Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
هذه الآيات ونحوها فيما يتعلق بالقضاء والقدر، وقد ذكرنا أن الإرادة نوعان: إرادة كونية، وإرادة دينية شرعية، فالإرادة الكونية يلزم وقوع مرادها، والإرادة الشرعية لا يلزم وقوع مرادها؛ فوجود هذه المخلوقات مراد إرادة كونية، نقول مثلاً: إن الله أراد كوناً وقدراً وجود هذا الاجتماع وخلق هؤلاء الأشخاص ونحو ذلك، كل هذا مراد كوناً وقدراً.
كذلك أراد كونا وقدراً وجود المبتدعة والكفرة والفجرة والعصاة ونحوهم -ولو شاء ما وجدوا- فهذه إرادة كونية قدرية أزلية سابقة معلومة لله قبل وجودها، ولابد من تحقيق مراد الله الذي أراده في الكون والقدر.
أما الإرادة الشرعية فإنه لا يلزم وجود مرادها، ولكن مرادها محبوب لله تعالى، فالله تعالى أراد من العباد كلهم أن يؤمنوا به ديناً وشرعاً، وأن يعملوا الصالحات وأن يصدقوا الرسل، وأراد منهم أن يتركوا المحرمات ولكن هل وجه هذا المراد كله أو وجد بعضه أراد منهم أن يؤمنوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فالذين آمنوا اجتمعت فيهم الإرادتان: إيمانهم الذي حصل مراد كوناً وقدراً لأنه مكتوب، ومراد شرعاً وديناً لأنه محبوب.
كذلك أعمالهم الصالحة التي عملوها كالصلاة والصدقة والجهاد والأذكار والتلاوة مرادة دينا وشرعاً، كما أنها مرادة كوناً وقدراً؛ لأن الله قدر أن هؤلاء يؤمنون ويعملون الصالحات في الأزل، ويكثرون من العبادات، ويتعلمون العلوم النافعة، ويعتقدون العقائد الصالحة؛ أراد ذلك كوناً وقدراً فوجد، وأراده دينا وشرعاً فوجد فيهم.
стр. 1227
والإرادة الشرعية مذكورة في قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة:١٨٥) ، وفي قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) (النساء:٢٦) ، (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً) (النساء:٢٧) ، (يريد الله أن يخفف عنكم) (النساء:٢٨) .
كل هذه إرادة شرعية، يعني يريد شرعاً وديناً أن يخفف عنكم، يريد شرعاً وديناً أن يتوب عليكم، فمن تاب الله عليه ووفقه كان هذا مراداً شرعاً وديناً، وكوناً وقدراً، ومن لم يتب لم يوافق الإرادة الشرعية حيث إنه أريد منه التوبة فلم يتب، فتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمنين لأنهم حققوا الإرادة الشرعية، وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافرين لأن الله أراد منهم شرعاً وديناً أن يؤمنوا فلم يؤمنوا، وأراد منهم كوناً وقدراً أن يكفروا فكفروا.
وهذا معتقد أهل السنة أن الله تعالى أراد جميع الكائنات، فلا تخرج عن إرادته ولا عن تكوينه، وأن جميع الكائنات حاصلة بقضائه وقدره، وأنه عالم بها.
وأما قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير) (الحديد:٢٢) ، هذه الآية تتعلق بنوع من القدر؛ هذا النوع هو علم الله السابق؛ أنه بكل شيء عليم، وأنه عالم بالأشياء قبل وجودها، وبهذا نعرف أن القدر أربع مراتب:
المرتبة الأولى: العلم، وهو العلم السابق قبل وجود الموجودات، علمها قبل وجودها، فكل شيء يوجد فإنه معلوم لله.
المرتبة الثانية: الكتابة؛ كتبها في اللوح المحفوظ، فكل شيء يحدث فإنه مكتوب.
المرتبة الثالثة: الإرادة؛ فإن الله أرادها وشاءها ولابد من وقوع ما شاءه الله.
المرتبة الرابعة: أن الله أوجدها وخلقها وحقق وجودها.
стр. 1228
إذا آمن العبد بذلك كله صدق عليه أنه آمن بالقدر، والمرتبة الأولى وهي العلم؛ ذكروا أنها أربعة أقسام:
الأول: التقدير العام؛ الذي هو العلم بالموجودات كلها من أول ما خلقت إلى ما لا نهاية له.
التقدير الثاني: التقدير العمري؛ وهو ما يكتب للإنسان وهو في بطن أمه.
التقدير الثالث: التقدير السنوي؛ وهو أنه في ليلة القدر يقدر الله ما يكون في تلك السنة إلى مثلها مما يكون على وجه الأرض، يكتب في تلك الليلة ما سوف يوجد، وما سوف يحصل؛ يقول الله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا) (الدخان:٤-٥) ، يعني في ليلة القدر، وذلك بعد قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم) (الدخان:٣-٤) .
أما التقدير الرابع: فهو التقدير اليومي؛ وهو وقوع ما يحصل في كل يوم، وهو المذكور في قوله تعالى: (كل يوم هو في شأن) (الرحمن:٢٩) .
وقوله:
وروى ابن عمر ﵄ أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. فقال جبريل: صدقت) رواه مسلم.
وقال النبي ﷺ : (آمنت بالقدر خيره وشره وحُلوه ومره) . ومن دعاء النبي ﷺ الذي علمه الحسن بن علي يدعو به في قنوت الوتر: (وقني شر ما قضيت) .
شرح:
стр. 1229
هذه أدلة على الإيمان بالقدر، فحديث ابن عمر في صحيح مسلم هو أول حديث في كتاب الإيمان، وهو حديث عمر المشهور، وأوله عن يحي بن يعمر قال: (كان أول من قال بالقدر في العراق معبد الجهني، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب النبي ﷺ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق الله تعالى لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي وظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنفُ، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني، والذي نفسي بيده؛ لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر ... ) .
ثم أنشأ يحدث بهذا الحديث، حديث عمر المشهور إلى قوله: قال: أخبرني عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت ... الحديث) .
فهذا دليل على نوع من أنواع القدر، وهو العلم السابق الذي ذكرنا أنه العلم الذي علمه الله قبل وجود المخلوقات، وهو الذين أنكره معبد الجهني وادعى أن الأمر (أُنف) يعني مستأنف، بمعنى أن الله لا يعلم الأشياء حتى تحدث؛ لا يعلم ما سوف يولد لهذا، ولا من سوف يسكن هذه البلدة، ولا متى تعمر هذه البقعة، ولا متى تنبت هذه الشجرة، ولا متى تثمر حتى تخرج ثمارها، وهذا بلا شك تنقص لعلم الله الذي وصف به نفسه بأنه بكل شيء عليم.
стр. 1230
ولكن الحديث وهو قوله ﷺ : (تؤمن بالقدر خيره وشره) يدخل فيه أيضاً القدر الذي هو الحوادث، وهو أن تؤمن بأنها مقدرة وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وورد من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قوله: (لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك؛ رفعت الأقلام وجفت الصحف.
أما دلالة حديث القنوت الذي أوله: (اللهم أهدني فيمن هديت) إلى قوله: (وقني برحمتك شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك) فقد دل على أن الله يقيه من الشر، والدعاء ليس يغير القدر، ولكن الدعاء من القدر، والدعاء نفسه مقدر، وقد جعله الله سبباً لوقوع هذا القدر، فدعاؤنا بقولنا: (وقني شر ما قضيت) أي شر ما تقدره؛ أي ما قد كتب، ومما قدره الله تعالى وكتبه أن العبد سيدعو بهذا الدعاء ويكون سبباً في كشف الشر عنه.
فدل على أن المكتوب لابد من وقوعه، ولابد من حصوله، فما قدر الله فلن يخطئ العبد، لا راد لقضاء الله، ولا معقب لحكمه.
مسألة: جمع أهل السنة بين الشرع والقدر
وقوله:
ولا نجعل قضاء الله وقدره حجة لنا في ترك أوامره واجتناب نواهيه، بل يجب أن نؤمن ونعلم أن لله علينا الحجة بإنزال الكتب وبعثه الرسل.
قال الله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجةُ بعد الرسل) (النساء:١٦٥) ونعلم أن الله سبحانه ما أمر ونهى إلا المستطيع للفعل والترك، وأنه لم يجبر أحداً على معصية ولا اضطره إلى ترك طاعة، قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (البقرة:٢٨٩) .
стр. 1231
وقال الله تعالى: (فاتقوا الله ما استقطعتم) (التغابن:١٦) ، وقال تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم) (غافر:١٧) . فدل على أن للعبد فعلاً وكسباً يُجزى على حسنه بالثواب وعلى سيئه بالعقاب، وهو واقع بقضاء الله وقدره.
شرح:
مسألة القدر انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام:
قسم أنكروا قدرة الله، وقسم احتجوا بالقدر، وقسم توسطوا، ولم يجعلوا القدر حجة لهم على المعاصي، ولكنهم يحتجون به على المصائب بعد حدوثها.
القسم الأول: الذين أنكروا قدرة الله هم المعتزلة، وأصول المعتزلة خمسة، ولهم كتاب مطبوع اسمه (الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار، وأصولهم الخمسة أسماؤها حسنة، ولكن يدخل تحت تلك الأسماء بدع:
الأصل الأول: التوحيد، ويريدون به نفي الصفات.
والأصل الثاني: العدل، ويريدون به نفي قدرة الله على العباد كما سيأتي.
والأصل الثالث: المنزلة بين المنزلتين، ويريدون به إخراج العاصي من الإيمان وعدم إدخاله في الكفر.
والأصل الرابع: إنفاذ الوعيد، ويريدون به تخليد العصاة في النار.
والأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويريدون به الخروج على الأئمة العصاة في زعمهم.
