Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
١٩- الاشتغال في مزدلفة بلقط الحصى قبل الصلاة، مع أن الحصى يصح أخذه من منى أو من غيرها.
٢٠- انصراف الكثير من مزدلفة قبل نصف الليل، وتركهم المبيت بها، مع أنه من واجبات الحج.
٢١- ترخص الأقوياء في الخروج إلى منى قبل الصبح، مع أن الرخصة إنما هي للضعفاء، أما غيرهم فقبيل طلوع الشمس.
٢٢- طواف بعضهم للإفاضة في النصف الأول من الليل، مع أن الرخصة للضعفاء في النصف الثاني بعد الرمي.
٢٣- توكيل بعض الأقوياء في الرمي، مع أن التوكيل إنما ورد عن الأطفال ونحوهم.
٢٤- ذبح الهدايا يوم النحر وتعريضها للإتلاف والإضاعة، مع أنه يمكن نقلها إلى الضعفاء، أو تأخير ذبحها إلى أيام التشريق.
٢٥- رمي الجمار أيام التشريق ضحى، مع أن وقته إنما يبدأ بزوال الشمس في الأيام الثلاثة التي بعد العيد.
٢٦- اعتقاد أن الجمرات هي الشياطين، ورميها بالأحذية أو بالحجارة الكبيرة، وسبها وشتمها، مع أن رميها تعبد، وتذكرة لعداوة الشيطان.
٢٧- توكيل بعضهم بالرمي وسفره مساء الحادي عشر أو صباح الثاني عشر، فيترك بعض المبيت، وبعض الرمي.
٢٨- طواف بعضهم للوداع قبل رمي الجمرات يوم النفر الأول، مع أن الوداع آخر أعمال الحاج.
٢٩- التكلف في زيارة بعض البقاع والأماكن: كجبل الرحمة، وغار حراء، وغار ثور، ومولد الرسول، أو مولد علي، أو بعض المساجد التي لا حقيقة لما يُقال فيها، ولا مزية توجب زيارتها.
٣٠- اعتقاد أن الحج لا يتم إلا بزيارة المدينة والتكلف في الحصول على ذلك.
٣١- اعتقاد أن السفر إلى المدينة لأجل زيارة النبي ﷺ ، مع أن شد الرحال إنما جاز لأجل المسجد النبوي؛ لفضل الصلاة فيه.
٣٢- ما يُفعل عند القبر النبوي من الهتاف باسم الرسول، ودعائه، والطواف بقبره، والتمسح به.
٣٣- التكلف في زيارة مساجد المدينة لا مزية لها: كمسجد أبي بكر، والمساجد السبعة، ومسجد القبلتين، ونحوها.
стр. 1017
فعلى الحاج أن يكون حذراً من الوقوع في شيء من هذه الأخطاء ونحوها، ليتم حجه، والله الموفق والمعين.
فضل أيام عشر ذي الحجة
والأعمال الواردة فيها
* فضل عشر ذي الحجة:
روى البخاري ﵀، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام". بمعنى: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء".
وروى الإمام أحمد ﵀، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إلى الله العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".
وروى ابن حبان ﵀ في صحيحه، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأيام يوم عرفة".
* أنواع العمل في هذه العشر:
الأول: أداء الحج والعمرة، وهو أفضل ما يعمل، ويدل على فضله عدة أحاديث، منها قوله ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". وغيره من الأحاديث الصحيحة.
الثاني: صيام هذه الأيام، أو ما تيسر منها، وبالأخص يوم عرفة، ولا شك أن جنس الصيام من أفضل الأعمال، وهو ما اصطفاه الله لنفسه، كما في الحديث القدسي: "الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً". متفق عليه. أي مسيرة سبعين عاماً.
وروى مسلم ﵀، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والتي بعده".
стр. 1018
الثالث: التكبير والذكر في هذه الأيام، لقوله تعالى: ((ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)) (الحج:٢٨) . وقد فسرت بأنها أيام العشر، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها، لحديث ابن عمر ﵄، عند أحمد ﵀، وفيه: "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد".
وذكر البخاري ﵀، عن ابن عمر، وعن أبي هريرة ﵃، أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر، فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهما.
وروى إسحاق ﵀ عن فقهاء التابعين رحمة الله عليهم، أنهما كانوا يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.
ويُستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق، والدور، والطرق، والمساجد وغيرها، لقوله تعالى: ((ولتكبروا الله على ما هداكم)) (البقرة:١٨٥) .
ولا يجوز التكبير الجماعي، وهو الذي يجتمع فيه جماعة على التلفظ بصوت واحد؛ حيث لم ينقل ذلك عن السلف، وإنما السنة أن يكبر كل واحد بمفرده، وهذا في جميع الأذكار والأدعية، إلا أن يكون جاهلاً فله أن يُلقَّن من غيره حتى يتعلم.
ويجوز الذكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح، وسائر الأدعية المشروعة.
الرابع: التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب، حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة، فالمعاصي سبب البعد والطرد، والطاعات أسباب القرب والود، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إنا الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه". متفق عليه.
стр. 1019
الخامس: كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات: كالصلاة، والصدقة، والجهاد، والقراءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. فإنها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام، فالعمل فيها وإن كان مفضولاً فإنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها، وإن كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال، إلا من عقر جواده واهريق دمه.
السادس: يُشرع في هذه الأيام التكبير المطلق؛ في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد، ويشرع التكبير المقيد: وهو الذي يكون بعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة، ويبدأ لغير الحجاج من فجر يوم عرفة، وللحجاج من ظهر يوم النحر، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق.
السابع: تُشرع الأضحية في يوم النحر، وأيام التشريق، وهو سنة أبينا إبراهيم ﵊، حين فدى الله ولده بذبح عظيم، وقد ثبت أن النبي ﷺ : "ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمَّى وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما". متفق عليه.
الثامن: روى مسلم ﵀ وغيره، عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره". وفي رواية: "فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره، حتى يضحي".
ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي، فقد قال الله تعالى: ((ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله)) (البقرة:١٩٦) . وهذا النهي ظاهره أنه يخص صاحب الأضحية، ولا يعم الزوجة ولا الأولاد، إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه، ولو سقط منه شيء من الشعر.
стр. 1020
التاسع: على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى، وحضور الخطبة والاستفادة، وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد، وأنه يوم شكر وعمل بر، فلا يجعله يوم أشر وبطر، ولا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات: كالأغاني، والملاهي، والمسكرات ونحوها، مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة، التي عملها في أيام العشر.
العاشر: بعد ما مر بنا، ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره، والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات، واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله، ليحوز على رضا مولاه.
فتاوى الحج
حكم الحج
والوعيد الشديد على من تركه مستطيعاً
وسُئِلَ وفقه الله تعالى للحق:
ما حكم الحج إلى بيت الله الحرام، وما الوعيد الشديد المترتب على من تركه وهو قادر عليه ومستطيع له؟
* فأجاب:
الحج كما هو معلوم ركن من أركان الإسلام، وقد ذكره النبي ﷺ في قوله: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". وفي حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً".
يتبين لنا من هذه الأحاديث أن الحج من جملة الإسلام وهو أحد أركانه العظام.
وأركان الإسلام هي دعائمه وأُسسه التي يقوم عليها ويتكون منها، فمن أخلَّ بركن من هذه الأركان فقد اختل إسلامه؛ فالبناء إذا انهدم أحد أركانه يعني أحد جوانبه فإنه لا يُنْتَفَعُ به، بخلاف إذا ما تمت حيطانه وجوانبه وزواياه، فكذلك الإسلام إذا اختل منه ركن من هذه الأركان فإنه يكون غير كامل ويكون دين المسلم فيه نقص. هذا معنى كونه ركناً من أركان الإسلام.
стр. 1021
ولكن الحج يجب بشروط، ذكرها العلماء في كتبهم، فمن أراد معرفتها فإنه يُرْجَعُ إليها في مواضعها.
أما من ترك الحج وهو قادر عليه ومستطيع لأدائه واكتملت فيه الشروط، فإنه على خطر عظيم، لما ورد من الوعيد الشديد على تركه. وقبل الحديث عن الوعيد في تركه، نذكر ما ورد في الحث على المبادرة إلى الحج.
لقد كان النبي ﷺ يحث على المبادرة إلى الحج، فمن ذلك قوله ﷺ : "بادروا بالحج والعمرة فإن الراحلة قد تضل والنفقة قد تذهب والرجل قد يمرض". أو كما قال ﵊، انظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي: (٣/٤٢) والتعليق عليه.
ففي هذا الحديث حث منه ﵊ المبادرة إلى أداء هذا الركن العظيم، والمبادرة معناها: الإسراع، وهذا من أدلة وجوب الحج على الفور.
كما أن أوامر الله تعالى يجب الإسراع بها، لما علل به في الحديث السابق من خوف العوائق والعوراض التي تعرض للإنسان، فإنه لا يدري متى تعرض له.
فعلى المسلم أن يبادر بأداء الأوامر والطاعات وهو في حال صحته واستطاعته قبل أن يندم، ولات حين مندم.
ثم إن الله تعالى إنما أوجبه مرة في العمر، كما في قوله ﷺ : "أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال: لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، الحج مرة، فما زاد فهو تطوع".
فمن حكمة الله ومن رحمته بعباده أنه ما أوجب الحج إلا مرة واحدة في العمر على الفور، لمن استطاعه، ولا يتم الدين إلا به وما زاد فهو تطوع.
ونعود للحديث عن الوعيد المترتب على من تركه، فقد ثبت عن عمر ﵁ أنه قال: "لقد هممت أن أبعث إلى بعض البلاد، فمن وجدوه قادراً على الحج فلم يحج أن أضع عليهم الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين" أو كما في الأثر.
