← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

ولا أوحش الله منك يا شهر التجاوز عن الذنوب العظام. ولا أوحش الله منك يا شهر التراويح. ولا أوحش الله منك يا شهر الذكر والتسبيح. ولا أوحش الله منك يا شهر المصابيح. ولا أوحش الله منك يا شهر التجارات المرابيح. ولا أوحش الله منك يا شهراً يترك فيه كل قبيح. فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنيه، ومن المردود منا فنعزيه. فيا أيها المقبول هنيئاً لك، ويا أيها المردود جبر الله مصيبتك. عباد الله: حافظوا على عبادة ربكم بعد هذا الشهر، وإياكم أن تعودوا لما كنتم فيه من الذنوب والخطايا، فإن رب الشهرين واحد، وهو الذي كلفكم وأمركم ونهاكم، فإياكم أن تعودوا لما مضى من التفريظ والإهمال، حتى يمحوا الله عنكم السيئات ويقبل منكم الحسنات، وأكثروا من دعاء الله تعالى والتضرع بين يديه. تنبيهات على أخطاء أو نقائص تقع من بعض الصائمين الحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه. ١- عدم تبييت النية للفرض من الليل أو قبل طلوع الفجر وإن كان قد يكتفى لرمضان بنية واحدة. ٢- الأكل أو الشرب مع أذان الصبح أو بعده وإن كان بعض المؤذنين قد يتقدمون احتياطاً. ٣- تقديم السحور قبل الفجر بساعة أو ساعتين وقد ورد الترغيب في تعجيل الفطر وتأخير السحور. ٤- الإسراف من غالب الناس في المآكل والمشارب وهو خلاف ما شُرع له الصوم من الجوع الذي هو سبب الخشوع. ٥- التفريط في أداء الصلاة جماعة كالظهر والعصر لعذر الكسل أو النوم أو الاشتغال بما لا يُجدي. ٦- عدم حفظ اللسان في نهار الصيام وليله نم اللغو والرفث وقول الزور والكذب والغيبة والنميمة. ٧- إضاعة الأوقات الشريفة في اللهو واللعب ومشاهدة الألعاب والأفلام والألغاز والأحاجي والتسكع في الطرقات. ٨- التفريط في الأعمال المضاعفة في رمضان كالأدعية والأذكار والقراءة ونوافل الصلوات المؤكدة.

стр. 1052

٩- ترك صلاة التروايح جماعة مع ورود الترغيب في فعلها مع الإمام حتى ينصرف ليكتب له قيام ليلة. ١٠- يلاحظ أول الشهر كثرة المصلين والقُرّاء ثم يقع العجز والنقص في آخر الشهر مع أن العشر الأواخر لها مزية على أول الشهر. ١١- ترك القيام الذي خصت به العشر الأواخر فقد كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر. ١٢- السهر ليلة الصيام ثم النوم عن صلاة الصبح فلا يصليها البعض إلا في الضحى، وذلك تفريض في هذه الفريضة. ١٣- البخل بالمال ومنع ذوي الحاجة مع كثرتهم في رمضان ورغم مضاعفة أجر الصدقات في تلك الأوقات. ١٤- عدم الانتباه من الكثير لأداء الزكاة المالية كاملة مع أنها قرينة الصلاة والصيام وإن كانت لا تختص برمضان. ١٥- الغفلة عن الدعاء وقت الصيام وخصوصاً عند الإفطار بتناول الأكل والشرب مع أنه ورد الحديث بذلك وأن للصائم عند فطره دعوة لا ترد. ١٦- إضاعة سنة الاعتكاف في رمضان وبالأخص في العشر الأواخر مع ورودها في الكتاب والسنة. ١٧- خروج الكثير من النساء إلى المساجد بلباس الزينة مع التعطر والتطيب مع ما فيه من أسباب الفتنة. ١٨- التسهيل للنساء ليخرجن إلى الأسواق في ليالي رمضان ومع سائق أجنبي وبلا محرم بدون حاجة غالباً. ١٩- ترك سنة التكبير في ليلة العيد ويومه قبل الصلاة وفي أيام عشر ذي الحجة مع الأمر به في القرآن. ٢٠- تأخير زكاة الفطر مع أن السنة توجب إخراجها يوم العيد قبل الصلاة وتجوز قبله بيوم أو يومين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1053

الإسلام بين الإفراط والتفريط بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله نحمده ونشكره ونثني عليه ونستغفره ونشهد أن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه ولا رب لنا سواه ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وبعد. أفضلية الدين الإسلامي فإن دين الإسلام تعاليمه وسط بين الإفراط والتفريط، وذلك لأن الإسلام ورد وجاء منتظماً لمصالح العباد وكمله الله تعالى وجعله أتم وأكمل ما يرام وضمنه كل مصلحة يأمر بها وينهى عن كل ما يضر، فلا جرم إن كان هذا الدين هو الدين الذي فطر الله العباد على استحسانه والميل إليه. فالله تعالى اختاره لنا دينا فقال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) ، أي اختاره ورضيه ديناً للعباد يدينون به ويتقربون به إلى ربهم، وأخبر أنه هو الدين الحق لا سواه، فقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) أي هو الدين الصحيح، وما سواه من الأديان فإنها منسوخة، فالأديان السماوية السابقة قد نسخها هذا الدين، وحل محلها وتضمن ما فيها من العبادات والمعاملات الملائمة فقام مقام كل ما سبقه من الأديان. وزاد على ذلك بما هو مناسب وملائم لحال العباد والبلاد. وأخبر الله سبحانه أن من تركه وخالفه فهو خاسر تائه ضائع، فقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) ، وذلك لأن هناك ما يسمي أدياناً يدين بها من يعتنقها ويعتقدها من عباد الله ويزين لهم الدعاة إلى تلك الأديان أنها أديان حقة صحيحة ملائمة مناسبة، ولكن عند التأمل والتعقل يتضح أنها باطلة وأن الذي شرعها ودعا إليها هو الشيطان الرجيم.

стр. 1054

فهناك من يدين الآن بدين النصارى، ولا شك أن الدين المسيحي كان ديناً سماوياً، ولكنه مؤقت، حيث إن المسيح بن مريم ﵇ رسالته مؤقتة بنبوة وبإرسال محمد ﷺ ، وهو الذي بشر به في قوله: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) . وقد أخذ الله الميثاق عليه، بل وعلى كل الأنبياء أن يتبعوا نبينا محمدا ﷺ ، فقال تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه) . قال ابن عباس: "ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد وهم أحياء أن يتبعوه ويؤمنوا به وينصروه". وثبت أيضاً أن دين النبي موسى الذي يدين به أتباعه من اليهود سابقاً كان ديناً سماوياً اختاره الله وفضله في ذلك الوقت لكنه مؤقت أيضاً بإرسال هذا الرسول النبي الكريم فثبت أن ذلك الدين منسوخ منذ أن بعث محمد، مع أن تلك الأديان التي هو دين اليهودية والنصرانية قد دخلها بعد أنبيائهم الكثير من التحريف والتغيير والتبديل. وما ذاك إلا أن الله تعالى استحفظهم كتبها ومراجعها، وتضمن حفظ شريعتنا بنفسه، فقال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) . فتكفل الله بحفظ هذه الشريعة أن يدخلها شيء من الزيادة والتغيير. وأما الشرائع التي قبلها فكان حفظها إلى أولئك الحملة، كما في قوله تعالى: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ، فجعلهم وكلاء على حفظه، ولم يتكفل بحفظه، فكان ذلك سبباً في وقوع تلك التحاريف والتغييرات والتبديلات في الشرائع السماوية مما جعلها غير ملائمة ومناسبة. وبعد أن بعث نبينا محمد ﷺ وكمل الله له هذا الدين وأصبح الدين الباقي، أصبح الدين السماوي الذي لا يلائم العباد سواه.

стр. 1055

وهكذا كل ما هناك من الأديان الباطلة المضلة قد نهى عنها دين الإسلام أو حذر منها، فإن الإسلام جاء وهناك دين أهل الوثنية الذين يعبدون الأصنام والأوثان من دون الله ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عند الله، ويصرفون لها خالص حق الله، فلما جاء الإسلام نهاهم عنها نهياً صريحاً، وحذرهم من التعلق بتلك الأوثان وأمرهم أن يعبدوا الله وحده، فجاء بنسخ عبادة ما سوى الله من نبي أو ولي أو صالح أو قبر أو حجر أو مدر أو غار أو صخرة، أو شجر، أو بقعة، أو غير ذلك مما يعظم أو يصرف له شيء من خالص حق الله، فهذا دين باطل، أي دين الوثنية، جاء الإسلام بنسخه والقضاء عليه. وهناك أديان انتشرت في هذه الأزمنة وكثر الذين يعتنقونها مع كونها باطلة. فتجد هناك ديناً يتسمى أهله بـ"البوذيين"، وهم على عقيدة رجل يسمى "بوذا"، زينت له نفسه أنه على حق، فابتدع واخترع أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، في العقائد وفي الأعمال، ومع ذلك استمرت عقيدته وانتشرت منذ عدة قرون، ولا تزال تلك العقيدة الباطلة هناك من يدين بها ويقدسها ويعظم معلوماتها وما تضمنته. وهناك ديانات منتشرة في كثير من البلاد، كالهندوس ونحوهم الذين يعبدون أوثاناً، أو معبودات سوى الله تعالى فهم داخلون في الوثنية. وهناك ديانات منحرفة زين الشيطان لأربابها أنهم على خير فصاروا يدينون بها يُغَرّون بها بأنها مُسَلَّمة لكل عاقل كعقيدة سيئة منتشرة في المشرق يقال لها "القاديانية" ونحوها. هذا من حيث الأديان الباطلة التي تخالف الإسلام كلياً. وهناك من ينتسب إلى الإسلام، ولكن لم يتحقق منه وصف الإسلام، ولا الحقيقة المطلوبة من دين الإسلام. فمثل أولئك أيضاً على ضلال مع كثرتهم، وكثرة من يدين بدياناتهم. والإسلام براء منهم، وهم بعيدون من تعاليم الإسلام.

