Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
ومنهم من فضل علياً على عثمان؛ واستدل بما روي عن علي ﵁ أنه قال: (أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر، ثم عمر، ولو شئت لسميت الثالث) . قالوا: يعني نفسه.
وسأله مرةً ابنه الحسن وقال: (يا أبت؛ من أفضل الناس بعد النبي ﷺ ؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. قال: فخشيت أن يقول عثمان؛ فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أبوك إلا رجل من المسلمين) . قال ذلك على وجه التواضع منه ﵁.
فلا شك في فضل الشيخين، ثم اختلف في الثالث؛ فمنهم من ثلث بعلي، ومنهم من ثلث بعثمان، وأما في الخلافة فإنهم مرتبون: أبو بكر الخليفة، ثم يليه عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ جميعاً.
وأما حديث سفينة فقد ذكرنا أنه يشير فيه إلى أن الخلافة ثلاثون سنة ولكن إذا عرفنا أن خلافة أبي بكر سنتين ونصفاً، وخلافة وخلافة عثمان اثنتا عشرة سنة فهذه خمس وعشرون سنة إلا أشهر أو خلافة عمر عشر سنوات، وخلافة علي خمس سنوات، فيبقى منها نحو نصف سنة يكملها خلافة الحسن بن علي ستة أشهر، فتكون ثلاثين سنة، وينطبق عليها الحديث (الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ... ) .
مسألة: في العشرة المبشرين بالجنة
قوله:
ونشهد للعشرة بالجنة، كما شهد لهم النبي ﷺ فقال: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) .
وكل من شهد له النبي ﷺ بالجنة شهدنا له بها؛ كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ، وقوله لثابت بن قيس: (إنه من أهل الجنة) رواه البخاري في المناقب.
شرح:
стр. 1297
في هذه الفقرة من المتن تزكية لهؤلاء الصحابة ﵃، ورد بليغ على من طعن فيهم أو ضللهم -كما ذكرنا عن الرافضة- وقد ذكر شارح الطحاوية أن الرافضة يكرهون اسم العشرة ولا يحبونه، وذلك لأن هؤلاء العشرة عندهم كفار أو ضلال باستثناء علي ﵁؛ فلأجل ذلك لا يحبون لفظ العشرة، مما يدل على أنهم كفروا جُلَّ الصحابة وما استثنوا منهم إلا أفراداً قليلين.
ولكن رد عليهم شارح الطحاوية مبيناً تناقضهم؛ فذكر أنهم لا يكفرون العشرة إنما يكفرون تسعة منهم، فهم لا يكرهون لفظ التسعة وإنما يكرهون لفظ العشرة، ومع ذلك يُخرجون علياً من هؤلاء العشرة فلا يبقى عندهم إلا التسعة الباقون.
هؤلاء العشرة ثبت فيهم الحديث الذي ساقه ابن قدامة ﵀، ورواه الإمام أحمد وغيره عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل -وهو أحد العشرة وهو ابن عم عمر بن الخطاب، فعمر هو: عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عم زيد بن عمرو بن نفيل- أبو سعيد هذا.
فهؤلاء العشرة من المهاجرين، ومن أشراف قريش ومن مشاهيرهم، وليسوا كلهم من أهل البيت الذين اصطلح الرافضة على أنهم أهل البيت، إذ للرافضة اصطلاح خاص بأهل البيت غير ما هو مقرر عند أهل السنة، فنساء النبي ﷺ -مثلاً- عندهم لسن من أهل البيت، وعمه العباس وذريته عندهم ليسوا من أهل البيت، مع أن العباس أقرب من علي. وكذلك جعفر وذريته ليسوا من أهل البيت، فأهل البيت عندهم فقط علي والحسن والحسين وذريتهما.
والحاصل أن النبي ﷺ شهد لهؤلاء العشرة بالجنّة؛ الأربعة الخلفاء والستة الباقون منهم، وقد نظمهم ابن أبي داود في قصيدته المشهورة في قوله:
سعيدٌ وسعدٌ وابن عوفٍ وطلحةٌ وعامرُ فهر والزبير الممدَّحُ
يعني الستة:
فسعيد: هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل، وهو راوي الحديث.
стр. 1298
وسعد: هو ابن أبي وقاص الزهري، من بني زهرة، وهم أخوال النبي ﷺ .
وعبد الرحمن بن عوف: وهو أيضاً من بني زهرة من أخوال النبي ﷺ .
وطلحة: هو ابن عبيد الله، من بني تيم الذين منهم أبو بكر ﵁.
والزبير: هو ابن العوام، من بني أسد بن عبد العزى بن عبد مناف.
وأما عامر: فهو أبو عبيدة بن الجراح من بني فهر.
وهؤلاء من المهاجرين، ومن أشراف قريش، ومن المسلمين قديماً، شهد لهم النبي ﷺ بأنهم في الجنّة، ومعلوم أنه لا يشهد لهم إلا وقد أطلعه الله بأنهم يموتون على الإسلام وعلى السنة، وأنهم يدخلون الجنّة.
ولو كانوا ارتدوا -كما تقول الرافضة - لم يشهد لهم بالجنّة، فالرافضة تدعي أنهم ارتدوا بردهم علياً -كما يقولون- عن حقه الذي هو الولاية، وتدعي أنهم أعداء ألدَّاء لعلي، ثم بعد ذلك تحكم على كل من والاهم بأنه كافر؛ لأنه بزعمهم لا يمكن أن يحب علياً.
وعند الرافضة أنه: لا ولاء إلا ببراء، يقولون: لا يمكن أن نتولى علياً إلا بعد أن نتبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان وسعد وسعيد وسائر الصحابة، فإذا توليت هؤلاء فقد آذيت علياً، فأبو بكر عندهم طلب الخلافة واستبدّ بها، وأخذها من صاحبها فلذلك ضللوه وكفروه، وعمر كذلك أيضاً أخذ الخلافة بعد أبي بكر وهي ليست له، وعثمان أخذ الخلافة وهي ليست له، حتى إني قرأت لبعض المتأخرين أنه يمتدح بأن شيعتنا وأنصارنا هم الذين ثاروا على عثمان وقتلوه، وردوا الأمر إلى أهله يعني إلى علي وهو أحق بالخلافة.
أما عبدا لرحمن - فيقولون: إنه الذي أخذ البيعة لعثمان، فيحكمون بأنه مرتد، أما طلحة والزبير؛ فيدعون أنهما قاتلا علياً في وقعة الجمل. والحق أنه عندما قُتل عثمان كان هؤلاء بمكة، فذهبوا إلى العراق ليدركوا قتلة عثمان، ولكن أدركهم علي فحصلت وقعة الجمل، فقتل فيها طلحة والزبير.
стр. 1299
فكل واحد من هؤلاء يطعنون فيه طعناً، ويدعون فيه دعوى، وأهل السنة يشهدون لهم بالجنّة بسابقتهم وفضلهم، وكذلك بموجب هجرتهم، وبموجب شهادة النبي ﷺ ، وكفى بها شهادة، ولا يعتبرون بكلام من أخل بحقهم أو طعن فيهم.
وهكذا أيضاً نشهد لكل من شهد له النبي ﷺ بالجنّة كقوله: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة) ففي عهد النبي ﷺ كانا طفلين صغيرين، توفي وهما دون العاشرة، ولكن يبعثون يوم القيامة مع سائر الأمة في سن الشباب، وشهد لهما بأنهما سيدا شباب أهل الجنّة، وشهد لأمهما فاطمة أنها سيدة نساء أهل الجنّة، فنشهد لهما بذلك، ونشهد لأمهما بأنها من أهل الجنّة.
أما قصة ثابت بن قيس: فإنه كان خطيب النبي ﷺ إذا أراد أن يعلن أمراً من الأمور أو يتكلم بأمر من الأمور أمره بأن يخطب ويضمن خطبته ذلك المعنى، وكان جهوري الصوت، فلما نزل قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) (الحجرات:٢) خاف أن تكون هذه الآية تنطبق عليه لأنه كان يرفع صوته؛ كان جهورياً. فجلس يبكي في بيته يومين أو ثلاثة، فافتقده النبي ﷺ فأرسل إليه، فذكروا له مقالته أنه يقول: إني أرفع صوتي وإني خشيت أن يكون حبط عملي وإني من أهل النار، فرد النبي ﷺ بعض أصحابه ليقول له: إنك لست من أهل النار ولكنك من أهل الجنّة) ، وكانت خاتمته أنه قتل شهيداً في وقعة اليمامة في قتال مسيلمة، فصدق عليه قول الرسول ﷺ أنه من أهل الجنّة.
أما غيره ممن شهد له النبي ﷺ بالجنّة فكثير، فمنهم بلال الذي قال النبي ﷺ له: (إني سمعت دف نعليك في الجنّة) ، وسأله عن أرجى عمله، فهذه أيضاً شهادة لبلال بأنه من أهل الجنة.
стр. 1300
وكذلك عكاشة بن محصن، لما ذكر النبي ﷺ سبعين الألف الذين يدخلون الجنّة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع الله يا رسول الله أن أكون منهم. فقال: (اللهم اجعله منهم) . وقتل عكاشة في قتال بني أسد الذين ارتدوا، وكان هو من بني أسد، قتل شهيداً فانطبق عليه أنه من الذين قتلوا في سبيل الله.
وغيرهم كثير، ومن أشهرهم عبد الله بن سلام الذي كان من اليهود فأسلم في أول الهجرة، وفي حديث سعد بن أبي وقاص؛ أن النبي ﷺ قال: (يطلع رجل يأكل من هذه القصعة من أهل الجنّة ... فجاء عبد الله ابن سلام) ، ثم إن كل من شهد له النبي ﷺ بأنه من أهل الجنّة فإنا نشهد له بذلك.
