Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
وبكل حال هذا هو القول الواضح، ومع ذلك فإنهم أنكروا صفة العلو مع كثرة ما عليها من الأدلة ووضوحها، حتى إن بعض الأشاعرة رد على ابن القيم في النونية ومنهم السبكي، ثم إن زاهداً اكلوثري حقق هذا الرد الذي على ابن القيم، وقدم له مقدمة بشعة أخذ يسبه فيهان ويصفه بصفات تصل إلى الكفر -والعياذ بالله- كفّره وفسّقه، وشتمه، ولعنه، ودعا عليه، وشنع به، وما ذاك إلا لأنه يعجز الكوثري وأمثاله أن يتأولوا هذه الأدلة، وأن يردوها، فلما رآها صريحة، ورأى أن الذين ردوا عليه تكلفوا في ذلك، لم يكن بدٌ من أن يحمل عليه.
أما هذا الأثر عن مالك، فهو مشهور عنه أنه جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله: أرأيت قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) (طه:٥) كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء -يعني العرق- ثم رفع رأسه فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعاً) ثم أمر به فأخرج، هكذا رُوي عن مالك ﵀ واشتهر عنه، وانتشر.
وهكذا أيضاً روي عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن؛ من علماء المدينة، وهو من مشاهير العلماء أنه قال في الاستواء: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم) . مقالة يا لها من مقالة حكيم، وعلوم لا تصدر إلى عن علم راسخ.
وقد رُوي هذا عن أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين أنها قالت، (الاستواء معلوم، والكيف مجهول.. إلى آخره) ، ورواه بعضهم عن أم سلمة مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولكنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وصحته إنما هي عن مالك وعن شيخه، ولا شك أن هذا قول الأئمة كلهم؛ يقرون بأن الله تعالى على العرش استوى، وأن الاستواء معلوم غير مجهول، ومعلوم يعني مفهوم له معنى مدرك، معناه واضح يفسر ويبين، ويفهم، ويترجم من لغة إلى لغة.
стр. 1192
فله معنى، بخلاف من يقول: إنه لا يعلم معناه، وإنما هو كالألفاظ الأعجمية التي نتكلم بها ولا ندري ما مفادها، أو كالألفاظ ما سمعنا لها أصلاً، ولا يدري معناها فهذا افتراء على مالك، ما دام أنه قال: (معلوم غير مجهول) أي لا أجهله أنا ولا تجهله أنت؛ لأن اللغة الفصيحة، لغة واضحة، إلا أن له كيفية، والكيف مجهول، الكيف غير معقول، الكيفية التي عليها الاستواء هي المجهول.
فلأجل ذلك في اصطلاح أهل السنة يقولون في آيات الصفات: أمروها كما جاءت بلا كيف، اجتنبوا التكييف، ويقولون: نؤمن بما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تكييف ولا تعطيل.
التكييف له أحد معنيين:
الأول: هو السؤال بكيف استوى؟ كيف ينزل؟ كيف علمه؟ كيف يغضب؟ فنقول: لا يجوز التكييف.
الثاني: أن التكييف هو الإخبار بالكيفية؛ أن يقال: كيفية النزول كذا وكذا، كيفية الاستواء كذا وكذا، وهذا أيضاً لا يجوز اعتماده، ولا يجوز العمل به، ولا القول به، بل الله كما وصف نفسه في صفاته، دون أن يكون له كيفية مفهومة لنا.
وأما قوله: (والإيمان به واجب) لأن الله أخبر به في عدة آيات، وكل ما أخبر به وجب التصديق به، ووجب اعتقاده، والسؤال عنه بدعة؛ لأنه من العلم الذي حجبه الله عنا، والسؤال عن الكيفيات بدعة، ولهذا في منظومة أبي الخطاب:
قالوا: فتزعم أن على العرش استوى قلت: الصواب؛ كذاك أخبر سيدي
قالوا: فما معنى استواه أبن لنا فأجبتهم: هذا سؤال المعتدي
فالسؤال عن الكيفية بدعة، ولأجل ذلك أمر بإخراج هذا المبتدع فنعرف من هذا طريقة السلف ﵏ في إثبات الصفات، وفي الرد على المبتدعة.
مسألة: إثبات صفة الكلام لله تعالى
قوله:
стр. 1193
ومن صفات الله تعالى؛ أنه متكلم بكلام قديم، يُسمِعُه من شاء من خلقه، سَمِعه موسى ﵇، من غير واسطة وسمعه جبريل ﵇ ومن أذن له من ملائكته ورسله، وأنه سبحانه يُكلِّم المؤمنين في الآخرة ويكلِّمونه، ويأذن لهم فيزورونه. قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) (النساء:١٦٤) ، وقال سبحانه: (يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف: ١٤٤) ، وقال سبحانه: (منهم من كلم الله) (سورة البقرة:٢٥٣) وقال سبحانه: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب) (الشورى:٥١) .
شرح:
هذه من الأدلة على أن الله تعالى متكلم ويتكلم إذا شاء، والدليل قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) واضح في أن الله كلم موسى وأنه أسمعه كلامَه، وكذلك قوله تعالى: (مِنْهم من كلم الله) يعني موسى أو يعني من الرسل من كلمه الله، وكذلك قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) (الأعراف:١٤٣) إلى قوله تعالى: (وإني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف:١٤٤) واضح في أن الله كلَّمه، وأنه اصطفاه، واختصه برسالته، وبتكليمه له، وأن الله أسمعه الكلام.
وقد ذُكر أن أحد الجهمية جاء إلى أبي عمرو بن العلاء - أحد القراء السبعة في العراق- وقال: أريد منك أن تقرأ هذه الآية: (وكلم الله موسى تكليماً) (النساء:١٦٤) بنصب (الله) ، وقصده أن يكون موسى هو الذي كلم ربه، لا أن الله هو الذي كلم موسى، يريد بذلك نفي كلام الله لموسى، ولكن أبا عمرو ﵀ قال له: هب أني قرأت أنا أو أنت هذه الآية هكذا؟ فكيف تفعل بقول الله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) هل تستطيع أن تغيرها؟ هل تستطيع أن تقدم فيها أو تؤخر؟ فتحير ذلك الجهمي، وعرف أنه لا حيلة له في تغيير هذه الكلمة.
стр. 1194
أراد أن يحرفها تحريفاً لفظياً، ويجعل الكلام من موسى لا من الله؛ في قوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) ، فجاءت هذه الآية التي تبطل تحريفه (وكلمه ربه) فقدم الضمير المفعول به، والرب هو المكلم - فلم يكن له فيها حيلة.
ثم ذكر شيخ الإسلام أن المعتزلة والجهمية تأولوا هذه الكلمة فحرفوها تحريفاً عجيباً؛ فقالوا: التكليم التجريح قال تعالى: (وكلمه ربه) ، (منهم من كلم الله) (البقرة:٢٥٣) يعني جرحه بأظافر الحكمة، وقالوا: إن الجُرح هو الكَلم كما في قوله ﷺ : (ما من مكلوم يُكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلمِ؛ لونه لون دم وريحه مسك) .
فذهبوا مذهباً بعيداً، وفسروا التكليم بأنه التجريح -سبحان الله- وهل التجريح شرف؟ وهل فيه ميزة لموسى؟ ولماذا اختصه بقوله تعالى: (وكلم الله موسى تكليماً) بعد ما ذكر أنه أوحى إلى النبيين بقوله تعالى (إن أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده) (النساء:١٦٣) ، لو كان ذلك هو التجريح ما كان فيه فضيلة، كيف يكون جرحه بأظافير الحكمة؟ فإن التجريح عذاب سواءً كان حسياً أو معنوياً، ثم يبطله أيضاً قوله تعالى: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف:١٤٤) ولم يقل بتكليمي، والكلام واضح في أنه أراد ما سمعه من كلام الله له، فبطل بذلك تأويلهم.
كذلك أيضاً قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله وحياً) (الشورى:٥١) ليس المراد أن يجرحه إلا وحياً، وهل الوحي تجريح بأظافير الحكمة؟ فعرف بذلك أن التكليم هو الكلام، ولهذا قال تعالى: (أو من وراء حجاب) (الشورى:٥١) يعني أو يْكلِّمه من وراء حجاب كما حصل لموسى.
وقوله:
وقال تعالى: (فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك) (طه:١١-١٢) ، وقال تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) (طه:٢٤) ، وغير جائز أن يقول هذا أحد غير الله.
شرح:
стр. 1195
من الأدلة أيضاً: آيات النداء، فالنداء لا يعرف إلا بالكلام، وقد ذكر الله النداء في عدة آيات، ففي سورة القصص ذكره في ثلاث آيات؛ قال تعالى: (ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون) (القصص:٦٢) ، (ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) (القصص:٦٢) فالنداء لا يكون إلا بصوت، وبكلام مسموع: قال الله تعالى: (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين) (الشعراء:١٠) ، وقال تعالى: (هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى) (النازعات:١٥-١٦) ، وفي هذه الآية (فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك) إلى قوله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (طه:١١-١٤) ، وكذلك قوله تعالى: (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجياً) (مريم:٥٢) .
فلا شك أن النداء كلام مسموع، فلابد أن يكون كلام الله الذي تكلم به من الكلام المسموع الذي فهمه موسى، ولهذا لما سمع كلام الله سأل النظر إليه، وقال: (رب أرني أنظر إليك) (الأعراف:١٤٣) الآية، فدل على أنه سمع كلام الله، ولا شك أن موسى سمع قول الله تعالى: (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) (طه:١٤) ، من الذي قال هذا لموسى؟ قالته الشجرة؟
ولما رأى النار فقال: (إني آنست ناراً لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) (القصص:٢٩) (فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها) (النمل:٨) يعني سمع نداء الله (أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك) (القصص:٣٠-٣١) .