стр. 1056

فمن ذلك عقيدة الباطنية، الذين يجعلون للأعمال باطناً غير ظاهرها. فللعبادات وللعقائد عندهم باطن، ويعتقدون أن الشرع يريد أشياء غير هذه الظواهر. وهذه العقيدة الباطنية من أكفر الكفر وأضل الضلال لأنهم يخالفون الشرع في تعاليمه وفي اعتقاداته. وقد بقي على معتقدهم كثير من الفئات التي لا تزال موجودة إلى اليوم، يدينون بتلك العقيدة السيئة، كعقيدة الدروز الذين يوجدون في كثير من البلاد العربية المجاورة، وعقيدة النصيرية الذين يدينون بهذه العقيدة الباطنية. فمثل هؤلاء ولو تسموا بأنهم مسلمون، فإنهم ليسوا حقاً من المسلمين المطبقين لشعائر الإسلام، ولأجل ذلك نقول إن الإسلام الحقيقي هو الاعتراف بالله إلهاً ورباً وخالقاً، والديانة له بالعبادة، كما فسره الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، حيث يقول: "الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك، وأهله". فبين ﵀ أن المسلم حقاً هو المذعن المنقاد المتذلل الذي متى علم أن هذه الخصلة من الإسلام أذعن لها واتبعها ولم يتخلف عنها. ومتى علم أن الإسلام حرم أو نهى عن هذه الخصلة ابتعد عنها وأذعن لله تعالى بتركها، هذا حقاً هو المسلم. ونحمد الله أن حفظ علينا شعائر ديننا. فجميع المحرمات أدلتها موجودة في الشريعة، في الكتاب والسنة، وجميع الواجبات والعبادات المشروعة أدلتها موجودة أيضاً في الكتاب والسنة، فلسنا بحاجة إلى تحكيم العقول، ولا إلى أن نزن بأهوائنا ما يرفع إلينا وما يسوغه لنا أولئك الأعداء الذين يجعلون أهواءهم هي الميزان الحق فما وافق أهواءهم اتبعوه وشرعوه.

стр. 1057

فإذا كان الإسلام قد تضمنته الشريعة، وأدلتها واضحة صحيحة فليس للمسلم أن يدين بأية قربة أو طاعة إلا بعد أن يثبت له دليلها. وليس له أن يحرم أية خصلة إلا بعد أن يتحقق دليلها من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ . ولقد تكفل الله سبحانه ببيان هذا الدين وجعله كاملاً، فأنزل على نبيه ﷺ في آخر حياته: (اليوم أكملت لكم دينكم) . وكماله احتواؤه علي كل خير، ونهيه عن كل شر. ولقد بين وكمل تعاليمه وتفسيره. وإيضاح معانيه النبي الكريم ﷺ الذي كلفه الله أن يبين للناس هذا الدين، فقال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) ، أي لتوضح لهم بالأمثلة والإيضاح التام ما أجملت أحكامه في القرآن، فإذا بينه النبي ﷺ بأفعاله كان هذا البيان من الله تعالى: لأنه وحي وتشريع. فجاء هذا الإسلام بحمد الله بكل ما فيه خير ومصلحة، ونهى عن كل ما فيه شر ومضرة. كما روي عن بعض العقلاء من الأعراب لما دخل في الإسلام لأول دعوة ولأول ما عرض عليه فقال: "إني تأملت ما جاء به محمد فرأيته ما أمر بشيء وقال العقل: ليته نهى عنه وما نهي عن شيء وقال العقل: ليته أمر به" والمراد هنا العقول السليمة والفطر المستقيمة، فإنها تشهد بحسن هذا الدين، وباحتوائه على كل خير، وبزجره عن كل شر. وتشهد بمطابقته وملاءمته للمصالح، واحتوائه على كل ما ينظم الحياة تنظيما حقاً كاملاً صحيحاً، فكان ذلك هو السبب الذي اختاره الله لهذه الأمة، التي هي خير أمة أخرجت للناس، وأخرجهم به من الظلمات إلى النور، من ظلمات الجهل والضلال، إلى نور الحق والإيمان، فكان حقاً على عباد الله الذين هداهم الله وأقبل بقلوبهم إلى طاعة، وصدقوا الرسول الذي جاء به، كان حقاً عليهم أن يطبقوه أتم تطبيق، وأن يعملوا به، وأن يكونوا في العلم به عارفين بأحكامه، ومقاصده، غير زائدين فيه، ولا مضيفين إليه ما ليس منه، وغير

стр. 1058

مقصرين في شيء منه، ولا مخلين وناقصين بشيء من تعاليمه. وهذا معنى كون دين الإسلام وسطاً بين الأديان، فإنه وسط بين الأديان السابقة، وعقيدته السلفية وسط بين العقائد، وعبادته وقرباته، وأداؤها الحق وسط بين الإفراط والتفريط. فلما أن علم الله أن من أهل تلك الأديان قد غلوا وزادوا وتجاوزوا الحد، وأن بعضاً منهم قصروا وجفوا جاء بهذا الإسلام في وضع متوسط، لا إفراط ولا تفريط. أمثلة على وسطية الإسلام بين الأديان السابقة ولنأت على ذلك بأمثلة في الأديان، وفي العقائد، وفي الأعمال، حتى يتضح بذلك كون دين الإسلام وسطاً، لا إفراط، ولا تفريط. فمثلاً عقائد أو أديان من قبلنا من الأمم، منهم من غلا، ومنهم من جفا، وجاء الله بالإسلام فجعله بين هؤلاء وهؤلاء.

стр. 1059

ففي شريعة اليهود اعتقادهم في عيسى أنه ولد بغي، وأن أمه زانية حيث رموها ببهتان، كما قال الله تعالى: (وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً) . جاءت النصارى فزادوا وغلوا فرفعوه عن طوره، وأعطوه ما لا يستحقه، فحكى الله عنهم أنهم قالوا: (إن الله هو المسيح بن مريم) ، وحكى عنهم أنهم قالوا: (المسيح ابن الله) ، وكذلك كفّر من قال إن الله ثالث ثلاثة، يعني الله وعيسى وأمه، كما في قوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) وقال تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ، جاء الإسلام فتوسط، لا إفراط ولا تفريط، فالإفراط كان من الذين زادوا وقالوا: هو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وأهل التفريط الذين قالوا: إن المسيح ابن بغي، بل شهد الإسلام بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وجعله رسولاً كسائر الرسل، كما في قوله تعالى: (ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة، كانا يأكلان الطعام) . فشهد له بأنه رسول، وأقر، أو حكى كلامه في قوله تعالى: (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل: إني رسول الله إليكم) ، فهو رسول كسائر الرسل. وهذا هو القول الوسط، لا إفراط ولا تفريط. وهكذا أيضاً في الأعمال، دين اليهود ودين النصارى بينهما تفاوت، ففي بعض الأديان الإفراط، وفي بعضها التفريط، فعندنا مثلاً، أن اليهود يرون الطلاق ولا يرون الرجعة، فمن طلق زوجته فلا رجعة له عليها، وأن النصارى يرون أن لا طلاق، فمتى عقد للمرأة على الإنسان فلا طلاق، ولا يحل له الطلاق، وجاء الإسلام فتوسط فجعل للإنسان أن يطلق متى شاء، وأن يراجع بعد التطليقة الأولى وبعد الثانية، وهكذا، وذلك من أجل أن الإنسان قد يستعجل في أمر يبدو له أن يتلافى ذلك بعد حين، ولهذا فالإسلام توسط بين هؤلاء وهؤلاء.

стр. 1060

وكذلك في الأعمال نرى أن اليهود كانوا يرون أن القصاص حتم وليس هناك مجال للعفو، وأن النصارى يرون العفو حتما، وجاء الإسلام بالتخيير، تخيير ولي المقتول بين القصاص وبين العفو وأخذ الدية أو العفو مطلقاً، فصار متوسطاً، لا إلزام بالعفو، ولا إلزام بالقصاص، بل متوسط بينهما. وهكذا توسطه في المُجازاة ونحوها. فالله أباح للناس المجازاة على الأعمال بمثلها في قوله تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) . فجعل الإنسان يباح له أن يعاقب من اعتدى عليه، كما في قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ، بالمثل فقط، لا بالزيادة. ولكنه فضل الصبر بقوله: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) ، ولكن دين النصارى يأمر الإنسان بأن يعفو، وأن لا ينتصر، ولا ينتقم لنفسه أبدا. ودين اليهود يحكم عليه بأن يستوفي وأن يقتص، فالإسلام جاء بهذا الدين الذي لا إفراط فيه ولا تفريط. أمثلة على وسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق المختلفة وبعد أن رأينا هذه الأمثلة في الأديان السابقة نأتي إلى أمثلة من العقيدة السنية لهذه الأمة. وذلك لأن الذين دخلوا في الشريعة الإسلامية قد اختلط وامتزج بهم من ليس بمحقق في الاتباع، ودخل في العقيدة وفي الإسلام من ليس منهم وانحرفت بهم الطرق وتفرقت بهم السبل. وقد أخبر النبي ﷺ بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وسئل من تلك الواحدة فقال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وإذن فعقيدة أهل السنة والجماعة هي العقيدة السلفية وهي العقيدة السنية، وهي الشريعة المحمدية والملة الإبراهيمية التي هدى الله إليها هذه الأمة. إذا نظرنا في هذه العقيدة وإذا هي وسط، لا إفراط فيها ولا تفريط. وسط في العقائد الكثيرة. يقول شيخ الإسلام ﵀: إن أهل السنة وسط في فرق هذه الأمة، كما أن الأمة وسط بين الأمم.

