← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الصفة الثانية: العلم، وقوله: (وسع كل شيء رحمة وحلماً) ، وسع كل شيء رحمة، ووسع كل شيء حلماً؛ معلوم أن السعة والاتساع والتفسح بمعنى واحد. وسع يعني امدَّ إلى ما لا نهاية له، فالله تعالى وسع سمعه الأصوات، ووسع علمه المعلومات والمخلوقات كلها، ووسعت رحمته المخلوقات يعني اتسعت رحمته، فرحم الخلق كلهم أولهم وآخرهم، وكذلك اتسع حلمه للخلق كلهم فحلم عنهم كما يشاء. ومعروف أن هذه الصفات الفعلية كصفة الرحمة، وصفة الحلم مما يثبتها أهل السنة، أما الأشاعرة ونحوهم فينكرون الصفات الفعلية كالرحمة والحلم ونحو ذلك. فمن أسماء الله تعالى: (الحليم) وقد ورد في عدة آيات، منها قوله تعالى: (إنه كان حليماً غفوراً) (الإسراء:٤٤) ، والحليم هو الذي لا يعجل، الحليم الذي يحلُم عن الخلق بمعنى أنه لا يعاقبهم؛ أي يعفو عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة. والحليم من الناس هو المتأني؛ يقال: فلان معه حِلْم، يعني تأن في الأمور، وتثبت، وعدم تسرع، وعدم معاجلة بالعقوبة على أية ذنب صغير أو كبير، بل يحلُم عن هذا. حَلُمت عن فلان لما ظلمني، ولما أساء إليَّ، أنا أحلُم عمن ظلمني؛ لا أستعجل العقوبة لمن أساء إليًّ فالحلم صفة شريفة، وإذا كانت من أفضل الصفات، فالله تعالى متصف بكل الصفات التي هي صفات الكمال هذا هو معنى الحلم. الصفة الثالثة: القهر. وقوله: (وقهر كل مخلوق عزة وحكماً) . انظر كيف فرق؛ هناك (رحمة وحلماً) لما ذكر السعة، وهنا (عزة وحكماً) لما ذكر القهر. القهر هو القوة والغلبة؛ قهرها يعني غلبها وقوي عليها، واستولى عليها، وصارت تحت سلطانه وتحت سيطرته، وتحت تصرفه لا تملك لنفسها أي نوع من أنواع التصرف إلا بإذن الله تعالى؛ فهي مخلوقة وذليلة ومهينة، فالله تعالى هو الذي يتصرف فيها كما يشاء ولا يخرج أحد عن قهر الله.

стр. 1122

وإذا قلت: إن هناك من طغى وبغى، وهناك من تجبر وعتا، وهناك من كفر ونفر، وهناك من تعدى طوره؛ فأين هؤلاء من قهر الله؟ أليسوا مقهورين؟ أليسوا يلينون لعزة الله ويذلون لها؟ أليسوا مهانين؟ أليسوا مملوكين تحت ملك الله تعالى؟ فما هذا الطغيان؟ وما هذا العسف؟ وما هذا التجبر؟ وما هذا الظلم الذي صدر منهم؟ وما هذا العتو والعدوان على عباد الله الذي نشاهده من الكفرة ونحوهم؟ أين قهر الخالق تعالى لهم؟ أين إذلاله لهم؟ أين السيطرة عليهم؟ . الجواب: أن هذا لا ينافي كونه سبحانه قاهراً لكل مخلوق قهراً قوياً، وله سبحانه الغلبة والسيطرة على المخلوقات، ولكن تأمل كلامنا السابق عن صفة الحلم، وأنه يحلُم ولا يعجل، يمهل ولا يهمل، يسمع ويَعلم أفعالهم وتعديهم، ولكنه يمهلهم إلى أجل وإلى حين، فعند ذلك ينتقم منهم، وهو العزيز ذو الانتقام، فلا يغتر الظالم بجبروته، وبقوته وسيطرته، وبما أعطي من القوة؛ فإنه مقهور ومستولى عليه، ولا بد أن يؤخذ الحق منه. أيحسب الظالم في ظلمه ... أهمله القادر أم أمهلا ما أهملهم بل لهم موعد ... لن يجدوا من دونه موئلا فلا يحسب أنه مهمّل، بل إن الله تعالى يمهل ولا يهمل، يمهلهم إلى أجل؛ قال النبي ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) . ثم قرأ: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:١٠٢) . وقال في حديث آخر: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج. ثم تلا رسول الله ﷺ : (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) (الأنعام،:٤٤) . وقال تعالى: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين) (القلم:٤٤-٤٥) .

стр. 1123

فالله تعالى يملي لهم ويمهلهم سنوات وعشرات السنين، ولكن إذا أخذهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، فإما أن يبطش بهم، وإما أن يسلط عليهم من هو أقوى منهم؛ إذاً فهذه الصفة صفة صحيحة ثابتة لله تعالى ندين بها، ولا نقول: إن هناك من خرج عن قهر الله، أو خرج عن غلبة الله، ولا أن هناك من اغتر بنفسه وليس لله قدرة عليه، فلله تعالى قدرة على الجميع. فالله تعالى قادر على كل شيء، وكل الخلق تحت تصرفه، وفي قبضته، وينتقم منهم إذا شاء، ويسلط عليهم من ينتقم منهم، أو يعمهم بالعقوبة؛ إذاً فلا يغتروا بالإمهال، يا أيها الظالم في فعله يا من تماديت واعتقدت أنك من الناجين لا تغتر بذلك، فالظلم مردود على من ظلم، والله تعالى ينتقم من الظالم ويأخذه أخذ عزيز مقتدر، هذا معنى قوله: (قهر كل مخلوق عزة وحكماً) . قوله تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) هذه الآية مشتملة أيضاً على صفة من الصفات الفعلية الذاتية، فإن العلم صفة ذاتية فعلية بمعنى أن الله لا يمكن أن يتصف بفقد العلم، فالعلم صفة ذاتية لله تعالى. قال سبحانه: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (الحديد: ٢٢) ، معرفة ذلك سهلة يسيرة على الله تعالى، كذلك قال تعالى: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) في عدة آيات. وقد فسر قوله: (ما بين أيديهم) بأنه ما قد ملكوه (وما خلفهم) ما سوف يحصلون عليه ويتملكون عليه. وفسر (ما بين أيديهم) يعني الخلق الذين قد مضوا، (وما خلفهم) الذين سوف يخلقون فيما بعد، وفسر (ما بين أيديهم) يعني ما أمامهم مما يشاهدونه (وما خلفهم) أي ما وراء ظهورهم مما لا يشاهدونه. والأقرب أن الآية عامة، وأما الأصل، فإن الله يعلم ما قبلهم وما بعدهم، ويعلم ما أحاطوا به الآن، وما سوف يعلمونه فيما بعد، يعلم ذلك كله.

стр. 1124

قوله: (ولا يحيطون به علماً) أي لا يعلمون علماً يقينيا ً بذات الله تعالى أي لا يعلمون علم الرب، وإنما يعلمون من صفاته ما أطلعهم عليه، هذا هو الأصل. مسألة: طريقة أهل السنة في إثبات الصفات قوله: موصوف بما وصف به نفسه في كتابه العظيم وعلى لسان نبيه الكريم. شرح: تتكرر هذه العبارة في كتب العقائد، ويدين بها أهل السنة؛ يقولون: إن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ؛ وإذا قلنا ذلك فإننا نعترف بهذه الصفات التي وصف بها نفسه، ونصفه بها، ولا نتحاشى، بل نجسر عليها ونتكلم بها حيث أنه أخبر بها عن نفسه، ولو كان في ذلك ما يكون، ولو استنكرها من يستنكرها، ولا عبرة بمن يستوحش عندما تذكر صفات الله تعالى كصفة العلو، وصفة الاستواء، وصفة النزول كما يشاء، وصفة اليد، وصفة الوجه، وصفة الرحمة، وصفة المحبة، وما أشبه ذلك. فالله تعالى قد أثبت هذه الصفات، وكذلك أثبتها نبيه ﷺ ؛ فإذا كانت ثابتة أفلا يثبتها المسلم لا شك أن إثباتها من دين الإسلام، وذلك لأن الدليل عليها قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة؛ وهو ما أثبت في القرآن، فهل هناك شيء أصح من القرآن، ثم يليه الكتب الصحيحة كالصحيحين وغيرهما من الكتب التي تعتني بالصحيح. وهذه الكتب مشتملة على صفات ثابتة قطعية الثبوت، ثم هي أيضاً قطعية الدلالة، دلالتها صريحة يعرفها كل عربي فاهم للغة يعرف ما تدل عليه، فمن الذي يشك في أن العرش سرير الملك؟ أثبت الله لنفسه العرش فنثبت أن لله عرشاً، وكذلك من الذي يشك أن العلو هو الارتفاع لغة؟ فنثبت لله العلو، ومن الذي يشك في أن السمع هو إدراك الأصوات، وأن البصر هو إدراك المرئيات؟ معروف أن هذه الصفات لفظها واضح من اللغة.

стр. 1125

فإذا سمعنا هذه الصفات تجرأنا على أن نثبتها لله ولا نتحاشى، بل نجسر على إثباتها ولو شنّع علينا من شنع، ولو أنكر علينا من أنكر؛ وما ذاك إلا لأن دلالتها واضحة لا تحتمل خفاء، وليس فيها غموض. فطريقة أهل السنة أن الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه رسوله وجميع الأنبياء في كتبهم المنزلة وفي شرائعهم وسننهم، وذلك لأنه تعالى أعلم بنفسه، ورسله أعلم بمن أرسلهم، فإذا وصف نفسه بصفة، وأثبتها لنفسه، فكيف ننفيها، وكيف ننكرها؟ ما الدليل على ذلك، وما السبب في ردها؟ لا شك أنها إذا كانت قطعية ورددناها، وقلنا: إن العقل ينكرها ويستبعدها؛ كنا قد حكّمنا العقول في شرع الله، وهذا لا شك أنه جرأة على الله تعالى، وتحكيم للعقل الضعيف الذي يعتريه التغير في ذات الرب تعالى الذي أثبت لنفسه كل كمال، ونفى عن نفسه كل نقص. وبكل حال؛ فمعنى هذه الجملة: أن الله تعالى موصوف بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصفه به رسول الله ﷺ في سنته، وأن كل ما ثبت فإننا نقول به. وأما ما روي من الأدلة التي لم تثبت فلا نقول به لضعف المتمسك، فإذا كان هناك أحاديث ضعيفة مشتملة على بعض الصفات، فلا تثبت بها الصفات، وإنما تثبت الصفات بالأحاديث الصحيحة، ولو لم تبلغ حد التواتر ما دام أنها متلقاة بالقبول، وثابتة بالأسانيد الصحيحة، فإنا نثبت ما دلت عليه. فمثلاً صفة النزول: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ... إلخ) الحديث. ذكر بعض العلماء أنه مروي عن نحو عشرة من الصحابة من طرق بعضها في الصحيحين، فكيف نردها بمجرد العقول؟ إن كثيراً ممن ينكر الصفات من أشاعرة ونحوهم إذا سمعوا هذا الحديث نفروا منه.