هل تقول الشجرة هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى: (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) (طه:١٢-١٤) ، (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم * وألق عصاك) (النمل:٩-١٠) ؟ هذا كلام لا يقوله إلا الرب سبحانه الذي ناداه.
стр. 1196
مسألة: إثبات أن القرآن كلام الله حقيقة
وقوله:
ومن كلام الله سبحانه القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، مُنزَّلٌ غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
شرح:
ولما تكلم على أن الله متكلم ويتكلم، كان ولابد من أن يذكر أمثلة من كلامه الذي وصل إلى البشر، وبلا شك أن من أقرب ذلك هذا القرآن الذي بين أيدينا، الذي هو أعظم وأشرف الكتب المنزلة على الأنبياء، ولا شك أنه كلام الله.
ومعلوم أن الله أنزل على الأنبياء كتباً، أنزل على موسى التوراة، وأنزل على عيسى الإنجيل، وأنزل على داود الزبور، وأنزل على إبراهيم صحفاً كما في قوله: (صحف إبراهيم وموسى) (الأعلى:١٩) ، ولا شك أن ذلك كله من كلام الله الذي تكلم به وضمّنه شريعته، وأمره، ونهيه.
وكان من آخر الكتب هذا الكتاب المبين، وهذا الذكر الحكيم الذي وصفه الله بذلك، وصفه بأنه الذكر الحكيم يعني المحكم، وبأنه القرآن المبين يعني البيّن، ووصفه بالهدى، وبالبيان، وبالشفاء، وبالموعظة، وبصفات تدل على عظمته، وعلى عظم مكانته.
وأخبر بأنه منزل من الله بقوله تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) (الشعراء:١٩٢-١٩٥) أنزله الله بلسان عربي حتى يفهمه المُرسل إليهم، قال الله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) (إبراهيم:٤) .
فجعل هذا القرآن بلسان النبي ﷺ : أي بلسان العرب كما أن الكتب المنزلة قبله أنزلها -سبحانه- بألسنة الذين نزلت عليهم، بالسريانية وبها نزل الإنجيل، وبالعبرانية التي هي لسان اليهود، وأما القرآن فإنه بهذه اللغة الفصيحة بلسان العرب، هذا هو قول أهل السنة: أن القرآن منزل غير مخلوق؛ رداً على الذين يقولون إنه مخلوق.
стр. 1197
(منه بدأ) : يعني تكلم به الرب ، (وإليه يعود) وذلك إذا لم يُعمل به في آخر الزمان يُرفع من الصدور، ويُرفع من الأسطر ومن الكتب، ولا يبقى منه شيء، وهذا معنى قوله: (وإليه يعود) ، كما فسر ذلك شيخ الإسلام في بعض كتبه.
فعند أهل السنة والجماعة أن القرآن كلام الله تعالى، وأنه كلام مسموع، أما الأشاعرة فذهبوا إلى أن الكلام معنى قائم بالنفس؛ قالوا: إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعِبرية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسُريانية فهو إنجيل؛ هكذا يقولون، وأنكروا أن يكون هذا الكلام الذي بهذه الحروف هو نفس كلام الله، وقالوا: إن كلام الله هو المعنى ليس هو اللفظ، وهذه الحروف التي في هذه المصاحف ليست هي كلام الله، وأرادوا بذلك التستر حتى لا يقولوا: إن القرآن مخلوق، وإلا فقولهم قريب من قول المعتزلة الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، وهؤلاء قالوا: إنه كلام الله، ولكن كلام الله المعنى دون اللفظ.
وكثيراً ما يستدلون بالبيت المشهور في كتبهم؛ يقولون: إن الشاعر العربي يقول:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلاً
فيقولون: إن كلام الله هو المعنى دون اللفظ، وإن الكلام في الحقيقة إنما هو ما يقوم بالنفس، وأما ما يسمع بالأذان فلا يسمى كلاماً، وإنما يسمى عبارة أو حكاية، فيقولون: إن القرآن عبارة، أو حكاية عن كلام الله، وليس هو عين كلام الله، هذه عقيدتهم، فكيف نرد عليهم؟
العرب لا ينسبون للساكت كلاماً، ولو كان يزور في نفسه، إنما يُسمى كلاماً بعد ما يُنطق به، فأما قبل أن يُنطق به فلا يسمى كلاماً.
وأما البيت الذي استدلوا به فينسبونه إلى الأخطل وليس بصحيح؛ فلم يوجد في ديوانه، وأكثر الشعراء وعلماء الأدب ينكرون هذا البيت ويقولون: إنه مختلق لا أصل له. ثم رواه بعضهم قائلاً:
стр. 1198
إن البيان لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلاً
ثم لو قدّرنا أنه صحيح، وأنه من قول الأخطل لم نقبله، وذلك لأن الأخطل نصراني، مشهور بتمسكه بالنصرانية، ويفتخر بها، ويمتنع أن يفعل ما يفعله المسلمون، وقد أشتُهر من شعره قوله:
ولستُ بقائم كالعير يدعو قُبيل الصبح حيَّ على الفلاح
ولستُ بقائدٍ عيساً بكوراً إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بصائم رمضان طوعاً ولست بآكل لحم الأضاحي
ولكني سأشريها شمولاً وأسجدُ عند منبلج الصباح
لا شك أن هذا يدل على كفر صريح، وإذا كان يفتخر بأنه نصراني فكيف يُستشهد بكلامه في أمر يتعلق بالعقيدة؟ ثم -أيضاً- هو يسمى (الأخطل) والخطل هو عيب في الكلام، ثم -أيضاً- هو نصراني؛ والنصارى قد ضلوا في مسمى (الكلام) حيث جعلوا (عيسى) نفس (الكلمة) فإذا كان كذلك فكيف يستشهد بكلام هذا الأخطل النصراني، على أمر من أمور العقيدة.
وقد قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
ودليلهم في ذاك بيت قاله فيما يقال الأخطل النصراني
وكذلك البيت المنسوب إلى شيخ الإسلام ﵀ في العقيدة اللامية التي أولها:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله لا ينثني عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل
ولكلهم قدر وفضل ساطعُ لكنما الصديق منهم أفضل
إلى قوله:
قبح لمن نبذ الكتاب وراءه وإذا استدل يقول: قال الأخطل
стр. 1199
قبح له كيف ينبذُ الكتاب ويستدل بقول الأخطل، فعلى هذا كيف يكون كلام الأخطل دليلاً على مسألة الكلام، وأن الكلام هو المعنى دون اللفظ، فالعرب لا تنسب للساكت كلاماً، ولو كان يحدث نفسه، والنبي ﷺ يقول: (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها؛ ما لم يتكلموا أو يعملوا به) ، ولما قال له بعض الصحابة: (إن أحدنا ليجد في نفسه لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به، فقال: (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) .
مسألة: عقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم
وقوله:
وهو سورٌ محكمات، وآيات بيناتٌ، وحروفٌ وكلمات، (من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات) له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض.
شرح:
هذا الوصف مشاهد في مصاحف المسلمين، أنه مائة وأربع عشرة سورة، وأن كل سورة فيها عدة آيات، وأطولها سورة البقرة مائتان وست وثمانون آية، وأقصرها سورة الكوثر ثلاث آيات، وسورة العصر ثلاث آيات، وسورة النصر ثلاث آيات، ومنها ما هو فوق المائتين كالأعراف والشعراء.
الحاصل أنه سور وآيات، وأن الصحابة جزَّءوه إلى ثلاثين جزءاً؛ يعني قسموه تقاسيم متقاربة، وجعلوه ثلاثين جزءاً، وجعلوه أحزاباً؛ كل جزء جعلوه حزبين، ومعروف أيضاً أن بعض العلماء اشتغلوا بعدّ آياته، فذكروا أن آيات القرآن أكثر من ستة آلاف آية، واشتغل بعضهم بعدّ كلماته، والكلمة هي القول المفرد، واشتغل بعضهم بعدّ حروفه؛ أن هذه السورة كذا وكذا حرفاً، وهذه الآية كذا وكذا حرفاً، وهذا دليل على أنه سور، وبكل سورة آيات وأجزاءٌ، وحروف، وكلمات.
стр. 1200
(له أول وآخر) بمعنى أن الصحابة اتفقوا على أن أوله سورة الفاتحة، وسموها (فاتحة الكتاب) وهي السبع المثاني، وكذلك كل سورة جعل لها اسم مما اشتملت عليه. كذلك أيضاً له آخر، فآخره سورة الناس، وترتيبه هذا الذي في المصاحف ترتيب من الصحابة، والأكثر من العلماء قال أنه توقيف وأن النبي ﷺ أوقفهم على هذا الترتيب، وقال: (اجعلوا هذه السورة بعد هذه السورة) أو نحو ذلك.
ومن العلماء من يقول: ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، قدموا السبع الطوال، ثم أتبعوها المئين، ثم أتبعوها بالمثاني، ثم أتبعوها بالحواميم، ثم ختموها بالمفصل، وذلك اجتهاد منهم، وقالوا: إن مصاحف الصحابة اختلف فيها الترتيب، ولكن قد عرف أنه كان يُقرأ على زمن النبي ﷺ : مرتباً، فيدل على أنه كان يقرأ كله، وهذا لا ينافي كونه كلام الله.
وقوله:
متلوٌ بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكيم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكم حميد) (فصلت:٤٢) وقوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (الإسراء:٨٨) .
