← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ذلك لأن الدعاء إنما هو ذكر لله، وقد ثبت قول عائشة ﵂: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى". فالطواف شرع لإقامة ذكر الله ، فإذا أقامه العبد، صحَّ وأتى بما طُلِبَ منه؛ سواء بذلك الدعاء أو بغيره. وبعد إتمام الطواف حول البيت سبعة أشواط، فإنه يشرع صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵇ إن تيسَّر ذلك، وإلا في أي مكان من المسجد. وبعد أداء الركعتين وقبل الذهاب إلى الصفا والمروة يشرع الرجوع إلى الحجر الأسود وتقبيله إن تيسر أو الإشارة إليه، فإن هذا من السنة. السعي بين الصفا والمروة وبعد أداء ركعتي الطواف يخرج إلى المسعى، فإن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة. وقد ذكر الله تعالى أن الصفا والمروة من شعائر الله، فقال تعالى: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله)) (البقرة:١٥٨) . وهكذا بقية الأماكن فإنها تسمى شعائر، كما في قوله تعالى: ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (الحج:٣٢) . والسعي بين الصفا والمروة يسمى طوافاً وهو إحياء لسنة النبي ﷺ حيث يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي". * ويشرع الخروج إلى المسعى من جهة الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم)) (البقرة:١٥٨) . أبدأ بما بدأ الله به. * ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت فيستقبله وإن وقف عند الصفا أجزأه. * ويرفع يديه فيوحد الله ويكبره ويحمده ويقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".

стр. 982

ثم يدعو بعد ذلك بما تيسر من الدعاء فيدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة ويكرر هذا الذكر وهذا الدعاء ثلاث مرات. فإن هذا من مواضع الدعاء الثابتة عن النبي ﷺ في المناسك. ولا بأس أن يدعو بغير هذا الدعاء، ولكن الأفضل اتباع السنة وما ثبت عن النبي ﷺ . * بعد ذلك ينزل من الصفا متوجهاً إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأخضر، ويشرع للرجل أن يسعى سعياً شديداً يعني: يركض ركضاً، حتى يصل إلى العلم الثاني، ويحرص المسلم على عدم إيذاء إخوانه المسلمين. أما المرأة فلم يشرع في حقها إلا المشي فقط فإنها عورة. * فإذا وصل إلى المروة رقى عليها ويستقبل القبلة فإنها من السنة، ويقول ويفعل كما قال وفعل عند الصفا. ثم ينزل من المروة إلى الصفا... وهكذا يمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه. * والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط مبتدئاً بالصفا، ومنتهياً بالمروة، فمن الصفا إلى المروة يعد شوطاً، ومن المروة إلى الصفا يعد شوطاً آخر.. وهكذا حتى يتم سبعة أشواط. ويشرع أن يشغل سعيه بالذكر والدعاء والقراءة بما تيسر، وليس للسعي بين الصفا والمروة دعاء خاص، وإن دعا في السعي فقال: "رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم" فلا بأس لثبوته عن ابن مسعود وابن عمر ﵃. * ولا تجب الطهارة للسعي، والطهارة أفضل، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف أجزأها السعي على غير طهارة. * وليحذر من مزاحمة النساء الأجنبيات ونحوهن، أو تعمد النظر إلى العورات، أو إلى الزينة المنهي عنها، أو ما أشبه ذلك. وهكذا النساء فعليهن أن يتقين الله ، وألا يزاحمن الرجال، لا في المطاف، ولا في السعي، ولا عند الجمرات، ولا في غيره من المشاعر.

стр. 983

* الحلق أو التقصير: وبعد أداء السعي بين الصفا والمروة فيشرع لمن أحرم بالعمرة أو كان متمتعاً أن يحلق أو يقصر والحلق أفضل، فإنه ﷺ : "دعا للمحلقين بالرحمة -وفي لفظ: بالمغفرة- ثلاث مرات، وللمقصرين مرة". أما إذا كان وقت الحج قريباً بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير، فإن قصر فلا بد من تعميم التقصير، ولا يكفي تقصير بعضه، كما يفعله بعض الجهلة. * وبالحق أو التقصير من المعتمر أو المتمتع يكون قد تحلل من عمرته وحلَّ له كل شيء حرّم عليه بالإحرام. * أما المفرد أو القارن الذي ساق الهدي فإنهما يبقيان على إحرامهما ولا يقصران أو يحلقان حتى رمي جمرة العقبة يوم العيد. أعمال الحج يوم التروية (اليوم الثامن من ذي الحجة) إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، استحب للحجاج الذين أحلّوا إحرامهم بعد العمرة وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج من مساكنهم وأماكن إقامتهم. كذلك يُستحب لأهل مكة ومجاوريها، ممن أراد الحج أن يحرموا من بيوتهم. فيعقد الحاج النية بالحج في قلبه ويلبي بالحج فيقول: (لبيك حجاً) ، وإن كان خائفاً اشترط في إحرامه كما ذكرنا سابقاً فيقول: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني". أما القران والمفرد فهم باقون على إحرامهم الأول، حتى يؤدوا باقي مناسكهم. يتوجه جميع الحجاج بعد الإحرام إلى منى قبل الزوال أو بعده، فيصلُّوا فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصرون الرباعية.

стр. 984

ويبيت الحجاج في منى تلك الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت يعتبر سُنة مؤكدة، وإن ذهب بعض العلماء إلى وجوبه لأن النبي ﷺ وخلفاءه حافظوا عليه، فكانوا يبيتون ليلة تسع في منى، ويتوجهون صباح التاسع بعد طلوع الشمس إلى عرفة، فيكون هذا المبيت مؤكداً، والذين يتركونه يتركون فضلاً كبيراً، وإن غالب الذين يتركونه هم الذين يتعلقون بغيرهم، وغالبهم من الوافدين الذين يحملهم المطوفون، وذلك أن المطوف يشق عليه أن يسكنهم أولاً بمكة ثم بمنى، ثم بعرفة، ثم بمزدلفة، ثم بمنى، ثم بمكة، فهو ينقلهم رأساً من مكة إلى عرفة، ويترك هذه الشعيرة وهذه السُّنة، وهي المبيت بمنى ليلة عرفة، وهذا فيه تقصير وخطأ ونقص في حجهم، ولكن لجهل أولئك الوافدين ولإحسانهم الظن بهذا المطوف واعتقادهم نصحه، لا ينتبهون لما يفوتهم، ولا يسألون غيرهم، ويكتفي المطوف بإطعامهم ونقلهم وإسكانهم، أما التعليم والإرشاد فقلَّ من يهتم به، وكان الأولى بهم أن يتركوا ذلك المطوف، وأن يبيتوا بأنفسهم بمنى، ويذهبوا على أرجلهم في صباح يوم التاسع إلى مخيماتهم في عرفة، ولكن لا يأتيهم من يُوَجِّهُهُم، وأما من هو منفرد فإنَّه يُتأكد في حقه أن لا يترك هذا المبيت في هذا اليوم. وعلى الحجاج المحرمين في ذلك اليوم سواء المتمتع، أو القارن، أو المفرد، أن يشتغلوا في حال إحرامهم بالتلبية، وذلك لأن التلبية شعار للحجاج، وعلامة واضحة على أنه متلبس بهذا النسك، فيرفعون أصواتهم بالتلبية ويكررونها. يوم عرفة (اليوم التاسع من ذي الحجة) فإذا أصبح الحجيج في اليوم التاسع، وطلعت الشمس، توجهوا إلى عرفة فالوقوف بها هو الركن الأعظم للحج، الذي قال فيه النبي ﷺ : "الحج عرفة".

стр. 985

وعرفة مكان فسيح واسع ليس فيه بنا، وهو متسع من جهة الشمال، ومن جهة الجنوب، أما من جهة الشرق فتحده تلك الجبال التي تعرف (بجبل الرحمة) وما يتصل به من الجبال، وأما من جهة الغرب فيحده وادي عُرنة وما وراءه. وذهب بعض العلماء إلى أن عُرنة داخلة في عرفة، وعلى هذا فتكون نهايته ما وراء الوادي إلى منتهى عُرنة، ويدخل فيه على الصحيح نمرة كما في حديث جابر الطويل وغيره كما اختاره الزركشي في شرح مختصر الخرقي (٢٣٧٣) وذكرنا في التعليق عليه بعض الأدلة من السنة. ويسن للحجاج النزول بنمرة في بطن الوادي إلى الزوال إن تيسَّر ذلك، لفعل النبي ﷺ ، فإذا زالت الشمس سن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال، يبين فيها ما شرع للحاج في هذا اليوم وبعده، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال، ويحذرهم من محارمه.. وغير ذلك. بعد ذلك يصلي الحجاج الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله ﷺ كما في حديث جابر. ثم يقف الحجاج بعرفة، وعرفة كلها موقف، يقفون خاشعين خاضعين، متضرعين، مستكينين لربهم، مظهرين الفقر والفاقة وشدة الحاجة إليه، مقيمين لحرماته، يعلمون أنهم في موقف عظيم يجمعهم كلهم، فالذين يتوافدون إلى البيت، يجتمعون كلهم في ذلك المكان في اليوم التاسع في تلك الصحراء خاضعين لربهم، رافعين إليه أكف الضراعة، داعين له بكرة وعشية، طالبين بحاجتهم الحاضرة والمستقبلية، راجين رحمته، فيباهي بهم ملائكته كما ورد ذلك في بعض الأحاديث: "إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته، فيقول: انظروا إلى هؤلاء، أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق".