стр. 1126

حتى إنه حدثني بعض التلاميذ من الذين اعتقدوا العقيدة الصحيحة أنه تكلم مرة بعد صلاة الجمعة وأخذ يرغب في قيام الليل، وأورد هذا الحديث: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) البخاري ومسلم، فقال: إن هذا فيه حث على قيام الليل، فلما سمع الإمام -وكان أشعرياً- هذا الحديث هرب وخرج استنكاراً له حيث إنهم يقولون: إنه لا يدل على صفة، وإنه لا يستدل به لكونه ليس بمتواتر، ونحو ذلك. واصطلح هؤلاء الأشاعرة ونحوهم -الذين سموا علمهم بعلم الكلام- على أن الصفات لا تثبت بالأحاديث إلا إذا كانت متواترة، وأما أحاديث الآحاد فلا تقبل في الصفات، لأنهم اصطلحوا على أن المتواتر يفيد اليقين، وأن الآحاد يفيد الظن، وقالوا: لا يمكن أن تكون صفات الله دلالتها دلالة ظن، فلا نثبتها بالأحاديث التي لم تبلغ درجة التواتر، بل نرد كل حديث في الصفات إذا لم يبلغ حد التواتر. ونحن إذا نظرنا لم نجد الأحاديث المتواترة إلا قليلة، مثل أحاديث الشفاعة، مع أن المعتزلة ردوا أحاديث الشفاعة، وقد بلغت حد التواتر، فلم يعملوا باصطلاحهم، وأحاديث النزول ردوها لأنها في نظرهم آحاد، وكذلك بقية الصفات مثل حديث العجب، وحديث الضحك، وحديث النداء، وحديث الكلام، وحديث الصوت؛ كلها ردوها، وقالوا: إنها ظنية لأنها آحاد، فلا نقبل إلا ما هو متواتر، سبحان الله ألستم قبلتموها في الأحكام وفي الأوامر والنواهي، وفي الحلال والحرام فلماذا تقبلونها هنا وتردونها هناك؟ ألستم في هذا كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض؟ ألستم كمن يقول: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً) (النساء:١٥٠) .

стр. 1127

هذه طريقتهم أما طريقتك -أيها المسلم- فإنك تأخذ كل ما ثبت، وأنك تقبله وتتقبله وتؤمن به إيماناً كاملاً حتى لا يعتريك في ثبوته شك، وأنها صفات ثابتة لله تعالى، أثبتها الله الذي هو أعلم بنفسه، وأثبتها له رسول الله ﷺ الذي هو أعلم بمرسله. مسألة: التسليم والقبول لآيات وأحاديث الصفات قوله: وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى ﵇ من صفة الرحمن وجب الإيمان به، وتلقيه بالتسليم والقبول، وترك التعرض له بالرد والتأويل والتشبيه والتمثيل. شرح: هذا الكلام -أيضاً- توضيح لما قبله، يعني: كل ما جاء في القرآن فإنه ثابت قطعي الدلالة من صفات الرب تعالى، وجب قبوله ووجب الإيمان به، وكل ما صح عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحيحة الثابتة، التي تلقتها الأمة بالقبول وجب الإيمان به أيضاً، ووجب اعتقاد مدلوله، ووجب اعتقاد صحته، وأنه صحيح ثابت ليس في شك ولا توقف. ومعلوم أن القرآن لا خلاف في دلالته من حيث الثبوت، ولكن كيف يرده هؤلاء الذين اعتمدوا العقول؟؛ يقولون: إنه قطعي الثبوت، ولكن ليس قطعي الدلالة، فدلالته ظنية لأنها محتملة للتأويل، وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال، هكذا يعبرون، ونحن نقول: إن احتمالكم الذي تقولونه؛ احتمال ضعيف، احتمال بعيد لا يؤبه له. مسألة: الكلام في المشكل من النصوص قوله: وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعاً لطريق الراسخين في العلم الذين أثنى الله عليهم في كتابه المبين بقوله : (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران: ٧) . شرح:

стр. 1128

قد تأتي بعض الصفات مشكلة على بعض الناس فيفهم منها التشبيه، أو يفهم شيئاً لا يليق بالله تعالى، ففي هذه الحال نقبلها لفظاً ونعرف أن لها معنى، ولكن نتوقف في الكيفية، ونتوقف عن التقعر في السؤال عن كيفيتها، وننزهها عن أن تكون مماثلة لصفات المخلوق، أو أن يفهم منها نقص في حق الخالق. وأكثر من يحتج به النفاة من الأشاعرة ونحوهم في نفي الصفات، إذا أثبتناها لهم وقلنا: دل عليها القرآن فما دليلكم في النفي؟، فأكثر ما يحتجون به: أنها تحدث، وأنها تتجدد فيقولون: إن الله منزه عن حلول الحوادث فلا تحل به الحوادث. وهذه أكبر شبهة عندهم، وهذه الجملة لا دليل عليها، فكلمة حلول الحوادث إنما هي اصطلاح اصطلح عليه هؤلاء النفاة فجعلوه دليلاً قاطعاً في نفي الصفات. فنقول: ما الذي حملكم على أن تقولوا: "ليس محلاً للحوادث أو هو محل للحوادث"؛ أثبتوا الصفات واتركوا "محل الحوادث، أو ليس محل حوادث" وكلُوا أمرها إلى الله تعالى. وقد يوجد بعض الصفات التي يُشكل ظاهرها فيتوقف بعض أهل السنة فيها، ولكنهم يثبتونها حقيقة، وإذا أُوردت عليهم الإشكالات قالوا: ليس لنا تدخل في ذلك. فمثلاً إذا قال النفاة: لو كان على العرش لكان أصغر من العرش، أو أكبر، أو مساوياً؛ وكل ذلك محال -هذا من افتراضاتهم- فنقول: ليس لنا أن نخوض في هذا بل نقول إنه على العرش كما أخبر، ولكن لا نخوض في إشكالاتكم هذه ونحوها، الله تعالى أخبر عن نفسه بهذا وهو أعلم بنفسه. ومثلاً إذا ذكر النزول وذكر حديث: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا ... الحديث) يوردون -أيضاً- إشكالاً؛ ويقولون: معلوم أن العرش فوق المخلوقات وهو سقفها، فعند نزوله؛ هل يخلو منه العرش؟ هل تحصره السماء الدنيا التي ينزل فيها؟ وإلى متى يستمر هذا النزول؟ وهل ينزل العرش معه؟

стр. 1129

هذا الافتراضات لا حاجة إليها، ولا نتدخل فيها، هذه إشكالات أوردتموها أنتم ولا حاجة لنا في البحث عنها، نحن نثبت النزول، ولكن كيفيته الله أعلم بها -كما سيأتينا الكلام على النزول إن شاء الله. كذلك من الصفات التي أدلتها صحيحة، ولكنها مشكلة؛ ومع هذا يجب أن تُثبت، وتفوض كيفيتها إلى الله؛ مثل حديث الصورة (خلق الله آدم على صورته ... الحديث) ، فقد كثر الكلام حوله حتى ألفت فيه مؤلفات مفردة، وأثبته الذين كتبوا فيه، فإذا أثبتنا أن الحديث صحيح، وأنه من أحاديث الصفات، قلنا: نثبته، ولكن نتوقف في كيفيته. ونقول: إن الله ليس كمثله شيء، وأنه سبحانه قد أخبر بهذا، وأخبر به رسوله، وليس لنا أن نتقعر في نفي ذلك. وبكل حال ما أشكل من ذلك -كما قال ابن قدامة: (وجب إثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه) يعني كيفيته، هذا هو الصحيح، أما معانيه اللغوية فإنها ظاهرة، ونجعل عهدته على ناقليه ونثق بهم ونقول: العهدة والمسؤولية عليهم، وذلك لأنهم هم الذين نقلوا لنا السنة والشريعة، بل هم الذين نقلوا القرآن كله والأحاديث كلها؛ فكيف نرد هذا الحديث وحده، أو هذه السنة وحدها، فالذي نقلها هو الذي نقل غيرها من الأحكام. فنجعل عهدته على ناقله أي المسؤولية عليه إن كان خطأ، ونكل علمه -يعني الكيفية والماهية- إلى قائله؛ أي إلى الله تعالى، وإلى رسوله ﷺ ، هذا في الشيء الذي يشكل علينا في الكيفيات ونحوها. هذه طريقة الراسخين في العلم؛ والرسوخ هو التمكن، يقال: رسخ في كذا يعني تمكن فيه، فالراسخ العالم الذي تمكن العلم منه وتمكن من العلم، والمراد بالعلم هنا العلم الصحيح الذي هو ميراث الأنبياء، فهو العلم الذي من علمه وفهمه وأحاط به سمي راسخاً في العلم. والله تعالى مدح الراسخين في العلم، فقال تعالى: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران:٧) .