قوله:
ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول ﷺ ، لكنا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء. ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
شرح:
هذا من جملة العقيدة، يدخلون هذا في أسماء الإيمان والدين، وقد تقدم الكلام على الإيمان، وأن الإيمان قول وعمل واعتقاد؛ قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح، وأن المؤمنين الذين يدينون بهذا الإيمان نشهد لهم بالإيمان ولو عملوا ما عملوا من المعاصي، فلا نخرجهم من الإيمان، ولكن لا نشهد لهم بالجنّة لا نشهد لأحد معين بالجنّة إلا من شهد له النبي ﷺ أو ثبت ذلك منه، فقد تقدم ذكر من شهد لهم النبي ﷺ وهم كثير.
стр. 1301
ذكر الشيخ ابن سلمان في شرح الواسطية (الكواشف الجلية) أكثر من خمسين ممن وردت فيهم أحاديث تبشرهم بالجنة -وإن كان بعضها فيه ضعف، فنحن لا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له النبي ﷺ . ولكن نرجو للمحسنين، فإذا رأينا أهل الإحسان، وأهل الإيمان والتقى، وأهل الخير والصلاح، وأهل الاستقامة، وأهل العقيدة السلفية السليمة، وأهل الأعمال الصاحلة قلنا: نرجوا أن هؤلاء من أهل الجنّة وأن الله لا يشقيهم ولا يحرمهم أجر ثوابهم. فالله تعالى قد وعد - وهو لا يخلف الميعاد بأنه يدخل الجنة أهل الأعمال الصالحة في عدة آيات، كما في قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) (البقرة:٨٢) ، وفي قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) (الحديد:٢١) .
وقد مر بنا بعض من تلك الأدلة، كحديث ابن مسعود المشهور وفيه قوله ﷺ : (فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) ، وذكر مثل ذلك في عمل أهل النار، وأنه يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. فالأعمال بالخواتيم، وهذا هو الذي يحملنا على أننا لا نجزم لمعيّن، ولكن من عرفنا أنه ما ت على الإسلام، وأنه ممن ختم الله له خاتمة حسنة فإننا نرجو له.
وكذلك أيضاً الصحابة الذين مدحهم الله تعالى؛ نثني عليهم ونمدحهم كما مدحهم الله؛ قال الله تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) (الفتح:١٨) ، فهذا فيه أنه رضي عنهم، وهو سبحانه لا يرضى عن القوم الفاسقين، لابد أنه رضي أقوالهم وعلم ما في قلوبهم وأنهم قد فازوا بهذه الميزة.
стр. 1302
وكذلك أيضاً قال النبي ﷺ : (إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، فهذه أيضاً شهادة لأهل بدر، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وأهل بيعة الرضوان ألف وأربعمائة وزيادة. كل هؤلاء زكاهم الله تعالى، وزكاهم النبي ﷺ .
وهناك أيضاً التزكية العامة في قوله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان زيادة رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) (التوبة:١٠٠) ، فهذه الآية دخل فيها ثلاثة أقسام من الصحابة: المهاجرون، والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم واتبعوهم بإحسان -دخلوا في هذا الوعد، والله تعالى لا يخلف وعده. هذا فيما يتعلق بالشهادة بالجنّة لمن شهد له الله، أو شهد له النبي ﷺ .
أما الشهادة بالنار لمعين؛ فلا تجوز أيضاً إلا لمن ورد فيه النص، فقد ورد النص مثلاً في أبي لهب (سيصلى ناراً ذات لهب) (المسد:٣) ، وكذلك في أبي جهل لما قتل أخذ النبي ﷺ يوبخه هو ومن معه ويقول: (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً) ، وكذلك قوله ﷺ في أبي طالب أنه (في ضحضاح من نار) والحاصل أن من ورد النص بأنه من أهل النار يُشهد له بذلك.
وأما الذين معهم معاص وذنوب، ولكن تلك الذنوب لا تصل إلى حد الكفر، فإننا لا نكفرهم بهذه الذنوب -كما تقدم- ولا نخرجهم من الإسلام بذنوبهم، بل نخاف على المذنب - ونقول: هؤلاء يخاف عليهم من الذنوب- ولو كانت من الصغائر، ونرجو للمحسنين - ولو كان معهم سيئات، ونخاف على المذنبين- ولو كان لهم حسنات. وخوفنا ورجاؤنا لا نحققه؛ فلا نجزم بأن هذا من أهل النار لأنه عمل هذه السيئات، ولا نجزم بأن هذا من أهل الجنّة لأنه عمل هذه الصالحات، بل الحسنات والسيئات من أسباب دخول الجنّة أو دخول النار.
стр. 1303
مسألة: في وجوب الجهاد مع كل إمام براً كان أو فاجراً
قوله:
ونرى الحج والجهاد ماضياً مع طاعة كل إمام براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة. قال أنس: قال النبي ﷺ : (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل. والجهاد ماضٍ منذ بعثني الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال -لا يبطله جَوْر جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار) رواه أبو داود.
شرح:
قوله: (ولا نكفر أحداً بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل) . ذكرنا أن الذنوب يُخاف على أصحابها، فنخاف على أصحاب هذه الذنوب ولكن خوفنا لا يصل إلى الجزم. كذلك أيضاً؛ فإنه لا يخرج من الإسلام بذنب، لا نخرجه من الإسلام بهذا الذنب.
وإذا قيل: ما المراد بأهل القبلة؟ فنقول: هم كل من يستقبلون القبلة التي هي البيت الحرام، سواءً يستقبلونها في صلاتهم أو في أدعيتهم أو يستقبلونها بقلوبهم كما في قوله تعالى: (فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) (إبراهيم:٣٧) ؛ يسمون أهل القبلة لأنهم يهوون إليه، وكذلك سفرهم إليها لأداء المناسك، فهؤلاء أهل القبلة ما دام أنهم يصلون صلاتنا، ويستقبلون قبلتنا، ويأكلون ذبائحنا، ويشهدون بشهادتنا.
لكن إذا حدث عندهم شيء من النقص وشيء من الخلل فلا نخرجهم بهذا النقص ولا بهذا الخلل عن دائرة الإسلام، ولا نشهد لهم بالإيمان بل نقول: هم مسلمون. وإيمانهم الذي معهم قد يكون إيماناً ظاهراً، قد لا يكون محققاً في كل فرد منهم لقوله تعالى في الأعراب: (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) (الحجرات:١٤) .
نشهد لهم بأنهم من جملة المسلمين ومن الأمة الإسلامية، ونمتنع عن التكفير أو التنسيق، وكذلك نحث على الأعمال الصالحة وعلى التوبة من الأعمال السيئة.
стр. 1304
أما الجهاد والحج مع الأئمة؛ فإن هذا أيضاً من جملة عقيدة المسلمين، ويستدل على ذلك بهذا الحديث الذي رواه أبو داود وغيره، وفيه أنه ﷺ أخبر بأن الجهاد ما ضٍ مع كل بر وفاجر حتى يقاتل آخرٌ الأمة الدجال، وأنه لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
يعني أن الأمة عليهم أن يجاهدوا من كفر بالله ومن خرج عن الإسلام -ولو كان ذلك القائد أو الأمير أو الوالي عاصياً أو فاسقاً أو مخلاً بشيء من العبادات والطاعات، فإن الجهاد معه فيه نصرٌ للإسلام والمسلمين.
وكذلك الحج؛ فكثيراً ما يكون تحت ولاية بعض الأمراء والعصاة، فيصح الحج مع كل أمير براً كان أو فاجراً، وسبب ذلك أنهم في القرون الماضية كانوا لا يحجون إلا مع أمير يكون على الحجاج ويجتمعون حوله ليأمنوا من قطاع الطريق، ففي الطريق أعراب يقطعون الطريق إذا كان الحجاج متفرقين ليس معهم من يجتمعون معه. فيخرج الحجاج مثلاً من العراق والبحرين والأحساء وما حولها كلهم يجتمعون ويصير عليهم أمير، ويتوجهون إلى الحجاز، ففي أثناء الطريق إذا كانوا متفرقين تقوم عليهم الأعراب وتقاتلهم وتسلبهم رواحلهم وأمتعتهم، فإذا كان معهم أمير يجتمعون عليه هابه الأعراب ولم يقدروا على قتاله، فمن أجل ذلك نقول: إن الحج معه ولو كان عاصياً فيه خير.
فقد يوجد من أمراء الجيوش وأمراء الحجاج من يشرب الخمر، أو يسمع الأغاني ونحوها، أو يؤخر الصلاة عن وقتها كصلاة العصر مثلاً، وما أشبهها، فيقول بعضهم: كيف نحج مع هذا الذي يشرب الخمر؟ نقول: ما دام أن فيه مصلحة وأن فيه نفعاً للمسلمين، حيث يأمنون معه على أنفسهم وعلى مناسكهم، وعبادتهم؛ فإن هذا خير، ووجوده خير من عدمه. مع أن الغالب أن أمير الحاج يكون من المتمسكين والعابدين وأهل الخير والصلاح، أو من العلماء العباد.
стр. 1305
وهكذا يقال في الجهاد: الأمير الذي يكون على المجاهدين غالباً يكون من أهل الخير والصلاح، ولا شك أن فيه منفعة ومصلحة للمسلمين، وذلك لأن الجهاد فيه إعلاء لكلمة الله تعالى، وفيه رفع للإسلام وإعزاز له.