стр. 986

يقف الحجاج في ذلك اليوم، وهم على هذه الهيئة، بعد أن أدوا صلاة الظهر والعصر، جمعاً وقصراً، في وقت الظهر، وذلك ليطول زمن الوقوف. ثم يقف الحجاج إن تيسَّر لهم الوقوف عند جبل الرحمة، فذلك أفضل، فإن لم يتيسر لهم، وقفوا في أي مكان من عرفة، في داخل خيامهم أو غيرها، ولكن الأفضل أن يبرزوا ضاحين، لأنه روي عن ابن عباس أنه رأى رجلاً قد استظل بقبة ونحوها فقال: "أضح لمن أحرمت له". يعني: أبرز فلا تستظل ولا تستكن في خيمة. فالأفضل أن يكونوا بارزين ظاهرين من بعد الظهر، إلى غروب الشمس، منشغلين كل ذلك الوقت بالدعاء، والذكر، والتلبية، والقراءة، والأدعية الجامعة، كل ذلك مع حضور القلب وتواطئه مع اللسان، والبكاء، وحزن القلب. فإن ذلك من أسباب قبول العمل، ومن أسباب المغفرة. بخلاف من كان في هذا الموقف قاسياً قلبه، لا يخشع ولا يخضع ولا يدعو، ولا يتضرع، إنما يترقب وينتظر انتهاء الوقت حتى يسارع ويسابق إلى الانصراف! فإن هذا قد فاته خير كثير، وهو مباهاة الله للحجاج بالملائكة، حتى في حالة كونهم خاشعين شعثاً غبرا، يرجون الرحمة، ويخشون من العذاب. ويسن أن يكثر من قول: "لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير". لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خيرُ الدعاء دُعاءُ يوم عرفة، وأفضلُ ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير". وصح عنه ﷺ أنه قال: "أحب الكلام إلى الله أربع: سُبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ". فينبغي الإكثار من هذا الذكر وتكراره بخشوع وحضور قلب، وينبغي الإكثار أيضاً من الأذكار والأدعية الواردة في الشرع في كل وقت؛ ولا سيما في هذا الموضع، وفي هذا اليوم العظيم، ويختار جوامع الذكر والدعاء.

стр. 987

ويستحب أن يلح في الدعاء، ويسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة، وكان النبي ﷺ إذا دعاء كرر الدعاء ثلاثاً، فينبغي التأسي به في ذلك ﵊. ويكون المسلم في هذا الموقف مخبتاً لربه سبحانه متواضعاً له خاضعاً لجنابه منكسراً بين يديه يرجو رحمته ومغفرته، ويخاف عذابه ومقته، ويحاسب نفسه، ويجدد توبة نصوحاً، لأن هذا يوم عظيم، ومجمع كبير، يجود الله فيه على عباده، ويباهي بهم ملائكته، ويكثر فيه العتق من النار، وما رُؤيَ الشيطان في يوم هو فيه أدحر ولا أصغر ولا أحقر منه في يوم عرفة إلا ما رؤي يوم بدر، وذلك لما يرى من جُود الله على عباده وإحسانه إليهم وكثرة إعتاقه ومغفرته. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنَّه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ". فينبغي للمسلمين أن يروا الله من أنفسهم خيراً، وأن يهينوا عدوهم الشيطان، ويحزنوه بكثرة الذكر والدعاء، وملازمة التوبة والاستغفار من جميع الذنوب والخطايا، ولا يزال الحجاج في هذا الموقف مشتغلين بالذكر والدعاء والتضرع إلى أن تغرب الشمس. ليلة مزدلفة (ليلة العاشر من ذي الحجة "ليلة العيد") وبعد غروب الشمس في اليوم التاسع من ذي الحجة، وهو يوم عرفة، والتحقق من ذلك، على الحجاج الانصراف قبل صلاة المغرب، متوجهين إلى مزدلفة، ويسن أن يسيروا بتؤدة، ويتجنبوا العجلة والمضايقات، والمزاحمات التي قد تؤدي إلى الضرر بالغير، فربما من تسد عليه الطريق ظلماً يدعو عليك، فتردّ أعمالك.

стр. 988

فيسن أن يكون السائر إلى مزدلفة سائراً بتؤدة؛ سواء على الأرجل، أو على الدواب، أو على السيارات، وثبت أنه ﷺ كان يقول في سيره: "يا أيها الناس، السكينة السكينة". وكان يسير العَتَقْ، يعني: أنه قد جر خطام ناقته حتى التوى عنقها، فإذا وجد فجوة ومتسعاً نصَّ فأسرعت، وإذا أتت كثيباً من الرمال نصَّ حتى تصعده... وهكذا. أما الآن فإنه لا شك أن الطرق قد سُهلت، والكل يسير على هذه السيارات، لكن يحدث مزاحمات من كثير من قائدي السيارات فيضرون غيرهم، ويصطدمون بالآخرين، ويسببون حوادث وأضراراً بالغير. فالأولى أن يسير كل على جهته، دون أن يحصل منهم زحام أو مضايقات. * فإذا وصلوا إلى مزدلفة، فإن المبيت بها واجب من الواجبات، وقد فعله النبي ﷺ ، وفعله أصحابه، فإنهم لما وصلوا إلى مزدلفة، وكانوا قد وصلوها بعد ساعتين من الليل، أي: قطعوا الطريق في نحو ساعتين، أو ساعتين ونصف، فلما وصلوها بدؤوا بصلاة المغرب والعشاء جمع تأخير فالذي يصل إلى مزدلفة يقيم الصلاة؛ سواء وصلها مبكراً، أو متأخراً، بدأ بصلاة المغرب والعشاء فور وصوله قبل أن يحط رحاله. هكذا فعل النبي ﷺ ، وذلك لاهتمامه بهذه الصلاة، وإنما أخرها حتى يواصل سيره، وحتى يريح الدواب التي قد طال وقوفهم عليها، فمن وصلها بعد غروب الشمس بعدة دقائق فله أن يصلي ساعة وصوله، والذي يصلها بعد غروب الشمس بأربع ساعات، أو خمس، كما يحدث لبعض الذين يتأخرون من شدة الزحام، يصلي أيضاً ساعة وصوله، أما الذي يخشى فواتها بأن ينحبس إلى ثلثي أو ثلاثة أرباع الليل فله أن يصلي في الطريق؛ سيما إذا لم يتيسر له مواصلة السير، فإن الكثير قد يقفون ساعة، أو ساعتين في مكان واحد لا يتحركون من شدة الزحام، فلهم أن يُصلّوها في الطريق مخافة فواتها.

стр. 989

* فإذا صلّوا فإنهم يبيتون فيها إلى الصباح، فإن النبي ﷺ لمّا وصلها، وكان متعباً، صلى المغرب والعشاء، ثم نام فيها حتى قام في آخر الليل وصلى الفجر في ذلك اليوم مبكراً، واشتغل بالدعاء والذكر، حتى أسفر الصباح، قال تعالى: ((ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين)) (البقرة:١٩٨) . والمشعر الحرام هو: مزدلفة، وتسمى جمعاً، لأنهم يجتمعون فيها تلك الليلة وهي داخل الحرم. * وقبل أن تطلع الشمس توجه النبي ﷺ إلى منى وذلك لرمي جمرة العقبة. ورخص للضعفة أن يتوجهوا آخر الليل، ولم يرخص لغيرهم، وأمر الذين ساروا قبل أن تطلع الشمس ألا يرموا الجمرة إلا بعد طلوع الشمس إلا للمعذورين من الضعفة والظعن وغيرهم، فقد أذن لهم أن يرموا آخر الليل، والوقت الذي رخص لهم فيه هو إذا غاب القمر ليلة العاشر، وذلك حين يبقى من الليل ربعه، أو أقل من ثلثه. تنبيهات مهمة: أخطاء بعض المطوفين: ١- أخذهم للحجاج من مكة إلى عرفة مباشرة. ٢- عدم نزولهم بالحجاج في مزدلفة والمبيت فيها. ٣- التقاط الحصى قبل الصلاة. أعمال يوم النحر يوم العيد (اليوم العاشر من ذي الحجة) يوم النحر هو يوم الحج الأكبر على القول الصحيح، فإن أكثر أعمال الحج تفعل فيه، وهو عيد للمسلمين في جميع بلاد الإسلام، فيستقر فيه الحجاج كلهم في منى، وكذا فيما بعده إلى نهاية أعمال الحج.

