Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
هذه القصة مشهورة في كتب السنة: توجد فيها بطرق كثيرة، وبألفاظ كثيرة كما في كتاب الشريعة (للآجري) وغيره، وفي ترجمة الإمام أحمد (لابن الجوزي) ، وفي غيره من كتب أهل السنة. هذا الإمام سماه بعضهم محمد بن عبد الرحمن، وبعضهم سماه عبد الله بن محمد، عالم من علماء الأمة.
ذكروا أنه لما أحضر إلى الخليفة، والخليفة في زمنهم هو الواثق، قال له: ناظر أبا عبد الله يريد المبتدع الخبيث الذي يقال له: أحمد بن أبي دؤاد، وكان هو الذي زين للخلفاء أن يفتنوا العلماء، وأن يلزموهم بهذه البدعة التي هي القول بخلق القرآن، فقال هذا العالم ﵀: إنه ليس أهلاً أن يناظرني ولا أن أناظره؛ فغضب الخليفة، وقال: أبو عبد الله ليس كفؤاً وليس أهلاً؟ فطمأنه، وقال: مهلاً سوف يظهر الحق ويتبين عند المناظرة، أناظره تمشياً على رغبتك. وقد رويت القصة بألفاظ مطولة، كما في كتاب الشريعة.
وذكروا أنه جيء به موثقاً إلا أنه أصرَّ أن يعلن أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما أحضر عند الخليفة وبدأ في المناظرة، أتى بما ملخصه أن قال له: هذه البدعة، أو هذه المقالة التي تقول بها أنت، هل علمها رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ خلفاء الأمة، الخلفاء الراشدون، خلفاء النبي ﷺ ، الذين زكاهم وشهد لهم بالهداية؛ هل علموها أو لم يعلموها؟
فقال أولاً: ما علموها. فتعجب وقال: كيف تعلمها أنت؟ ولم يعلمها الصحابة والخلفاء الراشدون؟، ولم يعلمها الرسول ﷺ وعلمتها أنت؟ هل نزل عليك وحي؟ هل أنت رسول من الله تعالى؟ ما الدليل على رسالتك؟ ما هو الوحي الذي نزل عليك حتى تكون أنت أعلم من الرسول، وأعلم من الخلفاء؟ فتحير ابن أبي دؤاد، ولم يجد بداً من أن يقول: بل علموها.
стр. 1157
فانتقل محمد بن عبالرحمن ﵀ إلى أن يقول له: ما دام أنهم علموها، فهل دعوا إليها، وفتنوا الناس وألزموهم بما ألزمتهم به، وعذبوا من أنكرها وحبسوهم، وأنكروا على من خالفهم، أو لم يدعوا إليها؟
من المعلوم أنهم ما دعوا إليها، بل ولم يشتهر أنهم قالوا: إن القرآن مخلوق، ولم يقل ذلك أحد من الأمة، فقال: لم يدعوا إليها. لابد أن يعترف لأن التواريخ في القصص المشهورة؛ أنهم ما دعوا إليها، ولا فتنوا أحداً، ولا ألزموه أن يقول هذه المقالة الشنيعة التي هي الإلزام بأن القرآن مخلوق، فلما لم يجد بداً التزم واعترف بأنهم ما دعوا إلهيا.
فعند ذلك قال له: فهلا وسعك ما وسعهم ما دام أنهم علموها وسكتوا، وتركوا الناس على معتقداتهم ولم يفتنوا أحداً، ولم يلزموا أحداً، ولم يعذبوا أحداً، ولم يقولوا لهم هذه المقالة باطلة، أو هذه المقالة حق أو نحو ذلك. فاسكت كما سكتوا، ويسعك ما وسعهم، فإن كنت على صواب فصوابك لنفسك، ولا تغير عقائد غيرك، وإن كنت على خطأ فخطؤك على نفسك، أما غيرك فلا تغير عليهم ما دام الرسول وصحابته لم يغيروا عليهم ولم يفتنوهم، فانقطعت حجته عند ذلك.
والخليفة الذي كان قد سبب الفتنة، والذي كان أول من اتصل به ابن أبي دؤاد وبشر المريسي من الخلفاء -هو الخليفة المأمون، وهو ابن هارون الرشيد، هذا الخليفة هو الذي أظهر قوله بخلق القرآن، ودعا إليه، وفتن كثيراً من الأئمة، وجيء بالإمام أحمد إليه، فدعا الله أن لا يريه وجهه، فاستجاب الله دعوته، فمات المأمون قبل أن يصل إليه الإمام أحمد.
стр. 1158
ولكن تولى الخلافة بعد المأمون أخوه المعتصم، وكلاهما من أولاد الرشيد ﵀، وهو رشيد كاسمه؛ كان يغزو سنة ويحج سنة، وكان ينصر السنة كأبيه وجده، ولكن ولداه المأمون والمعتصم اتصل بهما هؤلاء المبتدعة، وزينوا لهما البدعة التي هي إنكار الصفات وإنكار كلام الله تعالى، وإنكار أن يكون القرآن كلامه، والقول بأنه مخلوق، حتى جيء بالإمام أحمد وبقي سجيناً عند المعتصم، وجلد في زمنه عدة مرات، وأطيل تعذيبه، وعذّب عذاباً شديداً، ولكنه تحمل ذلك وصبر.
ثم بعد ثماني سنين مات المعتصم، وتولى بعده ولده الواثق الذي جرت عنده قصة الأدرمي، والواثق ولد المعتصم، والصحيح أنه رجع عن هذه المقالة بسبب هذه الحجة التي احتج بها الأدرمي ﵀.
وتولى بعده ولده المتوكل بن الواثق وهو الذي نصر السنة، وأكرم الإمام أحمد، وأعزه ومكنه من أن يظهر السنة، واستدل على أن أباه الواثق قد رجع عن هذه المقالة بقصة الأدرمي معه؛ حيث إنه قال: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسع رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً. ما دام أنه وسعهم السكوت، فكيف لا يسعنا؟ الأولى بنا أن نسكت كما سكتوا، وأن نكل الناس إلى ما يعتقدونه من الأدلة.
ومع أن الإمام أحمد ﵀ قد بالغ في ذكر الأدلة التي استدل بها عندهم. وذكر لهم أحاديث وآيات إلا أنهم لم يقتنعوا واستمروا على مقالتهم الباطلة إلى أن ظهر الحق وأعز الله أهله والحمد لله.
مسألة: بعض آيات الصفات
قوله:
فمما جاء من آيات الصفات قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك) (الرحمن:٢٧) ، وقوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) (المائدة:٦٤) .
شرح:
стр. 1159
قد عرفنا أن صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: صفات ذات، وصفات فعل، وأن الصفات الذاتية هي التي تلزم الذات، وتكون ملازمة للموصوف بها دائماً لا تنفك ولا تنفصل في وقت من الأوقات، فهي جزء من ذات الشيء التي هي ماهيته وما يتكون منه.
فمثلاً إذا قلنا إن هذا الإنسان الماثل أمامنا يوصف بصفات ذاتية، وبصفات فعلية؛ فسمعه، وبصره، ولسانه، ويده، ورجله، وبطنه، وظهره أجزاء منه، وكذا أجزاؤه الباطنة كقلبه، ورئتيه، وكبده، وأمعائه هي أجزاء منه، فنحن نقول: إن الصفات الملازمة للموصوف هي صفات ذاتية.
فالله له المثل الأعلى، وقد أخبر عن نفسه بأنه متصف بصفات ملازمة له لا يمكن أن تنفك عنه، فمن ذلك هاتان الآيتان، فصفة الوجه صفة ذاتية؛ لا يمكن أن يكون بلا وجه في وقت من الأوقات، وقد ذكر الله تعالى صفة الوجه في عدة آيات منها هذه الآية: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن:٢٧) ، ومنها قوله تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص:٨٨) .
وترد في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) (الليل:٢٠) ، وكقوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) (الإنسان:٩) ، وكقوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (الكهف:٢٨) .
وهذه الآيات كلها دالة على صفة الوجه، فإذا أثبته أهل السنة؛ فإنهم يقولون: نثبته كما ورد، ولكن لا نخوض في أكثر من ذلك، ولا نقول: إن وجه الله يشتمل على كذا وكذا، حيث إن ذلك يحتاج إلى دليل. وهذا هو القول الصحيح.
стр. 1160
وأما الأحاديث فقد ورد -أيضاَ- فيها كثيراً إثباتُ صفة الوجه كقوله ﷺ : (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلى رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ، وفي الحديث المشهور في الدعاء: (أسألك لذة النظر إلى وجهك) وفي حديث الحجاب يقول ﷺ : (حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره) . وغير ذلك، وهي أحاديث صحيحة مشهورة تلقاها، وتقبلها أهل السنة، وآمنوا بهذه الصفة كما ذكرها الله وأثبتها لنفسه، وقالوا: هذه صفة كمال.
وأما قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة:١١٥) فهذه تكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: ليست من آيات الصفات، فإن المراد هنا (فثم وجه الله) أي فثم وجهة الله التي وجهكم إليها لتصلُّوا إليها، فلا يصح استدلال أهل الحلول بها على أن وجه الله في كل مكان -تعالى الله عن قولهم- بل نقول: وجه الله في هذه الآية: الجهة التي يوجه العبد إليها؛ أي فثم الوجهة التي وجهكم إليها، وأمركم بأن تتوجهوا إليها؛ لقول الله تعالى: (ولكل وجهة هو موليها) (البقرة: ١٤٨) ، ولا يقال: إن هذا تكلف، وإن هذا تأويل، لأن هذا تقتضيه اللغة.
وأما من أنكر صفة الوجه وهم جميع المبتدعة كالمعتزلة، ومن انضم إليهم كالرافضة على عقيدة الاعتزال، وكذلك الخوارج، ومنهم الإباضية - ينفون صفة الوجه لله تعالى، ويفسرونه بالذات، إذا جاءتهم الآيات التي فيها إثبات الوجه قالوا: المراد الذات، قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن:٢٧) أي ذاته (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص:٨٨) أي ذاته.