стр. 1022
ورُوي أن علياً قال: "من قدر على الحج فلم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً".
ولعل هذا صدر على سبيل التهديد والوعيد، أو لعلَّه فيمن تركه مع القدرة عليه زُهداً فيه ورغبةً عنه، أو عدم اهتمام بهذا الركن، أو تساهلاً وتهاوناً به، أو انكاراً لشرعيته، أو للحِكَم التي تترتب عليه، أو نحو ذلك، ولا شك أن هذا انتقاص للإسلام.
وقد كان الحج إلى بيت الله العتيق قديماً قبل الإسلام، فقد رُوي أن الأنبياء قد حجوا هذا البيت، وقد روي في ذلك آثار وأحاديث، وكذلك رُوي أن الملائكة طافت به قبل أن يُخلق آدم، والله تعالى قد أمر إبراهيم ببناء هذا البيت، وأمره بالنداء إليه بقوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)) (الحج:٢٧) . وظاهر ندائه أنه كما روي في بعض الآثار: "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" فدلّ هذا على أن الحج واجب، فقوله: "كُتِبَ عليكم" أي: فرض عليكم، كما في قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)) (البقرة:١٨٣) . أي: فُرِض عليكم الصيام.
فإذا عرفنا أن الحج أحد أركان الإسلام، وأن الله تعالى أتم به الدين، وعرفنا أنه لازم وواجب، فعلى كل مسلم إذا تمت فيه الشروط المعروفة أن يأتي لهذا البيت المعظم، ملبياً نداء الله إليه، فإن من تركه تهاوناً فإنه متعرض للوعيد الشديد؛ سيما وقد فرضه النبي ﵊ وبيَّنه وأتمه، وقال للناس لما وقف بهم في المشاعر: "خذوا عني مناسككم" ولما وقف بعرفة أنزل الله عليه: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)) (المائدة:٣) . أي: في ذلك اليوم الذي تمت فيه المناسك والمشاعر وتمت فيه أركان الإسلام، وكان به تمام الدين وكماله، وفيه إتمام لسنة الله ورضاه بأن يكون الإسلام دينهم، فهذا كله دليل على أن الحج فرض وواجب.
стр. 1023
ومن الأدلة على فرضيته عموم أقوال الرسول ﷺ وأفعاله في التأكيد عليه وبيان فضائله وأنه خاتمة الشرائع، وأن من أتى به كان ذلك من تمام إسلامه، ومن لم يأت به كان إسلامه ناقصاً.
نسأل الله أن يجعل لنا منه حظاً ونصيباً، وأن يجعلنا من المقبولين والمغفور لهم، إنه على كل شيء قدير.
من حج ولم يصل
وسُئِل فضيلته:
من حج ولم يصلِّ، هل يحسب له حج أم لا؟
* فأجاب:
إذا كان قصد السائل أن يحج وهو تارك لصلاة الفريضة، التي فرضها الله في اليوم والليلة خمس صلوات، وهذا يقع كثيراً من بعض المنتمين إلى الإسلام في البلاد الإسلامية، وكثير من الناس يتسمون بأنهم مسلمون، ولكن ما معهم إلا مجرد التسمي، فتجد أحدهم لا يصلي طوال عمره مثلاً، وبعضهم يصلي فقط الجمع والأعياد، وأما بقية أوقاتهم فلا يعرفون الصلوات، لا فروضها ولا نوافلها، وهؤلاء بلا شك متهاونون بهذا الركن العظيم، الذي هو عمود الدين، وهو أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين.
وقد ورد في الأحاديث إطلاق الكفر على تارك الصلاة، وقال العلماء: إن المراد به الكفر العملي، لا الاعتقادي، وعلى كل حال فإن الذي يحج وهو مُصرٌّ على ترك الصلاة قبل حجه أو بعده، يعتبر قد أتى بعمل، ولكن أخلَّ بعمل آخر عظيم.
وقد اختلف العلماء في تكفير تارك الصلاة وفصلوا ذلك:
* فإن من تركها جاحداً لوجوبها، فهو كافرٌ ولا ينفعه حجّه، ولا يصح، ولا يسقط فرضه، وكذلك لا تصح بقية أعماله.
* وأما من تركها متكاسلاً ومتثاقلاً عنها فإنه باقٍ على دين الإسلام وينسب إلى المسلمين، ولكنه على خطر كبير، حيث إنه أخلَّ بهذا الركن العظيم، ويعتبر قد أذنب ذنباً كبيراً، ولكن حجه صحيح، وتسقط عنه حجة الإسلام.
وذهب كثير من العلماء والمحققين إلى القول بكفره، وبطلان حجه، وسائر أعماله؛ لإطلاق الأحاديث في كفر من ترك الصلاة.
стр. 1024
ومعلوم أن الحاج يجب عليه قبل الحج أن يتطهر من الذنوب، وأن يُقبل على ربه بقلب منكسر خاشع ذليل، وأن يصحح نيته فينوي نية صادقةً وأنه تائبٌ إلى الله توبة نصوحاً، فيرد المظالم إن كانت هناك مظالم بينه وبين أحد من الناس، ويقلع عن المعاصي صغيرها وكبيرها، فيحافظ على الصلاة جماعة في مساجد المسلمين، ويعاهد ربه أن لا يعود إلى ما كان عليه من التثاقل والتكاسل، ويتوب عن المعاصي الأُخرى من أكل الربا، أو الزنا، أو شرب الخمر، أو أكل الحرام، أو الاعتداء على المسلمين في الدم أو المال أو ما أشبه ذلك من المحرمات، حتى يُقبل حجه ويكون حجه مبروراً وسعيه مشكوراً.
وقد ورد في الأحاديث بأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ولا يكون الحج مبروراً إلا إذا تمت شروطه، وأركانه، وسننه، وقام صاحبه بما لله عليه فيه، وتجنب محظوراته، وتجنب المعاصي المحرمة عليه في كل الأوقات، وتاب لله توبة نصوحاً، وسأل عن كل عمل يعمله هل هو طاعة أم معصية، أم محظور أم محرم، أم مكروه أو ما أشبه ذلك، فإذا عرف الحكم وفعل ما هو طاعة وتجنب ما هو معصية، فإن عمله مقبول إن شاء الله.
هذا إذا كان السائل يقصد ترك الصلاة قبل الحج أو بعده أي: تاركاً للفرائض، وهي الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة.
فأما إن كان يريد ترك الصلاة عند الإحرام، فإذا قصد الحج ولبس الإحرام ولم يصل ركعتي الإحرام، فإنه ليس للإحرام صلاة مخصوصة، وقد ذكر بعض العلماء أن الصلاة عند الإحرام سنة، وبعضهم يقول: إذا وافق ذلك وقت صلاة، وقالوا: إن الرسول ﷺ أحرم عقب فريضة، فإن وافق إحرامك، فهذا هو الأفضل لأنه فعل النبي ﷺ .
стр. 1025
ولكن لا يُسن الإتيان بصلاة مخصوصة تسمى سنة الإحرام، كما يفعله كثير من الجهلة، وخاصة في أقوات النهي، فإن أحرمت في وقت نهي، فأحرم بدون صلاة، بل بمجرد النية، وهو لبس الثياب والتأهب للإحرام، والتلبية، ولا حاجة إلى الصلاة لكونه وقت نهي والله أعلم.
الاستنابة في الحج
وسُئِلَ حفظه الله ورعاه:
طَلَب مني أحد أقاربي أن أحج عن والدته المتوفاة، وأعطاني ثلاثة آلاف ريال كنفقة، وأنا أستطيع أن أُكمل الحج بأقل من تلك النفقة، فماذا أفعل بالباقي؟
* فأجاب:
هذه مسألة الاستنابة في الحج، أو الحج عن الغير بأُجرة، وقد كثر البحث فيها، وكثر التساهل من الذين يحجون بأُجرة.
والعلماء لم يرخصوا للإنسان أن يحج بأجرة، إلا إذا كان عاجزاً عن الحج من مال نفسه، وذلك لأن هذا عمل صالح والأعمال الصالحة لا تباع، ولا تؤخذ عليها مصالح دنيوية، فالحج: طواف، وسعي، وإحرام، وصلاة، ورمي، ووقوف، وهذه كلها أعمال صالحة لا يؤخذ عليها أُجرة، كما أن الإنسان لا يأخذ أجراً على الصلاة، ولا الصيام ولا على الصدقة، ونحو ذلك، فلا يبيعها لقول النبي ﷺ في الأذان: "اتخذوا مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً" فدلَّ على أن الأعمال الصالحة لا يجوز بيعها.
ولكن هناك حالة خاصة، فمثلاً أن إنساناً عاجز عن الحج بماله وهو قد أدى حجة الفريضة، فيجوز له أن يستعين بمال يتمكن به منه أداء الحج، فيأخذ هذا المال حتى يمكنه الحج فينفق منه بقدر حاجته ويرد باقيه على من أنابه إذا أنفق من سواء أنفق على أهله كأن يترك لأهله نفقته، وأنفق أجرة ركوبه وأجرة أكله وشربه، وقيمة فديته وغير ذلك، فالباقي يرده على أهله إلا إذا سمحوا وعفوا عن ذلك وقالوا: قد وهبنا لك ما بقي.
стр. 1026
أما كونه يتخذ الحج حرفة ويجعله كسباً، ويزايد فيه، ويقول: هذا قليل أعطني خمسة أو ستة آلاف ريال، فينفق منها ألفاً أو ألفين، والباقي يتاجر به فهذا بيع للعمل الصالح، ويعتبر عمل لأجل الدنيا، والعمل لأجل الدنيا شرك، كما في قول الله تعالى: ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها يبخسون)) (هود:١٥) .