فالذي يهمنا هو الأصل الثاني، وهو العدل، فالاسم حسن، قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل) (النحل:٩٠) ، (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) (النساء:٥٨) ، ومعروف أن العدل هو التسوية بين الخصمين، والحكم بينهما بحكم وسط لا ظلم فيه ولا جور، ولا ميل مع أحدهما على الآخر كما في قوله تعالى: (اعدلوا هو أقرب للتقوى) (المائدة:٨) .
стр. 1232
ولكن يريدون بالعدل أن الله تعالى لا يقدِّر المعصية على العاصي، ثم يعذبه عليها فإن ذلك يكون ظلماً، ويقولون: إن العبد هو الذي يخلق فعله، وهو الذي يستقل بأفعاله، ولا قدرة لله على فعله، ولا يقدر على أن يهدي أو يضل، ولا يُقبل بقلب هذا، ولا يصد قلب هذا، فالله -عندهم- عاجز عن هذا -تعالى الله عما يقولون- بل العباد أنفسهم هم الذين يستقلون بأفعالهم. فجعلوا العبد خالقاً مع الله، ولهذا يسمون مجوس هذه الأمة؛ لأنهم جعلوا مع الله من يخلق؛ لأن المجوس جعلوا الكون صادراً عن خالقين: النور والظلمة، وأما المعتزلة فجعلوا العباد كلهم يخلقون؛ الطائع يخلق طاعته، والعاصي يخلق معصيته.
وقالوا: إن الله ليس له قدرة عليه بل العاصي يعصي الله، ولو شاء الله أن يرده ما قدر على أن يرده، إذا أراد العبد أن يفعل معصية، وأراد الله أن لا يفعلها غلبت قدرة العبد على قدرة الله، وإذا أراد الله أن تُفعل طاعة من العبد، والعبد أراد أن يفعلها غلبت قدرة العبد على قدرة الله، فهذا في زعمهم سموه عدلاً، حتى لا يعذب الخلق على الأمر الذي خلقه فيهم، هذا قول القدرية وهم المعتزلة.
القسم الثاني: يسمون الجبرية وهم طائفة من الأشاعرة غلوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد قدرته وإرادته، وقالوا: ليس للعبد أية اختيار، بل العبد مجبور على فعله مقسور عليه، ليس لديه أي نظر ولا همة ولا إرادة، ويتمثل بعضهم بقوله:
ألقاه في أليمّ مكتوفاً وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء
يقولون: إن الله هو الذي أوقعه في المعصية وخلقها فيه، وقدرها عليه، وألزمه بها، ومع ذلك يقول له: لا تعص، لا تقرب المعصية، لا تفعلها، فهو كمن كُتفت يداه، وألقي في البحر، وقيل له: لا تبل ثيابك بالماء، هذا غير ممكن.
стр. 1233
وذكروا أن يهودياً لعله قدري أو من هؤلاء الجبرية جاء إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، ورفع إليه أبياتاً يقول في أولها:
أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلّوه بأوضح حجة
إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي
دعاني وسدّ الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل بيّنوا لي قضيتي
فيقول: هو بمنزلة من دعاني وسد الباب دوني ولا مني على ذلك.
فأجاب شيخ الإسلام نظماً وارتجالاً وجعل يكتب وهو جالس، ويعتقدون أنه يكتب نثراً وإذا هو يكتب نظماً في المنظومة التائية الموجودة في المجلد الثامن من مجموع الفتاوى والتي أولها:
سؤالك يا هذا سؤال معاندٍ مخاصم رب العرش باري البرية
ويدعى خصوم الله يوم معادهم إلى النار طُراً معشر القدرية
سواءٌ نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا به في الخليقة
وقد زادت المنظومة على مائة وثلاثين بيتاً، أو نحوها، وبين له: إنك مخصوم، وإنك تقر على نفسك بأنك مخصوم، وإن الذين يحتجون بالقدر متناقضون، فهم يقولون هذه المقالات حتى يحتجوا على فعل المعاصي بوجودها، وأنشد ابن القيم في بعض كتبه قول بعضهم:
وضعوا اللحم للبزا ة على ذروتي عدن
ثم لاموا البزاة إذ أطلقوا لهنّ الرسن
لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن
يقول: إنهم يحتجون بالقدر كما يحتج الزاني مثلاً بأنهم دفعوه إلى الزنا، حيث إن النساء تكشفت أمامه فلم يملك نفسه أن اندفع؛ يقول: "لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن) هكذا يحتجون، ولكن لا حجة لهم في ذلك لأنهم متناقضون.
стр. 1234
ذكروا أن سارقاً جيء به إلى عمر ﵁ فأراد أن يقطع يده، فقال ذلك السارق: سرقت بقدر الله فقال عمر: وأنا أقطع يدك بقدر الله؛ يعني هذا قدر وهذا قدر.
ولما توجه عمر ﵁ إلى الشام وأقبل عليهم، وذكروا له أن الطاعون وقع في الشام عزم على الرجوع، فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. يعني أن فعلنا هذا مقدر ولو فعلنا هذا لكان مقدوراً، فالقدر هو ما نفعله، القدر هو ما يهدينا الله له.
وفي الحديث أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها ودواءً نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟، فقال: (هي من قدر الله) يعني قدَّر الله هذا المرض، وقدَّر أن العبد يتداوى فيشفى، وهذه الأدوية مكتوب أنها سوف تحصل وهي من قدر الله، جعلها الله تعالى سبباً.
وعلى هذا فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي، وذلك لأن القدر إنما هو موافقة الأمر والنهي، فالإنسان مأمور بأن يفعل، فإذا فعل فقد وافق القدر، وليس له أن يحتج بالقدر على ترك الفعل أو على فعل المحرم (قل فلله الحجة البالغة) (الأنعام:١٤٩) .
فكما أن الله تعالى أمرنا بفعل الأسباب الحسية وجعلها من القدر، فكذلك أمرنا بالأفعال المعنوية وجعلها من القدر، فنحن مأمورون مثلا بأن نتكسب ونطلب الرزق، ويكون هذا بقدر كما قال النبي ﷺ : (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) فكما أن الطير لا تجلس في وكناتها، ولا في أوكارها، بل تغدو وتذهب وتتطلب الرزق حتى تجده، فالإنسان يسعى ويفعل الأسباب ويكسب، ويطلب الرزق، ويمشي في الأسواق، ويبيع ويشتري ويحترف، وفعل هذا من قدر الله تعالى ومن قضائه المكتوب عليه.
стр. 1235
وكذلك أيضاً لا يقول: سأسكت فلا أتكلم فإن هذا قدر، نقول له: انطق وتكلم وذلك أيضاً من القدر. ولا يقول: سوف أمسك عن الأكل فإن الله قدر أن أعيش عشت، وإلا فلا، نقول: لا بل أطعم الطعام، وغذ بدنك فإن هذا مما أمرت به، وهو من الأسباب في حياتك، وهو أيضاً من القدر. ولا يقول: لا أتزوج فإن كان الله قدر لي أولاداً حصلوا بدون زواج، نقول: لا، بل تزوج حتى يحصل ما قُدّر لك. وهكذا التعلم وما أشبهه، كلها بقضاء وقدر، ولابد أن يفعل العبد هذه الأسباب حتى يوافق ما قدر الله وما كتبه.
نقول بعد ذلك: إن أهل السنة توسطوا في ذلك فجعلوا للعبد قدرة، وجعلوا لله تعالى قدرة، وقدرة الله تعالى غالبة على قدرة العبد، وبقدرة العبد التي أعطاه الله إياها والتي مكنه بها يحصل الثواب والعقاب على هذه القدرة.
فلا شك أن الإنسان معه قدرة، ومعه تمكن، وأنه لولا هذه القدرة ما كُلف، وفي الآيات التي تقدمت ذكر الأدلة على ذلك: (لا يكُلف الله نفساً إلى وسعها) (البقرة:٢٨٦) فلو لم يكن للإنسان قدرة لما كلف، ولهذا لا يكلف المجنون، ولا العاجز، ولا المقعد، ولا المريض، ولا فاقد القدرة.
وقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (التغابن:١٦) يعني أن للعباد استطاعة وقدرة يزاولون بها أعمالهم، وهكذا الآيات التي فيها الأوامر والنواهي التي يوجهها الله إلى العباد: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (المزمل:٢٠) ، (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق) (الإنعام:١٥١) ، ونحو ذلك.
стр. 1236
ولو لم يكن للعباد قدرة ما وجهت إليهم هذه الأوامر، فدل على أن الله أعطاهم قدرة يزالون بها الأعمال، ويصح بها أن يكونوا مكلفين، ويصح أن تنسب إليهم أفعالهم فيقال: هذا هو القاتل فاقتلوه، هذا هو الزاني فارجموه، هذا هو السارق فاقطعوه، ويقال: هذا هو المصلي يستحق الثواب، هذا هو الصائم له أجر صيامه، هذا هو المتصدق يضاعف الله أجره، فتنسب إليه أفعاله لأنها صدرت منه، وإن كانت مقدرة ومقضية ومخلوقة لله أزلاً، ولكن لما باشرها نسبت إليه فهي أفعاله.
فلا يجوز أن يقال: ليس للعبد أية قدرة أصلاً، فهذا قول الجبرية، ولا يقال: ليس لله قدرة أصلاً فهذا قول المعتزلة، بل لله قدرة عامة وللعبد قدرة خاصة، وقدرة الرب غالبة على قدرة العبد، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (التكوير:٢٨-٢٩) ، (فمن شاء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشاء الله) (المدثر:٥٥-٥٦) ، (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً * وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (الإنسان:٢٩-٣٠) ، ونحو ذلك من الآيات.