стр. 1061

فهم وسط في باب القضاء والقدر بين المجبرة وبين القدرية. وذلك لأن هناك فرقتين رائغتين في باب القدر: إحداهما قد غلت وأفرطت وزادت. والأخرى قد فرّطت. ففرقة تقول إن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله، وليس لله قدرة على هداية ولا على إضلال. وهؤلاء قد أشركوا. وفرقة جعلت العبد مقسورا ومجبوراً، وليست له اختيارات أبدا وعذرته بذلك. وجاء أهل السنة فتوسطوا وجعلوا له اختياراً، ولكن اختياره مربوط بمشيئة الله، (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله) ، فهذا توسطهم في باب القدر. هناك أيضاً توسطهم في باب أسماء الإيمان والدين. وذلك لأن هناك فرقتين منحرفتين، إحداهما قد فرّطت، والأخرى قد أفرطت. فمنهم المفرطون الذين يجعلون الأعمال ليست من الإيمان، وعندهم من صدّق بقلبه ولو لم يعمل فهو مؤمن كامل الإيمان. وآخرون كفّروا بترك الأعمال. فجاء المسلمون من أهل السنة فتوسطوا، فلا إفراط ولا تفريط. فجعلوا الإنسان يستحق اسم الإيمان واسم الإسلام ولو كان معه شيء من الذنوب، وشيء من المعاصي، فلم يخرجوه من الإسلام بالكلية كالخوارج وكالمعتزلة الذين يكفرون بكل ذنب. فمن أذنب أخرجوه من الإسلام، وخلدوه في النار، والعياذ بالله. ولم يكونوا كطائفة أهل الإرجاء الذين يجعلونه كامل الإيمان ويبيحون له الاستكثار من المعاصي ويعتقدون أنها لا تضر. بل لا إفراط ولا تفريط. نحن نقول: إن المعاصي لا تخرج العبد من الإيمان، ولكن عليه منها ضررا، فإنها قد تجتمع على العبد فتهلكه إلا أن يعفو الله عنه ولا يخلد في النار، ولكن يستحق دخولها ويعذب بقدر سيئاته إذا كان من أهل العقيدة وأهل الإسلام ولكن معه ذنب، فتوسط أهل الإسلام وأهل العقيدة السلفية فلم يكفروا بالذنوب كالخوارج، ولم يجعلوا المذنب كامل الإيمان كأهل الإرجاء. بل جعلوه مؤمنا ناقص الإيمان، وقالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته.

стр. 1062

وهناك أيضاً توسط في الصحابة، بل وفي غيرهم من أولياء الله. ونبدأ بالتوسط في الصحابة، فنقول: إن هناك طائفتين في الصحابة منحرفتين، إحداهما قد فرطت، والأخرى قد أفرطت. وأهل السنة وسط بينهما، لا إفراط ولا تفريط. ففي الصحابة، بل وفي أهل البيت خاصة فرقتان، فرقة تكفرهم وتستبيح دماءهم، ويقال لهم النواصب الذين نصبوا العداوة للصحابة وأخرجهم من الإسلام. وفرقة تغلوا فيهم وتجعل عليا هو الله، أو هو الرسول أو أحق بالرسالة، وتعبده وتعبد ذريته من بعده من دون الله. وهذه الفرقة هي الرافضة الذين يتسمون بأنهم شيعة علي، يعني أنصاره. وكذبوا فليسوا بشيعته، بل هم أعداؤه وأعداء سيرته وطريقته. وأهل السنة توسطوا لا إفراط ولا تفريط. فقالوا: إن علياً وأولاده وأهل بيته لهم حق الولاية والصحبة والإسلام والأسبقية والقرابة، ولكن لا نفضلهم على الخلفاء الذين قبل علي، ولا نغلوا فيهم أو نمدحهم بما ليس فيهم، بل لهم هذا الشرف والقرابة ولا يستحقون أو يوصفوا بما لا يستحقونه هم ولا غيرهم، سواء من حق الله أو من حق الرسول ﵊. فلم يزيدوا ويغلو كغلو الرافضة الذين جعلوا علياً إلهاً، حتى قال بعضهم: أشهد أن لا إله إلا حيدرة الأنزع البطين، وحيدرة يعني علياً، وبعضهم يدعي أنه أولى بالرسالة، ويزعم أن جبريل ﵇ خان الأمانة، وكان قد أرسل إلى علي فأوصل هذه الرسالة إلى محمد. فهؤلاء قد زادوا وغلوا. وجاء الطائفة الثانية الذين كفروا وسبوا علياً ومن معه وأخرجوهم من الإسلام فجفوا، وجاء أهل السنة فكانوا وسطاً يبن الغلو والجفاء، بين الإفراط والتفريط، فجعلوه صحابياً جليلاً، سابقاً، من السابقين الأولين له قرابته وله صهره، وله أفضليته، ولكن لا نعطيه حقاً من حقوق الله، ولا حقاً من حقوق الرسول ﷺ ، ولا نغلو فيه فوق ما يستحقه هو أو غيره من حق الله.

стр. 1063

وهكذا أيضاً توسطهم في الأولياء والصالحين، وذلك أن هناك، طائفتين متطرفتين في أمر الأولياء طائفة قد غلت، وطائفة قد جفت. فالطائفة الذين غلوا هم الذين يعبدون الأولياء. فالولي عندهم هو الرجل الصالح الذي قد حصل له من القرب ومن الصلاح ما جعله محبوباً عند الله وأنه ولي من أولياء الله يجري الله على يديه من خوارق العادات ما لم يجره على يدي غيره. فقالوا: هذا الولي يستحق منا أن نقدسه، فصاروا في حياته يغلون فيه، فيتمسحون به وبثيابه ويتبركون بما مسه بالنعل وبغيره، وساروا بعد موته يعكفون عند قبره، ويتمسحون بقبره، ويصلون عنده، ويعتقدون أن للصلاة عنده مزية وفضيلة، وأنه يشفع لهم في تكفير سيئاتهم وفي قبول صلواتهم وفي مضاعفة حسناتهم فيعملون عند قبره من الأعمال ما لا يصلح أن تكون إلا لله وحده. فهؤلاء قد غلوا وتجاوزوا حدهم وطورهم.

стр. 1064

والطائفة الثانية هم الذين لا يرون لعباد الله الصالحين قدرا، ولا يقيمون لهم وزنا، فلا يحبونهم، ولا يتبعونهم، ولا يقتدون بهم، ولا يتبعون سيرتهم، ويحقرون شأنهم، ويحتقرونهم في أعمالهم، ويعتقدون أنهم -كما يعبرون- أهل تشدد أو أهل جمود، أو أهل رجعية أو تقهقر، أو ما أشبه ذلك من عباراتهم السيئة، فهؤلاء قد فرطوا، وأولئك قد أفرطوا وزادوا، فجاء أهل السنة فتوسطوا في باب أمر أولياء الله تعالى، فقالوا: نحن نحبهم، لأن الله تعالى يحبهم، بل ونحب كل من يحبه الله من الصالحين والمؤمنين والأتقياء، ولكن محبتنا لهم لا تصل إلى أن نتمسح بتربتهم، ولا تصل المحبة إلى أن نصرف لهم شيئاً من حق الله، أو أن نذبح لهم أو أن نطوف بأضرحتهم، أو ندعوهم مع الله أو دون الله. بل محبتنا لهم تستدعي أن نبحث عن سيرتهم وسنتهم فنعمل بها، حتى نكون مثلهم، فإذا رأينا أنهم يتهجدون بالليل تهجدنا، وإذا ذُكِرَ لنا أنهم يكثرون من القراءة والخشوع أكثرنا من ذلك، وإذا كان من سيرتهم أنهم يدعون الله ويرغبون إليه دعونا الله كذلك، وإذا كانوا يذكرون الله على كل حال ذكرنا الله كذلك، حتى نكون أولياء كما كانوا أولياء، فإنهم بشر كما نحن بشر، فكيف نسمح لأنفسنا أن نكون دونهم، بل نحبهم وتحملنا محبتهم على أن نعمل بعملهم، وأن نصلح من أعمالنا ما أصلحوه، فكلهم نحبهم وتحملنا محبتهم على أن نقتدي بأفعالهم. فإذا كنا كذلك فإننا متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء، لا إفراط ولا تفريط. فهكذا جاء دين الإسلام فالذين غلوا وزادوا وقعوا في الشرك، وذلك لأنهم عظموا هؤلاء المحبوبين، وجعلوا لهم شيئاً من حق الله أو صرفوا لهم ما لا يصلح إلا لله. فإن التعظيم عبادة والعبادة لله وحده، لأن العبادة هي التذلل، فإذا كانوا يتذللون عند تلك الأضرحة ويخضعون ويخشعون، فذلك عبادة. وإذا كانوا يذبحون لها وينذرون فذلك تعظيم وعبادة، وإذا كانوا يدعونهم ويهتفون بأسمائهم فإن الدعاء مخ