стр. 1130

قسم الله تعالى الآيات في أول سورة آل عمران إلى محكمات ومتشابهات، فأخبر بأن أهل الزيغ يتبعون المتشابه، وأن الراسخين يقبلون الجميع: يقبلون المتشابه ويقبلون المحكم، ويقولون: آمنا بالجميع، كل من عند ربنا، ويدعون الله فيقولون: (ربنا لا تزغ قلوبنا) (آل عمران:٨) أي لا تجعلنا مثل الذين في قلوبهم زيغ -يعني ميل وانحراف- فنضل عن سبيلك. دعوا الله دعوة صادقة وهم على صواب وعلى حق. فطريقتهم أنهم يقولون: نؤمن بالمحكم ونعمل به، ونؤمن بالمتشابه ونقبله، ولكن لا نتقعر في معناه ولا نرده ولا نتأوله، ولا نحمله على ما نفهمه من صفات المخلوقين فنكون ممثلين، ولا نتكلف في رده وإبطاله فنلحق بالمعطلين. مسألة: التأويل المذموم قوله: وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) (آل عمران:٧) . شرح: هذا ذم لهذه الطائفة الذين هم الزائغون؛ والزيغ هو الميل والانحراف، ويكون في القلب وهو أشده، قال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) (الصف:٥) يعني أنهم فعلوا أفعالاً صاروا بها زائغين، يعني مائلين عن الحق؛ فعاقبهم الله تعالى بان أزاغ قلوبهم، والجزاء من جنس العمل. فهؤلاء الزائغون الذين في قلوبهم زيغ أي ميل عن الحق وانحراف عنه؛ ذمهم الله تعالى: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران:٧) يتبعون المتشابه معناه: أنهم إذا وجدوا المتشابه إما أن يطعنوا به في الشريعة ويقولوا: هذه الشريعة تجمع بين الحق والباطل، فيأخذون المتشابه ويجعلونه طعناً في الدين، وإما أنهم يجعلونه عقيدة لهم ولو كان دالاً على التعطيل، أو دالاً على التمثيل، وهذه طريقة زائغة منحرفة.

стр. 1131

فالتأويل الذي ذمهم الله به: (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران:٧) يعني: تحريفه وتصريفه عن دلالته، والفتنة هي الشبهة، أو التشبيه الذي يوقع في الضلال، أو التحريف أو نحو ذلك، والحاصل أنهم يتبعون المتشابه. روي في سبب النزول أن بعض النصارى تمسكوا بالآيات التي فيها ضمائر الجمع فقالوا: هذه دالة على أن الخالق متعدد، مثل قوله: (نحن قسمنا) (الزخرف:٣٢) ، (إنا أنزلناه) (القدر:١) ، (إنا أعطيناك) (الكوثر:١) ، (إنا فتحنا) (الفتح:١) ، فقالوا: هذا دليل على أن هناك آلهة كثيرة فيكون عيسى، وأمه، والله؛ هم الذين خلقوا هذا الخلق، فجعلوه من المتشابه، أي أنهم استدلوا بضمائر الجمع على تعدد الآلهة، وهذا خطأ واضح؛ وذلك لأن الله تعالى يذكر نفسه بضمير الجمع للدلالة على التعظيم، فإن الأمير يعظم نفسه فيذكر نفسه بلفظ الجمع: نحن فعلنا، ونحن غزونا، ونحن أمرنا، مع أنه واحد، فالله تعالى أحق بأن يعظم نفسه. ولكن كيف يتخذون هذا دليلاً على تعدد الآلهة؟ هذا من زيغ في قلوبهم، وهذا ابتغاء للفتنة؛ أن يفتنوا الجهال، وهذا طلب للتشبيه، يعني أنهم يشبهون صفات الخالق بصفات المخلوق أو أنهم يريدون الوقوف على تأويل الكلمات، وبكل حال فهذا من الزيغ، والله تعالى ذم الذين في قلوبهم زيغ بهذه الجملة؛ أنهم يتبعون ما تشابه منه من الآيات. ويدخل في اتباع المتشابه ما قد يفهمه بعض المعتزلة من الجمل التي في ظاهرها تأييد لمذهبهم، وهو إنكار قدرة الله تعالى، فيتمسكون بالآيات التي فيها تفويض القدرة إلى العباد، ويجعلونها هي المحكم. بينما الأشاعرة والجبرية ونحوهم يتمسكون بالآيات التي فيها تفويض الأمر إلى الله، وأنه هو الذي فعل ما يشاء، ويجعلونها هي المحكم، ويجعلون المتشابه ما سواها.

стр. 1132

والصحيح أن آيات الصفات من المحكم وليست من المتشابه، وذلك بالنسبة إلى مدلولها، أي إنها دالة على صفات، وأن تلك الصفات مفهومة المعنى إلا أن الكيفية التي هي عليها من المتشابه، فالذين يأخذون تلك الآيات ويجعلونها دالة على التشبيه؛ هؤلاء يبتغون الفتنة، ويبتغون تأويله، وكذلك غيرهم، وبكل حال: هذا مقصد سيئ (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) (آل عمران:٧) . قوله: فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أملوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه بقوله سبحانه: (وما يعلم تأويله إلا الله) (آل عمران:٧) . شرح: جعل علامة زيغهم أنهم يبتغون تأويله، وكذلك أيضاً: يبتغون الفتنة، وقرن ابتغاء الفتنة بابتغاء التأويل، والفتنة هي فتنة الناس عن دينهم، يريدون أن يفتنوا أهل السنة حتى يضلوهم، يريدون أن يفتنوا الجهلة حتى يخدعوهم عن ما هم عليه، ويصرفوهم إلى معتقدات سيئة، فهذه الفتنة كم افتتن بها من الجهال؟ ولا يزالون إلى هذا اليوم، لا يزال دعاة الضلال يشبهون ويموهون على الجهال حتى يحرفوهم ويصرفوهم عن معتقد أهل السنة، كثير من دعاة الضلال لا يزالون في كل مكان إذا جاءتهم الآيات جعلوها في جانبهم، وأخذوا يفسرون مدلولها على ما يذهبون إليه، وقالوا: هذه دالة على مذهبنا ونحن على حق، أو صواب. وهم في الحقيقة بعيدون عن الصواب، وقصدهم دعوة الناس إلى المعتقد الذي هم عليه؛ وذلك لأن كل من اعتقد عقيدة زين له أنها هي الصواب، فإن كان صوفياً دعا إلى تصوفه، وإن كان قبورياً دعا إلى تعظيم القبور ونحوها، وإن كان معتزلياً أو قدرياً أو جبرياً أو مرجئاً أو رافضياً أو مبتدعاً أي بدعة، فإنه يخيل إليه أن غيره على خطأ، وأنه هو المصيب، فلأجل ذلك: يحرص على أن يجد أدلة يستظهر منها الدلالة على ما هو عليه حتى يفتن الناس.

стр. 1133

فمثلاً القبوريون: قد يستدلون بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) (المائدة:٣٥) ويقولون: المراد: التوسل بالأموات إلى الله ودعاؤهم ليكونوا وسائط، وهذا من اتباع المتشابه، قال تعالى: (ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) (آل عمران:٧) . كذلك قد يستدلون بقوله تعالى: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب) (الإسراء:٥٧) ، فيقولون: إن هؤلاء ممدوحون أنهم يتوسلون بأيهم أقرب إلى الله تعالى فيبتغون إليه الوسيلة، ولا شك أن هذا صرف للمعنى عن المتبادر منه، فهذا من اتباع المتشابه، وهو أيضاً مما يوقع في الفتنة فالوسيلة هي القربة أي يتوسلون إلى رضاه بالقربات وأنواع الطاعات. ونجد مثلاً أن المعتزلة قد يستدلون على نفي الرؤية بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (الأنعام:١٠٣) وبقوله تعالى لموسى (لن تراني) (الأعراف:١٤٣) وهذا المتشابه، وسيأتينا الإجابة عنه عند الكلام على الرؤية، فمثل هؤلاء يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وقد ذكرنا أن أكثر النفاة يعتمدون قوله تعالى في آية الشورى: (ليس كمثله شيء) (الشورى:١١) ويجعلونها عمدتهم في نفي الصفات، ويقولون: إذا أثبتنا لله تعالى سمعاً، فقد شبهنا، والله سبحانه ليس كمثله شيء، وكذا إذا أثبتنا له صفة البصر، وغيرها، فيعتقدون أن إثبات الصفات تشبيه، وهذا من ابتغاء الفتنة، وابتغاء التأويل، وهو طريق الذين في قلوبهم زيغ. فالله تعالى حجبهم عن ما أمّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه في هذه الآية، يقول تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) (آل عمران:٧) قطع لأطماعهم. والكلام في تفسير هذه الآية معروف في كثير من أصول التفسير، وأصول الفقه ونحوها، وكذا الخلاف: هل الراسخون يعلمون تأويله؟

стр. 1134

فقد ذكر ذلك العلماء كثيراً، وتعرض له شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من كتبه، وذكر أن التأويل صار في اصطلاح الناس يطلق على ثلاثة أنواع: النوع الأول: التفسير. وهو اصطلاح بعض العلماء كابن جرير، فلا فرق عنده بين التفسير والتأويل، فهو يقول: القول في تأويل قوله تعالى. ثم يقول: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، أو يقول: وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ومراده التفسير، وكأنه اصطلح على أن إيضاح المعنى والمراد من الآيات آل إلى كذا وكذا، فسماه تأويلاً بالنسبة إلى ما آل إليه وشرح عليه. النوع الثاني: أن التأويل معناه حقيقة الشيء وماهيته، وما تؤول إليه ماهية الشيء التي هو عليها هو التأويل، أي ما يؤول إليه وما يرجع إليه كتمثيله وتطبيقه، تقول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقول في آخر حياته: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) يتأوله يعني يمثله أو يمتثل الأمر الذي أمر به في قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً) (النصر:٣) . والله تعالى يخبر عن مآل الأشياء ويسميها تأويلاً: (ذلك خير وأحسن تأويلاً) (الإسراء:٣٥) ، أي مالاً، ومنه قوله تعالى: (هل ينظرون إلا تأويله) (الأعراف:٥٣) المراد حقيقته، تأويل البعث: حصول النشور، والبعث من القبور، وتأويل الجزاء: إعطاء كل ثواب حسناته، أو جزاء سيئاته. يقال هذا تأويل قوله تعالى: (فأما من أوتي كتابه) (الحاقة:١٩) ، (وأما من أوتي كتابه) (الحاقة:٢٥) ، (فمن ثقلت موازينه) (الأعراف:٨) ، (ومن خفت موازينه) (الأعراف:٩) هذا تأويله يعني تحققه، وكذلك تأويل دخول الجنة: كون أهل الجنة يرون ما فيها ويقولون: هذا تأويل ما أخبرنا الله به؛ فتأويل الأشياء: حقائقها وما تؤول إليه. فهذان معنيان صحيحان؛ أن التأويل يأتي بمعنى التفسير، وأن التأويل يأتي بمعنى حقائق الأشياء وماهيتها.