فالاحتجاج بالقدر هو قول المشركين الذين يقولون: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) (الزخرف:٢٠) ، (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) (يس:٤٧) ، فهؤلاء الجبرية الذين يحتجون بالقدر قولهم موافق لقول المشركين، والغالب أنهم لا يحتجون به إلا عند أهوائهم؛ ولهذا يقول ابن القيم في الميمية.
وعند مراد الله تفنى كميِّت وعند مراد النفس تُسدي وتُلحِمُ
وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ظهيراً على الرحمن للجبر تزعم
يعني تزعم أنك مجبور، فحصل في ذلك تقسيم الطوائف إلى ثلاث:
الذين يقولون: إن العبد هو المستقل بفعله، وهؤلاء هم القدرية، وكذلك ينكرون قدرة الله ويدعون أن الله يعصى قهراً.
стр. 1237
وطائفة مجبرة؛ الذين ينكرون قدرة العبد أصلاً، ويقولون: ليس له شيء من الفعل، فحركته كحركة المرتعش الذي لا يقدر على إمساك يده، أو حركته كحركة الشجرة التي تحركها الرياح بدون اختيارها فليس له أية قدرة.
وقول أهل السنة: أن له قدرة وإرادة، وأنه بحسبها يثاب ويعاقب، وإن كانت خاضعة لقدرة الله تعالى.
الإيمان قول وعمل
وقوله:
والإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان، وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (البينة:٥) .
فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين.
شرح:
هذا الموضوع يقال له: أسماء الإيمان والدين، ويتعلق به التكفير والتفسيق ونحوه، وهو الذي عند المعتزلة يسمى المنزلة بين المنزلتين؛ وذلك لأن الأمة اختلفوا في مسمى الإيمان فتباينت فيه أقوالهم.
والإيمان في اللغة هو التصديق، ولكن الشرع أضاف إليه إضافات وأدخل فيه الأعمال، وأدخل فيه الأقوال، فأصبح الإيمان شاملاً للعقائد والأقوال والأعمال، أصبح مسمىً شرعياً، وما ذاك إلا أن المسميات الشرعية نقلت من مسماها اللغوي إلى مسمى خاص كسائر المسميات الشرعية.
فالعرب لا تعرف اسم الإيمان إلا أنه التصديق، ولا تعرف اسم الكفر إلا أنه التغطية، تغطية الشيء وستره يسمى عندهم كفراً لقول شاعرهم: (في ليلة كَفَر النجُومَ ظلامها) ، ولا تعرف الفسق إلا أنه الخروج، فسقت الرطبة: خرجت من قشرتها، ولا تعرف النفاق إلا أنه الاستخفاء، ولا تعرف الشرك في التجارة أو نحوها، ولا تعرف التوحيد إلا أنه الواحد المفرد.
فجاء الشرع وجعل لهذه الأشياء مسميات شرعية، ونقلها من المسمى اللغوي إلى المسمى الشرعي.
стр. 1238
فالإيمان: قول باللسان، وعقد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، هذا مسمى الإيمان في الشرع أدخل فيه الأعمال وسماه إيماناً كما ستأتي عليه الأدلة إن شاء الله.
أما الكفر: فإنه الخروج من الدين، فجحد الرسالة، وجحد النبوة، وجحد التوحيد وإنكار العبادة يسمى كفراً شرعياً.
أما الفسوق: فهو المعصية؛ لأنها خروج عن الطاعة.
أما النفاق: فهو مسمى شرعي يطلق على إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
أما التوحيد: فنقل من مسماه اللغوي إلى مسمى شرعي، وهو إفراد الله بالعبادة.
أما الشرك: فنقل من مسماه اللغوي إلى مسمى شرعي، وجعل اسماً لدعوة الله ودعوة غيره معه، فإشراك غير الله معه في نوع من أنواع العبادة يسمى شركاً.
فهذه مسميات نقلها الشرع وجعلها لمسميات خاصة، والكلام الآن عن الإيمان، وذلك لقدم وقوة الخلاف فيه:
فذهب بعضهم إلى أن الإيمان هو المعرفة، فمن عرف فهو مؤمن عندهم. فهل هذا صحيح؟ الله تعالى رتب على الإيمان الجزاء، رتب عليه الثواب، فكثيراً ما يذكر الله الإيمان ويذكر ثوابه، فهل كل عارف يستحق الثواب؟ معروف أن فرعون عارف قال الله تعالى عن موسى (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات) (الإسراء:١٠٢) . فهل فرعون مؤمن؟
وكذلك إبليس عارف بالله، وعارف بأن الله ربه هو الخالق، فهل يقال: إنه مؤمن مستحق للثواب؟ ، وكذلك أيضاً المنافقون؛ كثير منهم عارفون ولكنهم جحدوا عناداً، والمشركون عارفون أيضاً، يقول الله تعالى: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) (الأنعام:٣٣) فهل يقال: إنهم مؤمنون يستحقون ثواب الإيمان؟
стр. 1239
إذن عرفنا أن هذا القول باطل، وهناك من يقول: إن الإيمان هو مجرد التصديق. وهذا القول مشهور عند الحنفية، وقالوا: إنه مسمى الإيمان في اللغة، ولهم كلام طويل، ولكن نحن نقول: إن الله تعالى قد وصف المؤمنين بصفات زائدة على التصديق، مما يدل على أنه لابد مع التصديق من الأعمال، فلا يكون المؤمن مؤمناً إلا بتلك الأعمال.
الدليل الأول: قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (الأنفال:٢-٣) ، فجعل المؤمنين حقاً هم المتصفون بهذه الصفات الخمس، ومنها ما هو عمل بدني كالصلاة، أو عمل مالي كالنفقة، أو عمل قولي كالذكر، أو عمل قلبي كالوجل، فدل على أن الإيمان يعم هذه الأشياء.
الدليل الثاني: قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) (السجدة:١٥) نفى الإيمان عن غير هؤلاء، فأصبح من الإيمان الخرور سجوداً لله (إذا ذكروا بها خروا سجداً) (السجدة:١٥) ، والتسبيح بحمد الله وعدم الاستكبار والتجافي (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) (السجدة:١٦) ، والدعاء (يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) (السجدة:١٦) إلى آخرها، فهذا كله من الإيمان.
الدليل الثالث: قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) (الحجرات:١٥) فجعل من الإيمان الجهاد وترك الريب والعمل، فلا شك أن هذا كله دليل على أن الإيمان شيء زائد على التصديق.
إذن فيكون الإيمان مثلما عرفه الموفَّق ﵀؛ وهو قول أهل السنة، وقد ذكروا أن البخاري ﵀ يقول: رويت في هذا الكتاب عن نحو ثلاثمائة من العلماء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل، ويريد بذلك أن مشايخه الذين أخذ عنهم كلهم على هذا القول: (الإيمان قول وعمل) .
стр. 1240
وقد بدأ صحيحه -بعد المقدمة التي هي في الوحي- بكتاب الإيمان، ثم قال: (وهو قول وفعل، يزيد وينقص) ولم يذكر الاعتقاد؛ لأنه لا خلاف في الاعتقاد، ولما لم يكن لا خلاف في الاعتقاد خلاف أغفله، وذكر ما فيه الخلاف؛ وهو القول والفعل، أي أن الإيمان تدخل فيه الأقوال والأفعال، ثم يترتب على ذلك كمال الإيمان ونقصانه وزيادته.
وكثير من الحنفية والأشاعرة ونحوهم يعتقدون أن الإيمان واحد، وأنه لا يتفاوت، وأن الناس فيه مستوون وذلك لأنهم متفاوتون في العقيدة وقوة اليقين، ومتفاوتون في أثر تلك العقيدة على العباد، وإذا كانوا متفاوتين دل على أن الإيمان يتفاوت.
فنحن نعرف أنه قد يكون هناك إنسان رزقه الله علماً وقراءة وتدبراً، أقبل على السنة، وعلى الحديث، وعلى القرآن، وأخذ يتأمل وقامت عنده الأدلة، ورسخت في قلبه أدلة الوحدانية وأدلة الربوبية، وأدلة البعث والنشور، وأدلة الأعمال والأحكام، وأدلة الرسل والإيمان بهم، والملائكة ونحوهم؛ رسخت في قلبه، وكان من آثار رسوخها أن انبعثت جواحه بالعمل فلا ينطق إلا بالذكر ولا يسمع إلا الخير ولا يبصر إلا ما فيه خير، وكان سكوته ذكراً ونطقه ذكراً وعمله خيراً، كل ذلك من آثار ما رسخ في قلبه من تلك الأدلة.
وهناك آخر ما سمع إلا القليل، ولا اهتم إلا بالقليل من السنة، ولم يتعلم إلا أطراف المعلومات، ومع ذلك امتلأ قلبه باللهو والسهو وزينة الدنيا وزخرفها والميل إليها، وامتلأ قلبه بمحبة الشهوات، فإذا رأيته لا ستمعه يذكر الله إلا قليلاً ولا ترى جوارحه تنطلق إلا قليلاً بالأعمال الصالحة، بل وضد ذلك لا يذكر إلا ما يشتهيه وما يميل إليه، ولا ينطلق إلا إلى هوى نفسه، وأعماله الصالحة قليلة، فهل يقال: إن أعمال هذا وأعمال هذا مستويات؟ الذي يقول ذلك ليس له فكر.
стр. 1241
نعود إلى كلام الموفق ﵀، قوله: (إن الإيمان قول باللسان) يدخل في ذلك الأذكار، فهي من الإيمان، فإذا قلت مثلاً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وأستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله، وأعوذ بالله، وبسم الله، والله ربنا، فهذا كله من الإيمان وهو قول اللسان.