رمي الجمار قبل الزوال في اليوم الثاني عشر
وسُئِلَ حفظه الله:
نسب إليكم فتوى في جواز رمي الجمار (قبل الزوال) لمن أراد التعجل في اليوم الثاني عشر أي: ثاني أيام التشريق؟ وقد نشرت في جريدة المسلمون؟ فهل هذا صحيح وما هو دليلكم في ذلك؟
* فأجاب:
اتصل بنا صاحب الجريدة المذكورة هاتفياً، وذكر ما حصل في الحج الماضي (عام ١٤١٤هـ) من الوفيات، وسأل هل من رخصة في تقديم الرمي؟.
فذكرت له أن هناك قولاً لأبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد بجواز الرمي قبل الزوال للمتعجِّل، حيث ذكر ذلك صاحب المغني، والزركشي في شرح مختصر الخِرْقي، وصاحب الإنصاف، ولكن صاحب الجريدة تجرأ ونسب الفتوى إليَّ بخط بارز، ومعروف أن أصحاب الصحف يبالغون في نشر مثل هذا، فجعلوا العنوان كبيراً كما قرأتموه، أو قرأه بعضكم، وهم بذلك يريدون لفت الأنظار، مع أني إنما حكيت الرواية التي ذكرها في المغني وغيره، ولم أفصح أنني أختاره، إنَّما أقول أنه جائز للضرورة، عندما يخاف الإنسان على نفسه، وهذا القول لمن أراد التعجل، أما الذي لا يريد التعجل فليس له أن يرمي إلاّ بعد الزوال.
стр. 1027
وبكل حال فالأصل أن وقت الرمي في أيام التشريق بعد زوال الشمس، كما ثبت في الحديث عن ابن عمر وجابر وعائشة وغيرهم، وهو قول الأئمة كلهم، ذكره ابن قدامة كما في المغني مع الشرح (٣/٤٧٦) ، لكنه ذكر أن إسحاق بن راهويه، وأصحاب الرأي، وهم الحنفية، رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر إلاَّ بعد الزوال، وعن أحمد مثله، ورخص عكرمة في ذلك أيضاً، وقال طاووس: يرمي قبل الزوال، وينفر قبله... الخ.
وهكذا ذكر في الشرح الكبير في نفس الصفحة: وقال الزركشي في شرحه على مختصر الخِرَقي (٣/٢٧٩) : والرواية الثانية إن رمى في اليوم الآخر قبل الزوال أجزأه، ولا ينفر إلاَّ بعد الزوال (والثالثة) كالثانية إلا أنه إن نفر قبل الزوال لا شيء عليه، قال في رواية ابن منصور: إذا رمى عند طلوع الشمس في النفر الأول ثم نفر. كأنه لم ير عليه دماً اهـ.
وذكر القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ((فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه)) (البقرة:٢٠٣) (٣/٩) . عن عطاء أنه سمعه يذكر أنه رخص للرعاء أن يرموا بالليل في الزمن الأول، وذكر أنه روي مرفوعاً عند الدارقطني، وغيره، وعلله بأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل.
وقال مالك: إذا تركه نهاراً رماه ليلاً، وعليه دم في رواية ابن القاسم، ولم يذكر في الموطأ أن عليه دماً.
وقال الشافعي، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد: إذا نسي الرمي حتى أمسى يرمي ولا دم عليه، وكان الحسن البصري يرخص في رمي الجمار ليلاً، وقال أبو حنيفة: يرمي ولاشيء عليه.
ويمكن أن يستدل على تقديم الرمي يوم النفر الأول بظاهر قوله تعالى: ((فمن تعجل في يومين)) حيث إن اليوم يعم أول النهار وآخره.
وبعد هذا التفصيل وذكر الأقوال أقول:
стр. 1028
أنه في هذا الزمان وخاصة ما حدث في الحج الماضي كما تعرفون من الزحام الشديد، مما أدَّى إلى الوفيات، وقد ذكر بعضهم أن من أسباب هذا الزحام هو: أن كثيراً من المطوفين يؤكدون على الحجاج التابعين لهم بأن يأتوا إليهم في المكان الفلاني في الساعة الثانية بعد الظهر مثلاً، ومن لم يأت فإننا سوف نسير ونتركه، ومن المعلوم أن هؤلاء المطوفين معهم أعداد كبيرة من الحجاج تصل إلىمئات الألوف فيضطر هؤلاء كلهم إلى التجمع عند الجمرة قبل الزوال، حتى إذا كان الزوال رموا جميعاً ليتمكنوا من الوصول إلى مطوفيهم في الموعد المحدد، وهنا يحدث الزحام الشديد عند الرمي وفي طريقهم ذهاباً وإياباً، وبعدها يذهبون لطواف الوداع، ثم يرجعون إلى المكان الذي وعدوا فيه، وقد لا يقدرون على ذلك في ساعتين، فلأجل ذلك يحتشدون بهذه الأعداد الكبيرة في وقت واحد ثم لا تسأل عما يحدث بعدها من الوفيات الكثيرة.
وكان الأولى لهؤلاء المطوفين ألا يشددوا هذا التشديد على حجاجهم، وعليهم أن يرفقوا بهم، وينتظروهم ولو تأخروا إلى الساعة الثالثة أو الرابعة، أو الخامسة مثلاً حتى يتكاملوا وحتى لا يتكلفوا ويضطروا بأن يرموا جميعهم في الساعة الثانية عشر والنصف في لحظة واحدة، ويحدث من المشاكل والوفيات مثل ما حدث ويحدث كل عام.
ولو ذهبت إلى الجمرات عند الساعة الثانية ونحوها لوجدت المكان خالياً أو خفيفاً من الزحام لأن الكل أو الأغلب قد رموا وخرجوا.
ولن يكون لهذه المسألة حل إلاَّ بأحد أمرين:
الأول: إما التوسعة والرخصة في الرمي للمضطر قبل الزوال بساعة أو ساعتين ولو لم يخرج إلا بعد الزوال.
الثانية: أو يلاحظ على المطوفين أن لا يشددوا على حجاجهم هذا التشديد، ويجب على وزارة الحج أن تأخذ على أيديهم وتعمل لهم برنامجاً ينظمهم حتى يتفادوا الأخطار، والوقوع في الأخطاء، والله أعلم.
стр. 1029
خواطر رمضانية
الفهرس
تقديم فضيلة الشيخ ابن جبرين
المقدمة
الخاطرة الأولى: فرضية الصيام
الخاطرة الثانية: الصوم يدفع إلى فعل الطاعات
الخاطرة الثالثة: الصوم ينهى عن فعل المحرمات
الخاطرة الرابعة: الصوم الصحيح
الخاطرة الخامسة: من فوائد الصيام
الخاطرة السادسة: القرآن في رمضان
الخاطرة السابعة: الذكر والدعاء والاستغفار في رمضان
الخاطرة الثامنة: الفرح بالعيد لتخلفهم من رمضان
الخاطرة التاسعة: يوم العيد
الخاطرة العاشرة: وداعاً يا شهر التوبة
تنبيهات على أخطاء أو نقائض تقع من بعض الصائمين
تقديم فضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فهذه كلمات تتعلق بالصيام وفوائده وآثاره على الصائمين، كنت ألقيتها كمحاضرة ارتجالية في بعض المساجد، وقد سجلها بعض الحاضرين ثم نسخت في هذه الأوراق، وقد صححنا ما فيها من الأخطاء التي أوقع فيها الارتجال، وأدخلنا عليها بعض التعديلات مع تخريج الأحاديث المرفوعة، وترقيم الآيات القرآنية ورغب بعض الإخوان في طبعها رجاء النفع بها.
نسأل الله تعالى أن يوفق عموم المسلمين لتطبيق الشريعة الإسلامية، والحرص على تكميلها وتحصيل المصالح وتقليل المفاسد، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)) (آل عمران:١٠٢) .
стр. 1030
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجال كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)) (النساء:١) .
((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)) (الأحزاب:٧٠-٧١) .
أما بعد:
(أصل هذه الرسالة محاضرة لفضيلة الشيخ/عبد الله بن جبرين، قمت بنسخها في أوراق، ثم قمت بتهذيبها وتصحيحها، وعزو الآيات، وتخريج الأحاديث قدر الإمكان، ثم عرضتها على فضيلة الشيخ فقام بتصحيحها، والتقديم لها وأذن بطبعها ونشرها، نسأل الله أن ينفع بها وأن يكتبها في موازين أعمال كل من ساهم في إخراجها إنه سميع مجيب "أبو أنس") .
لا شك أن الصوم لم يكن من خصائص هذه الأمة بل كان شرعاً قديماً، كلف به العباد والأمم من قبلنا، يقول تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم.. الآية)) (البقرة:١٨٣) .
وقد فرض الصوم على هذه الأمة في السنة الثانية من الهجرة، فصام النبي ﷺ تسع رمضانات بالإجماع. وما شرع الله هذا الصوم -وغيره من العبادات- عبثاً، وإنما شرعه لِحِكَمٍ عظيمة، وفوائد جليلة تعود على الفرد والمجتمع والأمة بأسرها.
وهذه خواطر رمضانية حول حقيقة الصوم وأحكامه أردنا أن نبينها حتى يتم النفع للمسلم من صيامه وعبادته والله الموفق.
الخاطرة الأولى:
فرضية الصيام
يقول تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم..الآية)) (البقرة:١٨٣) . فأخبر أن الصيام عبادة قديمة كتبت على الأمم قبلنا، وفي ذلك بيان أنه شرع قديم.
وقد ذكر أن موسى ﵇ لما واعده ربه بلقائه، صام ثلاثين يوماً، ثم زاده الله عشراً في قوله تعالى: ((وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر)) (الأعراف:١٤٢) .
