Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
وبعد ذلك: خرجت القدرية في آخر عهد الصحابة، وقد أدركهم بعض الصحابة كعبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وغيرهم من الذين تأخر موتهم ومن رؤوس القدرية غيلان القدري ومعبد الجهني؛ خرجوا في آخر عهد الصحابة، وأنكروا علم الله السابق للأشياء قبل وجودها، وقالوا إنما يعلم الأشياء عندما تحدث، وهذا هو معنى قولهم: (إن الأمر أُنف) فشنع عليهم الصحابة، واحتجوا عليهم بالأدلة وبالآيات والأحاديث، وحذروا من طرقهم ومن شأنهم، وقد كانوا قلة مغمورين لا يتفطن لهم ولا يؤبه لهم، وإنما الغلبة لأهل السنة والظهور لهم، والكثرة لهم والحمد لله، بينما هم أفراد لا يسمع لهم إلا من هو ضعيف الإدراك، وضعيف العقل.
ثم ظهرت المعتزلة في أول القرن الثاني، اعتزلوا مجلس الحسن البصري، وكان رئيسهم الذي يقال له واصل بن عطاء يجلس يقرر مذهبه، وأخذ يشير لهم الحسن ويقول: هؤلاء المعتزلة اعتزلوا مع واصل، فمن ثم اشتهر هذا المذهب الذي هو مذهب الاعتزال بهذا الاسم.
ولعله تأتي بعض الإشارات إليه فيما بعد، ومع ذلك فإن أهله قلة، ومنهم عمرو ابن عبيد الذي وجد في وسط القرن الثاني وكان يظهر التنسك، ولكنه مبتدع منحرف في باب الاعتقاد.
ثم ظهرت أيضاً: بدعة التعطيل، وما أدراك ما هذه البدعة الشنيعة العظيمة المنكرة؛ إنها بدعة الجهمية الذين أنكروا صفات الله تعالى، وتأولوا نصوصها، وبالغوا في إنكارها، وكان أول من أنكر بعضها (الجعد بن درهم) ، وهو الذي قتله خالد القسري في يوم عيد الأضحى، وقصته مشهورة.
стр. 1087
ثم إنه تلقاها عنه -أي بدعة التعطيل- الجهم بن صفوان السمر قندي، وهو الذي نشرها ونسبت إليه، وكثر الذين تلقوها عنه، وإن كانوا قلة في ذلك الزمان، ولكن ظهر لهم بعد ذلك أنصار وأعوان، فمنهم بشر المريسي الذي أعلن هذه البدعة؛ بدعة إنكار الصفات، ومنها صفة العلو لله تعالى، وإنكار أن الله متكلم، وأن القرآن ليس كلامه، ونحو ذلك من التعطيل.
ولما كان في آخر القرن الثاني، وأول القرن الثالث، كان وزراء الملوك أغلبهم من اليونان، ومن الترك، وكانوا غالباً من المجوس في عقيدتهم، ومن النصارى، وعندهم من كتب النصارى وكتب الفلاسفة بقايا، فزينوا للخلفاء أن يترجموها إلى اللغة العربية، فترجموا كتباً كثيرة من كتب الفلاسفة والملاحدة، ومن كتب اليونان من نصارى ومجوس ونحوهم.
ولما انتشرت تلك الكتب كان في طياتها التشكيك في الخالق، وفي مبدأ الخلق وفي منتهاه، مما كان سبباً في كثرة الزندقة، فظهر في ذلك الوقت مذهب الزندقة، وهو الذي يسمى بمبدأ الشيوعية فتمكنت الشيوعية وظهرت.
ولكن فطن لهم الخليفة المهدي ﵀، فقتل منهم خلقاً كثيراً، فكل من اتهم بأنه زنديق منكر للخلق والخالق، أو يذهب مذاهب الفلاسفة في إنكار بدء الخلق وإعادته، ويدعي أن الأمر مسند إلى الطبائع ونحو ذلك؛ أخذه وقتله، ولم يكن يستتيبهم لعلمه أنهم منافقون يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم أظهروا الإسلام وقصدوا من إظهاره إفساد العقائد، حتى يثق الناس بهم ويأخذوا منهم، فإذا أخذوا منهم أعطوهم ما يريدون من التشكيك، ومن الارتباك في أمر العقيدة، حتى يزعزعوا عقيدة الكثير من الناس، هذا هو السبب في فشو هذا المذهب الشيوعي.
стр. 1088
ذكر المترجمون للمهدي: أنه أحضر أحدهم لما ثبت عنده أنه زنديق وحكم بقتله، فقال ذلك الزنديق: كيف تفعل بأربعة آلاف حديث كذبتها وبثثتها في المسلمين، فقال المهدي: تعيش لها نقادها، أي أن الله تعالى قد قيض لها علماء ينقحون الأحاديث ويبينون زيفها، ويظهرون ما هو مكذوب ودخيل على السنة، يعني أمثال الأئمة الذين كتبوا في الأحاديث، وبينوا عللها، وبينوا المكذوب منها والموضوع والصحيح والضعيف.
وبكل حال فهذا الوقت انتشر فيه هذا المذهب الشيوعي الخبيث بسبب تعريب هذه الكتب، ومن أثر انتشارها كثرة الخوض في علوم جديدة سماها السلف ﵏ (علم الكلام) ، هكذا أطلقوا عليه، وقصدوا به العلم الذي يخوض في الأمور الخفية؛ في الجواهر والأعراض والأبعاض، والافتراضات، وما أشبه ذلك.
وهذا الكلام هو الذي شغل كثيراً من أهل القرون المتأخرة، بحيث إنهم كرسوا جهودهم في هذا الكلام، وأخذوا يفترضون افتراضات؛ إن كان كذا، فماذا يكون كذا؟، وما هو جوابه، حتى ملؤوا صدور الناس بمالا فائدة فيه، وملؤوا الكتب بما لا أهمية له، فكان ذلك مما حمل العلماء على التحذير من علم الكلام، كقول الشافعي ﵀: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك القرآن، وأقبل على الكلام) ، وغيره كثير من الذين حذروا من علم الكلام.
ومع الأسف فقد انتشر علم الكلام هذا في كتب الأشاعرة، وفي كتب المعتزلة؛ فحشدوا الكثير منه في كتب التفسير، وفي كتب العقائد، وفي كتب الأصول وما أشبهها، وافترضوا افتراضات لا دليل عليها.
стр. 1089
فإذن لا شك أن هذا مما حمل السلف ﵏ على أن ينقحوا العقيدة، لما رأوا في القرن الثاني وفي القرن الثالث وما بعده تغير الناس في باب الاعتقاد، لم يكن بدٌ من أن يكتبوا في ذلك، ويقرروا، ويُبدؤا ويعيدوا، ويظهروا المذهب الصحيح والعقيدة السلفية السليمة ويبينوها علناً، حتى لا يقع في خلافها من قصده الحق.
فكتُب السلف في العقيدة كثيرة وشهيرة: منها ما سمي بكتاب الإيمان، متقدماً ومتأخراً ومختصراً ومبسوطاً مثل كتاب الإيمان لابن أبي شيبة، وكتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب الإيمان لابن منده في ثلاثة أجزاء وكلها مطبوعة.
ومنها ما سموه بكتب السنة؛ كالسنة للإمام أحمد، والسنة لابنه عبد الله، والسنة للخلال، والسنة لابن أبي عاصم، وغيرها.
ومنها ما سموه بالتوحيد ككتاب التوحيد لابن خزيمة، والتوحيد لابن منده.
ومنها ما سمي بأسماء أخرى، كالرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن للإمام أحمد، والرد على الجهمية لعثمان ابن سعيد الدارمي، والرد على بشر المريسي للدارمي أيضاً، ومنها ما له أسماء خاصة كالشريعة للآجري، والإبانة لابن بطة (الإبانة الصغرى، والإبانة الكبرى) ، وشرح اعتقاد أهل السنة الذي هو من أوسعها للالكائي.
هذه كتب ضمنها مؤلفوها العقيدة، وأرادوا بذلك أن يخلصوا أمر المعتقد حتى لا تضمحل عقيدة أهل السنة.
стр. 1090
ومع كثرة هذه الكتب مما ذكرنا، وغيرها كثير، لما انقضى القرن الثالث آخر القرون المفضلة أميتت هذه الكتب مع الأسف، وأصبحت مخزونة لا يعترف بها ولا تُقرأ، ولا تُدرَّس إلا نادراً وبصفة خفية، وتمكن مذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة أيما تمكن، وانتشر الإكباب عليه، وكثرت الدروس والكتب التي تؤلف فيما يتعلق بهذه العقائد؛ عقيدة الأشعرية وعقيدة المعتزلة، وكادت السنة وكتبها أن لا يكون لها ذكر، بل كاد مذهب الإمام أحمد أن يضمحل، ولم يبق أحد عليه إلا قلة.
وفي آخر القرن الرابع وأول القرن الخامس بدأ يظهر مذهب الإمام بسبب القاضي أبي يعلى ﵀، فإنه لما اعتنق هذا المذهب وتولى القضاء، وكان عالما جليلا، وكان من أبرز أهل زمانه، ولم يوجد للقضاء من يتولاه مثله أظهر هذا المذهب.
ومع ذلك فإنه هو وأساتذته الذين قرأ عليهم في بعض الكلام قد تأثروا بشبه المتكلمين، ولكن لما كان على مذهب الإمام أحمد لم يرد ما روى عنه، فألف رسالة فيما يتعلق بصفة العلو وأملاها على تلامذته، ولما كتبها وأملاها قامت الدنيا، وأنكر عليه أهل زمانه، وقالوا: القاضي أبو يعلى ممثلٌ، القاضي مشبه، وكادوا يسعون في إبعاده وعزله، فاعتذر أنه إنما نقل كلام غيره، والرد لا يكون عليه بل يكون على غيره، على الذين نقل عنهم؛ وأما هو فإنه ناقل.
стр. 1091
ولا شك أن هذا دليل على غربة السنة في تلك القرون؛ القرن الرابع والقرن الخامس وما بعدهما. وبالتتبع لهذه القرون: الرابع والخامس والسادس وأغلب السابع لا تجد فيها من هو على مذهب السنة إلا من هو مستخفٍ، ولو كان حنبلياً، وما ذاك إلا أنهم قرؤوا على مشايخ لهم، وأولئك المشايخ قرؤوا علم الكلام على علمائهم، ولما قرأوه تمكن من نفوسهم، وتمكنت هذه الشبهة التي هي إنكار صفة العلو، وإنكار الصفات الذاتية، وإنكار الكثير من الصفات الفعلية، فتمكنت من النفوس، فصار ذلك سبباً في انحرافهم عن عقيدة أهل السنة، وهم السلف والأئمة الأربعة الذين يقتدى بهم في الفروع فإنهم كلهم والحمد لله على معتقد واحد في الأصول.