وكذلك إذا دعوت إلى الله، أو دعوت إلى الخير، وعلّمت الناس، ودعوت إلى كتاب الله والعمل به، فكل نطق تنطق به وهو يدل على الخير فإنه من الإيمان، يقال: هذه الكلمة إيمان، وهذه التهليلة إيمان، وهذه التسبيحة إيمان، و (اعتقاد بالجنان) أي بالقلب، والاعتقاد: ما عقد عليه القلب وتمسك به، فالعقد أصله انعقاد القلب على الشيء، وعدم التردد في ثبوته، فإذا اعتقد قلبك ثبوت البعث فهذا من الإيمان، وإذا اعتقد قلبك ثبوت عذاب القبر فهذا من الإيمان، وإذا اعتقد قلبك ثبوت الوحي فهذا من الإيمان، وإذا اعتقد قلبك ثبوت الحشر والنشر والجزاء على الأعمال وتفاصيل ذلك فهذا من الإيمان، وإذا اعتقد قلبك ثبوت الملائكة وكثرتهم فهذا من الإيمان، وإذا اعتقد قلبك ثبوت الرسالة وكثرة الرسل فهذا من الإيمان، إلى آخر ذلك؛ كل ما يعقد عليه القلب فإنه من الإيمان.
كذلك أيضاً عمل الجوارح، فالصلاة والصدقات والصيام والطواف والحج والوقوف ورمي الجمرات والجهاد في سبيل الله والأمر بالمعروف والدعوة إلى الله، كل هذه من الإيمان.
والبخاري يبوب على ذلك في صحيحه فيقول: (باب الصلاة من الإيمان، (باب أداء الخمس من الإيمان) ، (باب أداء الزكاة من الإيمان) ، (باب الصبر من الإيمان) ، وهكذا يعدد خصال الخير ويجعلها من الإيمان؛ لأنها من الأعمال بالجوارح، والأعمال بالجوارح من الإيمان.
стр. 1242
أما الأدلة على ذلك فمنها قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) (البينة:٥) الدين هو الإيمان، فجعل هذه الخمس من الإيمان:
العبادة: يدخل فيها أنواع الطاعة وأنواع القربات كلها من الإيمان.
الإخلاص: إرادة وجه الله تعالى بالعمل وعدم إرادة غيره؛ هذا أيضاً من الإيمان.
الحنيف: هو المقبل على الله المعرض عما سواه، هذا من الإيمان.
الصلاة: من الإيمان.
الزكاة: من الإيمان. وكلها من الدين.
كذلك الإيمان: ذكر أنه يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وقد تقدم ذكر من ينكر زيادته، وتبين لنا خطؤهم وبعدهم عن الصواب، والأدلة واضحة على ذلك، قال الله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (آل عمران:١٧٣) .
وفي سورة الأنفال يقول تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) (الأنفال:٢) .
وفي سورة الفتح يقول تعالى: (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) (الفتح:٤) وفي سورة التوبة يقول الله تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون) (التوبة:١٢٤) .
والحاصل أن هذا دليل واضح على أن الإيمان يزيد وينقص، وكل شيء قَبِل الزيادة فإنه يقبل النقصان.
стр. 1243
والدين يشمل الإسلام والإيمان، كما في حديث جبريل المشهور الذي سأل فيه عن الإسلام، ففسره بالأعمال الظاهرة، ثم سأل عن الإيمان وفسره بالأعمال الباطنة، يعني لما قرن مع الإسلام الإيمان فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بأعمال القلب، ثم سأل عن الإحسان، ففسره بالمراقبة والمشاهدة، ثم أخبر بأن هذا كله من الدين قال ((يعلمكم دينكم)) وصار الإسلام والإيمان والإحسان كله من الدين.
وإذا قلت: هل هناك فرق بين الإسلام والإيمان؟ فيقال: إذا قُرنا جميعاً؛ فإن الإسلام: الأعمال الظاهرة، والإيمان: أعمال القلب، وأما إذا اقتصر على واحد منها، فإنه يعم الجميع.
لكن قد يشكل على الإنسان بعض الأدلة مثل قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) (الحجرات:١٤) ، وقد كثر الكلام حول هذه الآية، ولا إشكال فيها والحمد لله؛ وذلك لأن هؤلاء الأعراب أسلموا، يعني استسلموا ظاهراً، والإيمان لابد أن يصير نابعاً من القلب، وهؤلاء لم يصل الإيمان الحقيقي إلى قلوبهم؛ فلأجل ذلك قال: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) ، فجعلهم مرتابين، أي في قلوبهم ريب، فأثبت لهم الإسلام، ونفى عنهم الإيمان (قل لم تؤمنوا) وذلك لأنهم استسلموا ظاهراً وقلوبهم مترددة، يعبدون الله على حرف، فإن أصابهم خيرٌ اطمأنوا به، وإن أصابتهم فتنة انقلبوا على وجوههم، فهؤلاء نفى عنهم الإيمان؛ لأن الإيمان منبعه من القلب، ويؤثر على الأبدان، يؤثر على السمع وعلى البصر، وعلى اليد وعلى الرجل وعلى اللسان، وهؤلاء إنما أعمالهم ظاهرها أنهم مسلمون، ولكن ليس معهم دافع الإيمان.
стр. 1244
أما قوله تعالى (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) (الذاريات:٣٥-٣٦) هم لوط وأهله، فلا شك أن لوطا وأهل بيته ما عدا امرأته جمعوا بين الوصفين أي الإيمان والإسلام، الإيمان الباطن والإسلام الظاهر وإن كان أحدهما يكفي عن الآخر. والحاصل إنا إذا رأينا ذكر الإسلام مطلقاً، فسرناه بالإيمان وبالأعمال كلها، وإذا ذُكر الإيمان وحده، فسرناه بالإسلام وبالأعمال كلها، وإذا ذكرا معاً فأحدهما أخص من الآخر، والأعم هو الإسلام، وأخص منه الإيمان، وأخص من الإيمان الإحسان.
وقوله:
وقال رسول الله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شُعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) ، فجعل القول والعمل من الإيمان، وقال تعالى: (فزادتهم إيماناً) (التوبة:١٢٤) ، وقال: (ليزدادوا إيماناً) (الفتح:٤) .
وقال رسول الله ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة أو خردلة أو ذرة من الإيمان) ، فجعله متفاضلاً.
شرح:
هذه أدلة واضحة الدلالة يستدل بها على أن الأعمال من مسمى الإيمان، وعلى أن الإيمان يزيد وينقص، وعلى أن أهل الإيمان يتفاوتون.
فالدليل الأول: قوله ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) . والشعبة هي القطعة من الشيء إذا رأيته متشعباً؛ في هذا شعبة، وفي هذا شعبة؛ يعني قطع، فإذا اجتمع وتواصل صار كله إيماناً.
стр. 1245
من هذا الحديث انطلقت أفكار العلماء في ذكر شعب الإيمان، وأخذوا يعددونها ويذكرون ما وصلوا إليه، وأوسع من كتب في ذلك البيهقي، له كتاب مطبوع في نحو سبعة مجلدات، اسمه (شعب الإيمان) استوفى فيه ما وصل إليه من الأحاديث التي تتعلق بالإيمان، وكتب في ذلك أيضاً بعض العلماء رسالة مختصر في شعب الإيمان، أوصلها إلى سبع وسبعين خصلة، بدأها بالتوحيد أخذاً من هذا الحديث (أعلاها قول لا إله إلا الله) وختمها بالأعمال التي فيها نفع للغير ومنها (إماطة الأذى) .
وفيما بين ذلك ذكر الصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والتطوعات من الإيمان، والنهي عن المنكر، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الخلق، ورد السلام وتشميت العاطس، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإكرام الضيف، وإحسان الجوار، والرفق بالمملوك، وأخذ يعدد حتى وصل إلى سبع وسبعين خصلة، أراد بذلك أن يطبق هذا الحديث.
وهذا بلا شك ردٌ صريح على فقهاء الحنفية الذين يجعلون الإيمان هو التصديق فقط، ويجعلون الأعمال خارجة عن مسماه، ويجعلون الإيمان اسماً لعمل القلب فقط، أو يقين القلب فقط، ويقولون: إن الأعمال ثمرة من ثمراته، والصحيح أن الأعمال داخلة في مسمّى الإيمان، وأنها من جملة الإيمان كما سماها في هذا الحديث، وقسّم خصال الإيمان وشعب الإيمان.
وبكل حال متى استوفى المسلم هذه الخصال وعمل بها؛ سميناه: مؤمناً كامل الإيمان، وإذا نقص منها قلنا: مؤمن ناقص الإيمان، والخلاف هنا مع المعتزلة والخوارج:
فالمعتزلة بمجرد ما يترك خصلة من خصال الإيمان أو يفعل معصية يخرجونه من الإيمان، ولا يدخلونه في الكفر، بل يجعلونه في منزلة بين المنزلتين؛ هذا في الدنيا، ويقولون: لا نحكم عليه بالكفر في الدنيا، بحيث يقتل أو يسبى، بل نقول: لا مؤمن ولا كافر، بل بينهما.
стр. 1246
أما الخوارج فيقولون: بمجرد ما يرتكب ذنباً أو يترك طاعة خرج من الإيمان وحل دمه وماله.
وأما أهل السنة فيقولون: إنه مؤمن، ولكن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيسمونه مؤمناً، ولكن مع الإيمان يتصف بالفسق، فلا مانع من أن تقول: مؤمن فاسق، أو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
لكن هنا دليل استدل به المعتزلة ونحوهم، وهو الحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ : (لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينهب نهبه يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) الحديث أخرجاه في الصحيحين.
فإنه نفى عنه الإيمان، والجواب: إن المراد نفي الإيمان الكامل، فهو معه إيمان ناقص، أو (لا يزني الزاني وهو مؤمن) يعني أنه ليس معه الإيمان الذي يحجزه عن المعاصي بل إيمانه مضطرب، ومختل، وبعض الشراح يقولون: إن الإيمان يخرج منه ويصير عليه كالظلة ما دام متلبساً بمعصيته، ولكن لا يرجع إليه سالماً، بل يرجع إليه مختلاً وناقصاً. وبكل حال هذا دليل واضح على أن أهل الإيمان يتفاوتون.