стр. 1161
الجواب: إن هذا وإن كان صحيحاً في اللغة؛ أنه يطلق الجزء على الكل - لكن لا شك أنها دالة على إثبات صفة الوجه، وأنه جزء من الذات، فإن النص على الوجه يدل على ثبوته، والذات تابعة للوجه، ويرد عليهم أيضاً بالأحاديث التي فيها التصريح بالوجه كقوله ﷺ : (لأحرقت سبحات وجهه) ، (إلا رداء الكبرياء على وجهه) فإنها دالة عليه صراحة، ونحن نؤمن بإثبات هذه الصفة ولا نكيفها، ومعلوم أيضاً أنها من صفات الكمال.
وتأولها بعض المتأولين، وقالوا: المراد بالوجه عند العرب الجانب أو ما يعبر عنه بالبعض، أو نحو ذلك، ويقولون مثلاً: وجه هذه المسألة كذا وكذا، أو وجه هذا الجواب كذا وكذا، فيحملونه على أنه: ما يفهم منه، أو ما يفسر به؛ ولكن هذا يصعب عليهم تأويله في الأدلة الكثيرة.
ثم الآية الثانية قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) (المائدة:٦٤) فيها إثبات صفة اليدين، وهي أيضاً صفة ذاتية، ذكرها الله تعالى بالتثنية في هذا الموضع، وذكرها بالتثنية في موضع آخر في قوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) (ص:٧٥) وذكرها بصفة الجمع، ولكن مع ضمير الجمع في قوله تعالى: (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً) (يس:٧١) ، وبصفة الإفراد في قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك) (تبارك:١) ، (بيدك الخير إنك على كل شيء قدير) (آل عمران: ٢٦) ، وذكرها بلفظ يمين في قوله تعالى: (والسموات مطويات بيمينه) (الزمر:٧٦) هذا في القرآن.
والسنة المتواترة التي فيها ذكر اليد أو اليدين، أو نحو ذلك كثيرة، وكثيراً ما يحلف النبي ﷺ بقوله: (والذي نفسي بيده) في عشرات الأحاديث وفي الحديث ﷺ قوله: (ناصيتي بيدك) كذلك قوله ﷺ : (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين) .
стр. 1162
وهكذا في قوله ﷺ : (يمين الرحمن ملأى سحاء -إلى أن قال-: وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع) وذكر قبضه للمخلوقات فقال ﷺ : (يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: (أنا الملك أين ملوك الأرض؟) ، وفي رواية: (ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟. أين المتكبرون؟، ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك. أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) .
والأحاديث كثيرة في ذلك، وأورد كثيراً منها ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (والأرض جميعاً قبضته يوما القيامة) (الزمر:٧٦) مما يدل على ثبوت هذه الصفة، والطريق فيها أيضاً الطريق في سائر الصفات؛ وهو أن نثبت لله تعالى يداً كما أثبت لنفسه ولكن لا نبالغ فنقول: إنها كأيدي المخلوقين.
وورد في بعض الأحاديث ذكر الأصابع: (إن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على أصبع، فيقول ... الحديث) .
فنقتصر أيضاً على ذلك، ولا نقول: إن هذا مشابه لصفات المخلوقين، ولا نقول: إن هذا ضرب مثل؛ كما يقوله النفاة الذين ينكرون هذه الصفات، ويجعلونها أمثلة لهيبة المقام، ويقولون: ذكر اليمين، وذكر القبضة، وذكر هز السماوات، وهز الأرض إنما هو لتهويل المكان ولتهويل الأمر، ولجلب الفزع والخوف في القلوب، ولاهتمام الناس بهول ذلك اليوم، وإلا فليس هناك قبض وليس هناك هز، وليس هناك يمين ولا غيرها. هكذا رأيت في تفسير كثير من الأشاعرة ونحوهم الذين ينكرون هذه الصفات.
стр. 1163
ولا شك أن هذا رد للأدلة الواضحة، وتكلف في ردها، ومعلوم أن نبي الله ﷺ فصيح، يقدر على أن يوضح للناس ما يهمهم وما يعتقدونه، فلو كان المراد أن يهول الأمر لأفصح لهم بذلك، فكونه يقول:) إن الله يقبض السماوات والأرضين، ثم يهزهن) لا شك أن هذا إخبار بشيء واقع ولابد؛ وما ذاك إلا ليبين أن الرب ذو العظمة، وذو الجلال والكبرياء الذي تصغر عنده المخلوقات والأجرام العلوية، والأجرام السفلية والمخلوقات كلها مع تباعدها وتنائيها -حقيرة وفقيرة وذليلة ومهينة أمام عظمة الباري وجلاله وكبريائه.
إذا تصور الإنسان عظمة هذه المخلوقات، ثم حقارتها أمام عظمة الرب عظم ربه في قلبه وهاب أن يعصيه، وهاب أن يخالف أمره، واستحضر أنه على كل شيء قدير، وأنه لا يتعاظمه شيء، وأن جميع المخلوقات هي ملكه وخلقه وتدبيره، فيكون هذا سبباً في ذكر الأدلة على عظمة الله ، حتى قال ابن عباس ﵁: (ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم) الخردلة التي هي أصغر من حبة الدخن كما هو معروف، فالله تعالى ذكر أنه يقبض السماوات والأرض، وروى ابن عباس ذكر مقدارها في قبضة الرب ، والحاصل أن الكلام على إثبات اليدين.
ونقول لماذا ذكر الله اليد بلفظ مفرد كقوله: (تبارك الذي بيده الملك) (الملك:١) ؟
стр. 1164
الجواب: أن المراد جنس اليد، فإن الملك الحقيقي بيده ، ولماذا ذكرها بلفظ جمع: (مما عملت أيدينا) (يس:٧١) ؟ فالجواب أن المراد هنا التعظيم، فإنه ذكر نفسه بلفظ الجمع الذي يدل على العظمة، فإنه واحد سبحانه، ولم يقل (أيديه) بل قال: (أيدينا) بضمير الجمع مثل قوله: (إنا خلقنا الإنسان) (الإنسان:٢) (إنا) ضمير للجمع، والجمع هنا للتعظيم، فكذلك يقال (أيدينا) للجمع، فالجمع للتعظيم؛ جمع الأيدي وجمع الضمير، فهذا وجه الإفراد ووجه الجمع.
يبقى التثنية في هذه الآية ونحوها، فذكرها بالتثنية دليل على أنها مقصودة، وأن لله تعالى يدين كما وصف نفسه، ودليله في الحديث قوله ﷺ : (وكلتا يديه يمين) ، فدل على أن العدد مقصود، وأن لله يدين كما وصف نفسه، هذا هو قول أهل السنة.
أما النفاة فماذا يقولون؟ تجدون في تفاسير الأشاعرة والمعتزلة ونحوهم -لهذه الآيات عجائب من أمرهم، وقد حكى ابن جرير ﵀ عند تفسيره هذه الآية في سورة المائدة أقوالاً عنهم، وسماهم: (أهل الجدل) ، في قوله: اختلف أهل الجدل في قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) (المائدة:٦٤) . فذكروا أن المراد باليد النعمة، أو أن المراد باليد القدرة، أو أن المراد بذكر اليدين هنا تمثيل للكرم (يداه مبسوطتان) أي هو كريم وجواد يعطي ويكثر العطاء، وأن العرب تذكر اليدين وبسطهما وليس المراد حقيقة البسط، وإنما المراد كثرة العطاء، واستدلوا بقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) (الإسراء:٢٩) أي مغلولة عن النفقة (ولا تبسطها كل البسط) (الإسراء:٢٩) ، أي تنفق نفقة طائلة.
ثم في النهاية قال ﵀: والقول الأخير أن اليد صفة من صفات الله. ثم أخذ ينصر هذا القول، ويؤيده، وأنها صفة من صفات الله تعالى أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ .
стр. 1165
وذكر أن الله خلق آدم بيده في قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) (ص:٧٥) وأن تخصيص آدم بيده دليل على أنها اليد التي هي صفة من صفات الله تعالى. وأنه لو كان المراد خلقت بقدرتي لم يكن لآدم خصوصية، فإن إبليس خلق بقدرة الله، وكذلك الشياطين والجن، والمخلوقات كلها، والملائكة والسماوات والأرض كلها خلقت بقدرة الله، فلا يكون لآدم ميزة على هذه المخلوقات؛ على قولهم هذا.
والصواب أن قوله تعالى: (خلقت بيدي) دلَّ على فضيلة اختص بها، ومن ثم فإن اليد هنا على الحقيقة، وهذا القول هو الأرجح، وأنها صفة من صفات الله أثبتها لنفسه، فلا نخوض في أكثر من ذلك، وننزه الله عن أن يكون مشابهاً للمخلوقات.
مسألة: بعض آيات صفة النفس والمجيء والإتيان
وقوله:
وقوله تعالى إخبار عن عيسى ﵇ أنه قال: (تعلم ما في نفس ولا أعلم ما في نفسك) (المائدة:١١٦) ، وقوله تعالى: (وجاء ربك) (الفجر:٢٢) ، وقوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) (البقرة:٢١٠) .
شرح:
قوله: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فيها إثبات النفس لله تعالى، والنفس حقاً تطلق على الذات، قال الله تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة) (الأنعام:٥٤) على نفسه يعني على ذاته، وتقول: جاءني فلان نفسه يعني تأكيداً حتى لا يُتوهم أنه جاءك رسوله أو ابنه، فإثبات النفس على أنها الذات معروف، ويمكن القول بأن قصد عيسى ﵇ في قوله: (تعلم ما في نفسي) ما في ضميري؛ ما أُسره في نفسي وما أخفيه في قلبي، ومالا أتكلم به بل أحدث به نفسي خفية في قلبي، (ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب) .
وبكل حال؛ هذا دليل على إثبات هذه الصفة، وإذا أطلقت النفس على الذات، أو أطلقت على ما في النفس يعني ما هو خفي، وما يضمره الإنسان، أو يخفيه الرب تعالى كان هذا سائغاً، وكان دليلاً واضحاً على إثبات هذه الصفة.
стр. 1166
وقد تأولها كثير من المنكرين، وأنكروا إطلاق النفس على الله تعالى، مع أنها أطلقت في القرآن في هذه الآيات وما أشبهها، وكذلك في بعض الأحاديث، ولكن لا عبرة بهم ولا بتأويلاتهم، فنحن نتقبلها، ونكل كيفيتها إلى خالقها، هذا إثبات صفة النفس.