شرح:
стр. 1201
هذا وصف للقرآن (متلو بالألسن) أي نقرؤه بألسنتنا، ونسمعه بآذاننا قال الله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) (الأعراف:٢٠٤) ، (مكتوب في المصاحف) أي نكتبه بأيدينا في المصاحف، ويسطر فيها أسطراً متتابعة، فهو بهذه الصفات لا يخرج عن كونه كلام الله، إذا قرأه القارئ فإنه كلام الله، يقال: هذا يتكلم بكلام الله، ولو كان بعضه حكاية لغيره، فإذا قلنا مثلاً قوله تعالى: (فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى) (النازعات:٢٣-٢٤) قلنا: هذا كلام الله عن فرعون، وإذا قرأنا قوله: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (الأعراف:١٧) قلنا: هذا كلام الله عن إبليس، فالحاصل أنه إذا كتب لم يخرج عن كونه كلام الله، وإذا قرئ، وإذا نسخ -بمعنى كُتب ونُقل- من مصحف في مصحف، فكله كلام الله.
وقد اشتمل القرآن على محكم ومتشابه في قوله تعالى: (منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (آل عمران:٧) ، وقد فسر المحكم بأنه الذي ليس فيه نسخ ولا تغيير، وبأنه الذي يفهمه من يسمعه؛ هذا هو المحكم، فآيات الأحكام محكمة ظاهرة الإحكام، وأما المتشابه فهو الذي يشتبه على بعض الناس، وقد تقدم في أول الرسالة ذكر الذين يتبعون ما تشابه منه، وهم أهل الزيغ، وذكرنا أمثلة مما يتشبثون به.
وفيه -أي القرآن- (أمر ونهي) ؛ الأمر مثل قوله تعالى: (اعبدوا ربكم) (البقرة:٢١) ، والنهي مثل قوله تعالى: (ولا تشركوا به شيئاً) (النساء:٣٦) ، وفيه (ناسخ ومنسوخ) يعني آيات منسوخ لفظها، أو منسوخ معناها، وكذلك أيضاً فيه مطلق ومقيد؛ المطلق الذي يحتاج إلى تقييد مثل قوله تعالى: (فتحرير رقبة) (النساء:٩٢) .
стр. 1202
يعني فيه هذه الكلمات التي تشتمل عليها، وكله لا يخرج عن كونه كلام الله، وصفه الله بقوله تعالى: (وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) (فصلت:٤١-٤٢) العزيز؛ يعني الجليل، عزيز يعني ذو عزة، وذو قوة، وذو بلاغة، وذو أسلوب قوي، (لا يأتيه الباطل) معناه: لا يتطرق إليه الخطأ من بين يديه ولا من خلفه، من أية جهة لأنه كلام الله، قال تعالى: (تنزيل من حكيم حميد) .
وكذلك قوله تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) (الإسراء:٨٨) لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يعارضوه ويأتوا بقرآن مثله لعجزوا عن ذلك. فهذا تحد من الله وإخبار بأنهم عاجزون، وقد وقع كما أخبر، فدل ذلك على أنه كلام الله.
وقوله:
وهو هذا الكتاب العربي الذي قال فيه الله تعالى على لسان الذين كفروا: (لن نؤمن بهذا القرآن) (سبأ:٣١) ، وقال بعضهم: (إن هذا إلا قول البشر) (المدثر:٢٥) فقال الله سبحانه: (سأصليه سقر) (المدثر:٢٦) ، وقال بعضهم: هو شعر. فقال الله تعالى: (وما علَّمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) (يس:٦٩) ، فلما نفى الله عنه أنه شعر وأثبته قرآناً لم يبق شبهة لذي لب في أن القرآن هو هذا الكتاب العربي الذي هو كلمات، وحروف، وآيات؛ لأن ما ليس كذلك لا يقول أحد: إنه شعر.
شرح:
يشير إلى أن القرآن الذي هو كلام الله، هو هذا الموجود الذي في المصاحف، فإنه كلام عربي قال الله تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي) (فصلت: ٤٤) ، كيف يرسل إلى قوم عرب، ويكون قرآناً أعجمياً؟ وقال تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل:١٠٣) . وصفه بأنه لسان عربي.
стр. 1203
ثم حكى الله عن المشركين الذين عارضوه هذه الحكايات فحكى عنهم قولهم أنه أساطير الأولين، لما سمعوا فيه هذه القصص قالوا: إنه أكاذيب الأولين قال تعالى: (وقالوا أساطير الأولين أكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً) (الفرقان:٥) كيف تملى عليه وهو أمي لا يكتب ولا يقرآ؟ يقول تعالى: (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون) (العنكبوت:٤٨) .
كذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا: إنه شعر، إنه كهانة، والشعر معروف أنه له أوزان، وله قواف، والقرآن ليس كذلك، ومعلوم أن الكهنة يستعملون في كلماتهم سجعات متتالية، وليس كذلك القرآن، ولهذا رد الله عليهم بقوله تعالى: (وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون) (الحاقة:٤١-٤٢) .
ولما أوردوا هذه الإيرادات على بعض كفار قريش -وهو الوليد بن المغيرة- لم يقنع بها فقالوا: فماذا نقول؟ قال: نقول إنه سحر يؤثر. يعني يُنقل ممن قبله، فقال الله تعالى حاكياً عنه: (فقال إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر * سأصليه سقر) (المدثر:٢٤-٢٦) كيف يكون سحراً يؤثر؟ من أين أثر، ومن أين جاء؟ فتبين أن هذا دليل على أنهم يشيرون إلى القرآن الذي يتلى عليهم؛ لأنه لو كان معنوياً لم يوصف بأنه شعر، ولا أنه سحر، ولا أنه كهانة، ولا أنه أساطير الأولين، ولا أنه افتراه كما في قولهم: (افتراه) يعني كذبه واختلقه، فدل على أنهم يشيرون إلى هذا القرآن.
وقوله:
وقال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله) (البقرة:٢٣) ، ولا يجوز أن يتحداهم بالإتيان بمثل ما لا يدري ما هو، ولا يعقل.
شرح:
стр. 1204
يشير إلى أن المثل لابد أن يكون معروفاً مشهوراً مشاهداً فقوله تعالى: (فأتوا بسورة من مثله) في سورة البقرة، وفي سورة يونس (فأتوا بسورة مثله) (يونس:٣٨) لو كان المراد المعنى الذي تزعم الأشاعرة أنه (معنى) لم يُعرف المثل لأنهم يقولون: أن القرآن إنما هو (المعنى) ، وأما اللفظ فهو تعبير من محمد أو تعبير من جبريل، وهذا خطأ، وإلا لما قال الله تعالى: (فأتوا بسورة مثله) .
وقوله:
وقال تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) (يونس:١٥) ، فأثبت أن القرآن هو الآيات التي تتلى عليهم وقال تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) (العنكبوت:٤٩) ، وقال تعالى: (إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون) (الواقعة:٧٧-٧٩) ، بعد أن أقسم على ذلك، وقال تعالى: (كَهيعص) (مريم:١) (حم * عسق) (الشورى:١-٢) ، وافتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة.
شرح:
هذا دليل على أنه هو هذا القرآن فإن قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله) (يونس:١٥) إشارة إلى هذا الذي يسمعونه قال تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) (يونس:١٥) أخبر بأنهم يشيرون إلى شيء (بقرآن غير هذا أو بدله) (يونس:١٥) فدل على أن هذا هو الذي سمعوه، وهو الذي قرأه عليهم.
وكذلك آية سورة العنكبوت (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) (العنكبوت:٤٩) يعني: محفوظ في الصدور، في صدور الذين أتوا العلم، فدل على أنهم يسمعون ويفهمون هذه الآيات التي اشتملت عليها هذه السور، فدل على أنه كلام مسموع له أول وآخر، وأنه كلمات وحروف.
стр. 1205
وكذلك لما أقسم الله بقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون) (الواقعة:٧٥-٧٨) يعني مكتوب أصله في اللوح المحفوظ (لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من رب العالمين) (الواقعة:٧٩-٨٠) ، هذه الصفات صفات القرآن؛ قرآن كريم، في كتاب مكنون، تنزيل من رب العالمين، لا يمسه إلا المطهرون -لا شك أن هذه كلها صفة للقرآن الذي بين أيدينا، فكيف تكون للمعنى؟ لا شك أنه أراد هذا الكلام المحفوظ المسموع.
وأما قوله: (افتتح تسعاً وعشرين سورة بالحروف المقطعة) يعني مثل (ألم) (البقرة:) ، وفي آل عمران، والعنكبوت، والسور التي بعدها، وكذلك (الر) في يونس والسور التي بعدها، و (المص) (الأعراف:١) ، وكذلك في السور المتفرقة مثل (طه) (طه:١) ، (كهيعص) (مريم:١) ، ومجموعها تسع وعشرون سورة افتتحها بالحروف المقطعة.
هذه الحروف لا شك أنها حروف، لأنها تنطق بنفس الكلمة، يعني هو يكتب حرفاً ولكنه ينطق بكلمة، فإن قولك: (ك) - لا يكتب في (ألف) و (فاء) بل يكتب: (ك) ، وكذلك (ع) - لا تكتب الياء والنون وإنما تكتب (ع) ، فهكذا رويت ونطق بها النبي ﷺ .
وقوله:
وقال النبي ﷺ : (من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف منه عشر حسنات، ومن قرأه ولحن فيه؛ فله بكل حرف حسنة) حديث صحيح، وقال ﵊ (أقرءوا القرآن قبل أن يأتي قوم يُقيمون حروفه إقامة السهم لا يجاوز تراقيهم؛ يتعجلون أجره، ولا يتأجلونه) وقال أبو بكر وعمر ﵄: (إعراب القرآن أحب إلينا من حفظ بعض حروفه) .