ومع ذلك يفتخر كثير منهم بانتمائهم إليهم ويخالفونهم في أصل الأصول الذي هو باب العقيدة، فتجدهم يقولون: نحن على مذهب الشافعي، ولكن في باب العقيدة على مذهب الأشعري، ولا يتمسكون بمذهب الأشعري الصحيح، ولا بمذهب غيره من السلف، وإنما بالمذاهب التي تلقوها من مشايخهم المتأخرين، الذين تلقوا هذه العلوم من المتكلمين.
ولا شك أن أولئك لما كثر الخوض منهم في علم الكلام، وفي التدقيق في تلك المسائل الخفية كانت لها نتيجة سيئة، وهي أنها أوقعت كثيراً منهم في الحيرة، تحيروا ماذا يعتقدون؟، وما هي العقيدة التي تنجيهم؟
ذكر شيخ الإسلام في أول الحموية، وابن أبي العز في شرح الطحاوية قصصاً لبعض أولئك الحيارى المتهوكين؛ منها قصة الرازي من علماء المتكلمين وهو أبو عبد الله، ويقال له: ابن الخطيب صاحب التفسير الكبير، وصاحب تأسيس التقديس الذي رد عليه شيخ الإسلام بكتابه (نقض التأسيس) ذكر أنه إما أنشأ أبياتاً، وإما استشهد بها، وهي التي يقول فيها:
نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال
стр. 1092
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
ثم يقول: (لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: اقرأ في الإثبات قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه:٥) ، (إليه يصعد الكلم الطيب) (فاطر:١٠) ، واقرأ في النقى (ليس كمثله شيء) ، (ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) . ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي) اهـ.
فنحن نقول: ليته بقي على هذا، وليته كتب في هذا، ولكنه أضل بكثير من مؤلفاته مع سعة ما فتح عليه من العلوم.
ومنهم الجويني الذي يقال له: إمام الحرمين، له كتاب مطبوع مشهور في علم الكلام اسمه (الإرشاد) وله كتب غيره؛ ذكروا أنه لما حضره الموت تأسف على حياته، وقال: (لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم تدركني رحمة ربي فالويل لابن الجويني، وها أنا أموت على عقيدة عجائز نيسابور) .
تمنى في آخر حياته أنه ما خاض في هذه العلوم أصلاً، وكذلك الشهرستاني صاحب الملل والنحل ذكروا عنه أنه يقول: (أكثر الناس شكاً عند الموت أهل الكلام) .
وغيرهم كثير؛ هذه نهاية أولئك المتكلمين، ونهاية معلوماتهم.
ومع ذلك وللأسف فالبعض متمسكون بهذه العقائد، ويؤلفون فيها المؤلفات، ويسمونها بمؤلفات التوحيد نظماً ونثراً، مثل العقائد النسفية على مذهب الأشاعرة، ومثل نظم الجوهرة، ومنظومة الشيباني -وإن كانت أخف- ولكن فيها بعض الانحراف القليل. ومثل بدء الأمالي ... إلخ.
стр. 1093
وهذه العقائد -من عقائد الأشاعرة- مطبوعة في مجموع المتون، ولها شروح مشهورة، هذه العقائد اعتقدوها، وألفوا فيها، واشتهرت بينهم وبين تلامذتهم، ومن كان منهم من أهل الحديث ألف في العقيدة، ولكن لا يجرؤ أن يصرح بمذهب السلف، ويفصح بما عليه الأئمة، ومن أقربهم وأحسنهم الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، وكان شافعياً ثم تحول حنفياً وتعصب للمذهب الحنفي، وألف (العقيدة الطحاوية) ، وذكر فهيا بعض العبارات المنكرة التي اشتهرت في زمانه عن المتكلمين، مثل قوله: إن الله منزه عن الحدود والغايات، والأبعاض، والأعراض، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
والشارح ﵀ الذي شرحها (ابن أبي العز) كان من أهل السنة، ولكن شرحها كثير من الأشاعرة وسلكوا فيها مسلك المعتزلة أو مسلك الأشاعرة، وحمَّلوها ما لا تطيق، وصرفوا مدلولاتها.
وهكذا الرسالة التي كتبت عن الإمام أبي حنيفة، يمكن أنه أملى بعضها، وأخذها بعض تلامذته وتسمى (الفقه الأكبر) ، نقل منها شيخ الإسلام بعض النقول في الحموية، وكذلك ابن أبي العز في شرح الطحاوية.
ولكن يظهر أنه قد دخلها التغيير من بعض المتأخرين الذين انحرفوا في بعض الاعتقاد؛ فأدخلوا فيها كثيراً من التأويلات، وشرحها كثير ممن هو على مذهب الأشاعرة أو مذهب منكري الصفات، وأنكروا ما كان عليه السلف ﵏، ولا شك أن سبب ذلك كثرة ما تلقوه عن مشايخهم الذين كانوا على هذا المذهب الذي هو تأويل وتحريف الصفات وما أشبهها.
стр. 1094
وهكذا بقيَّةُ هذه العصور، وهذه القرون؛ كان السائد فيها والمنتشر هو المذهب الأشعري، ومعروف أن الأشعري هو أبو الحسن من ذرية أبي موسى؛ عالم مشهور ظهر في القرن الثالث، كان في أول أمره معتزلياً على طريقة أبي هاشم الجبائي وأبي الهذيل العلاف، ونحوهما من المعتزلة، ثم نزل عن هذه العقيدة لما ظهر له تهافتها، وانتحل مذهب الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب، وكان ابن كلاب هذا عالماً جدلياً؛ سمي بذلك لأنه إذا احتج كانت حجته قوية بمنزلة كلاب الصناع الحدادين التي تمسك الحديد، أي إنه في قوة جدله واحتجاجه منزلة هذا الكلاب.
ومع ذلك فإنه قد تأول كثيراً من الصفات ولم يثبت إلا بعضها، فانتحل أبو الحسن الأشعري عقيدته في الإقرار بسبع صفات، وإنكار ما سواها، وألف كتباً كثيرة على هذا المذهب، وقضى عليها أكثر عمره، أي نحو أربعين سنة، وهو يؤلف على هذا المذهب، حتى اشتهرت كتبه وتلقاها الجم الكثير والجمع الغفير.
وفي آخر حياة أبي الحسن مَنّ الله عليه، وقرأ بعض كتب السلف، فرجع عما كان يعتقده إلى مذهب السلف، وألف رسالته المطبوعة التي سماها (الإبانة في أصول الديانة) رسالة مختصرة ألفها على مذهب السلف، وألف أيضاً كتابه (مقالات الإسلاميين) الذي جعله في الفرق.
ولما أتى على مذهب أهل السنة ذكره صريحاً، وذكر عقيدتهم التي يمكن القول أنه نقلها عن كتب الإمام أحمد أو غيره، مما يدل على أنه انتحل عقيدة أهل السنة أخبرا فمقالته عن أهل السنة تدل على أنه منهم بدرجة أنه صرح بقوله: وبما قاله إمام أهل السنة أحمد بن حنبل نضر الله وجهه وجملة مقالنا أنا نقول كذا وكذا، وقد نقله أيضاً ابن القيم في أول كتابه (حادي الأرواح) وفي بعض كتبه.
وبكل حال؛ هذا المذهب الذي عليه الآن الأشاعرة ليس هو حقاً مذهب الأشعري؛ لأن الأشعري قد رجع عنه، إنما هو مذهب الكلابية.
стр. 1095
هذا بعض ما كان عليه هذا المعتقد في هذه الأزمنة، والحنابلة طوال هذه الأزمنة الغالب أنهم يتتلمذون على أشاعرة، ومنهم الإمام ابن قدامة حيث نجد أن تلامذته ومشايخه وزملاءه في العقيدة من شافعية، ومن حنفية، ومن مالكية على المذهب الأشعري.
ولكن لأبد أنه وصلت إليه كتب الإمام أحمد، وكذلك كتب السلف، فلم يوافق أهل زمانه بل وافق شيخه، ووافق مذهبه الذي هو مذهب الإمام أحمد، فألف كتباً كثرة فيما يتعلق بالعقيدة، منها رسالته التي في إثبات صفة العلو؛ صريحة في أنه يرى إثبات هذه الصفة لله تعالى، ولو أنكرها من أنكرها.
ومنها رسالة في ذم التأويل الذي ابتلي به زملاؤه وأساتذته من الأشاعرة ونحوهم.
ومنها هذه الرسالة التي نحن بصددها: (لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد) سماها لمعة لأنها ذات أدلة صحيحة صريحة مضيئة تلمع لمعاناً كلمعان السرج القوية، وكلمعان النجوم في الليلة المظلمة، يعني أنها ذات أدلة واضحة وذات دلالة لا خفاء فيها في الاعتقاد.
(لمعة الاعتقاد) أي أدلة الاعتقاد التي هي صحيحة ذات لمعان وضياء لا يحتمل الخفاء، ولا يجوز أن يخفي أو تخفى دلالته إلا على عُمي البصائر.
فهذا هو قصده، ولكن إذا قرأتها تجد أنه ﵀ لم يجرؤ أن يفصح بموجب الأدلة وبدلالتها بل هو يذكر الأدلة، ويورد بعض المعاني، حيث إن أهل زمانه لا يحتملون الإفصاح، وإلا فهو قد أفصح في كتابه (العلو) بإثبات صفة العلو ونحو ذلك، ولكن يخشى أن يشنع عليه أهل زمانه بأنه مشبه، وبأنه ممثل، فألفها واقتصر على ذكر الأدلة، ولكنه مع ذلك ذكر أدلة صريحة واضحة الدلالة لا تحتمل تأويلاً، وقد أبطل التأويل في رسالته الأخرى، وكذلك أيضاً تتبع عقيدة أهل السنة في الصفات، والإيمان، والقدر، والصحابة، وفي إثبات الرؤية. وغير ذلك مما هو من أصل العقيدة، مما يدل على أنه ﵀ استوفى عقيدة أهل السنة.