والغالب أنه إذا كان أميره حازماً شديد البأس قوي التفكير؛ أنه يكون أحزم للجيش وأضبط له، فإنه يحيطهم برعايته ويراقبهم، ويعرف لهم الأماكن التي يسكنون فيها وينزلون فيها، ويدبرهم أحسن تدبير، فينتصرون على عدوهم ويظفرون على من قاتلهم، ويكون ذلك الحازم سبباً في انتصار الإسلام والمسلمين، فإذاً نقاتل معه، ولو حصل منه بعض الخلل ولو ارتكب بعض الذنوب، فإن وجوده خير من عدمه وخير من أن يتفلتوا ويتفرقوا فيظفر بهم الأعداء.
إذاً فالجهاد ما ض خلف كل أمير ومع كل أمير، والحج ماض خلف كل أمير ومع كل أمير؛ براً كان أو فاجراً للمصلحة العامة. ويستثنى من ذلك إذا كان كافراً لقوله ﷺ : (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) ، فلا يجوز أن يمكن الكافر الذي أعلن كفره من الغزو مع المسلمين ولو كان قد يقاتل حمية مع المسلمين أو عصبية أو نحو ذلك، لأن الكافر لا يجوز اقراره أو اقرار ولا يته على المسلمين، لأنه لا يُؤمن أن يكون كيده على المسلمين، أما إذا كان عاصياً -مجرد معصية- فالمعاصي والكبائر ونحوها لا يخرج بها صاحبها من الإسلام، بل هو باق على دينه.
وحيث إننا في هذه الأزمنة قد اختلفت الأحوال بالنسبة إلى الحج، فأمنت الطرق -والحمد لله- فصار كل يحج من جهته، ولا يحتاجون إلى أن يكون هناك أمير يجمع الجويش أهل الجنوب من جهتهم، وأهل الشمال من جهتهم، وأهل الشرق، وأهل الغرب، يأتون من طرق مختلفة في البواخر وفي الطائرات وفي السيارات من كل جهة ولا يحتاجون إلى وال.
стр. 1306
وكذلك أيضاً في نفس المناسك لا حاجة بأن يكون لهم أميرٌ يتبعونه أو يسيرون معه كما كانوا سابقاً؛ ففي حديث ابن عمر أنه سأله سائل وقال: (متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك) . وهذا يدل على أنهم كانوا يتقيدون بالأمير فلا يرمون إلا إذا رمى، ولا يدفعون إلا إذا دفع، وأما الآن فالأمر فيه سعة ما دام أنهم قد عرفوا المناسك.
أما في الجهاد وسفره فالأمر مختلف، ومعلوم أن هناك جهاداً في كثير من البلاد الإسلامية، وأنهم بحاجة إلى أن يكون عليهم أمير على كل سرية أو على كل جيش يقاتلون به، ولو كان هذا الأمير غير مولى من جهة الأمير العام أو من جهة الملك أو الخليفة إنما هو مولىمن جهته في ولاية خاصة، فإن طاعته في تدبير الجيوش وعدم التفرق تعتبر من طاعة الله، لما في ذلك من المصلحة المحققة التي يتحقق بسببها نصر الإسلام والمسلمين بإذن الله.
مسألة: عقيدة السلف في الصحابة ﵃
وما حدث بينهم
قوله:
ومن السُّنَّة تولِّي أصحاب رسول الله ﷺ ، ومحبتهم وذكر محاسنهم، والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم. واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم. قال تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا) (الحشر:١٠) . وقال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (الفتح:٢٩) ، وقال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه) .
شرح:
واجب الصحابة:
أولاً: محبتهم محبة قلبية لسبقهم وإيمانهم وفضلهم على الأمة بعدهم.
ثانياً: الترضي عنهم كما ﵃ في قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) (الفتح:١٨) ، وفي قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه (التوبة:١٠٠) .
стр. 1307
فإذا ذكرت الصحابة تأتي بعدهم بالترضي فتقول: قال أنس ﵁، قال جابر ﵁، عن ابن عمر ﵄، عن ابن عباس ﵄، وذلك دعاء لهما بالرضى، يعني عنه وعن أبيه أن يتجدد الرضى عنهما وعن الصحابة أجمعين في كل حين، ولك أجر على هذا الترضي.
ثالثاً: ذكر محاسنهم، يعني إفشاءها ونشرها، وذكر فضائلهم، وقد اعتنى العلماء بذلك لما رأوا أن الرافضة يكذبون عليهم ويطعنون فيهم قالوا: لابد أن نهتم بفضائل الصحابة. فالبخاري في صحيحه جعل كتاباً في الفضائل، وابتدأه بفضائل أبي بكر، ثم بفضائل عمر ثم بفضائل عثمان، ثم بفضائل علي، واستمر في ذكر فضائل الصحابة الذين وردت لهم فضائل على شرطه.
وهكذا الإمام مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة ﵃ سرد الفضائل التي على شرطه، وبدأ بفضائل الخلفاء الراشدين مبتدئاً بأبي بكر ﵁ ومن بعده، واستمر في ذكر فضائل الصحابة رجالاً ونساءً، أفراداً وجماعات. وهكذا الإمام الترمذي في سننه، ذكر فيه فضائل الصحابة وأطال في ذكر فضائلهم ومحاسنهم، وأفردها أيضاً كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد له كتاب مطبوع في مجلدين عنوانه (فضائل الصحابة) ﵃ .
ثم إن فضائلهم التي تذكر جاء كثير منها في القرآن الذي نص على فضلهم.
فمن معتقد أهل السنة والجماعة أن ينشروا فضائل الصحابة، وأن يكثروا من ذكرها، وأن يتبادلوها في المجالس، وأن يتكلموا بها في المحافل وفي المجتمعات، حتى يعرفهم الخاص والعام وحتى تنتشر لهم الذكرى الحسنة، وحتى يكون ذلك رداً وإبطالاً لما يفتريه عليهم أعداؤهم. أما مساوئهم فإننا نكف عنها ولا نتكلم فيها.
стр. 1308
وقد يقول بعض الأعداء كالرافضة: إنهم فعلوا وإنهم فعلوا؛ ويعدونها مثالب ومعايب يقدحون بها فيهم، ومن قرأ كتب هؤلاء الرافضة رآها ممتلئة بمثل هذه المثالب. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية القول في هذا المساوئ، وذكر أن منها ما هو كذب مفترى لا أصل له فلا يلتفت إليه، ومنها ما هو مغير قد زيد فيه ونقص منه، وغير عن وضعه حتى توهمه من يسمعه أنه مثلبة ومنقصة، وهو في الحقيقة مدح وثناء، ولكن الأعداء يصوغونه بصياغة يؤخذ منها العيب وهو في الحقيقة مدح، والأمثلة على ذلك كثيرة أيضاً.
رأيت لبعض المتأخرين كتاباً في مجلدين ينشره الرافضة ويوزعونه عنوانه (ثم اهتديت) أو (رجال آمنوا) ، والعجب من أمره أنه يجعل كثيراً من المحاسن مساوئ، ويدعي أنها مثالب ويبالغ في القدح فيها، فمنها اعتراض عمر ﵁ على صلح الحديبية، فهل هذا يعتبر طعناً فيه؟ إنه تحمس لما رأى الصلح قد تم على تلك الشروط، وكان يحب أن يقتحم المسلمون البلاد وأن يقاتلوا ولو قتلوا، وكان مما ساءه ذلك الشرط الذي فيه؛ أن من جاء مسلماً فإنه يرد. فأخذ الكاتب المذكور يكيل لعمر من السب في اعتراضه على هذا الحكم.
ويقال أيضاً أن علياً ﵁ من جملة الذين اعترضوا في ذلك حتى إنه لما قيل له: (امح "رسول الله") . امتنع عن ذلك وقال: (لا والله لا أمحوك أبداً) مع أن النبي ﷺ يأمره، ولكن لم يجعلوا هذا الامتناع عيباً. فلا شك أن فعل عمر ﵁ مدحٌ له، لأنه دليل على حماسته ودليل على غيرته، ثم إنه بعد ذلك وافق رأي الرسول ﷺ ورضي به وقال: (فعملت لذلك أعمالاً) .
стр. 1309
كذلك أيضاً من جملة ما يطعنون به في عمر ﵁؛ اعتراضه على الكتاب الذي قال النبي ﷺ في مرض موته: (ائتوني بكتاب أكتبه لكم لا تضلون بعده أبداً) وكان النبي ﷺ قد أرهقه المرض، فرفق عمر ﵁ به، وقال: إنه قد بلغ به ما ترون، وعندنا كتاب الله حسبنا.
فالرافضة حملوا على عمر حملة شنعاء، وقالوا: إن النبي ﷺ كان يريد أن يكتب الولاية لعلي، ولكن عمر خاف أن تكتب لعلي؛ فنهى عن كتابتها، فصده عن أن يكتب هذا الكتاب هكذا حملوه هذا المحمل؛ مع إنه ما فعل ذلك إلا رفقاً بالنبي ﷺ ، فهل يكون هذا قدحاً في عدالته؟ حاشى وكلا، ولكنهم يغيّرون، وبذلك نعرف أن ما يوردونه من المثالب ومن المساوئ مصوغ صياغة فيها قدح مع أنها في الحقيقة مدح.
فنحن نحب الصحابة ونترحم عليهم، ونكف عما شجر بينهم من الاختلاف، والاختلاف الذي حدث بينهم؛ إما اختلاف في المسائل الفقهية، وهذا يحدث كثيراً بين أهل الاجتهاد، ومع ذلك هم متآخون متحابون ولو حصل بينهم شيء من الاختلاف. فقد اختلفوا مثلاً في الحاج: هل يفضل له أن يحرم مفرداً، أو يحرم قارناً، أو يحرم متمتعاً؟ ومع ذلك فهذا الاختلاف ما أدى بهم إلى بغضاء؛ ولا إلى احتقار بعضهم لبعض، ولا إلى مقاطعة، ولكنه من باب الاجتهاد.
