (الشورى آية ٢٥) .
ومعرفة اسم التواب، يدعو العبد إلى الرجوع إلى ربه وتوبته من معاصيه باستمرار.
البارئ:
هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، ورد في القرآن الكريم ثلاث مرات [٢٣] ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة آية ٥٤) ، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ (البقرة آية ٥٤) ، وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (الحشر آية ٢٤) .
стр. 9897
والبارئ: هو المنشئ المخترع للأشياء الموجد لها، وقيل: المميز لبعضها عن بعض [٢٤] ، والبارئ من البَرء.
والبَرْء: هو تنفيذ وإبراز ما قدره وقرره الله تعالى إلى عالم الوجود [٢٥] .
والبرء: كذلك هو خلق على صفة، فكل مبروء مخلوق، لأن البرء من تبرئة الشيء من الشيء، من قولهم: برأت من المرض، وبرئت من الدين أبرأ منه، فبعض الخلق إذا فُصل من بعض سمي فاعله بارئا، وفي الأيمان: "لا والذي خلق الحبّة، وبرأ النسمة" [٢٦] .
وقال أبو علي: هو المعنى الذي به انفصلت الصور بعضها عن بعض، فصورة زيد مفارقة لصورة عمرو، وصورة حمار مفارقة لصورة فرس، فتبارك الله خالقا بارئا [٢٧] .
ومعرفة اسم الباري تجعل العبد يؤمن بأنه سبحانه هو الموجد لكل الأشياء من العدم فلا ييأس على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، وقد قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (الحديد آية ٢٢-٢٣) .
البصير:
هو اسم من أسماء الله تعالى بصيغة مبالغة على وزن (فعيل) ، ورد في القرآن الكريم اثنتين وأربعين مرة [٢٨] ، منها إحدى وثلاثون مرة [٢٩] بلفظ (بصيرٌ) بالرفع، في مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة آية ٩٦) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة آية ١١٠) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران آية ١٥) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة آية ١) ، وقوله: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (الملك آية ١٩) .
стр. 9898
ومنها تسع مرات [٣٠] بلفظ (بصيرا) بالنصب، في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء آية ٥٨) ، وقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ (الإسراء آية ١٧) ، وقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً﴾ (طه آية ٣٥) ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (الفتح آية ٢٤) .
والبصير بمعنى مبصر، فهو سبحانه يرى كل شيء من خلقه دقَّ أو جلَّ، ظهر أو خفي، لا تحجب رؤيته الحواجب التي تحجب عن خلقه الرؤية، إذ يبصر سبحانه النملة السوداء تدب على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.
وإذا استشعر العبد أن ربه البصير يراه ولا يحجب عنه أي شيء من خلقه، فإنه يراقب ربه، ولا يكون دائما إلا في الموضع الذي يجب أن يراه فيه.
الواسع، (الموسع) :
(الواسع) : اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، ورد في القرآن الكريم تسع مرات [٣١] منها ثماني مرات [٣٢] بلفظ (واسعٌ) بالرفع في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١١٥) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦١) ، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ٢٦٨) ، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران آية ٧٣) ، وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة آية ٥٤) ، وقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور آية ٣٢) ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (النجم آية ٣٢) .
стр. 9899
ومنها مرة واحدة بلفظ (واسعاً) بالنصب في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١٣٠) .
ويلاحظ أن اسم (الواسع) اقترن في سبع آيات -من التسع- التي ورد فيها باسم (العليم) ولعل هذا يشير إلى أن الله سبحانه يعطي من فضله الواسع من يشاء عن كمال العلم بمن يستحق هذا العطاء، سواء أكان هذا العطاء رحمة، أو مغفرة، أو ملكا، أو مالا، أو علما، أو أي نوع من أنواع العطاء، وعطاؤه سبحانه -فضلا عن كونه عن كمال العلم- فهو مع كمال الحكمة، وسعة المغفرة، وفي هذا نجد أن اسمه (الواسع) سبحانه جاء مضافا إلى المغفرة مرة واحدة ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وجاء مقترنا باسمه (الحكيم) مرة واحدة كذلك ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً حَكِيماً﴾ .