стр. 990

فقد ثبت أن النبي ﷺ لما توجه من مزدلفة إلى منى لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، فذكر الرواة أنه بدأ برمي جمرة العقبة، ثم ذهب إلى بَدَنِهِ فنحرها، ثم دعى الحلاق فحلق رأسه، ثم أفاض إلى مكة لطواف الإفاضة، هكذا رتب هذه الأعمال، ومع ذلك فقد رخَّص في تقديم بعضها على بعض، حيث سأله رجل فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال: "ارم ولا حرج". وقال آخر: لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: "انحر ولا حرج". فما سُئلَ عن شيء قُدمَ ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج". ولذلك يستحب ترتيب أعمال يوم النحر، كما رتبها النبي ﷺ . * فيبدأ برمي الجمرة لأنها تحية منى. * ثم ينحر هديه إن كان قد ساق الهدي. * ثم يحلق رأسه أو يقصره. * ثم يتوجه إلى مكة لطواف الإفاضة. * أولاً: رمي جمرة العقبة: فأما الرمي فيقتصر على رمي جمرة العقبة هذا اليوم، وأول وقته في حق القادرين من طلوع الشمس يوم النحر إلى غروبها، ويُرخَّصُ للضعفة والظعن في الرمي آخر الليل، فينفرون من مزدلفة بعد غروب القمر، ويرمون قبل حطمة الناس، وتختص الرخصة بالنساء العجائز، والمرضى والمسنين من الرجال والصغار ونحوهم. وقد توسع الناس في هذه الرخصة فصار الجمهور ينفرون من أول الليل أو من وسطه، وغالبهم أقوياء أشداء لا عذر لهم، ويتعللون بأن معهم شخص أو شخصان من أهل العذر، وذلك لا يبرر فعلهم، فإن عليهم أن يبقوا إلى الصباح، ويؤخر النساء الرمي إلى آخر النهار، حيث يخف المكان، ويتسع لرميهم، وإن أخروه إلى الليل جاز، فهو أفضل من رميهم ليلة النحر، وتفويت الجميع للمبيت بمزدلفة الذي هو أحد الواجبات، وعند بعض العلماء أنه أحد أركان الحج.

стр. 991

ثم إذا رخص للضعفاء والعجائز فإن بإمكان غيرهم البقاء في مزدلفة، وبعد الصباح يمشون على الأقدام إلى منى، فلا مشقة في ذلك لقرب المكان، وكثيراً ما يصل المشاة قبل أهل السيارات، لشدة الزحام في ذلك اليوم. وبالجملة فإن الرمي يوم النحر يختص بجمرة العقبة، ويكون بسبع حصيات متعاقبات، يكبر مع كل حصاة، ولا يجوز الزيادة على السبع ولا النقص منها، وإن اقتصر أحياناً على ست أجزأه إن لم يتعمد للعذر، ويحرص على أن تصيب الحصيات الحوض أو الشخص، ولو تدحرجت إلى الأرض أجزأت، وإن وجهها إلى المرمى، وغلب على ظنه إصابتها أجزأت، ولا يشترط رؤيته للإصابة، فقد يشتد الزحام، ولا يتحقق من إصابة كل حصاة، فيجزئه توجيهها إلى الشاخص ولو كان بعيداً، إذا كان الغالب من معرفته وعادته الإصابة بمثل ذلك. ويكون حصى الجمار مثل حصى الحذف، وهو الذي يرمى به بين الأصابع. وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال له لما ركب من مزدلفة: "ناولني سبع حصيات". قال: فالتقطت له سبع حصيات هن حصى الخذف؛ فقال: "بمثل هذا فارموا يا عباد الله، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" رواه أحمد وأهل السنن. والذي التقط الحصيات هو الفضل بن عباس، لأن عبد الله كان ممن ظعن مع الضعفة آخر الليل، وقال لهم النبي ﷺ : "أي بني لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس".

стр. 992

ومناسبة النهي عن الغلو، مخافة أن يرموا بأكبر منها من باب التشدد، وقد وقع الغلو من كثير من الناس، حيث يرمون بحصى كبار مثل بعر الإبل، وربما أكبر من ذلك، وقد يرمي بعضهم بالأحذية، والحجارة الكبيرة ملء اليد أو نحوها، ويعتقد الكثير من العامة أنهم يرمون الشيطان، وأن الشيطان يتأثر ويتضرر بهذا الرمي، ويسميه الكثيرون بالشيطان، أي: يطلقون اسم الشيطان على الجمرات، بقولهم: الشيطان الكبير، والشيطان الصغير... إلخ، مع أن الحكمة في رمي هذه الجمرات هي إقامة ذكر الله تعالى، مع تذكر عداوة الشيطان الذي عرض لأبينا إبراهيم ﵇ في هذه الأماكن لما أراد ذبح ولده، كما ورد ذلك في حديث رواه أحمد وغيره عن ابن عباس بسند صحيح، فعند رمي هذه الجمرات يكبر الله تعالى، ويدعوه ويستعيذ من الشيطان بالقول والفعل، ويتقيد بما ورد في السنة من صفة الرمي وزمانه، وتذكر الحكمة فيه حتى يعمل بالسنة ويسلم من البدعة. ثم إن رمى يوم النحر كما ذكرنا يختص بجمرة العقبة، وهي التي في طرف منى مما يلي مكة، والأفضل أن يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، كما فعل ابن مسعود ﵁؛ وقال: "هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة" يعني النبي ﷺ . وقد كانت هذه الجمرة في أصل عقبة -أي جبل صغير-، ثم إنَّه أزيل في عام ١٣٧٥هـ لتوسعة الطريق، وحيث إن حوض هذه الجمرة كنصف دائرة، فإن على الحاج الحرص في أن لا يرمي في غير جهة الحوض، حيث إن الجهة الشمالية وهي موضع العقبة ليس بها حوض، وإن كان طرفاه باديان لمن أتى من جهة الشمال، وإن رمى من السطح حرصاً على وقوع الجمرات في فرع الحوض الذي يشبه القعب؛ حيث إنَّها تنحدر منه وتقع في الحوض. * ثانياً: ذبح الهدي:

стр. 993

وأما ذبح الهدي فيُشرع بعد الرمي مباشرة، والمراد بالهدي: ما يُساق من خارج الحرم، ويُهدى إلى مكة تقرباً وتطوعاً، وتعظيماً لحرمات الله تعالى، وقد كان النبي ﷺ ساق معه هدياً بلغ مائة بدنة، جاء علي ﵁ ببعضها من اليمن، وكذا كثير من الصحابة، ساقوا معهم هدياً من المدينة ومن غيرها، ولا يدخل في مسماة فدية التمتع والقران، وإنما تسمى هدياً أو فدية لأنها من جنس ما يهدى من الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم. ووقت الذبح من صبح يوم النحر، إلى آخر أيام التشريق الثلاثة، وكره بعض العلماء الذبح ليلاً، لأن البعض يخفون هديهم وفديتهم في الليل، ليحرموا المساكين، وحيث إن الذبح يكثر في هذه الأيام، فأرى أن لا كراهة في الليل كالنهار، وإذا خاف أن لا يجد من يأكل فديته أو هديه يوم النحر فله التأخير، وهو أفضل، حيث إن الكثير الذين يذبحون في يوم العيد يلقون ما يذبحونه في الأرض، فتحرق تلك اللحوم أو تدفن، وتذهب ضياعاً، بخلاف ما إذا أخَّر الذبح إلى اليوم الحادي عشر أو بعده، فسوف يجد من يتقبله من المساكين وغيرهم. وعلى الحاج الحرص على أن يجد من ينتفع بفديته، ولو دفع أجرة لمن يسلخها ويحملها، ثم يوزعها على الحجاج في الخيام أو في ظل الجسور، أو داخل مكة ونحوها، فسوف يجد من يفرح بذلك ويتقبله، فإن دفع فديته للشركات التي تقوم بالذبح والسلخ وإرسال اللحوم إلى الدول المسلمة الفقيرة فهو أفضل من إضاعتها، ويجزئ ذلك عنه، ولو لم يحضر الذبح معهم. وأما دم الجبران وجزاء الصيد، فيجوز تأخيره بعد أيام التشريق، ويلزم تفريقه على مساكين الحرم، ولا يأكل منه صاحبه، بخلاف دم الهدي والفدية فله الأكل منه، وإطعام رفقته، لقوله تعالى: ((فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير)) (الحج:٢٨) . * ثالثاً: الحلق أو التقصير:

стр. 994

وأما الحلق فهو أحد مناسك الحج، ودليله قوله تعالى: ((مُحلقين رؤوسكم ومقصرين)) (الفتح:٢٧) . وقوله تعالى: ((ثم ليقضوا تفثهم)) (الحج:٢٩) . وفسر بالحلق أو التقصير، وإذا كان نكسا فإن في تركه دم كسائر المناسك، لقول ابن عباس ﵁: "من ترك نسكاً فعليه دم"، وهو من أسباب التحلل. والحلق أفضل من التقصير، لأن النبي ﷺ دعا للمحلقين ثلاثاً، وللمقصرين واحدة، وذلك أن الحلق أدل على الامتثال، وهو من جملة العبادات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، فإن الحالق يخضع لله تعالى ويتواضع له حالة الحلق، ويقصد بذلك امتثال أمر الله تعالى. ووقته بعد الذبح، ويجوز قبله، وقبل الرمي، ويجوز تأخيره عن الطواف وغيره، ومن اقتصر على التقصير أجزأه، ولكن لا بد من تعميم الرأس، والأخذ من جميع جوانبه، وإن لم يكن من كل شعرة، بخلاف ما يفعله الكثير من الاقتصار على الأخذ من بعض الجوانب أو أخذ شعرات قليلة والاكتفاء بها، فإن مسمى الرأس في الآية يعم جميع الشعر وإن كان قصيراً. * رابعاً: طواف الإفاضة: وأما الإفاضة إلى مكة، فإن طواف الإفاضة أحد أركان الحج، وهو المذكور في قوله تعالى: ((وليطوفوا بالبيت العتيق)) (الحج:٢٩) . وأول زمنه في النصف الأخير من ليلة النحر، والأفضل الطواف في يوم النحر إن سهل ذلك، ويغلب في الأزمنة المتأخرة صعوبته، لشدة الزحام في ذلك اليوم، فالطائف فيه لا يطمئن ولا يحضر قلبه، ولا يدعو إلا وهو منشغل البال، يهمه الخروج من المضائق، فالأفضل في هذه الحال تأخيره حتى يطوف في سعة وراحة، يعقل ما يقول، ويستفيد من عمله.

стр. 995

ومن المعلوم يقيناً أن الحجاج زمن النبي ﷺ لم يطوفوا كلهم في يوم النحر، لكثرة العدد الذي يزيد عن مائة ألف، ولضيق المطاف في ذلك الزمان، ولكثرة أعمالهم التي تشغل الكثير منهم عن الإفاضة في ذلك اليوم، فدل على أن أكثرهم طافوا في أيام التشريق أو بعدها، وأجزأهم ذلك بلا كراهة. وقد سبق ذكر بعض الحِكَم والمصالح في مشروعية الطواف بالبيت، وما يُقال فيه. وبالطواف المذكور وما قبله من أعمال يوم النحر يحصل التحلل الثاني من الإحرام، بحيث يحل للمحرم ما كان محظوراً عليه حال الإحرام، من الطيب واللباس والنكاح وغيره. أما التحلل الأول: فيحصل إذا رمى جمرة العقبة وحلق رأسه أو قصره. وكذا لو رمى الجمرة وأفاض إلى مكة للطواف والسعي، وكذا لو طاف وسعى وحلق أو قصر، أي بفعل اثنين من ثلاثة، وهي الرمي والحلق والطواف مع السعي، يحل له كل شيء إلا النساء، وبفعل هذه الثلاثة يحل له كل شيء حتى النساء، وهذا هو التحلل الأول ثم الثاني. أيام التشريق وما يفعل فيها (الحادي والثاني والثالث عشر من ذي الحجة) ويبقى على الحاج المبيت بمنى أيام التشريق، ورمي الجمار في تلك الأيام. أولاً: المبيت ليالي منى:

стр. 996

فأما المبيت فهو من واجبات الحج، والأصل أن الحاج يقيم في منى برَحْلِهِ ومتاعه، ولا يذهب منها ليلاً ولا نهاراً إلا لغرض خاص، كالطواف والسعي، ثم يعود، ولهذا تسمى هذه الأيام بأيام منى، كما في قوله ﷺ : "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله ". وإن كان نص الفقهاء ﵏ على المبيت الذي هو الإقامة بها ليلاً، لكن المعروف أن الحجاج مع النبي ﷺ من أهل مكة وغيرهم كانوا جميعاً مقيمين بمنى تلك الأيام، يعدون ذلك نسكاً يتم به حجهم، لم يذهبوا إلى دورهم مع قربها، وحاجتهم غالباً إلى أهليهم، فلم يرجعوا إلى بيوتهم حتى أكملوا حجهم، حتى كانوا يقصرون الصلاة لطول المدة التي غابوها عن أهليهم. ثانياً: رمي الجمار أيام التشريق: وأما الرمي: فهو أحد الواجبات، وأول وقته بعد زوال الشمس، وآخره غروبها على المختار، ورخص بعض المشايخ في الرمي ليلاً، امتداداً للنهار قبله. والبدء بالجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات متعاقبات، ثم يبتعد عن الزحام ويستقبل القبلة، ويرفع يديه فيدعو طويلاً بما تيسر، ويصح رميها من كل الجهات. ثم بعدها الجمرة الوسطى يرميها بسبع كذلك، ويدعو بعدها. ثم جمرة العقبة، ولا يدعو بعدها. يفعل ذلك في كل يوم من أيام التشريق الثلاثة، إن لم يتعجل، وله أن يتعجَّل في يومين ولا إثم عليه، فإن غربت عليه الشمس في اليوم الثاني وهو في منى لم يرحل، لزمه المبيت والرمي في اليوم الثالث بعد الزوال، وقد روي عن الإمام أحمد جواز الرمي قبل الزوال يوم النفر، كما ذكره في المغني والإنصاف وغيرهما، ولعل ذلك يجوز في هذه الأزمنة لأجل الزحام الشديد الذي قد أودى بحياة بشر كثير.

стр. 997

ثم إن أيام منى هي أيام أكل وشرب، ولهذا لا يجوز صيامها إلا لمن لم يجد الهدي، ولم يتمكن من الصيام قبل يوم النحر، وكذا يسن فيها التكبير بعد الصلوات المكتوبة، والإكثار من ذكر الله تعالى ليلاً ونهاراً، لقوله تعالى: ((واذكروا الله في أيام معدودات)) (البقرة:٢٠٣) . وذلك عند الذبح والأكل والرمي، وفي كل الحالات والله أعلم. آخر أعمال الحج طواف الوداع هذا الطواف يفعل عند العزم على السفر من مكة، والرجوع إلى الأهل، وسمي طواف الوداع لأن الحاج يودع البيت والمشاعر، ويختم به أعمال الحج، وهو أحد واجبات الحج، من تركه فعليه دم، كسائر المناسك التي تجبر بدم، ولا يسقط هذا الطواف إلا عن الحائض والنفساء، لورود الرخصة في حق صفية أم المؤمنين لأجل الحيض، وفي الحديث: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض"، والمراد بالناس هم الحجاج كلهم. ومن ذهب وشق عليه الرجوع جبره بدم، فإن تمكن من الرجوع فرجع، وطاف للوداع سقط عنه الدم، ولو كان الرجوع بعد قطع مسافة طويلة، أو مدة طويلة، وذلك لسهولة الرجوع في هذه الأزمنة، بخلاف الزمن القديم، فإن من سار يومين صعب عليه الرجوع، وخاف الانقطاع عن الركب، فيفضل دم الجبران على الرجوع، لمشقته ولطول المسافة، وصعوبة السفر منفرداً خوف قطاع الطريق. أما وقد وجدت المراكب المريحة التي تقطع المسافة في وقت قريب، مع تعبيد الطرق، وأمن البلاد، فلا خوف ولا ضرر في الرجوع لإكمال هذا النسك. أما إن لم يرجع وواصل سيره إلى بلاده فإن عليه الدم كما ذكرنا، لكن إن كانت بلاده قريبة كجدة والطائف، وذهب هناك بعد أيام منى خوفاً من شدة الزحام في الطواف، ثم رجع بعد يومين أو نحوها فالأصح أنه يجوز؛ حيث إنه أتى بالواجب كما أمر به.

стр. 998

ثم إن هذا الطواف هو آخر أعمال الحج، فلا يقيم بعده طويلاً، فإن أقام بعده كنصف يوم، أو تعاطى تجارة، ونحوها لزمه إعادته، ليكون آخر عهده بالبيت، ثم بعد فراغه من هذا الطواف، وصلاته ركعتين، يدعو بما ورد، ويسن أن يقف بالملتزم، وهو بين الركن والباب، ويقول: "اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن، قبل أن تنأى عن بيتك داري، فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي، غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم اصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، وأجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير". ويدعو أن لا يكون هذا آخر العهد، ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يخرج على حالته، ولا يجوز الخروج القهقري فإنه لا أصل له، والله أعلم. الزيارة قبل الحج أو بعده وآثارها في الأمة تمكن في قلوب الكثير اعتقاد أن زيارة القبر النبوي مع الحج حتم وفرض من الفروض الواجبة، وأن من لم يزره فقد أخل بما يلزمه، فتراهم لذلك يتجشمون المشاق، ويحثون السير إلى المدينة المنورة، وما يقوم بقلوبهم إلا استحضار القبر وتقديسه، واعتقاد أن المسجد ما اكتسب الفضيلة، ولا حاز أجر المضاعفة إلا حيث ضمّ ذلك القبر الشريف. وأنا أقول: إن هذا الاعتقاد خطأ محض، رغم كثرة من وقع فيه من الأوائل والأواخر، منخدعين بشبه أحاديث مشتهرة على الألسن، قد رواها بالسند بعض من لم يلتزم التثبت: كالطيالسي، والدارقطني، محيلين القرَّاء على السند، فعندما نظرها النقاد بعين البصيرة بينوا ضعفها أو وضعها عقلاً ونقلاً.