стр. 1096
وقد شُرحت هذه العقيدة من بعض المشايخ المتأخرين، وقد كَتْبتُ عليها شرحاً مختصراً، وهو التعليقات التي كتبناها عليها، وكنت أمليتها في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف على طلاب معهد إمام الدعوة لما قمت بتدريسها في تلك السنة وفي السنة التي قبلها، وكانوا من طلاب المتوسطة، والغالب أنهم لا يتحملون الإطالة، فأمليتها عليهم كمرجع لهم ليكون موضحاً لدلالتها ونحو ذلك، ثم لم يقدر لي أن أراجعها طوال هذه السنين، وأخذها بعض الأخوة وطبعها ووقع فيها بعض الأخطاء، وبعض ما يحتاج إلى تنبيه.
وقد صححنا بعض المسائل في بعض النسخ، وعلى الذين أخذوها من المكتبات أن يصححوا النقص الذي فيها، أما بقية العلماء، فما أذكر أنها شرحت إلا شرح الشيخ ابن عثيمين متأخراً، وما أذكر أن أحداً اعتنى بها ولا شرحها، ولعل السبب أن علماء الحنابلة ﵏ كان جل عملهم واشتغالهم بالمسائل الفقهية. وما اشتغل بالعقائد إلا القلة منهم، ثم في عهد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لمَّا أن الله وهبه علماً وقوة وجراءة وحفظاً وذكاءً وقوة أسلوب، ووهبه أيضاً شهرة بين الناس، ومحبةً اشتهر بها في القاصي والداني بما معه من المعلومات - لم يبال بأهل زمانه ولا بمن خالفه بل أفصح بما يعتقده، وجدد عقيدة السلف، وكتب فيها المؤلفات التي لا يستطيع أحد أن يعارضه فيها، وبين فيها ما هو أجلى من الشمس، كما هو مبسوط أو مختصر في مؤلفاته الكبيرة المبسوطة مثل: (منهاج السنة النبوية) . فإن نحو ثلثه الأول مناقشة في العقيدة، وفي الأسماء والصفات؛ لأن الرافضي الذي رد عليه بدأها بالرد على أهل السنة أنهم مجسمة، وأنهم مشبهة.
كذلك كتابه (العقل والنقل) الذي طبع في نحو أحد عشر مجلداً، وهو أوضحها وأدلها.
كذلك (نقص التأسيس) والذي طبع بعضه ولعله أن تُطبع بقيته.
стр. 1097
كذلك رسائله الكثيرة في المجموع نحو أربعة مجلدات، كلها في الأسماء والصفات، من الثالث إلى السادس، وهكذا غيرها؛ لا شك أنه ما أفصح بذلك إلا لأن الله تعالى وهبه علماً وقدرة على البيان، فلم يستطع أهل زمانه أن يقاوموه، فهو الذي جدد مذهب أهل السنة، فرحمه الله وأكرم مثواه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قوله:
الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن، جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، ونفذ حكمه في جميع العباد، لا تمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير (فا طر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:١١) ، له الأسماء الحسنى والصفات العلى (الرحمن على العرش استوى * له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) (طه:٥-٧) .
شرح:
نبدأ في شرح هذه المقدمة ثم ما بعدها، فقد ذكرنا في مقدمة الشرح سبب تأليفه لها، وهو أنه فقيه أشغل وقته في الفقه، ويظهر ذلك في مؤلفاته، ولكن لم يمنعه أشتغاله بالفقه أن يكتب في العقيدة، فألف فيها عدة مؤلفات، ولكنها نبذ صغيرة، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي ﵀، صاحب المؤلفات في الفقه؛ كالمغني، والكافي، والمقنع، والعمدة، والروضة، وغيرها من المؤلفات.
يقول في هذه المقدمة: (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله المحمود بكل لسان، المعبود في كل زمان، الذي لا يخلو من علمه مكان، ولا يشغله شأن عن شأن) .
стр. 1098
أولاً: ابتدأ كغيره بالبسملة اقتداء بالكتاب العزيز، حيث بدأ بالبسملة، وبدأ بالحمد لله وعملاً بالحديث المشهور: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله) ، وفي رواية: (بالحمد لله) (فهو أبتر) ، أو (أقطع) ، أو (أجذم) ، والمعنى أنه ناقص البركة.
يذكر المؤلفون هذا الحديث في مقدمات شروحهم كما ذكره البهوتي في مقدمة شرحه على زاد المستقنع، وشرحه على الإقناع، وشرحه على المنتهى، وغيره. ثم بعد ذلك ابتدأ بالحمد لله.
والحمد في اللغة: الثناء على الإنسان، كالثناء عليه بخصاله الحميدة، وبعقله، وبديانته، وبأمانته، وبكرمه، وبجوده، وبحلمه، وبصفحه، وبصدقه، يعني بالخصال التي يحمد عليها، التي يبالغ في الثناء عليه لأجلها، فهذا الثناء يسمى حمداً.
فإذا أثنى عليه بأشياء لا صنع له فيها كما لو أثنى عليه بأنه جميل، أو طويل، أو قصير، أو لجمال صورته، وطول قامته، وفصاحته، وذكائه ونحو ذلك، فهذا الثناء يسمى مدحاً.
والفرق بين المدح والحمد:
الحمد: الثناء بالصفات التي تخلق بها، كالصدق، والأمانة، والعلم، والحلم، وما أشبهها.
وأما المدح: فهو الثناء عليه بالصفات التي جبل عليها، ولا صنع له فيها كالجمال، والطول، والخلقة، وما أشبه ذلك.
فالله تعالى يثنى عليه بكل الصفات، فيثنى عليه بصفات الكمال، وبصفات الجمال، وبصفات الأفعال. فيستحق أن يثنى عليه بكل الصفات، فهو أهل للحمد، وهو المستحق له، ولأجل ذلك حمد نفسه في كثير من السور كالفاتحة، وسورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة سبأ، وسورة فاطر، ابتدأها الله بالحمد لله رب العالمين.
стр. 1099
وكذلك أخبر بأنه المستحق للحمد، وبأنه يُثنى عليه بالحمد في قوله تعالى: (وقيل الحمد لله رب العالمين) (الزمر:٧٥) ، (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) (يونس:١٠) ، وغير ذلك، وكثرة ذكر الحمد دليل على أنه ذكرٌ يذكر به الله، ويمدح به، ويثنى عليه به، وأنه يحبه ويحب من يحمده، ويحب من يثني عليه ويثيبهم على ذلك، وأنه أهل للحمد وأهل للثناء.
أما تعريف الحمد في الاصطلاح: فذُكر له تعريفان:
التعريف الأول: إن الحمد فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد وغيره، وهذا كأنه يختص بحمد المنعم يعني لا يحمد إلا بسبب كونه منعماً، وأن الحمد فعلٌ ينبئ عن تعظيمه.
ولا شك أنه مستحق للتعظيم، ولا شك أن الحمد تعظيم، ولكن الصحيح أن الله تعالى يحمد على كل حال، يحمد على الخير، ويحمد على الضرر، وذلك أنه إنما يسلط الضرر والشر أو البلاء لحِكَمٍ هو أعلم بها، فلأجل ذلك يحمد على الخير، ويحمد على الشر.
ولا يحمد على الشر سواه، وذلك أنه لا يبتلي بالشر كالمصائب والآفات والفقر والأذى والأمراض ونحوها، إلا لحكم ومصالح، فلأجل ذلك تحمده إذا أصابك مرض وألم، وإن أصابك فقر أو أذى فإنك تحمده على ذلك، وإن أصابك سجن أو جلدٌ أو أذى من خلق يسلطهم الله عليك فإنك تحمد الله على ذلك.
وإن كان ذلك لا يستدعي الفرح بذلك، ولا الرضا به، وبكل حال فهذا يبين أن في هذا التعريف شيء من الخلل وهو قولهم: إنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد، وغيره، فالله تعالى يعظَّم لكونه منعماً، ولكونه مبتلياً.
التعريف الثاني للحمد: أن الحمد ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه وإجلاله.
стр. 1100
ولعل هذا التعريف أسلم، ولكن الحمد لا يستلزم أن تذكر المحاسن كلها، ولكن إنما يحمد حمداً مطلقاً، فتقول: الحمد لله، ولو لم تذكر محاسنه التي حمدته عليها، فقولهم: ذكر محاسن المحمود، كأنهم يقولون: إن ذلك على وجه الإجمال، نحمده أي نذكر محاسنه سواء بالقلب أو باللسان، فمثلاً في أول سورة الفاتحة ابتدأها الله بقوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) (الفاتحة:١) هذا من محاسنه (الرحمن الرحيم) (الفاتحة:٢) هذا من محاسنه (مالك يوم الدين) (الفاتحة:٣) هذا من محاسنه، وكذلك في سورة الأنعام: (الحمد لله الذي خلق السموات والأرض) (الأنعام:١) ، هذا من محاسنه، وفي أول سورة الكهف (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب) (الكهف:١) هذا من محاسنه، (ولم يجعل له عوجاً) (الكهف:١) هذا من محاسنه، وأشباه ذلك.
والحمد هو ذكر محاسن المحمود وذكر فضائله، وذكر صفاته الحميدة مع حبه وتعظيمه وإجلاله، أي إن الحمد يستدعي من الحامد هذه الثلاثة: الحب، والتعظيم، والإجلال.
فهذان التعريفان اصطلاحيان للحمد، ولا شك أنه سبحانه أهل الحمد كما شرع ذلك في الصلاة، فالمصلي إذا رفع من الركوع يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، والمأمومون والإمام كلهم يحمدون الله، ويقولون: (ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد) كل ذلك في صفة الحمد.
стр. 1101
ولا شك أن العبد إذا حمد الله، كان قد عبده بهذه الكلمة (الحمد لله) ، واجتمع كونه معظماً له، ومحباً، ومجلاً له بهذه الكلمة، فقد أدى عبادة، وأي عبادة، وإن كان للحمد أيضاً أسباب إذا تجددت نعمة فإنك تحمده عليها ونعم الله تجدد بالغدو والآصال كما في قوله ﷺ : (إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها) . وأينا يستغني عن الأكل والشرب في اليوم عدة مرات، إذن فإذا تجددت هذه النعمة، فإنك تحمده عليها.
كذلك أيضاً تقول بعد الفراغ من التخلي: (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه) ، أو بعد الخروج من الخلاء فتقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) ، فلا يستغني الإنسان أن يحمد الله في كل الحالات، إذاً فالله تعالى محمود دائماً إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال.