стр. 1031
وكذلك فإن لأهل الكتاب صياماً، ولكنهم يزيدون فيه وينقصون.
ومن شهد شهر رمضان وهو عاقل مكلف فإنه مأمور بصيامه، يقول تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّنات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصُمْه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أخّر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر...)) (البقرة:١٨٥) .
فعذر الله أهل المرض، وأهل السفر أن يفطروا لأجل اليسر، ورفع الحرج، وهذا من خصائص شريعتنا وفضائل ديننا.
ولا شك أن الله تعالى حكيم في أمره وفي تشريعه، فما شرع الصوم وغيره من العبادات إلا لحكم عظيمة تعجز العقول عن إدراكها.
فالصوم فيه تأديب للنفوس وحرمان لها عن تلبية شهواتها. ولهذا فإن الصائم ينفطم ويترك الطعام والشراب وشهوة النكاح طوال النهار، مدة قد تصل إلى خمس عشرة ساعة أو أكثر أو أقل.
ولا شك أنه في هذه الحالة غالباً ما يحسّ بفقد هذه الشهوات، وقد يتألم، ولكن لما كان تألمه عبادة لله وطاعة فإنه يهون على النفوس الطيبة، ويكون سهلاً على النفوس التقية النقية، ذلك أنه جوع وظمأ في مرضاة الله، جوع سببه الامتثال لأمر الله تعالى.
ولأجل ذلك ورد في الحديث المشهور أن الله تعالى خصَّ الصوم لنفسه، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" (أخرجه البخاري برقم ١٩٠٤ في الصوم، باب: "هل يقول: إني صائم إذا شُتم؟ ") . وفي رواية: "كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله : إلا الصيام... الحديث" (أخرجه مسلم برقم ١١٥١-١٦٤ في الصيام، باب: "فضل الصيام") .
стр. 1032
يقول العلماء: إن كل عمل ابن آدم له أي يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، إلا الصوم فإنه لا ينحصر في هذه المضاعفة، بل يضاعفه الله أضعافاً كثيرة، فلا يدخل تحت الحصر، وذلك لكونه طاعة خفية بين العبد وبين ربه، ولأن فيه صبراً عن شهوات النفس، ومجاهدة لها وإرغاماً لها على طاعة الله. ولهذا سمي هذا الشهر: "شهر الصبر" (كما في حديث سلمان الطويل الذي أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم (١٨٨٧) . وانظر الدر المنثور (١/١٨٤) . وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، قال أحمد بن حنبل: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ضعيف) ، والصبر ثوابه الجنة، قال الله تعالى: ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)) (سورة الزمر:١٠) . فيضاعف أجرهم إلى غير عدد، إلى أضعاف لا يعلمها إلا الله.
والصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
١- صبر على طاعة الله.
٢- صبر عن معاصي الله.
٣- صبر على أقدار الله.
وكلها تجتمع في الصوم.
أما الصبر على طاعة الله: فالصائم يصبر عن تناول الشهوات، وهذا صبر على أوامر الله، صبر على طاعة الله.
أما الصبر عن معاصي الله: فإن المسلم إذا علم أنه إذا اقترف المعصية، فإن هذا سيجلب عليه سخط الله فإنه يتجنبها.
أما الصبر على أقدار الله: فإن المسلم يصبر على ما يصيبه، وما يؤلمه من جوع وعطش، وكل ذلك دليل على أنه من الصابرين: و ((إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)) [الزمر:١٠] .
ولا شك أن هذا إنما يكون في الصوم الحقيقي، في الصوم المفيد، في الصوم الشرعي المبني على كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، لأن الصوم إنما يكون صوماً إذا ظهرت آثاره على الصائمين، وذلك لأن صاحب هذا الصوم هو الذي يتأثر وينتفع بصيامه.
стр. 1033
وكذلك فإن صاحب هذا الصوم الشرعي الحقيقي هو الذي ينتفع بشفاعة الصيام له يوم القيامة، فعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصيام: أيّ ربِّ منعتُه الطعام والشهوة، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيُشَفَّعَان" (أخرجه أحمد في المسند (٢/١٧٤) ورواه الحاكم في المستدرك (١/٥٥٤) . والهيثمي في مجمع الزوائد: (٣/١٨١) . قال أحمد شاكر (٦٦٢٧) إسناده صحيح) .
الخاطرة الثانية:
الصوم يدفع إلى فعل الطاعات
يظل الصائم متلبساً بعبادة من أفضل العبادات، متلبساً بعمل من حين يطلع الفجر إلى أن تغرب الشمس، ولا بد أن تبدو عليه حينئذ آثار هذه العبادة، لهذا قال النبي ﷺ "ثلاثة لا ترد دعوتهم.. وذكر منهم: الصائم حين يفطر" (أخرجه الترمذي برقم ٢٥٢٦ وقال: هذا حديث إسناده ليس بالقوي. وابن ماجة برقم ١٧٥٢ من حديث أبي هريرة ﵁ .
فالصائم من حين يبدأ صومه إلى أن يفطر وهو مستجاب الدعوة إذا كان صحيح الصوم.
وعبادة الصوم تجر إلى سائر العبادات، لأنك إذا عرفت أنك في عبادة حملك ذلك على أن تأتي بعبادة ثانية، وثالثة، ورابعة، وهلم جراً، فتستكثر من العبادات، وتقول: لماذا لا أرغب في العبادات؟ كيف أقتصر على عبادة واحدة، والعبادات كلها مرغوبة ومحببة؟
* فتجد الصائم -صحيح الصيام- يحافظ على الصلوات في الجماعة، لأنه يعرف أن الذي كلفه بالصوم كلّفه بالصلوات، وأمره بها، فأكد على هذه كما أكد على تلك، فتجده محافظاً عليها، وتجده في حال صلاته خاشعاً فيها غاية الخشوع، قائماً بجميع أركانها وشرائطها ومكملاتها ومتمماتها وسُننها، لأنه يحاسب نفسه ويقول: كيف أكمل عبادة وأنقص عبادة؟ هذا لا يليق بي. لا بد أن أحسن في كل عبادة أقوم بها، فتجده محافظاً على صلاته غاية المحافظة.
стр. 1034
* وهكذا يدفعه الصوم إلى نوافل العبادات، لأنه عرف أن ربه يحب منه أن يدخل في العبادات كلها، فرضها ونفلها، فإذا حافظ على الفرائض حمله ذلك على الإتيان بالنوافل؛ فتجده يتسابق إلى المساجد، وتجده يصلي الرواتب قبل الصلوات وبعدها، وتجده يذكر الله، فيأتي بالأوراد التي قبل الصلاة وبعدها، ويسبح، ويستغفر، ويهلل، وتجده يتلو كتاب ربه ويتدبره؛ لا سيما في هذا الشهر -شهر رمضان- فإنه يعرف أنه موسم من مواسم قراءة القرآن وتدبره، وتجده مع تدبره يحرص على تطبيقه والعمل به، لأنه يعرف أن هذا القرآن ما أنزل إلا ليطبق ويكون منهاجاً للحياة ودستوراً للبشرية كلها. وهكذا فإن الصيام يحمل صاحبه على أن يستكثر من العبادات، للفوز بجزيل الثواب والنجاة من أليم العقاب.
* وهكذا أيضاً يحرص الصائم على عبادات مؤقتة في مثل هذا الشهر؛ فمثلاً من سنن هذا الشهر صلاة الليل التي هي التهجد والتراويح، وهي مأمور بها ويستحب للمسلمين فعلها في المساجد جماعة. وكما جعل الله النهار محلاً للصيام، فإنه جعل الليل محلاً للقيام والاستكثار من الصلوات.
* كما يدفعه صيامه أيضاً إلى النفع العام للمسلمين في هذا الشهر وفي غيره، فينفع نفسه وينفع سائر المسلمين؛ سواء كان في الأمور الدنيوية أو في الأمور الدينية:
فمن المنافع الدنيوية: الصدقات التي أمر الله تعالى بها، وأمر بها رسوله ﷺ . قال بعض السلف: "إذا دخل رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله". فالإنسان مأمور بأن يكثر الصدقات في هذا الشهر وقد كان النبي ﷺ أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (أخرجه البخاري برقم ٦ في بدء الوحي، باب:٥) .
стр. 1035
ذلك أنه شهر يتفرغ فيه العباد لطاعة الله ويبتعدون عن طرق الغواية والمعصية، ويستحب فيه مواساة الفقراء، وقد ثبت في الحديث أن من فطر صائماً كان له مثل أجره (أخرجه الترمذي برقم ٨٠٧ في الصوم. باب "ما جاء فيمن فطر صائماً") .
ومن المنافع الدينية: فإنك كما ينبغي عليك أن تنفع نفسك، فإن عليك أن تنفع المسلمين، فإذا استقمت على طاعة الله، فإنك تحرص على أن تقيم غيرك على هذه الطاعة، وذلك بأن تأمر إخوانك وأقاربك وجيرانك بأن يعملوا كما تعمل، وترشدهم إلى ما أنت عليه، وتحثهم على العبادات التي أتيت بها، فتحثهم على قراءة القرآن، وعلى المحافظة على الصلوات، وتذكّرهم بذلك، وتقول لهم إن الذي يحب منكم الصيام يحب منكم الصلوات، والذي أمركم بهذا الصوم أمركم بذكره، وفرض عليكم هذه الصلوات، وهذه الزكوات، وربّ رمضان هو ربّ شوال ومحرم وسائر الشهور، فلعلهم ينتفعون بذلك ويكون في ذلك فائدة عظيمة لك ولهم، وتسلم من الإثم إذا لم ترشدهم وإذا استقاموا على يديك كان لك من الأجر مثل أجورهم وذلك خير لك من الدنيا وما فيها (لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً" أخرجه مسلم برقم ٢٦٧٤) .