стр. 999

* وأشهرها عند العامة ما ورد بلفظ: "من حج ولم يزرني فقد جفاني". وقد أجمعت الأمة على عدم وجوب الزيارة مع كل حج، ولو صح هذا اللفظ لكان تركها كفراً، لما فيه من جفاء النبي ﷺ ، فقد اتفقوا على ترك العمل بظاهر هذا الحديث، مما يبين أنه موضوع. * ومنها حديث: "من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي". ومعلوم أن زائره في الحياة يحظى بفضيلة الصحبة، ويتلقى عنه العلم والأحكام مباشرة، مما لا يحصل لزائر قبره ﷺ فبطل ظاهر الحديث أيضاً. *ومنها ما روي بلفظ: "من زار قبري وجبت له شفاعتي". مع أن شفاعته ﷺ إنَّما ينالها أهل التوحيد الخالص، كما ثبت ذلك بالسنة الصحيحة. وليس منه تعظيم القبر بشد الرحل إليه، وجعله مقصداً ومطلباً؛ بل يكون شركاً خفياً أو جلياً، لما يصحبه من التعظيم الذي يظهر أثره في التذلل والخضوع، وهذا خالص حق الله تعالى، وهذا ما يحصل بكثرة من جُل أولئك الزوار، الذين يقفون أمام القبور بالمسجد وبالشهداء وبالبقيع، فتراهم هناك مهطعين مقنعي رؤوسهم، تغاشهم الذلة والهيبة، وقد وضعوا الأيدي على الصدور أو رفعوها داعين مبتهلين بخشوع وهيبة، واستكانة لا يحصل بعضها في صلاتهم بين يدي ربهم تعالى.

стр. 1000

وقد يطيل أحدهم القيام، وربما غاب عن نفسه فلا يحس بضرب ولا تأنيب، وأكثرهم يتوجهون إلى ناحية القبر حالة الجلوس أو الدعاء أو قراءة الأوراد، مفضلين له على القبلة وهم في تلك الحال، متصفون بالسكينة والخشوع والإخبات، والكثير منهم أو من الملقنين لهم يتسترون خوفاً من إنكار البعض عليهم، فعند انفرادهم تظهر مخبآت الصدور، وقد يغلب الكثير منهم بعض ما يجدون، فيبوح بما في ضميره ولو رآه، أو سمعه الجمهور، وكثيراً ما تبدر منهم كلمات تنافي أصل التوحيد أو كماله: كوصف الرسول ﷺ أو بعض أهل بيته بما لا يستحقه إلا الله من سعة الملك، والتصرف في الكون، والإعطاء والمنع، والضر والنفع.. إلخ. وأقل ذلك ملك الشفاعة بدون إذن الله ورضاه. وبموجب هذا الاعتقاد يدعونه ﷺ ويسألونه ما لا يملكه إلا الله، ويعتمدون عليه، وتصدر منهم أفعال كهذه الأقوال، تدل على التعظيم واعتقاد التأثير، فتراهم يبتهلون غفلة الحراس، أو يدفعون لهم نقودا ليتمسحوا بالباب والأستار والحيطان والمنبر ونحوها، وكثيراً ما يطوفون بالحجرة كالطواف بالبيت العتيق، وأضعاف هذه الأفعال والأقوال التي لا تصدر إلا عن اعتقاد في تلك الستور والحيطان. وقد دفعهم إلى هذه الزيارات وما ينتج عنها ما يتناقل بينهم كثيراً من حكايات واهية، وأخبار ضعيفة، أو مكذوبة، ومنامات أشبه بأضغاث الأحلام، ولكن راجت تلك الأمور على السذج وضعفاء البصائر، فتناقلوها وضمنوها مؤلفاتهم، وتداولتها الأيدي، وانتشرت واشتهرت على الألسن، حتى وقعت منهم موقعاً، وتمكنت في النفوس، وتوارثها الأجيال من غير نكير، واعتقدوها الحق وسواها باطل وضلال.

стр. 1001

ومن أشهر وأقدم تلك المؤلفات كتاب: "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" للتقي السبكي الذي اشتهر وأقبل عليه الجم الغفير قراءة وعملاً وتطبيقاً، ولم يعلموا أن أحاديثه وأدلته كلها واهية موضوعة، لا تصلح مستنداً، كما بيَّن ذلك الحافظ ابن عبد الهادي في رده الذي سماه: "الصارم المنكي في الرد على السبكي". ومن المؤلفات الباطلة أيضاً في هذا الباب كتاب: "الدر المنظم في زيارة القبر المعظم" لابن حجر المكي، حيث ذكر فيه من الحكايات، والمنامات والأباطيل ما تمجه الأسماع، وتنفر منه الطباع، ومع ذلك تجد لها آذاناً صاغية، تتقبلها وتروجها وتحبذ العمل بها، فيعظم الشر والضرر. ولقد تصدى للدفاع عن هذه الأباطيل بعض المتأخرين الزائفين، أمثال النبهاني، والحداد، والزهاوي، ودحلان، وابن جرجيس، وأضرابهم الذين كتبوا وتكلموا بكل جراءة، داعين إلى هذه الزيارة والأفعال الشركية معها، ومتهمين كل من نهى عنها ببغض الرسول ﷺ وتنقصه.. وما إلى ذلك. وكأن محبة الرسول ﷺ إنما تتجلَّى بدعائه والتوسل بذاته، والخضوع والذل أمام قبره الشريف، وشبه ذلك مما هو خالص حق الله تعالى، ومما قد نهى عنه نبينا ﵊، وعما هو دونه، ككونه خير البرية، أو تسميته سيداً، وقول: ما شاء الله وشئت. ولم يعلم هؤلاء الأغبياء أن أشد الناس له محبة وتعظيماً هم صحابته ﵃، ولم يكونوا يعاملونه بشيء من ذلك، حتى كانوا لا يقومون له إذا أقبل، لعلمهم بكراهته لذلك.

стр. 1002

ولقد أخبر ﷺ : "أنه لا يؤمن أحد حتى يكون نبيه أحب إليه من ولده ووالده، ونفسه، وماله، والناس أجمعين"، ولكن هذه المحبة تتمثل في طاعته واتباعه، وتقليده في أفعاله، والتقيد بسنته، والتمسك بها، والعض عليها بالنواجذ في كل وقت وحال، لا في الغلو فيه وإطرائه الذي قد نهى عنه، وقال: "إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله". وقال لقوم دعوه بالسيادة والفضل: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله" رواه النسائي. بقي أن يُقال: لعل الكثير من هؤلاء الزوار قصدوا المسجد النبوي الذي ورد الإذن في شد الرحل إليه، لمزيته ومضاعفة الصلاة فيه. والجواب: أن هذا القصد مباح، ولعله مراد من ذكر الزيارة من العلماء الأجلاء في مؤلفاتهم، حيث ذكروا أنه يبدأ بالمسجد فيصلي فيه، ثم يزور القبور والبقيع والشهداء، الزيارة الشرعية المدونة أفي دواوين أهل السنة، ولكن مع ذلك فإن المقام بمكة أفضل وأولى لمن هذا قصده، فإنها خير بقاع الأرض، والصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة صلاة بمسجد المدينة، وكما في قصة الذي نذر أن يصلي في المسجد الأقصى، فقال له النبي ﷺ : "صلّ هاهنا". وذلك حرصاً منه على مضاعفة العمل. ثم إنَّا لا نمنع السفر إلى المدينة النبوية أو غيرها من البلاد، لا لقصد بقعة معينة لاعتقاد مزية فيها، وإنما لقصد السير في الأرض للاعتبار، والتذكر لأحوال الأمم والأجيال الماضية، فإن ذلك مما يدخل في أمر الله تعالى في قوله: ((قل سيروا في الأرض)) (النحل:٦٩) . ((أفلم يسيروا في الأرض)) (محمد:١٠) .