وقوله: الحمد لله المحمود بكل لسان، قد تقول: كيف يكون ذلك مع أن كثيراً من الألسن لا يعرفون الله، أولا يعترفون بفضله فضلاً عن أن يحمدوه؟
والجواب: أن الألسن ناطقة بحمده إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال، فألسنة الكفرة ولو كانت لا تذكر الله، ولو كانوا ينسبون النعم إلى غير الله، ولو كانوا يكفرون به وبنعمه، ولو كانوا يصرفون العبادة لغيره، ولكن لسان حال أحدهم متعرف بأنه محتاج إلى رب، وأنه لا يستغني عنه طرفة عين، لسان حال أحدهم معترف بأنه مخلوق مفتقر إلى الخلاق، وذلك الخالق له الفضل عليه، فلا بد أن يكون صاحب الفضل أهلاً أن يثنى عليه، وأهلاً أن يحمد إذاً، فهو حامد بلسان حاله شاء أم أبى.
стр. 1102
فهذا دليل على أن الله تعالى: محمود بكل لسان، من لسان حال، أو لسان مقال، وقد ذكر الله تعالى أن جميع المخلوقات ذليلة له كما في قوله تعالى: (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم) (الجمعة:١) ، (ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة) (النحل:٤٩) ، (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض) (الحج:١٨) ، إلى آخر آيات السجود.
والتسبيح لا شك أنه عبادة، وأنها قطعية الحصول، ولو كرهاً، ولهذا قال تعالى في آية الرعد (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم) (الرعد:١٥) يعني وإن لم يسجدوا فإنه يسجد ظلالهم، إذا فهم يعترفون شاءوا أم أبوا بأنهم خاضعون وذليلون لله تعالى.
قوله:
الحمد لله بكل لسان، المعبود في كل زمان.
شرح:
لا شك أنه سبحانه مستحق أن يعبد في كل زمان، وما ذاك إلا أنه رب العباد في كل الأزمنة، والرب هو المعبود، ولأجل ذلك أمر عباده بأن يعبدوه لكونه رباً، يقول الله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) (البقرة:٢١) بدأ بكونه رباً، وما دام أن الخلق كلهم مربوبون فإن عليهم أن يعبدوا ربهم، فالرب تعالى معبود في كل زمان. وإن كان هناك من لا يعبد الله عبادة حقيقية كالكفار والمنافقين ونحوهم، ولكنهم في الأصل عبيد لله لا يستغنون عن التعبد له.
وأيضاً فمعلوم أن كل زمان من الأزمنة لا تخلو فيها الأرض عن أن يوجد فيه عباد عابدون، ولو خليت بلاد لم تخل البلاد الأخرى، ولو خلي يوم لم يخل اليوم الثاني، فلابد في زمان وساعة، ومن وجود من يعبد الله، فالله تعالى معبود في كل زمان.
قوله:
الذي لا يخلو من علمه مكان ولا يشغله شأن عن شأن.
شرح:
стр. 1103
فهذا مبدأ الدخول في الصفات، بدأ في صفات الله تعالى بهذه الجملة: (لا يخلو من علمه مكان) معلوم لكل مؤمن أن ربنا مطلع علينا وعالم بأحوالنا ويعلم أسرارنا وعلانيتنا فلأجل ذلك يذكر دائماً هذا الأمر مثل قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (ق:١٦) يعلم الله خطرات النفس ووساوس الصدر، وهواجس القلب بل يعلم أخفى من ذلك.
فسر بعض العلماء قوله تعالى: (يعلم السر وأخفى) (طه:٧) أن السر: ما أضمره العبد في قلبه ولم يحرك به شفتيه فضلاً عن أن يتكلم به عند أحد، وأخفى من السر هو ما سوف يخطر له فيما بعد، قبل أن يحدث به نفسه، ولكن الله يعلم أنه سيفعله فيما يُستقبل أو سيخطر بباله.
إذاً فالله تعالى، لا يخلو من علمه مكان أية مكان صغير أو كبير يعلم ما يكون فيه، يعلم من يكون في هذا المكان، وعددهم، ونياتهم وأسرارهم، وعلانيتهم، ولا يشغله هذا عن المكان الثاني وعن البلاد الثانية، وعن أهل السماوات وعن أهل الأرض، فإنه كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن، يعلم كل مكان وما يحدث فيه.
قلت: إن هذا أول ما بدأ في الصفات حيث ذكر علم الله تعالى، وأنه واسع ومحيط بالأشياء، وعليم بها، ويفسر ابن قدامة ﵀ بهذه الكلمة (الآيات التي فيها المعية) يشير إلى أنها محمولة على العلم كقوله: (وهو معكم أين ما كنتم) (الحديد:٤) .
ذلك معية العلم والاطلاع والقرب والهيمنة، والقدرة، والنظر، والرؤية، وهو معكم أين ما كنتم يراقب ويطلع عليكم، ويعلم أسراركم، ويعلم أعمالكم، وكذلك قوله تعالى: (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) (المجادلة:٧) يعلم ما يسرونه وما يتناجون به.
стр. 1104
ولعل ابن قدامة ﵀ يرد بهذه الجملة على المعتزلة والحلولية والفلاسفة والكثير من الصوفية والجهمية، فهؤلاء عقيدتهم -والعياذ بالله- إنكار صفة العلو، وادعاء أن الله بذاته في كل مكان، فلذلك قال: (لا يخلو من علمه مكان) رداً على من يقول: إنه بذاته في كل مكان، وهذا قول الحلولية الذين يدعون أنه حال بذاته في المخلوقات كلها، وهذا عين الكفر وعين الجحود، فإن الرب تعالى بائن من خلقه مع كونه مستوياً على عرشه.
قوله:
ولا يشغله شأن عن شأن.
شرح:
يقول بعض الخطباء في الثناء على الله تعالى: لا تشتبه عليه اللغات، ولا تغلطه كثرة المسائل مع اختلاف اللغات، وتفنن المسؤولات.
هذا معنى لا يشغله شأن عن شأن، لا يشتغل بسماع هذا عن هذا، بل يدعوه مئات الألوف وألوف الألوف في لحظة واحدة، ويسمع دعاءهم، ويعرف حاجاتهم، ويعرف مطالبهم، ويجيب من يجيبه منهم، ويعطيه سؤله، ولا شك أن هذا يستلزم أنهم يعظمونه إذا عرفوا أنه المستحق لهذا التعظيم، وأنه بهذه الصفة بحيث لا يشغله شأن عن شأن، فإن ذلك يحملهم على أن يطيعوه وأن يعظموه، ويجلوه، ويعتقدوا أنه ربهم ومالكهم، وأنه هو المعبود وحده.
قوله:
جل عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد.
شرح:
هذه الجملة يؤخذ منها صفات السلب وصفات النفي، فإن صفات الله صفات سلبية، أو صفات ثبوتية، ولكن إذا أتت الصفات السلبية استلزمت الصفات الثبوتية، وإلا فالسلب المحض لا يمدح الله به نفسه حتى يتضمن صفة ثبوت يمتدح بها.
стр. 1105
فإن المدح إنما هو بالصفات المثبتة لا بالصفات المنفية، فإذا قال مثلاً: جلَّ عن الأشباه والأنداد، وتنزه عن الصاحبة والأولاد، فهذا نفي، وقد نفى الله ذلك عن نفسه في عدة آيات، كقوله تعالى: (ما اتخذ صاحبةً ولا ولداً) (الجن:٣ () ، وكقوله تعالى: (ولم يكن له كفواً أحدا) (الإخلاص:٤) ، وكقوله تعالى: (فلا تجعلوا لله أنداداً) (البقرة:٢٢) ، وكقوله تعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال) (النحل:٧٤) ، وكقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) (الشورى:١١) ، وكقوله تعالى: (هل تعلم له سمياً) (مريم:٦٥) .
هذه كلها نفي وسلب، ولكن يمدح نفسه بهذا السلب لأنه يتضمن ثبوت أضداد هذه الصفات، وكذلك قوله تعالى (ما اتخذ صاحبة ولا ولداًَ) (الجن:٣) ، وكقوله تعالى: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل) (الإسراء:١١١) .
كل ذلك يستدعي صفة ثبوتية هي التفرد والوحدانية التي تستلزم الكمال فإنه إذا كان واحداً فرداً صمداً تصمد إليه القلوب، وتتوجه إليه الرغبات، ومع ذلك هو محيط بالمخلوقات، وعالم بها، ومع ذلك هو خالقها، ومدبرها وحده، أليس ذلك دليل العظمة؟ أليس ذلك دليل الكبرياء؟ لا شك أنه إذا تنزه عن أن يحتاج إلى صاحبة -يعني زوجة- لا يحتاج إلى ولد، لم يلد ولم يولد، وقد نزه الله نفسه عن الولد، وأخبر بأن هذه فرية قالها المشركون، وأنها أعظم فرية وأكبرها، قال تعالى: (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعوا للرحمن ولداً * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً) (مريم:٩٠-٩٢) .
يعني أن مقالتهم هذه تكاد أن تتفطر لها السماوات، وتنشق لها الأرض، وتخر لها الجبال، وتتفطر لها المخلوقات العظيمة لعظم شناعتها، حيث جعلوا لله تعالى ولداً مع أنه مستغن عن الولد والوالد والشريك والنظير والمثيل والند والكفؤ؛ لماذا؟
стр. 1106
لأن هذه الأشياء تستلزم الحاجة، أو تستلزم المثلية، تستلزم أنه بحاجة إلى الولد كالإنسان الذي بحاجة إلى ولده يسانده ويساعده ويقوم مقامه، ويعينه عند عجزه، ويخلفه بعد موته.
والرب تعالى ليس كذلك، وليس بحاجة إلى الولد ولا إلى الزوجة، ولا إلى شريك، فهو له الكمال المطلق، إذاً فنفي الصاحبة يستلزم عدم الحاجة ويثبت الغني، وكذلك نفي الولد يلزم منه إثبات الكمال، وكذلك نفي الشريك، ونفي الند، ونفي المثيل، وما أشبه ذلك.
وردّ أيضاً على من أثبت ذلك من المشركين ونحوهم كقوله تعالى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) (التوبة:٣٠) ، وقوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم) (الزخرف:١٩) . وقوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * اصطفى البنات على البنين * ما لكم كيف تحكمون* (الصافات:١٤٩-١٥٤) ، وكقوله تعالى: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) (الصافات:١٥٨) .