стр. 1310
وهناك مسائل كثيرة وقع فيها اختلاف من جنس هذا، ومثل هذا لا يعد قدحاً فيهم إنما هو اختلاف في مسائل فقهية اختلف فيها أيضاً من بعدهم، وكان سبب الاختلاف كثرة الأدلة وتنوعها، أو النظر فيها. يقول شيخ الإسلام: إنهم في هذه المسائل التي اختلفوا فيها معذورون، فهم إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، فإن كانوا مصيبين فلهم أجران، وإن كانوا مخطئين فلهم أجرٌ على الاجتهاد، وخطؤهم مغفور. فإذا كان أحدهم قد صدر منه ذنب حقيقي فيقول شيخ الإسلام: لعله قد تاب منه، والتوبة تجب ما قبلها، أو لعله غفر له بفضل سوابقه، فلهم سوابق لا يدركها من بعدهم، أو لعله غفر له بصحبة النبي ﷺ والصحبة أيضاً عمل يختص بهم، أو لعله يغفر لهم بشفاعته ﷺ فإنهم أحق بها من غيرهم؛ وذلك لتميزهم بالصحبة له. وبكل حال فهذا الذي يقال عما صدر منهم.
أما الذي شجر بينهم من القتال -كالذي حصل بين علي ومن خالفه في وقعة الجمل، فنكف عن هذا ونعذرهم. فإن علياً ﵁ قاتلهم لجمع الكلمة، وهم ما قصدوا قتال علي؛ فالزبير، وطلحة، وعائشة ومن معهم قصدوا قتال البغاة، أو الذين قتلوا عثمان ﵁، هؤلاء يطالبون بقتلة عثمان، وهو يطالب بجمع الكلمة.
وكوقعة صفين التي كانت بين أهل الشام وأهل العراق، والتي قتل فيها خلقُ كثير، هذه أيضاً فتنة من الفتن التي حدثت بينهم، نكف عنها ونقول: إن كلاً منهم مجتهد. وملخصها أن معاوية ومعه عمرو بن العاص، ومعه من معه من الصحابة في جانب يطالبون بدم عثمان ويقولون لعلي: سلّم لنا قتلة عثمان وعليٌّ في جانب يقول لهم: بايعوني حتى تجتمع الكلمة، وحتى تقوى الشوكة، ومن ثم أنا وأنتم نأخذ قتلة عثمان واحداً واحداً.
стр. 1311
ولكن اختلفوا على ذلك فحصلت هذه الواقعة، وموقفنا الذي نعتقده أن نكل أمرهم إلى الله فلا نسبهم، بل نعذرهم بهذا الاجتهاد، ولا نعيب واحداً منهم، هذا هو القول الصحيح.
والآيات التي وردت في فضلهم -كالآيات التي ساقها المؤلف- تدل على مميزات لهم:
الآية الأولى: قوله تعالى في سورة الحشر: (ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنا) (الحشر:١٠) ، فالغل هو الحقد، فكل من جاء بعد الصحابة يمدحهم، ويقول هذه المقالة فإنه من جملة الذين يغفر لهم -إن شاء الله- ويستجاب فيه دعاؤهم.
أما الآية الثانية: في قوله تعالى: (محمدُ رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) (الفتح:٢٩) ، هذا الوصف ميزة لهم وفضيلة: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) (الفتح:٢٩) .
وقد مدحهم بعض الشعراء بقوله:
في الليل رهبانٌ وعند قتالهم لعدوهم من أشجع الأبطال
ففي الليل رهبان يصلون يتهجدون، وعند لقائهم العدو أبطال وشجعان، فهم فيما بينهم متآخون ومتحابون كما وصفهم الله تعالى بقوله: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) (المائدة:٥٤) . وهذه الآية اشتملت على ستة من فضائلهم الكثيرة.
стр. 1312
أما الحديث؛ فقد قاله النبي ﷺ لما وقعت خصومة بين بعض المتقدمين من الصحابة، وبعض المتأخرين، بين خالد بن الوليد وهو من مسلمة الفتح وبين عبد الرحمن بن عوف وهو من المهاجرين الأولين. فقال النبي ﷺ لخالد بن الوليد ﵁ ومن معه: (لا تسبوا أصحابي -يعني المتقدمين-، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد -وهو الجبل المعروف في المدينة- ذهبا -لم يقل طعاماً- ما بلغ مد أحدهم -سواء مداً من ذهب، أو مداً من طعام- ولا نصيفه) يعني نصيف المد الذي هو ربع الصاع، والمد ملء الكفين المتوسطتين، ونصفه قد يكون ملء الكف الواحدة أو نحوها، فمتى يدرك أحدٌ فضلهم، ومتى يلحقهم غيرهم؟ ﵃.
مسألة: عقيدة السلف في أزواج الرسول ﷺ
قوله:
ومن السنة: الترضي عن أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء، أفضلهن خديجة بنت خويلد، وعائشة الصد يقة بنت الصديق التي برّأها الله في كتابه -زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة فمن قذفها بما برّأها الله منه فقد كفر بالله العظيم.
ومعاوية خال المؤمنين، وكاتب وحي الله، أحد خلفاء المسلمين، ﵃ أجمعين.
شرح:
ذكر أيضاً أن من السنة الترضي عن زوجات النبي ﷺ ، وقد زكاهن الله تعالى وطهرهن، وخيَّرهن، ونزل فيهن ما يدل على فضلهن وعلى سبقهن، وعلى ميزات كثيرة، فمن السنة الترضي عنهن وذكر محاسنهن وفضلهن وميزاتهن.
ومن ذلك أن الله تعالى خيرهن بين الدنيا والآخرة فاخترن الآخرة، وذلك لما نزل قول الله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكنَّ أجراً عظيماً) (الأجزاء:٢٨-٢٩) .
стр. 1313
لو قالت إحداهن: أريد الدنيا وأريد زينتها لسرحها سراحاً جميلاً ولفارقها، ولكن كلهن رضين بالخصلة الثانية، أردن الله ورسوله والدار الآخرة، من أجل ذلك صبرن على العيشة الضيقة حتى كان يأتي عليهن شهرٌ أو شهران لا يوقد في بيوتهن نارٌ، إنما هو الأسودان التمر والماء، صبرن على ذلك لأنهن قلن: نريد الله ورسوله والدار الآخرة ولا نريد زينة الدنيا ولا نريد زهرة الدنيا.
وقال تعالى مميزاً لهن: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن) (الأحزاب:٣٢) ، فهذا فضل لهن (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين) (الأحزاب:٣٠) ، (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحاً نؤتها أجرها مرتين) (الأحزاب:٣١) ، ولا شك أنهن حفظن أنفسهن، وأحسن بالأعمال الصالحة، فصار أجرهن مضاعفاً على غيرهن.
كما أدبهن الله بآداب حسنة منها قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية) (الأحزاب:٣٣) ، (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض) (الأحزاب:٣٢) ، (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) (الأحزاب:٣٤) ، وهذه الآيات من سورة الأحزاب يخاطب الله بها زوجات النبي ﷺ ، ومنها قوله تعالى في أثناء هذه الآيات: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) (الأحزاب:٣٣) . فهذه الجملة من الآية في سياق الكلام على زوجات النبي ﷺ .
فإن قوله تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً* وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) (الأحزاب:٣٢-٣٣) كل هذا خطاب لهن، وقوله تعالى: (وأطعن الله ورسوله) (الأحزاب:٣٣) خطاب لهن، أيضاً. ثم قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) .
стр. 1314
نقرر هذا لأن الرافضة يقولون: هذه الجملة لعلي وذريته، وأما الذي قبله والذي بعده فليس هو لهم، فأخرجوا زوجات النبي ﷺ من هذا الخطاب، ويقولون: لأن الضمير جاء فيها بالمذكر في قوله: (عنكم) ، (ويطهركم) ، ما قال: عنكن، ولا قال: ويطهركن.
والجواب أن نقول: هذه الآية أولى بها زوجاته ﷺ ، ولكن إنما ذكر الضمير في قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم) لأنه أدخل معهن النبي ﷺ فهو صاحب البيت، (عنكم) يعني عنك يا محمد، وعن زوجاتك، وعن أهل بيتك. فأهل البيت هم محمد وزوجاته، وكذلك أيضاً بناته وأولاده، فكلهم من أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) .
فالرافضة يرددون (أهل البيت) ، ويخصون أهل البيت بعلي وذريته، ونحن نقول: صحيح أن علياً وذريته من أهل البيت، ولكن ليس هم وحدهم أهل البيت بل هناك غيرهم، فزوجته من أهل البيت، وزوجات عثمان من أهل البيت، وزوجة أبي العاص بن الربيع من أهل البيت، كلهن بناته ﷺ . فلماذا تختص فاطمة وزوجها بأنهم أهل البيت؟. نعم علي ابن عمه وهو من أهل البيت، وأقرب منه عمه العباس وهو من أهل البيت، وأولاد العباس وأفضلهم عبد الله الذي قال له ﷺ : (اللهم فقهه في الدين) ، كيف لا يكون هؤلاء من أهل البيت؟ وكيف يختص أهل البيت بعلي وبذريته؟!.
نقول: إن هذا تقصير في الفهم فقوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) يدخل فيها النبي ﷺ وزوجاته وبناته وأعمامه وأولاد أعمامه، ومن جملتهم علي وذريته؛ فهم منهم لا أنهم وحدهم أهل البيت.
