Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
وقد أطال العلماء في ذكر هذا الركن الذي هو من الإيمان بالغيب، وأوردوا فيه الأحاديث التي صحت عن النبي ﷺ وأقروها وتكلم عليها العلماء المتقدمون والمتأخرون.
وممن اشتهر بتتبع الأخبار في ذلك من المتقدمين: ابن أبي الدنيا، وله كتب كثيرة مطبوعة في هذا، لكن أكبر كتبه كتاب (القبور) ، وكتاب (من عاش بعد الموت) ، ثم كتب بعد ذلك ابن القيم كتاب (الروح) وتكلم فيه عن عذاب القبر، وأطال فيه إلى أن ذكر قصصاً وذكر أحكاماً وأحاديث، وذكر فصولاً منوعة، وتكلم عليه أيضاً تلميذه ابن رجب في كتابه الذي سماه (أهوال القبور في أحوال أهلها إلى النشور) وغيرهم، وهكذا في كتب الزهد وكتب المواعظ؛ يذكرون عذاب القبر ونعيمه.
والخلاصة أنه ورد في الأحاديث أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وأنه يضيق على صاحبه -إن كان شقياً- حتى تختلف فيه أضلاعه، أو يوسع عليه -إن كان سعيداً- حتى يكون مد بصره، وأنه يأتيه الملكان فيه، فإن كان سعيداً بشراه بخير، ويسألانه: من ربك، ومن نبيك، وما دينك؟ فيجيبهم، وإن كان شقياً لا يجيبهم بل يقول: هاه هاه، لا أدري. وأنهما يضربان الشقي ضربة بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبلٌ لصار تراباً، وأنه يصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
وأنه يأتيه رجل -إن كان سعيداً- طيب الريح طيب الثياب فيقول: أبشر باليوم الذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت فوجهك الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، وأنه يفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها وريحانها، ونحو ذلك من الأحاديث الكثيرة التي تبلغ حد التواتر.
стр. 1262
وقد ذكرنا فيما سبق أن الفلاسفة ونحوهم استبعدوا عذاب القبر، قالوا: أولاً: إنه لم يذكر في القرآن، وقالوا: ثانياً: إن العقول تنكره. وذكروا أنهم وضعوا الإنسان في قبره، وحفروا بعد ثلاثة أيام فوجدوه على حاله، ووضعوا الزئبق على صدره فوجدوه كما هو لم يتغير، والزئبق أخف وأسرع حركة، ومع ذلك لم يتغير من مكانه، فكيف يكون مع من يجلس، ويسأل، ويضرب، وينعم وأشباه ذلك؟
فأجابهم العلماء: إن هذا من أمر الغيب وعلينا أن نؤمن به، وإن ما بعد الموت فهو من الآخرة، ونحن من أهل الدنيا، ولسنا بمطلعين ولا مطلعنا الله على أمر الآخرة ونحن في الدنيا، وإن الأحكام بعد الموت تتعلق بالأرواح؛ فإن الأرواح هي التي تتنعم، وهي التي تتألم، وهي التي تصعد وتنزل، وهي التي تسأل وتجيب، وهي التي تنعم أو تعذب، وتجري هذه الأحكام عليها. وقد ذكر ابن القيم أن الروح لها بالبدن خمس اتصالات:
الاتصال الأول: عندما كان جنيناً في بطن أمه. فاتصالها به قليل، ولكن يتحرك الجنين في بطن أمه قليلاً.
الاتصال الثاني: بعدما يخرج إلى الدنيا، فهو اتصال كامل وإن كان يعتريه نقص.
الاتصال الثالث: عندما يكون الإنسان نائماً؛ فإن روحه تفارق بدنه، ولكنها لا تكون مفارقة كاملة.
الاتصال الرابع: في البرزخ الذي هو في القبر فهو اتصال ضعيف ولكن ليس بمستحيل.
الاتصال الخامس والأكمل: الاتصال في الآخرة بعدما تعاد الأرواح إلى أجسادها، وتتصل بها اتصالاً كلياً كاملاً.
والأحكام في الدنيا على الأجساد وتتبعها الأرواح، والأحكام في البرزخ على الأرواح وتتبعها الأجساد، والأحكام يوم القيامة على الأرواح وعلى الأجساد.
стр. 1263
وأما قولهم: لم يذكر في القرآن عذاب القبر. فأجاب عنه ابن القيم وغيره، وقالوا: إنه قد ذكر في السنة، ونحن نؤمن بالسنة وبما جاء بالقرآن، وأيضاً فقد ورد في القرآن إشارات ودلالات وفسرت بعذاب القبر؛ فذكر الله أن آل فرعون يغدا بهم ويراح على النار في قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (غافر:٤٦) والغدو والعشي في هذه الدنيا، يعني أنهم يعرضون أي أرواحهم تعذب في النار.
كما ذكر الله أنهم سيعذبون مرتين في قوله تعالى: (سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم) (التوبة:١٠١) المرتان قيل: إنه مرة في الدنيا ومرة في البرزخ، (ثم يردون إلى عذاب عظيم) ، هذا في النار بعد البعث، وفسر بذلك أيضاً قوله تعالى: (وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك) (الطور:٤٧) يعني عذاب القبر؛ هذه إشارات إلى أن عذاب القبر قد ثبت، وأن الإنسان عليه أن يكثر الاستعاذة من عذاب القبر، وعليه أن يصدق به، وإن لم يدركه إحساسه.
ولكن قد تقول: إنه قد يبقى غير مقبور مدة طويلة. فنقول: الذي يبقى هو الجثة، والعذاب والنعيم على الأرواح.
مسألة: في الحساب
وقوله:
ويُحشر الناس يوم القيامة حفاة عُراةً غرلاً، فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا ﷺ ، فيحاسبهم الله تعالى، وتنصب الموازين، وتنشر الدواوين، وتتطاير صحائف الأعمال إلى الأيمان والشمائل (فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبورا * ويصلى سعيراً) (الانشقاق:٧-١٢) .
شرح:
قال بعض العلماء: إن الله تعالى أكثر في ذكر البعث، وأدلته، ومن القرائن التي تدل عليه والمعجزات والآيات والبراهين، وكذلك ما بعده من الجزاء على الأعمال ومن الحشر، والنشر وما إلى ذلك.
стр. 1264
ولعل الحكمة من المبالغة في ذلك إقناع المشركين، وذلك لأن المشركين من العرب كانوا ينكرون أشد الإنكار بعث الأجساد، فضلاً عن حساب عليها أو عذاب، فهم يقولون -مثل ما حكى الله عنهم هم والأولون أيضاً بقوله تعالى: (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) (الأنعام:٢٩) ، وكذلك حكى الله عنهم قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون) (الصافات:٦٩-٧٠) ، فلما وجدوا آباءهم على هذا الأمر الذي هو إنكار البعث، تبعوهم في ذلك، وحكى الله تعالى عنهم قولهم: (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون * أو آباؤنا الأولون * قل نعم وأنتم داخرون) (الصافات:١٦-١٨) ، أي تبعثون وأنتم ذليلون مهينون.
ورد الله على ذلك الكافر الذي جاء ومعه عظم ميت يفتته وقد صار رميماً فقال: أتزعم يا محمد؛ أن هذا يبعث بعد أن صار رميماً تراباً؟ قال: (نعم، يميتك الله، ثم يحييك ثم يحشرك إلى النار) فأنزل الله تعالى قوله: (أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) (يس:٧٧) ، ذكره بخلقه من نطفة، ومع ذلك أصبح خصيماً مبيناً، ثم قال تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) (يس:٧٨) ، نسي بدء خلقه الذي كان معدوماً، ثم خلق، ثم أوجد، إلى آخر الآيات التي فيها تذكيره بالبعث وبالآيات الدالة عليه بعد البعث.
وكثيراً ما يذكر الله الآيات التي في الحشر، ويذكر يوم القيامة، ويسميه بعدة أسماء، فيسميه يوم القيامة، ويسميه بالساعة، ويسميه بيوم الحشر؛ لأن الناس يحشرون فيه، ويسميه بالآزفة، والطامة، والحاقة، والواقعة، والصاخة، وكلها أسماء ليوم القيامة وآثارها.
стр. 1265
وهذا اليوم ذكر الله عظم شأنه فقال تعالى: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) (المطففين:٦) ، ذكر في الأحاديث أنهم يقومون ويطول قيامهم وأنه يكون طويلاً، قدر في آية أنه ألف سنة مما يقدرون، وفي آية أخرى خمسين ألف سنة في سورة المعارج: (في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة) (المعارج:٤) ، ثم أخبر بأنه قريب بقوله تعالى: (إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريباً * يوم تكون المساء كالمهل) (المعارج:٦-٨) ، أي تذوب كما يذوب المهل، (وتكون الجبال كالعهن) (المعارج:٩) ، أي تكون كالعهن المنفوش إلى آخر الآيات.
فنؤمن بهذا، ونؤمن بأنه بعد البعث يحشر الناس، وأن الأرض تسوى فتزول عنها الجبال التي عليها، وتصبح الجبال كثيباً مهيلاً، ثم بعد ذلك تصبح كأنها العهن؛ وهو القطن المنفوش تطير به الرياح، قال تعالى: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) (النمل:٨٨) . وهي تنتقل فلا يبقى لها أثر ولا يبقى لها مكان فينسفها الله تعالى: ثم تسوى بالأرض، يقول الله تعالى: (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذروها قاعاً صفصفاً) (طه:١٠٥-١٠٦) ، أي الأرض تكون قاعاً صفصفاً مستوياً (لا ترى فيها عوجا ولا أمتاً) (طه:١٠٧) ، يمدها الله تعالى يقول: (وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت) (الانشقاق:٣-٤) ، تمد كما يمد الأديم العكاظي، وتسوى بحيث لا يكون لها مرتفع ولا منخفض.