زعم بعض جهلة العرب: أن الملائكة بنات الله، وأن بينه وبين الجنة نسباً، تعالى الله عن قولهم ذلك كله؛ فردّ عليهم، وأثبت وحدانيته، فبذلك نعرف أن كل نفي فإنه يستدعي ثبوتاً، وإلا فالنفي المحض ليس بمدح.
رد شيخ الإسلام ﵀ في رسالته (التدمرية) في قاعدة من القواعد على من يصف الله تعالى بالصفات السلبية التي هي عدم محض، وكذلك في كثير من كتبه، وأخبر في (الحموية) أن الله بعث رسله بنفي مجمل، وإثبات مفصل، وأن الإثبات يقصد بذاته والصفات الثبوتية مقصودة لذاتها.
стр. 1107
وأما الصفات السلبية فمقصودة لغيرها، والله تعالى نزه نفسه بقوله تعالى: (ما اتخذ صاحبة ولا ولداً) (الجن:٣) ، (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء) (الأنعام:١٠١) ، فإذا نزه نفسه عن مثل هذا دل على صفة الكمال، وتنزه عن الشركاء والأمثال، وذلك يثبت وحدانيته حتى لا يعبد غيره.
وفي الآية التي في سورة سبأ يقول ابن القيم ﵀: إنها قطعت جذور الشرك يعني عروقه، وهي قوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) (سبأ:٢٢-٢٣) .
فنفى أربع حالات:
الملك ملك استقلال، فأما ما تملكه أنت من متاعك أو منزلك فليس ملك استقلال؛ لأنك أنت وهو ملك لربك وخالقك، أي لا يملكون ولو مثقال ذرة، فكيف يُعبدون؟.
وقد يقول قائل: نسلم أنهم لا يملكون، وأن الملك لله، قال تعالى: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) (غافر:١٦) لكن يمكن أن يكون لهم شركة أي يمكن أن يكونوا شركاء الله فنفى ذلك بقوله تعالى: (وما لهم فيهما من شرك) (سبأ:٢٢) ، ولو شراكة في مثل الذرة.
وقد يقول قائل: نسلم أنهم لا يملكون وليسوا شركاء، ولكن يمكن أنهم أعوان لله، أي أنهم أعانوا لله في إيجاد الموجودات، فنفى ذلك بقوله تعالى: (وما له منهم من ظهير) (سبأ:٢٢) ، أي من معين ليس لله تعالى مظاهر ولا مساعد، ولا معين في إيجاد الموجودات بل هو المنفرد بذلك وحده؛ وإذا كان كذلك فإنه المستحق لأن يعبد وحده.
ثم نفى الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، حتى لا يقولوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
стр. 1108
فإذا انتفى الشريك وانتفى الولد، وانتفى المعين، ونفيت الصاحبة، ونفي الند والنظير والكفؤ؛ أثبتت صفات الوحدانية والتفرد، فهذا مقتضى هذه الصفة، وهي أننا ننفي هذه النقائص حتى نثبت الوحدانية التي هي صفة كمال لا يشاركه في هذا الكمال ولا في هذه الوحدانية أحد، ولأجل ذلك من أسماء الله (وإلهكم إله واحد) (البقرة:١٦٣) ، إثبات للوحدانية، وقوله تعالى: (قل هو الله أحد) (سورة الإخلاص:١) إثبات الأحدية، والأحد مبالغة في الوحدانية يعني هي أبلغ من أن يقول: (قل هو الله واحد) أحد: أي منفرد بالأحدية لا يشاركه في هذه الصفة غيره.
فإذا اعتقد المسلم ذلك عرف أنه المستحق لأن يعبد؛ جل وتنزه عن الشريك، وعن الصاحبة، وعن الند، والنظير، والمثيل.
قوله:
نفذ حكمه في جميع العباد.
شرح:
هذه صفة ثبوتية، فبعد ما ذكر الصفات السلبية ذكر الصفة الثبوتية، وهي أن حكمه ذاهب في جميع العباد، قال تعالى: (إن الحكم إلا لله) (يوسف:٤٠) : حكمه: أمره وتدبيره وتصرفه، لا راد لحكمه، ولا معقب لحكمه، ولا لقضائه، نفذ حكمه في جميع البلاد، وفي جميع العباد، وله الحجة في ذلك، ولله الحجة البالغة (قل فلله الحجة البالغة) (الأنعام:١٤٩) ، فكونه يحكم فيهم بما يشاء معناه أنه يتصرف في ملكه لأنهم خلقه، ولأنهم ملكه، ولأنه المتصرف بهم وحده. فإذا كانوا ملكه فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وحكمه نافذ فيهم شاءوا أم أبوا، هذا هو الأصل في أن حكم الله تعالى نافذ في الخلق كلهم أولهم وآخرهم، هذه كما قلنا صفة ثبوتية تثبت أن الحكم لله، ويعرف الفقهاء والأصوليون الحكم بأنه: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه.
стр. 1109
أما حكم الله تعالى فهو تقديره وتنفيذ قدره، فإذا قدر أمراً نفذ قدره أياً كان تقديره وتدبيره، وتصرفه هذا هو حكمه، ويمكن أن يكون حكمه أمره ونهيه، وإن كان قد يأمر من لا يفعل، فقد أمر الكفار بالإيمان، فما آمنوا، وأمر العصاة بالطاعة فعصوا، فهل يسمى هذا حكماً؟ نسميه حكماً شرعياً لا حكماً قدرياً بمعنى أن الحكم النافذ الذي لابد من وجوده هو الحكم القدري، هو الحكم الذي قضاه وقدره في الأزل، وحكم بوجوده، فلا راد له، وأما الحكم الشرعي وهو أنه شرع هذه الأحكام، وشرع الأوامر والنواهي وشرع الطاعات وحرم المحرمات، فهذا حكم شرعي ينفذ فيمن قدر الله إيمانهم لا فيمن قدر الله عصيانهم.
قوله:
لا تمثله العقول بالتفكير.
شرح:
من هنا أخذ أيضاً يبدأ في الصفات السلبية.
نعرف قبل ذلك أن قاعدة أهل السنة، أن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ : وذلك لأنه أعلم بنفسه وأعلم بخلقه، ورسوله ﷺ أعلم بمن أرسله، فيقتصر في بعض الصفات ثبوتية أو سلبية على ما ورد، فقوله: (لا تمثله العقول بالتفكير) معناه أن القلوب تعجز عن أن تصل إلى مثل تمثيله، ولعل الدليل على ذلك قوله تعالى: (ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) أي مهما فكروا، ومهما سألوا لا يحيطون به علماً، يعجزون عن أن يمثلوا بعقولهم ذاته سبحانه.
كذلك لا تحيط به الظنون ولا العقول بالتفكير، ومن أدلة ذلك قوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) (البقرة:٢٥٥) ، أي لا يصلون إلى علم من صفته إلا بما أوصله إليهم، فإذا لم يشأ لن يستطيعوا أن يصلوا إليه وكيف يعلمون صفة ذاته سبحانه مع أنه قد احتجب عن أن تصل إليه العلوم، أو الأوهام، أو التفكيرات، أو نحوها، وأخبر بعدم مماثلته لمخلوقاته بقوله: (ليس كمثله شيء) (الشورى:١١) .
стр. 1110
وقد ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مثلين في التدمرية يبين فيهما عجز الإنسان عن أن يصل تفكيره إلى تكييف الذات الربانية.
المثال الأول: مخلوقات الجنة، مع أنها مخلوقات، ولكن لا ندري ما كيفيتها، قصرت عنها أفهامنا، فقد ذكر الله أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وهذا لا تدركه أفهامنا ولا تخيلاتنا، كيف يجري الماء على وجه الأرض، ولا يسيح ولا ينبسط في الأرض، أمر الله أعظم، وقدرة الله أعظم، وكذلك جميع ما ذكر في الجنة.
المثال الثاني: الروح التي بها حياة البدن عجزت الظنون عند تفكيرهم فيها، وعجزت العقول عن إدراك ماهيتها، فردوا عقولهم ووقفوا عند قوله تعالى: (قل الروح من أمر ربي) (الإسراء:٥٨) ، نحن نعرف أن الإنسان مركب من جسد وروح، فإذا خرجت الروح بقي الجسد جثة ليس فيه روح، وما هي هذه الروح؟ لا ندري عن ماهيتها، ولا ندري ما كيفيتها، عجزنا عن إدراكها، فكذلك بطريق الأولى عجزت عقولنا عن إدراك كيفية ذات الرب سبحانه، فهذا معنى كونه لا تمثله العقول، ولا القلوب بالتفكير، ولا تتوهمه، ولا تتخيله، ولا تصل إلى كيفية ذاته، بل كل ما خطر من صفةٍ للرب في بالك فإنه على خلاف ذلك.
ومهما خطر في بالك أن استواءه كذا، وأن كيفية نزوله كذا، وأن كيفية ذاته كذا وكذا، فإن الرب بخلاف ذلك، ليكون ذلك دليلاً على عجز هذه المخلوقات عن إدراك كنه ذاته، وعن معرفة ماهية ذاته فضلاً عن تحققها.
стр. 1111
ومعلوم أن جميع الذين يدينون بالإسلام، أو يدينون بالعبودية لله تعالى؛ مسلم وكتابي وغيرهم، يعتقدون أن هذا الوجود لابد له من موجد، وأن الموجد الذي أوجده واجب الوجود، وقد اطلعنا على ذلك، ولكن باصطلاحات وبعبارات فلسفية منطقية، ويكفي أن نستدل على ذلك بقوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون) (الطور:٣٥) ، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير شيء، ولم يكونوا هم الخالقين تعين أن لهم خالقاً، والخالق لابد أن يكون غنياً عما سواه وما سواه فقير إليه.
وإذا كان كذلك فإن الخالق سبحانه لا يمكن أن يشابه المخلوق الذي تعتريه الآفات والتغيرات والنواقص التي تنزه عنها الخالق سبحانه، نزه نفسه عن الموت كما في قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) (الفرقان:٥٨) ، ونزه نفسه عن النوم، وعن النعاس، قال تعالى: (لا تأخذه سنة ولا نوم) (البقرة:٢٥٥) ، السنة هي النعاس، وهو مقدمة النوم وما أشبه ذلك.