стр. 1135

فإذا قيل إن الراسخين يعلمون التأويل؛ فالمراد بالتأويل: التفسير الذي تفسر به الكلمة ويشرح به معناها، وإذا قيل: إن التأويل لا يعلمه إلا الله؛ فالمراد: حقائق الأشياء وماهيتها وما هي عليه، يعني كيفية البعث، وكيفية الحشر، وكيفية نصب الموازين وكيفية نشر الصحف، وماهية تلك الصحف، وما مقدار المسافة، وكم في كل كتاب من صفحة ومن سطر، أو من كلمة. فكيفية ذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهكذا أيضاً: ما أخبر الله به عن الجنة وأنهارها وأشجارها وثمارها وقصورها، كل ذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، يعني ماهيته وكيفيته وحقيقته التي هو عليها. النوع الثالث: اصطلح المتأخرون من الأصوليين وأهل الكلام على أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يقترن به، إذا قالوا: هذه الآية تحتاج إلى التأويل أو لابد من التأويل أو نخوض في التأويل؛ فمرادهم بالتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره، فإذا قالوا: (استوى على العرش) ، يعني استولى؛ هذا تأويل حملنا عليه الفرار من التجسيم -كما يقولون- أو (استوى على العرش) استوى على الملك؛ هذا تأويل حملنا عليه الفرار من التشبيه. وهذا اصطلاح جديد حادث في القرون المتأخرة؛ فما كان السلف يعرفون في الاصطلاح أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بدليل يقترن به، بل التأويل عندهم هو المعنيان الأولان، أنه بمعنى التفسير أو أنه بمعنى الحقائق التي يؤول إليها الأمر.. مسألة: قول الإمام أحمد ﵁ في الصفات قوله:

стр. 1136

قال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁: في قول النبي ﷺ : (إن الله ينزل إلى سماء الدنيا) أو (إن الله يرى في القيامة) وما أشبه هذه الأحاديث نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى ولا نرد شيئاً منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول الله ﷺ ، ولا نصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:١١) . شرح: نقل ابن قدامة ﵀ بعض الآثار عن الأئمة، وقصده بذلك الاستئناس بها وليس اعتمادها، فقد قالها أئمة مقتدى بهم، معروفة مكانتهم، معترف بفضلهم، مشهور علمهم وكتبهم، يترحم عليم ويدعى لهم في كل زمان، فهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبه نطقوا، وبهم نطق، هؤلاء سرج الأرض، وأئمة الدنيا في زمانهم وبعد زمانهم، فإذا جاءت الآثار عنهم فإنها تكون محل قبول. هذا الأثر عن الإمام أحمد قد يكون فيه بعض الإشكالات، وهو أثر ثابت عنه، رواه عنه بالإسناد القاضي أبو يعلى الفراء المشهور الحنبلي في كتاب له مطبوع اسمه (إبطال التأويل) . لما سئل الإمام أحمد عن أحاديث الصفات؛ كأحاديث النزول، أو أحاديث الرؤية، وكذلك آيات الصفات -جاء فيها بالصواب، وإن كان لفظاً مجملاً، وقد أفصح فيها ﵀ بما هو الصواب في كثير من كتبه، وأثبت بأن الله تعالى يُرى حقيقة بالأبصار، وأنه ينزل كما يشاء إلى سماء الدنيا، وأنه على عرشه استوى، وعلى الملك احتوى، وأنه يسمع كل شيء، ولا يستر سمعه شيء، وأنه يرى ولا يستر بصره شيء، ونحو ذلك من الصفات، أثبتها إثباتا حقيقياً.

стр. 1137

قد يتوقف في بعض الكلمات، ولكن قصده في ذلك الرد على الممثلة الذين يبالغون في الإثبات حتى يخرج بهم هذا الإثبات إلى نوع من التشبيه، فذكر أنا نؤمن بهذه الصفات، ونؤمن بهذه الآيات؛ يعني نصدق بها ونعتقد صحتها، وصحة معناها، ودلالتها، وذلك لأنها كلام الله، أو كلام الرسول ﷺ ؛ صحت عنه، وثبتت عنه، وقد أمرنا باتباعه، وأمرنا بطاعته، وقد عرف نصحه لأمته، وعرف بفصاحته وبيانه وبلاغته. وإذا اجتمعت فيه هذه الصفات؛ كونه ناصحاً للأمة، حريصاً على نجاتها، وكونه فصيحاً بليغاً يعبر بالكلمات المفهومة التي لا لبس فيها أو خفاء، وكونه قد بلغ كل شيء، وعلم الأمة كل ما يهمهم، وما يحتاجون إليه، وأن هذه البيانات التي رويت عنه ثابتة قطعية الثبوت لا راد لها ولا طعن في أسانيدها؛ فكيف مع ذلك نردها؟. بل الواجب أن نقبلها، ونجعلها في ضمن معتقدنا، ولكن لا نكيَّفها كما ثبت ذلك عن السلف أنهم قالوا: أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف. أي لا تسألوا: عن الكيفية. والكلمة التي تشكل في هذا الأثر قوله: (لا كيف ولا معنى) ونحن نعتقد أن للصفات معنى، ونعتقد أن المعاني مفهومة، ولذلك فمراده بالمعنى هنا هو الماهية، وقصده أن ماهية تلك الصفة لا نخوض فيها، فلا نقول مثلاً: إن الله تعالى يبصر بعين مركبة من طبقات، ويحيط بها مشافر -مثلاً- وأهداب، ويسمع مثلاً بآذان وبأصمخة، وبكذا وبكذا، ويتكلم مثلاً بقصبة هوائية، وبلسان وشفتين لا نقول مثل هذا، ولكنا إذا أثبتنا الصفات أثبتناها حقيقة دون أن نبحث عن هذا، فلعل هذا هو مراد الإمام أحمد بقوله (لا كيف ولا معنى) ، فالكيف مجهول يعني كيفية الصفة، وأما المعنى فهو مفهوم بدلالته اللغوية، وخفي بكيفيته وكنهه، وأما الكلام فهو الكلام المسموع الذي يفهمه من سمعه.

стр. 1138

فقوله: (لا كيف) على ظاهره، يعني لا نخوض في الكيفية، وقوله: (ولا معنى) يراد به الكنه، أي ولا نتدخل في كنه الصفة وماهيتها، وما هي عليه، وأما المعنى الظاهر الذي تفسر به الكلمة فإنه معلوم للأمة، ولو لم يكن معلوماً لكان يخاطبهم بكلام لا يفهم كأنه أعجمي وهم عرب، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك، فقال تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي) (فصلت:٤٤) ، وأخبر بأنه بلسان عربي مبين، ولما قال المشركون (إنما يعلمه بشر) (النحل:١٠٣) رد عليهم بقوله تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل:١٠٣) . فلا يليق أن يكون الرسول وهو عربي ويخاطب العرب، ثم يخبرهم بشيء لا يدرون معناه، فلا بد أنا نعرف المعنى، ولكن نتوقف عن الكيفية، وعن الماهية، ونتقبل كل ما جاء به الرسول ﷺ : فلا نكون من الذين يقولون: (نؤمن ببعض ونكفر ببعض) (النساء:١٥٠) ، وهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: (أولئك هم الكافرون حقاً) (النساء:١٥١) فالواجب ألا نرد شيئاً من المقالات التي قالها الرسول ﷺ مع ثبوتها، بل نثبتها، ولا نرد شيئاً ولا نزيد من عند أنفسنا شيئاً لا دليل عليه. هذه هي طريقة أهل السنة، فطريقتهم نفي التشبيه، وإثبات الصفات بلا تشبيه، عملاً ببعض الآية التي ردت على الطائفتين المتطرفتين؛ طائفة مشبهة رد الله عليهم بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) (الشورى:١١) ، وطائفة معطلة رد الله عليهم بقوله تعالى: (وهو السميع البصير) (الشورى:١١) فكل طائفة منحرفة يوجد ما يبطل قولها في كلام الله تعالى، وكلام رسوله ﷺ . وقوله: (بلا حد ولا غاية) . شرح:

стр. 1139

الحد فيه خلاف؛ فأثبته كثير من العلماء، ونفاه بعضهم، والمراد بالحد: النهاية. فالصحيح أنا نقول: إن الله تعالى: بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. والذين نفوا الحد فقالوا: ليس لله حدٌ، يعني ليس له نهاية. آل بهم القول إلى أن اعتقدوا معتقد أهل الوحدة الذين قالوا: إن الوجود واحد، وأن وجود هذا هو عين وجود المخلوقات. وهذا قول شنيع تستوحش منه عندما تسمعه. فإذا وردت الأدلة قلنا بها، وتجرأنا عليها وجسرنا على الكلام بها، ولو أنكر ذلك من أنكر، فلا نرد شيئاً من أجل إنكار هؤلاء، ولا نتأولها تأويلاً يبطل من معناها ما هو صحيح ثابت، ولو شنع من شنع، ولو عابنا، والتشنيع هو الإنكار والعيب كما في البيت الذي قاله الزمخشري -والله حسيبه- عندما يسمع قول أهل السنة: (إن الله استوى بلا كيف، وإن الله ينزل بلا كيف، وإن الله يرى بلا كيف) .، قال: قد شبهوه بخلقه فتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة سماها (البلكفة) لقولهم (بلا كيف) هكذا قال، ورد عليه علماء أهل السنة بل وعلماء الأشاعرة أيضاً نظماً ونثراً، وذلك لأنه على مذهب المعتزلة، وهو صاحب (الكشاف) التفسير المشهور. وما دمنا متبعين للدليل فإننا نختص به ويفوت غيرنا، وأما ما أنكره علينا أضدادنا أو عابونا به فإنا لا نبالي بعيبهم وثلبهم، بل نقول: الحق معنا ولو كنتم جميعاً ضدنا وخلافنا؛ فنحن نثبت ما أثبته القرآن الذي دلالته واضحة، وأنتم تتكلفون في نفيه، وفي تحريفه، وتركبون الصعوبات في تأويله وفي صرفه عن ظاهره فتقولون: إن قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) (ص:٧٥) أي بنعمتي، أو تقولون في قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) (المائدة:٦٤) أي قدرته أو ما أشبه ذلك، هذا من التأويل الذي فيه تكلف، وكذلك بقية الصفات.