стр. 1206
وقال علي بن أبي طالب ﵁: (من كفر بحرف منه فقد كفر به كله) . واتفق المسلمون على عد سور القرآن، وآياته، وكلماته، وحروفه، ولا خلاف بين المسلمين في أن من جحد من القرآن سورة أو آية أو كلمة أو حرفاً متفقاً عليه -أنه كافر، وفي هذا حجةٌ قاطعةٌ على أنه حروفٌ.
شرح:
هذه الأدلة أدلة واضحة على أن القرآن فيه كلمات، وحروف، وآيات، ونحوها، وقد قال ﷺ : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) رواه الترمذي أخبر بأنه يثاب على هذه الحروف، فدل على أن القرآن هو هذه الحروف، وكذلك (من قرأ القرآن فأعربه) ، (من قرأ القرآن ولحن فيه) ، (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران) ، ويقول ﷺ : (تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها) ، ويحث ﷺ على تعلمه وتعليمه بقوله: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) ، ويخبر ﷺ عن فضل من يحمله (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة طعمها طيب، وريحها طيب) يعني أنه يقرأ القرآن، وأن القرآن قد امتلأ به قلبه وضميره.
وكذلك ذكر كلام الصحابة في تفضيل إعراب القرآن؛ يعني تجويده، وتحقيق كلماته على كثرة التلاوة، كل ذلك دليل على أنهم فهموا أن القرآن هو هذا المكتوب في المصاحف الذي هو كلمات وحروف.
وكذلك اتفق أهل السنة، واتفق أئمة الأمة على أنه يجوز أن تُعدَّ كلماته، وأن تُعدَّ حروفه، وأن تُعدَّ آياته، وفي ذلك دليل على أن كلام الله هو هذا القرآن الذي فيه حروف، فالإمام الموفق ﵀ في ذلك يشير إلى أن قول المعتزلة أنه مخلوق قول باطل.
стр. 1207
وكذلك قول الأشاعرة؛ أن الله لا يتكلم بحرف وصوت قول باطل، فإنهم يريدون بذلك إبطال كون القرآن كلام الله؛ حروفه ومعانيه، فإن كلام الله هو القرآن؛ حروفه ومعانيه، ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف.
ولما اشتهر عن شيخ الإسلام ﵀ أنه يثبت أن الله يتكلم بكلام مسموع، أنكر عليه الأشاعرة، ولما أحضروه في مصر لمجادلته انتصب له أحد علماء الشافعية ووقف خصماً له إذ رئيس القضاة في ذلك الوقت من الحنفية فقال له: أدعي على هذا الفقيه أنه يقول: إن الله يتكلم بحرف وصوت. هكذا نقموا عليه قوله: (إن الله يتكلم بحرف وصوت) كأن هذه كبيرة عندهم، وكأن هذا أكبر الذنوب، وأكبر الكبائر، وأنه كفر، فلم يكن من شيخ الإسلام إلا أنه ذكر لهم الأدلة، وطلب منهم أن يفسروها، فعجزوا عن ذلك. فلبيان بطلان قول الأشاعرة اجتهد الشيخ في هذا الباب في أن يورد كثرة الأدلة التي تثبت أن كلام الله هو هذا القرآن حروفه ومعانيه.
مسألة: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
قوله:
والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم، ويزورونه، ويُكلمهم، ويُكلمونه، قال الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (القيامة:٢٢-٢٣) ، وقال تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) (المطففين:١٥) فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى، وإلا لم يكن بينهما فرق.
شرح:
هذا ابتداء في مسألة النظر إلى وجه الله، ورؤية الله تعالى، وهي أيضا من المسائل المهمة التي تكلم فيها أهل السنة، وأثبتوها بالأدلة، وخالف فيها المعتزلة خلافاً صريحاً، وخالف فيها الأشاعرة خلافاً معنوياً، وهدى الله أهل السنة لقبولها، ولم يلزمهم محذور من إثباتها، والحمد لله.
أولاً: قد اختلفوا: هل يمكن النظر إلى الله تعالى في الدنيا، وهل رآه النبي ﷺ ؟
стр. 1208
والصحيح أنه لا يمكن لأحد من البشر أن يرى ربه في الدنيا، ولأجل ذلك لم يتمكن موسى من النظر إلى ربه بعد أن سأل النظر، وأخبره الله بعدم التمكن من ذلك، والدليل قوله تعالى: (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) (الأعراف:١٤٣.
فهذا دليل على أن البشر لضعف خلقتهم في الدنيا لا يتمكنون من رؤية الله تعالى، والصحيح أن النبي ﷺ : لم يره رؤية بصرية في الدنيا، ودليل ذلك قوله ﷺ لما قيل له: هل رأيت ربك؟: (نورٌ أنى أراه) يعني كيف أراه ودونه ذلك النور، وكذلك في رواية (رأيت نوراً) وذلك لأن الله تعالى احتجب عن عباده بالنور.
وفي الحديث الآخر يقول ﷺ : (حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فالصحيح أنه رآه رؤية قلبية لا رؤية بصرية، والذين أثبتوا الرؤية له استدلوا بقوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى) (النجم:١٣-١٤) ، والصحيح أن الضمير يعود إلى جبريل؛ أي ولقد رأى جبريل نزلة أخرى، وكذلك قوله (ولقد رآه بالأفق المبين) (التكوير:٢٣) الضمير أيضاً يعود إلى جبريل ﵇، فإنه الرسول المذكور في قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين) (التكوير:١٩-٢١) هذه صفات الملك، فالضمير يعود إليه.
وقد ثبت أنه ﷺ أخبر بأنه رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها مرتين له ستمائة جناح، قد سد ما بين الأفق، أو قد سد الأفق، وكان ينزل عليه كثيراً، ولكنه يتمثل بصورة دحية الكلبي أو نحوه.
стр. 1209
وعلى كل حال؛ فإن الرؤية في الدنيا لا دليل عليها، وقد خالف في ذلك المتصوفة، وادعوا أن الأولياء يرون الله عياناً، وأنه يعرج بأرواحهم، وأن أرواحهم تتمكن من النظر إلى ربها، ولأجل ذلك فضَّلوا أولياءهم وسادتهم على الأنبياء بل وعلى الرسل، وعلى الملائكة، وهذا من شطحاتهم. هذا بالنسبة إلى الرؤية في الدنيا.
وأما الرؤية في الآخرة؛ فأثبتها أهل السنة، وأنها رؤية صحيحة، وأن المؤمنين في الجنة يرون الله تعالى، ويزورونه، ويُكلمهم ويُكلمونه، بل ثبت في السنة وفي الأحاديث أن رؤية الله تعالى في الجنة للمؤمنين هي أعظم لذة لهم، وأعظم نعيم، وأعظم سرور يصل إليهم يبهج نفوسهم، وتستنير وتضيء به وجوههم، ويكتسبون أعظم لذة بحيث أنهم لا يلتفتون إلى شيء ما داموا ينظرون إلى ربهم، ويغفلون عن كل نعيم كانوا فيه، فلا ينظرون إلا إلى ربهم حتى يحتجب عنهم، هذا من أعظم لذة لهم، يقول بعض العلماء ولو كان مثالاً دنيوياً:
فلو أني استطعتُ غضضت طرفي فلم أنظر به حتى أراكا
وقد تقدمت الآية التي أوردها الموفق ﵀، وهي قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالوا الجحيم) (المطففين: ١٤-١٦) وصفهم بهذه الصفة؛ أنهم محجوبون عن ربهم، والحجب هو الحيلولة بينهم وبين ربهم، فلا ينظرون إليه ولا يرونه، ولا يتمتعون برؤيته، ويا لها من عقوبة تصل إليهم، أنهم محجوبون عن ربهم، وذلك أشد العذاب.
стр. 1210
فكل من حُجب عن رؤية ربه فإنه معذب، فحجبه عن ربه عذاب له وأي عذاب، وقد استدل بهذه الآية الشافعي ﵀، وهو أشهر من استنبط منها رؤية المؤمنين لربهم وحيث ثبت أن الكفار محجوبون عن ربهم فأنه يدل على أن المؤمنين من أهل الجنة غير محجوبين عن ربهم بل يرونه فلو كان لا يراه أحد لم يكن هناك فرق بين المؤمنينوالكفار، ولكان الجميع كلهم محجوبين عن ربهم، فالحجاب هو أن يكون بينهم وبينه حاجب، وحاجز لا يرونه، فإذا كان هؤلاء يرونه كانوا غير محجوبين، وهؤلاء لا يرونه فهم المحجوبون، وهذا دليل واضح.
وأما الآية الأولى فهي أصرح الآيات التي استدل بها أهل السنة، وهي قوله تعالى: (كلا بل تحبون العاجلة * وتذرون الآخرة) (القيامة:٢٠-٢١) يخاطب الكفار: تحبون العاجلة؛ وهي الدنيا، وتذرون الآخرة ولا تتنافسون فيها، ثم ذكر أقسام الناس في قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة) (القيامة: ٢٢-٢٥) ، الوجوه الأولى وصفها بأنها ناضرة؛ أي ذات نضرة وبهاء وسرور، وجوههم مسفرة مستنيرة؛ لأنهم يرون ربهم، (إلى ربها ناظرة) أي تنظر إلى ربها نظر عيان، ففي هذه الآية نسبة الرؤية إلى الوجوه، وذلك لأن الوجوه هي محل النظر، ولما أن نظرت الوجوه إلى ربها أشرقت وأسفرت.