وبعد ذلك تبقى هكذا، فيجتمع عليها الخلق من أولهم إلى آخرهم؛ يجتمعون كلهم لا يحصي عددهم إلا الله تعالى، يحشرون على هذه الأرض، ثم تنزل ملائكة السماء الدنيا فتحيط بهم، وكذا ملائكة السماء الثانية والثالثة، إلى أن تنزل الملائكة كلهم فيحيطون بهم.
стр. 1266
ونؤمن بما ذكره الله من الآيات والأعمال التي فيها، وأنها تنصب الموازين، قال تعالى: (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) (الأعراف:٨-٩) ذكر الله الوزن في عدة آيات.
وكذلك تنشر الدواوين -الصحائف التي فيها الأعمال- قال تعالى: (ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك) (الإسراء:١٣-١٤) ، (ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (الكهف:٤٩) فيقرءون كتبهم ويجدون فيها أعمالهم التي عملوها كلها، وتتطاير الكتب إلى الأيمان أو الشمائل، قال تعالى: (فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) (الإسراء:٧١-٧٢) .
أما الكتاب الذي يعطى باليمين؛ فمكتون فيه: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية قطوفها دانية، وأنه يشرق وجهه، ومن فرحه يقول: (هاؤم اقرءوا كتابيه) (الحاقة:١٩) . وأما الآخر فيقول: (يا ليتني لم أوت كتابية) (الحاقة:٢٥) ، نصدق بهذا كله ولو استبعده من استبعده.
ووقوف الناس وحشرهم في ذلك اليوم ذكره الله في القرآن ذكراً متكرراً متواتراً، وأن الناس بعدما يبعثون يحشرون على أقدامهم؛ يحشرون وهم عراة، وأول من يكسى إبراهيم ﵇، ويحشرون وهم حفاة ليس في أرجلهم نعال، وكذلك غرلاً أي غير مختونين كما فسره بذلك ابن كثير.
وكذلك يبعثون بهماً أي سود الأبدان من الشمس، وقيل: إنهم لا يتكلمون أي لا يستطيعون أن يتكلموا، وذلك من الفزع قال تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) (الأنبياء:١٠٣) ، وقد ذكر الله أنهم لا يتكلمون كما في قوله تعالى: (فلا تسمع إلا همساً) (طه:١٠٨) ، قيل: الهمس: وطء الأقدام، وقيل: الكلام الخفي، وهذه إشارات إلى ما ذكره الله في القرآن وأوضحه عن البعث والحساب.
مسألة: في الميزان
стр. 1267
قوله:
والميزان له كفتان ولسان، يوزن به أعمال العباد (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) (المؤمنون:١٠٢-١٠٣) .
شرح:
مما نؤمن به الميزان، وقد ذكره الله تعالى في عدة سور، فذكره في سورة الأنبياء، قال تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردلٍ أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء:٤٧) ، هذا دليل على أنه ميزان حقيقي توزن به الأعمال، فيظهر فيه خفتها أو ثقلها، ولو كان العمل خفيفاً كحبة الخردل.
وقد ذكر الله أيضاً الذرة في قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة:٧-٨) ، والذرة هي: النملة الصغيرة، وماذا تزن؟
وذكر الله الميزان في قوله تعالى: (الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم) (الأعراف:٨-٩) ، وكذلك ذكره في سورة المؤمنون وفي سورة القارعة، وكذلك وردت الأحاديث في وزن الأعمال.
وختم البخاري صحيحه: ما جاء في الميزان، باب: قول الله تعالى: ((ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)) (الأنبياء:٤٧) ، وأورد بعض الآيات وذكر حديث أبي هريرة: (كلمات خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) فاستشهد بقوله: ثقيلتان في الميزان.
وهذه الآيات دليل واضح على إثبات الميزان، وورد في الأحاديث أنه ميزان حقيقي له كفتان، وأنه توزن فيه الأعمال أو غيرها، وأن له لساناً يظهر ميله خفة أو ثقلاً في لسانه، والكفتان اللتان توضع فيهما الأعمال.
стр. 1268
ثم اشتهر عن المعتزلة أنهم أنكروا الميزان الحقيقي، وادعوا أن الميزان هو العدل في قوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء:٤٧) ، أي العدل وقالوا: لا يحتاج إلى الوزن إلا البقالون ونحوهم، فأما الرب تعالى فليس بحاجة إلى أن ينصب ميزاناً، لأنه يعدل بين عباده، قال تعالى: (ولا يظلم ربك أحداً) (الكهف:٤٩) ، فأبطلوا دلالة هذه النصوص الصريحة التي فيها ذكر الميزان كقوله ﷺ : (والحمد لله تملأ الميزان) ونحو ذلك من الأحاديث.
وأهل السنة أقروا بأنه ميزان حقيقي، وأن الله تعالى ينصبه لكل أحد، وأن كل إنسان له ميزان توزن فيه أعماله، سواءً كان ميزاناً واحداً توزن فيه أعمال العباد، أو موازين متعددة ليكون ذلك أدل على العدل وعلى عدم الظلم، وأنه لا يعذب إلا من استحق العذاب.
وقد اختلف في الموزون ما هو؟، ويمكن أن يعم الوزن جميع ما ورد:
القول الأول: أن الأعمال توزن ولو كانت أعراضاً، فإن الله قادرٌ على أن يقلبها أجساماً، فإن الصلاة ليس لها جرم ولكن الله تعالى يقلبها جسماً فتخف أو تثقل.
كما ورد في بعض الأحاديث: (أن الرجل إذا صلى الصلاة وأساء فيها صعدت إلى السماء ولها ظلمة، وتغلق دونها أبواب السماء، وتلعن صاحبها فتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، وتلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجه صاحبها، وأما إذا صلى الصلاة فأحسن فيها صعدت إلى السماء ولها نور فتفتح لها أبواب السماء وتقول: حفظك الله كما حفظتني) .
стр. 1269
فالصلاة عرض ومع ذلك يكون لها هذا الجرم، وكذلك الصيام يكون له جرم يوزن، وكذلك بقية الأعمال يجعلها الله تعالى أجراماً، وهكذا أيضاً الذي له جرم مثل الصدقات، ورد أن الله تعالى يربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، يربي الصدقة ولو كانت يسيرة قليلة حتى تكون مثل الجبل، ثم بعد ذلك توزن وتثقل أو تخف بحسب نية صاحبها.
القول الثاني: أن الذي يوزن هو الصحف؛ أي صحف الأعمال التي كتبها الكتبة فهي التي توزن، ولكنها تخف وتثقل بحسب ما فيها من الأعمال صلاحاً أو فساداً.
واستدل على ذلك بحيث صاحب البطاقة وفيه (إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر شيئاً من هذا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ يقول: لا يارب. يقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يارب. فيقال: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة وتوضع البطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة) .
فهذا دليل على أن الأعمال التي تكتب في الصحف توزن؛ أي توزن تلك الصحف، وأن الثقل والخفة بحسب صحة العمل وبحسب الإخلاص فيه. وكما في الحديث الذي فيه قول الله تعالى لموسى: (لو أن السموات السبع والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله) وهذا في حق من أخلص توحيده، ونطق بهذه الكلمة عن إخلاص وصدق ويقين.
стр. 1270
القول الثالث: أن الذي يوزن هو نفس العامل. وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) (الكهف:١٠٥) ، أي لا يكون لهم وزن معتبر، أو إذا وزنوا فإنهم يخفون ولا يكون لهم ثقل في الميزان. وفي حديث في سيرة عبد الله بن مسعود؛ أنه صعد مرة على شجرة أراك يقطع منها سواكاً، فعجب الصحابة من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ : (إنهما في الميزان أثقل من جبل أحد) فأفاد بأن الإنسان يوزن، وأنه يثقل بحسب إيمانه.
وورد قوله ﷺ : (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) يعني أنه لما لم يكن له قدر ولم يكن له عمل صالح خف ميزانه فلم يساو وزن جناح البعوضة.
وبكل حال: لا مانع من أن يوزن العامل، وتوزن الصحف، وتجسد الأعمال فتوزن، ويكون الجميع مما يوزن، ليظهر عدل الله تعالى بين عباده (ولا يظلم ربك أحداً) (الكهف:٤٩) .
مسألة: في الحوض
قوله:
ولنبينا محمد ﷺ : حوض في القيامة (ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً) .
شرح:
الإيمان بالحوض داخل في الإيمان باليوم الآخر، وما ذلك إلا لأننا نؤمن بكل ما أخبرنا به بعد الموت، وفي يوم القيامة أخبرنا بأنه يكون في الحشر أحوال ومن جملتها الحوض المورود.
ومعروف أن الحوض أصله ما يصنعه أهل البوادي من جلود الإبل ويجعلون له أعواداً يعتمد عليها. ثم يصبون فيه الماء لتشرب فيه الإبل أو الأغنام أو نحوها، ويحملونه معهم لكونه خفيفاً.
стр. 1271
ويطلق الحوض على كل ما يجمع الماء، والعادة أنه يجتمع في الأحواض وفي المستنقعات وهي الأماكن المنخفضة التي يجتمع فيها ماء المطر ونحوه، وقد تسمى الخزانات التي تستعمل الآن أحواضاً، وهي ما يعرف بالجوابي في قوله تعالى: (وجفان كالجواب) (سبأ:١٣) ، فالجابية هي: مجمع الماء الذي يصلح بآجر أو بجص أو نحوه أو بحجارة حتى لا يُسرب الماء، ويجتمع فيه ماء النواضح الذي ينضح من الآبار، فيكون واسعاً أو ضيقاً على حسب ما يريده أهل الماء، فيسمى هذا حوضاً، فالمجتمع الذي يجتمع فيه الماء هو الحوض.