стр. 1140

وهذا الأثر عن الإمام أحمد معمول به، والكلمات التي تنكر مثل قوله: (لا حد ولا غاية) و (لا كيف ولا معنى) محمول محملاً يناسب المقام، أن المراد بالمعنى الكنه، وأن المراد بالحد والغاية المنتهى، لا أنه يريد بذلك التفسير؛ فإنا نفسرها ونفهم مدلولها. وقوله: ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنّعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وتثبيت القرآن. شرح: هذا تكميل الأثر الذي روي عن الإمام أحمد ﵀؛ في أنه يثبت أن التمسك يكون بالقرآن، وأن القرآن هو المعتمد، وكذلك الصحيح من السنة، وأن طريقتنا أن نتقبل كل ما جاء به القرآن والسنة، ولا نرد شيئاً من ذلك، وأنا لا نأتي بشيء من قبل أنفسنا، فنكون زدنا في الصفات ما ليس منها، وإنما نقتصر على ما ورد، نصف الله بما ورد، وبما أثبته لنفسه، أو أثبته له من أرسله. مسألة: قول الإمام الشافعي ﵁ في الصفات قوله: قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵁: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله. شرح: الإمام الشافعي مُعترَف بإمامته، وله مكانة عند الأمة، وهو عالم قريش، فتح الله عليه، ورزقه فهماً وإدراكاً ومكانة وشهرة في الأمة، واعتنق مذهبه الفئام من الناس الذين تمذهبوا بمذهبه، وساروا على طريقته في الفروع، ولكن مع الأسف أن كثيراً منهم خالفوه في الأصول فرجحوا عليه (أبا الحسن الأشعري) ، وإن كان الأشعري أيضاً قد رجع عما قاله.

стр. 1141

فيقال لهم: إن الشافعي ﵀ في العقيدة على مذهب السنة وعلى مذهب سلف الأمة، فإذا كنتم تقتدون به فعليكم باتباعه، وبما جاء عنه سواء من المجملات، أو المفصلات. وهو في هذا القول يصرح بما يعتقده، وإن كان مجملاً قال: (آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) وكلنا نقول ذلك، لكن هل يفهم من قوله (على مراد رسول الله) و (على مراد الله) أنه غير مفهوم، أو أنه لا معنى له، أو أنا لا ندري ما معناه؟ لا يفهم ذلك؛ بل الأصل أن الشافعي وغيره يعرفون أن تلك النصوص لها معان مفهومة، حيث إنها ألفاظ عربية فصيحة ظاهرة لا خفاء فيها، فيعتقدون مدلولها، لكن قولهم (على مراد الله) (على مراد رسول الله) يريدون بذلك الكيفية التي أرادها الله، وخاطبنا رسوله ليفيدنا لا ليضلنا. أما على طريقة المعتزلة ونحوهم فإنه قد يقال: إن هذا القرآن وهذه السنة ما زادت الأمة إلا حيرة، تعالى الله عن قولهم؛ لأنها أوقعتهم في الشكوك، وحملتهم على أن يتكلفوا في الصرف عن الظاهر، وأن يتأولوها تأويلات بعيدة، ولا شك أنه لم يكن مقصوداً للرسول أن يوقع الناس في الحيرة، ولا أن يكلفهم بالتكليفات التي سلكوها بالتأويلات التي أرادوا بها صرفها عن ظاهرها فإن ذلك غير مقصود. وبكل حال: لا يفهم من قوله ﵀: (على مراد الله) (وعلى مراد رسول الله) . أنه من المفوضة بل هو يعلم معانيها، ويؤمن بها ويتحقق دلالتها، ولكن إنما يتوقف عن كيفية تلك الصفات، الكيفية التي هي عليها، فيقول: مراد الله محجوب عنا ومراد رسوله، يعني بماهيتها وكنهها، وما هي عليه. قوله: وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.. شرح:

стр. 1142

درجوا عليه يعني ساروا على هذا، والمراد أنهم على طريقة السلف التي هي تقبل النصوص، والعمل بها، واعتقادها، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت بقولهم: (أمروها كما جاءت) ، وإثبات دلالتها، وإثبات معانيها دون أن يصرفوا شيئاً من مدلولها عن ظاهره، ودون أن يحرفوا شيئاً منها، أو يشتغلوا بتحريفه أو بتأويله، أو يردوه (هكذا طريقتهم) ومراده بسلف الأمة أهل القرون الثلاثة المفضلة؛ الصحابة والتابعون وتابعوهم، هؤلاء هم سلف الأمة درجوا على ذلك، والآثار عنهم في ذلك كثيرة. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية كثيراً من الآثار عنهم، ولكنها قليلة بالنسبة إلى ما نقله غيره، ومن أراد أن يعرف أقوالهم فليقرأ كتب أهل السنة ككتاب (الشريعة) للآجري، وكتاب (السنة) للخلاّل، وكتاب (السنة) لابن أبي عاصم، و (شرح أصول أهل السنة) للالكائي، وكذلك كتب المتقدمين كالسنة لعبد الله بن الإمام أحمد، ففيها كثير من أقوال هؤلاء الذين أجملهم ابن قدامة. يقول: (درجوا) يعني ساروا، ونهجو على طريقة هذين الإمامين الإمام أحمد، والإمام الشافعي - واقتصر عليهما، لكن الإمام مالكاً أيضاً مشهور أنه سئل عن آية الاستواء فقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول.. إلى آخره) ، والإمام أبو حنيفة مشهور ما ذكره في كتابه الذي هو (الفقه الأكبر) الذي جُمع من كلامه، وقد نقل عنه شيخ الإسلام في الحموية، ومع أنه موجود لكن مع الأسف فالذين تولوا شرحه أضافوا إليه إضافة أفسدوا بها مقصده. فهؤلاء هم الأئمة الأربعة المقتدى بهم، وغيرهم من الأئمة الذين في زمانهم هم أيضاً على طريقتهم، فطريقة أهل السنة متفقة مع أئمتهم، وليس للأئمة قول يخرجون به عن قول أهل السنة.

стр. 1143

ذكر شيخ الإسلام في المناظرة التي حصلت بينه وبين أهل بلده في دمشق لما ناظروه على عقيدته أن السلطان في ذلك الوقت كان هو الذي عقد هذه المناظرة، ولما كان لشيخ الإسلام مكانته وشهرته عند الناس، وشعبيته، أراد السلطان أن يهدئ الوضع فقال لهم: إن هذا على مذهب الإمام أحمد، ومذهب الحنابلة معتبر ومعترف به فاتركوه على مذهبه، اتركوه يقول ما يقول في الأسماء والصفات ما دام أنه مذهب معترف به من المذاهب الأربعة. ماذا قال شيخ الإسلام؟ قال: لا والله ليس للإمام أحمد اختصاص بهذا القول بل إنه مذهب الأئمة كلهم، وذلك لأن الأصول والعقائد لا يجوز الخلاف فيها، أما الخلاف الذي بين الأئمة الأربعة فإنما هو في الفروع في مسائل العبادات ومسائل الحلال والحرام، ومسائل الأحكام، هذا الذي اختلفوا فيه، فأما الأصول التي هي العقائد والأسماء والصفات فالأئمة الأربعة، والأئمة الذين في زمانهم كالليث في مصر، والأوزاعي في الشام، وسفيان الثوري في العراق، وسفيان ابن عيينة في مكة، وابن أبي ذئب في المدينة، وعبد الرزاق في اليمن، وأشباههم كلهم على المذهب الحق الذي هو العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات لا خلاف بينهم في ذلك. مسألة: الترغيب في السنة والتحذير من البدعة وقوله: وقد أمرنا بالاقتفاء لآثارهم والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات؛ فقال النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) . شرح:

стр. 1144

الضمائر في (آثارهم ومنارهم) للأئمة المهتدين أئمة الأمة واحدهم إمام، يعني قدوة في الدين كما حكى الله تعالى عنهم: (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) (الفرقان:٧٤) أي قدوة وأسوة، وقد أجاب الله دعوتهم - يعني صالحي الأمة- فصاروا أئمة يقتدى بهم. (وآثارهم) ليس المراد مواطئ الأقدام، وإنما المراد ما نقل عنهم، أي ما أثر عنهم، الآثار في الأصل هي بقايا الأقدام، أو مواطئ الأقدام، وتطلق على بقايا العلم كما في قوله تعالى: (أو أثارة من علم) (الأحقاف:٤) يعني بقية، ويقول الشاعر: تلك آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار يريد بالآثار المعلومات التي حفظت عنهم، ونقلت عنهم، فأمرنا بتقفي آثارهم يعني باتباعها لأنهم اقتفوا أثر نبيهم ﷺ . وأمرنا بأن نستنير بمنارهم، وأصل المنار العلم الكبير، أو النور الظاهر، ولكن هنا يطلق على علومهم التي هي نيرة مضيئة ساطعة يظهر لمن تأملها وضوحها، أمرنا بأن نسير على ذلك المنار، وأن ننهج ذلك المنهج حتى نكون بذلك معهم نسير كما يسيرون ونقف كما يقفون. الأمر من النبي ﷺ -في الحديث الذي مر بنا، وهو الحديث المشهور الذي رواه العرباض بن سارية، وفيه: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تسمكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) .