أما الآية التي بعدها: إثبات صفة المجيء (وجاء ربك) (الفجر:٢٢) ، وكذلك قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) (البقرة:٢١٠) ، ومثلها قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك) (الأنعام: ١٥٨) .
هذه الآيات مما حصل فيها اختلاف كثير وإنكار كبير للمتأخرين من المتكلمين وبالغوا في تأويلها وحرفها عن ظاهرها وتجدهم ينكرون صفتي المجيء والإتيان ونحو ذلك، بل قرأت في تفسير بعض المعتزلة أو الأشاعرة - لمَّا أتى على الآية من سورة البقرة: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) قال: وأما إتيان الله؛ فقد أجمع المسلمون على أن الله منزه عن المجيء والذهاب لأن هذا من شأن المحدثان والمركبات هذا علك منزه عن المجيء والذهاب.
وسمعت من حكى مناظرة جرت بين سني وبين مبتدع؛ فقال المبتدع: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقال السني: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء، فجعلوا المجيء والذهاب من صفات المحدثات والمركبات -كما يقولون- ونزهوا الرب عن أمثال هذا. وجعلوا النزول والمجيء والإتيان الذي ذكره الله تعالى أنه زوال عن مكانه وحركة، وجعلوا هذا تشبيهاً لمجيء المخلوق وانتقاله وما أشبه ذلك، ولكن لا إنكار في شيء من ذلك؛ فالأحاديث والآيات صريحة واضحة وليس لنا أن نتدخل في تأويلها، ونسعى في تحريفها.
ثم إن المتأخرين من المتكلمين يقولون في آيات المجيء والإتيان إن فيها قولين:
стр. 1167
القول الأول: ينسبونه للسلف، وهو أنهم يعتقدون أن السلف يسكتون ولا يعتقدون فيها مجيئاً حقيقياً بل يسكتون عنها، ويتركون الكلام فيها، ويمرونها دون أن يتكلموا فيها أو يفسروها بأي نوع من أنواع التفسير، وإنما يسكتون عنها دون الخوض فيها، ويقولون: لا تأويل لها ولا تفسير لها ولا نخوض فيها، ولا نتكلم فيها، ولا ندري ما معناها، ولا نبحث في دلالتها. هكذا يزعمون أن السلف على هذه الطريقة.
والقول الثاني: تأويلهم لها بأنواع من التأويلات المتكلفة، وأكثرهم على أن فيها مقدراً تقديره: جاء أمر ربك، أو يأتيهم الله أي أمر الله (أو يأتي ربك) (الأنعام:١٥٨) أي أمر ربك.
وكان من جملتهم زاهد الكوثري الذي حقق كثيراً من الكتب وأفسدها، فمن جملة ما حققه كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي، فإنه أفسده بتعليقاته عليه، ولما أتى على هذه الآية قال: إن الله يقول في سورة النحل: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك) (النحل:٣٣) ، قال: ما دام في سورة النحل (أو يأتي أمر ربك) فإنا نقول كذلك في سورة البقرة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) (البقرة:٢١٠) أي أمر الله، وكذلك آية الأنعام (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك) أي أمره؛ وكذلك في سورة الفجر (وجاء ربك) (الفجر:٢٢) ، أي جاء أمره فجعل هذا محمولاً على الآية التي في سورة النحل، وقال: إن القرآن يفسر بعضه بعضاً.
ونحن نقول: لا يلزم من إتيان أمر الله في آية سورة النحل عدم إتيانه تعالى في آية أخرى، وإذا أثبتنا لله الإتيان قلنا يجيء كما يشاء، والأحاديث التي في الشفاعة فيها؛ أن بني آدم يطلبون الشفاعة ليأتي الله لفصل القضاء بين عباده، وقد أخبر النبي ﷺ : بأنه إذا طلبت منه الشفاعة جاء، فإذا رأى ربه سجد، وأطال السجود، فيقول الله تعالى له: (ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع.. الحديث) .
стр. 1168
وذلك دليل على أن الله تعالى يجيء لفصل القضاء مجيئاً يليق بجلاله، ولا يلزم من ذلك تشبيه بالمحدثات والمركبات، فنعتقد هذه الصفة ولا نقيسها على إتيان مخلوقاته بل يأتي الله تعالى ويجيء كما يشاء، ويفصل بين عباده، ولا ينافي ذلك عظمته وجلاله وكبرياءه وصغر المخلوقات بالنسبة إليه، وما ذاك إلا أنا لا نحيط به علماً، ولا نكيفه، ولا نكيف أية صفة هو عليها، هذا هو القول الحق.
وأما الآيات التي فيها إتيان أمر الله كقوله تعالى: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) (الحشر:٢) ، فالمراد أتاهم الله بعذابه، وذلك لأنه معروف أن الله أرسل إليهم عذاباً؛ وهو الرعب الذي قذفه في قلوبهم، قال تعالى: (وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم) (الحشر:٢) .
مسألة: بعض أيآت صفة الرضا والمحبة والغضب
والسخط والكراهية والمكر
قوله:
وقوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) (البينة:٨) ، وقوله تعالى: (يحبهم ويحبونه) (المائدة:٥٤) ، وقوله تعالى: (وغضب الله عليهم) (الفتح:٦) ، وقوله تعالى: (اتبعوا ما أسخط الله) (محمد:٢٨) ، وقوله تعالى: (كره الله انبعاثهم) (التوبة:٤٦) .
شرح:
ذكرنا أن صفات الله تعالى: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وهذه الآيات اشتملت على الصفات الفعلية، وهي التي يتصف بها إذا شاء، ولا تكون ملازمة للذات دائماً بل يتصف بها إذا شاء، ويتصف بضدها أو بغيرها؛ لأنهما ضدان، فعندنا في هذه الآيات الرضا والغضب؛ وفي آيات كثيرة.
مثال الرضا (رضي الله عنهم ورضوا عنه) في عدة سور، وكذا قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين) (الفتح:١٨) .
ودائماً عندما نذكر الصحابة نقول: ﵃، عملاً بقوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) (التوبة:١٠٠) ، فرضا الله تعالى صفة من صفاته، ولكنها صفة فعل، يرضى إذا شاء ويغضب إذا شاء.
стр. 1169
وقد ذكر الله الغضب في عدة آيات كقوله تعالى: (والخامسة أن غضب الله عليها) (النور:٩) ، وكقوله تعالى: (وغضب الله عليه ولعنه (النساء:٩٣) ، وكقوله تعالى: (وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً) (الفتح:٦) ، وفي حديث الشفاعة (إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله) فأثبت أن هذا غضب متجدد، وأنه لا يكون بعد هذا اليوم مثله، ودل على أن الغضب صفة فعل يغضب على من يشاء، ويرضى عمن يشاء.
فعلى هذا، فالصفتان، لا يمكن أن يرضى ويغضب في حالة واحدة على شخص واحد، ولا يقال هذا ﵁ وغضب عليه في حالة واحدة، بل رضي عن هذا وغضب على هذا.
فالرضا والغضب صفتا فعل، وهذه الصفات التي ذكرت في هذه الآيات كلها من صفات الفعل كقوله تعالى: (كره الله انبعاثهم) (التوبة:٤٦) ، (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه) (محمد:٢٨) حيث أثبت لنفسه صفة السخط وصفة الكراهة، وكقوله تعالى: (باء بسخط من الله) (آل عمران: ١٦٢) .
والآيات التي فيها صفات الفعل كثيرة مثل قوله تعالى: (يخادعون الله وهو خادعهم)) النساء:١٤٢) ، فيها صفة المخادعة، قال تعالى: (الله يستهزئ بهم) (البقرة:١٥) ، فيها صفة الاستهزاء، قال تعالى: (فلما آسفونا) (الزخرف:٥٥) ، فيها صفة الأسف، قال تعالى: (ومكروا ومكر الله) (آل عمران:٥٤) ، (إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً) (الطارق:١٥-١٦) صفتا المكر والكيد، وأشباهها، كل هذه صفات فعل نثبتها لله كما يشاء، ونقول: إنه يسخط على من يشاء، ويرضى عمن يشاء.
ومثلها أيضاً صفات المحبة، قال تعالى: (يحبهم ويحبونه) (المائدة:٥٤) ، وصفات الرحمة في آيات كثيرة، ومنها اشتق اسم الرحمن، ووصف نفسه بالرحمة، قال تعالى: (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) (غافر:٧) ، (ورحمتي وسعت كل شيء) (الأعراف:١٥٦) ، (إن رحمت الله قريب من المحسنين) (الأعراف:٥٦) .
стр. 1170
فطريقة أهل السنة في هذه الصفات إثباتها ونفي النقص عنها، وذلك لأن الله أخبر بها، والله لا يخبر إلا بما هو حق، ولو كانت قد تستنكر أو تذم في حق الآدمي، كما في الصحيح عن أبي هريرة قال: إن رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: (لا تغضب) فردد مراراً قال: (لا تغضب) ، نهاه عن الغضب، والله تعالى يغضب، ولكنه يغضب على من يستحق الغضب، وكذلك مثله السخط، والكراهية مذمومة، ولكن إذا كانت على من يستحق ذلك فهي صفة حق، وهي صفة ثبوتية أثبتها الله لنفسه.
وقد كثرت التأويلات من المبتدعة لهذه الصفات، فيقول بعضهم: كيف يستهزئ الله مع أن الاستهزاء جهل. واستدلوا بقوله تعالى -عن موسى-: (قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) (البقرة:٦٧) ، فإذا كان موسى يقول: إن الاستهزاء، أو الهزؤ أو: الهزء، جهل، فكيف يقول الله تعالى: (الله يستهزئ بهم) (البقرة:١٥) .
وكذلك المكر والكيد، والمخادعة، والمقت، والأسف، وما أشبهها - هذه مذمومة للإنسان إذا صدرت منه؛ فإن الله تعالى نهانا بقوله تعالى: (لكيلاً تأسوا على ما فاتكم) (الحديد:٢٣) ، فكيف يتصف الله تعالى بها، ولما قال عنهم: (يكيدون كيداً) (الطارق:١٥) ، قال: (وأكيد كيداً) (الطارق:١٦) ، ولما قال: (ومكروا مكراً) (النمل:٥٠) ، قال: (ومكرنا مكراً) (النمل:٥٠) .