وكثيراً ما يصف الله وجوه أهل الجنة بصفات تظهر عليها، وذلك لأن الوجه هو محل التأثر، وإذا كان مسروراً رأيت وجهه مستنيراً، وإذا كان حزيناً رأيت وجهه مكتئباً، فوصف الله أهل النار بقوله: (وجوه يومئذ خاشعة) (الغاشية:٢) يعني ذليلة، ثم قال تعالى: (وجوه يومئذ ناعمة) (الغاشية:٨) ، يعني منعمة، هكذا وصفهم الله بهذه الآية.
стр. 1211
وفي آية أخرى قال تعالى: (وجوه يومئذ مسفرة) (عبس:٣٨) أي أضاءت واستنارات، والإسفار هو الضياء، مسفرة يعني عليها آثار هذه الإضاءة، أما الوجوه الأخرى فإنها قال الله تعالى عنها: (عليها غبرة * ترهقها قترة) (عبس: ٤٠-٤١) .
فإذن هذه وجوههم التي وصفها الله أنها ناظرة، والكلمتان في الآيتين لفظهما واحد، ولكن خطهما مختلف (وجوه يومئذ ناضرة) (القيامة:٢٢) مكتوبة بالضاد؛ أي ذات نضرة، مثل قوله تعالى: (ولقاهم نضرة وسروراً) (الإنسان:١١) أي ذات نضرة وبهاء وسرور، (إلى ربها ناظرة) (القيامة:٢٣) هذه كتبت بالظاء المشالة؛ من النظر الذي هو المعاينة.
قال بعض العلماء: نظروا إلى ربهم فنضرت وجوههم، يعني استنارت وأسفرت وابتهجت بهذا النعيم. فهذا هو دليلهم، أورد المؤلف ﵀ هذين الدليلين من القرآن وذكر أن الرؤية تكون في الآخرة.
وقد ورد أيضاً في الأحاديث ما يدل على أن الجميع يرون ربهم يوم القيامة عندما ينزل لفصل القضاء، ويقول: (من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم) وفي هذا أنهم يرونه جميعاً؛ المنافقون والمؤمنون -كما يشاء. قال تعالى: (يوم يُكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) (القلم:٤٢) قيل: إنهم يسألونه علامة، فيكشف عن ساق، فعند ذلك يعرفون أنه ربهم فيسجدون.
فهذا قد استدل به على أنهم يرونه في القيامة، ولكن هي رؤية ابتلاء وامتحان، أما الرؤية التي هي رؤية لذة، وبهجة، ونعيم فإنها في الجنة، وقد ذكر العلماء أن المقربين يرون الله بكرة وعشيا، وأن الأبرار يرونه كل جمعة؛ أي في كل أسبوع.
قوله:
стр. 1212
وقال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته) . حديث صحيح متفق عليه.
وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.
شرح:
ثم ذكر من أدلة الرؤية حديث جرير بن عبد الله قال: كنا عند النبي ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: (أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون -أو لا تضاهون- في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) (طه:١٣٠) فأفعلوا ثم قرأ أو (فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) .
فحديث جرير هذا دليل على رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، ويريد بالصلاتين صلاتي العصر والفجر، أي حافظوا على هاتين الصلاتين لأن المقربين يرون الله بكرة وعشياً، وقد فُسر بذلك أيضاً قوله تعالى: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) (مريك:٦٢) .
وبكل حال فرؤية المؤمنين لربهم من أجل ما أنعم وتفضل به عليهم، هذا هو قول أهل السنة.
وقد استوفى الأئمة الكلام على الرؤية كما في كتاب ابن القيم (حادي الأرواح) الذي كتبه عن أهل الجنة وصفة نعيم الجنة، وفي آخر أبوابه؛ باب في رؤية المؤمنين لربهم، ذكر فيه سبعة أدلة من القرآن وهي:
الدليل الأول: وهو سؤال موسى النظر في قوله تعالى: (رب أرني أنظر إليك) (الأعراف:١٤٣) فهو أعلم بما يجوز على ربه من علماء المعتزلة.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) (يونس:٢٦) ، الزيادة ورد في الحديث أنها (النظر إلى وجه الله) ، ولهذا قال تعالى: (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) (يونس:٢٦) ، الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله، فإذا نظروا إلى وجهه فلا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.
стр. 1213
الدليل الثالث: قوله تعالى: (ولدينا مزيد) (ق:٣٥) ، فُسر المزيد بأنه النظر إلى وجه الله تعالى.
الدليل الرابع: آيات اللقاء، وهي كثيرة كقوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه) (الكهف:١١٠) ، اللقاء لا تعرفه العرب إلا أنه المقابلة والنظر، فهو دليل واضح على إثبات الرؤية.
الدليل الخامس: قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) (الأنعام:١٠٣) ، فهو دليل على إثبات الرؤية -كما سيأتي- مع أن المعتزلة يجعلونه دليلاً على نفي الرؤية.
الدليل السادس والسابع: الآيتان اللتان ذكرهما ابن قدامة ﵀، فهذه سبعة أدلة.
وقد أوضح دلالتها، ثم شرع في الأدلة من السنة، وذكر نحو ستين حديثاً أو أكثر ذكرها بأسانيدها وبطرقها، فيها الأحاديث الصحيحة وفيها الأحاديث الحسنة وفيها الأحاديث الضعيفة؛ أي ضعفاً شديداً، ولكنه أوردها للتقوية، وتبعه على ذلك حافظ الحكمي في كتابه المشهور (معارج القبول في شرح سلم الوصول) وهذا الشرح من أنفس الشروح، لما أتى إلى ذكر الجنة، وذكر الرؤية سرد أيضاً الأحاديث، وأسقط منها ما هو شديد الضعف، وفيما ذكره خير كثير، فهذا وجه إثبات هذه الصفة التي هي صفة رؤية المؤمنين لربهم.
وقد جعلها ابن القيم في النونية من أدلة إثبات العلو، قال: من كان يقر بالرؤية لزمه أن يقر بالعلو، فإن المؤمنين عندما يرون ربهم يرونه من فوقهم كما في قوله تعال: (يخافون ربهم من فوقهم) (النحل:٥٠) ، ففي الأحاديث أنه يتجلى لهم من فوقهم فيراهم ويرونه، فهو دليل واضح على أنها رؤية حقيقية ينظرون إليه كما يشاء.
стр. 1214
فعرفنا بذلك مذهب أهل السنة أنه لا شك أن المؤمنين يرون ربهم من فوقهم، وأنهم يرونه رؤية حقيقة، ورؤية مقابلة كما يشاء، وأن الأدلة واضحة، ومن أصحها حديث جرير لقوله ﷺ : (كما ترون هذا القمر) ، والتشبيه هنا للرؤية، شبه الرؤية بالرؤية، وليس المراد تشبيه الرب تعالى بالقمر، وإنما تشبيه رؤيتهم -لأنها رؤية حقيقة- كرؤيتهم القمر ليلة البدر، ولهذا قال: (لا تضامون في رؤيته) أي لا يلحقكم في رؤيته ضيم؛ وهو الضرر.
ثم مع هذه الأدلة التي ذكرنا قد خالف في ذلك المعتزلة فأنكروها صراحة، وخالفوا فيها خلاف عناد؛ لأنها عندهم تستلزم إثبات الجهة أو تستلزم المقابلة، فلم يكن بدُ من أن يردوا الأدلة رداً شنيعاً، ويخالفوها مخالفة واضحة، ولا يزالون على ذلك.
طبع قبل عشر سنوات أو خمسة عشر سنة كتاب اسمه (متشابه القرآن) في مجلدين للقاضي عبد الجبار، وهو من رءوس المعتزلة، وحققه رجل يقال له: (عدنان محمد زرزور) ، وذهب إلى ما ذهب إليه القاضي، فإذا أتى إلى آيات العلو، وآيات الاستواء، وآيات الرؤية حرفها، وجعلها من المتشابه وحملها محامل بعيدة، وإذا أتى إلى الآيات التي فيها شبْهُ استدلال لهم يقول: لنا قوله تعالى مثل هذه الآية: (لا تدركه الأبصار) (الأنعام:١٠٣) .
وورد كتاب -لأحد الإباضية يقال له: أحمد الخليلي، في عُمان- اسمه (الحق الدامغ) انتشر ووزع بكميات لأنه في زعمه وصل إلى الحقيقة، وسقط على المراد، تكلم فيه على مذهبهم في العقيدة في ثلاث مسائل؛ في مسألة الرؤية؛ فينكرها إنكاراً صريحاً، وفي مسألة خلق القرآن؛ فيدعي أنه مخلوق، وفي مسألة إثبات خلق الله لأفعال العباد؛ فينكر قدرة الله على أفعال العباد، ويبالغ في هذه المسائل الثلاث.
стр. 1215
والذي يهمنا تأويلهم لآيات الرؤية، وكثيراً ما يورد قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (الأنعام:١٠٣) ، ويقال: (الإدراك: اللحاق، لا تلحقه أي لا تراه، فهي دليل على أنها لا تراه، والأبصار معلوم أنها هي الأعين، فإذا كانت لا تدركه أي لا تلحقه؛ فكيف يقال: إنه يرى؟) ويكررون ذلك دائماً.
وإذا نظرنا إلى تفسير أهل السنة رأيناهم يفرقون بين الإدراك وبين الرؤية، وذلك لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء من كل جهاته، وأما الرؤية فإنها رؤيته مع المقابلة حقيقة، والله تعالى ما نفى الرؤية إنما نفى الإدراك، والإدراك شيء زائد على الرؤية.