ومعنى (الواسع) الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم.
وقيل: بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [٣٣] (طه آية ٩٨) .
وقال الفراء الواسع: الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء [٣٤] .
وقيل: الواسع: واسع الفضل يوسع على من يشاء من عباده [٣٥] .
وقيل: الواسع: الذي يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال.
وقيل الواسع: واسع الفضل والصفات وعظيمهما، ومن سعته وعلمه وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور [٣٦] .
و (الموسع) : اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مُفْعِل) ورد في القرآن الكريم مرة واحدة بصيغة الجمع، بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات آية ٤٧) .
ومعنى (الموسع) : ذو الوسع والسعة، وقيل الموسعون القادرون، فالموسع أي القادر [٣٧] .
стр. 9900
وقيل الموسع: أي لأرجاء السماء وأنحائها، وأيضا الموسع على عباده بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليه من الرزق ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات [٣٨] .
وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، من قولهم: "وسع كل شيء علما"أي أحاط به [٣٩] .
السميع (والمستمع) :
هو اسم من أسماء الله تعالى، بصيغة المبالغة على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل) أي سامع [٤٠] .
وقد ورد في القرآن الكريم خمسا وأربعين مرة [٤١] . منها اثنتان وأربعون [٤٢] بصيغة (سميعُ) بالرفع في مثل قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٧) .
وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة آية ١٣٧) . وقوله: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام آية ١١٥) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (لقمان آية ٢٨) ، وقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (سبأ آية ٥٠) .
ومنها ثلاث مرات [٤٣] بصيغة (سميعاً) بالضم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء آية ٥٨) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (النساء آية ١٣٤) ، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (النساء آية ١٤٨) .
ويلاحظ أن اسم (السميع) سبحانه ورد مقترنا باسم (الحليم) اثنتين وثلاثين مرة [٤٤] وتسع مرات [٤٥] مقترنا باسم (البصير) . ومرة واحدة [٤٦] باسم (القريب) . وورد مرتين [٤٧] مضاف إلى (الدعاء) في قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (آل عمران آية ٣٨) .
وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (إبراهيم آية ٣٩) .
стр. 9901
ويجلِّي لنا تمام سمعه -سبحانه- بكل شيء، ما رواه الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت:
"الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله : ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى آخر الآية. والمجادلة هي: خولة بنت ثعلبة، وكان زوجها أوس بن الصامت، وكان امرءا به لمم، وكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته".
وكذلك في رواية أخرى لابن أبي حاتم عن عائشة أنها قالت: "تبارك الله الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهى تقول يا رسول الله: أكل مالي، وأفنى شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع ولدي، ظاهر مني. اللهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [٤٨] ".
أما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (العليم) واسم (البصير) فإن سمعه مع علمه محيط بهم وبصره نافذ فيهم. فهو مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء [٤٩] .
стр. 9902
وأما اقتران اسم (السميع) سبحانه باسم (القريب) ، وإضافته إلى الدعاء، فإنه سبحانه وهو فوق عرشه يسمع كل حركة وسكنة ولفظة من خلقه. وكل دعاء من عباده، فيجيب من يدعوه لشدة قربه منهم، فهو عليٌّ في قربه قريب في علوه. كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة آية ١٨٦) ، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق آية ١٦) ، وكما يقول رسول الله ﷺ : "إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته ".
المستمع:
وهو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (مفتعل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة [٥٠] بصيغة الجمع بلفظ (مستمعون) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلاَّ فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ (الشعراء آية ١٥) .
ومعنى (مستمع) أي سامع لموسى وهارون ﵉ -وسامع لكل خلقه بلا ريب- وذلك كقوله لهما: ﴿لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه آية ٤٦) أي أنه يسمعهما -وهو فوق عرشه- ماذا يقولان لفرعون ويراهما وهما تحت حفظه وتأييده [٥١] .
وقد قيل إن (سمع) تأتي بمعنى أجاب، وذلك في مثل ما يقول المصلي عند رفعه من الركوع: "سمع الله لمن حمده"أي استجاب [٥٢] .