وقد ورد في حوض النبي ﷺ أنه مسيرة شهر في شهر؛ يعني طوله مسيرة شهر وكذا عرضه أو طوله، من عدن إلى أيلة الشام يعني من أقصى اليمن إلى أقصى الشام، وهذا مقارب أنه مسيرة شهر أو أكثر من شهر، هذه مسافته.
وماؤه ورد أنه أحلى من العسل وأشد بياضاً من اللبن، وآنيته عدد نجوم السماء -أي كيزانه التي فيه- يصب فيه ميزابان من الجنة، وقد فسر بالكوثر الذي في قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) (الكوثر:١) ، وقيل: إن الكوثر نهر في الجنة، وأن هذا الحوض يُمد من ذلك النهر، يصب في هذا الحوض ميزابان من ذلك النهر الذي هو الكوثر.
ويَرِدُ عليه الناس تارة أفراداً ليتمكنوا من الورود ويشربون، ومن شرب منه شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وتارة تذودهم الملائكة إذا كانوا قد غيروا أو بدلوا أو ابتدعوا، ولم يكونوا حقاً من الأمة المحمدية المحققين للاتباع.
والأحاديث في الحوض تزيد على أربعين حديثاً، كما في بعض الكتب التي كتبت في أشراط الساعة، وقد استوفاها ابن كثير في النهاية في آخر التاريخ وغيره، مما يدل على تنوعها وعلى ثبوتها، ويؤخذ من مجموعها ما ذكر من صفة الحوض.
مسألة: في الشفاعة
قوله:
стр. 1272
والصراط حق يجوزه الأبرار ويزلُّ عنه الفجار، ويشفع نبينا ﷺ : فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر، فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمماً، فيدخلون الجنة بشفاعته.
ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات؛ قال الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) (الأنبياء:٢٨) ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.
شرح:
ذكر الصراط وذكر الشفاعة؛ أما الصراط فورد ذكره في الأحاديث، وكثرت الأحاديث التي تصفه وإن كان في بعضها غرابة أو ضعف، وكثير من الوعاظ يوردون هذه الأحاديث في القصص وفي المواعظ ويتساهلون في روايتها للتخويف بها، والغالب أن ما ورد فيه من المبالغات لا يثبت؛ كالذي روي أن صعوده مسيرة ألف سنة، وأن استواءه مسيرة ألف، وأن الهبوط منه مسيرة ألف عام. هكذا ورد ولكن لم يثبت.
وما ورد أيضاً من أنه أحد من السيف وأدق من الشعرة وأحر من الجمر، وأروغ من الثعلب وهكذا.. فإنه قد دخل في هذا كثير من المبالغات، ووصفه بأنه أحد من السيف وأدق من الشعرة ورد في حديث يمكن اعتباره.
وقد ورد أن النبي ﷺ ذكر العبور على الصراط، وأن الناس يسيرون عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر عليه كالبرق، ومنهم من يمر عليه كالريح ومنهم من يمر عليه كأحاور الخيل والركاب ومنهم من يعدو عدواً ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، وعلى جنبتي الصراط كلاليب مثل شوك السّعدان تخطف من أمرت بخطفه، والأنبياء ﵈ على الصراط، ودعواهم: اللهم سلِّمم سلِّم، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل.
стр. 1273
هذه الصفات وردت فيه حتى استغرب بعضهم المرور كالبرق، يعني سرعة الذي يمر عليه كأنه البرق، وكالريح التي هي السير الحثيث، وكأجاود الخيل؛ الجواد هو الذي يسير سيراً سريعاً، والحاصل أنه ذكر أنهم يسيرون عليه هكذا؟ أي على قدر أعمالهم وآخرهم الذي يزحف زحفاً.
ورد أيضاً تقسيم الأنوار في قوله تعالى: (يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نو ر كم) (الحديد:١٣) وذلك أنهم يعطون أنواراً يمشون بها، وفي أثناء سيرهم ينطفئ نور المنافقين فيطلبون من المؤمنين أن يعطوهم قبساً يسيرون به، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم حيث قسمت الأنوار فالتمسوا نوراً، فإذا رجعوا ضُرب بينهم بسُور له باب كما ذكر في القرآن في قوله تعالى: (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسورٍ له باب) (الحديد:١٣) .
وذكر في الحديث أن هذا المرور على متن جهنم، وأنه هو الذي ذكره الله تعالى، وسماه وروداً في قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) (مريم:٧١) يعني وارد جهنم، وأنهم إذا مروا عليها فإن من يحس بها هم الفسقة والكفار ونحوهم، وكثير منهم يزل من الصراط ويسقط في النار أو تخطفه تلك الكلاليب وتسقطه في النار، وأما الذين مروا عليها سراعاً فلا يحسون بها بل روي أنها تقول: (جزيا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي) .
وإذا دخلوا الجنة قالوا: قد وعدنا ربنا أنا نَرِد النار -كما في قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها) أين هي؟ ما ذكرنا أننا وردناها فيقال لهم: إنكم قد مررتم بها وهي منطفئة، أطفأ لهبها أنواركم فلم تشعروا بها.
стр. 1274
الصراط على هذا هو على متْنِ جهنم يمر الناس عليه بأعمالهم، وقال بعض العلماء: إن سيرهم على الصراط الحسي الذي في الآخرة على قدر سيرهم على الصراط المعنوي الذي في الدنيا المذكور في قوله تعالى: (وهديناهما الصراط المستقيم) (الصافات:١١٨) ، (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه) (الأنعام:١٥٣) ، (صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض) (الشورى:٥٣) .
بعد ذلك ذكر الشفاعة، والناس في الشفاعة ثلاثة أقسام: المشركون، والمعتزلة، وأهل السنة.
القسم الأول: المشركون القبوريون. يقولون: إن الأولياء وإن السادة يشفعون لأقاربهم، ولمن دعاهم، ولمن والاهم، ولمن أحبهم، ولأجل ذلك يطلبون منهم الشفاعة، فالمشركون الأولون حكى الله عنهم أنهم قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) (يونس:١٨) ، يعنون معبوداتهم من الملائكة، ومن الصالحين، ونحوهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله أي يشفعون لنا. وكذلك يقول القبوريون المعاصرون الآن؛ يقولون: إن الأولياء يشفعون لنا، وإننا لا نجرؤ أن نطلب من الله بل نطلب منهم وهم يطلبون من الله، ويقولون: إن النبي ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين أعطاهم الله الشفاعة، ونحن ندعوهم ونقول: اشفعوا لنا كما أعطاكم الله الشفاعة.
ويضربون مثلاً بملوك الدنيا فيقولون: إن ملوك الدنيا لا يوصل إليهم إلا بالشفاعة إذا أردت حاجة فإنك تتوسل بأوليائهم ومقربيهم من وزير وبواب وخادم وولد ونحوهم يشفعون لك حتى يقضي ذلك الملك حاجتك، فهكذا نحن مع الله تعالى نتوسل ونستشفع بأوليائه وبالسادة المقربين عنده، هذا قول المشركين، يبتون شفاعة كل ولي من الأولياء لكل من طلبها منه، وقد وقعوا بهذا في شرك الأولين، وقاسوا الخالق بالمخلوق.
стр. 1275
والله تعالى ذكر عن مؤمن يس قوله تعالى: (أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئاً) (يس:٢٣) ، وذكر الله تعالى أن الكفار اعترفوا على أنفسهم بقولهم: (قالوا لم نك من المصلين) ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين) وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما تنفعهم شفاعة الشافعين) (المدثر:٤٣-٤٨) .
القسم الثاني: المعتزلة والخوارج. أنكروا الشفاعة لأنهم يعتقدون أن العصاة وأهل الكبائر مخلدون في النار لا يخرجون منها، وأن كل من عمل كبيرة ومات مصراً عليها فهو مخلدٌ لا تغني عنه الشفاعة ولا تنفعه، ويستدلون بالآيات التي فيها نفي الشفاعة مثل قوله تعالى: (لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة) (البقرة:١٢٣) ، ومثل قوله تعالى: (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) (البقرة:٢٥٤) ، ويقولون: هذه الآيات تنفي الشفاعة، فليس هناك شفاعة لرسول الله ﷺ ولا لغيره. هذا ما قاله المعتزلة والخوارج بناءً على تخليدهم أهل الكبائر في النار.
القسم الثالث: أهل السنة. يثبتون الشفاعة ولكن بشرطين:
الشرط الأول: الإذن للشافع.
الشرط الثاني: الرضا عن المشفوع.
جمع الله الشرطين في قوله تعالى: (وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) (النجم:٢٦) وذكر الإذن في قوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (البقرة:٢٥٥) ، وفي قوله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن) (سبأ:٢٣) ، (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولاً) (طه:١٠٩) ، وقد تكون هذه الآية جمعت الشرطين، وذكر الرضا في قوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) (الأنبياء:٢٨) .
стр. 1276
فهذان شرطان للشفاعة، وهي الشفاعة المثبتة: الإذن للشافع، والرضا عن المشفوع له. والإذن يكون للأنبياء، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ فإن الناس إذا طلبوا منه الشفاعة لا يبدأ بالشفاعة بل يسجد حتى يقال له: (ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع قال: فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب.. الحديث) . هذا دليل على أنه لا يشفع إلا من بعد أن يأذن الله له.