فالجواب: إن هذا من باب المقابلة لفعلهم بمثله، ولكن لا يكون فعل الله مساوياً لفعل العبد، بل صفات الله المذكورة صفات أثبتها لنفسه، وهي لا تكون إلا على من هو أهل لها، ولها آثارها، فإذا قلت: ما هو أثر الغضب؟ الجواب: أنه إذا غضب فإنه يعذب من يغضب عليه، وقد ورد أثر الرضا في أن الله إذا رضي؛ فإنه ينعم على من رضي عنه ويثيبه - في حديث قدسي وإن كان ضعيفاً؛ لكنه يكثر الاستشهاد به للاستئناس بلفظه: (إذا عُصيتُ غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد) .
стр. 1171
على تقدير أن هذا يُستشهد به، فيه إثبات أثر الغضب، وأثر الرضى، ولو لم يأت في هذا الحديث، ولكن ذلك من مقتضياته، فأنت تقول للإنسان الذي تنصحه: لا تفعل ما يغضب الله، هذا الفعل يغضب الله، فهو يعرف أن الله إذا غضب يعاقب، اتبع ما يرضي الله عليك أو بما يرضى به عنك ربك، فهو يعرف أنه إذا ﵁ أثابه، فهو يحرص على الفعل الذي به يكون ربه راضياً عنه، ويبتعد عن الفعل الذي يكون به الرب عليه غضبان، لأنه يعرف أن في هذا الغضب عذاباً، وفي الرضا ثواباً. إذاً فلهما آثار في الدنيا وفي الآخرة.
ويقال كذلك أيضاً في الصفات الأخرى؛ كصفة السخط، وصفة الكراهية، وصفة المقت، وصفة الأسف، وصفة الكيد، ويقال: إن الله يمكر بهؤلاء، يعني يعطيهم ثم يعطيهم، ثم يأخذهم على حين غفلة، فكأنه مكر بهم.
ورد في بعض الآثار؛ لما ذكر تمادي بعض الكفار والعصاة، قال: (مُكر بالقوم ورب الكعبة) يعني خُدعوا بما وسع عليهم، وما توسعوا فيه، مما أوقعهم في الذنوب، إلى أن حصل لهم ما حصل من نزول العذاب بهم بغتة وهم لا يشعرون.
فنستفيد أن هذه الآيات دالة على صفات فعلية، وأنها غير مكيفة، وأن الذين أنكروها وبالغوا في إنكارها ليس معهم إلا أدلة عقلية أجاب عنها شيخ الإسلام؛ كما في أول التدمرية لما قال لهم: أنتم تعترفون بالإرادة، والإرادة هي ميل النفس إلى المراد، وتنكرون الغضب وتقولون: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فلماذا فرقتم بينهما قالوا لا نفسر الأراء بأنها ميل القلب إلى المراد، فإن هذه إرادة المخلوق.
قال: فكيف تفسرون الغضب بأنه غليان دم القلب لطلب الانتقام، فإن هذا غضب المخلوق، فقد فرقتم بين متماثلين؛ أثبتم الإرادة ونفيتم الغضب، وكلاهما يفسر عندكم بهذا التفسير الذي هو من خصائص المخلوقين، فانقطعت بذلك حجتهم.
مسألة: بعض أحاديث الصفات
قوله:
стр. 1172
ومن السنة، قول النبي ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا) ، وقوله: (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) ، وقوله: (يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة) .
شرح:
هذه من أحاديث الصفات الفعلية، فأحاديث النزول ذكر ابن كثير وغيره أنها متواترة، وأكثرها مذكور في كتاب ابن القيم المسمى (الصواعق المرسلة) ، وكذلك في كتاب حافظ الحكمي (معارج القبول) ، وفي أمهات الكتب - بلفظ (نزل) أو (ينزل) ، أو بلفظ (هبط) ، أو (يهبط) أو نحو ذلك.
ومعلوم أن النزول لا يكون إلا من أعلى، فهي دالة على أن الرب تعالى موصوف بصفة العلو بجميع أنواعه، وأنها صفة ذاتية -كما سيأتي- وأما النزول فإنه صفة فعلية، ينزل إذا شاء، وفي الحديث: أنه ينزل كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، وأنه يقول: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له) ، يتودد إلى عباده وهو عنهم غني.
وإذا آمنا بهذه الصفة فإننا نكل كيفيتها إلى الله الذي أثبتها لنفسه، ولا نتقعر في ذلك، ولا نبالغ في الإنكار. نقول: ينزل كما يشاء، فإذا قالوا: إن النزول يستدعي الحركة، أو أن يخلو منه العرش، أو أن يكون بعض المخلوقات فوقه، أو أن يكون محصوراً.
قلنا: سبحان الله وبحمده، تعالى الله عن أن تدركه الظنون، وأن تتخيله الأفهام، وأن تمثّله الأوهام، تعالى الله عن ذلك. بل الرب (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) ونزوله يليق به، ولا يماثل أحداً من خلقه في هذه الصفة.
стр. 1173
وقد تكلم على هذا الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة مستقلة بعنوان (شرح حديث النزول) وهي رسالة قد تقر ب من ستين صفحة أو أكثر في بعض الطبعات، كلها على هذا الحديث، وما ذاك إلا لكثرة الخوض فيه، حيث رفع إليه هذا السؤال، وكان من جملة ما أشكل على السائل الذي أنكره - قال: إن الليل يختلف باختلاف البلاد، فقد يكون ثلث الليل في هذا البلد ضحى ونهاراً في بلد آخر، فيلزم من ذلك أن يكون النزول مستمراً عند كل أهل جهة في ثلث ليلهم؟
أجاب شيخ الإسلام: أنه لا مانع؛ فإن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولا مانع أن ينزل عند هؤلاء وهؤلاء كما يشاء، وأيضاً يمكن أن يختص النزول ببلاد المسلمين.
وبكل حال؛ نثبت هذه الصفة ولا نردها -لماذا؟ - لأن الله تعالى على كل شيء قدير، ولأن الذين نقلوها هم الذين نقلوا جميع الأحكام، فإذا رددناها لزم أن نطعن فيهم وفيما نقلوه، ونخطئهم، ولهذا يقول أبو الخطاب الكلوذاني في عقيدته:
قالوا: النزول؟ فقلت: ناقله لنا قوم هم نقلوا شريعة أحمد
قالوا: فكيف نزوله؟ فأجبتهم: لم يُنْقلِ التكييف لي في مسند
يقول: ناقلوه لنا هم الذين نقلوا الشريعة، فيكف نرد هذا النقل ونقبل أمثاله وعشرات الأمثال له؛ لمجرد أن العقل أنكر هذا في زعمكم؛ مع أنه زعم خاطئ؟، وإذا أثبتناه فلا نخوض فيما وراء ذلك -كما تقدم- مع أننا لا نقول: إن نزوله يشبه نزول الإنسان من كذا وكذا؟ فإن هذا خطأ.
стр. 1174
وخطَّأ العلماء النقل الذي ذكره ابن بطوطة في رحلته، حيث إنه ذكر أنه وصل إلى دمشق - يقول: فوجدت فيها ابن تيمية، وإذا هو على المنبر يتكلم على النزول، فقال: إن الله ينزل كنزولي هذا - يعني من المنبر- قالوا: هذا كذب على ابن تيمية من ابن بطوطة، فابن تيمية قد تكلم على النزول في هذا الحديث ولم يقل إنه كنزولي من على المنبر، أو نزولي من السطح، أو نحو ذلك، بل قال: ينزل كما يشاء. ثم خطؤوه أيضاً، وقالوا: إن ابن بطوطة لما أتى إلى دمشق كان ابن تيمية قد سجن في القلعة، فكيف رآه؟ مما يدل على أنه كذب هذه الكذبة، أو تلقاها من بعض الكاذبين، فلا يقال: إن ابن تيمية يمثل النزول بنزول الإنسان، وحاشاه من ذلك.
الحديث الثاني: حديث العجب. (يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة) هذا الحديث مروي في المسند وفي بعض السنن، وهو مما يستشهد به، وإسناده حسن، ومعناه أن الشاب الذي في سن الشباب عادة يكون له ميل إلى اللهو، وميل إلى اللعب، فإذا منّ الله على بعض الشباب وأقبلوا على العلم وعلى الدين وعلى العبادة، وصدوا عن اللهو وعن اللعب وعن ما يوجبه الصبا، فإن ذلك غاية العجب، وذلك فضل الله عليهم.
الشاهد من الحديث أن الله يعجب، وهي صفة فعلية، لا نكيفها، بل نقول: هي كما يشاء الله تعالى، وقد قرأ بعض القراء السبعة قوله تعالى في سورة الصافات (بل عجبت ويسخرون) (الصافات:١٢) بضم التاء؛ لإسناد العجب إلى الله، وهي قراءة سبعية.
ولما ذكرها ابن جرير في التفسير مع قراءة (بل عجبت) قال: هما قراءتان مستفيضتان في قراءة المسلمين، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب، ولو قال قائل: بأيتهما نزل القرآن؟، قلنا: نزل بهما جميعاً. ففي هذه القراءة أن الله يعجب، وكذلك في قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم) (الرعد:٥) أخبر الله أنه عجب؛ يعني إن الله يعجب منهم.
стр. 1175
وينكر كثير من الأشاعرة ونحوهم صفة العجب، ويقولون: إن العليم الخبير لا يعجب، ولا يجوز أن يوصف الله بالعجب، فإن العجب إنما هو انتباه شيء في الإنسان وفي القلب يورث دهشة أو نحوها، هذا قولهم، لكن نحن نثبت لله عجباً لا يشبه عجب المخلوقين، وهذه من الصفات الفعلية.
ومثلها أيضاً حديث آخر في السنن؛ وهو قوله ﷺ : (عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب) فإن في هذا الحديث إثبات صفة العجب، كما إن فيه إثبات صفة الضحك، وفي الحديث الآخر: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة) ، قالوا: كيف ذلك؟ قال: يقاتل أهدهما في سبيل الله فيُقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيُسلم، ثم يُستشهد) ، فكلاهما يدخلان الجنة؛ القاتل والمقتول؛ هذا مما يورث العجب.