العزيز:
стр. 9903
هو اسم من اسماء الله تعالى على وزن (فعيل) ، وقد ورد في القرآن الكريم تسعا وثمانين مرة [٥٣] منها اثنتان وثمانون [٥٤] بلفظ (العزيز) أو (عزيز) بالرفع، في مثل قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة آية ١٢٩) ، وقوله: ﴿لا إِلَهَ إِلا َّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران آية ١٨) . وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (المائدة آية ٣٨) ، وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (هود آية ٦٦) . وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ (إبراهيم آية ٤٧) . وقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الشعراء آية ٩) ، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٨) .
ومنها ست مرات [٥٥] بلفظ (عزيزا) بالنصب من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ٥٦) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء آية ١٥٨) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ (الأحزاب آية ٢٥) . وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (الفتح آية ١٩) .
стр. 9904
ومعنى (العزيز) الغالب كل شيء، والذي ذلّّّ لعزته كل عزيز، والممتنع فلا يغلبه شيء [٥٦] وهو سبحانه (رب العزة) ، وبيده وحده العزة، يعز بها من يشاء، ومن يرد العزة فلا مصدر لها سوى (العزيز) سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ (فاطر آية ١٠) . وقد أثبت الله تعالى لنفسه العزة جل وعلا. ومن عزته أعز رسوله ﷺ ، وأعز كذلك المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون آية ٨) ، وقد توعد الله ﵎ المنافقين الذين يلتمسون العزة عند الكافرين الذين اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين فقال سبحانه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ (النساء آية ١٣٨، ١٣٩) ، وقد اقترن اسم (العزيز) سبحانه بأسماء أخرى لله تعالى على الوجه الآتي:
١- اقترن باسم (الحكيم) تسعا وأربعين مرة: واقترانه به يفيد أنه الغالب الذي لا يعجزه شيء سبحانه، وهو الحكيم في أقواله وأفعاله جميعا فيضع الأشياء في محالها التي تناسبها مناسبة كاملة.
٢- واقترن باسم (ذو انتقام) ثلاث مرات [٥٧] : واقترانه به يفيد أنه الغالب الذي يقدر على أن ينتقم ممن يستحق الانتقام منه بمنتهى العدل منه سبحانه.
٣- واقترن باسم (القوي) سبع مرات [٥٨] . واقترانه به يفيد أنه سبحانه ذو القوة التي لا تغلب فبقوته سبحانه وعزته يوقع بمن يشاء من عقوبته ولا معقب لما يريد سبحانه.
٤- واقترن باسم (الحميد) ثلاث مرات [٥٩] : واقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز الغالب الذي لا يضام من لاذ بجانبه المنيع، المحمود في جميع أقواله، وأفعاله، وشرعه، وقدره [٦٠] ، فهو المحمود في كل حال [٦١] .
стр. 9905
٥- واقترن باسم (الرحيم) ثلاث عشرة مرة [٦٢] : واقترانه به يفيد أنه مع عزته وقوته وغلبته سبحانه، رحيم بخلقه بمعنى أنه لا يعجل العقوبة على من عصاه بل يؤجله وينظره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب [٦٣] ، وقيل: العزيز الذي قد قهر كل مخلوق ودان له العالم العلوي والسفلي - الرحيم: الذي وسعت رحمته كل شيء، ووصل جوده إلى كل حي- العزيز: الذي أهلك الأشقياء بأنواع العقوبات، الرحيم: بالسعداء حيث أنجاهم من كل شر وبلاء [٦٤] .
٦- واقترن باسم (العليم) خمس مرات: واقترانه به يفيد أنه العزيز الذي لا يمانع ولا يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرا ما إذا ذكر الله تعالى خلق الليل، والنهار، والشمس، والقمر، يختم الكلام بالعزة والعلم كما في قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [٦٥] كذلك هو العزيز الذي من عزته انقادت له هذه المخلوقات العظيمة. فجرت مذللة بأمره حيث لا تتعدى ما حده الله لها ولا تتقدم عنه ولا تتأخر، العليم الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والأوائل والأواخر [٦٦] ، كما أنه العزيز الذي قهر الخلائق فأذعنوا له، والعليم بجميع الأشياء، العليم بأقوال المختلفين وعمَّاذا صدرت، وعن غاياتها ومقاصدها، وسيجازي كلا بما علمه فيه [٦٧] .