стр. 1003

وهكذا السفر إلى المدينة أو غيرها أيضاً للتعلم أو التعليم، فذلك مما يجب عيناً، أو كفاية على الأمة، ولا يدخل تحت النهي عن شد الرحال الذي يقصد منه السفر لتعظيم بقعة بعينها، والاعتقاد فيها الذي يؤول إلى تعظيمها بما لا يحل شرعاً. وأخيراً: ننصح إخوتنا المسلمين عن تلك الأفعال، والاعتقادات الخاطئة التي يقعون فيها عن تقليد أو عن حسن ظن، مع أنها تقدح في العقيدة، وتنافي أصل التوحيد أو كماله، ونهيب بهم أن يتعلموا ما يجب عليهم من حق الله، وعبادته وحده، وسيجدون أعذب مورد ينهلون منه عن قناعة ورضى، ألا وهو كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، الحريص على نجاة أمته، حشرنا الله في زمرته، وجعلنا من أتباع ملته، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. أدعية جامعة يستحب تكرارها يوم عرفة وغيره من المناسك هذه مجموعة من الأدعية المأثورة التي يستحب للحاج تكرارها يوم عرفة وعند رمي الجمار وفي الطواف والسعي، وعند المشعر الحرام وغير ذلك من المشاعر والمناسك. (نقلاً من كتاب: مرشد المعتمر والحاج والزائر في ضوء الكتاب والسنة، تأليف سعيد بن علي القحطاني) . أدعية من القرآن الكريم: · ((رنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)) (الأعراف:٢٣) . · ((رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين)) (هود:٤٧) . · ((رب أغفر لي ولوالديّ ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات)) (نوح:٢٨) . · ((ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)) (البقرة:١٢٧) . · ((وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم)) (البقرة:١٢٨) . · ((رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دُعاء)) (إبراهيم:٤٠) . · ((ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)) (إبراهيم:٤١) .

стр. 1004

· ((رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين * وأجعل لي لسان صدق في الآخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم)) (الشعراء:٨٣-٨٥) . · ((ولا تخزني يوم يبعثون)) (الشعراء:٨٧) . · ((رب هب لي من الصالحين)) (الصافات:١٠٠) . · ((ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير)) (الممتحنة:٤) . · ((ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم)) (الممتحنة:٥) . · ((رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين)) (النمل:١٩) . · ((رب هب لي من لدُنك ذُرّيَّةً طيبة إنك سميع الدعاء)) (آل عمران:٣٨) . · ((رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين)) (الأنبياء:٨٩) . · ((لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)) (الأنبياء:٨٧) . · ((رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي)) (طه:٢٥-٢٨) . · ((رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)) (القصص:١٦) . · ((ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين)) (آل عمران:٥٣) . · ((ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجِّنا برحمتك من القوم الكافرين)) (يونس:٨٥-٨٦) . · ((ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)) (آل عمران:١٤٧) . · ((ربنا أغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)) (آل عمران: ١٤٧) . · ((ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً)) (الكهف:١٠) . · ((رب زدني علماً)) (طه:١١٤) . · ((رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون)) (المؤمنون:٩٧-٩٨) . · ((رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)) (المؤمنون:٢٣) . · ((ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)) (البقرة:٢٠١) . · ((سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)) (البقرة:٢٨٥) .

стр. 1005

· ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين)) (البقرة:٢٨٦) . · ((ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)) (آل عمران:٨) . · ((ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار * ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فأمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد)) (آل عمران:١٩١-١٩٤) . · ((ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين)) (المؤمنون:١٠٩) . · ((ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً * إنها ساءت مستقراً ومقاماً)) (الفرقان:٦٥-٦٦) . · ((ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً)) (الفرقان:٧٤) . · ((رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين)) (الأحقاف:١٥) . · ((ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)) (الحشر:١٠) . · ((ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير)) (التحريم:٨) . · ((ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار)) (آل عمران:١٦) . · ((ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين)) (المائدة:٨٣) . · ((رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام)) (إبراهيم:٣٥) . · ((رب إنّى لما أنزلت إليّ من خير فقير)) (القصص:٢٤) . · ((رب انصرني على القوم المفسدين)) (العنكبوت:٣٠) . · ((ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين)) (الأعراف:٤٧) .

стр. 1006

· ((حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)) (التوبة:١٢٩) . · ((عسى ربي أن يهديني سواء السبيل)) (القصص:٢٢) . · ((رب نجني من القوم الظالمين)) (القصص:٢١) . * أدعية من السنة: · "اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". · "اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال. اللهم أغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم". · "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجُبْن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات". · "اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء". · "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دُنْيَايَ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". · "اللهم إني أسألك الهُدى، والتُقى، والعَفَاف، والغِنَى". · "اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجُبْن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر. اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يُستَجَابُ لها". · "اللهم اهدني وسددني. اللهم إني أسألك الهدى والسداد". · "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءَة نقمتك، وجميع سخطك". · "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل". · "اللهم أكثر مالي، وولدي، وبارك لي فيما أعطيتني [وأطل حياتي على طاعتك وأحسن عملي] واغفر لي".

стр. 1007

· "لا إله إلا أنت العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم". · "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت". · "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين". · "اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي". · "اللهم مُصرِّف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك". · "يا مُقلب القلوب ثبِّت قلبي على دينك". · "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة". · "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة". · "رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدي إليَّ، وانصرني على من بغى عليَّ، رب اجعلني لك شكَّاراً، لك ذكَّاراً، لك رهَّاباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً أوّاهاً مُنيباً، رب تقبَّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسْللْ سخيمة قلبي". · "اللهم إني أسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد ﷺ ، ونعوذ بك من شر ما استعاذ منه نبيك محمد ﷺ ، وأنت المستعان، وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بالله". · "اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر مني". · "اللهم إني أعوذ بك من البرص، والجنون، والجذام، ومن سيئ الأسقام". · "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء". · "اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفُ عني".

стр. 1008

· "اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حُبَّك، وحُبَّ من يُحبُّك، وحُبَّ عمل يُقرِّبني إلى حُبِّكَ". · "اللهم إني أسألك من الخير كله: عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما عاذ منه عبدك ونبيك. اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً". · "اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدواً ولا حاسداً. اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك". · "اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا. اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا". · "اللهم إني أعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر". · "اللهم اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي". · "اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني". · "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم".

стр. 1009

· "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون". · "اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار". · "اللهم اجعل أوسع رزقك عليَّ عند كبر سني، وانقطاع عمري". · "اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي". . "اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت". · "اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم، والغرق، والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغاً". · "اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة". · "اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، والقسوة، والغفلة، والعيلة، والذلة، والمسكنة، وأعوذ بك من الفقر، والكفر، والفسوق، والشقاق، والنفاق، والسُمعة، والرياء، وأعوذ بك من الصمم، والبكم، والجنون، والجذام، والبرص، وسيئ الأسقام". · "اللهم إني أعوذ بك من الفقر، والقلة، والذلة، وأعوذ بك من أن أَظْلِمَ أو أُظْلَم". · "اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة؛ فإن جار البادية يتحول". · "اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع". · "اللهم إني أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء في دار المقامة". · "اللهم إني أسألك الجنة وأستجير بك من النار". · "اللهم فقهني في الدين". · "اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".

стр. 1010

· "الهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً". · "اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً". · "اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد، الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم". · "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت [وحدك لا شريك لك] المنان [يا] بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك [الجنة وأعوذ بك من النار] ". · "اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد، الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد". · "رب اغفر لي، وتب عليَّ، إنك أنت التواب الغفور". · "اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسالك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين". · "اللهم ارزقني حُبَّك، وحُبَّ من ينفعني حُبُّهُ عندك. اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب. اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب". · "اللهم طهرني من الذنوب والخطايا. اللهم نقني منها كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد". · "اللهم إني أعوذ بك من البخل، والجبن، وسوء العمر، وفتنة الصدر، وعذاب القبر". · "اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، ورب إسرافيل، أعوذ بك من حر النار ومن عذاب القبر". · "اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي".

стр. 1011

· "اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وأعوذ بك من علم لا ينفع". · "اللهم رب السموات [السبع] ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوارة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنا الدين، واغننا من الفقر". · "اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا، وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمك، مثنين بها عليك، قابلين لها وأتممها علينا". · "اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير النجاح، وخير العمل، وخير الثواب، وخير الحياة، وخير الممات، وثبتني وثقل موازيني، وحقق إيماني، وارفع درجاتي، وتقبل صلاتي، واغفر خطيئتي، وأسألك الدرجات العلى من الجنة. اللهم إني أسألك فواتح الخير، وخواتمه، وجوامعه، وأوله، وظاهره، وباطنه، والدرجات العلى من الجنة آمين. اللهم إني أسألك خير ما آتي، وخير ما أفعل، وخير ما أعمل، وخير ما بطن، وخير ما ظهر، والدرجات العلى من الجنة آمين. اللهم إني أسألك أن ترفع ذكري، وتضع وزري، وتصلح أمري، وتطهر قلبي، وتحصن فرجي، وتنور قلبي، وتغفر لي ذنبي، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين. اللهم إني أسألك أن تبارك في نفسي، وفي سمعي، وفي بصري، وفي روحي، وفي خَلْقي، وفي خُلُقي، وفي أهلي، وفي محياي، وفي مماتي، وفي عملي، فتقبل حسناي، وأَسألك الدرجات العلى من الجنة آمين". · "اللهم جنبني منكرات الأخلاق، والأهواء، والأعمال، والأدواء".