روي أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال للسائل: ألست ترى القمر؟ قال: بلى، قال: أكله؟ قال: لا. قال: فذلك الإدراك. أي لا ترى القمر كله، إنما ترى ما يقابلك، وأيضاً إنما تراه من بعيد، ولا تتحقق ماهيته، فإذا كان كذلك هل أنت تدري مما هذا القمر؟ ومن أي شيء صنعته؟ ومن أي شيء تركيبه وهل ترابي؟، فإذا كنت لا تراه فإنك لا تدرك ذلك، فنحن نرى القمر ويصل إلينا ضوؤه، ولكن لا ندركه كله، ففرق بين الرؤية والإدراك.
يدل على ذلك قول الله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى) (طه:٧٧) لا تخاف دركاً، فالدرك هو الإحاطة أي، لا تخاف ضرراً من الكفار ونحوهم.
ولما أسرى ببني إسرائيل وخرج بهم من مصر، وانفصلوا، تبعهم فرعون بجنوده، قال تعالى: (فأتبعوهم مشرقين) (الشعراء:٦٠) (فلما تراءى الجمعان) (الشعراء:٦١) هؤلاء يرون هؤلاء (قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا) (الشعراء:٦١-٦٢) ، ما المراد بمدركون؟ هل المراد بالإدراك النظر؟ فالنظر حاصل لقوله: (تراءى الجمعان:٦١) ، إذن المراد بالإدراك الإحاطة يعني: إنهم سيحيطون بنا، ويمسكوننا، ولا يتركوننا، ولا ننجوا منهم، فقال: (كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء:٦٢) .
стр. 1216
فعرف أن هناك فرقاً بين الرؤية وبين الإدراك، فبطل استدلالهم بهذه الآية على نفي الرؤية، واستدل بها أهل السنة على إثبات الرؤية.
يقول ابن القيم: إنها جاءت تمدحاً، فالله تعالى يمدح بها نفسه، ومعلوم أن الله إنما يمدح نفسه بالأمور الثبوتية، وهي الأمور التي فيها إثبات شيء يمدح به، وأما العدم فإنه لا يمدح به، فالنفي المحض لا مدح فيه، فإذا قلنا مثلاً: إن العدم لا يرى. هل هذا مدح له؟ ليس فيه مدح؛ لأن المعدوم ليس بشيء.
فإذا كان المعدوم لا يرى، فإن نفي الرؤية ليس فيه مدح، فعرف بذلك أن الآية وردت للتمدح، أثبت الله أن الأبصار لا تحيط به، يعني: متى رأته الأبصار لا تحيط به، أي لا تدرك ماهيته، ولا تدرك كنهه، ولا تدرك كيفية ذاته، وذلك لعظمته التي لا يحيط بها علماً أحدٌ من الخلق (ولا يحيطون به علماً) (طه:١١٠) .
إذا فصارت الآية دليلاً على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنهم قوم يجهلون، فلو تأملوا في سياق الآية قول الله تعالى: (ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل * لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) (الأنعام:١٠٢-١٠٣) كل هذا تمدح، فكيف يتمدح بشيء لا فائدة فيه، فنفي الرؤية ليس بمدح؛ لأنه ينطبق على المعدوم، فدل على أنها للتمدح، وأنها تدل على أن الأبصار تنظر إليه، ولكن تعجز عن الإحاطة به لعظمته ولكبريائه ولجلاله، فصارت الآية تدل على إثبات الرؤية لا على نفيها.
стр. 1217
وأما الآية الثانية: وهي قصة موسى ﵇، قال تعالى: (قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) (الأعراف:١٤٣) ، أولاً: موسى ﵇ نبي الله، كلمه الله، وحمله رسالته، واصطفاه، قال تعالى: (واصطنعتك لنفسي) (طه:٤١) ، وقال تعالى: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) (الأعراف:١٤٤) ، فهل موسى ﵇ -وهو نبي الله- يجهل ما يجب على الله، وما يجوز على الله؟ هل يكون المعتزلة أعلم من موسى بربه؟ حاشا وكلا، لا يمكن لموسى أن يجهل وهم يعلمون، إن موسى ﷺ الذي هو من أولي العزم، ومن أشرف الأنبياء ومن أفضلهم لا يجهل هذا الحكم، فهل يأتي المعتزلة ونحوهم ويعلمون مالا يعلمه موسى؟ هذا من أمحل المحال.
ثانياً: قول موسى (رب أرني أنظر إليك) (الأعراف:١٤٣) هذا في الدنيا، يعني أراد أن يتمكن من النظر إلى ربه رجاء أن يزيد بذلك يقينه، أو أن يتنعم ويتلذذ بهذا النظر، قال الله له: (لن تراني) (الأعراف:١٤٣) ، وليس في هذا عتاب.
فالله تعالى قد عاتب نوحاً ﵇ لما قال: (رب إن ابني من أهلي) (هود:٤٥) ، قال الله : (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود:٤٦) أنكر على نوح لما سأل: ربي نج ابني الذي غرق في البحر، غرق في الطوفان، ربي إنك قد وعدتني أن تنجيني وأهلي، وإن ابني من أهلي، والله تعالى يقول: (وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم) (المؤمنون:٢٧) .
فأنكر عليه ذلك ولم ينكر على موسى لما قال: (رب أرني أنظر إليك) (الأعراف:١٤٣) بل قال تعالى: (لن تراني) (الأعراف:١٤٣) يعني لا تراني في هذه الدنيا، لأن بنية الإنسان في الدنيا ضعيفة لا تتمكن من التمثل أمام عظمة الله تعالى، فخلقنا في هذه الدنيا لا يمكن أن تثبت لجلال الله تعالى.
стр. 1218
وقوله تعالى: (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) (الأعراف:١٤٣) علق الله تعالى رؤيته على ثبوت الجبل، فيمكن أن يثبت الجبل مكانه، والله تعالى يقول؛ إذا ثبت الجبل فإنك ستراني، فإذا كان الثبوت ممكناً فالرؤية ممكنة، والله تعالى يقدر أن يثبت الجبل لبروزه سبحانه ولتجليه، وقد علّق عليه رؤية موسى، فدل على إمكانها. كما أن إمكان الثبوت متحقق، فقوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً) (الأعراف:١٤٣) تجلى الله تعالى كما يشاء للجبل، فإذا تجلى للجبل أفليس يمكن أن يتجلى لعباده يوم القيامة.
الجبل جماد تجلى الله له، ومع ذلك فإن الجبل لما تجلى له آنذاك ذهب حتى قيل: إنه انخسف في الأرض، وذلك لهيبة الله ولجلاله، لما أنه تجلى للجبل جعله دكاء، فالآية دليل على إثبات الرؤية لا على نفيها، وإلا لم يكن موسى ﵇ سأل الرؤية، وهو من أعلم الخلق بربهم.
ثم إن الخليلي -الذي ذكرناه- في كتابه (الحق الدامغ) تسلط على هذه الآيات التي استدل بها أهل السنة، وحرفها تحريفاً بعيداً حتى إنه هو وغيره في قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (القيامة:٢٢-٢٣) قالوا: إن الله لم يذكر العيون إنما ذكر الوجوه، وقال بعضهم: النظر ليس هو المعاينة، وإنما هو انتظار الثواب؛ ناظرة للثواب، وتمحل بعضهم، وحرف كلمة (إلى) وقال: الإلي واحد الآلاء يعني النعم، (إلى) أي نعمة ربها ناظرة!!
فمن أين لهم هذا الاستنباط الذي ما تفطن له أحد نم العلماء ولا من السلف؟ إن قولهم: (إلى) أي نعمة ربها ناظرة، تمحل وتكلف وصرف للقرآن عن مدلوله. هذا قوله المعتزلة.
стр. 1219
أما الأشاعرة فيتظاهرون بأنهم من أهل السنة، وبأنهم من أتباع الأئمة الأربعة، فمنهم شافعية، ومالكية، وحنفية، وحنابلة، ولا يقدرون أن يصرحوا بالإنكار؛ لأن الشافعية قد اشتهر عن إمامهم أنه أثبت الرؤية وصرح بها، فلا يقدرون على إنكارها، فيثبتون الرؤية، ولكن ليس الرؤية التي هي رؤية الأبصار، إنما يفسرونها بالتجليات التي تتجلى للقلوب، وبالمكاشفات التي تنكشف في الجنة لهم، فيظهر لهم منها يقين وعلم بما كانوا جاهلين، به، وهذا بلا شك قول باطل وإنكار للحقائق، فتجدهم يثبتون الرؤية، ويقررونها في تفاسيرهم على هذا التأويل الباطل.
حتى أكابر الأشاعرة كالرازي، وأبي السعود، والبيضاوي، ونحوهم، عندما تكلموا على هذه الآية: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) (القيامة:٢٣) ، قالوا: يرى لا في جهة؛ لأننا ننفي الجهة، يرى بلا مقابلة، أو الرؤية بالتجليات أو المكاشفات.
فأثبتوا الاسم ولكن لم يثبتوا الحقيقة التي هي رؤية أهل الجنة لربهم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته) ، فإن ظاهر الأحاديث أنها رؤية بالأبصار، ونظر إلى وجه ربهم تعالى كما يشاء، فلا يُلتفت إلى إنكار المنكرين مع ورود مثل هذه الأدلة التي لا يجوز ردها ولا التكلف في تأويلها.