كذلك أيضاً فمن النفع المتعدي التعليم والتفقيه، وذلك أنك متى علمت حكماً أو مسألة، وعرفت أن فلاناً أو فلاناً يجهلها، فإن من واجبك أن تعلمه وترشده سواء أكانت حُ: مية أو وعظية أو إرشادية، أو غير ذلك.
الخاطرة الثالثة:
الصوم ينهي عن فعل المحرمات
стр. 1036
فإن الله تعالى قد نهى الصائم عن الأكل والشرب والوقاع في نهار رمضان، وجعل ذلك مفسداً للصوم، فيتأكد على المسلم أيضاً أن يترك المحرمات في نهار صومه وفي ليالي شهره، ويجب عليه أن يتأثر بعد الشهر بما أفاده هذا الصوم، وذلك لأن الله الذي حرّم عليك في نهار رمضان أن تأكل وأن تشرب؛ مع كون الأكل والشرب من الشهوات النفسية التي تتناولها النفس بطبعها والتي تعيش عليها وتموت بفقدها، فإن الله تعالى حرم عليك محرمات أخرى هي أشد إثماً وأشد ضرراً وليست بضرورية كضرورة الطعام والشراب، وقد ورد في ذلك كثير من الآثار نذكر بعضها:
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب ولا يفسق، فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني امرؤٌ صائم" (أخرجه البخاري ١٩٠٤ في الصوم. باب: "هل يقول إني صائم إذا شتم؟ " ومسلم برقم ١١٥١ في الصيام، باب: "فضل الصيام") .
والصخب هو: رفع الصوت بالكلام السيئ. والرفث: هو الكلام في العورات، والكلام فيما يتعلق بالنساء ونحو ذلك. أما الفسوق: فهو الكلام السيئ الذي فيه عصيان وفيه استهزاء وسخرية بشيء من الدين أو من الشريعة، ونحو ذلك.
فالصوم ينهي صاحبه عن هذه الأشياء. وكأنه يقول إن صيامي ينهاني عن هذا الصخب -فإن الصوم ينهى عن المأثم، ينهى عن الحرام- فيقولك كيف أترك الطعام والشراب -الذي هو حلال- وآتي بما هو محرم في كل الأوقات؟
٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (أخرجه البخاري برقم ١٩٠٣ في الصوم، باب: "من لم يدع قول الزور") .
стр. 1037
فالله تعالى ما كلفك أن تترك الطعام والشراب إلا لتستفيد من هذا الترك، فتترك الرفث، وتترك الفسوق، وتترك قول الزور، وتترك المعاصي المتعلقة بالنساء وبالجوارح، فإن لم تفعل ذلك ولم تستفد من صيامك فالله تعالى يرده عليك ولا يجزيك على عملك.
٣- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر" (أخرجه ابن ماجة برقم ١٦٩٠، وأحمد في المسند ٢/٣٧٣، ٤٤١) .
٤- وعن عبيد مولى رسول الله ﷺ : "أن امرأتين صامتا فكادتا أن تموتا من العطش، فذكرتا للنبي ﷺ ، فأعرض عنهما، ثم ذُكرتا له، فأعرض عنهما، ثم دعاهما فأمرهما أن يتقيئا فتقيّئتا ملء قدح من قيح ودم ولحم عبيط فقال النبي ﷺ : "إن هاتين صامتا عما أحل الله. وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس" (أخرجه أحمد في المسند ٥/٤٣١) .
فانظر إلى قوله: "صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله". فجعل هذا فطراً، كون الإنسان يأكل أعراض الناس، وكونه يتكلم في فلان وفلان بغير حق، فهذا لم يستفد من صومه، صام عن الحلال، وأفطر على الحرام -والعياذ بالله- فلم ينتفع بصومه.
ولا شك أن الصوم الذي هذه آثاره لا ينتفع به صاحبه ولا يفيده؛ فإن الصوم الصحيح يجادل عن صاحبه ويشهد له يوم القيامة ويشفع له عند الله (حديث: أن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة.. سبق تخريجه) .، فإن لم يحفظه لم يستفد منه ولم يؤجر عليه.
يقول بعضهم:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري عضٌّ في منطقي صمتُ
فحظي إذاً من صومي الجوع والظمأ وإن قلتُ: إني صمتُ يومي فما صمتُ
стр. 1038
فلا بد أن يكون على الصائم آثار الصيام، كما روي عن جابر ﵁ أنه قال: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الغيبة والنميمة، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
وبالجملة فالصوم الصحيح يدعو صاحبه إلى ترك المحرمات، فإن المعصية إذا سولت للإنسان نفسه أن يقترفها رجع إلى نفسه، وفكّر وقدر ونظر واعتبر، وقال مخاطباً نفسه: كيف أقدم على معصية الله وأنا في قبضته وتحت سلطانه، وخيره عليَّ نازل، وأنا أتقرب إليه بهذه العبادة؟
ومن الذين لم يستفيدوا من صيامهم: أولئك الذين يسهرون على تعاطي الدخان المحرم الذي هو ضار بكل حالاته ووجوهه، فلا شك أنهم لم يستفيدوا من صيامهم ذلك أن الصوم تبقى آثاره، وهؤلاء لا أثر للصيام عليهم.
فالصائم الذي امتنع عن شرب الدخان طوال نهاره، وكذلك عن شرب الخمر المحرمة -والعياذ بالله- ولكنه تناول ذلك في ليله، فهذا الفعل دليل على أنه لم يستفد من صومه، وإنما صومه عليه وبال.
الخاطرة الرابعة:
الصوم الصحيح
كثير من عامة الناس يحافظون على العبادات في أيام رمضان، وكأنهم يستنكرون أن يتركوا العبادتين: الصوم والصلاة، أو يفعلوا عبادة دون عبادة.
فتراهم يستنكرون أن يتركوا الصوم والصلاة، ويستنكرون أن يؤدوا الصوم دون الصلاة، أو يفعلوا شيئاً من المحرمات.
تجدهم في رمضان يتوبون ولكن توبة مؤقتة، فهم في أنفسهم عازمون على العودة إلى المعاصي. ففي رمضان يحافظون على الصلاة، ويتوبون عن الخمر أو عن الدخان مثلاً، أو عن الاستماع إلى الأغاني والملهيات ونحو ذلك، أو عن بعض الشعارات الباطلة أو عن الصور الخليعة، أو ما أشبه ذلك، ولكن يحدثون أنفسهم أنهم بعد شهر رمضان سيعودون إلى ما كانوا عليه ولهذا يتمنون انقضاء هذه الأيام وإذا أقبل رمضان حثوا أنفسهم، وتناولوا ما قدروا عليه من الخمر ومن غيرها حتى قال بعضهم:
стр. 1039
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر
والعياذ بالله... فهؤلاء ربما يفرقون بين رمضان وما بعد رمضان؛ فيستكثرون من تناول الحرام وفعله قبل أن يأتي شهر رمضان؛ لأنهم سيتركونه مدة هذا الشهر فقط، ثم يعودون إليه، حتى قال بعضهم:
إذا العشرون من شعبان ولّت فبادر بالشراب إلى النهارِ
ولا تشرب بأقداحٍ صغارٍ فإن الوقتَ ضاق على الصغارِ
فمثل هؤلاء لم يتأثروا بصومهم، فالإنسان يستعيذ بالله أن يكون من هؤلاء الذين ما نفعهم صومهم ولا زجرهم عن المحرمات، وإذا فعلوا شيئاً من العبادات فعلوها بنية الترك وإذا تركوا شيئاً من المعاصي تركوها بنية الفعل بعد أن ينفصل الشهر، كما قال شاعرهم وأميرهم:
رمضان ولّى هاتها يا ساقي مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ
فهو ينادي ساقي الخمر بأن يأتي إليه بالشراب مسرعاً؛ لأن رمضان قد انقضى وولَّى وكأن الخمر حرام في رمضان حلال في غيره.
فالصوم الصحيح هو الذي يحفظ فيه الصائم صيامه؛ فيحفظ البطن وما حوى، والرأس وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويستعد للآخرة بترك زينة الحياة الدنيا، ويترك الشهوات التي أساسها شهوة البطن والفرج، ويذكر بعد ذلك ما نهاه الله عنه من الشهوات المحرمة في كل وقت. ويذكر أيضاً أن الصوم هو في ترك هذه الشهوات، فما شرع الله الصوم إلا لتقويم النفوس وتأديبها.
الخاطرة الخامسة:
من فوائد الصيام
ذكر الأطباء والعلماء قديماً وحديثاً أن الصوم يهذب النفوس، وأنه يزكيها ويقويها وأنه يكسب الأجسام ملاحة وصحة وقوة، حتى قال بعضهم: (سافروا تغنموا، وصوموا تصحوا) ("صوموا تصحوا". يروى هذا اللفظ ضمن حديث رواه ابن عدي في الكامل: ٧/٢٥٢١ من طريق نهشل بن سعد عن الضحاك عن ابن عباس. ونهشل متروك كان يكذب، والضحاك لم يسمع من ابن عباس) .
стр. 1040
فمعنى ذلك أن الصوم حماية للنفس، من الأخلاق المؤذية الضارة التي قد تفسد النفس وتوقعها فيما يضرها.
كما أن فيه أيضاً تمرين النفس على الصبر والتحمل والمجاهدة، وأنت تحس بذلك إذا ما فاجأك أمر يحتاج منك إلى شيء من ذلك.