стр. 1012

· "اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كل غائبة لي بخير". · "اللهم حاسبني حساباً يسيراً". · "اللهم أعنا على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك". · "اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد". · "اللهم قني شر نفسي، واعزم لي على أرشد أمري. اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت، وما أخطأت، وما عمدت، وما علمت، وما جهلتُ". · "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء". · "اللهم اغفر لي، واهدني، وارزقني، وعافني، وأعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة". · "اللهم متَّعني بسمعي، وبصري، واجعلهُما الوارث منِّي، وانصرني على من يظلمُني، وخُذ منه بثأري". · "اللهم إني أسألك عيشةً نقيةً، وميتةً سويةً، ومردّاً غير مخزٍ ولا فاضح". · "اللهم أحسنتَ خَلْقِي فأَحسن خُلُقي". · "اللهم ثبتني واجعلني هادياً مهدياً". · "اللهم آتني الحكمة التي من أوتيها فقد أُوتي خيراً كثيراً". · "اللهم صلَّ على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين". خاتمة في التوبة والإقلاع عن المعاصي لا شك أن كل عامل يحب الأجر والثواب على عمله، ويهتم بقبوله وعدم ردِّه، ولكن القبول له علامات تظهر على العامل، وأهمها أن يرجع إلى بلده متأثراً بما عمله من أعمال المناسك. فقد أحرم لربه، وترك مشتهياته، وشاهد المشاعر المقدسة، وساهم مع الطائفين بالبيت، وبالصفا والمروة، ودعا بالأدعية المأثورة، وأكثر من الذكر والتلبية والتكبير ونحوه، ورأى كثرة الطائفين والقائمين والركَّع السجود، وسمع ابتهالهم وتضرعهم، وشاركهم في البكاء والخشوع والإِخبات، والتذلل لله تعالى، وكل هذه الأعمال إذا كانت خالصة لله تعالى فإِن أثرها يبقى معه مدى حياته، بحيث يشعر بمحبة الطاعة، والتلذذ بالعبادة.

стр. 1013

فيرجع إلى أهله وقد تغير عما كان عليه من الإِهمال، والغفلة عن ذكر الله، والتكاسل عن الصلاة، والتخلف عن الجمع والجماعات، وتعاطي المسكرات والدخان والمخدرات، وقد أبغض المعاصي كلها وأهلها ودان لله تعالى بهجر العصاة والمنحرفين، ودعاة الضلال والعلمانيين، ومقت أهل الفحش والخنا، ودعاة العهر والتبرج والاختلاط، وأهل البدع والخرافيين، وأحب أهل الخير والطاعة، والعلم بالله وآياته وشرائعه، وحرص على القرب منهم، والاقتداء بهم، وتقبل نصائحهم وإرشاداتهم، ومجالسة الصالحين، والتخلق بأخلاقهم، وعمارة المجالس بالذكر والفكر والعبادات. وهذا ونحوه أثر هذه الأعمال التي تقرب بها إلى ربه في حجه وعمرته، وأعماله الصالحة، وذلك لأنها تجره إلى الطاعة، وتبعده عن المعصية، وتحبب إليه أن يتوب إلى ربه توبة نصوحا، فيأتي بشروطها التي هي: الإقلاع عن الذنوب، والندم على ما مضى منها، والعزم على أن لا يعود إلى معصية، فالذي يعمل هذه المناسك والعبادات وهو مقيم على التهاون بالصلاة أو فعل شيء من المنكرات، أو تعاطي المسكرات، أو أكل الربا أو غيره من المعاملات المحرمة، فهذا لم يتأثَّر بما تقرب له من هذه المناسك، في هذه المشاعر المقدسة. وكذا من يفتخر بالذنوب والجرائم التي ارتكبها قبل الحج، ويذكرها في مجالسه، وكأنها من أفضل الطاعات، ويتمدح بما اقترفه من قتل ونهب وسرقة، وزنا وقذف ونحوها، ولا يبالي بذلك، فمثل هذا ما نفعته هذه الطاعات والأنساك التي فعلها في حجه وعمرته، حيث إِنَّه لا يزال على ما كان عليه من الاعتزاز والفخر بما حرَّمه الله عليه.

стр. 1014

وهكذا من يرجع إلى أهله فيباشر ما كان يفعله قبل سفره، فيدعو الأموات، ويتقرب إلى الضرائح، ويهتف بأسماء الأولياء، ويناديهم في الكربات، ويحلف بغير الله، أو يترك الصلاة، ويتخلَّف عن جماعاتها، ويمنع حق الله في ماله ونحو ذلك، فإِن هذه الأفعال وما أشبهها قد تركها في المواسم المقدسة، فإذا عاد على ما كان عليه، وباشر الشرك والبدع والمعاصي، فما تأثر بأعماله وقرباته، ويوشك أن ترد عليه حجته وعمرته، وأن يعاقب أشد عقوبة مما كان عليه قبل ذلك، حيث جمع بين الطاعة والمعصية. وأغلب من يعود إلى المحرمات من هؤلاء الحجاج والزوار من لا يكون حجهم خالصاً لله، وإنما فعلوه عادة وتقليداً لأهل بلادهم، أو افتخاراً وتمدحاً باسم أنه قد أدى الفريضة، وأتم الأركان، وهو لم يفعل ذلك تديناً ومحبة لله، ولا اعترافاً بفرضيته، وإنما مجاراة ومحاكاة لأهل الوطن، وهؤلاء لا تفيدهم أعمالهم إلاَّ التعب والخسران المبين. فننصح كل حاج ومعتمر وزائر أن يتم في توبته، وأن يستمر في أعماله الصالحة، وأن يكون من الدعاة المخلصين لربهم وللأمة الإسلامية، يدعون إلى الله بأقوالهم وأفعالهم، رجاء أن ينفعهم الله تعالى وينفع بهم، ويهدي على يديهم من أراد الله به خيراً من الأمة الإسلامية، وينقذهم بواسطة دعوتهم من براثن الشياطين، وضلال المضلين، والله يهدي إلى سواء السبيل، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. بعض الأخطاء التي يقع فيها الكثير من الحجاج ١- تجاوز الميقات قبل الإحرام فمن لم يحرم، إلاَّ من جدة، وهو من أهل الآفاق، أو أحرم من حدود الحرم؛ فعليه دم. ٢- دخول مكة بدون إحرام؛ لمن أتى مريداً الحج والعمرة. ٣- الصلاة في المواقيت بعد العصر أو بعد الفجر؛ لأنه وقت نهي، وليست سنة الإحرام من ذوات الأسباب.

стр. 1015

٤- قص شعر اللحية عند الإحرام، مع أن القص والحلق ممنوعان بكل حال، والعارضان من اللحية. ٥- التساهل بالصلاة جماعة، أو تأخيرها عن وقتها، مع أن الحاج يتقرب بعبادة فلا يتهاون بالعبادة المؤكدة في كل حين. ٦- صلاة الفرض بالإزار دون الرداء، فيصلي الكثيرون وقد كشفوا ظهورهم وعواتقهم. ٧- في الطواف؛ الابتداء قبل محاذاة الحجر الأسود، فلا يجزئ ذلك الشوط الذي بدأه قبل محاذاة الحجر بكل بدنه. ٨- الطواف من داخل حجر إسماعيل، مع أنه أو بعضه من البيت، فلابد من الطواف من ورائه كله. ٩- شدة المزاحمة عند الحجر الأسود، وإلحاق الضرر بالغير؛ فإن تيسر التقبيل، وإلاَّ اكتفى بلمسه باليد، ثم تقبيلها، فإن شق أشار إليه بيده. ١٠- تقبيل الركن اليماني، أو التمسح به، أو مسحه باليدين جميعاً، أو الإشارة إليه عند الزحام، وكل ذلك خطأ سوى استلامه باليمين. ١١- التمسح بأركان البيت، أو كسوة الكعبة، أو حيطانها، أو مقام إبراهيم، أو حجر إسماعيل، أو أجزاء المسجد، وكل ذلك لا أصل له. ١٢- اعتقاد التقيد بالأدعية المطبوعة في المناسك لكل شوط، وطلب من يلقنه إياها، مع أنه يكتفى بالذكر والدعاء والقراءة المفهومة ونحوها. ١٣- التساهل في تقصير شعر الرأس عند التحلل من العمرة أو من الحج، فلابد من تقصير الرأس كله، أو حلقه كله. ١٤- ترك المبيت بمنى ليلة عرفة، وهو إن كان غير واجب فإنه سنة مؤكدة، وأوجبه بعض العلماء. ١٥- الوقوف خارج حدود عرفة مع أنها محدودة بأعلام واضحة، والوقوف بها ركن لا يتم الحج إلا به. ١٦- الانشغال يوم عرفة بالضحك، والمزاح، والكلام الباطل، وترك الذكر والدعاء في ذلك الموقف العظيم. ١٧- التكلف لصعود جبل الرحمة، والتمسح به، واعتقاد أن له مزية وفضيلة توجب ذلك. ١٨- مضايقة الغير وقت الانصراف، وما ينتج عنه من سباب وقتال.