стр. 1315
وزوجات النبي ﷺ كلهن لهن فضل، ولكن أفضلهن خديجة وعائشة. واختلف العلماء: أيتهما أفضل؟ فالرافضة يفضلون خديجة لأنها أم فاطمة، ويغالون بمدحها. ولكن أهل السنة يقولون: إن خديجة وعائشة متساويتان في الفضل، فخديجة لها ميزة وهي أنها هي السابقة، وهي التي أيدت النبي ﷺ ، وأول من آمن من النساء، وكانت تشجعه على الدعوة، وكانت تهدّئه وتسكن روعة، وتَعده بالخير، وآسته بنفسها ومالها، ورزق منها أولاداً ولم يتزوج عليها في حياتها، ففضلت بهذه المميزات.
وعائشة أيضاً لها ميزات كثيرة، فلو لم يكن من ميزاتها إلا أن الله تعالى أنزل عذرها في القرآن، وطهرها مما رماها به أهل الإفك في قوله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبةٌ منكم) (النور:١١) ، ثماني عشرة آية نزلت في عائشة برأتها مما قيل فيها.
أما فضائلها الأخرى فلا تحصى فقد كان النبي صلى الله يحبها، جاء إليه عمرو بن العاص فقال: (أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) ، وقال ﷺ : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وحملت عنه علماً جماً، فهي أكثر نسائه حديثاً.
وكان يخبر بأن الوحي لا ينزل عليه في حجر امرأة إلا في حجرها، وكان يحب وهو في مرض موته أن يمرض في بيتها، ولما رأى زوجاته أنه سأل: (أين أنا؟) قلن له: لك أن تسكن حيث شئت. واستقر في بيت عائشة، وتوفي وهو في حجرها. تقول: (مات بين حاقنتي وذاقنتي) والحاقنة: الترقوة، يعني أنها كانت مسندة له، ودفن في بيتها، وتميزت بأنها بنت الصديق الذي هو أول من آمن من الرجال، والذي استخلفه النبي ﷺ في الصلاة. فلها هذه الميزات، ومع ما لها من فضائل فإن الرافضة يسبونها سباً شنيعاً!!
стр. 1316
ثم ذكر فضل معاوية وسبب ذلك أن الرافضة والزيدية يطعنون فيه. وقد أثنى العلماء عليه وذكروا له منزلة رفيعة، فمنها أنه لما أسلم اتخذه النبي ﷺ كاتباً للوحي بطلب من أبيه، فكان يكتب للنبي ﷺ وائتمنه على ذلك حتى توفي وهو كاتب له، لم ينتقد عليه شيئاً، فهذه من ميزاته أنه من كتّاب الوحي.
وهو خال المؤمنين لأنه أخ لإحدى أمهات المؤمنين وهي أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهي التي تزوجها النبي ﷺ بعد أن مات زوجها في الحبشة، وكانت من المسلمات الأوائل، وكانت من المهاجرات إلى الحبشة، أسلمت وأبوها مع ذلك قائد من قوات المشركين. ثم إن الله تعالى هدى أبا سفيان فأسلم وصار يقاتل في سبيل الله، وقال للنبي ﷺ : اجعلني أميراً أقاتل المشركين كما كنت أقاتل المسلمين. فالتزم بذلك وبدأ يقاتل المشركين في الشام، وفقئت عينه وهو يقاتل في سبيل الله، ثم فقئت عينه الأخرى وهو في سبيل الله فحاز بذلك هذه الفضيلة.
ومعاوية أيضاً كان في عهد النبي ﷺ كاتباً له، وبعد ذلك كان أميراً على جيش من الجيوش في الشام في عهد عمر هو وأخوه يزيد بن أبي سفيان، وبعد أن مات أخوه يزيد ولاه عمر قيادة الجيوش بالشام، وأحبه أهل الشام لما رأوا له سيرة حسنة. فلما جاءهم خبر قتل عثمان استاؤوا وكثيراً، وحزنوا على عثمان حزناً شديداً وأخذوا على أنفسهم أن يبذلوا في نصره وفي قتال من قتله المهج والأرواح، فأوفوا بذلك كما هو معروف، وأطاعوا معاوية طاعة تامة حتى نصروه إلى أن أصبح خليفة وأميراً للمؤمنين كما هو الواقع.
مسألة حق ولاة الأمر على رعاياهم
قوله:
ومن السنة: السَّمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحد في معصية الله.
стр. 1317
ومن وَلِيَ الخلافة واجتمع عليه الناس ورضُوا به، أو غلبهم بسيفه حتى صار الخليفة وسُمِّي أمير المؤمنين -وجبت طاعته، وحَرُمت مخالفته والخروج عليه وشق عصا المسلمين.
شرح:
هذا الكلام يتعلق بطاعة ولاة الأمر؛ وهم الأمراء والخلفاء وقادة المسلمين الذين بولايتهم تأمن البلاد ويسود فيها الأمن، وينتصف المظلوم من الظالم، ويؤخذ على يد الظالم، بخلاف ما إذا كان الأمر فوضى.
لا يَصلحُ فوضى لا سراة لهم ولا صلاح إِذا جُهالُهم سَادُوا
تهدى الأمورُ بأهل الرأي إِن صلحت وإن فسدت فبالأشرارِ تَنقادُ
معلوم أن في الفوضى يستبد كل برأيه وينفذ ما يقول، فإن من طبع الناس محبة العتو والعدوان والسلب والنهب والأخذ بغير حق، فيكثر القتل ويكثر النهب ولا يحصل الأمن، وهذا بسبب الفوضى وعدم الولاية.
فمن أجل ذلك لم يكن بدٌ من ولاية قوية، معها من السلطة ما تقوى به على قهر الظلم وعلى قهر الاعتداء، فيحصل بهذه الولاية إقامة الحدود، وردع الظالم، وتنفيذ الأوامر، وزجر العصاة، وتنفيذ الجيوش، وضبط الحدود التي هي أطراف البلاد، وملازمة الثغور، والمرابطة عليها وحفظها عن العدو ونحو ذلك، لا يكون هذا كله إلا بتدبير ولاة الأمر.
ولما كان الأمر كذلك؛ وجب السمع والطاعة لولاة الأمور، وجاءت الأدلة الكثيرة في الأمر بالسمع والطاعة، فمر بنا في حديث العرباض أن النبي ﷺ قال: "أوصيكم بالسمع والطاعة وإِن تأمر عليكم عبد حبشي يقودكم بكتاب الله" يعني أنه أسود من أصل الخلقة، والمراد لا تحتقروه لسواده ما دام أنه يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا ولو كان عبداً.
стр. 1318
ومعروف أيضاً أن العبد مشغول بطاعة سيده الذي يملكه، ولكن قد يكون في بعض الإحيان أن بعض الملوك يولي بعض المماليك على بعض الولايات، ويفوض إليه الأوامر فيكتب إلى تلك الجهة أن يسمعوا له ويطيعوا، ولو كان عبداً مملوكاً ولو كان حقيراً حبشياً أسود.
فالجواب أن نسمع ونطيع لكل وال لكن بشرط؛ وهو أن تكون الطاعة في المعروف فإذا كان كذلك فإنا نسمع له ونطيع، وقد ورد في حديث حذيفة بن اليمان أنه قال ﷺ : "تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فاسمع وأطع"؛ وذلك لأن في السمع والطاعة تمشية لأمور المسلمين، وتسوية للخلاف فيما بينهم، وجمعاً للكلمة وبعداً عن التضاد والفوضى ونحو ذلك، وفي الخروج عليهم، وفي قتلهم أو قتالهم وعدم الطاعة لهم تحصل المفاسد الكثيرة.
وفي حديث عبد الله بن حذافة لما أمَّره النبي ﷺ على سرية وأمَرهم بأن يطيعوه، وفي أثناء الطريق غضب فأمرهم أن يوقدوا ناراً، وأمرهم أن يدخلوها -من شدة غضبه، فقالوا: ما هربنا إلى النبي ﷺ إلا هرباً من النار فكيف ندخلها؟! فلم يزل بعضهم يحجز بعضاً حتى خمدت النار وسكن غضبه، فلما أخبر النبي ﷺ فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها. إنما الطاعة في المعروف". يعني أن الذي يطاع فيه هو الذي يكون من المعروف، وأما مثل هذا فإنه منكر.
ولذلك ورد في حديث آخر "فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" إذا أمر أحد الولاة بما هو معصية كقتل بريء مثلاً أو سلب بريء أو اختطاف أو سرقة أو أخذ شيء ونحوه مما يكون الوالي مخطئاً فيه، فلا تجوز طاعته في ذلك. كما أنه لا تجوز أيضاً طاعته إذا أمر بترك الطاعة، كما لو أمر بهدم المساجد أو بناء المشاهد أو إباحة فعل الفواحش والمنكرات وما أشبهها، فلا يجوز أن يطاع في ذلك لأن هذا يصادم الأوامر الشرعية، هذا معنى كونه إنما يطاع في المعروف.
стр. 1319
فإذا كان هذا الوالي والياً على المسلمين، وهو مستقيم السيرة والسريرة فيما يظهر، وهو يقصد الحق، فإننا نسمع له ونطيع، ولا يجوز أن نفارقه أو نخرج عليه لما في الخروج عليه من المفاسد.