فنحن نثبت هذه الصفة، وننفي عنها التشبيه، فالتشبيه يختص بالمخلوقين، ونقول: إن الله تعالى أثبتها لنفسه، ونحن نثبتها دون أن نبالغ في التمثيل، أو نقول عنها ما ليس بحق، ومعلوم أن صفة المخلوق تناسبه؛ فالضحك للمخلوق هو قهقهةٌ وصوت يكون عن شيء يعجبه أو يفرحه أو يسره، ولكن الرب يضحك كما يشاء، بصفة لا نعلمها ولا نعلم كيفيتها.
وفي الحديث الطويل الذي ذكره ابن القيم في (زاد المعاد) وأشار إلى أن علامة الصحة عليه، وهو حديث أبي رزين العقيلي، لما قال في أثناء الحديث: (فيضحك الله من قوله) ، فقال أبو رزين: أو يضحك الرب؟ قال نعم قال لن نعدم من رب يضحك خيرا أقره النبي ﷺ على ذلك بكل حال هذه من الصفات الفعلية صفة الضحك لله كما يشاء.
стр. 1176
فإذا عرفنا هذه الصفات التي وردت في هذه الأحاديث وفي هذه الآيات وهي كثيرة؛ فموقف أهل السنة منها أنهم يقولون: آمنا بها كما جاءت، نقرها ونمرها، ونثبت حقيقتها ولا نرد شيئاً منها، ولا نتكلف فيها، ولا نقول فيها: إنها صفة نقص، والرب ينزه عنها؛ ولا نقول: إنها تستلزم أنه يتجدد لله شيء، أو ما أشبه ذلك كما يقول هذا الكثير من النفاة وأهل الاعتزال ونحوهم الذين إذا ذكرت لهم هذه الصفات يقولون: إن هذا يستلزم حلول الحوادث بذات الله، وحلول الحوادث ممتنع -تعالى الله أن تحل به الحوادث- وليس في هذا شيء من الحوادث بل الله يفعل ما يشاء، ويضحك إذا شاء، ويرضى إذا شاء، ويغضب إذا شاء، دون أن يكون في شيء من ذلك نقص، أو نسبة نقص إلى الله .
وقوله:
فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدِّلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله لا شبيه له ولا نظير (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:١١) ، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال؛ فإن الله تعالى بخلافه.
شرح:
لما ذكر الأحاديث التي في الصفات والآيات، أخبر بأن هذا ونحوه دلت عليه النصوص التي هي ثابتة يقيناً من الأحاديث الصحيحة -كحديث النزول ونحوه- ومن الآيات، فهذه النصوص نؤمن بها ونتقبلها، ونشهد بصحتها، ونثبتها صفات لله تعالى يقينية حقيقية، ولكن لا نكيفها، ولا نمثلها بصفات المخلوقين، بل ننزه الرب تعالى عن سمات المخلوقين وعن صفات المحدثين.
والصفات والسمات متقاربة. فالصفة هي ما يمكن أن ينعت به المنعوت، ولذلك يقولون في النعت إنه صفة. وأما السمة فهي العلامة -اشتقاقاً من الوسم في الدابة-، ويقال: وسمت الدابة سمة، فالسمات هي العلامات، فالله ينزه عن صفات المخلوقين وعن سمات المحدثين.
стр. 1177
ومعلوم أن المخلوقين محدثون، فالمخلوق حادث بعد أن كان معدوماً، ويأتي عليه العدم كما كان معدوماً ثم وجد، ثم يموت ثم يوجد، قال تعالى: (وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم) (البقرة: ٢٨) .
فإذا أتى عليه العدم دل على نقصه، فلا يشبه به الخالق الذي لا يأتي عليه العدم، قال تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) (الفرقان:٥٨) ، فهذه الصفات نتقبلها، ولا ننكر شيئاً منها ولا نرده، نتوقف عندها ولا نقول من قبل أنفسنا شيئاً وإذا اثبتناها لم نشبهها بصفات المخلوق فنستحضر هذه الآية (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:١١) ، وقد تكررت هذه الآية في الشرح لأن فيها رداً على النفاة، ورداً على المشبهة.
ثم ذكر أن كل ما خطر بالبال، وكل ما دار في الخيال، فإن الرب بخلافه، كل ما تصوره المتصور أو تخيله في ذهنه، أو خطر بباله من الهيئات والكيفيات أو الصفات فإن الله تعالى بخلاف ذلك، ولعل الدليل على ذلك قوله تعالى: (ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) ، فإذا كانوا لا يحيطون به علماً فإنهم لو فكروا، وقدروا، ونظروا، وظنوا، وحدسوا، وتخيلوا أن الله تعالى على هذه الهيئة، أو على هذه الصفة فإن كل ذلك ليس بصواب، والله بخلاف ذلك، ولا يحيطون به علماً
مسألة أحاديث صفة الاستواء
قوله:
ومن ذلك قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه:٥) ، وقوله تعالى: (أأمنتم من في السماء) (الملك:١٦) ، وقول النبي ﷺ : (ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك) ، وقال للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء. قال: أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم ومالك بن أنس وغيرهما من الأئمة.
شرح:
стр. 1178
هذا ابتداء كلام المصنف في صفة العلو، وهي من الصفات الذاتية التي كثر فيها النزاع، وكثر فيها المخالف، وطال فيها الكلام والجدال بين أهل السنة والمبتدعة، وأنكرها أغلب الأشاعرة، والمعتزلة، وغالب الفرق الضالة، وما ذاك إلا أن إثبات صفة العلو في زعمهم يستلزم التحديد، أو التجسيم، ويستلزم التحيز، وهم يستعظمون أن يكون الله في حيز، أو في جهة، أو أن يكون الرب موصوفاً، بأنه في هذه الجهة، يخيل إليهم أنه إذا وصف بذلك فهو محصور، وأن الجهة تحويه، أو نحو ذلك.
ونحن نقول: إنه أثبت لنفسه هذه الصفة، ولا يلزم من ذلك ما تخيلوه، بل هو فوق العباد كلهم، ومع ذلك لا تحويه الجهة التي يشار إليها، وليس هناك محذور من إثبات هذه الجهة، أو هذه الصفة.
الدليل الأول: قوله: (الرحمن على العرش استوى) ذكر العلماء أن صفة العلو دل عليها العقل، وصفة الاستواء دل عليها السمع. فالعقل والفطرة يضطران كل عاقل أن يطلب ربه من فوقه، إذا دعا الله تعالى فإنه يجد من قلبه ارتفاعاً ونظراً إلى العلو ولا يلتفت يمنة ويسرة، ولا يطلب عن يمينه ولا عن يساره، ولا تحت ولا أمام ولا خلف، بل فطرته وعقله تضطره إلى أن يرفع يديه، ويرفع نظره، ويرفع قلبه، ويستحضر أن ربه فوقه. فهذه الفطرة فطرة عقلية لا يستطيع أحد أن يجحدها، بل ذكروا أنها -أيضاً- في البهائم؛ إذا أجدبت الأرض فإنها ترفع رؤوسها إلى السماء تستقي -كما قاله بعضهم- بل إنها فطرة كذلك في الجاهليين -كما ذكر ذلك ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية- قال: إنها مقالة معروفة حتى عند الجاهلية في قول بعضهم: (إذا كان ربي في السماء قضاها) .
стр. 1179
وبكل حال فصفة العلو صفة ذاتية، ثم هي أيضاً صفة ثابتة أدلتها متواترة لا مجال لإنكارها إلا مع المكابرة والمعاندة، وقد ذكر العلماء أن الأدلة عليها أنواع كثيرة، وبعض الأنواع أفراده قد تصل إلى عشرين دليلاً أو أكثر، وقد يصل مجموع الأفراد إلى ألف دليل مما يكون سبباً في الاضطرار إلى الإقرار بهذه الصفة، وقد حصرها ابن القيم في واحد وعشرين نوعاً في منظومته النونية الكافية الشافية، ولما قسمها إلى واحد وعشرين نوعاً بدأ بآيات الاستواء.
وآيات الاستواء وردت في سبعة مواضع: في سورة الأعراف، ويونس، والرعد، وطه، والسجدة، والفرقان، وفي سورة الحديد، كلها ذكر فيها الاستواء، وخص الاستواء بالعرش.
وقد ذكر ابن القيم أن هذا إجماع من العلماء من أهل السنة -قال في النونية في الدليل السادس عشر:
هذا وسادس عشرها إجماع أهل العلم، أعني حجة الأزمان
من كل صاحب سنة شهدت له أهل الحديث وشيعة الرحمن
لا عبرةً بمخالف لهم ولو كانوا عديد الشاء والبعران
ثم ذكر تفسيرهم لآيات الاستواء بقوله:
ولهم عبارات عليها أربع قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر، وقد علا، وكذلك ارتفع الذي ما فيه من نكران
وكذاك قد صعد الذي هو رابع وأبو عبيدة صاحب الشيباني
يختار هذا القول في تفسيره أدرى من الجهمي بالقرآن
والأشعري يقول تفسير استوى بحقيقة استولى من البهتان
стр. 1180
فذكر أنهم فسروا الاستواء، ثم المشهور عندهم، والكثير منهم يقولون: استوى استواءً يليق بجلاله، ولكن لما كان الاستواء له معان فإنهم فسروه وسيأتي قول الإمام مالك الاستواء معلوم - وإذا كان معلوماً فإنه فصيح وبلغة فصيحة، ولابد أنه مفسر، ولابد أنه مترجم من لغة إلى أخرى، ولابد أن يكون له معنى، فلذلك فسروه بأربع تفسيرات:
التفسير الأول: استوى: استقر، وذلك مشهور عنهم، ومع ذلك فالنفاة قد أخذوا يوردون عليه إيرادات وحشية فرضية؛ أوردها ابن خطيب الري الذي هو الرازي صاحب التفسير الكبير، عندما أتى على هذه الآية (ثم استوى على العرش) (الأعراف:٥٤) قال: إن هناك من فسره بالاستقرار وزيّفه بوجوه. ثم أطال في ذكرها، وكذلك صاحب الكشاف الذي هو الزمخشري، ونحوهما من المعتزلة والأشاعرة، ولكن لا عبرة في تزييفهم، فإن تلك التزييفات التي زيفوه بها، والتي طعنوا فيه بها، كلها تخيلات وعقليات لا يلتفت إليها مع وجود النص، ومع الذي تؤيده اللغة الفصحى، وإذا قلنا: استوى، واستقر فلا محذور في ذلك، فالله تعالى مستقر على عرشه، ولكن لا يلزم من ذلك محذور.