وأما الرضا فإن الله لا يرضى عن الكفار كما في قوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر) (الزمر:٧) ، فإذا كان لا يرضى لعباده الكفر، ولا يرضى الشرك، فلا يأذن في الشفاعة للكفار، ولا يأذن في الشفاعة للمشركين؛ فالشفاعة خاصة بالموحدين، وحقيقتها أن الله تعالى يكرم أولياءه وأنبياءه لينالوا المقام المحمود ويقول : (اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه.. الحديث) .
فيحصل منها تكريم الشافع ورفع منزلته، وأنه يؤتى المقام المحمود الذي وعده الله بقوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) (الإسراء:٧٩) فمن يشفع تعرف منزلتهم وفضيلتهم، كذلك يحصل منها رحمة المشفوع لهم، وإخراجهم من العذاب، تلك فائدة هذه الشفاعة.
وذكر في الأحاديث عدد من الشفاعات، منها ما هو خاص بالنبي ﷺ ، ومنها ما هو عام، وأشهر الشفاعات هي الشفاعة العظمى يتأخر عنها أولو العزم، حيث إن الناس يأتون لآدم فيعتذر ثم يطلبون الشفاعة من نوح فيعتذر، ثم من إبراهيم، ثم من موسى، ثم من عيسى، وكلهم يعتذر ويذكر له ذنباً حتى يأتوا إلى نبينا ﷺ فيقول:) أنا لها، أنا لها) .
стр. 1277
يشفع في أن يأتي الله تعالى لفصل القضاء، أن يفصل بين الناس بعدما طال المقام، وبعدما يملون من المكان، وبعدما تطول إقامتهم ومكثهم، فيقولون: من يشفع لنا إلى ربنا حتى يفصل بين العباد، يتمنون التحول من هذا المكان، فهذه الشفاعة العظمى، وهي من خصائص النبي ﷺ .
وله شفاعة ثانية: شفاعته في أن تفتح أبواب الجنّة، فهو أول من يقرع باب الجنّة، وتقول الخزنة،: بك أمرنا أن لا نفتح لأحد قبلك. يشفع في أن يدخل أهل الجنة الجنة.
وله شفاعة ثالثة: في رفع درجات بعض أهل الجنة، يشفع في أن ترفع درجاتهم أو يرفع مقامهم ومكانتهم حتى تكون رفيعة.
وله شفاعة رابعة: الشفاعة في إخراج بعض العصاة من النار.
وشفاعة خاصة لعمه أبي طالب بالتخفيف عنه، بعدما كان في الدرك الأسفل من النار فيكون في ضحضاح من النار.
أما الشفاعة التي ليست خاصة له؛ فهي الشفاعة في العصاة الذين دخلوا النار بمعاصيهم؛ في أن يخرجوا منها؛ فإنها تشفع الملائكة والرسل والأنبياء والصالحون (فيقول الله تعالى: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا -قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فاقرءوا: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها) (النساء:٤٠) ، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة؛ يقال له نهر الحياة، فينبتون في حافته كما تنبت الحبة في حميل السيل.. الحديث) .
стр. 1278
والحاصل أنا نؤمن بهذه الشفاعة ونجعلها مرتبطة بهذين الشرطين، فلا نطلقها كما يطلقها المشركون الذين يطلبون الشفاعة من غير الله، فالشفاعة لا تطلب من المخلوقين، حتى ولا من النبي ﷺ لا تقل: يا محمد اشفع لنا، ولا يا يوسف، ولا يا عبد القادر اشفع لنا، ولا يا عيدروس اشفع لنا، ولا يا يوسف، بل نقول: اللهم شفع فينا أنبياءك، اللهم تقبل شفاعة الشافعين فينا، اللهم اجعلنا ممن تناله شفاعة الشافعين، فنطلبها من الله وحده ولا نطلبها من سواه.
مسألة: في الجنة والنار والموت
قوله:
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان، فالجنة مأوى أوليائه، والنار عقاب لأعدائه، وأهل الجنة فيها مخلدون (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون) (الزخرف: ٧٤-٧٥) (ويؤتي بالموت في صُورة كبش أملح، ويُذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة؛ خلود ولا موت، ويا أهل النار؛ خلود ولا موت) .
شرح:
الجنة أو النار هي النهاية التي يستقرون فيها الاستقرار الباقي الدائم؛ الذي ليس بعده ظعن ولا ارتحال ولا تحول أبداً، هذه هي النهاية، عندما يفصل بينهم يبقى أهل الجنة في دورهم وفي نعيمهم، ويبقى أهل النار في عذابهم وفي حميمهم وفي آلامهم.
ومذهب أهل السنة؛ أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، وأنهما في مكان لا يعلمه إلا الله، وذهب بعض المعتزلة إلى أنهما ليستا موجودتين، وقالوا: إن الله ينشؤهما يوم القيامة، وقالوا: لا حاجة لبقائهما الآن ووجودهما معطلتين ألوف السنين لا ينتفع بهما مغلقة أبوابهما، وما الفائدة من خلقهما ومن إيجادهما؟
стр. 1279
ولكن حيث إن الأدلة وردت بوجودهما، فإننا نعتقد أنهما موجودتان، فالله تعالى ذكر إعدادها في قوله تعالى: (أعدت للمتقين) (آل عمران:١٣٣) أعدت يعني هيئت، فهي معدة الآن، وذكرها في قوله تعالى: (عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى) (النجم:١٤-١٥) فدل على أنها موجودة عند سدرة المنتهى.
وهكذا أيضاً كثيراً ما يذكر النار أعدت لأهلها وهيئت لمن عصى الله تعالى فدل على أنها موجودة، وأيضاً ورد في الحديث أنه (أوقد على النار ألف عام حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت) يدل على أنها موجودة. وهكذا ما ورد أيضاً من صفاتها في القرآن.
والحاصل أن عقيدة أهل السنة أن الجنة والنار موجودتان الآن، وقد تكلم عن ذلك ابن القيم في كتاب "حادي الأرواح" ورجح القول بوجودهما، وتكلم عن جنة آدم التي أسكنها؛ هل هي جنة الخلد أم أنها جنة أخرى؟ وذكر حجج القولين في أول كتابه (حادي الأرواح) وفي أول كتابه (مفتاح دار السعادة) وكأنه يميل إلى أنها جنة دنيوية، وإن لم يصرح بذلك.
وأما الجنة الأخروية؛ فإن الله تعالى: وصفها بأوصاف تكون عندما يدخلها أهلها، فذكر أنهارها وأشجارها وغرفها والثمار الدانية التي تكون في متناول كل أحد، واللحوم ومما يشتهون، وما أشبه ذلك مما تلتذ به الأعين وما تشتهيه الأنفس، فيذكر الله تعالى هذا حتى يشوِّق العباد إلى طلبها.
ولما سمع ذلك المشركون أخذوا ينكرون، حتى إن عمرو بن عبد ود لما قابل بعض الصحابة قال: أين جنتكم التي تدعون أن من قتل منكم فيها؟ فقالوا: هي عند الله أو حيث لا يعلمها إلا الله. وقال بعض الصحابة الذين أمرهم النبي ﷺ في أحد أن يقولوا: (قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) . فلما ذكر الله أن المؤمنين عند ربهم في الجنة وذكر أن آل فرعون في النار دل على وجود الجنة وعلى وجود النار.
стр. 1280
ونؤمن أن لكل منهما أهلاً، وأن الله وعد كلاً منهما بملئها، وقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء. وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها.
فأما الجنة فيبقى فيها فضل فينشئ الله لها خلقاً، وأما النار فتأبى حكمته أن يسكنها من لم يكن مستحقاً لها، ومع ذلك يبقى فيها أماكن، ويقول ﷺ : (لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة ﵎ قدمه فيها، فتقول: قط قط، وعزتك. ويزوى بعضها إلى بعض) .
فهذا دليل على أنها يكون لها صوت، وأنها لا يعلم قدرها إلا الله مع عظم من يدخلها.
وقد تكلم العلماء في هاتين الدارين؛ الجنة والنار وأطالوا فيهما، ففي الجنة كتب ابن القيم (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) ضمنه أبواباً تتضمن كل ما ورد في ذكر الجنة، ومع ذلك فقد ذكر أيضاً في آخر النونية أكثر من ألف بيت فيما يتعلق بالجنة.
وأما النار: فكتب فيها كثير من العلماء، ومن أشهر من كتب فيها ابن رجب في كتابه المطبوع (التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار) ضمنه أبواباً في ذكر عذابها وحميمها وزقومها وأنهارها، وما يجري فيها ودركاتها، وما أشبه ذلك.
مسألة: في حق الرسول ﷺ وأصحابه
قوله:
ومحمد ﷺ : خاتم النبيين وسيد المرسلين، لا يصح إيمان أحد حتى يؤمن برسالته، ويشهد بنبوته، ولا يقضى بين الناس في يوم القيامة إلا بشفاعته، ولا يدخل الجنّة أمة إلا بعد دخول أمته، صاحب لواء الحمد، والمقام المحمود، والحوض المورود، وهو إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم.
شرح:
стр. 1281
بعدما ذكر ما يتعلق بحق الرب ، ذكر أيضا ً حق النبي ﷺ ، فإن له حقاً على أمته، حقاً نعتقده فيه، وحقاً نعامله به. ولكنه حق يناسبه ﷺ ، فحق الله تعالى يليق به، فلله حق وللنبي ﷺ حق.