وإنّ ما حصل في القرون الأولى من المفاسد إنما كان بسبب الذين خرجوا على الأئمة، ففي القرن الأول الذي هو أفضل القرون لما أمّر بنو أمية بعض الأمراء الذين في ولايتهم شيء من الظلم والشدة -ثار عليهم كثير من الأمراء والقواد- كما في فتنة ابن الأشعث، وفتنة ابن المهلب، وفتنة الباهلي ونحوهم، وحصل فيها قتل وقتال وتشريد وظلم وأضرار أضرت بالمسلمين، فالواجب أن نصبر على ما نراه من الضرر ونتحمل ذلك حتى لا تكون فتنة، وحتى ندفع الشر بما هو أسهل منه فيأمن الناس ويحصل لهم الخير والطمأنينة.
مسألة: المبتدعة وموقف أهل السنة والجماعة منهم
وقوله:
ومن السنة: هجران أهل البدع، ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة والإصغاء إلى كلامهم. وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة والكرامية، والكلابية ونظائرهم، فهذه فرق الضلال وطوائف البدع، أعاذنا الله منها.
شرح:
شرع الموفق ﵀ في هذه الفقرة يتحدث عن البدع، وهي تارة تكون في العقائد وتارة تكون في الأعمال، ولا شك أن البدع التي في العقائد أشد خطراً من البدع التي في الأعمال، وذلك لأن البدع التي في الأعمال قد يقال: إنها محرمة ولكنها ليست مُكفِّرة؛ لأنها مجال للاجتهاد. ومع ذلك فإنها منكرة لعموم قول النبي ﷺ : (وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) ، ولعموم قوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .
стр. 1320
ونحن مأمورون باجتناب البدع كلها وبالابتعاد عنها ولو كانت حقيرة، فإنها منكر. وكان السلف ﵏ ينكرون على من أحدث ما لم يسبق إليه، ولو كان يسيراً من الأمور المعتادة، أنكروا على مروان لما قدم الخطبة على الصلاة في صلاة العيد، فإن صلاة العيد تقدم على خطبتيه بخلاف الجمعة، فعدوا هذه بدعة وأنكروها ولكنها بدعة عملية ليست بدعة اعتقادية.
كذلك أنكر العلماء بدعة إحياء المولد؛ وهي إحياء ليلة الثاني عشر من ربيع الأول وقالوا: إنها بدعة مع أنها بدعة عملية، وإن كان للاعتقاد فيها مجالٌ ولكنها تلحق بالأعمال لا بالعقائد، وسبب ذلك أنها محدثة لم يكن لها أصل في الشرع.
وكذلك إحياء أول ليلة جمعة من رجب بصلاة -تسمى صلاة الرغائب- لا أصل لها مع أنها صلاة، والذين يفعلونها يقولون: أتنكرون علينا الصلاة وطول القيام وقراءة القرآن وقراءة الأحاديث واستماع الأدعية؟ فنقول لهم: لا ننكر ذلك، ولكن ننكر عليكم تخصيص هذه الليلة دون غيرها، فإن هذا لم يرد به الشرع، فتعبدوا في السنة كلها ولا تخصوا ليلة من الليالي بعبادة ليست مشروعة فيها ولا محددة.
وهكذا البدع كثيرة، وقد استوفاها العلماء في مؤلفاتهم كالشاطبي ﵀ في (الاعتصام) ، وكأبي شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث، وقبلهما ابن وضاح في نبذة مطبوعة اسمها (البدع والنهي عنها) وغيرهم كثير، والكلام على هذه البدع العملية أهون من الكلام على البدع العقدية.
стр. 1321
إذ لا شك أن البدع الاعتقادية أشد نكارة وما ذاك إلا أنها تعتمد القدح في الشرع؛ إما قدحاً في كماله، وإما قدحاً في صلاحيته، وإما اطراحاً لبعض تعاليمه. فلأجل ذلك يحذر العلماء من هؤلاء المبتدعة، وينكرون عليهم ويحذرون من قراءة كتبهم، ومن مجالستهم، ومن الانخداع بشبهاتهم، ومن قراءة نشراتهم التي ينشرون فيها ضلالاتهم وبدعهم -حتى لا يقع في شيء من شبهاتهم فيصعب بعد ذلك التخلص مما علق بالقلوب.
وكان السلف ﵏ يعرضون عن هؤلاء المبتدعة ويقولون: السكوت عنهم إذلال وإهانة لهم. فإن العالم يحتقر المبتدع ويسكت عنه، ويتركه يهذر ولا يتلفت إليه ولا يستمع له، ولو كان العامة يستجيبون لعلماء أهل السنة إذا حذروهم وقالوا: هذا مبتدع فاحذروه ولا تجالسوه؛ لبقي معزولاً لا أحد يجالسه ولا أحد يستمع منه ولا يناظره.
فالعلماء يقولون: نصون علمنا عن أن نجادله أو أن نناظره أو أن نناقشه أو أن نتكلم معه، كما ننصح ونحذّر إخواننا عن أن يجالسوه، حتى يبقى المبتدع معزولاً، وهكذا كان الناس طوال القرون المفضلة؛ كانوا كلما وُجد مبتدع وحاول أن يضل الناس، حذر العلماء منه، وابتعد عنه الناس وتركوه، وتمسكوا بما كان عليه سلف الأمة وجهابذتها.
ولكن مع طول الزمان ومع غربته تمكن هؤلاء المبتدعة، وصار لهم كلمة وأتباع، وقوة ونفوذ، ومقلدون ومذاهب متبعة معترف بها -في زعمهم- لها مكانتها ولها قوتها، فحصل بذلك انخداع الكثير من الجهلة والعوام حتى راجت مؤلفاتهم، فعند ذلك لم ير العلماء بداً من مناقشتهم؛ إما مناقشة علنية حتى ينقطعوا، وإما مناقشة كتابية.
ومثال ذلك مخاصمة محمد بن عبد الرحمن الأدرمي يرحمه الله لذلك المبتدع وهو ابن أبي دؤاد، فقد ناقشه وقطع حجته بكلمات مختصرة، وإن كان المؤلف أوجزها، وقد توسع فيها العلماء الذين يروون بالأسانيد كالآجري في الشريعة ونحوه.
стр. 1322
كذلك أيضاً؛ لما اشتهر بشر المريسي بقوله: إن القرآن مخلوق -رأى بعض العلماء أن يخاصموه كما في رسالة (الحيدة) لعبد العزيز الكناني، الذي أعلن مخاصمته له؛ وذلك لأنه أراد أن يظهر نفسه حتى يجتمع مع ذلك المبتدع، فجمعهما الخليفة، وتخاصما بقوة وبجدل، وكان الظهور للكناني ﵀، وانقطع بشر ولم يكن معه جواب كاف لإقناع هذا العالم، ثم كتب الكناني تلك المناظرة التي حدثت بينه وبين بشر في هذه الرسالة التي اسمها (الحيدة) وهي رسالة مطبوعة الآن.
ثم تتلمذ على المريسي رجل حنفي ولكنه مبتدع، وهو محمد ابن شجاع الثلجي، ولكنه يخفي ابتداعه، كتب رسالة في عقيدة (بشر) ولم يذكر اسمه، ولكنه معروف، تولى الرد عليها ومناقشتها عالم جليل من علماء أهل السنة وهو عثمان بن سعيد الدارمي في رده المشهور المطبوع باسم (رد الإمام الدارمي عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد) .
ومع الأسف فقد كتب زاهد الكوثري رسالة في ترجمة الثلجي، وأثنى عليه وبالغ في الثناء عليه لأنه حنفي، ولم يتعرض لشيء من القدح فيه مع أنه معتزلي جهمي!
فهؤلاء العلماء رأوا أن المجادلة أفضل، لكن هناك من يرى تركها أصلاً، فقد ذكر ابن بطة في كتابه (الإبانة الكبرى) آثاراً كثيرة في النهي عن مجادلة ومخاصمة المبتدعة، والتحذير من مجالستهم ومخاصمتهم ومناظرتهم، وأن في ذلك السلامة، وأن في تركهم والبعد عنهم إهانتهم، وإماتة أقوالهم، ولكن رأى الكثير من العلماء أنه لابد من مناقشتهم حتى يظهر الحق ويستبين.
ووقع لشيخ الإسلام ابن تيمية مناظرات مع الأشاعرة -في زمانه-ومع الصوفية في مصر، ومع كثير من المبتدعة كالبطائحية، لأنه رأى أن ذلك من الضروري حتى يقطع شبههم، لأنهم يشبهون على الناس.
стр. 1323
ويمكن مراجعة مناظرة العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية المطبوعة في المجلد الثالث من مجموع الفتاوى بعد ذكر العقيدة. وكذلك مناظراته لما قدم إلى مصر وجادله من جداله في أمور العقيدة، ومناظراته أيضاً في الشام بينه وبين الصوفية الذين يدعون أنهم يدخلون النار ولا تضرهم، فقطعهم وخاصمهم في ذلك وكذّبهم، وهذه المناظرات كلها وقعت وجهاً لوجه.
ولكن هناك ردود احتوتها مؤلفاته، ناقش فيها المبتدعة، مثل كتابه (منهاج السنة) رداً على الرافضة وفيه قمع لهم ودحض لشبهاتهم وإبطال لترهاتهم وأكاذيبهم، يقرأه القارئ فيرى الحق واضحاً جلياً. وكتابه (درء تعارض النقل والعقل) ، أو (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) رداًَ على كثير من الأشاعرة في شبهاتهم، وله كتب كثيرة (كالرد على الاخنائي) ، و (الجواب الباهر في الرد على عباد المقابر) ، و (الصارم المسلول على شاتم الرسول) ، وغيرها.
فالحاصل أن أهل البدع العقدية خطرهم شديد، والإنسان عليه أن يعرف بدعهم ويحذرها، ويعرف أن ما عداها هو السنة والصواب فيتمسك به ويعض عليه بالنواجذ حتى يسلم من هذه الأخطار.