فهذه صفات تبين تنزهه عن مشابهة المخلوقات، وتنزهه عن أن تدركه عقول المخلوقين، أن يعرفوا كيفية صفة من صفاته فضلاً عن كيفية ذاته.
ثم استدل بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:١١) ، فهذه الآية رد الله فيها على الطائفتين الممثلة والمعطلة.
أولها رد على الممثلة: (ليس كمثله شيء) وآخرها (وهو السميع البصير) رد على المعطلة، ولأجل ذلك كان آخرها ثقيلاً على هؤلاء المعطلة حتى روي عن رئيس من رؤسائهم وهو ابن أبي دؤاد أنه قال للخليفة المأمون: أحب أن تكتب على الكعبة، أو على كسوة الكعبة: ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم، أراد أن يحرف القرآن؛ لأن كلمة وهو السميع البصير، تطعن في معتقد ابن أبي دؤاد الذي ينكر السمع والبصر، بل ينكر كل الصفات الذاتية، والصفات الفعلية، فلذلك ذكر ابن قدامة في مقدمة كتابه هذه الآية (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:١١) .
стр. 1112
والممثلة هم الذين يقولون: إن صفات الله كصفات المخلوقين، فيجعلون لله يداً كيدنا، ولله وجهاً كوجهنا، ولله قدماً كقدمنا، ولله كذا وكذا؛ تعالى الله عن ذلك، فرد الله عليهم بهذه الآية، وبآيات أخرى كقوله تعالى: (هل تعلم له سمياً) (مريم:٦٥) يعني شبيهاً ومثيلاً، وكقوله تعالى: (فلا تضربوا لله الأمثال) (النحل:٧٤) ، وينزه الله تعالى نفسه عن أن يكون له مثل.
وقد تكلم العلماء على هذه الآية، وقالوا في (كاف) (ليس كمثله) : إن الكاف صلة لتأكيد النفي، وأن المراد بالمثل الذات كما يقولون لمن يمدحونه: مثلك لا يغضب، ومثلك يحكم، ومثلك يعطي، يريدون أنت، فالمعنى: ليس كهو شيء، ليس شيء كهو أي مماثلاً له.
وعبر بعضهم بالزيادة في قوله تعالى: (ليس كمثله شيء) أن الكاف زائدة حتى لا يفهم أن لله مثلاً، يعني أنه قد يخاف أن لله تعالى مثلاً، فيقال: ليس مثل مثل الله شيء، والصحيح أنه لا يقال في القرآن زائد، ولا لغو، فالقرآن كله حق، وكل حرف منه فيه فائدة، فإذاً نقول: إن الكاف صلة لتأكيد النفي، نفي المثلية، وسمعت من بعض المشايخ في التعبير عن الزيادة يقال:
وسم ما يزاد لغواً أو صله أو قل مؤكدا وكل قيل له
لكن زائداً ولغواً يجتنب إطلاقه في منزل فذا وجب
يعني أنه يعبر عنها بأربع عبارات: زائد، أو لغو، أو صلة، أو مؤكد، ولكن لا يطلق في القرآن كلمة زائد تنزيهاً للقرآن أن يكون فيه شيء زائد يمكن الاستغناء عنه، ومع ذلك تجدون كثيراً من المفسرين يطلقون فيه الزيادة، ومنهم صاحب تفسير الجلالين جلال الدين المحلي عندما أتى على هذه الآية، قال: الكاف زائدة لأن الله تعالى لا مثل له، فلو قال مؤكدة، أو قال صلة لتقوية النفي لكان أبلغ.
стр. 1113
وبكل حال؛ فالآية أفصحت عن نفي المثل لله تعالى، ولكن أفصحت أيضاً عن إثبات صفة السمع وصفة البصر، وتجدون في كتب النفاة تكرار هذه الآية (ليس كمثله شيء) (الشورى:١١) ، لأنه ليس كمثله شيء، ولا يأتون بأخرها لأنه حجة عليهم، وبكل حال، الأصل أن نصف الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ونثبت لله صفات الكمال، وننزهه عن صفات النقص.
قوله:
له الأسماء الحسنى والصفات العلى (الرحمن على العرش استوى * له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) (طه:٥-٧) .
شرح:
هذا من جملة العقيدة ندين بأن له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، ونعتقد أن أسماء الله تعالى كلها حسنى، وأن صفاته كلها عُلى أي رفيعة المعنى، ورفيعة المدلول، ذكر الله تعالى: أن له الأسماء الحسنى في ثلاثة مواضع: في سورة الأعراف: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) (الأعراف:١٨٠) ، وفي سورة طه: (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) (طه:٨) ، وفي سورة الحشر: (هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى) (الحشر:٢٤) .
يعتقد أهل السنة أن الله تعالى سمَّى نفسه بأسماء وسماه بها رسله عليهم الصلاة والسلام، وأنها كلها حسنى، والحسنى مبالغة في الحسن أي أنها حسنة رفيعة المعنى جليلة القدر.
وقد ورد في الحديث المشهور الذي في الصحيح قوله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين أسماً، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة) ، ثم في رواية الترمذي وغيره سرد الأسماء إلى أن وصلت إلى تسعة وتسعين، ابتداء بالأسماء التي في آخر سورة الحشر: الرحمن الرحيم الملك القدوس إلى آخرها.
стр. 1114
ورجح العلماء أن سردها ليس مرفوعاً، وإنما هو من بعض الرواة جمعوها من القرآن، ومن الأحاديث، وقد تتبعها كثيرٌ من العلماء من الأدلة والنصوص، وجمعوا ما فيها من الأسماء كما فعل ذلك ابن القيم في (الصواعق المرسلة) ، وقبله البيهقي في الأسماء والصفات وتبعهما الحافظ الحكمي في (معارج القبول شرح سلم الأصول) وجمعها أيضاً: ابن حزم في (المحلي) ، ولكنه اقتصر على ما صح عنده، وأدخل فيها بعض الأسماء التي لم تثبت أنها أسماء؛ أخذ من قوله: (وأنا الدهر) أن الله يسمى بالدهر، وهذا خطأ.
وبكل حال؛ يعتقد المسلمون أن الأسماء كلها حسنى، وأنه يدعى بها، ويعتقد المسلمون أن أسماء الله كثيرة لا تنحصر لأن الله تعالى أجملها في هذه الآيات، ولم يذكر لها عدداَ.
وأما الحديث: فليس فيه أنها محصورة في تسعة وتسعين اسماً، وإنما أخبر بأن من أسمائه ومما تسمى به تسعة وتسعين اسماً، اختصت بأن إحصاءها سبب لدخول الجنة، وإلا فلله أسماء كثيرة كما في الحديث الذي في مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ : علم أصحابه دعاءً يدعون به، وأوله: (اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) .
فأخبر بأن لله أسماء استأثر بها في علم الغيب، فدل على أن أسماء الله ليست محصورة بل هي كثيرة.
ثم المراد بإحصائها في قوله: (من أحصاها دخل الجنة) ليس هو مجرد حفظها لكنه اعتقاد صحتها والعمل بها، واعتقاد مدلولها، فإن كل اسم دال على صفة.
стр. 1115
ذكر العلماء أن كل اسم من أسماء الله له ثلاث دلالات: دلالة على الذات، ودلالة على الصفة المشتقة منه، ودلالة على بقية الصفات، وتسمى دلالته على الذات (دلالة مطابقة) ، ودلالته على الصفة المستنبطة منه (دلالة تضمن) ، والدلالة على بقية الصفات (دلالة التزام) .
فمثال ذلك من أسماء الله (الرحمن) كما سمَّي نفسه به في عدة مواضع، هذا الاسم لا ينطبق إلا على الله إذا قيل الرحمن انصرفت الأفهام إلى الرب تعالى، فهو دال على ذات الرب بالمطابقة أي إنه اسم للذات الربانية لا يدل إلا على الله ولا يصح إلا لله تعالى كما إذا قلنا: (محمد) على الإطلاق فإنه ينصرف إلى نبينا محمد ﷺ فدلالته دلالة مطابقة.
كما أن دلالة الرحمن، والرب، والعزيز على الله تعالى دلالة مطابقة، فالنظر في الرحمن أليس دالاً على صفة؟ إنه مشتق من الرحمة، فدلالته على الرحمة التي هو مشتق منها نسميها دلالة تضمن، أي في ضمن هذا الاسم (الرحمة) كما أن العزيز فيه صفة العزة، والغفور فيه صفة المغفرة، والحكيم فيه صفة الحكمة، والوهاب، والرزاق، والحكم، والعدل كل اسم منها دال على صفة اشتقت منه فهذه دلالة تضمن، أي هذه الصفة في ضمن هذا الاسم.
أما دلالته على بقية الصفات، وعلى بقية الأسماء، فإنك تقول مثلاً: إذا سمي الله تعالى بالعليم فإن ذلك يستلزم الغِنَى والغفران والسمع والبصر، وهكذا يلزم من اتصافه مثلاً بالسميع أن يكون بصيراً، ويلزم من اتصافه بالسميع أن يكون غنياً، وأن يكون رحيماً، وأن يكون حكيماً، لأنه إذا لم يتصف بذلك كان ذلك نقصاً في صفة الرحمة.
أي كيف يكون رحيماً وليس بغني، وكيف يكون رحيماً وليس بعزيز، وكيف يكون رحيماً وليس بسميع بصير، وكيف يكون رحيماً وليس بمتكلم، وكيف يكون رحيماً وليس بحكيم، وهكذا.
стр. 1116
فهذه دلالة التزام، إذا آمن المسلم بهذه الأسماء الحسنى، فمعناه أنه يعتقد دلالتها يعتقد أن الله مسمى بالرحمن، وأنه متصف بالرحمة، وتسمى بالعزيز واتصف بالعزة، وتسمى بالحكيم واتصف بالحكمة، وتسمى بالسميع البصير، فيعتقد ذلك كله.
إذا فعل ذلك فقد أحصى هذه الأسماء، وإذا أحصاها واعتقد معناها، لزم من ذلك أن يدين بمقتضاها لأنه إذا دان أن الله سميع وسع سمعه الأصوات، ماذا تكون حالته؟ أليس يخاف الله ويرجوه، وإذا دان أن الله بصير لا يستر بصره حجاب ماذا تكون حالته؟ أليس يراقبه ويعبده؟ ويرجوه ويخافه؟ ويطيعه ويبتعد عن معصيته، إذا فعل ذلك، فإنه تقي نقي يكون ممن يرجى له الجنة والنجاة من عذاب الله، فعرف بذلك أن إحصاءها التزام جميع الطاعات والبعد عن جميع المعاصي.