стр. 1145

وقد شرح هذا الحديث ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم، وذكر جملة من المواعظ التي نقلت عن النبي ﷺ . وقد أجمل الصحابي ﵁ في هذا الحديث تلك الموعظة، فكأنهم استشعروا أنها توصية أو أنها توديع، فلذلك قالوا: (موعظة مودع) كأنك تودعنا، ويكون ذلك في آخر حياته ﷺ ، ولا نطيل فيما يتعلق بالحديث. ولكن يهمنا قوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) هذا حث على التمسك بها، فإن كلمة عليكم أمر كقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) (المائدة:١٠٥) فمعناه الزموا سنتي وسيروا عليها، وتمسكوا بها، وانهجوا نهجها، واعملوا بها حسب استطاعتكم، هكذا ذكروا أن هذه اللفظة: (عليكم بكذا) تقتضي الأمر، أو الالزام أن التأكيد فأنت إذا قلت مثلاً: عليك بقراءة القرآن فإنك تحث عليها، أو تنهى عن شيء تقول مثلاً: عليك بالبعد عن الفواحش، فكلمة (عليك بكذا) تقتضي الأمر. وكلمة (إياك وكذا) تقتضي الزجر. واقتصر على (إياكم ومحدثات الأمور) دون أن ينهى عنها، فلم يقل: اتركوها، ابتعدوا عنها؛ لأن كلمة (إياكم ومحدثات الأمور) أبلغ من اتركوها، وإذا قلت مثلاً: إياك وأصحاب السوء إياك وقرين السوء إياك وجلساء السوء معناه: احذرهم وابتعد عنهم، فإياكم ومحدثات الأمور أي ابتعدوا عنها.

стр. 1146

وهنا أيضاً من التأكيد على السنة قوله: (عضوا عليها بالنواجذ) بعد قوله: (تمسكوا بها) ، وهذا كله حث على العمل بها، فإن التمسك في الأصل الإمساك باليدين، وقد ينفلت منك الشيء الذي أمسكته بيديك، فتحتاج إلى زيادة توثق، وليس عندك إلا أسنانك بل أقاصي أسنانك، وهي النواجذ (عضوا عليها بالنواجذ) أي مع تمسسككم بها باليدين زيدوا على ذلك العض عليها بأقاصي الأسنان، ليكون ذلك أقرب إلى الثبات عليها، وكأنه استشعر أن هناك من يزعزعك عن هذه السنة، ويسعى في تفلتك منها، ويخذلك لكي تتركها وتتخلى عنها؛ من دعاة السوء والباطل وأهل الشبهات والتشكيكات ونحوهم، فكأنه لما علم كثرة الفتن التي توهن التمسك بالسنة أمر بشدها بقوة، وأمر بإمساكها إمساكاً قوياً. والسنة في الأصل: هي الطريقة التي يسار عليها، وسنة النبي ﷺ ، هي الشريعة التي بلغها، وتطلق على أقواله وأفعاله وتقريراته، وتطلق على الشريعة التي جاء بها على أنها من دينه الذي أُرسل به، وتطلق على الأحاديث التي هي موضحة للقرآن، فيقال: القرآن هو كتاب الله، والسنة هي أحاديث الرسول ﷺ . ولكن الأصل أن السنة هنا هي الشريعة التي كان عليها (عليكم بسنتي) يعني ما أنا عليه وما أعمله، وما أقوله، وما بلغتكم به من هذه الشريعة، سواء في الاعتقادات أو في الأعمال كل ذلك من السنة فسيروا على نهجه، واعملوا بما يعمل به، وبذلك تصلون إلى سبيل النجاة. والخلفاء الراشدون معروفون، وسموا بذلك لأنهم خلفوا رسول الله ﷺ ؛ خلفوه في الولاية، وفي التبليغ، وفي الأعمال، فبلغوا ما بلغ ﵃ وساروا على نهجه وألزموا أنفسهم أن لا يتركوا شيئاً مما كان يعمل به النبي ﷺ إلا عملوه.

стр. 1147

التزم بذلك أولهم الذي أطلق عليه خليفة رسول الله ﷺ ، واتفق الصحابة على تلقيبه بهذا (خليفة رسول الله ﷺ ، وقد وافقوا على ذلك، ولم يخالف في زمنه أحد يقول: إنه لا يستحق هذا الاسم، بل المسلمون على وجه الأرض اتفقوا على أن يخلف النبي ﷺ ، أو أن النبي ﷺ استخلفه إما بالصراحة، وإما بالإشارة. والخلفاء الراشدون خلافتهم ثلاثون سنة، ورد في حديث سفينة أن النبي ﷺ قال: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً) وفي حديث آخر (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين سنة) ولعله إشارة إلى (مقتل عثمان ﵁ ، وما حصل بعده من الفتن. فنعرف من هذا الحديث أن الخلفاء الراشدين سماهم النبي ﷺ : خلفاء ووصفهم بثلاث صفات: الصفة الأولى: (الخلافة) ، أي أنهم خلف عنه. الصفة الثانية: (الراشد) . الصفة الثالثة: (الهداية) . وكفى بها تزكية لهم، وحثاً على السير على نهجهم، وشهادة بأنهم أهل حق وصواب، وأن الذين يطعنون فيهم قد خالفوا العقل والنقل، وعاندوا في ترك ما هو أشهر من نار على علم، من السنة التي جاءت في مدحهم وتزكيتهم، مع هذه التزكية من النبي ﷺ ، وتسميتهم خلفاء. فتجدون الرافضة يسبّونهم ويقذعون في سبّهم، وبالأخص الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان، ويشتمونهم، ويدعون أنهم مغتصبون للخلافة، وعلى هذا لا يكون لهذا الحديث -عندهم- فائدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 1148

وهذا الحديث -أيضاً- إخبار من النبي ﷺ بأن هناك محدثات، والمحدثات هي المبتدعات، فحذر منها، وأخبر بأن كل محدثة بدعة، ويراد بها ما يضاف إلى الشريعة من الأقوال والأفعال والعقائد، وأنه حادث بعد أن لم يكن، وأنه ضلال (كل بدعة ضلالة) ، والضلال هو الضياع، الضال هو التائه الضائع الذي ليس على هدى وليس على بيان. وتلك البدع والمحدثات كثيرة، ولكن المهم منها ما يتعلق بالعقيدة فإن من عقيدة المسلمين -مثلاً- أن الرب موصوف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ثم حدثت بدعة من فئة تنكر ذلك، وسموا معطلة، فهذه بدعة ضالة. ومن عقيدة المسلمين؛ أن الإنسان ينسب إليه عمله وليس بمجبور، ثم حدثت بدعة فيها؛ أن الله لا يقدر على أفعال العباد، وهذه بدعة ضلال، ومن عقيدة المسلمين أن الإنسان ينسب إليه عمله ثم حدثت بدعة فيها؛ أن الإنسان ليس له اختيار، وأنه مجبور على فعله، وهذا بدعة ضلال. وهكذا بقية البدع كبدعة الخوارج، وبدعة المعتزلة، وبدعة التكفير والتفسيق، وما أشبه ذلك، كلها من البدع التي أخبر بها في هذا الحديث (إياكم ومحدثات الأمور) ، وليس المقام مقام الكلام على تفنيد البدع، فهي مشهورة في كتب العلماء ﵏. مسألة: قول ابن مسعود ﵁ في هذا الباب وقوله: وقال عبد الله بن مسعود ﵁: (اتبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كفيتم) . شرح: وهذا أيضاً من الآثار التي يستأنس بها، فابن مسعود ﵁ من أجلاء الصحابة، أسلم قديماً، وهاجر، ونفع الله بعلمه، وزكاه عمر ﵁، وقال: (كنيف مُلئ علماً) ، وأرسله إلى العراق، وكان له تلامذة في الكوفة يأخذون برأيه، وحفظوا عنه علماً جماً، توفي سنة (٣٢هـ) في خلافة عثمان.

стр. 1149

قوله: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) اتبعوا من قبلكم؛ يخاطب تلامذته، وتلامذته لم يكونوا من الصحابة ولم يدركوا زمن النبي ﷺ ؛ فإما أنهم من مسلمة العراق الذين ما أسلموا إلا في خلافة عمر، أو في خلافة عثمان، أو من المهاجرين من أهل اليمن، ونحوهم، فهو يوصي أولئك، فيقول: اتبعوا صحابة نبيكم ﷺ ، واقتدوا بهم، ولا تحدثوا في الدين ما لم يأذن به الله، ولا تشرعوا ما لم يكن في الشريعة ولا تكونوا من الذين قال الله فيهم (شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) (الشورى:٢١) فإن الله تعالى أكمل الدين على لسان نبيه ﷺ ، فلا حاجة إلى بدع تضاف إلى هذه الشريعة، فقد كفيتم، يعني كفاكم من قبلكم حيث حملوا الشريعة، وبينوها وبينوا لكم ما تقولونه بألسنتكم وما تعتقدونه بقلوبكم، وما تعملونه بأبدانكم فيما يتعلق بالعبادات والمعاملات، وفيما يتعلق بالأخبار والنقول، وفي ذلك كفاية. وفي الأثر الآخر أنه قال: (من كان مستناً فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله ﷺ ؛ أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ولحمل دينه؛ فاعرفوا لهم حقهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم) تزكية منه ﵁ للصحابة، وأمر لمن بعدهم أن يقتدي بهم، وأن لا يبتدع من قبل نفسه، وكأنه استشعر أن هناك من سوف يقوم ببدع، وقد نقل هو أيضاً تحذيراً عن بعض البدع كبدعة الخوارج، فإنه روى بعض الأحاديث التي فيهم مع كونه مات قبل أن يخرجوا.

стр. 1150

ولا شك أن النبي ﷺ قد أخبر أصحابه بكثرة البدع وبكثرة الاختلافات، ففي حديث العرباض الذي ذكرنا يقول ﷺ : (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً) يعني من طالت حياته فسيرى اختلافاً كثيراً، وقد وقع هذا الاختلاف، أوله: خلافهم على عثمان حتى قتلوه، ثم خلافهم فيما بينهم حتى حصلت المعارك، ثم خروج الخوارج، وقتالهم من لقوه من المسلمين، ثم بعد ذلك خروج القدرية وخروج الرافضة، وهكذا البدع التي خرجت. فابن مسعود ﵁ يقول: اتبعوا من قبلكم ولا تبتدعوا من قبل أنفسكم يعني في الشريعة، وتتعبدوا بالبدع، فقد كفيتم أي قد وضحت الشريعة لكم فاقتصروا عليها. مسألة: قول عمر بن عبد العزيز ﵁ في هذا الباب قوله: وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلاماً معناه: (قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفُّوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل -لو كان فيها- أحرى، لئن قلتم: حدث بعدهم. فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، ولقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم مُحَسِّر، وما دونهم مُقَصِّر، لقد قصَّر عنهم قوم فجفَوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدىً مستقيم) . شرح: عمر بن عبد العزيز خليفة راشد، ألحقه علماء الأمة بالخلفاء الراشدين مع قصر مدة خلافته (سنتان وبضعة اشهر) كخلافة أبي بكر، ولكن أعاد فيها الحق إلى نصابه، وأبطل البدع والمحدثات، ونصر السنة، وقمع المبتدعة، ورد المظالم، وعدل في الناس، وسار سيرة حسنة حمده عليها جميع المسلمين، ولم ينقم عليه لا من قريب، ولا من بعيد.