وأما أدلة زيادته: فذكر منها ابن قدامة ثلاثة أدلة، وذلك لأن القلب تتوارد عليه الأدلة فيزيد الإيمان فيه، وقد يذهب بعضها فينقص، وقد تأتيه شبهة فتنقص اليقين الذين فيه ويبقى ناقصا.
стр. 1247
ومن الأدلة أيضاً قوله ﷺ : (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من إيمان، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي لقلبه وزن ذرة من إيمان) أليس هذا دليلاً على التفاوت، فبعضهم إيمانه مثقال دينار وهو قطعة من الذهب، وبعضهم مثقال خردلة؛ حبة صغير، وهذا دليل على أنهم متفاوتون، هذا أنقص من هذا، وهذا أزيد من هذا، فدل على أنهم يتفاوتون.
واستدلوا أيضاً بقول النبي ﷺ ؛ مخاطباً للنساء في خطبته يوم العيد: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن، قلن: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين، قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعد شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين) ، فجعل تركها الصلاة -وإن كانت معذورة- نقصاً في دينها، فالرجل يزيد عليها في صلاته في تلك المدة، فدل على أن الإيمان يزيد بالطاعة من الصلاة والصدقة والصيام ونحوها، وينقص بترك الصلاة أو بترك الصيام وما أشبهه.
وأهل السنة قالوا: إن المؤمنين يتفاوتون في الإيمان، ولا يكفّرون بالذنوب، بل يعذرون العاصي، ويقولون: إنه مؤمن، ولكنه فاسق، أو عاص، ولو عمل أي عمل ما لم يكن ذلك العمل مخرجاً من الملة.
والأحاديث التي أطلق فيها الكفر على بعض الأعمال يقال: إنه كفر عملي، مثله قوله ﷺ : (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) . معلوم أن هذه لا تصل إلى الكفر الذي هو الكفر بالله، والذي يبيح الدم والمال، ولكنها كفر عملي فيه شيء من التكذيب في بعض الشريعة.
стр. 1248
والأحاديث التي فيها الوعيد على بعض الخصال تسمى أحاديث الوعيد تُجرى على ظاهرها ليكون أبلغ في الزجر، مع العلم بأنها لا تخرج من الملة، ولو كان ظاهرها فيه إخراج من الملة، فإذا سمعنا قول النبي ﷺ : (ليس منا من لطم الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية) ، هل نقول: هذا ليس من المسلمين، مع إنه ما عمل إلا هذا العمل، هل خرج بذلك من الإيمان؟ هذا من أحاديث الوعيد، ونعتقد أنها لا تخرج من الملة، ولكن نمرّه على ظاهره ليكون أبلغ في الزجر.
وكذلك قوله ﷺ : (من غشنا فليس منا) وقوله ﷺ : (من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإن محمداً بريء منه) ، هل يكون معناه أنه خرج من الدين؟. وهذه الأحاديث كثيرة.
ولذلك فإن الإمام مسلماً ﵀ بدأ صحيحه بكتاب الإيمان، وأورد فيه مثل هذه الأحاديث التي فيها إشكال على بعض الناس، وفيها شك -للدلالة على أن الإيمان يتفاوت مثل قوله ﷺ : (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) أخرجه مسلم، أليس فيه دليل على أن الإيمان يتفاوت وأن هناك إيماناً ضعيفاً.
كل هذا رد على الذين يقولون: إن الإيمان شيء واحد، وأن نقصانه ذهاب له. وممن كتب في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب (الإيمان) ، وهو مطبوع في المجلد السابع من مجموع الفتاوى، ومطبوع أيضاً مفرداً، وكذلك في كتاب الإيمان في صحيح البخاري، وفي أكثر كتب المحدثين، وكذلك الكتب المستقلة؛ ككتاب (الإيمان) لابن أبي شيبة صاحب المصنف، وكتاب (الإيمان) لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب (الإيمان) لابن منده، وكلها مطبوعة ميسرة ولله الحمد
مسألة: الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ
قوله:
стр. 1249
ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه أو جهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه.
شرح:
هذا مما يتعلق بالعقيدة؛ وهو الإيمان بالغيب، وأول وَصْفٍ وَصَفَ الله به المتقين: الإيمان بالغيب قال تعالى: (هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب) (البقرة:٢-٣) ، والغيب كل ما غاب عنا وأخبرنا عنه، وكان الخبر يقيناً؛ أخبر الله به في القرآن أو أخبر به النبي ﷺ في الحديث.
لا شك أن الأخبار الغيبية إخبار عن أمر ما شاهدناه ولا رأيناه، فما هي طريقتنا في ذلك وماذا نفعل؟ علينا أن نصدق به وإن لم تدركه عقولنا أو حواسنا، وكل شيء غاب عنا وأخبرنا عنه بخبر قد يكون غريباً وقد يكون مستبعداً، فإذا كان الخبر من الله أو رسوله وجب التصديق به مهما كان، والأمثلة لذلك كثيرة.
فأولاً: الخبر عن الله تعالى: هذا من الإيمان بالغيب، والخبر عنه بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، متصف بصفات كذا، منزه عن صفات كذا وكذا، هذا من الإيمان.
ثانياً: الخبر عن الرسل: أخبرنا الله، وأخبرنا الرسول عن الرسل بأخبار منها مثلاً: أن آدم خلق من تراب، وأن الله أسجد له ملائكته، وأسكنه جنته، وأن إبليس احتال عليه حتى أخرجه؛ هذا من الإيمان بالغيب، لأننا ما شاهدناه لكن جاءنا الخبر اليقين، فنصدق به ونؤمن به.
ثالثاً: الإخبار عن الملائكة؛ عن كثرتهم، وعن عبادتهم، وعن أعمالهم، وعن أماكنهم، هذا أيضاً من الإيمان بالغيب، نقبله ولو استبعده من استبعده، فإن الأمور الغيبية لا تدرك بالعقول وإنما تدرك بالأخبار، فإذا كان المخبر ممن يجب تصديقه، فالتصديق به داخل في خصال الإيمان فلا يجوز رد شيء من خبره.
стр. 1250
ويقال هكذا في بقية الأخبار، وبالأخص ما يكون في الدنيا، فإن الإنسان قد يعجز عن إدراكه، ولكن إذا كان خبراً صحيحاً ثابتاً فلا يجوز رده، ولو كذب بذلك من كذب.
ذكر ابن القيم في كتابه (الروح) عن الفلاسفة أنهم أنكروا عذاب القبر؛ وأن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وأنه يفسح للميت في قبره مد بصره، أو أنه يضيق عليه حتى تختلف أضلاعه. وأنه يأتيه الملكان فيجلسانه، وأنهما يسألانه، وأنه إذا لم يعرف يضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق، وأنه يفتح له باب إلى الجنة أو باب إلى النار، وأنه يأتيه من روحها وريحانها، فهم ينكرون ذلك ويقولون: هذا لا نحس به، فإننا كشفنا عن الميت فوجدناه على هيئته لم يتحرك ولم يتغير، فأين هذه الأشياء التي تزعمونها؟
الجواب: أنكم في دار وهُم في دار، أنتم في دار الدنيا وهم في دار البرزخ، ومن مات فقد قامت قيامته، وليس لكم أن تنكروا الشيء الذي لا تدركونه، فإن إدراك هذه الأشياء إنما هو خاص بمن قد مات، وأما الأحياء فقد حجبت عنهم؟ ولأجل ذلك أخبرنا أن الإنسان لا يسمع هذه الأصوات، وذلك أنه لو سمعها لتكدرت عليه حياته، ولما اطمأن في الدنيا، ولما ركن إلى ملذاته، بل لا يعيش عيشة هنيئة، فلأجل ذلك حجب الله عنا هذه الأشياء فلم نرها.
والأحكام في الآخرة على الأرواح والأبدان، وأما البرزخ فالأحكام على الأرواح، والأبدان تبع لها، ونحن نعلم أن البدن جثة بعد الموت يصير إلى الفناء والعدم، وأما الروح فإنها هي التي تتألم وتتعذب، ونعلم أن الروح لا تدركها أبصارنا كما أننا لا ندرك الجن ولا الشياطين ولا الملائكة ولا نراهم، فإذن كيف تكذبون بشيء لا تحيط به أبصاركم ولا تقدرون على تصوره؟!
стр. 1251
فعرفنا بذلك أن واجب الإنسان أن يصدق بالغيب مما أخبر الله به، أو أخبر به الرسول ﷺ إذا كان يقينا، وسواء أدركته العقول أم قصرت ويدخل في هذا: الإيمان بما وقع للنبي ﷺ من الوقائع التي قد يستبعدها بعض الناس، وكذلك أيضا ما وقع للأنبياء ﵈ قبله، وكذلك ما أخبر به ﷺ من أشراط الساعة، وما أخبر به من عذاب البرزخ وأموره، وما أخبر الله به من البعث والنشور، والجزاء على الأعمال، والجنة والنار، وما يكون في يوم القيامة. كل ذلك داخل في الإيمان بالغيب؛ وما ذلك إلا لأنه غائب عن الأنظار، وإنما يُعتمد فيه على الخبر.
والخبر إذا جاء عن الصادق المصدوق وجب قبوله وتقبله، ولو استبعدته العقول وأحاله من أحاله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة بل والمسلمين عامة؛ فإن المسلمين الذين صدقوا الرسول ﷺ يلزمهم أن يصدقوه بما أخبر به، ولو لم تدركه عقولهم، أما الذين لا يصدقونه مطلقاً، أو يقبلون بعض ما جاء به فهؤلاء ليسوا حقاً من أتباعه.