٧- واقترن باسم (الغفور) مرتين [٦٨] وباسم (الغفار) ثلاث مرات [٦٩] ، واقترانه بهما يفيد أنه مع عزته وغلبته لكل خلقه، فإنه سبحانه يغفر جميع الذنوب صغيرها وكبيرها لمن تاب إليه وأقلع عنها. ويلاحظ هنا أن اسم العزيز اقترن باسم (الغفور، والغفار) وكل منهما صيغة مبالغة على وزن (فَعُول، وفَعَّال) مما يدل على كثرة غفره سبحانه للتائبين المنيبين.
стр. 9906
٨- واقترن باسم (المقتدر) مرة واحدة [٧٠] في قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (القمر آية ٤٢) ، واقترانه به يفيد أنه العزيز الغالب الذي أخذ المكذبين أخذ عزيز غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء [٧١] .
٩- واقترن باسم (الوهاب) مرة واحدة [٧٢] . أي مع أنه سبحانه العزيز الغالب القاهر الذي لا يرام جنابه يعطي بغير حساب [٧٣] ، ويعطي ما يريد لمن يريد [٧٤] عطاء منه وتفضلا من خزائن رحمته التي لا تنفد.
١٠- واقترن باسم (الجبار) مرة واحدة [٧٥] في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ﴾ (الحشر آية ٢٤) ، واقترانه به يفيد أنه سبحانه العزيز القاهر الغالب الذي لا يوجد له نظير، هو العظيم صاحب الجبروت وهي العظمة، والعرب تسمي الملك الجبار، ويجوز أن يكون من جبر إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير. ويجوز أن يكون من أجبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد، فهو سبحانه هو الذي جبر خلقه على ما أراد منهم، وبه قال السدي ومقاتل، واختاره الزجاج والفراء، قال: هو من أجبره على الأمر، أي: قهره، قال: ولم أسمع فعَّالا من أفعل إلا في جبار من أجبر. ودرَّاك من أدرك، وقيل: الجبّار: الذي لا تطاق سطوته [٧٦] وقيل: الجبار الذي لا يليق الجبروت إلا لجلاله. والجبار المصلح أمور خلقه المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم [٧٧] وقيل: الجبار: الذي قهر جميع العباد وأذعن له سائر الخلق، الذي يجبر الكسير ويغني الفقير [٧٨] ، أو الرؤوف الجابر للقلوب المنكسرة، وللضعيف العاجز، ولمن لاذ به ولجأ إليه [٧٩] .
وهكذا نرى اقتران اسم (العزيز) بعديد من أسماء الله تعالى، يدل على معان سامية، عرضنا بعضا منها فيما أسلفنا من بيان.
الرءوف:
стр. 9907
هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) ، وهو صيغة مبالغة يدل على عظيم رأفته سبحانه بخلقه. وقد ورد في القرآن الكريم عشر مرات [٨٠] في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٤٣) ، وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧) . وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة آية ١١٧) ، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحديد آية ٩) .
ومعنى الرءوف كثير الرأفة، وهى أشد من الرحمة. قال أبو عمرو بن العلاء: "الرأفة أكبر من الرحمة والمعنى متقارب" [٨١] فالرأفة هي المنزلة الثانية، فإذا اشتدت الرحمة كانت رأفة [٨٢] .
وقد اقترن اسم (الرءوف) باسم (الرحيم) سبحانه في تسع آيات من العشر المشار إليها، وعدي بالباء إلى العباد في آيتين في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (البقرة آية ٢٠٧، وآل عمران آية ٣٠) .
ورأفة الله تعالى ورحمته بعباده لا يعدلها رأفة أو رحمة. في الصحيح أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ : "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه" قالوا: "لا يا رسول الله". قال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" [٨٣] .
الشاكر، و (الشكور) :
стр. 9908
(الشاكر) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم مرتين [٨٤] ؛ مرة بلفظ (شاكرٌ) بالرفع، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة آية ١٥٨) ، ومرة بلفظ (شاكراً) بالنصب، في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾ (النساء آية ١٤٧) .