والتفسير الثاني: هو الذي يذكره ابن جرير، وابن كثير أيضاً عند تفسير الاستواء، يقول: (ثم استوى على العرش) أي علا. هكذا يقول، وهو صريح في العلو الذي هو العلو الحقيقي.
التفسير الثالث: الارتفاع؛ (استوى على العرش) أي ارتفع.
التفسير الرابع: الصُعود؛ (ثم استوى على العرش) أي صعد، وذكر ابن القيم أن أبا عبيدة يختار هذا القول، وأبو عبيدة هو معمر بن المثنى الشيباني، وهو من علماء اللغة، فسر (استوى) بمعنى صعد، وذكروا عنه أنه نقل عن بعض فصحاء العرب أنه طرق عليه الباب بعض أصحابه، وكان في علية مرتفعاً فقال لهم: استووا. يعني ارتفعوا، فكأنه يقول: إن الاستواء بمعنى الصعود، ومعلوم أيضاً أن الكلمة وردت بعدة عبارات.
стр. 1181
فوردت في القرآن غير مقيدة بحرف، قال تعالى: (ولما بلغ أشده واستوى) (القصص:١٤) لم يكن بعدها حرف، فتفسر هنا بمعنى الكمال يعني كمل.
كما وردت مقيدة بإلى، ومقيدة بعلى؛ قال تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) (فصلت:١١) ، (ثم استوى إلى السماء فسواهن) (البقرة:٢٩) هنا قيدت بإلى، وتفسر أيضاً بمعنى ارتفع إليها.
وأما إذا قيدت بعلى فلا خلاف أنها بمعنى العلو، ومنه قوله تعالى: (واستوت على الجودي) (هود:٤٤) يعني ارتفعت عليه واستقرت، وهو جبل رفيع لما نضب الماء استوت السفينة على ذلك الجبل، فهاهنا استقرت وصارت مرتفعة فوقه، وكذلك قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره) (الزخرف:١٣) ، وكذلك قوله تعالى: (فاستوى على سوقه) (الفتح:٢٩) يعني ارتفع السنبل على سوقه، فعرفنا أن هذا دليل واضح على أنها إذا قيدت بعلى؛ فهي دالة على الارتفاع، إذاً فهي دليل واضح على أن الله فوق العرش كما وصف نفسه.
أما المعتزلة ونحوهم من النفاة فكبرت عليهم هذه الآية فأولوها بعدة تأويلات:
التأويل الأول: يُقال أن الجهم الذي هو رئيسهم لما قرأ هذه الآية وعنده بعض أصحابه قال: لو تمكنت لمحوت هذه الآية من المصاحف، ولما كانت صريحة في الرد عليهم لم يجدوا بداً من الخوض في تأويلها، وأكثرهم فسر استوى باستولى، واستدلوا ببيت يقول فيه الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
ولا يدري من الذي قال هذا البيت، وبعضهم يقول: إنه للأخطل، والأخطل نصراني لم يدخل في الإسلام، ولو كان عربياً من بني تغلب، ولعل ذلك هو الذي أراده ابن القيم بقوله في النونية:
ودليلهم في ذاك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني
وفي لامية شيخ الإسلام ابن تيمية يقول فيها:
قبحٌ لمن نبذ الكتاب وراءه وإذا استدل يقول قال الأخطل
стр. 1182
ثم نقول: هذا البيت على تقدير صحته، فالاستواء فيه بمعنى العلو، استوى على العراق، يعني استقر على سريرها، فهو دال على العلو، فلا يكون دليلاً على الاستيلاء، ثم نقول: إن الاستيلاء ليس خاصاً بالعرش، وهذا هو الذي ذكره ابن القيم عن الأشعري:
والأشعري يقول تفسير استوى بحقيقة استولى من البهتان
الأشعري هو أبو الحسن الذي تنتسب الأشاعرة إلى مذهبه الأوسط، وقد رجع عنه في كتابه (الإبانة) . فيقول فيها: إنهم فسروا الاستواء بالاستيلاء، ولو كان الأمر كما يقولون: لم يكن للعرش ميزة؛ فإن الله تعالى مستولٍ على كل شيء، ولا يجوز أن يوصف بأنه استولى على غير العرش، فلا يجوز أن تقول: إن الله استوى على الجبال، إن الله استوى على الأرض، إن الله استوى على الحشوش، إن الله استوى على الأشجار وعلى القصور؛ وحيث إنه خص الاستواء بالعرش فإنه يختص به. فلو كان الاستواء بمعنى الاستيلاء فلماذا يخص العرش وحده؟ الله مستولٍ على الجميع. هذا من جهة، ومن جهة ثانية: فإن الاستيلاء لا يكون إلا بعد منازعة.
سمعت حكاية أن بعض المبتدعة قام في أحد المساجد وأخذ يتكلم عن الاستواء، وأخذ يقرر أن استوى بمعنى استولى، والله هو المستولي واستولى على العرش ... ثم إن بعض الحاضرين أمر غلاماً له أن يخرج ويطل من النافذة، ويقول له: قبل أن يستولي على العرش من العرش له؟ فبهت ذلك الذي يتكلم، فقالوا له: صحيح هذا السؤال واضح. نحن نقول وغيرنا: لمن كان العرش قبل أن يستولي الله عليه؟ وبهذا نعرف بطلان هذا التفسير.
стр. 1183
التأويل الثاني: إن العرش بمعنى الملك، قال تعالى: (ثم استوى على العرش) (يونس:٣) أي استوى على الملك، وتفسيرهم العرش بأنه الملك كله إبطال الذي ذكره الله تعالى ووصفه بصفات خاصة، والله تعالى وصف هذا العرش بقوله تعالى: (رب العرش الكريم) (المؤمنون:١١٦) ، (رب العرش العظيم) (النمل:٢٦) ، (ذو العرش المجيد) (البروج:١٥) ، وذكر أن العرش محمول قال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله) (غافر:٧) ، (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) (الحاقة:١٧) ، (وترى الملائكة حافين من حول العرش) (الزمر:٧٥) ، (رفيع الدرجات ذو العرش) (غافر:١٥) في آيات كثيرة أفتبطل هذه كلها؟ ويقال: العرش هو الملك. هذا من الخطأ.
زيادة على النصوص الكثيرة التي فيها إثبات حملة العرش، وكيف حملوه وعددهم، وبأي شيء حملوه، وما أشبه ذلك، كل ذلك يدل على أن العرش مخلوق كبير لا يعلم قدره إلا الله تعالى، ورد في بعض الأحاديث أن (الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة) الحلقة هي الحديدة المتلاقية الطرفين، ماذا تشغل من أرض واسعة؟ فكذلك نسبته، مع أن الكرسي قد وسع السماوات والأرض كما نص الله على ذلك.
وروي في حديث مرفوع: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس) الترس هو المجن الذي يوضع على الرأس في القتال، ماذا تشغل السبعة فيه؟ فإذا كانت هذه نسبة المخلوقات العلوية والسفلية العظيمة إلى الكرسي، وهذه نسبة الكرسي إلى العرش، فما تكون نسبة العرش وما هو مقداره؟ لا يقدر قدره إلا الله تعالى.
إذاً فهذان تأويلان باطلان، والأول منهما هو الأشهر (استوى) بمعنى استولى، فإنهم زادوا فيها (لاماً) ويسمى هذا تحريفاً لفظياً، وزيادة هذه اللام شبيهة بالنون التي زادها اليهود لما قيل لهم قولوا: (حطة) فقالوا: (حنطة) هكذا شبهها ابن القيم بقوله:
نونُ اليهود ولامُ جهمي هما في وحي ربَّ العرشِ زائدتان
стр. 1184
شبهها بنون اليهود، إذاً فنحن نعرف أن هذا النص من الأدلة الواضحة على صفة العلو لله تعالى، ولا نخوض في أكثر من ذلك.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء) (الملك:١٦) ، (أم أمنتم من في السماء) (الملك:١٧) الله تعالى قطع الكلام عما بعده في قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء) هذا وقف مطلق. (أم أمنتم من في السماء) هذا وقف جائز (أن يرسل عليكم حاصباً) (الملك:١٧) ولا شك أن هذا دليل واضح على إثبات العلو، و (في السماء) يفسرونها بتفسيرين:
التفسير الأول: أن تكون (في) بمعنى على، وهذا مشهور في اللغة كما في قوله تعالى: (أربعين سنة يتيهون في الأرض) (المائدة:٢٦) يعني على الأرض، (أفلم يسيروا في الأرض) (غافر:٨٢) ، (قل سيروا في الأرض) (النمل:٦٩) ، ليس المراد في جوفها بل المراد عليها، وكذلك قوله عن فرعون (ولأصلبنكم في جذوع النخل) (طه:٧١) ، ليس المراد أنه ينحت لهم ويدخلهم في الجذوع، بل المراد أنه يصلبهم على جذوع النخل، فدل على أن في تأتي بمعنى على: (في السماء) (المالك:١٧) يعني على السماء.
التفسير الثاني: أن السماء بمعنى العلو، وأن كل ما ارتفع فإنه سماء. يقولون: سما فلان يعني ارتفع، سما هذا البناء ارتفع، هذا بناء سامٍ أي مرتفع، هذا جبل سامٍ أي مرتفع، فالسمو بمعنى الارتفاع.
فإذا قيل: (من في السماء) أي في جهة العلو التي لا يعلم نهايتها وقدرها إلا هو سبحانه -فإن قيل فيها دليل على الحصر؟ -فالجواب ليس معنى (في السماء) أن السماء تحصره، أو تحويه -تعالى الله- بل هو فوقها كما يشاء.
стр. 1185
وإذا استدلوا بقوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) (الزخرف:٨٤) . وقالوا: هذا دليل على أنه في الأرض كما أنه في المساء. فالجواب عن هذه الآية، وعن الآية التي في سورة الأنعام (وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم) (الأنعام:٣) أن المراد: الإله في السماوات والإله في الأرض؛ بمعنى المألوه الذي تألهه القلوب، والذي يستحق أن يكون إلهاً معبوداً وحده، وذلك لأنه لم يقف عند (السماء) ، بل وصلها، ولم يقل وهو الله في السماء. وهو الذي في السماء وفي الأرض بل قال (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) (الزخرف:٨٤) يعني: إله في السماء، وإله في الأرض.