يقول ابن القيم:
للربّ حقٌ ليس يُشبه غيره ولعبده حقٌ هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً، أي لا تخلطوا بين الحقين، فحق الله تعالى منه أن نعرفه ونعبده وندعوه ونعظمه ونعتقد صفات كماله ونعوت جلاله. أما حق النبي ﷺ فهو تصديقه؛ فنشهد بأنه مرسل من ربه، ومن كذب برسالته لم يصح إيمانه؛ وذلك لأن معرفة الله، ومعرفة حقوقه، ومعرفة العبادة ومعرفة الإيمان باليوم الآخر، ومعرفة العبادات كلها، إنما جاءت بواسطته، فهو الذي جاءنا بالقرآن، وهو الذي شرح لنا القرآن، وهو الذي علمنا هذه السنة، وعلمنا كيفية الأعمال؛ إذاً فله حق على أمته أن يشهدوا له بأنه مرسل من ربه، ثم يشهدوا أيضاً بفضله وبمزيته، وبما أعطاه الله من الفضل وفضّله على الأنبياء قبله، والناس بالنسبة إلى حق النبي ﷺ ثلاثة أقسام: طرفان ووسط:
الأول: الذين جفوا في حقه. لا يأخذون من سنته إلا ما يوافق أهواءهم، ولا يعملون من شريعته إلا بما يناسبهم، إذا جاءتهم السنة التي سنها نظروا؛ فإن ناسبتهم أو وافقت ميلهم صدقوها وقبلوها وعملوا بها وإلا نبذوها وطرحوها، فهؤلاء ما صدقوه حق التصديق، حيث إنهم قبلوا بعض الشريعة دن بعض، فأخذوا منها ما يناسب أهواءهم.
стр. 1282
وهذا حال من يسمون في هذه الأزمنة بالعلمانيين، فإنهم ولو تسموا بأنهم مسلمون وأتوا بالشهادتين ولكنهم لما طرحوا كثيراً من السنة وتركوا العمل بها أصبحوا غير مصدقين حقاً. فعندما نجادل أحدهم نرى أنه شبه مكذب وإن كان مصدقاً بلسانه، ونقول له: إنك ما اتبعته حق الاتباع. فإذا رأيناه مثلا يحلق لحيته قلنا له: أليس قد نهى النبي ﷺ عن ذلك؟ فيقول ما معناه: إنا نجاري الناس ونأخذ بما عليه أهل زماننا. أليس هذا عصياناً لله ورسوله؟
إذا عصيت الرسول فقد عصيت الله، والله تعالى يقول: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (النساء:٨٠) يعني ومن يعص الرسول فقد عصى الله.
كذلك الذين يبيحون للنساء التبرج وخلع جلباب الحياء، ويخالفون السنة، وما أمر الله به المؤمنات بقوله تعالى: (يدنين عليهن من جلابيبهن) (الأحزاب:٥٩) هؤلاء أيضاً ما صدقوا الرسول حقاً، فكأنهم لم يعملوا بالشريعة حق العمل بل أخذوا منها ما يناسب أهواءهم.
زيادةً على بقية الأعمال التي يعملونها كإباحة الربا، وأكل المال بغير الحق، والتخلف عن صلوات الجماعة ونحوها، والتنقص للأعمال الشرعية كالجهاد والحج والعمرة والتعبد والصيام والصلاة وغير ذلك. فالحاصل أن هذا الطرف يعتبر جافياً في حق النبي ﷺ
الثاني: هم الغلاة: الذين غلوا في حق النبي ﷺ حتى جعلوه إلهاً أو وصفوه بما لا يتصف به إلا الله تعالى، وما أكثر الكتب التي ألفت في مثال هذا، ومع ذلك انتشرت وتمكنت، وكثر الذين ينشرونها ويذيعونها، وفيها خرافات وأكاذيب، ومع ذلك راجت على ضعفاء البصائر، حتى وقع في ذلك كثير من العلماء المشاهير.
стр. 1283
فمنها: (الخصائص الكبرى) للسيوطي؛ ذكر فيها حكايات غريبة وقصصاً لا أصل لها كلها في مدح النبي ﷺ ، ولكنها بعيدة عن الثبوت لا يصدق بمثلها عاقل، وقد اشتهر أن السيوطي ينقل عن غيره من غير تمحيص، فهو كحاطب الليل يأخذ ما وجده -وإن كان من مشاهير العلماء-، وهكذا الشعراني القديم له كتب في مدح النبي ﷺ وفيها مبالغة وغلو كبير. وكذلك رسالة مشتهرة عند الخرافين واسمها "روض الرياحين" وفيها زيادة في الغلو في مدح النبي ﷺ واطرائه بما لا يليق أن يوصف به إلا الله .
وتبعهم كثير من المتأخرين كالنبهاني، وزيني دحلان، وجميل صدقي الزهاوي، وهكذا جدد هذا ابن علوي في كتابه الذي سماه (الذخائر) فإنه حشد فيه من هذه الحكايات، وإن كان قد عزاها إلى إصولها التي نقلها عنها، ولكن لم يميز بين الصحيح والضعيف، ولم يبين ضعفها، فدعا ذلك إلى تقبل الجهلة والعوام لها، مما يحمل العامة على الغلو والزيادة في الإطراء الذي نهى عنه النبي ﷺ .
لا شك في أن هذا لا يجوز، وقد وردت الأدلة في النهي عن مثل هذا كقوله ﷺ : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) ، والإطراء معناه المبالغة في المدح. ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: (بل ما شاء الله وحده) . ولما جاءه وفد بني عامر وقالوا له: يا سيدنا، قال لهم: (السيد هو الله) قالوا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً. قال: (أيها الناس، قولوا بقولكم أو بعض قولكم؛ أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله) .
стр. 1284
ولما جاءه بعض الأعراب وقالوا: هذا رسول الله. ارتعد الأعرابي فزعاً؛ يعتقد أن له شأناً، فأجلسه إلى جنبه وقال: (هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد) ، يريد بذلك تواضعه ﵊، وجلس مرة على التراب وقال: (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد) . ونحو ذلك من الأدلة التي يحث فيها على التواضع، لأنه لا يجوز أن يصفوه بما لم يصفه به ربه.
فهذان طرفان؛ الذين جفوا كالعلمانيين، والذين غلوا كالمشركين الذين رفعوه فوق قدره وأوردوا في ذلك الأكاذيب التي يمجها السمع.
مثل الحديث الموضوع الذي يقول: (لو لاك ما خلقت الأفلاك) يعني لو لاك ما خلقت الكون. يرددون مثل هذه الأحاديث، كالحديث الذي فيه: (أن آدم رأى على قائمة العرش مكتوباً لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنه قال: يا رب، أسألك بحق محمد فقال: وما محمد؟ قال: رأيت اسمه مكتوباً معك على العرش، فسألتك به وعرفت أنه لا يكتب إلا من له قدر، فقال: صدقت يا آدم، لولا محمد ما خلقتك) .
حشد ابن علوي وغيره في مؤلفاتهم ما يزعمون به أنهم يقدسون النبي ﷺ وأن ذلك دليل على محبته. فنقول لهم: إن كنتم تحبونه فاتبعوه، فالمحبة إنما هي في اتباعه لا في تعظيمه وإعطائه شيئاً لا يستحقه إلا الله.
القسم الثالث -الذي هو القول الوسط-: هو قول أهل السنة؛ وهو أن تعطيه حقه الذي هو:
أولا ً: الإيمان به. قال الله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) (التغابن:٨) الإيمان به يعني: تصديق رسالته والجزم بصحة ما أرسل به.
ثانياً: محبته. يقول ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) . ومعلوم أن محبته تقتضي السير على نهجه وطريقته.
стр. 1285
ثالثاً: الاتباع له. يقول الله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف:١٥٨) ، ويقول تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) (آل عمران:٣١) . فاتباعه هو السير على هديه ونهجه.
رابعاً: طاعته من طاعة الله. يقول تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (النساء:٨٠) ، (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها) (النساء:١٤) ، وطاعته تتمثل في تقبل ما جاء به والعمل به، والابتعاد عما نهى عنه، وقد أمر الله بمثل ذلك كثيراً؛ قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) (الأحزاب:٢١) ، وقال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر:٧) ، وحذر من مخالفته أشد التحذير في قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (النور:٦٣) يخالفون عن أمره يعني: يرون أمره صريحاً فيخالفون عنه ويتركونه، فهؤلاء توعدهم الله بالفتنة والعذاب. فهذه حقوقه ﷺ .
أما فضائله التي لا شك في صحتها فمنها: أنه أشرف المرسلين، وأنه خاتم النبيين، وأنه صاحب لواء الحمد؛ اللواء هو الراية التي تكون مرتفعة ويتبعها من يتبعه، فيوم القيامة يعطى لواءً ويتبعه الحامدون، وأنه صاحب المقام المحمود وفسر المقام المحمود بأنه قبول شفاعته عندما يشفع، فيقبل الله شفاعته. فذلك هو الذي يحمده فيه الأولون والآخرون.
وأنه سيد الناس يوم القيامة، ثبت عنه ﷺ أنه قال: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) ، يعني لا أقول ذلك افتخاراً ولكن من باب التحديث بنعمة الله (وأما بنعمة ربك فحدث) (الضحى:١١) .
стр. 1286
والله تعالى قد ذكّره نعمه فقال: (ألم نشرح لك صدرك) (الشرح:١) ، (ألم يجدك يتيماً فآوى) (الضحى:٦) ، (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (الضحى:٥) ، ونحو ذلك من الآيات التي يٌذكره فيها نعمته عليه.
فأهل السنة يذكرون مزاياه الصحيحة وفضائله، ولكن يعلمون أنه لا يصح له بموجبها شيء من حق الله، بل الله تعالى له حق، والنبي ﷺ له حق؛ فحقه علينا أن نحبه ونتبعه ونتأسى به ونطيعه ونصدق رسالته ونثق بما وعدنا به.
وقد فسرت شهادة أنه رسول الله بأنها طاعته بما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فهذا هو حق محمد النبي ﷺ .