стр. 1065

العبادة. وإذا كانوا يتمسحون ويطوفون بقبورهم ويطيلون الإقامة فإن ذلك تعظيم وذلك حقيقة العبادة. فهؤلاء: الذين غلوا قد أصبحوا بغلوهم مشركين حيث أشركوهم مع الله، مع أنهم لا يرضون أن يشرك بهم. فالمسيح ﵇ بريء من شرك من أشرك به، وهكذا كل من عبد من دون الله، وهو لا يرضى بريء من شرك من أشرك به، وفي يوم القيامة لا بد أن يتبرؤوا منهم، ويقولون: نحن برآء من أفعالهم، كما قال تعالى عن الملائكة: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا سبحانك، أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن، أكثرهم بهم مؤمنون) . فأخبروا بأنهم -ولو كانوا عبدوا الملائكة - ما رضوا بذلك منهم ولا أحبوا ذلك. وإنما الشياطين والجن هي التي سولت لهم وزينت لهم أن يعظموهم وأن يعبدوهم وأن يؤمنوا بهم. وإلا فأنبياء الله ورسله وأولياؤه والصالحون من عباده بريئون من شرك من أشركهم مع الله . وبالجملة فإن المسلمين أهل العقيدة السلفية قد توسطوا في أولياء الله فأحبوهم محبة قلبية، وحملتهم محبتهم على أن تتبعوا أخبارهم ودونوا سيرتهم ونظروا في الأشياء التي كانوا يعملونها، فعرفوا أنهم ما صاروا صالحين إلا بسبب زهدهم في الحرام وبعدهم عنه، وتقربهم إلى الله بأنواع القربات، فقالوا: هذا هو سبب صلاحهم فلماذا لا نفعل كفعلهم حتى نكون مثلهم؟ حتى نصلح كما صلحوا، حتى نكون أولياء الله كما كانوا أولياء الله يحبهم الله تعالى ويوفقهم ويعينهم، فنفعل الأفعال التي أحبهم الله من أجلها حتى يحبنا كما أحبهم، وحتى يعيننا كما أعانهم ويهدينا كما هداهم. هذه عقيدة السنة. أمثلة من الوسط في الأعمال والعبادات

стр. 1066

هذا كله فيما يتعلق بالعقيدة وبعد ذلك لا بد أن نذكر أمثلة من الأعمال. وذلك لأن هناك أيضاً أعمالاً من الشريعة الإسلامية جاء الإسلام فيها بطريقة حسنة فأدخل الشيطان على بعض الناس الغلو والإفراط والزيادة، وأدخل على بعضهم التقصير والتفريط والنقصان. وذلك كله وسوسة من الشيطان وتسويل لهم، حتى لا يفعلوا الدين كما جاء. ونبدأ بمبادئ العبادة. فنبدأ مثلاً بالطهارة. فإن الطهارة عبادة شرعية، أمر الله بها ولكن يفعلها عباد الله فعلا متوسطاً، لا إفراط ولا تفريط. وهناك طائفتان في الطهارة متطرفتان، إحداهما قد غلت، والأخرى قد جفت. فالذين غلوا هم الذين زادوا في الطهارة ما ليس منها وتشددوا فيها تشددا زائدا، حتى زهدوا فيما نقل لهم من أفعال النبي ﷺ وصحابته، ومن كيفية تطهره ووضوئه واغتساله وغير ذلك، واعتقدوا أن ذلك لا يطهر فزادوا وغلوا. فجاء الإسلام بالأمر الوسط. لا إفراط هؤلاء الذين غلوا في الطهارة، ولا جفاء أولئك الذين لا يبالغون ولا يسبغون الطهارة ولا يتمونها. كلا الطائفتين منحرفتان. الطائفة الذين غلوا ترى أحدهم يتوضأ بصاع أو بصاعين، وترى أحدهم يغسل وجهه خمسا أو عشرا ويرى أنه ما طهر، ويغسل يديه مرارا قد تتجاوز العشر. وكذلك الاغتسال، ربما يغتسل نصف ساعة، وربما ساعة، وربما ساعتين، كما حدثني بعضهم أنه يقيم في مزاولة الاغتسال ساعتين. وكذلك في الوضوء مدة طويلة. وهكذا أيضا في باب النجاسة، في باب إزالة النجاسة، فترى أحدهم إذا وقعت عليه نجاسة لا يكتفي بغسلها مرتين أو ثلاثا مع زوالها، بل ربما غسلها عشرا، أو أكثر من عشر وربما حك جلده حتى يخرج الدم.

стр. 1067

وهكذا في باب الاستنجاء الذي هو غسل أثر البول والغائط، وأكثر ما قيل إنه يغسل سبع مرات وفي حديث ضعيف مذكور في شرح الزركشي عن ابن عمر: أمرنا بغسل الأنجاس سبعا. ولكن تجد أحدهم يغسله عشرات المرات، ويصب على فرجه عددا من الغرفات وكل ذلك من الغلو والزيادة التي ما أنزل الله بها من سلطان. ولا شك أيضاً أنها وسوسة من الشيطان ليمل العبد من العبادة. وذلك لأنه متى دام على هذا التطهر الشديد برهة من الزمان، كسنة أو سنتين، مل وضجر واستثقل العبادة، وربما ترك الصلاة لاستثقال الطهارة، كما حدثني أناس وقع بهم ذلك الفعل أنهم لما كان أحدهم لا يتوضأ إلا في ساعتين قال: كيف أصلي هذه الصلوات، فصار يجمع الصلوات الخمس في وضوء واحد، يتوضأ بعد صلاة العشاء فيصلي الصوات الخمس فيكون قد أفرط حيث ترك الصلوات في مواقيتها، لان الشيطان قد ثقّل عليه هذه الطهارة التي لا تستغرق إلا خمس دقائق، أو نحوها، ثقلها عليه حتى يضيع العبادة عليه. وكذلك في باب إزالة النجاسة، فقد يوسوس إليه الشيطان أنه انتقض وضوؤه في الصلاة حتى يقطع الصلاة، أو أن في ثوبه نجاسة ولو قليلا، حتى يترك الصلاة، وحتى يمل منها. وكثير تركوا الصلاة لأجل هذه الوسوسة، لما أن الشيطان ثقل عليهم الطهارة صارت الصلاة ثقيلة عليهم، وشاقة أيما مشقة، فعند ذلك يتركون الصلاة من أجل هذه المشقة. ولو رجع إلى تعاليم الإسلام وإلى ما شرعه لعلم أن هذا ليس من الدين في شيء وأن الإسلام جاء بالسهولة وباليسر، وبالسماحة، وبالبعد عن كل المشقات وكل الصعوبات.

стр. 1068

وأما الذين فرّطوا فإنهم أيضا كثير. وسبب تفريطهم أيضاً وسوسة من الشيطان حتى يبطل بذلك عملهم، فترى أحدهم إذا غسل وجهه لا يبالغ ولا يسبغ الوضوء فيبقى في وجهه أشياء لم يأت عليها ماء، وإذا غسل يديه أو رجليه غسل بسرعة ومسح مسحا، ولا يبالي، فكثيرا ما يبقى في بدنه بقع، في رجليه، وفي عقبيه، لا يسبغ ذلك ولا يتعاهد. فهؤلاء ممن فرطوا وجفوا وقصروا في باب الطهارة، وكثيراً ما ننصح هؤلاء أن يسبغوا الوضوء ويتعاهدوه، حيث إن الشرع قد ورد بالأمر بالإسباغ، حيث قال النبي ﷺ لما عدد الخصال التي يرفع الله بها الدرجات ويمحو بها الخطايا قال: "إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة. وهكذا أيضاً حثنا أن نتعاهد ما قد ينبو عنه الماء من الجسد ومن القدمين خاصة، في قوله ﷺ : "ويل للأعقاب من النار". وفي رواية "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" متفق عليه. فالذين يغسلون غسلا خفيفا ولا يتعاهدون أقدامهم كثيراً ما يكون في مؤخر أقدامهم بقعة لم يمسها الماء، فتبطل بذلك الطهارة. فهؤلاء مفرطون، حيث إنهم نقصوا في الطهارة. أولئك زادوا وغلوا وتجاوزوا، وهؤلاء نقصو وقصروا. ودين الإسلام جاء بالوسط، وهو أن الإنسان يتوضأ وضوءا مسبغا فيكتفي بغسلة واحدة مسبغة كافية للعضو، وإذا زاد غسلة ثانية فهي أفضل، وإذا زاد غسلة ثالثة فهي أفضل منهما. ولا يجوز الزيادة على الثلاث. بل الزيادة على الثلاث تعتبر إسرافا وإفساداً وغلوا، فكيف بالذين يغسلون العشرات، هذا هو التوسط في هذا الباب.

стр. 1069

وهكذا نقول في الغسل فإن الاغتسال أيضاً طهارة شرعية أمر الله الإنسان بعد الجنابة أو نحوها أن يغتسل، كما في قوله تعالى: (ولا جنبا إلا عابري سبيل، حتى تغتسلوا) ، وقوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) . فالاغتسال هو تعميم البدن بالماء أي غسل البدن كله بالماء، وفيه أيضاً إفراط وتفريط. وفيه غلو وجفاء على حد ما ذكرنا في الوضوء. فإن هناك من يقيم في الاغتسال ساعة أو أكثر. وربما دلك جسده وبالغ في دلكه، حتى أخبرني بعضهم أنه يدلك جسده ويحكه بأظفاره، ويعتقد أن الماء يزل عليه ولا يتبلغه، حتى يخرج الدم من حكه بأظفاره ومبالغته في حك جسده، وهذا بلا شك غلو وإفراط وزيادة ما أنزل الله بها من سلطان. ولا شك أن الشيطان هدفه وقصده أن يمله من هذه العبادة، حتى يضجر ويتركها. وهكذا الذين يكتفون بالمسح، إذا اغتسل أحدهم لا يدلك جسده، بل يمر الماء عليه، ولا يبالي، وهذا أيضاً عليه خلل. وقد عرفنا أن السبب الموقع في هذا هو الشيطان الرجيم الذي هو عدو الإنسان والحريص على أن يبطل عليه أعماله كما يبطل عقيدته، فالشيطان يرى أو يشم قلب الإنسان، فإن رأى تصلباً، ورأى فيه تشددا جاءه من باب الزيادة، وقال له: أنت لا يكفيك مثل ما يكفي غيرك، بل عليك أن تزيد وتبالغ، فإذا توضأ الناس بالمد، فلا تكتف به، بل توضأ بالصاع، أو الآصع، وإذا غسل الناس أيديهم ثلاثا فلا تكتف بسبع ولا بعشر، بل زد عليهم حتى تكون أكثر، ويزين له أن الأجر على قدر النصب وأنه كلما كثر العمل كان الأجر عليه أضعافا مضاعفة. وهذا وسوسة من الشيطان. فالاقتداء بأفعال النبي ﷺ وبسنته هو الواجب علينا، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ وما زاد على ذلك هو محدث، وشر الأمور محدثاتها.