فمثلاً الفلاسفة الإلهيون، يكذبون بما أخبر الله به من بدء الخلق، وينكرون أن يكون لهذا الخلق أول، أو يكون له آخر، فينكرون أن آدم خلق من تراب، بل يعتقدون أن هذا الجنس من الناس قديم لم يبدأ، ولم يكن له أول، ولم يزل هكذا دائماً وأبداً، ليس له مبتدأ وليس له نهاية، وينكرون قيام الساعة، وينكرون بعث الأجساد، وينكرون انقطاع هذا الجنس من الناس ويقولون: هكذا تبقى هذه الدنيا دائمة؛ أرحام تدفع، وأرض تبلع من غير نهاية، هكذا معتقدهم.
فكذبوا بما أخبر الله به وبما أخبر به رسوله، وما ذاك إلا أنهم لم تصل معرفتهم إلى الإيمان الصحيح، فوقعوا فيما وقعوا فيه من هذا الشك، وهم مثل من قال الله تعالى فيهم أنهم: (في ريبهم يترددون) (التوبة:٤٥) .
стр. 1252
هذا الفرق بين المسلمين وبين الفلاسفة، وهم يقرون بالإلة، ويقرون بأن هذا الخلق مخلوق وله خالق مدبر، وإن كان اعترافهم بذلك عن طريق العقل لا عن طريق النقل اعترف بذلك كبيرهم الذي يرجعون إليه والذي يقال له: أرسطو، ويسمى عندهم (المعلم الأول) ، وله مؤلفات موجودة مطبوعة تباع بأغلى الأثمان مشتملة على هذه العقائد السخيفة، وتبعه من المسلمين أكابر الفلاسفة كابن سينا، ومع الأسف لا يزال مقدساً عند كثير من المنتمين إلى الإسلام، وكذلك الفارابي، وسمي عندهم (المعلم الثاني) ، وكلهم من غلاة الفلاسفة الذين ينكرون الغيب.
وهناك طائفة (السمنية) ذكروا أنهم ينكرون ما لا يدركون بإحدى الحواس، لا يقرون إلا بما أدركوه بحاسة من الحواس الخمس وهم الذين ناظروا جهماً في ربه، حيث لقي طائفة من السمنية، فسألوه: هل لك رب؟ قال: نعم. فقالوا له: هل رأيت ربك؟ قال: لا. قالوا: هل سمعت صوته وكلامه؟ قال: لا. قالوا: مسسته بيديك؟ قال: لا. قالوا: هل شممت رائحته؟ قال: لا. قالوا: إذن هو معدوم. فبقي متحيراً، ثم إنه تذكر وقال لأحدهم -وهو رئيسهم-: هل لك روح؟ أو هل لك عقل؟ فقال: نعم. قال: هل رأيت عقلك أو روحك؟ قال: لا. قال: هل شممته؟ هل مسسته، أو ذقته؟ هل سمعته؟ قال: لا. فقال: إذاً ليس لك عقل أو ليس لك روح. فعند ذلك رجعوا إلى أن يقولوا هذا القول المبتدع، فاعترفوا بالرب ولكنهم وصفوه بصفات لا يثبت معها إله معبود، أو رب معبود.
هذه الطائفة ينكرون ما سوى المحسوسات، لكن طائفة الفلاسفة أخص من هؤلاء؛ فالفلاسفة قسمان:
أ- فلاسفة طبيعيون؛ وهم الذي ينكرون الخلق والخالق ويقولون: إن هذه طبيعة، وإن هذا الوجود طبيعة، هكذا وجدت ولا يتغير عن الطبيعة وقد أنشد الشيخ الحكمي ﵀ في قصيدته الجوهرة الفريدة قوله:
ولا نُصيخ لعصري يفوه بما يُناقض الشرع أو إياه يعتقد
стр. 1253
يرى الطبيعة في الأشيا مؤثرة أين الطبيعة يا مخذول إذ وجدوا
يقول: أين الطبيعة قبل أن يوجدوا، فهذا من عقائد الفلاسفة الطبائعيين الذي لا يقرون بإله.
ب- فلاسفة إسلاميون كابن سينا، وابن رشد، والفارابي ونحوهم فهؤلاء يقرون بأن هناك إلهاً، ولهذا يسمون الفلاسفة الإلهيون، ولكن معتقدهم أنهم لا يؤمنون بالغيب.
فالمسلمون والحمد لله يعرفون ما يعتقدونه، ويدينون بأن الخلق له خالق، وأن الخالق أمرهم بالأعمال، وأنه يجازيهم على الأعمال، وإذا لم يجازوا في الدنيا فإنهم سوف يلقون جزاءهم في الآخرة، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وقوله:
مثل حديث الإسراء والمعراج، وكان يقظةً لا مناماً. فإن قريشاً أنكرته ولم تنكر المنامات.
ومن ذلك (أن ملك الموت لما جاء إلى موسى ﵇ ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فردَّ عليه عينه) .
شرح:
هذا من الإيمان بالغيب، وهو قصة الإسراء والمعراج، ذكر الإسراء في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) (الإسراء:١) في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، مسجد إيليا قال تعالى: (لنريه من آياتنا) (الإسراء:١) .
أجمل الإسراء في هذه الآية، وكلمة (بعبده) تدل على أنه أسري بجسده وروحه، فهي تصدق على الجسد والروح، وتدل على أنه يقظة لا مناماً، وذلك لأن قريشاً أنكروا الإسراء؛ لما قال لهم: إنه أسري بي إلى بيت المقدس ثم رجعت، استعظموا ذلك حتى جاءوا إلى أبي بكر وقالوا: إن صاحبك يزعم كذا، وكذا؟ فقال: قد صدق. قالوا: كيف تصدقه؟ قال أصدقه بما هو أبلغ من ذلك في خبر السماء؛ ومن ثم سمي بالصدّيق.
أما الذين إيمانهم ضعيف فقد أرتد بعضهم عندما سمعوا بقصة الإسراء واستبعدوا ذلك، فقريش تقول: كنا نشد الرحال شهراً ذهاباً وشهراً إياباً، فكيف قطعته أنت في ليلة واحدة؟!.
стр. 1254
وهذا ليس ببعيد، فقد ذكر في الحديث؟ أنه أسري به على دابة يقال لها: (البراق) وأنها تضع حافرها عند منتهى طرفها -يعني من سرعة سيرها، فلا يستبعد ذلك، وقد وجد في هذه الأزمنة الطائرات التي تقطع هذه المسافة في زمن قليل، فلا يستبعد أن الله تعالى سخر له هذا البراق الذي قطع هذه المسافة في زمن يسير.
فالحديث معروف، وقصة الإسراء التي في الصحيحين وفي غيرهما مشتهرة، وأنه ﷺ أتاه الملك، وأنه أركبه على البراق، وخرج من المسجد الحرام، ووصل إلى مسجد إيليا -المسجد الأقصى- وأنه وجد الأنبياء وأنه أمهم ثم بعد ذلك عرج به إلى السماء. والمعراج أشير إليه بأول سورة النجم، فإن الله تعالى ذكر فيها الإشارة إلى المعراج في قوله تعالى: (ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) (النجم:١٣-١٥) ، أنه عرج به إلى سدرة المنتهى عندها جنة المأوى وأنه رأى من آيات ربه الكبرى، وأن الله أراه وأطلعه على تلك الآيات، وهذا ما أشير إليه في الأحاديث.
وبكل حال نصدق بالإسراء ولو استبعده من استبعده، فإنه ليس ببعيد، وليس بمستغرب على قدرة الله، فالله على كل شيء قدير، وكما قال أبو بكر: (إني أصدقه في أعجب من ذلك في خبر السماء) ، إذا كان الملك ينزل إليه في لحظات، ويقطع هذه المسافة فلا غرابة أن يعرج به وينزل في جزء من اليلة، لا غرابة في ذلك، فعلى كل حال هذا مما يؤمن به أهل السنة والجماعة، ونعتقد كذلك أنه كان يقظة لا مناماً؛ لأن الإنسان يرى في نومه أنه قطع المسافات، وأنه ذهب إلى كذا، وأنه رجع إلى كذا، وهو لم يزل على فراشه، ولا يستغرب ذلك، فلو كان مناماً لما أنكرته قريش وأكبرته، ولما صار فيه معجزة أو غرابة.
стр. 1255
ومن ذلك: لما جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ ليقبض روحه ولطه ففقأ عينه، فرجع ملك الموت إلى ربه تعالى فرد عليه عينه، هذا حديث صحيح فلا طعن فيه، وقد استبعده من استبعده كبعض الفلاسفة وبعض المعتزلة، وقالوا: هذا خبر آحاد ولو كان صحيحاً فلا نقبله، وقالوا:
أولاً: إن الملك ليس من جنس البشر، فكيف مع ذلك تُفقأ عينه؟.
ثانياً: إن الملائكة أرواح فكيف يُتصور أنهم مثل الآدمي؟.
وأيضاً: فإن موسى نبي من أشرف الأنبياء ومن أولي العزم، فكيف يجرؤ على ملك الموت ويلطمه بهذه اللطمة إلى أن يفقأ عينه؟، إلى آخر ذلك من الاعتراضات.
قال أحمد شاكر في تعليقه على المسند وغيره: إن موسى رآه داخلاً بيته بدون إذنه في صورة إنسان، فعند ذلك لطمه ظناً منه أنه متلصص، أو أنه داخل لينظر ويتطلع على داخل بيته، وهذا جائز في شرعنا، قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أن رجلاً اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه) وثبت أن رجلاً اطلع في جُحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع الرسول ﷺ مدرى يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: (لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك.. الحديث) .
فيقول: إن هذا الملك تصور بصورة إنسان، ودخل على موسى فظنه موسى من المتلصصين، فعند ذلك فقأ عينه، ولا غرابة في أن موسى غضب لما أخبره بأنه جاء ليقبض روحه فلطمه ففقأ عينه، فرد الله تعالى عين ملك الموت عليه.. إلى تمام الحديث.