ويمثل بعضهم ذلك بما إذا قلت مثلاً: فلان أمير في العراق، وأمير في الشام، مع أنه بأحدهما، والمعنى أن إمارته عامة لهذه البلاد، فالله تعالى ألوهيته عامة لأهل السماوات والأرض ولما شاء الله، هذا دليلُ إثبات أنه في السماء.
كما ورد أيضاً في الأحاديث مثل حديث رقية المريض، وهو حديث مشهور رواه أبو داود وغيره، وإن كان في سنده مقال، ولكن شيخ الإسلام يكثر الاستدلال به مما يدل على أن المقال لا يقدح فيه، وفيه (إذا مرض أحدكم، أو مرض أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء؛ فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع) .
والشاهد قوله: (ربنا الله الذي في السماء) ، ولم يقل في السماء والأرض، ولم يقل: (ملكك) كما يعبرون عنه، أو (في السماء سلطانك) كما تقوله النفاة، أو (في السماء أمره) كما يقولونه، والأحاديث في هذا كثيرة.
стр. 1186
ومثله قصة الجارية (جاء رجل وقال يا رسول الله: إن علي عتق رقبة، وإن عندي جارية أفأعتقها؟ فقال: ائت بها.. الحديث) فلما جاء بها امتحنها النبي ﷺ ؛ هل هي مؤمنة؟ لأن من شرط العتق أن يكون العتيق مؤمناً لقوله تعالى: (فتحرير رقبة مؤمنة) (النساء:٩٢) ، فأول شيء بدأها بقوله: (أين الله) ؟ فقالت: في السماء. إما أن ذلك فطرة، وإما أن ذلك عن علم تلقته وتعلمته، قال (من أنا) ؟ قالت: أنت رسول الله. فقال: (أعتقها فإنها مؤمنة) . زكاها وشهد لها بالإيمان لما اعترفت بأن الله في السماء، فدل على أنه لا يكمل الإيمان إلا بهذا الشرط؛ وهو الاعتقاد أن الله في السماء، ويفيد أن من اعتقد غير ذلك فإنه ناقص الإيمان.
ومثل هذا أيضاً قوله ﷺ : (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) أي ربكم الذي في السماء، وقال ﷺ : (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحاً ومساءً) ، والأحاديث كثيرة. والحاصل أن هذا دليل على إثبات العلو، ومحمله كما قلنا.
وقوله:
وقال النبي ﷺ لحصين: (كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة؛ ستةً في الأرض، وواحداً في السماء. قال: من لرغبتك ولرهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: فاترك الستة واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين. فأسلم، وعلمه النبي ﷺ أن يقول: اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) .
شرح:
стр. 1187
هذا حديث مروي في سنن الترمذي في قصة حصين والد عمران بن حصين الأسدي جاء إلى النبي ﷺ قبل أن يسلم، ولكنه لم يسأله عن الرغبة في الإسلام، فسأله كم إلهاً تعبد؟ قال: سبعة -ثم فصل- فقال: ستةً في الأرض، وواحداً في السماء. فقال: من لرغبتك ولرهبتك؟ قال: الذي في السماء. فدعاه إلى الإسلام، وقال له: إذا أسلمت فإني سوف أعلمك كلمتين نافعتين. فأسلم، وعلمه النبي ﷺ قوله: (اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي) ، وهذه دعوة عظيمة.
قوله: (من لرغبتك ولرهبتك) يعني من تعده إذا كانت رغبتك ملحة وشديدة، ورهبتك يعني خوفك؛ فالرهبة: الخوف، والرغبة: الرجاء، يعني من الذي ترجوه عندما تحل بك الأزمات أن يفرج عنك، ومن الذي تخافه عندما تفعل المعاصي والمحرمات أن يبطش بك، من الذي تعد للرغبة والرهبة؟ فقال: الذي في السماء. أقره النبي ﷺ على ذلك، ولو كان هذا غير جائز لأنكر عليه، ولقال له: هذا تجسيم، أو تشبيه أو إثبات جهة، أو نحو ذلك.
فإن المبتدعة يسمون أهل السنة بألقاب ابتدعوها يسمونهم: نوابت، ويسمونهم غثاءً، ومجسمة، وحشوية، ومشبهة، وممثلة وما أشبه ذلك، وهم أولى بتلك الأسماء التي ابتدعوها ونبزوا بها أهل السنة، وعلى كل حال فإن هذا دليل واضح على إقرار النبي ﷺ لمن يعتقد أن الله في السماء.
وقوله:
وفيما نقل من علامات النبي ﷺ وأصحابه في الكتب المتقدمة: (أنهم يسجدون بالأرض، ويزعمون أن إلههم في السماء) .
شرح:
стр. 1188
هذا الأثر في صفة هذه الأمة من الآثار التي تنقل عن الكتب المتقدمة وهي من الأخبار التي قال فيها النبي ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل ... الآية) ولكنه مطابق للواقع، مطابق لوصف هذه الأمة بأنهم يسجدون في الأرض وإلههم في السماء، ومعلوم أنهم على الأرض وأنهم يسجدون عليها، وأنهم يضعون جباههم عليها تواضعاً لربهم، وأنهم يعتقدون أن ربهم فوقهم.
مسألة: حديث الأوعال
قوله:
وروى أبو داود في سننه أن النبي ﷺ قال: (إن ما بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا..) وذكر الخبر إلى قوله ( ... وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك) فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده، ولا تأويله، ولا تشبيهه، ولا تمثيله.
سئل الإمام مالك بن أنس ﵀ فقيل: يا أبا عبد الله، (الرحمن على العرش استوى) (طه:٥) كيف استوى؟ فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ثم أمر بالرجل فأخرج.
شرح:
هذا الحديث يسمى حديث الأوعال، ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية، ولما حصلت المناظرة بينه وبين الأشاعرة في دمشق، وأرادوا أن ينكروا عليه، وكان مما استدل به هذا الحديث الذي ذكر فيه النبي ﷺ : خلق المخلوقات، ثم قال في آخره: (والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) .
لما ذكر الرسول ﷺ السماوات، وذكر البحار التي فوقها، وذكر الأوعال التي هي الملائكة الذين يحملون العرش، قال بعد ذلك: (والعرش فوق ذلك) يعني فوق ظهور الأوعال، مع ذكره لعظم خلقهم، و (والله فوق العرش) دليل صريح بذكر الفوقية.
стр. 1189
قالوا: إن الحديث في إسناده عبد الله بن عميرة، وأنه لا يعرف إلا به، ولكن شيخ الإسلام يقول: إن هذا الحديث قد رواه كثير من الأئمة مؤيدين له. ومن جملة من رواه إمام الأئمة ابن خزيمة في كتابه (التوحيد) المطبوع المشهور المحقق؛ ذكر في أول الكتاب أنه لا يروي إلا الأحاديث التي صحت وليس في أسانيدها طعن ولا انقطاع، فهو روى هذا الحديث وسكت عنه، وذلك دليل على ثبوته، وفيه إثبات الفوقية أن الله تعالى فوق العرش الذي هو فوق المخلوقات، ولا دلالة أصرح من هذا الدليل.
(والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه) يعني أنه مع علوه، فهو سبحانه يطلع عليكم، ولا يخفى عليه منكم خافية، يعلم القريب والبعيد.
وآيات المعية، وآيات القرب كثيرة، وقد ذكر شيخ الإسلام أن ما ذكر في القرآن من علو الله تعالى وفوقيته لا ينافي ما ذكر من قربه ومعيته؛ فإنه سبحانه لا يقاس بخلقه، وليس كمثله شيء، وهو عليٌّ في دنوه، قريب في علوه، نَصفه بأنه هو الأعلى وهو معنا، ومطلع علينا، يرى عباده ويعلم أحوالهم، كما في قوله تعالى: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (ق:١٦) ، وفي قوله تعالى: (وما كنا غائبين) (الأعراف:٧) .
هذه الأدلة ونحوها أدلة صريحة في إثبات العلو، والأدلة كثيرة وقد مر بنا آيات الاستواء، وآيات ذكر السماء، وهذان نوعان من الدليل.
والدليل الثالث: آيات العلو كقوله تعالى: (وهو العلي العظيم) (البقرة:٢٥٥) ، (سبح اسم ربك الأعلى) (الأعلى:١) ، (إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) (الليل:٢٠) ، (إن الله كان علياً كبيراً) (النساء:٣٤) ، (إنه علي حكيم) (الشورى:٥١) ونحو ذلك، فالعلو ثابت لله تعالى بجميع أنواعه وأنواع العلو ثلاثة: علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات.
ومثله آيات الفوقية، مثل قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) (الأنعام:١٨) ، (يخافون ربهم من فوقهم) (النحل:٥٠) .
стр. 1190
فإذا قال النفاة: إن قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) إن الفوقية هنا فوقية الغلبة، يعني الغالب فوق عباده، يعني غالباً لهم وقاهراً لهم، وشبهوا ذلك بقول فرعون: (وإنا فوقهم قاهرون) (الأعراف:١٢٧) وكذلك قالوا: إن العلو هنا علو الغلبة، وعلو القهر، وقالوا: إن هذه شبيهة بقول فرعون: (أنا ربكم الأعلى) (النازعات:٢٤) .
الجواب أولاً: هذا لا يتأتى في آية: (يخافون ربهم من فوقهم) فإنه صريح في أن الفوقية ثابتة من فوقهم، ويمكن أن يصح في قوله: (وهو القاهر فوق عباده) أنها فوقية القهر وفوقية الغلبة وفوقية القدر، ومع ذلك يلزم من فوقية القهر فوقية الذات، فالله تعالى فوق عباده بذاته، والعلي بقدره، والعلي بقهره، يعني القاهر لهم، والذي هو فوقهم كما يشاء .
ومثل ذلك آيات الرفع؛ كقوله تعالى: (والعمل الصالح يرفعه) (فاطر:١٠) ، (إني متوفيك ورافعك إلي) (آل عمران:٥٥) ونحوها، وآيات العروج قال تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه) (المعارج:٤) ، (ثم يعرج إليه) (السجدة:٥) ، وآيات الصعود قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب) (فاطر:١٠) .