* فالإنسان الذي تعوَّد على الجوع، وصبر عليه مدة طويلة وصبر على الظمأ، إذا جاءه أمر مفاجئ، بأن وقع مثلاً في جوع شديد أو إذا ظمئ ولا يوجد ماء وهو في سفر، أو انقطع عنه الشراب كما يكون في الأسفار أحياناً، فإذا كان قد مرّن نفسه على هذا العمل، لم يحس بذلك ولم يتأثر به، بخلاف من عوّد نفسه على تناول الشهوات في كل الأوقات، فإنه إذا افتقدها في وقت من الأوقات حصل عليه تأثر كبير، وأصيب بالأمراض وربما أتى إليه الهلاك بسرعة؛ وذلك لأنه لم يتعود هذا الأمر ولم يمرن نفسه عليه.
* كما أن للصيام أيضاً فائدة أخرى وهي: أن الصائم إذا أحس بالجوع تذكر أهل الجوع الدائم؛ تذكر الفقراء، والمساكين، والمستضعفين، الذين يمسهم الجوع في أغلب الأوقات في أكثر البلاد الإسلامية تذكر أن له إخوة يجمعهم وإياه دين واحد، دين الإسلام، يدينون بما يدين به ويعتقدون ما يعتقده، وأنهم في جهد وفي جوع، وفي ضنك من المعيشة، فيحملك هذا الذي أحسست به من هذا النوع على أن ترحمهم وتعطف عليهم وتواسيهم وتعطيهم مما آتاك الله، وتمدهم بما يخفف عنهم آلامهم التي يقاسونها. فإذا قاسيت هذه الآلام في وقت من الأوقات تذكرت من يقاسيها في جميع الأوقات.
فهذه من الحكم العظيمة في الصيام أن يتذكر الغني الفقراء، وأن يرحمهم ويعطف عليهم بما أعطاه الله تعالى.
الخاطرة السادسة:
القرآن في رمضان
معلوم أن رمضان شهر له خصوصية بالقرآن. قال الله تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) (البقرة:١٨٥) .
стр. 1041
فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، وفي ليلة منه هي ليلة القدر، لذا كان لهذا الشهر مزية بهذا القرآن.
وكان النبي ﷺ يعرض القرآن في رمضان على جبريل ﵇، فكان يدارسه القرآن.
فعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن" (سبق تخريجه) .
فكونه يخص ليالي رمضان بمدارسته، دليل على أهمية قراءة القرآن في رمضان.
ومعلوم أن الكثير من الناس يغفلون عن قراءة القرآن في غير رمضان، فنجدهم طوال السنة لا يكاد أحدهم يختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتين، أو ربما نصف ختمة في أحد عشر شهراً. فإذا جاء رمضان أقبل عليه وأتم تلاوته.
ونحن نقول: إنه على أجر، وله خير كبير، ولكن ينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذين يهجرونه، قال تعالى: ((وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)) (الفرقان) .
* ومن هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتماً به طوال العام إلا قليلاً.
* ومن هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، ولم يتعقله.
* ومن هجرانه أن القارئ يقرأه لكنه لا يطبقه، ولا يعمل بتعاليمه.
وأما الذين يقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته.
ويجب على المسلم أن يكون مهتماً بالقرآن، ويكون من الذين يتلونه حق تلاوته، ومن الذين يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه ويقفون عند عجائبه، ويعتبرون بأمثاله، ويعتبرون بقصصه وما فيه، ويطبقون تعاليمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن يعمل به ويطبق، وإن كانت تلاوته تعتبر عملاً وفيها أجر.
стр. 1042
وفضائل التلاوة كثيرة ومشهورة، ولو لم يكن منها إلا قول النبي ﷺ : "من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف" (أخرجه الترمذي برقم ٢٩١٠من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً) . فجعل في قراءة آلم ثلاثين حسنة.
وفضائل التلاوة كثيرة لا تخفى على مسلم، وفي ليالي رمضان وأيامه تشتد الهمة له. كان بعض القراء الذين أدركناهم يقرؤون في كل ليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على وجه الاجتماع؛ يجتمعون في بيت، أو مسجد، أو أي مكان، فيقرؤون في كل عشرة أيام مرة. وبعضهم يقرأ القرآن ويختمه وحده.
وقد أدركت من يختم القرآن كل يوم مرة أو يختم كل يومين مرة فقد يسره الله وسهله عليهم، وأشربت به قلوبهم، وصدق الله القائل: ((ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر)) (سورة القمر:١٧) . وقال: ((فإنما يسَّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون)) (الدخان:٥٨) .
فمن أحب أن يكون من أهل الذكر فعليه أن يكون من الذين يتلون كتاب الله حق تلاوته، ويقرأه في المسجد، ويقرأه في بيته، ويقرأه في مقر عمله، لا يغفل عن القرآن، ولا يخص شهر رمضان بذلك فقط.
فإذا قرأت القرآن فاجتهد فيه؛ كأن تختمه مثلاً كل خمسة أيام، أو في كل ثلاثة أيام، والأفضل للإنسان أن يجعل له حزباً يومياً يقرأه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، وهكذا. لابد أن تبقى معك آثار هذا القرآن بقية السنة ويحبب إليك كلام الله، فتجد له لذة، وحلاوة، وطلاوة، وهنا لن تمل من استماعه، كما لن تمل من تلاوته.
هذه سمات وصفات المؤمن الذي يجب أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله تعالى وخاصته.
стр. 1043
أما قراءة القرآن في الصلاة، فقد ذكرنا أن السلف كانوا يقرؤون في الليل فرادى ومجتمعين قراءة كثيرة. فقد ذكروا أن الإمام الشافعي ﵀ كان يختم في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، في غير الصلاة؛ لأنه يقرأ في الصلاة زيادة على ذلك.
وقد يستكثر بعض الناس ذلك ويستبعدونه، وأقول: إن هذا ليس ببعيد، فقد أدركت أناساً يقرؤون من أول النهار إلى أذان صلاة الجمعة أربعين جزءاً في مجلس واحد. يقرأ، ثم يعود فيقرأ، يختم القرآن ثم يعود فيختم ثلث القرآن، فليس من المستبعد أن يختم الشافعي في النهار ختمة، وفي الليل ختمة.
ولا يستغرب ذلك أيضاً على الذين سهل القرآن في قلوبهم، وعلى ألسنتهم، فلا يستبعده إلا من لم يعرف قدر القرآن، أو لم يذق حلاوته في قلبه.
وعلى الإنسان إذا قرأ القرآن أن يتدبَّره، والكفار كذلك مأمورون بذلك حتى يعترفوا أنه من عند الله، وأنه لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، ولاضطربت أوامره ونواهيه، فلما كان محكماً متقناً، لم يقع فيه أي مخالفة، ولا أي اضطرابات كان ذلك آية عظيمة، ومعجزة باهرة.
فهذا هو القصد من هذه الآية، ولكن لا ينافي ذلك بأننا مأمورون أن نتدبر كل ما قرأنا كما أمرنا.
الخاطرة السابعة
الذكر والدعاء والاستغفار في رمضان
يجب على المسلم أن يتعلم، وأن يعمل بما تيسر له من الأذكار والأدعية، فالأذكار يضاعف أجرها في هذا الشهر، ويكون الأمل في قبولها أقرب، ويجب على المسلم أن يستصحبها في بقية السنة، ليكون من الذاكرين الله تعالى، وممن يدعون الله تعالى ويرجون ثوابه ورضوانه ورحمته.
стр. 1044
وذكر الله بعد الصلوات مشروع، وكذلك عند النوم، وعند الصباح والمساء، وكذلك في سائر الأوقات. وأفضل الذكر التهليل والتسبيح، والتحميد، والاستغفار، والحوقلة، وما أشبه ذلك، ويندب مع ذلك أن يُؤتي بها وقد فَهِمَ معناها حتى يكون لها تأثير، فيتعلم المسلم معاني هذه الكلمات التي هي من الباقيات الصالحات، وقد ورد في الحديث تفسير قول الله تعالى: ((والباقيات الصالحات)) (الكهف:٤٦) . أنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله (أخرجه مالك في الموطأ ص:٢١٠. في كتاب القرآن، باب"٧": "ما جاء في ذكر الله ﵎".) .
وورد في حديث آخر: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" (أخرجه مسلم برقم٢١٣٧ في الآداب، باب: "كراهة التسمية بالأسماء القبيحة..") . أي أفضل الكلام الذي يؤتى به ذكراً.
فلتتعلم -أخي المسلم- معنى التهليل، ومعنى الاستغفار، ومعنى الحوقلة، ومعنى التسبيح، والتكبير، والحمد لله، وما أشبه ذلك، تعلم معناها حتى إذا أتيت بها، أتيت بها وأنت موقن بمضمونها، طالب لمستفادها.
وشهر رمضان موسم من مواسم الأعمال، ولا شك أن المواسم مظنة إجابة الدعاء، فإذا دعوت الله تعالى بالمغفرة، وبالرحمة، وبسؤال الجنة، والنجاة من النار، وبالعصمة من الخطأ، وبتكفير الذنوب، وبرفع الدرجات، وما أشبه ذلك ودعوت دعاءً عاماً بنصر الإسلام، وتمكين المسلمين، وإذلال الشرك والمشركين، وما أشبه ذلك، رُجي بذلك أن تستجاب هذه الدعوة من مسلم مخلص، ناصح في قوله وعمله.
وقد أمر النبي ﷺ بالدعاء وبسؤال الجنة، وبالنجاة من النار؛ وذلك لأنها هي المآل.
أما الاستغفار فيقول الله تعالى: ((كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون)) (الذاريات:١٧-١٨) .