стр. 1070

فالذي لا يقنعه ما قنع به رسول الله ﷺ ، قد يعتقد أن الدين الإسلامي ناقص، وأن الرسول ما بلغ البلاغ المبين، وأنه قصر في التعليم، حيث اقتصر على بعض الشرائع، أو على بعض الطهارة أو نحوها. وإذا اعتقد هذا الاعتقاد السيئ وقع -والعياذ بالله- في الانحراف وفي الضلال، فإن اتهام النبي ﷺ ، أو أحد من الأنبياء بإخفاء شيء من الرسالة، أو بالنقص والتغيير في شيء من أمر الشريعة اعتقاد باطل وضال ومضل يوقع في الخروج -والعياذ باله- من دائرة الإسلام. وقد أوقع الشيطان أيضاً كثيراً من الناس في الوسوسة في الأعمال الأخرى سواء كانت أفعالاً أو طرقاً، فمن ذلك مثلاً الوسوسة في النية في الصلاة فإن الشيطان يغالي عند بعضهم فيقول إنك ما نويت، أو أنت نيتك ليست سليمة أو صحيحة، أو أنت ما استحضرت النية، فلا يزال يوسوس له بأنه ما أتى بالنية المشترطة للعبادة من طهارة أو من صلاة حتى تفوت عليه الأوقات فتنقص عبادته، أو تفوته الصلاة أو تفوته فضيلة الوقت. وهذا بلا شك زيادة على ما حده الله تعالى. وهناك من لا يبالي فيصلي أو يتوضأ بدون قصد صالح، وبدون نية حسنة، ويعتبر هذا أيضاً مقصرا ومخلا بعمل من الأعمال المطلوبة. والوسط في ذلك هو أن ينوي الإنسان بقلبه الطهارة أو الدخول في الصلاة أو نحو ذلك فإذا فعل ذلك فإنه قد نوى، واعتبرت نيته صالحة كافية.

стр. 1071

ومما أوقع الشيطان فيه كثيرا من الناس الغلو في القراءة في الصلاة. وأوقع أخرين في الجفاء، فأفرط في القراءة ناس، وفرط في ذلك أناس أخرون. وكذلك في الأذكار وغيرها. فهناك أنا وسوس لهم الشيطان بأنكم لا تحققون القراءة والحروف إلا إذا نطقتم بها على هذا الكيفية، فإذا لم تفعلوا فقد اختلت قراءتكم واختلت أذكاركم وما إلى ذلك. فقد ذكروا أن بعضا منهم يتكلف في النطق بالقراءة حتى إذا أراد أن ينطق بالضاد ونحوها أخرج بصاقه من شدة تكلفه وتشدده، عندما يقول: ولا الضالين، أو المغضوب، يكلف نفسه حتى يخرج لعابه وبصاقه من شدة تكلفه. ولا شك أن هذا ما أنزل الله به من سلطان. وهكذا أيضاً تكلفهم في النطق بالتكبير ونحو ذلك. حتى ربما يخرج الكلمة عن وضعها وما وضعت عليه، فيكرر الكاف ويشددها. فيقول: (الله أكبّر) ، وما أشبه ذلك. وعند قراءة التشهد والتحيات يشدد التاء فيقول: الت الت التحيات، أو نحو ذلك، حتى تخرج الكلمة من وضعها وماهيتها التي وضعت عليها. ولا شك أن هذا تغيير الكلام عن وضعه وعن ماهيته وعما هو عليه.

стр. 1072

ولا شك أن الذين يفْرطون في ذلك أيضاً يقصرون. وذلك أن هناك من لا يأتون بالتكبير كما ينبغي فيأتي أحدهم بالكلمة دون أن يحقق حروفها، وكذلك في القراءة، دون أن يحقق حروفها وتشديدها. أما الدين الوسط فهو التوسط في القراءة والتكبير وفي التشهد، وفي سائر أركان الصلاة، لا إفراط ولا تفريط، لا غلو ولا تقصير. وهو أن تأتي بالقراءة بحروف بارزة ظاهرة يقرؤها اللسان دون تكلف في التشديد، ودون تكلف في المدّ، ودون تقعر وتشدق في تكلف الفصاحة، ودون تساهل في إتمام كثير من الحروف البارزة أو عجلة أو سرعة يختفي معها كثير من الحروف التي حقها الإبراز. بل لا إفراط ولا تفريط. فإذا قرأها قراءة مفهومة مسموعة حروفها ظاهرُ شَدُّها ومَدُّها على ما ينبغي كان ذلك متوسطا لا إلى الجفاء ولا إلى الغلو الذي قد يمل من العبادة ويوقع في تغيير الكلم وتحريفه عن وضعه.

стр. 1073

وهكذا أيضاً في العبادات. فالصلاة مثلا إذا نظرنا إلى بعض الأئمة الذين قد يزيدون في الصلاة ويطيلونها إطالة في الأفعال، قد تكون مملة في الأفعال أو في القراءة أو ما أشبه ذلك. فيملون ويضجرون من معهم من المأمومين، ويستثقلون صلاتهم وينفرون منهم. فهؤلاء في طرف، هؤلاء أهل إفراط وغلو وزيادة. وهناك طرف ثان يقصرون ويخلون، وينقرون الصلاة نقراً، ولا يطمئنون في حركاتهم ولا في أفعالها كما ينبغي، فلا تنعقد صلاتهم ولا تكون مجزئة فيكونون سببا في إبطال صلاة من صلى معهم، ولو كثر الذين يرغبون الصلاة معهم. فهؤلاء في طرف وهؤلاء في طرف، ودين الله وسط، والصلاة المعتدلة متوسطة بين هؤلاء وهؤلاء. فالإمام يراعي حال المأمومين، فلا يطيل إطالة تملهم وتضجرهم، ولا يخفف تخفيفاً يخل بالعبادة فلا يأتي بأركانها ولا بواجباتها المطلوبة، ولا يطمئن فيها الطمأنينة الشرعية. بل الواجب أن يحرص على الاقتداء بالصلاة النبوية في القراءة وفي الأذكار وغيرها. وبذلك يكون متوسطاً بين الغالي والجافي. فهذا مما انقسم فيه الناس فصار أكثرهم في طرفي نقيض، وتوسط دين الحق بين ذينك الطرفين. وهكذا لو تتبعنا كثيراً من الأعمال لوجدناها كذلك. لوجدنا مثلاً أن كثيراً من الناس قد يشقون على أنفسهم ويضجرونها في تحمل كثير من التطوعات التي بها يحرمون الأنفس لذاتها وراحتها التي أبيحت لها وآخرون يقصرون فلا يأتون بشيء منها أصلاً. ودين الله وسط بين ذلك. مثال واقعي

стр. 1074

فنذكر من ذلك قصة عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ التي في الصحيح فإنه كان في أول شبابه كثير العبادة، فشق على نفسه، فكان يصوم الشهر كله، فيصوم الدهر، وكان يصلي الليل كله، ويختم القرآن في كل ليلة، في تهجده، وهذا فيه غلو، ومشقة وفيه تعب، يؤدي إلى أنه يفوت عليه حقوقاً واجبة. فبين له النبي ﷺ أن هذا غلو، وقال: إن لنفسك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لربك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه. وهذا لا شك أنه زيادة تُمِل الإنسان من العبادة وتضجره وهناك آخرون لا يعرفون مثل هذه العبادات ولو كانت نوافل. فلا يصلي أحدهم نافلة أصلا، ولا يصوم إلا ما فرض عليه، ولا يأتي بشيء من النوافل، ولا يتقرب بشيء من القربات، وكأنه غافل أو مستغن عن هذه العبادات ونحوها. فلا شك أن هذا في طرف، وذاك في طرف، فالذي كلف نفسه مشقة متطرف شديد التطرف. والذي تساهل في العبادات ولم يأت بشيء من العبادات المسنونة، ولم يتقرب بشيء من نوافلها، أيضاً متطرف غاية التطرف. ودين الإسلام وسط، وهو أن تتقرب إلى الله بقربات لا تكلف بها نفسك ولا تضرها بها ولا تحرمها من حقها، ومن الحقوق الواجبة عليك، وما أشبه ذلك. ولا تنس عبادة الله، ولا تشتغل بالملذات والشهوات عن حق الله، ولا تعط نفسك كل ما تشتهيه من لذة ونوم وشهوة بطن وشهوة فرج، كمأكل ومشرب وملبس، ونحو ذلك، فهذا أيضاً إفراط وتفريط. التوسط في أمور العادات أولاً:-