(والشكور) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فعول) بصيغة المبالغة، وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات [٨٥] ، في قوله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٠) ، وفي قوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٣٤) ، وفي قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (الشورى آية ٢٣) ، وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) .
ومعنى (الشاكر والشكور) : الذي يشكر القليل من العمل ويغفر الكثير من الزلل. ويضاعف للمخلصين أعمالهم بغير حساب. ويشكر الشاكرين، ويذكر من ذكره، ومن تقرب إليه بشيء من الأعمال الصالحة تقرب الله منه أكثر [٨٦] .
وقيل (الشكور) من أسماء الله وكذلك الشاكر- معناه: أنه يزكو عنده القليل من الأعمال، فيضاعف لهم به الجزاء وكأن الشكر من الله تعالى هو إثابته الشاكر على شكره، فجعل ثوابه للشكر وقبوله للطاعة شكرا على طريقة المقابلة كما قال عز اسمه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [٨٧] (البقرة آية ١٩٤) .
ونلاحظ أن اسم (الشاكر) قد اقترن باسم (العليم) سبحانه واقترانه به يفيد أنه تعالى شاكر أي يثيب على القليل بالكثير، مع علمه التام المحيط بقدر الجزاء، فلا يبخس أحدا ثوابه [٨٨] .
стр. 9909
كما نلاحظ أن اسم (الشكور) قد اقترن ثلاث مرات باسم (الغفور) واقترانه به يفيد أنه غفور لمن عصاه، وشكور لمن أطاعه [٨٩] وقيل: إنه غفور لذنوبهم. شكور للقليل من أعمالهم وقال قتادة: كان مطرف ﵀ إذا قرأ هذه الآية (أي آية فاطر) يقول: "هذه آية القراء" [٩٠] أقول: وحُقَّ لمطرف ﵀ أن يقول هذه القولة. إذ ختم بها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر آية ٢٩-٣٠) .
وقال ابن عباس ﵄: في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : غفر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسير من الحسنات [٩١] .
وقيل (غفور شكور) : أي يغفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات. فيستر ويغفر ويضاعف فيشكر [٩٢] .
واقترن اسم (الشكور) باسم (الحليم) مرة واحدة [٩٣] في قوله تعالى ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن آية ١٧) واقترانه به يفيد أنه (شكور) يثيب من أطاعه بأضعاف مضاعفة، (حليم) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة [٩٤] ، بل يمهله ولا يهمله [٩٥] .
وقيل (شكور) أي يجزي على القليل بالكثير، (حليم) أي يصفح ويتجاوز عن الذنوب والسيئات [٩٦] .
الواحد و (الأَحد) :
стр. 9910
(الواحد) : هو اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فاعل) ، وقد ورد في القرآن الكريم ست مرات [٩٧] في قوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (يوسف آية ٣٩) ، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الرعد آية ١٦) . وقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم آية ٤٨) ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (ص آية ٦٥) ، وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (الزمر آية ٤) ، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر آية ١٦) .
وقد ورد موصوفا به الإله ثلاث عشرة مرة [٩٨] ، في مثل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة آية ١٦٣) ، وقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (المائدة آية ٧٣) ، وقوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الأنبياء آية ١٠٨) .
و (الأحد) اسم من أسماء الله تعالى على وزن (فَعَل) . وقد ورد في القرآن الكريم مرة واحدة [٩٩] ، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (الإخلاص آية ١) .
وقيل: إن الفرق بين الواحد وأحد: أن الواحد يفيد وحدة الذات فقط، والأحد: يفيده بالذات والمعاني [١٠٠] .
قيل: وهمزة أحد بدل من الواو وأصله وحد، وقال أبو البقاء: همزة أحد أصل بنفسها غير مقلوبة، وذكر أن (أحد) يفيد العموم دون (واحد) .
ومما يفيد الفرق بين (أحد) و (واحد) ما قاله الأزهري: أنه لا يوصف بالأحدية غير الله. تعالى، فلا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، بل يقال: رجل واحد، ودرهم واحد [١٠١] .
следующие страницы →