ثم مثّل الموفق ﵀ لهؤلاء المبتدعة، وذكر منهم مشاهيرهم وبدأ بالرافضة الذين يسمون أنفسهم (شيعة) وسبب تسميتهم (رافضة) أنهم في حدود سنة ثمان وعشرين ومائة خرج زيد بن علي بن الحسين ودعا إلى مبايعته، فجاء إليه الرافضة في العراق وقالوا: نبايعك على أن تتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر، فقال: هما صاحبا جدي. فقالوا: إذاً نرفضك. فسموا بالرافضة.
стр. 1324
ومعروف أن مذهبهم مبني على الغلو في أهل البيت الذين هم -عندهم- علي وذريته وزوجته فقط وأم زوجته التي هي خديجة، وبالغ بعضهم إلى أن ادعى الولاية لأبيه الذي هو أبو طالب. وقد كتب بعض علماء الرافضة كتاباً نشر قبل أربعين سنة سماه (أبو طالب مؤمن قريش) فتجرأ إلى هذا الحد وأدعى بأنه مؤمن وأنه تقي وأنه مسلم؛ لأجل أنه أبو علي وقد نوقش هذا الكتاب ووجد أنه ليس له مرجع فيما قال، وأن مرجعه الوحيد من كتب الرافضة التي لا أساس ولا صحة لها، فهذا معتقدهم.
ومن بدعهم أنهم لما غلوا في علي كان من لوازم ذلك أن يطعنوا في الخلفاء قبله الذين يدعون أنهم قهروه وقسروه وألزموه بأن يبايع لهم وأن يتنازل عن الخلافة وأنه لا حق له فيها، فادعوا أن أبا بكر وعمر وعثمان ظلموه. فتبرأوا منهم وتبرأوا ممن بايعهم من الصحابة ولم يوالوا من الصحابة إلا عدداً يسيراً، أما بقية الصحابة عندهم فإنهم كفار، لأجل ذلك لا يقبلون أحاديثهم ولو كانت في الصحيحين، هذا مذهب الرافضة.
ثم زادوا على ذلك أنهم طعنوا في القرآن، وادعوا أن الصحابة الذين كتبوه خانوا فيه، وأنهم حذفوا منه ما يتعلق بالولاية وما يتعلق بأهل البيت، وادعوا أن هناك سورة تسمى سورة (الولاية) وهي مصورة في كتاب (الخطوط العريضة) لمحب الين الخطيب ﵀، وادعوا أن الصحابة حذفوها، وحذفوا أيضاً أشياء كثيرة من القرآن، حتى ذكروا أنهم حذفوا آية من سورة (ألم نشرح) وقالوا: إنها نزلت (ألم نشرح لك صدرك وجعلنا علياً صهرك) !!!!
والحاصل أنهم يطعنون في الخلفاء، وأكثر الصحابة، ويسبونهم ويردّون أحاديثهم ويطعنون في القرآن، ويغلون في حق علي غلواً زائداً حتى عبدوه من دون الله، فجمعوا بين الشرك بعبادة أهل البيت وتعظيمهم التعظيم الزائد، والطعن في القرآن، والطعن في السنة أو ردّها، والطعن في الصحابة وتكفيرهم.
стр. 1325
أما بقية الطوائف؛ فهم طوائف مختلفة في المعتقد، نذكر تعريفهم باختصار على ترتيب وجودهم.
فأول من وجد: (الخوارج) الذي خرجوا على علي، وكان من عقيدتهم التكفير بالذنب، فيجعلون الذنب كفراً والعفو ذنباً، ولذلك يستحلون دماء المسلمين، ويقولون: من فعل الكبيرة حل دمه وماله وسبي نسائه وأولاده ونحو ذلك، وقد قاتلهم علي ﵁، واستمروا موجودين في مدة خلافة بني أمية وهم يقاتلون يقوون تارة ويضعفون تارة إلى أن تفرقوا. ولكن بعد ذلك هدأت حدتهم فلم يقاتلوا، ودخلت فيهم أيضاً بدع أخرى، ويوجد منهم الآن في البلاد الأفريقية الألوف ولكنهم متسترون، ويوجد منهم أيضاً الطائفة الإباضية التي في عمان، ولكنها في الحقيقة معتزلة ولا يطبقون مذهبهم تماماً.
وبعدهم خرجت (القدرية) الذين ينكرون من القدر العلم السابق، وأول من خرج منهم معبد الجهني، ثم غيلان القدري، ينكرون علم الله بالأشياء قبل وجودها يقولون: لا يعلم الأشياء حتى تحدث. وهؤلاء الذين قال فيهم الشافعي: ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خُصموا وإن جحدوه كفروا.
ثم حدثت فيهم بدعة أشد من هذه وهي إنكار قدرة الله على الهداية والإضلال، وأن الله ليس على كل شيء قدير، وأنه لا يهدي ولا يضل من يشاء، وهؤلاء هم القدرية الذين أنكروا القدرة. وقال فيهم الإمام أحمد: القدر قدرة الله -يعني من اعترف بأن الله على كل شيء قدير فقد خصم القدرية، خاصموهم بهذه الكلمة قولوا لهم: أليس الله على كل شيء قدير؟ إذاً فكيف يخرج عن قدرته كونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك.
стр. 1326
ثم خرج بعدهم (المعتزلة) في آخر حياة الحسن البصري، وأولهم واصل بن عطاء الذي ادعى أن العاصي ليس بكافر ولا مسلم بل في منزلة بينهما، واعتزل مجلس الحسن وصار يقرر مذهبه بزاوية من المسجد، وصار الحسن إذا جاءه من يستشيره، أو رأى من أحد بدعة أشار إليه وقال: عند أولئك المعتزلة، اعتزلنا واصل، فمن ثم سُمّوا بالمعتزلة.
وانتشر مذهبهم إلى الآن، وطبعت لهم مؤلفات، وممن اعتنق مذهبهم القاضي عبد الجبار صاحب الكتاب المشهور: (المغني) الذي هو من أشهر كتبهم، مطبوع في نحو أربعة عشر مجلداً، وله مؤلفات أخرى في تقرير مذهبهم.
وقد ذكرنا أن مذهبهم يدور على خمسة أشياء:
- التوحيد: الذي هو نفي الصفات.
- والعدل: الذي هو نفي قدرة الله لأفعال العباد.
- والمنزلة بين المنزلتين: التي هي أن العاصي ليس بمؤمن ولا كافر.
- وإنفاذ الوعيد: الذي هو تخليد العصاة في النار.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: الذي هو الخروج على الأئمة. هذا مذهبهم الباطل.
وممن اعتنق مذهبهم من مشاهير اللغويين (الزمخشري) صاحب التفسير المشهور بالكشاف، فإنه معتزلي مبالغ في الاعتزال، ضمّن تفسيره عقيدة الاعتزال.
ثم خرجت بعدهم (الجهمية) : ولكن مذهبهم تفرق في عدة فرق، فمن مذهبهم تعطيل الله تعالى عن صفات الكمال، فإنهم نفوا الصفات كلها، بل بالغوا في النفي حتى جعلوها كلها مجازاً، وهم الذين يحذر السلف ﵏ -كثيرا- من الانخداع بهم.
ثم إن الجهم الذي تنسب إليه هذه الطائفة اجتمعت فيه ثلاث بدع عقدية هي:
- التعطيل: وهو نفي الصفات.
- والإرجاء، فهو رأس المرجئة، وهو أولهم إذ يقول: لا يضر مع الإيمان ذنب. إذا كنت مؤمناً فاعمل ما شئت من الذنوب. ويقول قائلهم:
فكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم
стр. 1327
فعندهم أن المعاصي لا تضر التوحيد، ومن كان مذنباً -ولو كثرت ذنوبه- فإنه لا يخرج عن كونه مؤمناً كامل الإيمان.
- والجبر وهو نوع من البدع في القدر؛ وهو ادعاؤه أن الإنسان مجبور على الذنوب وعلى المعاصي وعلى الكفر، وليس له اختيار أبداً وهم الذين يقول قائلهم:
دعاني وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل، بينوا لي حجتي
فهؤلاء رؤوس المبتدعة والفرق: الجهمية المعطلة، والمرجئة، والقدرية، والجبرية، والمعتزلة الذين جمعوا هذه المذاهب ونحوهم.
أما (الكرامية) فهم اتباع محمد بن كرام عالم مشهور إلا أنه مبالغ في الإثبات حتى اتهم بنوع من التمثيل، ولكنه أقرب إلى الحق وأقرب إلى الصواب، وإنما انتقدوه لمبالغته في إثبات الصفات حتى وقع في نوع من التشبيه، ومن مذهبهم أن الإيمان مجرد المعرفة.
أما (الكُلابية) فهم أتباع عبد الله بن سعيد بن كُلاب، وهم الذين يقرون بسبع صفات فقط وهي: السمع والبصر والكلام والحياة والقدرة والإرادة والعلم وينكرون ما عداها، وهو الذي سلك طريقته أبو الحسن الأشعري في وسط عمره، وإلى أبي الحسن هذا ينتسب المذهب المنتشر؛ مذهب الأشاعرة، فالأشاعرة على مذهب ابن كلاب.
وأما فرقة (السالمة) فهي تتبع ابن سالم، ومذهبهم قريب من مذهب الكرّامية أو أشد؛ فهم يقولون بالتشبيه، وأن الله له يدٌ كأيدينا ونحو ذلك.