стр. 1075

لك أن تقيس أيها الأخ ذلك في كل شيء، حتى في الأمور العادية، كأمور المأكل والمشرب والملبس وما أشبه ذلك. فإن الإسلام جاء فيها بالوسط. فمثلاً اللباس الذي هو زينة للناس أنزله الله وامتن به على عباده بقوله: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سوآتكم وريشا) . وهذا اللباس انقسم فيه الناس ثلاثة أقسام: طرفان ووسط. فتجد الطرف الأول وهم أهل البذخ والإفساد والإسراف قد يكون لباس أحدهم يتكلف بمئات. أو يبلغ الألف أو الألوف من ذكر أو أنثى، وهذا بلا شك إفساد وإسراف، وتبذير للمال في غير حق، ويعتبر إفراطاً وغلوا وزيادة، ولو أنه اقتصد واستعمل ما يكفيه وتصدق بهذا الزائد أو أنفقه في وجه من وجوه الخير لكان خيرا له. بينما هناك طرف آخر قد أنعم الله عليه ورزقه. ولكنه قَصَّر على نفسه. روي أنه ﷺ رأى رجلاً عليه ثياب وسخة، أي بذلة وهوان، فسأله: أليس قد رزقك الله مالاً؟ فقال: بلى. قال: من أي أنواع المال؟ قال: من كل أنواع المال، من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق. فقال فإذا آتاك الله مالا فلير نعمة الله عليك وكرامته رواه أحمد والنسائي عن أبي الأحوص عن أبيه وسنده صحيح. فكون الإنسان واجدا، وكون الإنسان غنيا ومع ذلك يقصر على نفسه، فيقتصر على ثياب دنسة وسخة متمزقة، قد تبدو منها عورته، يعتبر ذلك تقصيرا وإخلالا. وخير الأمور أوسطها. وهو أن لا يسرف الإنسان في اللباس وأن لا يقصر في اللباس. بل الوسط بين ذلك، لا إفراط ولا تفريط. ثانياً:-

стр. 1076

ونقول مثل ذلك أيضاً في المآكل. فتجد كثيراً من الناس يسرفون في الطعام، فيحشدون عند الطعام أصنافاً وأنواعاً من الأطعمة وكلها تذهب ولا تؤكل أو لا يؤكل منها إلا نزر قليل. وآخرين عندهم أموال، ولكن يدفعهم البخل والشح على أن يقصروا على أنفسهم وعلى أولادهم فيبيتون جياعاً، أو لا يأكلون إلا الدنيء الرخيص من الطعام ويحرم أحدهم أهله التلذذ بما أبيح من المأكول والفواكه والأطعمة المتوفرة بخلا وشحا، والأموال عندهم يكدسونها، والوسط الخيار. الدين وسط بين هذا وذاك لا إسراف ولا تقتير، كما في قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) . ثالثاً:-

стр. 1077

وهكذا في الإقبال على الدنيا انقسموا إلى ثلاث طوائف، فقسم أكبوا على الدنيا وعظموا شأنها وركنوا إليها وأحبوها، وجعلوا دنياهم أكبر همهم ومبلغ علمهم وشغلوا بها أوقاتهم كلها وغلوا في حبها والتعلق بها وكأنهم قد نسوا الآخرة، بينما هناك آخرون قد زهدوا فيها وانقطعوا عن الاشتغال بأمر هذه الحياة، ولكن زهادتهم أوقعتهم في أنهم تركوا مصالح أنفسهم وانعزلوا عن الناس وعما الناس فيها وأضاعوا من تحت أيديهم، فلم يكتسبوا ما يغنون به أنفسهم وأضاعوا أولادهم دون أن يعطوهم ويكسوهم أو يرزقوهم، وما أشبه ذلك. فهؤلاء أيضا مخلون مقصرون. والأمر وسط بين ذلك. وهو أن الإنسان يطلب من الدنيا الكفاف والقوت، كما في قول النبي ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا" أي لا إفراط ولا تفريط. فلا ينقطع عن الدنيا انقطاعاً كلياً بحيث يضيع نفسه، ويعرض نفسه للحاجة والتكفف وسؤال الناس، ويعرض أهله للجوع والضنك وضيق المعيشة. ولا يجعل همه كله مكباً على الدنيا صارفا فيها هواه وأوقاته وحياته وناسيا آخرته وناسياً الأعمال التي تقربه إلى الله. لا هذا ولا ذاك. بل يشتغل لدنياه بقدر. ويشتغل لآخرته بقدر. ولا يبالغ في محبة الدنيا، المحبة التي تنسيه الآخرة، ولا يبالغ في التقصير فيها، التقصير الذي ينسيه حظ نفسه الذي أخبر النبي ﷺ بأن لنفسه حقا. فهذا أيضاً مثلٌ للغلو والجفاء، والإفراط والتفريط. رابعاً:-

стр. 1078

ومن الأمثلة من هذا القبيل في كثر من المعاملات أن كثيراً من الناس يتعاملون ويتوسعون في بعض المعاملات لا يبالي أحدهم بأية معاملة، سواء كان غشا، أم ربا، أم زيادة على غيره ما أنزل الله بها من سلطان، فمثل هؤلاء قد زادوا وتوسعوا في بعض المعاملات، فأفرطوا وتوسعوا بحيث يظن أنهم لا يعتقدون أن هناك معاملة حراماً، فعندهم الغش، والزيادة على المسلم وإيقاعه فيما يكتسبون من ورائه مالاً كل ذلك جائز ومباح لهم، يبيحون لأنفسهم ما لم يبح لهم الشرع، بينما هناك من تشدد في باب المعاملات فامتنعوا عن أشياء أباحها الله، فامتنعوا عن البيع الذي أباحه الله، وامتنعوا عن الإجارة التي أباحها الله وامتنعوا عن التكسب والعمل الذي أباحه الله، واعتقدوا أن ذلك ممنوع، فوقعوا في التقصير والنقص، وأولئك وقعوا في الزيادة والغلو، والإفراط، وخير الأمور أوسطها، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. الخاتمة وبالجملة نعرف أن السبب الذي أوقع هؤلاء وأولئك في الإفراط والتفريط كما ذكرنا وكررنا هو الشيطان ووسوسته يخرج هؤلاء وهؤلاء من العبادة، وحتى يملهم ويصرفهم عن كثير من العبادات ويثقلها عليهم، ويثقل عليهم المكاسب ونحوها. ويوقع هؤلاء في المحرمات، أو في المشتبهات التي تجر إلى المحرمات، فيحصل أنه أضل خلقاً كثيراً ليصدق على الناس ظنه، كما قال الله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين) .

стр. 1079

نسأل الله تعالى أن يبصرنا بالحق الذي هو دين الحق، والذي اختاره الله للأمة ديناً حقاً. نسأل الله سبحانه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبساً علينا فنضل. ونسأله أن يعيذنا من نزغات الشيطان وأوهامه ووساوسه، وأن يجعلنا ممن أنار قلوبهم بطاعته وبصرهم بالحق ودلهم عليه ورزقهم الهدى والاستقامة والسلوك إلى الصراط السوي الذي يؤدي بهم إلى النجاة في الآخرة، والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 1080

كتاب الإرشاد مقدمة معد الكتاب إن الحمد لله نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فهذا شرح نفيس ميسر لكتاب لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين أبي محمد عبد الله ابن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ﵀، شرحه فضيلة شيخنا العلامة الدكتور: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله تعالى وأمد في عمره، أقدمه لطلاب العلم بعد أن تمت مراجعته من قبل شيخنا -حفظه الله تعالى- فصححه ونقحه وأضاف إليه ما يحتاج من زيادات فخرج بهذه الصورة التي آمل أن يجد فيها قارئه ما يفيده، وكان هذا الكتاب في الأصل عبارة عن دروس ألقاها فضيلة الشيخ في الدورة العلمية لعام ١٤١٥هـ بمسجد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقمت بتفريغ الأشرطة وكتابتها، ومن ثم عرضتها على فضيلته وقرأتها عليه فشجعني على تقديمها لإخواني طلاب العلم للاستفادة منها. أسأل الله أن يوفقني لما فيه الخير والصواب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. عملي في الكتاب: ١- فرغت الأشرطة التي تم تسجيل الدروس عليها وكتبتها بخط اليد وذلك بمساعدة بعض الإخوان فجزاهم الله خيراً. ٢- قمت بقراءة جميع الشرح على فضيلة الشيخ بمنزله العامر بالرياض، كما قرأ -وفقه الله- الصورة النهائية التي اعتمدت في الكتاب والتي بين أيدينا نسختها الآن. ٣- في الطباعة وضعت المتن بعد كلمة (قوله) والشرح بعد كلمة (شرح) لأسهل على القارئ الكريم التفريق بين المتن والشرح. ٤- رقمت الآيات فوضعت بجانب كل آية اسم السورة ورقم الآية.

стр. 1081

٥- إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإنني أقتصر في التخريج على ذلك، أما إذا لم يكن موجوداً فيهما أو في أحدهما فإنني أبحث عنه في سنن أبي داود والترمذي، ثم بعد ذلك فيما يتيسر من كتب الحديث أو غيرها. ٦- وضعت مقدمة للكتاب كما وضعت خاتمة له. ٧- قمت بفهرسة الموضوعات فقط ولم أقم بفهرسة الآيات والأحاديث والآثار والأسماء والكنى لعدم الإطالة وتضخيم الكتاب أكثر مما يجب. ٨- اعتمدت في الطباعة بالنسبة للمتن (لمعة الاعتقاد) على الطبعات الآتية وهي: أ- طبعة دار الهدى بالرياض بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. ب- طبعة مكتبة ابن تيمية بالقاهرة ومكتبة العلم بجدة بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط. ج- طبعة دار الصميعي بالرياض (تعليقات على لمعة الاعتقاد) وهي عبارة عن أسئلة وأجوبة على اللمعة لفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الله بن جبرين وفقه الله. وما عملت في هذا الكتاب فهو جهد المقل وعمل العاجز، وما ورد فيه من تمام فمن توفيق الله، وما فيه من تقصير فمن نفسي وأستغفر الله منه. أسأل الله الكريم العظيم أن ينفع بشرح هذا الكتاب كما نفع بأصله وأن يجزي شيخنا الكريم عني خير الجزاء وأن يجعل عملي فيه وفي غيره رفعة في الدرجات في جنات عدن، إنه القدير على ذلك . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. كتبه الشيخ: محمد بن حمد المنيع مقدمة الشرح لفضيلة الشيخ/ د. عبد الله بن جبرين حفظه الله الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد ...