стр. 1256
وفي بعض الروايات أنه قال ﷺ : (قال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة.. قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن) يعني ما دام الموت لابد منه ولو بعد مئات السنين فالآن قال: (فسال الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر) فقال رسول الله ﷺ : (لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر) . فبكل حال نصدق بهذا ولا غرابة في ذلك.
مسألة: في أشراط الساعة
وقوله:
ومن ذلك: أشراط الساعة، مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل.
شرح:
وهذه أيضاً من الأمور الغيبية، وهي أشراط الساعة، والأشراط هي العلامات، كأنها شرط في وجودها، والشرط في اللغة: ما يترتب عليه وجود المشروط وما لا يتم المشروط إلا به، وقد أخبر الله تعالى أن للساعة أشراطاً: قال تعالى: (فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها) (محمد:١٨) .
ومن أعظم أشراطها بعثة النبي ﷺ فهو آخر الأنبياء إذ ليس بعده نبي؛ فهو نبي الساعة وثبت عنه أنه قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بالسبابة والوسطى. يعني أنه قريب من قيام الساعة، ومع ذلك فقد أخبر بأن بين يدي الساعة علامات؛ منها علامات صغيرة، ومنها علامات كبيرة.
وقد كتب فيها العلماء قديماً وحديثاً، وتوسعوا في علامات الساعة وأشراطها التي أخبر الله تعالى بها أو أخبر بها رسول الله ﷺ ، وبينوا أنها ثابتة وحقيقية، ولو أنكرها من أنكرها واستبعدها بعض من قصرت أفهامهم وعلومهم.
стр. 1257
وممن كتب في أشراط الساعة: ابن كثير ﵀ في آخر كتابه التاريخ، لما انتهى من البداية أتى بالنهاية، وذكر أشراط الساعة وتكلم عليها، ومع الأسف نسخت طبعة من الطبعات حققها بعض المغرضين من أهل الشام ويقال له (أبو عبية) ثم إنه حرفها، وعلق عليها تعليقات بعيدة، وذلك لأن عقله لم يكن متسعاً لتلك الأمور الغيبية، ولما كثرت عليه تلك الأدلة وتنوعت أخذ يتنوع في بعضها، فبعضها يرده بأن يضعفه ولو كان صحيحاً، وبعضها يرده بأن يحمله محملاً بعيداً، وما أشبه ذلك.
فمن أشهر علامات الساعة، أو أشراطها: خروج المسيح الدجال، وقد تكاثرت فيه الأدلة، والأخبار فيه متواترة حتى أمر النبي ﷺ بأن يستعاذ في الصلاة من فتنة المسيح الدجال، وأخبر بأنواع من فتنته؛ فأخبر بأنه أعور، وأن الله ليس بأعور، وأخبر بأنه يعيث يميناً وشمالاً، وأخبر بمدته التي يمكثها في الأرض، وأخبر بأنه يسير فيها سيراً حثيثاً، وأخبر بأنه يأتي أهل القرية والمدينة فيطيعونه، فإذا أطاعوه وصدقوه أصبحوا وقد نزلت عليهم البركات، والذين يعصونه تنزل عليهم النقمات - وهذه فتنة من الله، وأنه لا يدخل مكة ولا يدخل المدينة ... إلى آخر ذلك، والأحاديث كثيرة.
ثم إن (أبا عبية) حمل الدجال وتأوّله على أنه الشر؛ قال: (الدجال هو الشر أو الشرور، أو المعاصي، أو المخالفات) ، وكذب؛ إنه شخص إنسان حي متحرك، فجعله معنوياً، وأخذ يتكلف في رد هذه الأحاديث ويصرفها مصارف بعيدة، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه.
стр. 1258
وقد رد على بعض كلماته الشيخ حمود التويجري ﵀ في كتابه المصنف المعروف بـ (إتحاف الجماعة في أشراط الساعة) ، المجلد الأول في العلامات الصغيرة، والمجلد الثاني في العلامات الكبيرة، ناقش أبا عبية في بعض ما تأوله واعتذر بأنه ما وقف إلا على أحد المجلدين؛ على مجلد واحد لأن (أبا عبية) طبع النهاية في مجلدين كبيرين وكلاهما علق عليه بما يفسده. وهذا دليل على أن هناك من قصرت علومهم عن إدراك الأشياء التي لم تتصورها نفوسهم فيتأولونها بهذا التأويل.
وأما أحاديث المسيح عيسى بن مريم ﵇ فهي أيضاً متواترة ومتكاثرة، وقد أنكرها كثير من هؤلاء المتهوكين وقالوا: إن القرآن دل على أن عيسى قد مات؛ قال الله تعالى: (يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي) (آل عمران:٥٥) وقال تعالى حكاية عن عيسى: (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) (المائدة:١١٧) .
فإذا كان عيسى ﵇ قد توفي فكيف يرجع؟ أليس قد مات، وقد انقطع عمره؟
وأجاب العلماء: بأن التوفي هنا هو النوم، يعني أنامه، ثم رفعه؛ قال الله تعالى: (وما قتلوه يقيناً * بل رفعه الله إليه) (النساء:١٥٧-١٥٨) فالقرآن صريح بأنه رفع إليه، أي رفع حياً إلى السماء عندما جاء اليهود ليقتلوه، فشبه لهم؛ نزل شبهه على بعض أصحابه كما في قوله تعالى: (ولكن شبه لهم) (النساء:١٥٧) وفُتح له طاق في البيت ورفع إلى السماء. وبقي في السماء حتى ينزل في آخر هذه الدنيا، ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، وورد في الأحاديث أنه ينزل على المنارة البيضاء التي في المسجد الأموي شرقي دمشق، وأنه يقتل المسيح الدجال فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، ويقتله في باب لد - باب هناك في دمشق- هذه الأحاديث فيه متواترة مذكورة في كتب الصحيح، نصدق بها ولا عبرة بمن أنكرها أو استبعدها.
стр. 1259
أما خروج يأجوج ومأجوج فقد ذكر في القرآن في قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) (الأنبياء:٩٦) ذكر في الحديث أنهم خلق لا يحصيهم إلا الله، وأنهم يخرجون إلى الدنيا، وأنهم يستولون على الأرض ويشربون المياه التي يمرون بها، حتى إنهم يمرون ببحيرة طبرية ويشربونها، ويأتي آخرهم ويقول: لقد كان هنا ماء.
وذكر في الحديث: أن عيسى ﵇ يرغب إلى الله تعالى في أن الله ينجيه منهم، فيموتون فيصبحون فرسى، فيرسل الله عليهم ريحاً فتقذفهم في البحار، وينزل ماء من السماء فيغسل الأرض بعدهم حتى تكون كالزَّلَفَة (أي المرآة) -، ويبارك الله في الرسل، حتى إن الجماعة يشربون من لبن اللقحة فيروون منه، وحتى إن الجماعة يأكلون ويشبعون من الرمانة ويستظلون بقحفها، إلى آخر الحديث الطويل الذي في آخر صحيح مسلم، نصدق بذلك كله ولو استغربه من استغربه.
وأما خروج الدابة: فذكر أيضاً في القرآن قال الله تعالى: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم) (النمل:٨٢) هذه الدابة ورد فيها صفات، ولكن ليست كلها بصحيحة، وإنما الثابت أنها دابة في الأرض مستغربة، وأن هذه الدابة تكلمهم كما أخبر الله تعالى، ولا يدري ماذا تكلم به.
وأما طلوع الشمس من مغربها: ففسر به قول الله ﵎: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً) (الأنعام:١٥٨) وفسر هذا البعض بأنه طلوع الشمس من مغربها، وإذا طلعت آمن الناس كلهم، وذلك يوم لا ينفع نفساً أيمنها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 1260
لا شك أن الأحاديث قد ثبتت في ذلك، قال النبي ﷺ : (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها) هذه من أكبر العلامات التي ذكرت في الأحاديث.
وذكر أيضاً في بعض الأحاديث أنه يكون هناك خسف بالمشرق، وخسف في المغرب، وخسف في جزيرة العرب وأنه يكون آخر الآيات نار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا.
وذكر أيضا من أشراط الساعة، أو من العلامات (نارٌ تخرج من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى) ، وهذه الآية قد خرجت في القرن السابع، وذكروا أنها ترتفع نحو عشرين ذراعاً أو ثلاثين ذراعاً في السماء، وأنها تشتعل بالحجارة، وإذا ألقي فيها السعف لا تحرقه، دامت أياماً في شرق المدينة، وذكرها المؤرخون كابن كثير وأطال في الكتابة عنها، وأنها من الأشراط التي أخبر بها النبي ﷺ .
هذه من العلامات الكبيرة التي أخبر بها النبي ﷺ وآخر ذلك إخباره بأن الله يرسل ريحاً لينة طيبة وأنها تقبض روح كل مؤمن، وأنه لا يبقى بعد هذه الريح الطيبة إلا شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة.
مسألة: في البرزخ والبعث
قوله:
وعذاب القبر ونعيمه حقٌّ، وقد استعاذ منه النبي ﷺ وأمر به في كل صلاة، وفتنة القبر حق، وسؤال مُنكر ونكير حق، والبعث بعد الموت حق، وذلك حين ينفخ إسرافيل ﵇ في الصور (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) (يس:٥١) .
شرح:
من الإيمان بالغيب: الإيمان بعذاب القبر، مع أن القبر مشاهد نشاهده ونراه، ولكننا لا نشاهد عذابه ولا نعيمه، ولكن لما وردت به الأدلة الصحيحة في السنن وفي الصحاح آمنا به وأيقنا وصدقنا بما جاء في الأحاديث واعتقدنا أن ذلك من الأمور الغيبية.