стр. 1016

١٩- الاشتغال في مزدلفة بلقط الحصى قبل الصلاة، مع أن الحصى يصح أخذه من منى أو من غيرها. ٢٠- انصراف الكثير من مزدلفة قبل نصف الليل، وتركهم المبيت بها، مع أنه من واجبات الحج. ٢١- ترخص الأقوياء في الخروج إلى منى قبل الصبح، مع أن الرخصة إنما هي للضعفاء، أما غيرهم فقبيل طلوع الشمس. ٢٢- طواف بعضهم للإفاضة في النصف الأول من الليل، مع أن الرخصة للضعفاء في النصف الثاني بعد الرمي. ٢٣- توكيل بعض الأقوياء في الرمي، مع أن التوكيل إنما ورد عن الأطفال ونحوهم. ٢٤- ذبح الهدايا يوم النحر وتعريضها للإتلاف والإضاعة، مع أنه يمكن نقلها إلى الضعفاء، أو تأخير ذبحها إلى أيام التشريق. ٢٥- رمي الجمار أيام التشريق ضحى، مع أن وقته إنما يبدأ بزوال الشمس في الأيام الثلاثة التي بعد العيد. ٢٦- اعتقاد أن الجمرات هي الشياطين، ورميها بالأحذية أو بالحجارة الكبيرة، وسبها وشتمها، مع أن رميها تعبد، وتذكرة لعداوة الشيطان. ٢٧- توكيل بعضهم بالرمي وسفره مساء الحادي عشر أو صباح الثاني عشر، فيترك بعض المبيت، وبعض الرمي. ٢٨- طواف بعضهم للوداع قبل رمي الجمرات يوم النفر الأول، مع أن الوداع آخر أعمال الحاج. ٢٩- التكلف في زيارة بعض البقاع والأماكن: كجبل الرحمة، وغار حراء، وغار ثور، ومولد الرسول، أو مولد علي، أو بعض المساجد التي لا حقيقة لما يُقال فيها، ولا مزية توجب زيارتها. ٣٠- اعتقاد أن الحج لا يتم إلا بزيارة المدينة والتكلف في الحصول على ذلك. ٣١- اعتقاد أن السفر إلى المدينة لأجل زيارة النبي ﷺ ، مع أن شد الرحال إنما جاز لأجل المسجد النبوي؛ لفضل الصلاة فيه. ٣٢- ما يُفعل عند القبر النبوي من الهتاف باسم الرسول، ودعائه، والطواف بقبره، والتمسح به. ٣٣- التكلف في زيارة مساجد المدينة لا مزية لها: كمسجد أبي بكر، والمساجد السبعة، ومسجد القبلتين، ونحوها.

стр. 1017

فعلى الحاج أن يكون حذراً من الوقوع في شيء من هذه الأخطاء ونحوها، ليتم حجه، والله الموفق والمعين. فضل أيام عشر ذي الحجة والأعمال الواردة فيها * فضل عشر ذي الحجة: روى البخاري ﵀، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام". بمعنى: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء". وروى الإمام أحمد ﵀، عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إلى الله العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". وروى ابن حبان ﵀ في صحيحه، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأيام يوم عرفة". * أنواع العمل في هذه العشر: الأول: أداء الحج والعمرة، وهو أفضل ما يعمل، ويدل على فضله عدة أحاديث، منها قوله ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". وغيره من الأحاديث الصحيحة. الثاني: صيام هذه الأيام، أو ما تيسر منها، وبالأخص يوم عرفة، ولا شك أن جنس الصيام من أفضل الأعمال، وهو ما اصطفاه الله لنفسه، كما في الحديث القدسي: "الصوم لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله، إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً". متفق عليه. أي مسيرة سبعين عاماً. وروى مسلم ﵀، عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والتي بعده".

стр. 1018

الثالث: التكبير والذكر في هذه الأيام، لقوله تعالى: ((ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)) (الحج:٢٨) . وقد فسرت بأنها أيام العشر، واستحب العلماء لذلك كثرة الذكر فيها، لحديث ابن عمر ﵄، عند أحمد ﵀، وفيه: "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد". وذكر البخاري ﵀، عن ابن عمر، وعن أبي هريرة ﵃، أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر، فيكبرون ويكبر الناس بتكبيرهما. وروى إسحاق ﵀ عن فقهاء التابعين رحمة الله عليهم، أنهما كانوا يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد. ويُستحب رفع الصوت بالتكبير في الأسواق، والدور، والطرق، والمساجد وغيرها، لقوله تعالى: ((ولتكبروا الله على ما هداكم)) (البقرة:١٨٥) . ولا يجوز التكبير الجماعي، وهو الذي يجتمع فيه جماعة على التلفظ بصوت واحد؛ حيث لم ينقل ذلك عن السلف، وإنما السنة أن يكبر كل واحد بمفرده، وهذا في جميع الأذكار والأدعية، إلا أن يكون جاهلاً فله أن يُلقَّن من غيره حتى يتعلم. ويجوز الذكر بما تيسر من أنواع التكبير والتحميد والتسبيح، وسائر الأدعية المشروعة. الرابع: التوبة والإقلاع عن المعاصي وجميع الذنوب، حتى يترتب على الأعمال المغفرة والرحمة، فالمعاصي سبب البعد والطرد، والطاعات أسباب القرب والود، وفي الحديث عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "إنا الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المرء ما حرم الله عليه". متفق عليه.

стр. 1019

الخامس: كثرة الأعمال الصالحة من نوافل العبادات: كالصلاة، والصدقة، والجهاد، والقراءة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك. فإنها من الأعمال التي تضاعف في هذه الأيام، فالعمل فيها وإن كان مفضولاً فإنه أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيرها، وإن كان فاضلاً حتى الجهاد الذي هو من أفضل الأعمال، إلا من عقر جواده واهريق دمه. السادس: يُشرع في هذه الأيام التكبير المطلق؛ في جميع الوقت من ليل أو نهار إلى صلاة العيد، ويشرع التكبير المقيد: وهو الذي يكون بعد الصلوات المكتوبة التي تصلى في جماعة، ويبدأ لغير الحجاج من فجر يوم عرفة، وللحجاج من ظهر يوم النحر، ويستمر إلى صلاة العصر آخر أيام التشريق. السابع: تُشرع الأضحية في يوم النحر، وأيام التشريق، وهو سنة أبينا إبراهيم ﵊، حين فدى الله ولده بذبح عظيم، وقد ثبت أن النبي ﷺ : "ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمَّى وكبَّر، ووضع رجله على صفاحهما". متفق عليه. الثامن: روى مسلم ﵀ وغيره، عن أم سلمة ﵂، أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره". وفي رواية: "فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره، حتى يضحي". ولعل ذلك تشبهاً بمن يسوق الهدي، فقد قال الله تعالى: ((ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله)) (البقرة:١٩٦) . وهذا النهي ظاهره أنه يخص صاحب الأضحية، ولا يعم الزوجة ولا الأولاد، إلا إذا كان لأحدهم أضحية تخصه، ولا بأس بغسل الرأس ودلكه، ولو سقط منه شيء من الشعر.

стр. 1020

التاسع: على المسلم الحرص على أداء صلاة العيد حيث تصلى، وحضور الخطبة والاستفادة، وعليه معرفة الحكمة من شرعية هذا العيد، وأنه يوم شكر وعمل بر، فلا يجعله يوم أشر وبطر، ولا يجعله موسم معصية وتوسع في المحرمات: كالأغاني، والملاهي، والمسكرات ونحوها، مما قد يكون سبباً لحبوط الأعمال الصالحة، التي عملها في أيام العشر. العاشر: بعد ما مر بنا، ينبغي لكل مسلم ومسلمة أن يستغل هذه الأيام بطاعة الله وذكره وشكره، والقيام بالواجبات والابتعاد عن المنهيات، واستغلال هذه المواسم والتعرض لنفحات الله، ليحوز على رضا مولاه. فتاوى الحج حكم الحج والوعيد الشديد على من تركه مستطيعاً وسُئِلَ وفقه الله تعالى للحق: ما حكم الحج إلى بيت الله الحرام، وما الوعيد الشديد المترتب على من تركه وهو قادر عليه ومستطيع له؟ * فأجاب: الحج كما هو معلوم ركن من أركان الإسلام، وقد ذكره النبي ﷺ في قوله: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام". وفي حديث جبريل المشهور لما سأل النبي ﷺ عن الإسلام فقال: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً". يتبين لنا من هذه الأحاديث أن الحج من جملة الإسلام وهو أحد أركانه العظام. وأركان الإسلام هي دعائمه وأُسسه التي يقوم عليها ويتكون منها، فمن أخلَّ بركن من هذه الأركان فقد اختل إسلامه؛ فالبناء إذا انهدم أحد أركانه يعني أحد جوانبه فإنه لا يُنْتَفَعُ به، بخلاف إذا ما تمت حيطانه وجوانبه وزواياه، فكذلك الإسلام إذا اختل منه ركن من هذه الأركان فإنه يكون غير كامل ويكون دين المسلم فيه نقص. هذا معنى كونه ركناً من أركان الإسلام.
следующие страницы →