стр. 1151

وكفى أنه يستشهد بقوله، وذلك لأنه جمع مع الولاية علماً، أي أنه مع قصر عمره من علماء الأمة، وكذلك من مفكريها ومن ذوي الرأي فيها، وكثيراً ما يستشهدون بمقاله، ويروون عنه حكماً وفوائد تدل على حنكة وفضل، ومعرفة بالشريعة وبأهدافها. يقول في هذا الأثر (قف حيث وقف القوم) يريد بالقوم العلماء الذين قبلهم، يخاطب أهل زمانه إما في خلافته، وإما في إمارته، فقد كان أميراً على المدينة قبل أن يستخلف، أي في زمن الوليد بن عبد الملك، ولاه إمارة المدينة فسار فيهم سيراً حسناً محموداً، فهو يقول: (قف حيث وقف القوم) أي الصحابة، وتلامذة الصحابة؛ العلماء الذين هم علماء الأمة؛ ورثة النبي ﷺ . كأنه يقول: لا تتجاوزوهم وتخوضوا في ما لم يخوضوا فيه، ولا تتقعروا وتبحثوا عن أشياء ما أذن الله بها، وليس لكم إلى معرفتها سبيل، فلا تبحثوا في الأمور الغيبية التي حُجبت عنكم، ولا تكثروا من السؤال عن الأشياء التي لا حاجة لكم بها، فقد وقف عنها من قبلكم فما بحثوا في جوهر، ولا عرض، ولا حد، ولا تعاريف، ولا حيز، ولا جهات، ولا أبعاض، ولا مركبات، ولا محدثات وما أشبه ذلك من الأمور التي أحدثتموها. فإنهم -يعني الصحابة، وتابعيهم- عن علم وقفوا؛ يعني سكتوا عن هذه الأشياء عن علم، عرفوا أن فيها خطراً، فلم يتكلموا فيها، فما وقفوا إلا عن علم قلبي وقر في قلوبهم، (وببصر نافذ كفوا) كف البصر هنا ليس هو بصر العين، ولكنه بصر القلب يعني البصيرة، أي أن ذلك البصر نافذ لهذه العلوم، وقد تخيل ما وراءها من المفاسد. فكر ﵁ فعرف أن الصحابة وتلامذتهم كفوا عن الخوض في هذه العلوم -مع قدرتهم عليها- عن علم، لا أنها لم تحدث عندهم بل عرفوا أنها ستكون، ولكنهم وقفوا عنها.

стр. 1152

فقد ورد أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه؛ لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة) وفي رواية أنه قال: (ذاك صريح الإيمان) يعني الذي لا يتكلم بهذه الأشياء التي تخطر في باله، بل يزيلها عن قلبه؛ هذا صريح الإيمان، فإذا جاءتك هذه الخطرات، وهذه الأوهام، والتخيلات، وأبعدتها عن نفسك فإنك متبع لهم (عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا) . ولهم على تجليتها وإظهارها أقدر، لو كان فيها فائدة لتكلموا بها فإنهم علماء وفصحاء، فهم على إظهار الخير الذي فيها أقدر، وهم أولى وأحرى أن يبينوا ما فيها لو كان فيها مصلحة، ولكن علموا أنه لا مصلحة فيها فكفوا عنها. وإذا قيل: حدثت بعدهم، لو كانوا أدركوها لتكلموا فيها؛ يعني ما أحد تكلم في طبقات السماء مثلاً، ولا في مكونات الأرض، ولا في خلق الروح مثلاً وتكوينها ومن أي شيء خلقت، ولا في تقسيم الموجودات إلى جواهر وأعراض، ولا في الجسم وما يتركب منه وتعاريفه وما أشبه ذلك، ولا تكلم في زمن الصحابة أيضاً في الأعراض، ولا في الأبعاض، ولا في الطبقات وما أشبه ذلك، فما حدثت هذه العلوم إلا بعدهم. ما الجواب؟ أجاب ﵁: (بأن الذين أحدثوها أنقص منهم علماً) ما أحدثها إلا أناس لا علم عندهم كما عند الصحابة، وإلا فإن الصحابة يقدرون أن يخوضوا، وما أحدثها بعدهم إلا من هو دونهم في العلم، وفي المواهب.

стр. 1153

ثم أخبر بأن الذين بعدهم انقسموا إلى قسمين: قسم قصروا، وقسم غلوا، الذين قصروا كأنهم الذين اقتصروا على ذكر الأحكام فقط، ولم يخوضوا في العلوم الغيبية، ولم يتكلموا فيها معرضين عنها بألسنتهم وبقلوبهم، فهؤلاء مقصرون، والذين غلوا هم الذين توسعوا فيها وتكلموا فيها كلاماً طويلاً، وولدوا فيها توليدات، ووقعوا في آخر أمرهم في حيرة وفي شك، وفي بعد عن الحق، فأدى بهم ذلك إلى أن يموتوا وهم شكاك لا يدرون ما يعتقدونه، فصاروا في طرفي نقيض؛ قوم قصروا، وقوم غلوا.. وتوسط الصحابة، وتوسط الأئمة، فلم يتركوا هذه العلوم جانباً بل تكلموا فيها بما يكفي، وقالوا فيها ما يشفي، وأوضحوا منها ما هو الحق، فأوضحوا للأمة عقيدتهم، أوضحوا للأمة أن تعتقد الأسماء والصفات التي نقلت وثبتت بالأدلة، وأوضحها الله تعالى في الكتاب والسنة، وأن ينزه الله تعالى عن صفات النقص، وأن يُعتقد البعث النشور والجزاء على الأعمال، وأن يدينوا بالعبادات ويتركوا المحرمات، وكفى بذلك بياناً، والذين لم يتكلموا فيها مقصرون. روي أن بعض التلامذة سألوا ابن المبارك، وقالوا: إنا نكره أن نتكلم في هذه الصفات؛ يعني في إثبات العلو والاستواء، والنزول، وما أشبه ذلك -فقال: أنا أكره منكم لها، ولكن لما جاءت بها النصوص واشتملت عليها الأدلة تجرأنا على الكلام بها، وجسرنا على أن نقولها اعتماداً على الدليل، وكفى بالآيات دليلاً، أو كما قال. فأخبر بأنا قد نتوقف عندما تذكر لنا بعض الصفات التي لا دليل عليها، فإذا وجدنا لها دليلاً تكلمنا عليها بجراءة ولم نخف.

стр. 1154

فهكذا كان الصحابة ﵃، وكان تلامذتهم يتكلمون بالدليل ولا يبالون، وهكذا نقل عنهم عمر بن عبد العزيز ﵁: أنهم كانوا وسطاً؛ ليسوا من الذين يعرضون عن هذه الأشياء ولا يذكرونها في عقائدهم، ويستوحشون إذا ذكرت؛ كما نقل أن رجلاً انتفض لما سمع حديثاً في الصفات استنكاراً لذلك، فقال علي: (ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه) كأنهم لا يجرؤون على أن يتكلموا بشيء من الآيات والأحاديث التي تشتمل على ذكر صفة من الصفات، والحق أن نتجرأ ونتكلم بها ولا نتردد في إثباتها هذا هو الصواب، ولكن لا نتقعر ونغلو فنتكلم في أشياء لا دليل عليها. (فما فوقهم محسر) أي الذين يتجاوزونهم، و (ما دونهم مقصر) وهم بين ذلك على هدى مستقيم؛ أي وسط بين طرفين، وهكذا أهل السنة متوسطون بين طرفي نقيض بين ممثلة وبين معطلة. مسألة: قول الإمام الأوزاعي ﵁ في هذا الباب قوله: وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول. شرح: الأوزاعي إمام أهل الشام من كبار تابع التابعين، أدرك كثيراً من علماء التابعين، وكان قدوة وأسوة في علمه ﵁ ورحمه، وكان أيضاً من جهابذة الأمة ومن علمائها الذين حفظ الله بهم السنة في تلك البلاد. يحثنا -رحمه الله تعالى- في هذا الأثر على أن نتبع آثار من سبق، وإن هجرَنا من هجرَنا؛ (وإن رفضك الناس) ، كأنه استشعر أن هناك من يهجر الحق ويهجر أهله الذين يروون أحاديث السنة، وأحاديث الصفات، ويمقتهم ويرميهم بأنهم مشبهة، وبأنهم ممثلة، فيقول: عليك بآثار من سبق، يعني الآثار التي يروونها، والتي يقولونها ويذهبون إليها، ويريد بمن سبق الصحابة، والتابعون من علماء الأمة، عليك بآثارهم؛ اتبع آثارهم وسر على نهجهم.