مسألة: في أمة محمد ﷺ وأصحابه
قوله:
أمته خير الأمم، وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، وأفضل أمته أبو بكر الصديق، ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المُرتضى؛ ﵃ أجمعين. لما روى عبد الله ابن عمر ﵄ قال: (كنا نقول والنبي ﷺ حيّ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) . وصحت الرواية عن علي ﵁ أنه قال: (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت سميت الثالث) .
وروى أبو الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما طلعت الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين غلى أفضل من أبي بكر) ، وهو أحق خلق الله بالخلافة بعد النبي ﷺ لفضله وسابقته، وتقديم النبي ﷺ له في الصلاة على جميع الصحابة ﵃، وإجماع الصحابة على تقديمه ومبايعته، ولم يكن الله ليجمعهم على ضلالة.
شرح:
стр. 1287
تقدم معرفة حق النبي ﷺ ، وأن من فضله أنه أول من يستفتح باب الجنة، ثم من فضله فضل أمته، فأمته خير الأمم، وورد في الحديث: (إنكم توفون -أي تكملون- سبعين أمة أنتم خيرها وأفضلها عند الله) .
وقد ذكر ابن كثير ﵀ أحاديث فضل هذه الأمة في تفسيره عند قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) (آل عمران:١١٠) فإن هذه الآية نص على أن هذه الأمة خير الأمم؛ لأن نبيها خير الأنبياء، ومن فضلها أنهم يسبقون إلى الخيرات وإلى الجنة، فأول من يدخل الجنة هذه الأمة، وفي الحديث الصحيح يقول ﷺ : (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) الآخرون وجوداً والسابقون حقيقة إلى دار الكرامة، وذلك لشرف نبيهم، يكون من فضلهم أنهم يدخلون الجنة قبل الأمم السابقة.
ووردت الأدلة الكثيرة في ذلك ومنها ما ورد في الحديث من أنه ﷺ قال: (عرضت علي الأمم، فجعل يمر النبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي وليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً عظيماً سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر، هكذا وهكذا فرأيت سواداً عظيماً، فقيل لي: هؤلاء أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب) . وغيرها من الأحاديث التي فيها فضل هذه الأمة وكثرتها.
وقال ﷺ : (ما من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) . يعني أن آيته ومعجزته هذا القرآن، وذلك لأن الأنبياء الذين قبله إنما كان أتباعهم الذين صدقوهم أتباعاً؛ وذلك لأن الأنبياء الذين قبله إنما كان أتباعهم الذين صدقوهم قلة قليلة.
стр. 1288
ولو كنا في هذه الأزمنة نجد أن النصارى أكثر من المسلمين وجوداً، ولكن ليسوا حقيقة من أتباع المسيح ﵇، بل من الذين يعبدون المسيح ويقولون هو الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، فالحاصل أن هذه الأمة خير الأمم وأفضلها.
ثم لا شك أيضاً أن الأمة بعضها أفضل من بعض، ولا شك أن أفضل هذه الأمة هم صحابة النبي ﷺ . أصحابه لهم الميزة ولهم الفضل على من بعدهم. وقد وردت الأدلة تشهد بفضل الصحابة؛ منها قوله تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) (التوبة:١٠٠) ، ومنها قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض) (الأنفال:٧٢) إلى قوله تعالى: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم) (الأنفال:٧٤) ، نص في فضل المهاجرين والأنصار، فالذين آووا ونصروا هم الأنصار، والذين هاجروا وجاهدوا هم المهاجرون.
وذكرهم الله تعالى بقوله: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة) (التوبة:١١٧) ، وكذلك قسمهم إلى ثلاثة أقسام في سورة الحشر في قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين) (الحشر:٨) ، وقوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم) (الحشر:٩) ، ثم قال تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم) (الحشر:١٠) .
فهذه آيات استوفت الصحابة ﵃ وكلها شاهدة بفضلهم، ولو لم يكن من فضلهم إلا أنهم الذين سبقوا إلى الإيمان، وصدقوا الرسول ﷺ ، وأنهم فازوا بصحبته وحملوا شريعته، وتعلموا منه الأحكام ونقلوا إلى الأمة ما تحملوه، ولهم فضل على من بعدهم حيث إنهم حفظوا هذه الشريعة. هذا من جهة.
стр. 1289
ومن جهة ثانية: لا يدرك فضلهم فيها، وما بذلوه من الأموال والأنفس؛ حيث بذلوا أموالهم في سبيل الله تعالى، ورخصت عندهم بلادهم وأولادهم وأحفادهم وأقاربهم، وكل ما يملكونه أنفقوه كله في سبيل الله تعالى. ثم قاموا بالجهاد مع النبي ﷺ وكذلك بعده في عهد الخلفاء الراشدين، فتح الله بهم القلوب، وفتح بهم البلاد، وامتدت بهم رقعة الإسلام، وفتحوا أقاصي البلاد وأدانيها، ودعوا إلى الله تعالى، ودخل الناس في دين الله أفواجاً بسبب دعوتهم وإعانة الله تعالى لهم وتوفيقهم، لا شك أن هذا لا يدركهم فيه من بعدهم، وهذا يعمهم جميعاً.
ومعلوم أن هذا الذي أثنى الله به عليهم ثابت لهم، ووعد من الله تعالى، والله لا يخلف الميعاد. ولكن الرافضة يدعون أنهم ارتدوا بعد النبي ﷺ لما لم يبايعوا علياً، وجحدوا الوصية المزعومة؛ حيث يدّعون أن النبي ﷺ نص على أن علياً هو الخليفة بعده.
وقد ذكر الله فضل السابقين الأولين، وأن فضل أحدهم لا يدركه من بعدهم، ولهذا سماهم الله السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وأثنى عليهم، فلا شك أن هذا دليل على تفاضلهم، وأن الذين هاجروا وصبروا على الذل والقلة والفقر، وصبروا على الشدة ولقوا الأذى من المشركين، وتحملوا ذلك كله، وتحملوا مفارقة أبناء بلادهم وأولادهم، أليس هؤلاء أفضل؟ لا شك أنهم امتازوا على غيرهم بميزة لا يدركهم فيها غيرهم.
стр. 1290
ثم أيضاً تفاوتهم أفراداً؛ فأفضلهم أبو بكر ﵁ خليفة النبي ﷺ الذي لو تكلمنا عن فضله وميزته وخصائصه لطال بنا المقام. وكذلك خليفته عمر ﵁، له أيضاً فضل كثير، قد ذكر ابن كثير ﵀ أنه كتب كتاباً بلغ ثلاثة مجلدات كبار في فضل الشيخين ﵄. وابن كثير من المحدثين ومن أهل المعرفة، فلا يذكر إلا ما هو صحيح دون الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ وما ذاك إلا لأن الرافضة كتبوا في فضائل علي مجلدات، ولكنها خرافات مكذوبة لا أصل لها.
رأيت عند بعض الأخوة كتاباً استحضره من إيران، من كتب السير الرافضية بلغ خمسة وثلاثين مجلداً، في سيرة أئمتهم الاثنى عشر، يذكر في فضل كل واحد منهم مجلدين أو ثلاثة، ولكن يعتمدون على أسانيد أينما هي أكاذيب يتصورها ثم يسردها، ويوهم أتباعه أنه ورد في فضلهم هذه القصص وهذه الوقائع، وحصل لهم ما حصل وأنهم تعبدوا بتلك العبادات، وأنهم فتحوا وجاهدوا وعلموا من العلوم كذا وكذا!! إذا قرأها الجاهل خيل له أنهم أولياء وأصفياء وصفوة أهل الأرض، وأنه ما كان ولا يكون مثلهم.
نحن نقول: الأئمة نعترف بفضلهم، ولكن هذه الأكاذيب ليسوا بحاجة إلهيا. فأهل السنة -والحمد لله- لم يرووا في فضل أئمتهم ولا خلفائهم شيئاً من تلك الأكاذيب والموضوعات، ولا يروون إلا بأسانيد موثقة، وإذا كان هناك أسانيد ضعيفة نبهوا على ضعفها.
стр. 1291
فعقيدتنا أن أفضل الأمة أبو بكر، وذلك لأنه صدِّيق الأمة كما نزل فيه قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) (الزمر:٣٣) الذي جاء بالصدق هو النبي ﷺ ، وصدق به أبو بكر ﵁، فلذلك سمي بالصديق لمبالغته في التصديق، وقيل: إن سبب تسميته؛ أنه لما حدث النبي ﷺ بحادثة الإسراء التي استغربها الكفار، قالوا لأبي بكر: إن صاحبك يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس ورجع في ليلة. فقال: صدق إني أصدقه بأعظم من ذلك، في خبر السماء؛ فمن ثم سمي بالصديق.
وفضائله مشهورة، ولو لم يكن إلا أنه صاحب النبي ﷺ . وقد صرح الله تعالى بصحبته في قوله تعالى: (إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (التوبة:٤٠) وأي فضيلة أعظم من هذه، (إن الله معناه) المعية الخاصة معية الحفظ والتوفيق، والكلاءة والرعاية، والهداية والإلهام لا يدركها غيره. وهذه الصحبة لا شك أنه امتاز بها، وكذلك الرفقة؛ كونه اختار أن يصحب النبي ﷺ ، وأعطاه إحدى راحلتيه ولكنه بذل الثمن، ثم مشى معه وصار يحرسه في طريقه، ويحرص على أن لا يراه أحد إلى أن وصل إلى المدينة وهو ثاني اثنين إذ هما في الغار.