قوله:
والصفات العلى.
شرح:
إن صفات الله تعالى تليق به، وقد وصف نفسه بصفات كلها عُلى، ولكن معلوم أن هذه الصفات تختص بالموصوف بها، فلا يجوز أن تكون كصفات الخلق التي هي ناقصة ويعتريها التغير، ويعتريها الفقد، فكم من إنسان قوي عاقل ذكي، ولكن ينقصه صفات أخرى كالغني أو الجود أو الحكمة، والقوة أي هو ضعيف وفقير وضرير وأصم وأبكم ... ، فقد تعتري الإنسان صفات النقص، ولكن صفات الله تعالى لا يعتريها نقص ولا تغير بل هي غاية الكمال.
فإذا وصفنا الله تعالى بالسمع والبصر، فإنا نقول: إن سمعه ليس كسمع خلقه، وبصره ليس كبصر الخلق، فالإنسان لا يبصر ما وراء الحجب، ولا ما وراء الحيطان ونحوها، فإنه يستر بصره أدنى ساتر، والرب تعالى: لا يستر بصره حجب، والإنسان سمعه مقصور على ما قرب منه، ولا يسمع ما بعُد، وتشتبه عليه اللغات، وتشتبه عليه الكلمات، والرب تعالى ليس كذلك.
стр. 1117
وإذا وصفنا الله تعالى بالصفات الفعلية فإنها كلها صفات رفيعة، إذا وصفناه بأنه هو العلي، فقلنا له العلو بجميع أنواعه: علو ذات، وعلو قدر، وعلو قهر؛ إذا وصفناه بالفوقية. فكذلك إذا وصفناه مثلاً بالغنى وبالعطاء، وبالجود وبالكرم، وبالحلم وبالمغفرة فكلها في غاية الرفعة والمنعة، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة.
وقد خالف في ذلك الأشاعرة مع شيوع مذهبهم وشهرته فهم يقرون بسبع صفات، وهي: السمع، والبصر، والكلام، والقدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، وينكرون بقيتها، فلا يقولون: إن الله موصوف بالصفات العلى جميعاً التي وصف بها نفسه، وهذا تنقص لله لأنهم أنكروا صفات أثبتها الله لنفسه، ولكنهم يقرون بالأسماء جميعاً، وإن كانوا ينكرون دلالة بعضها.
أما المعتزلة، فإنهم ينكرون الأسماء ويتأولونها أو ينكرون دلالتها فيقولون: إنها مجرد أعلام، كما لو أن إنساناً سمي بعدة أسماء، وتلك الأسماء مجرد أعلام يعرف بها شخص ذلك الرجل، يعني قد يسمى الإنسان بأسماء ولا تنطبق عليه صفاتها، أي ليس كل من سمي سعداً من أهل السعادة، وليس كل من سمي صادقاً يكون من أهل الصدق، وليس كل من سمي طاهراً يكون مطهراً، وليس كل من سمي مباركاً تكون فيه البركة، وقد يسمى الإنسان بسعد، وخالد، وزيد، ويسمى بعدة أسماء ولا تكون معانيها منطبقة أو مجتمعة فيه، وإنما سمي بها حتى يتميز عن غيره كما يوصف بلقب أو بنسب إلى قبيلة، ونسبة إلى بلد، ونحو ذلك فيقال مثلاً سعيد بن زيد بن درهم العبسي الكوفي اسم لشخص واحد سمي به حتى تعرف ذاته.
والمعتزلة يقولون: هذه الأسماء إنما هي لأجل معرفة الذات لا أنها دالة على صفات، ويصرح كثير منهم بنفي الصفات، ويقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم، حكيم بلا حكمة، رحيم بلا رحمة، تعالى الله عن قولهم.
стр. 1118
وإذا قرأت القرآن تجد أن الله تعالى يختم آية الرحمة باسم الرحيم، ويختم آية النقمة باسم العزيز، أو ما أشبه ذلك؛ مما يدل على أن معانيها مقصودة، هذا ما يدين به المسلمون.
قوله:
(الرحمن على العرش استوى * له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) (طه:٥-٧) .
شرح:
هذه الآيات من سورة طه دالة على صفات: الأولى على اسم الرحمن، وأنه على العرش استوى استواء يليق به، (ونؤجل الكلام على الاستواء حتى تأتينا الآيات التي فيها ذكر الصفات ومن جملتها هذه الآية) .
(له ما في السموات وما في الأرض) (طه:٦) هذه أيضاً من صفات الكمال (له ما في السموات) (طه:٦) ملكاً وخلقاً وعبيداً إذا قلت: لماذا عبر بـ (ما) التي لغير العاقل (له ما في السموات) مع أنه ورد في آيات (له من في السموات) (الحج:١٨) .
فالجواب أن (ما) قد تأتي للعاقل كقوله تعالى: (والسماء وما بناها) (الشمس:٥) ، أو أنه عبر بـ (ما) نظراً للكثرة، فإن ما في السماوات وما في الأرض يدخل فيه الدواب والحيوانات، ودواب البحر، ودواب البر، والطيور والوحوش، وجميع المخلوقات، ويدخل فيه النباتات مع اختلافها، ويدخل فيه الجمادات: الجبال والأودية، والدور والقصور والأشجار، وما أشبه ذلك؛ فلذلك قال تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما) (طه:٦) أي ما بين السماء والأرض من المخلوقات وما بين السماوات من المخلوقات كل ذلك له. ومعنى كونها له، أي ملك له، وهو الذي خلقها وأوجدها، وهو الذي يفنيها إذا شاء، ويغيرها ويبدل فيها ما يشاء؛ ويتصرف فيها كما يشاء، يمنع ويعطي، يريش ويبري، يميت ويحيى، يخفض ويرفع، يصل ويقطع، يتصرف فيها فهي إذاً له؛ أي ملكه.
стр. 1119
(له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى) (طه:٦) ، قيل: الثرى هو التراب الذي فيه النداوة والرطوبة، ففسر ما تحت الثرى تحت التراب، أو ما تحت التراب الندي -بالمياه في جوف الأرض، ولا يعلم ما تحته إلا الله، أو ما تحت الأراضين مع سعتها له كل ذلك.
(وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) (طه:٧) هذا أيضاً من الصفات، يعني أنه سبحانه يعلم سر الأمر وخفيه.
السر: ما يضمره الإنسان ويكنه في نفسه، أخفى من السر: ما لم يخطر في باله، ولكن علم الله أنه سيخطر في باله فيما بعد، وسيحدث به نفسه، أو سيفعله، وإن لم يكن قد نواه يعلم ذلك كأنه قال: إن تجهروا أو تخفوا لا يخفي عليه أمركم، والجهر: هو رفع الصوت، وإن تجهر بالقول يعني وإن جهرت بالقول، أو أسررت به فالجميع مسموع لله تعالى ومعلوم له.
ثم وحد نفسه (الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى) (طه:٨) كلمة لا إله إلا الله لها شروط، ولها أركان، ولها دلالات يطول بنا أن نفصلها، وشروحها -والحمد لله- واضحة، ومعناها لا معبود بحق إلا الله.
وقد ذكرنا أن الأسماء الحسنى عامة فيما سمى الله به نفسه من الأسماء، أو ورد في الأحاديث الصحيحة
مسألة: في صفات الإحاطة والعلم والقهر
قوله:
أحاط بكل شيء علماً، وقهر كل مخلوق عزة وحكماً، ووسع كل شيء رحمة وحلماً (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) .
شرح:
الصفة الأولى: الإحاطة، هذه أيضاً من صفات الكمال، وهي من الدلالة على صفة العلم ونحوه، يقول الله تعالى في آخر سورة الطلاق: (وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) (الطلاق:١٢) .
стр. 1120
والإحاطة في الأصل: هي الاستيلاء على الشيء من كل جهاته، كأنه أُحيط من كل جهاته بحيطان منيعة فاستُولي عليه، ولكن تستعمل بمعنى الإتيان على الشيء من كل جهاته؛ أحطت بهذا يعني وصلت إلى نهايته، أي أتيت عليه حتى استوليت عليه وعرفته وصارت تفاصيله ظاهرة عندي.
فالله تعالى وصف نفسه بصفة الإحاطة، فقال: (والله من ورائهم محيط) (البروج:٢٠) يعني محيط بالخلق أي مستولٍ عليهم، وكذلك محيط بعلومهم، ومحيط بجميع المخلوقات، وما يحصل منها، وأما المخلوقون فعاجزون عن ذلك إلا بما فتحه الله عليهم، قال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) (البقرة:٢٥٥) أي لا يقدرون على أن يحيطوا بشيء من العلوم التي يعلمها، أو التي يمكن تعلمها إلا بما يشاؤه؛ فلا يعلمون المغيبات الخفية بل ولا يعلمون، البعث وما بعده، والحشر وتفاصيله إلا بما علمهم، وبما فتح عليهم.
والحاصل أن الله تعالى موصوف بأنه بكل شيء محيط؛ كما أخبر بذلك في عدة آيات؛ في سورة البروج وفي سورة فصلت، وفي آخر سورة الطلاق ونحوها.
هذا معنى الإحاطة، ويدخل في ذلك علوم الخلق أي أنه عالم بهم وبمعلوماتهم، وكذلك أيضا: أنه مع علمه بها فإنه قد أثبتها. وهذان يإتيان إن شاء الله في الكلام على القدر؛ أن الله علم الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ حيث (قال الله تعالى للقلم: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة) ، ومعلوم أنه لا يكتب إلا ما أمره الله به، فكل شيء كائن قد سطر في اللوح المحفوظ، فالله قد أحاط بكل شيء علماً؛ هذه صفة كمال.
стр. 1121
الصفة الثانية: العلم، وقوله: (وسع كل شيء رحمة وحلماً) ، وسع كل شيء رحمة، ووسع كل شيء حلماً؛ معلوم أن السعة والاتساع والتفسح بمعنى واحد. وسع يعني امدَّ إلى ما لا نهاية له، فالله تعالى وسع سمعه الأصوات، ووسع علمه المعلومات والمخلوقات كلها، ووسعت رحمته المخلوقات يعني اتسعت رحمته، فرحم الخلق كلهم أولهم وآخرهم، وكذلك اتسع حلمه للخلق كلهم فحلم عنهم كما يشاء.