стр. 1082

لا شك أن أمر العقيدة الإسلامية من أهم الأمور، وأن شأنها عظيم، والاهتمام بأمرها أكيد؛ لأجل ذلك أهتم بها العلماء قديماً وحديثاً، وألفوا المؤلفات التي ضمَّنوها المعتقد المأخوذ من الكتاب والسنة، والذي درج عليه سلف الأمة، وبسطوا في ذلك، واختصروا، وكتبوا، ودرَّسُوا، وقرروا، وكل ذلك نصحاً منهم للأمة حتى تثبت على عقيدة صحيحة ترسخ هذه العقيدة في قلوبها. وفي هذه المقدمة نحب أن نتكلم عن مبدأ العقيدة، وتطوراتها إلى زماننا هذا، مع الإشارة إلى بعض ما كتب في العقيدة، فنقول: العقيدة التي منها هذه الرسالة (لمعة الاعتقاد) ، ومنها (العقيدة الواسطية) وغيرها؛ مشتقة من العقد، وذلك أن العقد هو ربط الشيء بعضه ببعض، تقول: عقدت الحبل ببعضه أي وثقته وربطته، وسميت بذلك لأن القلب يعقد عليها عقداً محكماً مبرماً لا سبيل إلى انفكاكه، وذلك لأن أدلتها جلية صحيحة واضحة لا يعتريها شك ولا تغيّر، وأدلتها نصوص قطعية الثبوت، وقطعية الدلالة؛ فلأجل ذلك يعقد عليها القلب، ولا يمكن أن يتزعزع هذا الاعتقاد من القلب إلا إذا كان العقد غير محكم وغير قوي، فإنه عرضة للتزعزع. ولأجل ذلك كان العلماء، والمسلمون عموماً، يربون أولادهم على العقيدة منذ الطفولة ويلقنونهم كيف عرفوا ربهم، وبأي شيء عرفوه، ولأي شيء خُلقوا، وبأي شيء أُمروا، وأول ما فرض عليهم، وأهم الفرائض، وما إلى ذلك؛ حتى إذا تلقاها الطفل في صغره، وتربى عليها نبت لحمه وعظمه، وعصبه وعقله على هذه العقيدة، فأصبحت راسخة لا تتزعزع، بحيث لو عرضت عليه بعد ذلك شبهات، أو أتى بما يزعزع وبما يفتن، بل لو فتن وحبس وضرب وأوذي فلن يتغير اعتقاده، وذلك للأسباب التالية: أولاً: أنه تربى عليها عند أبويه، وتلقاها وهو طفل. ثانياً: أنه ألفى عليها أبويه، وأبواه أنصح الخلق له، وهما يحبان له أن يتربى على الخير.

стр. 1083

ثالثاً: أن الأدلة التي تؤيد هذا الاعتقاد أدلة جلية، واضحة في ظهور معناها، صحيحة قطعية الثبوت لا يمكن أن يعتريها شك، أو تغير، فهذا ونحوه مما يبين أهمية هذه العقيدة. بعد ذلك نقول في تطور أمر هذه العقيدة قبل أن نبدأ في شيء من تفاصيلها: معروف أن الرسل كلهم بدأوا رسالتهم بأمر العقيدة التي هي عبادة الله لقوله تعالى: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الأعراف:٥٩) تقريراً للإلهية بأن الله تعالى هو الإله، بحيث يعترفون أن لهم رباً، وأن ربهم هو الله، وأنه الذي له الإلهية وحده، ولا تصلح الإلهية إلا له . وهذا مبدأ العقيدة وأساسها كما سيأتي، فالرسل بدأوا بأمر العقيدة، ومنهم نبينا محمد ﷺ بدأ بأمر العقيدة، فبقي عشر سنين بمكة بعد أن أوحي إليه لم يدع إلا إلى العقيدة، وهي معرفة الله وعبادته وأداء حقه، وترك عبادة ما سواه، وإقامة الأدلة التي تثبت لله وحده العبودية وتنفي عن ما سواه أن يكون معبوداً أو إلهاً. وتطول الأدلة والبراهين على ذلك، ففي كثير من السور المكية يذكر الله ما يدل على أنه سبحانه هو الرب، وهو الإله، وهو المعبود وحده، ويقيم على ذلك الأدلة الواضحة التي يراها الإنسان عياناً، ويذكرها ولا يستطيع أن يجحدها أو ينكرها. فنجد مثلاً في سورة الإنسان قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سمعياً بصيراً * إنا هديناه السبيل) (الإنسان:١-٣) ، أليس هذا تقريراً للإلهية، وأن الذي خلق الإنسان بعد أن كان معدوماً هو الخالق المنفرد بالخلق؛ تقريراً لأنه هو الخالق وحده، وأنه هو الذي يستحق أن يعبد، ولا يجحده إلا معاند.

стр. 1084

ثم السورة التي بعدها فيها أيضاً تقرير ذلك مثل قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا * أحياءً وأمواتاً) (المرسلات:٢٥-٢٦) إلى آخر الآيات؛ يذكر الله آيات ودلالات على أنه هو المنفرد بالإلهية، وأنه هو المتصرف بالربوبية وحده؛ لأن هذا تصرفه هو وحده الذي انفرد به، فهو أهل أن يكون معبوداً وحده دون ما سواه. كذلك السورة التي بعدها: (ألم نجعل الأرض مهاداً * والجبال أوتاداً) (النبأ:٦-٧) إلى آخر الآيات تقرير للألوهية، وعرض المعجزات والبراهين التي من تأملها وتعقلها رسخت العقيدة في قلبه؛ بحيث يعرف أن الذي أوجد هذه الكائنات على هذا الإحكام؛ غاية الأحكام أنه أهل أن يعظم، وأهل أن يعبد وحده، وأن يشكر ويذكر، وأن تكون الطاعة له دون ما سواه، وأهل أن يطاع رسله الذين أرسلهم وحمَّلهم رسالته. وفي السورة التي بعدها يقول تعالى: (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها) (النازعات:٢٧-٢٨) إلى آخر الآيات، يحتج عليهم بهذا الخلق المحكم العظيم الذي لا يستطيع أي مخلوق أن يغيره عن وضعه. فالذي أوجد هذه المخلوقات هو الإله، وهو الرب، وهو المعبود وحده. وفي السورة التي بعدها يقول تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا الماء صباً * ثم شققنا الأرض شقاً) (عبس:٢٤-٢٦) إلى آخر الآيات، وفي هذا يذكر الإنسان بأن الذي فعل هذا هو الله وحده، ولا يستطيع مخلوق مهما كانت قدرته أن يأتي بمثل هذا الأمر الذي يأتي به الله سبحانه. إذن فهذا يبين أن العقيدة هي أول ما بدأ به نبينا ﷺ في دعوته، ولما بينه للصحابة اعتقدوا ما اعتقدوه في أمر الإله وحده من أسمائه وصفاته، ومن براهينه وآياته، ومن نعمه وآلائه على خلقه، واعتقدوا أنه أهل أن يعبد وحده، وأن يشكر، وأن يثنى عليه.

стр. 1085

اعتقدوا ذلك ولم ينكروا شيئاً من أمر هذا الاعتقاد، اعتقدوا أن الله ربهم وخالقهم ومدبرهم، اعتقدوا أن الله فوق عباده، وأنه على عرشه مستو عليه كما يشاء، اعتقدوا أن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى إلى آخر أمر العقيدة. ولم يظهر فيما بين الصحابة من ينكر شيئاً من أمر الاعتقاد، ولا ظهر فيما بينهم من يرد شيئاً من دلالة النصوص، وهذا من تزكية الله تعالى لصحابة نبيه ﷺ ؛ إذ لما زكاهم الله تعالى وفضلهم على غيرهم ظهر أثر ذلك، فلم يظهر فيهم، والحمد لله مبتدع، ولا خارجي، ولا قدري، ولا رافضي، ولا معتزلي، ولا أشعري، ولا جبري، ولا مرجئي، ولا صوفي؛ لم يظهر فيهم شيء من هذه البدع، بل كلهم على عقيدة واحدة هي عقيدة أهل السنة، هذا هو ما كان عليه الصحابة ﵃. وبعدما دخل في الإسلام بعض المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم بدأ ظهور البدع، ولما ظهرت اهتم الصحابة بإظهار السنن، وأوضحوها بالأدلة القاطعة. فأول البدع: بدعة الخوارج الذين خرجوا عن الطاعة، وكفروا الصحابة، وكفروا المسلمين، وقتلوا الأبرياء. وقد كثرت الأحاديث التي تبين شأنهم، ومبدأ أمرهم وصفاتهم، وهي أحاديث صحيحة مخرجة في الصحيحين وفي غيرهما. لقد أنكر عليهم الصحابة، وبينوا خطأ طريقتهم، ولما كتب المؤلفون فيما بعد كتبوا في الرد عليهم ما يبيَّن خطأهم، وضمنوا ذلك كتب العقيدة.