ثم ما عرف أنه تخلف عن النبي ﷺ في غزوة ولا في سرية أبداً، بل دائماً هو في صحبته، وكذلك أيضاً: أنابه الرسول ﷺ في الحج في سنة تسع من الهجرة، وأمّره على الحجيج وأرسل علياً ليبلغ أول سورة براءة.
والرافضة يقولون: إنه عزله في هذه الغزوة وأمّر علياً، ومن أجل ذلك يعلنون البراءة في اليوم السابع من شهر ذي الحجة وفي المشاعر - يقولون: نحن نبلغ مثل ما بلغ علي هذه البراءة التي يعلنونها قبل يوم التربوية بيوم، وكذبوا على علي ﵁، فإنه ما بلغها إلا في تلك السنة هو وغيره ممن بلغوها.
стр. 1292
ومن فضله أن النبي ﷺ اجتمعوا على بيعتته ورضوا به خليفة وقالوا: رضينا لدنيانا من رضيه النبي ﷺ استخلفه في الصلاة لما مرض وقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فألزمه بأن يصلي بالناس، وصلى بهم عدة أيام واستمر على الصلاة بهم.
ولما توفي ﷺ لديننا. إذ اختاره لديننا إماماً في الصلاة، فإننا نرضاه أن يكون خليفة لدنيانا وأميراً لشؤوننا.
والأدلة على خلافته كثيرة، والسيوطي ﵀ في تاريخ الخلفاء استوفى كثيراً من الأدلة التي فيها إشارات أو فيها دلالات واضحة على أنه هو الخليفة، وقد تقدم قوله ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) ولا شك أنه أولهم، وكذلك ثبت قوله ﵇: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) .
ثم بعده بالفضل: عمر ﵁، وسمي الفاروق؛ فاروق الأمة الذي فرق الله بإسلامه بين الحق والباطل، وأظهر الله بإسلامه الإسلام، وقوي المسلمون بعد أن أسلم، وكان صارماً بطلاً شجاعاً قوياً في أمر الله تعالى.
أسلم ﵁ بمكة، ولما أسلم قال للنبي ﷺ : ألسنا على حق؟ قال: (بلى) ، قال: فلماذا نستخفي؟ فشجعهم وخرجوا، وقد كانوا يتعبدون ويصلون في دار ابن أبي الأرقم، فقال: سوف نصلي في المسجد الحرام رغم من أنكر علينا. فخرجوا في صفين، في أحدهما حمزة وفي الآخر عمر، فلما رآهم المشركون أصابهم اليأس والحزن حيث عرفوا أن الإسلام قوي بإسلام عمر ﵁.
هاجر ﵁ مع جملة من المهاجرين، وصبر ولازم النبي ﷺ وسافر معه، وصار معه دائماً، وصار قرينه لا يفارقه، وبقي كذلك إلى أن استخلفه أبو بكر لما حضره الموت فقام بالأمر من بعده خير القيام كما هو معروف، ولما توفي دفن إلى جانب النبي ﷺ .
стр. 1293
ثم بعده في الفضل: عثمان ﵁، ولا شك أيضاً أنه من المهاجرين الأولين ومن المسلمين القدامى، ويسمى: (ذو النورين) لأن النبي ﷺ زوجه أولاً ابنته رقية، وتخلف عن غزوة بدر لتمريضها ثم توفيت، ولما رجع النبي ﷺ زوجة أختها أم كلثوم، وبقيت أيضاً حتى توفيت عنده، فقال ﷺ : (لو كان عندنا بنت ثالثة لزوجناها عثمان) ، فلم يحظ أحد بمثل ما حظي به، فلذلك سمي: (ذو النورين) .
ثم بعده في الفضل: علي ﵁، ولا شك في صحة خلافته، لما قتل عثمان ﵁ لم يكن هناك أحد أحق بالخلافة من علي، فتمت له البيعة، إلا إنه خرج عليه من خرج للمطالبة بدم عثمان؛ كأهل الشام وأهل العراق ونحوهم، ثم اختلفت الأمة عليه إلى أن قتل.
وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون الأربعة، وقد ورد تحديد مدتهم في حديث سفينة في قوله ﷺ : (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك) . والأدلة على ترتيبهم هذه الآثار مثل حديث ابن عمر يقول: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان -يعني في الفضل- فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) يعني نرتبهم نقول: أبو بكر أفضل، ويليه عمر، ويليه عثمان، ولا ينكر ذلك النبي ﷺ .
والآثار عن علي فيها أنه خطب على المنبر في الكوفة فقال: (أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث) قالوا: إنه يريد نفسه أو يريد عثمان. الله أعلم. ولكن مشهور عنه فيما يشبه المتواتر، ومروي عنه من نحو عشرين طريقاً أنه صرح بأن أفضل الأمة أبو بكر، ثم عمر.
стр. 1294
فأين الرافضة من هذا؟ لا شك أنهم لو كانوا ذوي عقول لقبلوا ما قاله علي؛ الذي هو عندهم الإمام، وهو الخليفة المعتبر بزعمهم، ومع ذلك تأتيهم كلماته الصحيحة الصادقة الثابتة فلا يقبلونها، ويقبلون الأكاذيب التي يبتدعها بعض غلاتهم ويصدقونها، فأين هؤلاء وأين عقولهم؟
لا شك أنا إذا تأملنا ما جاء عنه، وما جاء عن الصحابة، وما جاء في هذه الأحاديث التي فيها فضائل الصحابة ﵃ وميزتهم وما حباهم الله وما لهم من الفضائل؛ نجد أنها كلها تبطل غلو هؤلاء الرافضة في أهل البيت -كما يقولون- وسبهم وتنقصهم لخلفاء الرسول ﷺ الذين زكاهم وشهد بفضلهم.
وهذه الأحاديث أيضاً منها ما هو مرفوع كما سمعنا في حديث أبي الدرداء؛ فهو صريح في فضل الشيخين أبي بكر وعمر، وفيه أن الشمس لم تغرب على مثل هذين الشيخين: أبي بكر وعمر ﵄.
لا شك أن فضائلهم كثيرة، والمسلم عندما يسمع هذه الفضائل يعرف أن لهم من الفضل ما يحملهم على أن يكونوا أسوة وقدوة، وأنهم تصدق أقوالهم ويقتدى بهم لأنا نزكيهم ونشهد بأنهم حملة العلم وحملة الشريعة والسابقون من هذه الأمة، فلا يجوز أن نسمع لمن يطعن فيهم أو ينتقصهم، ولا أن نرد شيئاً من أقوالهم إلا الأقوال التي يجتهدون فيها ويكونون مخطئين مخالفين لنص صريح لم يبلغهم، فنعتذر عنهم ونقبل الحق ممن جاء به.
قوله:
ثم من بعده عمر ﵁؛ لفضله وعهد أبي بكر إليه، ثم عثمان ﵁ لتقديم أهل الشورى له، ثم علي ﵁ لفضله وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ) ، وقال ﷺ : (الخلافة من بعدي ثلاثون سنة) فكان آخرها خلافة علي ﵁.
شرح:
стр. 1295
تقدم ذكر ترتيب الخلفاء ﵃، أولاً: ترتيبهم في الفضل، وثانياً: ترتيبهم في الخلافة، والصحيح أن ترتيبهم في الفضل وترتيبهم في الخلافة على حد سواء.
فالخلافة بعد النبي ﷺ لأبي بكر، وأفضل الأمة بعد نبيها ﷺ أبو بكر فصار أبو بكر هو الأفضل وهو الخليفة. وأفضل الأمة بعد أبي بكر: عمر؛ فقد حاز الفضل بعد أبي بكر -الفضل بمعنى الرتبة والميزة والفضيلة والشرف والأجر على قدر عمله، ولو كان هناك من أسلم قبله. فإن عثمان أسلم قبل عمر وكذلك علي أسلم قبل عمر، والزبير وسعد وغيرهم أسلموا قبله، ولكن إسلامه كان فتحاً ونصراً، وخلافته كانت عزاً للإسلام وتمكيناً له.
والأحاديث التي وردت في فضله لم ترد في غيره، منها قوله ﷺ : (ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً الأسلك فجا غير فجك) يعني أن الشيطان يهرب منه، وفضائله أيضاً كثيرة. فأفضل الأمة بعد أبي بكر عمر، وهو أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر، أو الخلافة الصحيحة بعد أبي بكر خلافة عمر. واقتنع به المسلمون وبايعوه، وتمت البيعة ولم يشذ أحدٌ عن طاعته أو ينكر عليه أو يخرج عن طاعته، وسيرته تدل على أهليته وصلاحه ﵁.
ثم الخليفة بعد عمر عثمان -كما هو الواقع- وذلك لأن عمر ﵁ جعله من أهل الشورى، وأهل الشورى اتفقوا على تقديمه، وتمت البيعة له، وبايعه علي، وبايعه عبد الرحمن، وسعد، والزبير، وسائر الصحابة وسائر المسلمين، وتمت الخلافة له. إذاً فالخليفة بعد عمر عثمان- ﵁.
وهل الأفضل بعد عمر -عثمان أو علي؟ فيه خلاف بين العلماء، وسبب الخلاف أن هناك من فضل عثمان على علي؛ واستدل بحديث ابن عمر الذي يقول فيه: (كنا نقول والنبي ﷺ حي: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان فيبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره) وجاء الحديث أنه يلي عمر في الأفضلية.
стр. 1296
ومنهم من فضل علياً على عثمان؛ واستدل بما روي عن علي ﵁ أنه قال: (أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث) . قالوا: يعني نفسه.
وسأله مرةً ابنه الحسن وقال: (يا أبت؛ من أفضل الناس بعد النبي ﷺ ؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: فخشيت أن يقول عثمان؛ فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أبوك إلا رجل من المسلمين) . قال ذلك على وجه التواضع منه ﵁.