مسألة: الإيمان بالقدر
وقوله:
ومن صفات الله تعالى أنه الفعّال لما يريد، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس في العالم شيء يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره. ولا محيد لأحد عن القدر المقدور، ولا يُتجاوز ما خط في اللوح المسطور، أراد ما العالم فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يُطيعوه جميعاً لأطاعوه. خلق الخلق وأفعالهم، وقدر أرز اقهم وآجالهم، يهدي من يشاء برحمته، ويُضل من يشاء بحكمته.
شرح:
стр. 1220
(أراد ما العالم فاعلوه) يعني جميع ما في الكون وما يحصل من الكائنات، فإنه مراد لله تعالى، ولكن هذه الإرادة تسمى إرادة كونية قدرية؛ لأنها يدخل فيها جميع الكائنات -فهي مرادة لله، فجميع الأفعال التي تحصل والتي تحدث كلها مرادة لله؛ الطاعات، والمعاصي، والمصائب، والحوادث، والأرزاق، والآجال كلها مرادة لله تعالى، داخلة في إرادته، ولا تخرج عن كونها مرادة لله، فطاعات العباد مرادة، ومعاصيهم مرادة، ولكن إرادة المعاصي الموجودة إرادة كونية قدرية.
وبهذا نعرف أن الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية. فالإرادة الكونية يلزم وقوع مرادها، فكل ما أراده الله كوناً وقدراً فإنه لابد حاصل وواقع، فالمعاصي الموجودة قد أرادها الله كوناً وقدراً، والمصائب الحاصلة قد أرادها الله كوناً وقدراً، والأرزاق الموجودة -ولو كانت حراماً- قد أرادها الله كوناً وقدراً، وكذلك الأولاد ذكوراً وإناثاً، والأرزاق والمكاسب والحرف، والصناعات، والدراسات والعلوم، وكل ما يجري في هذا الكون كله قد أراده الله كوناً وقدراً؛ لأنه فعال لما يريد، فلا يكون في الوجود إلا ما يريد.
ولو عصمهم لما عصوه ولما خالفوه، فهو الذي يهدي من يشاء فضلاً منه ورحمة، ويضل من يشاء عدلاً منه وحكمة، فمن علم الله فيه خيراً وعلم من قلبه إقبالاً وتقبلاً للخير هداه الله وأنار قلبه. ومن علم الله أنه شريرٌ وعلم أنه من أهل الشر، وأنه لا خير فيه حَرمَه الهداية، وحال بينه وبين الإيمان وقسّى قلبه وصده عن الخير (ولا يظلم ربك أحداً) (الكهف:٤٩) .
стр. 1221
فمن هداه الله فهو فضل منه، ومن أضله فهو عدل منه، ولا أحد يقدر أن يغير ما وقع؛ لقوله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل) (الزمر:٣٦-٣٧) ، وكذلك قوله ﷺ في حديث خطبة الحاجة: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) رواه مسلم فهو يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
ولكنه سبحانه خلق الخلق، وقسمهم إلى أهل طاعة، وأهل معصية، وعلم أهل الخير من أهل الشر، وعلم من يكون قابلاً للخير أهلاً له، ومن يكون قابلاً للشر أهلاً له، فجعل هؤلاء أشقياء وهؤلاء سعداء، ولله الحجة البالغة يقول الله تعالى: (قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين) (الأنعام:١٤٩) ، (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين) (الشعراء:٤) ؛ يعني لو شاء الله لأنزل عليهم آية فاهتدوا بها كلهم، ولكن علم الله من هو أهل للهدي ومن هو أهل للشقاوة يقول الله تعالى (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام * ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً) (الأنعام:١٢٥) .
فإذا هدى الله تعالى هؤلاء، فلابد أن نعتقد أن ذلك فضل منه، وإذا أضل هؤلاء فذلك عدل منه، وأنه لو شاء لهدى الناس كلهم، فلا محيد لأحد عن القضاء الذي قضاه، ولا مخرج له عما حتمه عليه.
وفي حديث القدر يقول ﷺ : (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) . أي أن ما تكره من الأمور المقدرة فإنها عن حكمة حصلت، وأن الذي قدرها حكيم يفعل ما يشاء قضاءً وقدراً، وحكمة وشرعاً، لا محيد لأحد عن القضاء المحتوم الذي قدره.
стр. 1222
وهذا كله لا ينافي العمل ولا ينافي فعل الأسباب، فإن النبي ﷺ لما أخبر صحابته بأنه: ما منكم من أحد إلا قد كُتب مقعده من الجنة أو كُتب من النار) ، قال رجل: يا رسول الله؛ أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟، فقال ﷺ : اعملوا فكل ميسر) فأمر بأن يعمل، وأخبر بأن الإنسان يصير إلى ما قدره الله، فلابد وأن يسير إليه فمن كتبه الله سعيداً فلابد أن يعمل بعمل أهل السعادة ولو في آخر لحظة في حياته، وكذلك من كتبه شقياً.
ففي حديث القدر عن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) .
فالأعمال بالخواتيم، والله تعالى يوفق كل إنسان بأن يختم له من العمل بما هو أهله وما كتبه له؛ ولهذا كان كثير من السلف ومن العلماء يكثرون من الدعاء بحسن الخاتمة؛ لأن الأعمال بخواتيمها.
وقوله:
قال الله تعالى: (لا يسأل عمال يفعل وهم يسألون) (الأنبياء:٢٣) ، وقال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر:٤٩) ، وقال تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) (الفرقان:٢) ، وقال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) (الحديد:٢٢) ، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً) (الأنعام:١٢٥) .
شرح:
بعض هذه الآيات في القدر الذي هو العلم السابق، وبعضها في القدر الذي هو قدرة الله على كل شيء.
стр. 1223
فقوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) هذه في العلم السابق، ومعناه أن كل شيء له زمان، وله وقت لا يتجاوزه ولا يتعداه ولا يتغير عن ما هو عليه، فإذا قدر الله تعالى أن هذا الإنسان يولد له كذا فلابد أن يتحقق ذلك الذي قدره الله وأراده؛ ولو حصل ما حصل من العوائق، وكذلك إذا قدر الله أن هذا لا يولد له فإنه لا يولد له ولو فعل ما فعل، وإذا قدر الله أن هذا لا يولد له حتى يفعل السبب الفلاني فإنه يتوقف أن يولد له على فعله ذلك السبب، وقد علم الله أنه يفعله في آخر الأمر أو نحو ذلك.
وهكذا إذا قدر الله مثلاً أن هذه الأرض تنبت كذا وكذا شجرة فلابد أن تنبته في الزمن الذي حدد، وأن هذه الشجرة أو هذه النبتة تنبت في اليوم الفلاني وتفنى باليوم الفلاني، وتثمر كذا وكذا، وعلم عدد أوراقها كما في قوله تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) (الأنعام:٥٩) ، فعلم ذلك وحدوده داخل في هذه الآية: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (القمر:٤٩) ؛ أي بمقدار وزمان، محدد أوله وآخره.
كذلك قوله تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) (الفرقان:٢) ، أي قدر زمان الذي خلقه، خلق الذراري وقدر أعمالهم وآجالهم، فإذا حملت المرأة أرسل الله الملك فيكتب أجله، وعمله، وشقي أو سعيد، ورزقه حلال أو حرام، وهو في بطن أمه، ولكن هذه كتابة خاصة. وكذلك أيضاً جميع ما يحدث داخلٌ في هذه الآية (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) أي حدده وحدد قدرته، وقوته ومبدأه ومنتهاه وما يصير إليه.
وأما قوله تعالى: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) (الأنبياء:٢٣) ، فهذا القضاء الذي هو العلم السابق، وكذلك القدرة على الأفعال؛ لأنه يفعل الأشياء ولا يسأل عن الحكمة فيها.
стр. 1224
فمن عقيدة أهل السنة أنهم يسلمون لأمر الله ولو لم يظهر لهم فيه حكمة، فلا يجوز أن تقول: ما فائدة خلق هذه الأشياء؟ أو هذه الأشياء فيها ضرر؛ ليتها لم تخلق، كل هذا لا يجوز؛ لأن في هذا اعتراض على تصرف الخالق، فهو الذي خلق الأقدار حتى إنه أراد التعرف إلى خلقه بإيجاد الضدين؛ فخلق الخير والشر، وخلق الحياة والموت، وخلق المسلم والكافر، وكذلك بقية الأضداد، فلا يجوز أن تقول: لماذا خلق الله البرد والحر؟ لماذا خلق الله السموم القاتلة؟ لماذا خلق الله السباع؟ لماذا خلق الله ذوات السموم كالحيات والعقارب؟، فخلق كل الأشياء لابد أن تكون فيها حكمة ولو لم تكن معلومة لنا، فلا يجوز أن يُعترض على الله تعالى في خلقه فإنه يفعل ما يشاء قال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) (الأنبياء:٢٣) ، يدخل في هذه الآية جميع ما أوجده، سواءً من المخلوقات ذوات الأرواح أو من النباتات أو من الأفعال، ولا يقال: لماذا أمر الله بكذا؟، ولماذا حرم كذا؟ ولماذا أوجب كذا؟ كل هذا لا يجوز: (لا يسال عما يفعل وهم يسألون) .
أما قوله تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجاً) (الأنعام:١٢٥) فهذه الآية في الإرادة الكونية فإن الإرادة كما ذكرنا نوعان: إرادة كونية وإرادة شرعية، فالمعنى أن من أراد الله كوناً وقدراً أن يهديه فإنه يشرح صدره للإسلام، ويكون قلبه منبسطاً إليه، راغباً فيه، محباً له، مقبلاً عليه، متقبلاً له، يرغب فيه ويحبه ويألفه، ويستحسن أفعاله وشرائعه، ويرى كل ما فيه حقاً ومطابقاً وصدقاً ليس فيه شيء لا فائدة فيه ولا أهمية له، فيقبل على الإسلام ويتقبله، فهذا الذي أراد الله به خيراً.