стр. 1086

وبعد ذلك: خرجت القدرية في آخر عهد الصحابة، وقد أدركهم بعض الصحابة كعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وغيرهم من الذين تأخر موتهم ومن رؤوس القدرية غيلان القدري ومعبد الجهني؛ خرجوا في آخر عهد الصحابة، وأنكروا علم الله السابق للأشياء قبل وجودها، وقالوا إنما يعلم الأشياء عندما تحدث، وهذا هو معنى قولهم: (إن الأمر أُنف) فشنع عليهم الصحابة، واحتجوا عليهم بالأدلة وبالآيات والأحاديث، وحذروا من طرقهم ومن شأنهم، وقد كانوا قلة مغمورين لا يتفطن لهم ولا يؤبه لهم، وإنما الغلبة لأهل السنة والظهور لهم، والكثرة لهم والحمد لله، بينما هم أفراد لا يسمع لهم إلا من هو ضعيف الإدراك، وضعيف العقل. ثم ظهرت المعتزلة في أول القرن الثاني، اعتزلوا مجلس الحسن البصري، وكان رئيسهم الذي يقال له واصل بن عطاء يجلس يقرر مذهبه، وأخذ يشير لهم الحسن ويقول: هؤلاء المعتزلة اعتزلوا مع واصل، فمن ثم اشتهر هذا المذهب الذي هو مذهب الاعتزال بهذا الاسم. ولعله تأتي بعض الإشارات إليه فيما بعد، ومع ذلك فإن أهله قلة، ومنهم عمرو ابن عبيد الذي وجد في وسط القرن الثاني وكان يظهر التنسك، ولكنه مبتدع منحرف في باب الاعتقاد. ثم ظهرت أيضاً: بدعة التعطيل، وما أدراك ما هذه البدعة الشنيعة العظيمة المنكرة؛ إنها بدعة الجهمية الذين أنكروا صفات الله تعالى، وتأولوا نصوصها، وبالغوا في إنكارها، وكان أول من أنكر بعضها (الجعد بن درهم) ، وهو الذي قتله خالد القسري في يوم عيد الأضحى، وقصته مشهورة.

стр. 1087

ثم إنه تلقاها عنه -أي بدعة التعطيل- الجهم بن صفوان السمر قندي، وهو الذي نشرها ونسبت إليه، وكثر الذين تلقوها عنه، وإن كانوا قلة في ذلك الزمان، ولكن ظهر لهم بعد ذلك أنصار وأعوان، فمنهم بشر المريسي الذي أعلن هذه البدعة؛ بدعة إنكار الصفات، ومنها صفة العلو لله تعالى، وإنكار أن الله متكلم، وأن القرآن ليس كلامه، ونحو ذلك من التعطيل. ولما كان في آخر القرن الثاني، وأول القرن الثالث، كان وزراء الملوك أغلبهم من اليونان، ومن الترك، وكانوا غالباً من المجوس في عقيدتهم، ومن النصارى، وعندهم من كتب النصارى وكتب الفلاسفة بقايا، فزينوا للخلفاء أن يترجموها إلى اللغة العربية، فترجموا كتباً كثيرة من كتب الفلاسفة والملاحدة، ومن كتب اليونان من نصارى ومجوس ونحوهم. ولما انتشرت تلك الكتب كان في طياتها التشكيك في الخالق، وفي مبدأ الخلق وفي منتهاه، مما كان سبباً في كثرة الزندقة، فظهر في ذلك الوقت مذهب الزندقة، وهو الذي يسمى بمبدأ الشيوعية فتمكنت الشيوعية وظهرت. ولكن فطن لهم الخليفة المهدي ﵀، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فكل من اتهم بأنه زنديق منكر للخلق والخالق، أو يذهب مذاهب الفلاسفة في إنكار بدء الخلق وإعادته، ويدعي أن الأمر مسند إلى الطبائع ونحو ذلك؛ أخذه وقتله، ولم يكن يستتيبهم لعلمه أنهم منافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم أظهروا الإسلام وقصدوا من إظهاره إفساد العقائد، حتى يثق الناس بهم ويأخذوا منهم، فإذا أخذوا منهم أعطوهم ما يريدون من التشكيك، ومن الارتباك في أمر العقيدة، حتى يزعزعوا عقيدة الكثير من الناس، هذا هو السبب في فشو هذا المذهب الشيوعي.

стр. 1088

ذكر المترجمون للمهدي: أنه أحضر أحدهم لما ثبت عنده أنه زنديق وحكم بقتله، فقال ذلك الزنديق: كيف تفعل بأربعة آلاف حديث كذبتها وبثثتها في المسلمين، فقال المهدي: تعيش لها نقادها، أي أن الله تعالى قد قيض لها علماء ينقحون الأحاديث ويبينون زيفها، ويظهرون ما هو مكذوب ودخيل على السنة، يعني أمثال الأئمة الذين كتبوا في الأحاديث، وبينوا عللها، وبينوا المكذوب منها والموضوع والصحيح والضعيف. وبكل حال فهذا الوقت انتشر فيه هذا المذهب الشيوعي الخبيث بسبب تعريب هذه الكتب، ومن أثر انتشارها كثرة الخوض في علوم جديدة سماها السلف ﵏ (علم الكلام) ، هكذا أطلقوا عليه، وقصدوا به العلم الذي يخوض في الأمور الخفية؛ في الجواهر والأعراض والأبعاض، والافتراضات، وما أشبه ذلك. وهذا الكلام هو الذي شغل كثيراً من أهل القرون المتأخرة، بحيث إنهم كرسوا جهودهم في هذا الكلام، وأخذوا يفترضون افتراضات؛ إن كان كذا، فماذا يكون كذا؟، وما هو جوابه، حتى ملؤوا صدور الناس بمالا فائدة فيه، وملؤوا الكتب بما لا أهمية له، فكان ذلك مما حمل العلماء على التحذير من علم الكلام، كقول الشافعي ﵀: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك القرآن، وأقبل على الكلام) ، وغيره كثير من الذين حذروا من علم الكلام. ومع الأسف فقد انتشر علم الكلام هذا في كتب الأشاعرة، وفي كتب المعتزلة؛ فحشدوا الكثير منه في كتب التفسير، وفي كتب العقائد، وفي كتب الأصول وما أشبهها، وافترضوا افتراضات لا دليل عليها.

стр. 1089

فإذن لا شك أن هذا مما حمل السلف ﵏ على أن ينقحوا العقيدة، لما رأوا في القرن الثاني وفي القرن الثالث وما بعده تغير الناس في باب الاعتقاد، لم يكن بدٌ من أن يكتبوا في ذلك، ويقرروا، ويُبدؤا ويعيدوا، ويظهروا المذهب الصحيح والعقيدة السلفية السليمة ويبينوها علناً، حتى لا يقع في خلافها من قصده الحق. فكتُب السلف في العقيدة كثيرة وشهيرة: منها ما سمي بكتاب الإيمان، متقدماً ومتأخراً ومختصراً ومبسوطاً مثل كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب الإيمان لابن منده في ثلاثة أجزاء وكلها مطبوعة. ومنها ما سموه بكتب السنة؛ كالسنة للإمام أحمد، والسنة لابنه عبد الله، والسنة للخلال، والسنة لابن أبي عاصم، وغيرها. ومنها ما سموه بالتوحيد ككتاب التوحيد لابن خزيمة، والتوحيد لابن منده. ومنها ما سمي بأسماء أخرى، كالرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن للإمام أحمد، والرد على الجهمية لعثمان ابن سعيد الدارمي، والرد على بشر المريسي للدارمي أيضاً، ومنها ما له أسماء خاصة كالشريعة للآجري، والإبانة لابن بطة (الإبانة الصغرى، والإبانة الكبرى) ، وشرح اعتقاد أهل السنة الذي هو من أوسعها للالكائي. هذه كتب ضمنها مؤلفوها العقيدة، وأرادوا بذلك أن يخلصوا أمر المعتقد حتى لا تضمحل عقيدة أهل السنة.

стр. 1090

ومع كثرة هذه الكتب مما ذكرنا، وغيرها كثير، لما انقضى القرن الثالث آخر القرون المفضلة أميتت هذه الكتب مع الأسف، وأصبحت مخزونة لا يعترف بها ولا تُقرأ، ولا تُدرَّس إلا نادراً وبصفة خفية، وتمكن مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة أيما تمكن، وانتشر الإكباب عليه، وكثرت الدروس والكتب التي تؤلف فيما يتعلق بهذه العقائد؛ عقيدة الأشعرية وعقيدة المعتزلة، وكادت السنة وكتبها أن لا يكون لها ذكر، بل كاد مذهب الإمام أحمد أن يضمحل، ولم يبق أحد عليه إلا قلة. وفي آخر القرن الرابع وأول القرن الخامس بدأ يظهر مذهب الإمام بسبب القاضي أبي يعلى ﵀، فإنه لما اعتنق هذا المذهب وتولى القضاء، وكان عالما جليلا، وكان من أبرز أهل زمانه، ولم يوجد للقضاء من يتولاه مثله أظهر هذا المذهب. ومع ذلك فإنه هو وأساتذته الذين قرأ عليهم في بعض الكلام قد تأثروا بشبه المتكلمين، ولكن لما كان على مذهب الإمام أحمد لم يرد ما روى عنه، فألف رسالة فيما يتعلق بصفة العلو وأملاها على تلامذته، ولما كتبها وأملاها قامت الدنيا، وأنكر عليه أهل زمانه، وقالوا: القاضي أبو يعلى ممثلٌ، القاضي مشبه، وكادوا يسعون في إبعاده وعزله، فاعتذر أنه إنما نقل كلام غيره، والرد لا يكون عليه بل يكون على غيره، على الذين نقل عنهم؛ وأما هو فإنه ناقل.
следующие страницы →