стр. 1045
وقد تتعجب: من أي شيء يستغفرون؟
أيستغفرون من قيام الليل؟ هل قيام الليل ذنب؟
أيستغفرون من صلاة التهجد؟ هل التهجد ذنب؟
نقول: إنهم عمروا لياليهم بالصلاة، وشعروا بأنهم مقصِّرون فختموها بالاستغفار، كأنهم يقضون ليلهم كله في ذنوب. فهذا حال الخائفين؛ إنهم يستغفرون الله لتقصيرهم. ويقول بعضهم:
أستغفر الله من صيامي طول زماني ومن صلاتي
صوم يرى كله خروق وصلاة أيما صلاة
فيستغفر أحدهم من الأعمال الصالحة، حيث إنها لابد فيها من خلل، ولذلك يندب ختم الأعمال كلها بالاستغفار، بل بالأخص في مثل هذه الليالي.
وقد جاء قول النبي ﷺ في حديث سلمان: "فأكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فلا إله إلا الله، والاستغفار. وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتستعيذون من النار" (سبق تخريجه) . رواه ابن خزيمة كما سبق.
فهذا ونحوه دليل على أنك متى وفقت لعمل فغاية أمنيتك العفو، وتختم عملك بالاستغفار. إذا قمت الليل كاملاً، فاستغفر بالأسحار، كما مدح الله المؤمنين بقوله: ((وبالأسحار هم يستغفرون)) (الذاريات:١٨) . فإذا وُفِّقت لقيام مثل هذه الليالي، فاطلب العفو، أي اطلب من ربك أن يعفو عنك، فإنه تعالى عفوّ يحب العفو.
والعفُوُّ من أسماء الله تعالى، ومن صفاته وهو الصفح والتجاوز عن الخطايا وعن المخطئين.
الخاطرة الثامنة:
الفرح بالعيد لتخلصهم من رمضان
стр. 1046
يعتقد كثير نم الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه والتخلص منه، لأنه يحول بينهم وبين ملذاتهم ومشتهياتهم، ويفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، واعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر جبس وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون، وقد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: ((وحيل بينهم وبين ما يشتهون)) (سبأ:٥٤) .
قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، وتسمى تنحيساً واشتقاقه من الأيام النحسات.. وذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه، ولربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، وهذا هو الخسران المبين، وأنشد لبعضهم:
إذ العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار
وقال آخر:
جاء شعبان منذراً بالصيام فاسقياني راحاً بماء الغمام
ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها)) (الأعراف:١٧٠) الآية، وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة عن الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.
стр. 1047
وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، ولا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام والليالي ليعود إلى المعصية، ومنهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ. هـ. هكذا ذكر ابن رجب ﵀ عن أهل زمانه ومن قبلهم.
ولا شك أن الدين يزداد غربة والأمر في شدة، والكثير من هؤلاء الذين يتوقفون ظاهراً عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر وانصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى دنياهم وملاهيهم ومكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن يحزنون ويستاؤن لانقضاء الشهر؟، بل من الذين يجعلون السنة كلها صياماً وقياماً وعبادات وقربات، ويحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات؟ فالله يرحمهم فما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل
الخاطرة التاسعة:
يوم العيد
هناك من يجعل يوم العيد والأيام بعده أيام لهو ولعب وغناء وطرب، ويجتمع الخلق الكثير ويعملون ولائم وينفقون الأموال الطائلة في إصلاح الأطعمة، ويسرفون في ما يصرفونه من الأموال في اللحوم والفواكه وأنواع المآكل التي يعدونها للمغنين وأهل الزمر واللهو، ويستعملون الضرب بالطبول وإنشاد الأغاني الملحنة الفاتنة، وما يصحبها من التمايل والطرب، ويستمر بهم هذا الفعل بضعة أيام، حتى إنهم يسهرون أكثر الليل ويفوتون صلاة الصبح في وقتها وجماعتها.
стр. 1048
ولا شك أن هذه الأفعال تدخل في التحريم، وتجر إلى مفاسد ما أنزل الله بها من سلطان، وتدخل في اللهو الذي عاب الله أهله بقوله تعالى: ((ومن الناس من يشتري لهو الحديث)) (لقمان:٦) . وفي الوصف الذي ذم الله به أهل النار بقوله: ((الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)) (الأعراف:٥١) .
فننصح من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، وأن يحرص على حفظ وقته فيما ينفعه، وأن يبتعد عن المعاصي والمخالفات، وأن لا يقلد أهل اللهو والباطل ولو كثروا أو كبرت مكانتهم.
وقد تقدم إباحة التدرب على السلاح وتعلم الكر والفر وما يعين على الجهاد، كما فعل الحبشة في المسجد في يوم عيد لقصد حسن، وليس معه غناء ولا ضرب طبول ولا قول محرم، والله أعلم.
الخاطرة العاشرة:
وداعاً يا شهر التوبة
ورد في الحديث أن صيام رمضان سبب لمغفرة الذنوب (سبق تخريجه) ، وكذا قيامه (لحديث أبي هريرة ﵁، أخرجه البخاري برقم ٣٧ في الإيمان: باب: "تطوع قيام رمضان من الإيمان") ، وقيام ليلة القدر (لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" أخرجه البخاري برقم٣٥، ومسلم برقم ٧٦٠) ، والصحيح أن المغفرة تختص بالصغائر، لقوله ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مفكرات لما بينهن، إذا اجتنب الكبائر"رواه مسلم (أخرجه مسلم برقم ٢٣٣ ١٤، ١٥، ١٦ في الطهارة، باب: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة..." من حديث أبي هريرة ﵁ والجمهور على أن الكبائر لابد لها من توبة.
стр. 1049
ثم إن العبد بعد فراق رمضان وقد كُفِّرت عنه سيئاته، يجب عليه أن يحافظ على الصالحات، ويحفظ نفسه عن المحرمات، وتظهر عليه آثار هذه العبادات في بقية حياته، فذلك من علامات قبول صيامه وقيامه وقرباته، فإذا كان بعد رمضان يحب الصلوات ويحافظ على الجمع والجماعات، ويكثر من نوافل الصلاة، ويصلي من الليل ما قدر له، ويُعوِّد نفسه على الصيام تطوعاً، ويكثر من ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، وتلاوة القرآن الكريم وتدبره وتعقله، ويتعاهد الصدقة، ويصل أرحامه ويبر أبويه، ويؤدي ما عليه من الحقوق لربه وللعباد، ويحفظ نفسه ويصونها عن الآثام وأنواع الجرائم، وعن جميع المعاصي وتنفر منها نفسه، ويستحضر دائماً عظمة ربه ومراقبته وهيبته في كل حال، إذا كان كذلك بعد رمضان، فإنه دليل قبول صيامه وقيامه، وتأثره بما عمل في رمضان من الصالحات والحسنات.
ومع ذلك فإن صفة الصالحين وعباد الله المتقين الحزن والأسى على تصرم الأيام الشريفة، والليالي الفاضلة، كليالي رمضان، وهذه صفة السلف الصالح وصدر هذه الأمة رحمهم الله تعالى، فلقد يحزنون لانصراف رمضان، ومع ذلك يدأبون في ذكره، فيدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، ثم يدعونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فتكون سنتهم كلها في ذكر هذا الشهر، فهو دليل على عظم موقعه في نفوسهم، ويقول قائلهم:
سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان
لقد ذهبت أيامه وما أطعتم.
وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم.
وكأنكم بالمشمرين وقد وصلوا وانقطعتم.
أترى ما هذا التوبيخ لكم؟
أو ما سمعتم قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن؟ ومن ألم فراقه تئن؟
كيف لا تجرى للمؤمن على فراقه دموع؟ وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع.
стр. 1050
شعر:
تذكر أياماً مضت وليالياً خلت فجرت من ذكرهن دموع
أين حرق المجتهدين في نهاره؟
أين قلق المتهجدين في أسحاره؟
فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه؟
ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه؟
كم نصح المسكين فما قبل النصح؟
كم دعى إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح؟
كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد؟
كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد؟
حتى إذا ضاع الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم.
وطلب الاستدراك في وقت العدم.
دموع المحبين تدفق.
قلوبهم من ألم الفراق تشقق.
عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق.
عسى توبة ساعة وإقلاع ترفوا من الصيام ما تخرق.
عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق.
عسى أسير الأوزار يطلق.
عسى من استوجب النار يعتق.
لا شك أن شهر رمضان أفضل الشهور، فقد رفع الله قدره وشرفه على غيره، وجعله موسماً للخيرات، وجعل صيامه وقيامه سبباً لمغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار.
فتح فيه أبوابه للطالبين، ورغب في ثوابه المتقين.
فالظافر من اغتنم أوقاته، واستغل ساعاته، والخاسر من فرط في أيامه حتى فاته.
جعله الله مطهراً من الذنوب وساتراً للعيوب وعامراً للقلوب.
فيه تعمر المساجد بالقرآن والذكر والدعاء والتهجد.
وتشرق فيها الأنوار وتستنير القلوب.
فهو شهر البركات والخيرات.
شهر إجابة الدعوات.
شهر إغاثة اللهفات.
شهر الإفاضات والنفحات.
شهر إعتاق الرقاب الموبقات.
فيه تكثر الصدقات وتتضاعف النفقات ويجود المسلم بما يمكنه من العطايا والهبات.
ترفع فيه الدرجات، وتقال فيه العثرات، وتسكب فيه العبرات، فبعده تنقطع هذه الحسنات.
فمن قبله الله فهو من أهل الكرامات وأعالي الدرجات في نعيم الجنات، ومن رُدَّ عليه عمله فهو من أهل الحسرات لما فاته من الخيرات.
فلا أوحش الله منك يا شهر الصيام والقيام.
стр. 1051
ولا أوحش الله منك يا شهر التجاوز عن الذنوب العظام.
ولا أوحش الله منك يا شهر التراويح.
ولا أوحش الله منك يا شهر الذكر والتسبيح.
ولا أوحش الله منك يا شهر المصابيح.