стр. 1155

(وإن رفضك الناس) ، ولو لقيت هجراناً وإهانة ما دمت على الحق، وما دمت متبعاً لمن هم على الحق، فلا تبال بمن هجرك، أو حقرك، أو مقتك. (وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوها لك بالقول) يعني احذر الآراء، (الآراء) هنا جمع رأي، والقول الذين لا دليل عليه يسمى رأياً، وجمعه أراء، وهي الأقوال التي يقولها بعض الناس بمجرد فكره، وبمجرد نظر يراه لا دليل عليه، فهؤلاء يجب أن نحذرهم ونبتعد عنهم. وهذا الأثر فيه أن الحق أحق أن يتبع، وأن هناك من يشجع على الباطل ويدعو إليه ويزخرف، ويأتي له بعبارات مشوقة، وما أكثرهم في زماننا، يأتون بكلمات وعبارات مبهرجة يمدحون بها طرقهم، كطرق التصوف مثلا أو التشيع، أو النفي، أو التعطيل ونحو ذلك، ويزعمون أن هذه الطريقة المثلى، وأن سلوكها هو الطريق الأقوم، وأن الذين عليها هم أهل النجاة، وأن من خالفها فهو من أهل الهلاك أو التردي، وما أكثرهم في كل زمان. مسألة: قول الإمام الأدرمي ﵁ في هذا الباب قوله: وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة ودعا الناس إليها، هل علمها رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء علمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفوسعهم أن لا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه، أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفاءه لا يسعك أنت؟ فانقطع الرجل. فقال الخليفة -وكان حاضراً-: لا وسَّع الله على من لم يسعه ما وسعهم. وهكذا من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه. شرح:

стр. 1156

هذه القصة مشهورة في كتب السنة: توجد فيها بطرق كثيرة، وبألفاظ كثيرة كما في كتاب الشريعة (للآجري) وغيره، وفي ترجمة الإمام أحمد (لابن الجوزي) ، وفي غيره من كتب أهل السنة. هذا الإمام سماه بعضهم محمد بن عبد الرحمن، وبعضهم سماه عبد الله بن محمد، عالم من علماء الأمة. ذكروا أنه لما أحضر إلى الخليفة، والخليفة في زمنهم هو الواثق، قال له: ناظر أبا عبد الله يريد المبتدع الخبيث الذي يقال له: أحمد بن أبي دؤاد، وكان هو الذي زين للخلفاء أن يفتنوا العلماء، وأن يلزموهم بهذه البدعة التي هي القول بخلق القرآن، فقال هذا العالم ﵀: إنه ليس أهلاً أن يناظرني ولا أن أناظره؛ فغضب الخليفة، وقال: أبو عبد الله ليس كفؤاً وليس أهلاً؟ فطمأنه، وقال: مهلاً سوف يظهر الحق ويتبين عند المناظرة، أناظره تمشياً على رغبتك. وقد رويت القصة بألفاظ مطولة، كما في كتاب الشريعة. وذكروا أنه جيء به موثقاً إلا أنه أصرَّ أن يعلن أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما أحضر عند الخليفة وبدأ في المناظرة، أتى بما ملخصه أن قال له: هذه البدعة، أو هذه المقالة التي تقول بها أنت، هل علمها رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ خلفاء الأمة، الخلفاء الراشدون، خلفاء النبي ﷺ ، الذين زكاهم وشهد لهم بالهداية؛ هل علموها أو لم يعلموها؟ فقال أولاً: ما علموها. فتعجب وقال: كيف تعلمها أنت؟ ولم يعلمها الصحابة والخلفاء الراشدون؟، ولم يعلمها الرسول ﷺ وعلمتها أنت؟ هل نزل عليك وحي؟ هل أنت رسول من الله تعالى؟ ما الدليل على رسالتك؟ ما هو الوحي الذي نزل عليك حتى تكون أنت أعلم من الرسول، وأعلم من الخلفاء؟ فتحير ابن أبي دؤاد، ولم يجد بداً من أن يقول: بل علموها.

стр. 1157

فانتقل محمد بن عبالرحمن ﵀ إلى أن يقول له: ما دام أنهم علموها، فهل دعوا إليها، وفتنوا الناس وألزموهم بما ألزمتهم به، وعذبوا من أنكرها وحبسوهم، وأنكروا على من خالفهم، أو لم يدعوا إليها؟ من المعلوم أنهم ما دعوا إليها، بل ولم يشتهر أنهم قالوا: إن القرآن مخلوق، ولم يقل ذلك أحد من الأمة، فقال: لم يدعوا إليها. لابد أن يعترف لأن التواريخ في القصص المشهورة؛ أنهم ما دعوا إليها، ولا فتنوا أحداً، ولا ألزموه أن يقول هذه المقالة الشنيعة التي هي الإلزام بأن القرآن مخلوق، فلما لم يجد بداً التزم واعترف بأنهم ما دعوا إلهيا. فعند ذلك قال له: فهلا وسعك ما وسعهم ما دام أنهم علموها وسكتوا، وتركوا الناس على معتقداتهم ولم يفتنوا أحداً، ولم يلزموا أحداً، ولم يعذبوا أحداً، ولم يقولوا لهم هذه المقالة باطلة، أو هذه المقالة حق أو نحو ذلك. فاسكت كما سكتوا، ويسعك ما وسعهم، فإن كنت على صواب فصوابك لنفسك، ولا تغير عقائد غيرك، وإن كنت على خطأ فخطؤك على نفسك، أما غيرك فلا تغير عليهم ما دام الرسول وصحابته لم يغيروا عليهم ولم يفتنوهم، فانقطعت حجته عند ذلك. والخليفة الذي كان قد سبب الفتنة، والذي كان أول من اتصل به ابن أبي دؤاد وبشر المريسي من الخلفاء -هو الخليفة المأمون، وهو ابن هارون الرشيد، هذا الخليفة هو الذي أظهر قوله بخلق القرآن، ودعا إليه، وفتن كثيراً من الأئمة، وجيء بالإمام أحمد إليه، فدعا الله أن لا يريه وجهه، فاستجاب الله دعوته، فمات المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد.

стр. 1158

ولكن تولى الخلافة بعد المأمون أخوه المعتصم، وكلاهما من أولاد الرشيد ﵀، وهو رشيد كاسمه؛ كان يغزو سنة ويحج سنة، وكان ينصر السنة كأبيه وجده، ولكن ولداه المأمون والمعتصم اتصل بهما هؤلاء المبتدعة، وزينوا لهما البدعة التي هي إنكار الصفات وإنكار كلام الله تعالى، وإنكار أن يكون القرآن كلامه، والقول بأنه مخلوق، حتى جيء بالإمام أحمد وبقي سجيناً عند المعتصم، وجلد في زمنه عدة مرات، وأطيل تعذيبه، وعذّب عذاباً شديداً، ولكنه تحمل ذلك وصبر. ثم بعد ثماني سنين مات المعتصم، وتولى بعده ولده الواثق الذي جرت عنده قصة الأدرمي، والواثق ولد المعتصم، والصحيح أنه رجع عن هذه المقالة بسبب هذه الحجة التي احتج بها الأدرمي ﵀. وتولى بعده ولده المتوكل بن الواثق وهو الذي نصر السنة، وأكرم الإمام أحمد، وأعزه ومكنه من أن يظهر السنة، واستدل على أن أباه الواثق قد رجع عن هذه المقالة بقصة الأدرمي معه؛ حيث إنه قال: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً. ما دام أنه وسعهم السكوت، فكيف لا يسعنا؟ الأولى بنا أن نسكت كما سكتوا، وأن نكل الناس إلى ما يعتقدونه من الأدلة. ومع أن الإمام أحمد ﵀ قد بالغ في ذكر الأدلة التي استدل بها عندهم. وذكر لهم أحاديث وآيات إلا أنهم لم يقتنعوا واستمروا على مقالتهم الباطلة إلى أن ظهر الحق وأعز الله أهله والحمد لله. مسألة: بعض آيات الصفات قوله: فمما جاء من آيات الصفات قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) (الرحمن:٢٧) ، وقوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) (المائدة:٦٤) . شرح:

стр. 1159

قد عرفنا أن صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: صفات ذات، وصفات فعل، وأن الصفات الذاتية هي التي تلزم الذات، وتكون ملازمة للموصوف بها دائماً لا تنفك ولا تنفصل في وقت من الأوقات، فهي جزء من ذات الشيء التي هي ماهيته وما يتكون منه. فمثلاً إذا قلنا إن هذا الإنسان الماثل أمامنا يوصف بصفات ذاتية، وبصفات فعلية؛ فسمعه، وبصره، ولسانه، ويده، ورجله، وبطنه، وظهره أجزاء منه، وكذا أجزاؤه الباطنة كقلبه، ورئتيه، وكبده، وأمعائه هي أجزاء منه، فنحن نقول: إن الصفات الملازمة للموصوف هي صفات ذاتية. فالله له المثل الأعلى، وقد أخبر عن نفسه بأنه متصف بصفات ملازمة له لا يمكن أن تنفك عنه، فمن ذلك هاتان الآيتان، فصفة الوجه صفة ذاتية؛ لا يمكن أن يكون بلا وجه في وقت من الأوقات، وقد ذكر الله تعالى صفة الوجه في عدة آيات منها هذه الآية: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن:٢٧) ، ومنها قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص:٨٨) . وترد في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) (الليل:٢٠) ، وكقوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) (الإنسان:٩) ، وكقوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف:٢٨) . وهذه الآيات كلها دالة على صفة الوجه، فإذا أثبته أهل السنة؛ فإنهم يقولون: نثبته كما ورد، ولكن لا نخوض في أكثر من ذلك، ولا نقول: إن وجه الله يشتمل على كذا وكذا، حيث إن ذلك يحتاج إلى دليل. وهذا هو القول الصحيح.

стр. 1160

وأما الأحاديث فقد ورد -أيضاَ- فيها كثيراً إثباتُ صفة الوجه كقوله ﷺ : (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلى رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ، وفي الحديث المشهور في الدعاء: (أسألك لذة النظر إلى وجهك) وفي حديث الحجاب يقول ﷺ : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) . وغير ذلك، وهي أحاديث صحيحة مشهورة تلقاها، وتقبلها أهل السنة، وآمنوا بهذه الصفة كما ذكرها الله وأثبتها لنفسه، وقالوا: هذه صفة كمال. وأما قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة:١١٥) فهذه تكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: ليست من آيات الصفات، فإن المراد هنا (فثم وجه الله) أي فثم وجهة الله التي وجهكم إليها لتصلُّوا إليها، فلا يصح استدلال أهل الحلول بها على أن وجه الله في كل مكان -تعالى الله عن قولهم- بل نقول: وجه الله في هذه الآية: الجهة التي يوجه العبد إليها؛ أي فثم الوجهة التي وجهكم إليها، وأمركم بأن تتوجهوا إليها؛ لقول الله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها) (البقرة: ١٤٨) ، ولا يقال: إن هذا تكلف، وإن هذا تأويل، لأن هذا تقتضيه اللغة. وأما من أنكر صفة الوجه وهم جميع المبتدعة كالمعتزلة، ومن انضم إليهم كالرافضة على عقيدة الاعتزال، وكذلك الخوارج، ومنهم الإباضية - ينفون صفة الوجه لله تعالى، ويفسرونه بالذات، إذا جاءتهم الآيات التي فيها إثبات الوجه قالوا: المراد الذات، قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن:٢٧) أي ذاته (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص:٨٨) أي ذاته.
следующие страницы →