стр. 1261
وقد أطال العلماء في ذكر هذا الركن الذي هو من الإيمان بالغيب، وأوردوا فيه الأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ وأقروها وتكلم عليها العلماء المتقدمون والمتأخرون.
وممن اشتهر بتتبع الأخبار في ذلك من المتقدمين: ابن أبي الدنيا، وله كتب كثيرة مطبوعة في هذا، لكن أكبر كتبه كتاب (القبور) ، وكتاب (من عاش بعد الموت) ، ثم كتب بعد ذلك ابن القيم كتاب (الروح) وتكلم فيه عن عذاب القبر، وأطال فيه إلى أن ذكر قصصاً وذكر أحكاماً وأحاديث، وذكر فصولاً منوعة، وتكلم عليه أيضاً تلميذه ابن رجب في كتابه الذي سماه (أهوال القبور في أحوال أهلها إلى النشور) وغيرهم، وهكذا في كتب الزهد وكتب المواعظ؛ يذكرون عذاب القبر ونعيمه.
والخلاصة أنه ورد في الأحاديث أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وأنه يضيق على صاحبه -إن كان شقياً- حتى تختلف فيه أضلاعه، أو يوسع عليه -إن كان سعيداً- حتى يكون مد بصره، وأنه يأتيه الملكان فيه، فإن كان سعيداً بشراه بخير، ويسألانه: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فيجيبهم، وإن كان شقياً لا يجيبهم بل يقول: هاه هاه، لا أدري. وأنهما يضربان الشقي ضربة بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبلٌ لصار تراباً، وأنه يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
وأنه يأتيه رجل -إن كان سعيداً- طيب الريح طيب الثياب فيقول: أبشر باليوم الذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، وأنه يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وريحانها، ونحو ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تبلغ حد التواتر.
стр. 1262
وقد ذكرنا فيما سبق أن الفلاسفة ونحوهم استبعدوا عذاب القبر، قالوا: أولاً: إنه لم يذكر في القرآن، وقالوا: ثانياً: إن العقول تنكره. وذكروا أنهم وضعوا الإنسان في قبره، وحفروا بعد ثلاثة أيام فوجدوه على حاله، ووضعوا الزئبق على صدره فوجدوه كما هو لم يتغير، والزئبق أخف وأسرع حركة، ومع ذلك لم يتغير من مكانه، فكيف يكون مع من يجلس، ويسأل، ويضرب، وينعم وأشباه ذلك؟
فأجابهم العلماء: إن هذا من أمر الغيب وعلينا أن نؤمن به، وإن ما بعد الموت فهو من الآخرة، ونحن من أهل الدنيا، ولسنا بمطلعين ولا مطلعنا الله على أمر الآخرة ونحن في الدنيا، وإن الأحكام بعد الموت تتعلق بالأرواح؛ فإن الأرواح هي التي تتنعم، وهي التي تتألم، وهي التي تصعد وتنزل، وهي التي تسأل وتجيب، وهي التي تنعم أو تعذب، وتجري هذه الأحكام عليها. وقد ذكر ابن القيم أن الروح لها بالبدن خمس اتصالات:
الاتصال الأول: عندما كان جنيناً في بطن أمه. فاتصالها به قليل، ولكن يتحرك الجنين في بطن أمه قليلاً.
الاتصال الثاني: بعدما يخرج إلى الدنيا، فهو اتصال كامل وإن كان يعتريه نقص.
الاتصال الثالث: عندما يكون الإنسان نائماً؛ فإن روحه تفارق بدنه، ولكنها لا تكون مفارقة كاملة.
الاتصال الرابع: في البرزخ الذي هو في القبر فهو اتصال ضعيف ولكن ليس بمستحيل.
الاتصال الخامس والأكمل: الاتصال في الآخرة بعدما تعاد الأرواح إلى أجسادها، وتتصل بها اتصالاً كلياً كاملاً.
والأحكام في الدنيا على الأجساد وتتبعها الأرواح، والأحكام في البرزخ على الأرواح وتتبعها الأجساد، والأحكام يوم القيامة على الأرواح وعلى الأجساد.
стр. 1263
وأما قولهم: لم يذكر في القرآن عذاب القبر. فأجاب عنه ابن القيم وغيره، وقالوا: إنه قد ذكر في السنة، ونحن نؤمن بالسنة وبما جاء بالقرآن، وأيضاً فقد ورد في القرآن إشارات ودلالات وفسرت بعذاب القبر؛ فذكر الله أن آل فرعون يغدا بهم ويراح على النار في قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (غافر:٤٦) والغدو والعشي في هذه الدنيا، يعني أنهم يعرضون أي أرواحهم تعذب في النار.
كما ذكر الله أنهم سيعذبون مرتين في قوله تعالى: (سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) (التوبة:١٠١) المرتان قيل: إنه مرة في الدنيا ومرة في البرزخ، (ثم يردون إلى عذاب عظيم) ، هذا في النار بعد البعث، وفسر بذلك أيضاً قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك) (الطور:٤٧) يعني عذاب القبر؛ هذه إشارات إلى أن عذاب القبر قد ثبت، وأن الإنسان عليه أن يكثر الاستعاذة من عذاب القبر، وعليه أن يصدق به، وإن لم يدركه إحساسه.
ولكن قد تقول: إنه قد يبقى غير مقبور مدة طويلة. فنقول: الذي يبقى هو الجثة، والعذاب والنعيم على الأرواح.
مسألة: في الحساب
وقوله:
ويُحشر الناس يوم القيامة حفاة عُراةً غرلاً، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا ﷺ ، فيحاسبهم الله تعالى، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل (فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبورا * ويصلى سعيراً) (الانشقاق:٧-١٢) .
شرح:
قال بعض العلماء: إن الله تعالى أكثر في ذكر البعث، وأدلته، ومن القرائن التي تدل عليه والمعجزات والآيات والبراهين، وكذلك ما بعده من الجزاء على الأعمال ومن الحشر، والنشر وما إلى ذلك.
стр. 1264
ولعل الحكمة من المبالغة في ذلك إقناع المشركين، وذلك لأن المشركين من العرب كانوا ينكرون أشد الإنكار بعث الأجساد، فضلاً عن حساب عليها أو عذاب، فهم يقولون -مثل ما حكى الله عنهم هم والأولون أيضاً بقوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) (الأنعام:٢٩) ، وكذلك حكى الله عنهم قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون) (الصافات:٦٩-٧٠) ، فلما وجدوا آباءهم على هذا الأمر الذي هو إنكار البعث، تبعوهم في ذلك، وحكى الله تعالى عنهم قولهم: (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون * قل نعم وأنتم داخرون) (الصافات:١٦-١٨) ، أي تبعثون وأنتم ذليلون مهينون.
ورد الله على ذلك الكافر الذي جاء ومعه عظم ميت يفتته وقد صار رميماً فقال: أتزعم يا محمد؛ أن هذا يبعث بعد أن صار رميماً تراباً؟ قال: (نعم، يميتك الله، ثم يحييك ثم يحشرك إلى النار) فأنزل الله تعالى قوله: (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) (يس:٧٧) ، ذكره بخلقه من نطفة، ومع ذلك أصبح خصيماً مبيناً، ثم قال تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) (يس:٧٨) ، نسي بدء خلقه الذي كان معدوماً، ثم خلق، ثم أوجد، إلى آخر الآيات التي فيها تذكيره بالبعث وبالآيات الدالة عليه بعد البعث.
وكثيراً ما يذكر الله الآيات التي في الحشر، ويذكر يوم القيامة، ويسميه بعدة أسماء، فيسميه يوم القيامة، ويسميه بالساعة، ويسميه بيوم الحشر؛ لأن الناس يحشرون فيه، ويسميه بالآزفة، والطامة، والحاقة، والواقعة، والصاخة، وكلها أسماء ليوم القيامة وآثارها.
стр. 1265
وهذا اليوم ذكر الله عظم شأنه فقال تعالى: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) (المطففين:٦) ، ذكر في الأحاديث أنهم يقومون ويطول قيامهم وأنه يكون طويلاً، قدر في آية أنه ألف سنة مما يقدرون، وفي آية أخرى خمسين ألف سنة في سورة المعارج: (في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة) (المعارج:٤) ، ثم أخبر بأنه قريب بقوله تعالى: (إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريباً * يوم تكون المساء كالمهل) (المعارج:٦-٨) ، أي تذوب كما يذوب المهل، (وتكون الجبال كالعهن) (المعارج:٩) ، أي تكون كالعهن المنفوش إلى آخر الآيات.
فنؤمن بهذا، ونؤمن بأنه بعد البعث يحشر الناس، وأن الأرض تسوى فتزول عنها الجبال التي عليها، وتصبح الجبال كثيباً مهيلاً، ثم بعد ذلك تصبح كأنها العهن؛ وهو القطن المنفوش تطير به الرياح، قال تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) (النمل:٨٨) . وهي تنتقل فلا يبقى لها أثر ولا يبقى لها مكان فينسفها الله تعالى: ثم تسوى بالأرض، يقول الله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذروها قاعاً صفصفاً) (طه:١٠٥-١٠٦) ، أي الأرض تكون قاعاً صفصفاً مستوياً (لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً) (طه:١٠٧) ، يمدها الله تعالى يقول: (وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت) (الانشقاق:٣-٤) ، تمد كما يمد الأديم العكاظي، وتسوى بحيث لا يكون لها مرتفع ولا منخفض.
وبعد ذلك تبقى هكذا، فيجتمع عليها الخلق من أولهم إلى آخرهم؛ يجتمعون كلهم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، يحشرون على هذه الأرض، ثم تنزل ملائكة السماء الدنيا فتحيط بهم، وكذا ملائكة السماء الثانية والثالثة، إلى أن تنزل الملائكة كلهم فيحيطون بهم.
следующие страницы →