ولا أوحش الله منك يا شهر التجارات المرابيح.
ولا أوحش الله منك يا شهراً يترك فيه كل قبيح.
فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المردود منا فنعزيه.
فيا أيها المقبول هنيئاً لك، ويا أيها المردود جبر الله مصيبتك.
عباد الله: حافظوا على عبادة ربكم بعد هذا الشهر، وإياكم أن تعودوا لما كنتم فيه من الذنوب والخطايا، فإن رب الشهرين واحد، وهو الذي كلفكم وأمركم ونهاكم، فإياكم أن تعودوا لما مضى من التفريظ والإهمال، حتى يمحوا الله عنكم السيئات ويقبل منكم الحسنات، وأكثروا من دعاء الله تعالى والتضرع بين يديه.
تنبيهات على أخطاء أو نقائص
تقع من بعض الصائمين
الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه.
١- عدم تبييت النية للفرض من الليل أو قبل طلوع الفجر وإن كان قد يكتفى لرمضان بنية واحدة.
٢- الأكل أو الشرب مع أذان الصبح أو بعده وإن كان بعض المؤذنين قد يتقدمون احتياطاً.
٣- تقديم السحور قبل الفجر بساعة أو ساعتين وقد ورد الترغيب في تعجيل الفطر وتأخير السحور.
٤- الإسراف من غالب الناس في المآكل والمشارب وهو خلاف ما شُرع له الصوم من الجوع الذي هو سبب الخشوع.
٥- التفريط في أداء الصلاة جماعة كالظهر والعصر لعذر الكسل أو النوم أو الاشتغال بما لا يُجدي.
٦- عدم حفظ اللسان في نهار الصيام وليله نم اللغو والرفث وقول الزور والكذب والغيبة والنميمة.
٧- إضاعة الأوقات الشريفة في اللهو واللعب ومشاهدة الألعاب والأفلام والألغاز والأحاجي والتسكع في الطرقات.
٨- التفريط في الأعمال المضاعفة في رمضان كالأدعية والأذكار والقراءة ونوافل الصلوات المؤكدة.
стр. 1052
٩- ترك صلاة التروايح جماعة مع ورود الترغيب في فعلها مع الإمام حتى ينصرف ليكتب له قيام ليلة.
١٠- يلاحظ أول الشهر كثرة المصلين والقُرّاء ثم يقع العجز والنقص في آخر الشهر مع أن العشر الأواخر لها مزية على أول الشهر.
١١- ترك القيام الذي خصت به العشر الأواخر فقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر.
١٢- السهر ليلة الصيام ثم النوم عن صلاة الصبح فلا يصليها البعض إلا في الضحى، وذلك تفريض في هذه الفريضة.
١٣- البخل بالمال ومنع ذوي الحاجة مع كثرتهم في رمضان ورغم مضاعفة أجر الصدقات في تلك الأوقات.
١٤- عدم الانتباه من الكثير لأداء الزكاة المالية كاملة مع أنها قرينة الصلاة والصيام وإن كانت لا تختص برمضان.
١٥- الغفلة عن الدعاء وقت الصيام وخصوصاً عند الإفطار بتناول الأكل والشرب مع أنه ورد الحديث بذلك وأن للصائم عند فطره دعوة لا ترد.
١٦- إضاعة سنة الاعتكاف في رمضان وبالأخص في العشر الأواخر مع ورودها في الكتاب والسنة.
١٧- خروج الكثير من النساء إلى المساجد بلباس الزينة مع التعطر والتطيب مع ما فيه من أسباب الفتنة.
١٨- التسهيل للنساء ليخرجن إلى الأسواق في ليالي رمضان ومع سائق أجنبي وبلا محرم بدون حاجة غالباً.
١٩- ترك سنة التكبير في ليلة العيد ويومه قبل الصلاة وفي أيام عشر ذي الحجة مع الأمر به في القرآن.
٢٠- تأخير زكاة الفطر مع أن السنة توجب إخراجها يوم العيد قبل الصلاة وتجوز قبله بيوم أو يومين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 1053
الإسلام بين الإفراط والتفريط
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونشكره ونثني عليه ونستغفره ونشهد أن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ولا رب لنا سواه ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وبعد.
أفضلية الدين الإسلامي
فإن دين الإسلام تعاليمه وسط بين الإفراط والتفريط، وذلك لأن الإسلام ورد وجاء منتظماً لمصالح العباد وكمله الله تعالى وجعله أتم وأكمل ما يرام وضمنه كل مصلحة يأمر بها وينهى عن كل ما يضر، فلا جرم إن كان هذا الدين هو الدين الذي فطر الله العباد على استحسانه والميل إليه.
فالله تعالى اختاره لنا دينا فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ، أي اختاره ورضيه ديناً للعباد يدينون به ويتقربون به إلى ربهم، وأخبر أنه هو الدين الحق لا سواه، فقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) أي هو الدين الصحيح، وما سواه من الأديان فإنها منسوخة، فالأديان السماوية السابقة قد نسخها هذا الدين، وحل محلها وتضمن ما فيها من العبادات والمعاملات الملائمة فقام مقام كل ما سبقه من الأديان. وزاد على ذلك بما هو مناسب وملائم لحال العباد والبلاد. وأخبر الله سبحانه أن من تركه وخالفه فهو خاسر تائه ضائع، فقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، وذلك لأن هناك ما يسمي أدياناً يدين بها من يعتنقها ويعتقدها من عباد الله ويزين لهم الدعاة إلى تلك الأديان أنها أديان حقة صحيحة ملائمة مناسبة، ولكن عند التأمل والتعقل يتضح أنها باطلة وأن الذي شرعها ودعا إليها هو الشيطان الرجيم.
стр. 1054
فهناك من يدين الآن بدين النصارى، ولا شك أن الدين المسيحي كان ديناً سماوياً، ولكنه مؤقت، حيث إن المسيح بن مريم ﵇ رسالته مؤقتة بنبوة وبإرسال محمد ﷺ ، وهو الذي بشر به في قوله: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) . وقد أخذ الله الميثاق عليه، بل وعلى كل الأنبياء أن يتبعوا نبينا محمدا ﷺ ، فقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) . قال ابن عباس: "ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء أن يتبعوه ويؤمنوا به وينصروه". وثبت أيضاً أن دين النبي موسى الذي يدين به أتباعه من اليهود سابقاً كان ديناً سماوياً اختاره الله وفضله في ذلك الوقت لكنه مؤقت أيضاً بإرسال هذا الرسول النبي الكريم فثبت أن ذلك الدين منسوخ منذ أن بعث محمد، مع أن تلك الأديان التي هو دين اليهودية والنصرانية قد دخلها بعد أنبيائهم الكثير من التحريف والتغيير والتبديل. وما ذاك إلا أن الله تعالى استحفظهم كتبها ومراجعها، وتضمن حفظ شريعتنا بنفسه، فقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . فتكفل الله بحفظ هذه الشريعة أن يدخلها شيء من الزيادة والتغيير. وأما الشرائع التي قبلها فكان حفظها إلى أولئك الحملة، كما في قوله تعالى: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ، فجعلهم وكلاء على حفظه، ولم يتكفل بحفظه، فكان ذلك سبباً في وقوع تلك التحاريف والتغييرات والتبديلات في الشرائع السماوية مما جعلها غير ملائمة ومناسبة.
وبعد أن بعث نبينا محمد ﷺ وكمل الله له هذا الدين وأصبح الدين الباقي، أصبح الدين السماوي الذي لا يلائم العباد سواه.
стр. 1055
وهكذا كل ما هناك من الأديان الباطلة المضلة قد نهى عنها دين الإسلام أو حذر منها، فإن الإسلام جاء وهناك دين أهل الوثنية الذين يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ويصرفون لها خالص حق الله، فلما جاء الإسلام نهاهم عنها نهياً صريحاً، وحذرهم من التعلق بتلك الأوثان وأمرهم أن يعبدوا الله وحده، فجاء بنسخ عبادة ما سوى الله من نبي أو ولي أو صالح أو قبر أو حجر أو مدر أو غار أو صخرة، أو شجر، أو بقعة، أو غير ذلك مما يعظم أو يصرف له شيء من خالص حق الله، فهذا دين باطل، أي دين الوثنية، جاء الإسلام بنسخه والقضاء عليه.
وهناك أديان انتشرت في هذه الأزمنة وكثر الذين يعتنقونها مع كونها باطلة. فتجد هناك ديناً يتسمى أهله بـ"البوذيين"، وهم على عقيدة رجل يسمى "بوذا"، زينت له نفسه أنه على حق، فابتدع واخترع أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، في العقائد وفي الأعمال، ومع ذلك استمرت عقيدته وانتشرت منذ عدة قرون، ولا تزال تلك العقيدة الباطلة هناك من يدين بها ويقدسها ويعظم معلوماتها وما تضمنته.
وهناك ديانات منتشرة في كثير من البلاد، كالهندوس ونحوهم الذين يعبدون أوثاناً، أو معبودات سوى الله تعالى فهم داخلون في الوثنية.
وهناك ديانات منحرفة زين الشيطان لأربابها أنهم على خير فصاروا يدينون بها يُغَرّون بها بأنها مُسَلَّمة لكل عاقل كعقيدة سيئة منتشرة في المشرق يقال لها "القاديانية" ونحوها.
هذا من حيث الأديان الباطلة التي تخالف الإسلام كلياً. وهناك من ينتسب إلى الإسلام، ولكن لم يتحقق منه وصف الإسلام، ولا الحقيقة المطلوبة من دين الإسلام. فمثل أولئك أيضاً على ضلال مع كثرتهم، وكثرة من يدين بدياناتهم. والإسلام براء منهم، وهم بعيدون من تعاليم الإسلام.
следующие страницы →