стр. 1225
قال الله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) (الزمر:٢٢) ، أخبر بذلك عن نبيه (ألم نشرح لك صدرك) (الشرح:١) ، والشرح هنا ليس هو الشق، ولكنه شرح الانبساط، بمعنى أن قلبه يصير مقبلا على الإسلام، ويصير صدره متسعا لتعاليم الإسلام، كأن صدره واسعٌ غاية السعة لأجل ما منّ الله عليه بهذه الهداية.
ثم قال تعالى: (ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء) (الأنعام:١٢٥) ، أي من أراد الله إضلاله وحال بينه وبين الهداية فإنه يجعل صدره ضيقاً، وليس المراد الضيق الحسي، فإنك إذا رأيت اثنين أحدهما أراد الله أن يشرح صدره، والآخر لم يرد به خيراً بل أراد الله أن يضله، لا تفرق بينهما ظاهراً، فضيق الصدر هنا ضيق معنوي، بمعنى أنه لا يتسع صدره للتعاليم الدينية ولا يحبها ولا يتقبلها ولا يركن إليها؛ إذا أخبر بها ضاق بها ذرعاً وأبغضها ومقتها واحتقرها، وابتعد عنها واستثقلها كأنها جبال تحمل عليه؛ هذا من قضاء الله الذي قدر عليه، كذا جعل صدره ضيقاً حرجاً، والحرج هو الشدة والألم.
(كأنما يصعد في السماء) كأن قلبه يصعد أي يطار به، ويحال بينه وبين أسباب الفرح، لا شك أن هذا أمر الله تعالى؛ فهو الذي هدى هذا وأضل هذا.
وقد ذكرنا أن هدايته لمن يهديه فضل منه، وإضلاله لمن يضله عدل منه:
ما للعباد عليه حقٌ واجبُ كلا ولا سعيٌ لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله، أو نُعِّموا فبفضله، وهو الكريم الواسع
стр. 1226
هذه الآيات ونحوها فيما يتعلق بالقضاء والقدر، وقد ذكرنا أن الإرادة نوعان: إرادة كونية، وإرادة دينية شرعية، فالإرادة الكونية يلزم وقوع مرادها، والإرادة الشرعية لا يلزم وقوع مرادها؛ فوجود هذه المخلوقات مراد إرادة كونية، نقول مثلاً: إن الله أراد كوناً وقدراً وجود هذا الاجتماع وخلق هؤلاء الأشخاص ونحو ذلك، كل هذا مراد كوناً وقدراً.
كذلك أراد كونا وقدراً وجود المبتدعة والكفرة والفجرة والعصاة ونحوهم -ولو شاء ما وجدوا- فهذه إرادة كونية قدرية أزلية سابقة معلومة لله قبل وجودها، ولابد من تحقيق مراد الله الذي أراده في الكون والقدر.
أما الإرادة الشرعية فإنه لا يلزم وجود مرادها، ولكن مرادها محبوب لله تعالى، فالله تعالى أراد من العباد كلهم أن يؤمنوا به ديناً وشرعاً، وأن يعملوا الصالحات وأن يصدقوا الرسل، وأراد منهم أن يتركوا المحرمات ولكن هل وجه هذا المراد كله أو وجد بعضه أراد منهم أن يؤمنوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فالذين آمنوا اجتمعت فيهم الإرادتان: إيمانهم الذي حصل مراد كوناً وقدراً لأنه مكتوب، ومراد شرعاً وديناً لأنه محبوب.
كذلك أعمالهم الصالحة التي عملوها كالصلاة والصدقة والجهاد والأذكار والتلاوة مرادة دينا وشرعاً، كما أنها مرادة كوناً وقدراً؛ لأن الله قدر أن هؤلاء يؤمنون ويعملون الصالحات في الأزل، ويكثرون من العبادات، ويتعلمون العلوم النافعة، ويعتقدون العقائد الصالحة؛ أراد ذلك كوناً وقدراً فوجد، وأراده دينا وشرعاً فوجد فيهم.
стр. 1227
والإرادة الشرعية مذكورة في قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة:١٨٥) ، وفي قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) (النساء:٢٦) ، (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً) (النساء:٢٧) ، (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:٢٨) .
كل هذه إرادة شرعية، يعني يريد شرعاً وديناً أن يخفف عنكم، يريد شرعاً وديناً أن يتوب عليكم، فمن تاب الله عليه ووفقه كان هذا مراداً شرعاً وديناً، وكوناً وقدراً، ومن لم يتب لم يوافق الإرادة الشرعية حيث إنه أريد منه التوبة فلم يتب، فتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمنين لأنهم حققوا الإرادة الشرعية، وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافرين لأن الله أراد منهم شرعاً وديناً أن يؤمنوا فلم يؤمنوا، وأراد منهم كوناً وقدراً أن يكفروا فكفروا.
وهذا معتقد أهل السنة أن الله تعالى أراد جميع الكائنات، فلا تخرج عن إرادته ولا عن تكوينه، وأن جميع الكائنات حاصلة بقضائه وقدره، وأنه عالم بها.
وأما قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (الحديد:٢٢) ، هذه الآية تتعلق بنوع من القدر؛ هذا النوع هو علم الله السابق؛ أنه بكل شيء عليم، وأنه عالم بالأشياء قبل وجودها، وبهذا نعرف أن القدر أربع مراتب:
المرتبة الأولى: العلم، وهو العلم السابق قبل وجود الموجودات، علمها قبل وجودها، فكل شيء يوجد فإنه معلوم لله.
المرتبة الثانية: الكتابة؛ كتبها في اللوح المحفوظ، فكل شيء يحدث فإنه مكتوب.
المرتبة الثالثة: الإرادة؛ فإن الله أرادها وشاءها ولابد من وقوع ما شاءه الله.
المرتبة الرابعة: أن الله أوجدها وخلقها وحقق وجودها.
стр. 1228
إذا آمن العبد بذلك كله صدق عليه أنه آمن بالقدر، والمرتبة الأولى وهي العلم؛ ذكروا أنها أربعة أقسام:
الأول: التقدير العام؛ الذي هو العلم بالموجودات كلها من أول ما خلقت إلى ما لا نهاية له.
التقدير الثاني: التقدير العمري؛ وهو ما يكتب للإنسان وهو في بطن أمه.
التقدير الثالث: التقدير السنوي؛ وهو أنه في ليلة القدر يقدر الله ما يكون في تلك السنة إلى مثلها مما يكون على وجه الأرض، يكتب في تلك الليلة ما سوف يوجد، وما سوف يحصل؛ يقول الله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا) (الدخان:٤-٥) ، يعني في ليلة القدر، وذلك بعد قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم) (الدخان:٣-٤) .
أما التقدير الرابع: فهو التقدير اليومي؛ وهو وقوع ما يحصل في كل يوم، وهو المذكور في قوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) (الرحمن:٢٩) .
وقوله:
وروى ابن عمر ﵄ أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم.
وقال النبي ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره وحُلوه ومره) . ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) .
شرح:
стр. 1229
هذه أدلة على الإيمان بالقدر، فحديث ابن عمر في صحيح مسلم هو أول حديث في كتاب الإيمان، وهو حديث عمر المشهور، وأوله عن يحي بن يعمر قال: (كان أول من قال بالقدر في العراق معبد الجهني، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب النبي ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنفُ، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي نفسي بيده؛ لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر ... ) .
ثم أنشأ يحدث بهذا الحديث، حديث عمر المشهور إلى قوله: قال: أخبرني عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت ... الحديث) .
فهذا دليل على نوع من أنواع القدر، وهو العلم السابق الذي ذكرنا أنه العلم الذي علمه الله قبل وجود المخلوقات، وهو الذين أنكره معبد الجهني وادعى أن الأمر (أُنف) يعني مستأنف، بمعنى أن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث؛ لا يعلم ما سوف يولد لهذا، ولا من سوف يسكن هذه البلدة، ولا متى تعمر هذه البقعة، ولا متى تنبت هذه الشجرة، ولا متى تثمر حتى تخرج ثمارها، وهذا بلا شك تنقص لعلم الله الذي وصف به نفسه بأنه بكل شيء عليم.
стр. 1230
ولكن الحديث وهو قوله ﷺ : (تؤمن بالقدر خيره وشره) يدخل فيه أيضاً القدر الذي هو الحوادث، وهو أن تؤمن بأنها مقدرة وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وورد من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قوله: (لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام وجفت الصحف.
أما دلالة حديث القنوت الذي أوله: (اللهم أهدني فيمن هديت) إلى قوله: (وقني برحمتك شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك) فقد دل على أن الله يقيه من الشر، والدعاء ليس يغير القدر، ولكن الدعاء من القدر، والدعاء نفسه مقدر، وقد جعله الله سبباً لوقوع هذا القدر، فدعاؤنا بقولنا: (وقني شر ما قضيت) أي شر ما تقدره؛ أي ما قد كتب، ومما قدره الله تعالى وكتبه أن العبد سيدعو بهذا الدعاء ويكون سبباً في كشف الشر عنه.
فدل على أن المكتوب لابد من وقوعه، ولابد من حصوله، فما قدر الله فلن يخطئ العبد، لا راد لقضاء الله، ولا معقب لحكمه.
مسألة: جمع أهل السنة بين الشرع والقدر
وقوله:
ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثه الرسل.
قال الله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجةُ بعد الرسل) (النساء:١٦٥) ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (البقرة:٢٨٩) .
следующие страницы →