ومعروف أن هذه الصفات الفعلية كصفة الرحمة، وصفة الحلم مما يثبتها أهل السنة، أما الأشاعرة ونحوهم فينكرون الصفات الفعلية كالرحمة والحلم ونحو ذلك.
فمن أسماء الله تعالى: (الحليم) وقد ورد في عدة آيات، منها قوله تعالى: (إنه كان حليماً غفوراً) (الإسراء:٤٤) ، والحليم هو الذي لا يعجل، الحليم الذي يحلُم عن الخلق بمعنى أنه لا يعاقبهم؛ أي يعفو عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة. والحليم من الناس هو المتأني؛ يقال: فلان معه حِلْم، يعني تأن في الأمور، وتثبت، وعدم تسرع، وعدم معاجلة بالعقوبة على أية ذنب صغير أو كبير، بل يحلُم عن هذا.
حَلُمت عن فلان لما ظلمني، ولما أساء إليَّ، أنا أحلُم عمن ظلمني؛ لا أستعجل العقوبة لمن أساء إليًّ فالحلم صفة شريفة، وإذا كانت من أفضل الصفات، فالله تعالى متصف بكل الصفات التي هي صفات الكمال هذا هو معنى الحلم.
الصفة الثالثة: القهر. وقوله: (وقهر كل مخلوق عزة وحكماً) . انظر كيف فرق؛ هناك (رحمة وحلماً) لما ذكر السعة، وهنا (عزة وحكماً) لما ذكر القهر.
القهر هو القوة والغلبة؛ قهرها يعني غلبها وقوي عليها، واستولى عليها، وصارت تحت سلطانه وتحت سيطرته، وتحت تصرفه لا تملك لنفسها أي نوع من أنواع التصرف إلا بإذن الله تعالى؛ فهي مخلوقة وذليلة ومهينة، فالله تعالى هو الذي يتصرف فيها كما يشاء ولا يخرج أحد عن قهر الله.
стр. 1122
وإذا قلت: إن هناك من طغى وبغى، وهناك من تجبر وعتا، وهناك من كفر ونفر، وهناك من تعدى طوره؛ فأين هؤلاء من قهر الله؟ أليسوا مقهورين؟ أليسوا يلينون لعزة الله ويذلون لها؟ أليسوا مهانين؟ أليسوا مملوكين تحت ملك الله تعالى؟ فما هذا الطغيان؟ وما هذا العسف؟ وما هذا التجبر؟ وما هذا الظلم الذي صدر منهم؟ وما هذا العتو والعدوان على عباد الله الذي نشاهده من الكفرة ونحوهم؟ أين قهر الخالق تعالى لهم؟ أين إذلاله لهم؟ أين السيطرة عليهم؟ .
الجواب: أن هذا لا ينافي كونه سبحانه قاهراً لكل مخلوق قهراً قوياً، وله سبحانه الغلبة والسيطرة على المخلوقات، ولكن تأمل كلامنا السابق عن صفة الحلم، وأنه يحلُم ولا يعجل، يمهل ولا يهمل، يسمع ويَعلم أفعالهم وتعديهم، ولكنه يمهلهم إلى أجل وإلى حين، فعند ذلك ينتقم منهم، وهو العزيز ذو الانتقام، فلا يغتر الظالم بجبروته، وبقوته وسيطرته، وبما أعطي من القوة؛ فإنه مقهور ومستولى عليه، ولا بد أن يؤخذ الحق منه.
أيحسب الظالم في ظلمه ... أهمله القادر أم أمهلا
ما أهملهم بل لهم موعد ... لن يجدوا من دونه موئلا
فلا يحسب أنه مهمّل، بل إن الله تعالى يمهل ولا يهمل، يمهلهم إلى أجل؛ قال النبي ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) . ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:١٠٢) .
وقال في حديث آخر: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج. ثم تلا رسول الله ﷺ : (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) (الأنعام،:٤٤) .
وقال تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين) (القلم:٤٤-٤٥) .
стр. 1123
فالله تعالى يملي لهم ويمهلهم سنوات وعشرات السنين، ولكن إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فإما أن يبطش بهم، وإما أن يسلط عليهم من هو أقوى منهم؛ إذاً فهذه الصفة صفة صحيحة ثابتة لله تعالى ندين بها، ولا نقول: إن هناك من خرج عن قهر الله، أو خرج عن غلبة الله، ولا أن هناك من اغتر بنفسه وليس لله قدرة عليه، فلله تعالى قدرة على الجميع.
فالله تعالى قادر على كل شيء، وكل الخلق تحت تصرفه، وفي قبضته، وينتقم منهم إذا شاء، ويسلط عليهم من ينتقم منهم، أو يعمهم بالعقوبة؛ إذاً فلا يغتروا بالإمهال، يا أيها الظالم في فعله يا من تماديت واعتقدت أنك من الناجين لا تغتر بذلك، فالظلم مردود على من ظلم، والله تعالى ينتقم من الظالم ويأخذه أخذ عزيز مقتدر، هذا معنى قوله: (قهر كل مخلوق عزة وحكماً) .
قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) هذه الآية مشتملة أيضاً على صفة من الصفات الفعلية الذاتية، فإن العلم صفة ذاتية فعلية بمعنى أن الله لا يمكن أن يتصف بفقد العلم، فالعلم صفة ذاتية لله تعالى. قال سبحانه: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (الحديد: ٢٢) ، معرفة ذلك سهلة يسيرة على الله تعالى، كذلك قال تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) في عدة آيات.
وقد فسر قوله: (ما بين أيديهم) بأنه ما قد ملكوه (وما خلفهم) ما سوف يحصلون عليه ويتملكون عليه.
وفسر (ما بين أيديهم) يعني الخلق الذين قد مضوا، (وما خلفهم) الذين سوف يخلقون فيما بعد، وفسر (ما بين أيديهم) يعني ما أمامهم مما يشاهدونه (وما خلفهم) أي ما وراء ظهورهم مما لا يشاهدونه.
والأقرب أن الآية عامة، وأما الأصل، فإن الله يعلم ما قبلهم وما بعدهم، ويعلم ما أحاطوا به الآن، وما سوف يعلمونه فيما بعد، يعلم ذلك كله.
стр. 1124
قوله: (ولا يحيطون به علماً) أي لا يعلمون علماً يقينيا ً بذات الله تعالى أي لا يعلمون علم الرب، وإنما يعلمون من صفاته ما أطلعهم عليه، هذا هو الأصل.
مسألة: طريقة أهل السنة في إثبات الصفات
قوله:
موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم.
شرح:
تتكرر هذه العبارة في كتب العقائد، ويدين بها أهل السنة؛ يقولون: إن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ؛ وإذا قلنا ذلك فإننا نعترف بهذه الصفات التي وصف بها نفسه، ونصفه بها، ولا نتحاشى، بل نجسر عليها ونتكلم بها حيث أنه أخبر بها عن نفسه، ولو كان في ذلك ما يكون، ولو استنكرها من يستنكرها، ولا عبرة بمن يستوحش عندما تذكر صفات الله تعالى كصفة العلو، وصفة الاستواء، وصفة النزول كما يشاء، وصفة اليد، وصفة الوجه، وصفة الرحمة، وصفة المحبة، وما أشبه ذلك.
فالله تعالى قد أثبت هذه الصفات، وكذلك أثبتها نبيه ﷺ ؛ فإذا كانت ثابتة أفلا يثبتها المسلم لا شك أن إثباتها من دين الإسلام، وذلك لأن الدليل عليها قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة؛ وهو ما أثبت في القرآن، فهل هناك شيء أصح من القرآن، ثم يليه الكتب الصحيحة كالصحيحين وغيرهما من الكتب التي تعتني بالصحيح.
وهذه الكتب مشتملة على صفات ثابتة قطعية الثبوت، ثم هي أيضاً قطعية الدلالة، دلالتها صريحة يعرفها كل عربي فاهم للغة يعرف ما تدل عليه، فمن الذي يشك في أن العرش سرير الملك؟ أثبت الله لنفسه العرش فنثبت أن لله عرشاً، وكذلك من الذي يشك أن العلو هو الارتفاع لغة؟ فنثبت لله العلو، ومن الذي يشك في أن السمع هو إدراك الأصوات، وأن البصر هو إدراك المرئيات؟ معروف أن هذه الصفات لفظها واضح من اللغة.
стр. 1125
فإذا سمعنا هذه الصفات تجرأنا على أن نثبتها لله ولا نتحاشى، بل نجسر على إثباتها ولو شنّع علينا من شنع، ولو أنكر علينا من أنكر؛ وما ذاك إلا لأن دلالتها واضحة لا تحتمل خفاء، وليس فيها غموض.
فطريقة أهل السنة أن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله وجميع الأنبياء في كتبهم المنزلة وفي شرائعهم وسننهم، وذلك لأنه تعالى أعلم بنفسه، ورسله أعلم بمن أرسلهم، فإذا وصف نفسه بصفة، وأثبتها لنفسه، فكيف ننفيها، وكيف ننكرها؟ ما الدليل على ذلك، وما السبب في ردها؟
لا شك أنها إذا كانت قطعية ورددناها، وقلنا: إن العقل ينكرها ويستبعدها؛ كنا قد حكّمنا العقول في شرع الله، وهذا لا شك أنه جرأة على الله تعالى، وتحكيم للعقل الضعيف الذي يعتريه التغير في ذات الرب تعالى الذي أثبت لنفسه كل كمال، ونفى عن نفسه كل نقص.
وبكل حال؛ فمعنى هذه الجملة: أن الله تعالى موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسول الله ﷺ في سنته، وأن كل ما ثبت فإننا نقول به.
وأما ما روي من الأدلة التي لم تثبت فلا نقول به لضعف المتمسك، فإذا كان هناك أحاديث ضعيفة مشتملة على بعض الصفات، فلا تثبت بها الصفات، وإنما تثبت الصفات بالأحاديث الصحيحة، ولو لم تبلغ حد التواتر ما دام أنها متلقاة بالقبول، وثابتة بالأسانيد الصحيحة، فإنا نثبت ما دلت عليه.
فمثلاً صفة النزول: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ... إلخ) الحديث.
ذكر بعض العلماء أنه مروي عن نحو عشرة من الصحابة من طرق بعضها في الصحيحين، فكيف نردها بمجرد العقول؟ إن كثيراً ممن ينكر الصفات من أشاعرة ونحوهم إذا سمعوا هذا الحديث نفروا منه.
следующие страницы →