فلا شك في فضل الشيخين، ثم اختلف في الثالث؛ فمنهم من ثلث بعلي، ومنهم من ثلث بعثمان، وأما في الخلافة فإنهم مرتبون: أبو بكر الخليفة، ثم يليه عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ جميعاً.
وأما حديث سفينة فقد ذكرنا أنه يشير فيه إلى أن الخلافة ثلاثون سنة ولكن إذا عرفنا أن خلافة أبي بكر سنتين ونصفاً، وخلافة وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة فهذه خمس وعشرون سنة إلا أشهر أو خلافة عمر عشر سنوات، وخلافة علي خمس سنوات، فيبقى منها نحو نصف سنة يكملها خلافة الحسن بن علي ستة أشهر، فتكون ثلاثين سنة، وينطبق عليها الحديث (الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ... ) .
مسألة: في العشرة المبشرين بالجنة
قوله:
ونشهد للعشرة بالجنة، كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) .
وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها؛ كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وقوله لثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة) رواه البخاري في المناقب.
شرح:
стр. 1297
في هذه الفقرة من المتن تزكية لهؤلاء الصحابة ﵃، ورد بليغ على من طعن فيهم أو ضللهم -كما ذكرنا عن الرافضة- وقد ذكر شارح الطحاوية أن الرافضة يكرهون اسم العشرة ولا يحبونه، وذلك لأن هؤلاء العشرة عندهم كفار أو ضلال باستثناء علي ﵁؛ فلأجل ذلك لا يحبون لفظ العشرة، مما يدل على أنهم كفروا جُلَّ الصحابة وما استثنوا منهم إلا أفراداً قليلين.
ولكن رد عليهم شارح الطحاوية مبيناً تناقضهم؛ فذكر أنهم لا يكفرون العشرة إنما يكفرون تسعة منهم، فهم لا يكرهون لفظ التسعة وإنما يكرهون لفظ العشرة، ومع ذلك يُخرجون علياً من هؤلاء العشرة فلا يبقى عندهم إلا التسعة الباقون.
هؤلاء العشرة ثبت فيهم الحديث الذي ساقه ابن قدامة ﵀، ورواه الإمام أحمد وغيره عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل -وهو أحد العشرة وهو ابن عم عمر بن الخطاب، فعمر هو: عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عم زيد بن عمرو بن نفيل- أبو سعيد هذا.
فهؤلاء العشرة من المهاجرين، ومن أشراف قريش ومن مشاهيرهم، وليسوا كلهم من أهل البيت الذين اصطلح الرافضة على أنهم أهل البيت، إذ للرافضة اصطلاح خاص بأهل البيت غير ما هو مقرر عند أهل السنة، فنساء النبي ﷺ -مثلاً- عندهم لسن من أهل البيت، وعمه العباس وذريته عندهم ليسوا من أهل البيت، مع أن العباس أقرب من علي. وكذلك جعفر وذريته ليسوا من أهل البيت، فأهل البيت عندهم فقط علي والحسن والحسين وذريتهما.
والحاصل أن النبي ﷺ شهد لهؤلاء العشرة بالجنّة؛ الأربعة الخلفاء والستة الباقون منهم، وقد نظمهم ابن أبي داود في قصيدته المشهورة في قوله:
سعيدٌ وسعدٌ وابن عوفٍ وطلحةٌ وعامرُ فهر والزبير الممدَّحُ
يعني الستة:
فسعيد: هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو راوي الحديث.
стр. 1298
وسعد: هو ابن أبي وقاص الزهري، من بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ .
وعبد الرحمن بن عوف: وهو أيضاً من بني زهرة من أخوال النبي ﷺ .
وطلحة: هو ابن عبيد الله، من بني تيم الذين منهم أبو بكر ﵁.
والزبير: هو ابن العوام، من بني أسد بن عبد العزى بن عبد مناف.
وأما عامر: فهو أبو عبيدة بن الجراح من بني فهر.
وهؤلاء من المهاجرين، ومن أشراف قريش، ومن المسلمين قديماً، شهد لهم النبي ﷺ بأنهم في الجنّة، ومعلوم أنه لا يشهد لهم إلا وقد أطلعه الله بأنهم يموتون على الإسلام وعلى السنة، وأنهم يدخلون الجنّة.
ولو كانوا ارتدوا -كما تقول الرافضة - لم يشهد لهم بالجنّة، فالرافضة تدعي أنهم ارتدوا بردهم علياً -كما يقولون- عن حقه الذي هو الولاية، وتدعي أنهم أعداء ألدَّاء لعلي، ثم بعد ذلك تحكم على كل من والاهم بأنه كافر؛ لأنه بزعمهم لا يمكن أن يحب علياً.
وعند الرافضة أنه: لا ولاء إلا ببراء، يقولون: لا يمكن أن نتولى علياً إلا بعد أن نتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان وسعد وسعيد وسائر الصحابة، فإذا توليت هؤلاء فقد آذيت علياً، فأبو بكر عندهم طلب الخلافة واستبدّ بها، وأخذها من صاحبها فلذلك ضللوه وكفروه، وعمر كذلك أيضاً أخذ الخلافة بعد أبي بكر وهي ليست له، وعثمان أخذ الخلافة وهي ليست له، حتى إني قرأت لبعض المتأخرين أنه يمتدح بأن شيعتنا وأنصارنا هم الذين ثاروا على عثمان وقتلوه، وردوا الأمر إلى أهله يعني إلى علي وهو أحق بالخلافة.
أما عبدا لرحمن - فيقولون: إنه الذي أخذ البيعة لعثمان، فيحكمون بأنه مرتد، أما طلحة والزبير؛ فيدعون أنهما قاتلا علياً في وقعة الجمل. والحق أنه عندما قُتل عثمان كان هؤلاء بمكة، فذهبوا إلى العراق ليدركوا قتلة عثمان، ولكن أدركهم علي فحصلت وقعة الجمل، فقتل فيها طلحة والزبير.
стр. 1299
فكل واحد من هؤلاء يطعنون فيه طعناً، ويدعون فيه دعوى، وأهل السنة يشهدون لهم بالجنّة بسابقتهم وفضلهم، وكذلك بموجب هجرتهم، وبموجب شهادة النبي ﷺ ، وكفى بها شهادة، ولا يعتبرون بكلام من أخل بحقهم أو طعن فيهم.
وهكذا أيضاً نشهد لكل من شهد له النبي ﷺ بالجنّة كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة) ففي عهد النبي ﷺ كانا طفلين صغيرين، توفي وهما دون العاشرة، ولكن يبعثون يوم القيامة مع سائر الأمة في سن الشباب، وشهد لهما بأنهما سيدا شباب أهل الجنّة، وشهد لأمهما فاطمة أنها سيدة نساء أهل الجنّة، فنشهد لهما بذلك، ونشهد لأمهما بأنها من أهل الجنّة.
أما قصة ثابت بن قيس: فإنه كان خطيب النبي ﷺ إذا أراد أن يعلن أمراً من الأمور أو يتكلم بأمر من الأمور أمره بأن يخطب ويضمن خطبته ذلك المعنى، وكان جهوري الصوت، فلما نزل قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (الحجرات:٢) خاف أن تكون هذه الآية تنطبق عليه لأنه كان يرفع صوته؛ كان جهورياً. فجلس يبكي في بيته يومين أو ثلاثة، فافتقده النبي ﷺ فأرسل إليه، فذكروا له مقالته أنه يقول: إني أرفع صوتي وإني خشيت أن يكون حبط عملي وإني من أهل النار، فرد النبي ﷺ بعض أصحابه ليقول له: إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنّة) ، وكانت خاتمته أنه قتل شهيداً في وقعة اليمامة في قتال مسيلمة، فصدق عليه قول الرسول ﷺ أنه من أهل الجنّة.
أما غيره ممن شهد له النبي ﷺ بالجنّة فكثير، فمنهم بلال الذي قال النبي ﷺ له: (إني سمعت دف نعليك في الجنّة) ، وسأله عن أرجى عمله، فهذه أيضاً شهادة لبلال بأنه من أهل الجنة.
стр. 1300
وكذلك عكاشة بن محصن، لما ذكر النبي ﷺ سبعين الألف الذين يدخلون الجنّة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع الله يا رسول الله أن أكون منهم. فقال: (اللهم اجعله منهم) . وقتل عكاشة في قتال بني أسد الذين ارتدوا، وكان هو من بني أسد، قتل شهيداً فانطبق عليه أنه من الذين قتلوا في سبيل الله.
وغيرهم كثير، ومن أشهرهم عبد الله بن سلام الذي كان من اليهود فأسلم في أول الهجرة، وفي حديث سعد بن أبي وقاص؛ أن النبي ﷺ قال: (يطلع رجل يأكل من هذه القصعة من أهل الجنّة ... فجاء عبد الله ابن سلام) ، ثم إن كل من شهد له النبي ﷺ بأنه من أهل الجنّة فإنا نشهد له بذلك.
قوله:
ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول ﷺ ، لكنا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
شرح:
هذا من جملة العقيدة، يدخلون هذا في أسماء الإيمان والدين، وقد تقدم الكلام على الإيمان، وأن الإيمان قول وعمل واعتقاد؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن المؤمنين الذين يدينون بهذا الإيمان نشهد لهم بالإيمان ولو عملوا ما عملوا من المعاصي، فلا نخرجهم من الإيمان، ولكن لا نشهد لهم بالجنّة لا نشهد لأحد معين بالجنّة إلا من شهد له النبي ﷺ أو ثبت ذلك منه، فقد تقدم ذكر من شهد لهم النبي ﷺ وهم كثير.
следующие страницы →