ومثلها ما ذكر الله عن فرعون أنه أراد الصعود إلى السماء قال تعالى في قصته: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى) (غافر:٣٦-٣٧) لابد أن موسى أخبره بأن الله في السماء، ولو كان موسى أخبره بأن الله في كل مكان لما تكلف أن يبني الصرح، فهذا دليل على أن الله تعالى أمر موسى بأن يبين له ويعلمه أن الرب تعالى في السماء، فلذلك بنى الصرح محاولا أن يطلع على إله موسى.
ومن الأدلة على ذلك إقرار الأشاعرة بالرؤية؛ رؤية المؤمنين لربهم، ولذلك أنكرها المعتزلة، وقالوا: إنها تستلزم أن الله تعالى في جهة، ونحن نقول: نعم إن الله في جهة العلو.
стр. 1191
وبكل حال هذا هو القول الواضح، ومع ذلك فإنهم أنكروا صفة العلو مع كثرة ما عليها من الأدلة ووضوحها، حتى إن بعض الأشاعرة رد على ابن القيم في النونية ومنهم السبكي، ثم إن زاهداً اكلوثري حقق هذا الرد الذي على ابن القيم، وقدم له مقدمة بشعة أخذ يسبه فيهان ويصفه بصفات تصل إلى الكفر -والعياذ بالله- كفّره وفسّقه، وشتمه، ولعنه، ودعا عليه، وشنع به، وما ذاك إلا لأنه يعجز الكوثري وأمثاله أن يتأولوا هذه الأدلة، وأن يردوها، فلما رآها صريحة، ورأى أن الذين ردوا عليه تكلفوا في ذلك، لم يكن بدٌ من أن يحمل عليه.
أما هذا الأثر عن مالك، فهو مشهور عنه أنه جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله: أرأيت قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه:٥) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء -يعني العرق- ثم رفع رأسه فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً) ثم أمر به فأخرج، هكذا رُوي عن مالك ﵀ واشتهر عنه، وانتشر.
وهكذا أيضاً روي عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ من علماء المدينة، وهو من مشاهير العلماء أنه قال في الاستواء: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) . مقالة يا لها من مقالة حكيم، وعلوم لا تصدر إلى عن علم راسخ.
وقد رُوي هذا عن أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين أنها قالت، (الاستواء معلوم، والكيف مجهول.. إلى آخره) ، ورواه بعضهم عن أم سلمة مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولكنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وصحته إنما هي عن مالك وعن شيخه، ولا شك أن هذا قول الأئمة كلهم؛ يقرون بأن الله تعالى على العرش استوى، وأن الاستواء معلوم غير مجهول، ومعلوم يعني مفهوم له معنى مدرك، معناه واضح يفسر ويبين، ويفهم، ويترجم من لغة إلى لغة.
стр. 1192
فله معنى، بخلاف من يقول: إنه لا يعلم معناه، وإنما هو كالألفاظ الأعجمية التي نتكلم بها ولا ندري ما مفادها، أو كالألفاظ ما سمعنا لها أصلاً، ولا يدري معناها فهذا افتراء على مالك، ما دام أنه قال: (معلوم غير مجهول) أي لا أجهله أنا ولا تجهله أنت؛ لأن اللغة الفصيحة، لغة واضحة، إلا أن له كيفية، والكيف مجهول، الكيف غير معقول، الكيفية التي عليها الاستواء هي المجهول.
فلأجل ذلك في اصطلاح أهل السنة يقولون في آيات الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف، اجتنبوا التكييف، ويقولون: نؤمن بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل.
التكييف له أحد معنيين:
الأول: هو السؤال بكيف استوى؟ كيف ينزل؟ كيف علمه؟ كيف يغضب؟ فنقول: لا يجوز التكييف.
الثاني: أن التكييف هو الإخبار بالكيفية؛ أن يقال: كيفية النزول كذا وكذا، كيفية الاستواء كذا وكذا، وهذا أيضاً لا يجوز اعتماده، ولا يجوز العمل به، ولا القول به، بل الله كما وصف نفسه في صفاته، دون أن يكون له كيفية مفهومة لنا.
وأما قوله: (والإيمان به واجب) لأن الله أخبر به في عدة آيات، وكل ما أخبر به وجب التصديق به، ووجب اعتقاده، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه من العلم الذي حجبه الله عنا، والسؤال عن الكيفيات بدعة، ولهذا في منظومة أبي الخطاب:
قالوا: فتزعم أن على العرش استوى قلت: الصواب؛ كذاك أخبر سيدي
قالوا: فما معنى استواه أبن لنا فأجبتهم: هذا سؤال المعتدي
فالسؤال عن الكيفية بدعة، ولأجل ذلك أمر بإخراج هذا المبتدع فنعرف من هذا طريقة السلف ﵏ في إثبات الصفات، وفي الرد على المبتدعة.
مسألة: إثبات صفة الكلام لله تعالى
قوله:
стр. 1193
ومن صفات الله تعالى؛ أنه متكلم بكلام قديم، يُسمِعُه من شاء من خلقه، سَمِعه موسى ﵇، من غير واسطة وسمعه جبريل ﵇ ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يُكلِّم المؤمنين في الآخرة ويكلِّمونه، ويأذن لهم فيزورونه. قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) (النساء:١٦٤) ، وقال سبحانه: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف: ١٤٤) ، وقال سبحانه: (منهم من كلم الله) (سورة البقرة:٢٥٣) وقال سبحانه: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب) (الشورى:٥١) .
شرح:
هذه من الأدلة على أن الله تعالى متكلم ويتكلم إذا شاء، والدليل قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) واضح في أن الله كلم موسى وأنه أسمعه كلامَه، وكذلك قوله تعالى: (مِنْهم من كلم الله) يعني موسى أو يعني من الرسل من كلمه الله، وكذلك قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) (الأعراف:١٤٣) إلى قوله تعالى: (وإني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف:١٤٤) واضح في أن الله كلَّمه، وأنه اصطفاه، واختصه برسالته، وبتكليمه له، وأن الله أسمعه الكلام.
وقد ذُكر أن أحد الجهمية جاء إلى أبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة في العراق- وقال: أريد منك أن تقرأ هذه الآية: (وكلم الله موسى تكليماً) (النساء:١٦٤) بنصب (الله) ، وقصده أن يكون موسى هو الذي كلم ربه، لا أن الله هو الذي كلم موسى، يريد بذلك نفي كلام الله لموسى، ولكن أبا عمرو ﵀ قال له: هب أني قرأت أنا أو أنت هذه الآية هكذا؟ فكيف تفعل بقول الله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) هل تستطيع أن تغيرها؟ هل تستطيع أن تقدم فيها أو تؤخر؟ فتحير ذلك الجهمي، وعرف أنه لا حيلة له في تغيير هذه الكلمة.
стр. 1194
أراد أن يحرفها تحريفاً لفظياً، ويجعل الكلام من موسى لا من الله؛ في قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) ، فجاءت هذه الآية التي تبطل تحريفه (وكلمه ربه) فقدم الضمير المفعول به، والرب هو المكلم - فلم يكن له فيها حيلة.
ثم ذكر شيخ الإسلام أن المعتزلة والجهمية تأولوا هذه الكلمة فحرفوها تحريفاً عجيباً؛ فقالوا: التكليم التجريح قال تعالى: (وكلمه ربه) ، (منهم من كلم الله) (البقرة:٢٥٣) يعني جرحه بأظافر الحكمة، وقالوا: إن الجُرح هو الكَلم كما في قوله ﷺ : (ما من مكلوم يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلمِ؛ لونه لون دم وريحه مسك) .
فذهبوا مذهباً بعيداً، وفسروا التكليم بأنه التجريح -سبحان الله- وهل التجريح شرف؟ وهل فيه ميزة لموسى؟ ولماذا اختصه بقوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) بعد ما ذكر أنه أوحى إلى النبيين بقوله تعالى (إن أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) (النساء:١٦٣) ، لو كان ذلك هو التجريح ما كان فيه فضيلة، كيف يكون جرحه بأظافير الحكمة؟ فإن التجريح عذاب سواءً كان حسياً أو معنوياً، ثم يبطله أيضاً قوله تعالى: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف:١٤٤) ولم يقل بتكليمي، والكلام واضح في أنه أراد ما سمعه من كلام الله له، فبطل بذلك تأويلهم.
كذلك أيضاً قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله وحياً) (الشورى:٥١) ليس المراد أن يجرحه إلا وحياً، وهل الوحي تجريح بأظافير الحكمة؟ فعرف بذلك أن التكليم هو الكلام، ولهذا قال تعالى: (أو من وراء حجاب) (الشورى:٥١) يعني أو يْكلِّمه من وراء حجاب كما حصل لموسى.
وقوله:
وقال تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك) (طه:١١-١٢) ، وقال تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) (طه:٢٤) ، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.
شرح:
стр. 1195
من الأدلة أيضاً: آيات النداء، فالنداء لا يعرف إلا بالكلام، وقد ذكر الله النداء في عدة آيات، ففي سورة القصص ذكره في ثلاث آيات؛ قال تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) (القصص:٦٢) ، (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) (القصص:٦٢) فالنداء لا يكون إلا بصوت، وبكلام مسموع: قال الله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين) (الشعراء:١٠) ، وقال تعالى: (هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى) (النازعات:١٥-١٦) ، وفي هذه الآية (فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك) إلى قوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (طه:١١-١٤) ، وكذلك قوله تعالى: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً) (مريم:٥٢) .
فلا شك أن النداء كلام مسموع، فلابد أن يكون كلام الله الذي تكلم به من الكلام المسموع الذي فهمه موسى، ولهذا لما سمع كلام الله سأل النظر إليه، وقال: (رب أرني أنظر إليك) (الأعراف:١٤٣) الآية، فدل على أنه سمع كلام الله، ولا شك أن موسى سمع قول الله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) (طه:١٤) ، من الذي قال هذا لموسى؟ قالته الشجرة؟
ولما رأى النار فقال: (إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) (القصص:٢٩) (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) (النمل:٨) يعني سمع نداء الله (أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك) (القصص:٣٠-٣١) .
هل تقول الشجرة هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى: (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (طه:١٢-١٤) ، (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم * وألق عصاك) (النمل:٩-١٠) ؟ هذا كلام لا يقوله إلا الرب سبحانه الذي ناداه.
следующие страницы →