стр. 1328
وبقيت فرقة موجودة بكثرة وهم (الصوفية) ، فالصوفية لا شك أنهم كانوا في أول الأمر زهاداً يلبسون الصوف، ولكن حدثت فيهم بدعٌ وأشدها بدعة القول (بوحدة الوجود) وهو أن وجود الخالق عين وجود المخلوق، فهذه البدعة هي التي ضلوا بها عن الطريق، وهي بدعة يعتنقها كثير منهم. وعندهم بدع أخرى ولكنها خفيفة بالنسبة إلى هذه، كبدعة الغناء والسماع والرقص والتمايل والنشيد الموحَّد مثلاً، والذكر المقطوع كذكرهم بكلمة (هو، هو) ، وما أشبه ذلك وهم موجودون بكثرة والردود عليهم متوفرة. وبكل حال هؤلاء هم رؤوس المبتدعة، ينبغي للمسلم أن يجتنبهم حتى يسلم في دينه وعرضه.
مسألة: الكلام على الاختلاف في الفروع
وقوله:
وأما النسبة إلى إمام في فروع الدين؛ كالطوائف الأربع فليس بمذموم، فإن الاختلاف في الفروع رحمة، والمختلفون فيه محمودون في اختلافهم مثابون في اجتهادهم، واختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.
نسأل الله أن يعصمنا من البدع والفتنة، ويحيينا على الإسلام والسنة، ويجعلنا ممن يتبع الرسول ﷺ في الحياة، ويحشرنا في زمرته بعد الممات، برحمته وفضله - آمين.
وهذا آخر المعتقد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً..
شرح:
стр. 1329
هذا آخر العقيدة، ختمها بهذه الجملة، وهي حكم الانتساب إلى المذاهب الأربعة الفرعية. وقد ذكرت قريباً أن هذا يعتبر من الفروع لا من الأصول، أو يلحق بأصول الفقه، ولكن هناك من يجعله من أصول العقائد، ويتشدد في النهي عن الانتساب إلى المذهب. فهناك فرق في الهند وفي الباكستان يسمون أنفسهم (أهل الحديث) يشددون على المنتسبين إلى المذاهب، ولكن لا نلومهم؛ لأن هناك من يتعصب عندهم للمذاهب تعصباً زائداً، فآل بهم الأمر إلى أن جعلوا الانتساب إلى المذهب كالانتساب إلى المعتقد. فقالوا: لا يجوز أن تكون جهمياً ولا أن تكون أشعرياً، ولا أن تكون كرّامياً، ولا كٌلابياً، ولا سالمياً، ولا واصلياً، ولا نظامياً، ولا جاحظياً، وما أشبه ذلك، ولا يجوز أن تكون شافعياً، ولا حنبلياً، ولا مالكياً، ولاحنفياً، ولا ثورياً، ولا ليثياً..
وجعلوا الانتساب إلى المذاهب كالانتساب إلى المعتقدات، وهذا خطأ وما ذاك إلا أن أهل المذاهب أولاً كلهم من علماء السنة، وكلهم من أهل الحديث، فتح الله تعالى عليهم ورزقهم فقهاً وفهماً، فجمعوا بين الحفظ والفهم، فأدى بهم اجتهادهم إلى أقوال دونوها في مؤلفاتهم.
فأولهم (أبو حنيفة) ﵀، كان ذكياً، عنده قوة إدراك، وعنده قوة فهم، فكان يفتي بهذه الفتاوى ويعللها، ويسر الله له تلميذين وهما أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، سجلا فتاواه وأقواله في مؤلفات كثيرة، فانتشر مذهبه، وبسبب كتب هذين العالمين تمكن وصار له مذهب متبع، وهو لم يكتب هذه الفتاوى بنفسه، إنما تارة يمليها على التلاميذ، وتارة يكتبونها هم؛ إذا استفادوا منه فائدة كتبوها ثم جمعوها في مؤلف، ثم انتشر هذا المذهب واعتنقه من اعتنقه.
стр. 1330
ثم جاء بعده (الإمام مالك) ، وألف كتابه (الموطأ) واختار فيه ما اختار، ولما انتشر اعتنقه من اعتنقه، ورأى كثير من العلماء أنه عالم المدينة، وأنه محدث جليل كبير، حتى إن المنصور العباسي في زمانه قال: نريد أن نحمل الناس على العمل بالموطأ كما أن عثمان حملهم على المصحف. فامتنع مالك ﵀، وقال: إن الصحابة تفرقوا، وإن عندهم من العلوم ما فاتنا، وليس كل العلم قد حويته، أجل ولا العشر ولو أحصيته. ثم تتلمذ عليه أيضاً تلميذ جمع من فتاواه شيئاً كثيراً في الكتاب الذي اسمه (المدونة) المطبوع في خمسة مجلدات كبار، انتشر مذهبه بسببها في أكثر البلاد المغربية والأفريقية بسب أنهم ذهبوا بكتبه هناك.
ثم جاء بعده (الشافعي) ﵀، وألف كتاب (الأم) ، و (الرسالة) والرسائل الكثيرة المطبوعة معهما، وهو الذي أملاها أو كتبها، واختصرها بعض تلامذته، فكان ذلك سبباً أيضاً في أن تتلمذ عليه تلامذة كثيرون في الشام وفي مصر، وفي العراق، وفي الحجاز، وفي اليمن وفي كثير من البلاد، وكثر اتباعه الذين على مذهبه بسبب اعتمادهم على هذه المؤلفات.
ثم جاء بعده -أو في زمنه- الإمام (أحمد بن حنبل) ، وكان ﵀ لا يحب أن تكتب فتاواه، فلم يكتب في الفقه وإنما كتاباته فيما يتعلق بالحديث أو فيما يتعلق بالعقيدة، ولكن تتلمذ عليه تلامذة محبون له فكانوا يكتبون فتاواه، هذا يكتب مجلداً، وهذا يكتب ورقتين، وهذا يكتب عشرين ورقة، وهذا كتب وهذا كتب، وحتى ذكروا أنه جمع من فتاواه أكثر من ثلاثين مجلداً، ثم جمعها أحد تلاميذهم وهو أبو بكر الخلال صاحب كتاب (السنة) في عشرين مجلداً أخذها من تلامذته.
стр. 1331
وجاء أيضاً بعده تلميذ له وهو محمد بن حامد وجمعه أيضاً في مجموع آخر، وكاد مذهب الإمام أحمد أن يضمحل ولا يكون له أتباع إلى أن جاء عهد القاضي أبي يعلى، فاعتنق هذا المذهب، ولما تولى القضاء أظهر هذا المذهب ودعا إليه، وألف فيه المؤلفات، وانتشر المذهب وصار له أتباع من ذلك اليوم وحتى يومنا هذا.
هذه هي المذاهب الأربعة، ولكن هل كان بعضُهم يضلل بعضاً؟، حاشى وكلا، كلهم متآخون ومتحابون ومجتمعون على الحق.
سئل الإمام الشافعي فقيل له: هل نصلي خلف من يقلّد مالكاً؟ فارتعد وقال: ألست أصلي خلف مالك! فمالك شيخ الشافعي الذي أفاده فوائد كثيرة جمة، فأنكر على هذا الذي قال إننا نتورع أن نصلي خلف المالكية لأنهم يخالفوننا في أشياء، والخلافات التي بينهم في الصلاة مثلاً في الجهر بالبسملة أو التلفظ بالنية، أو في بعض الأشياء اليسيرة القليلة، وكذلك بينه وبين الحنفية خلافات لا تبطل بها الصلاة.
مع ذلك كله فإن هؤلاء الأئمة ليسوا هم العلماء كلهم، بل في زمانهم من هو أهلٌ للاتباع وأهلٌ للعلم؛ فالإمام الليث بن سعد عالم مصر كان أيضاً عالماً جليلاً كبيراً، وله أيضاً أتباع، وإن لم يكن له مؤلفات ولا مذهب متبع. وكذلك الإمام الأوزاعي أبو عبد الرحمن عالم الشام في زمانه، وله أيضاً أتباع، وله تلاميذ كثيرون.
ولكن المجمع واحد، فكلهم يتبع الآخر إذا ظهر له الحق مع أحدهم، فإنهم يتبرؤن من الخطأ ويقولون لتلامذتهم: إذا اتضح لكم الخطأ في قولنا فلا تتبعوه، اتبعوا الحق وخذوا به.
ذكروا أن الإمام أبا حنيفة يقول: إذا جاء الحديث عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين، فنحن رجال وهم رجال؛ وذلك لأنه من التابعين.
стр. 1332
واشتهر عن مالك ﵀ أنه يقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر. يعترف على نفسه بأن أقواله عرضة للخطأ وعرضة للترك، وإذا اتضح فيها خطأ فلتُترك.
وجاء رجل إلى الشافعي ﵀، وسأله عن مسألة فقال: هذه المسألة أفتى فيها رسول الله ﷺ بكذا وكذا. فقال السائل: فما تقول أنت يا أبا عبد الله؛ فغضب الشافعي غضباً شديداً وقال: ويحك أتراني في بيعة؟ أتراني في صومعة؟ أتراني على وسطي زنار؟ أقول لك أفتى فيها رسول الله صلى عليه وسلم وتقول ماذا تقول أنت، أترى أني أخالف فتوى رسول الله ﷺ ! هكذا غيرتهم وحماستهم على السنة النبوية.
كذلك الإمام أحمد ﵀ اشتهرت مقالته التي يقول فيها: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأى سفيان، والله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (النور:٦٣) أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
هذه مقالتهم التي يحثون فيها على الرجوع إلى السنة، ومع ذلك وللأسف؛ فإن كثيراً من أتباعهم المقلدة صاروا يرون الحق والصواب معهم فقط، ويتعصبون للمذاهب هذا التعصب الذي سبّب الفرقة.
فقد نتج عن التعصب لمذهب هذا على هذا؛ أنه حصل بينهم منافسات ومجادلات سواءً في الكتب أو في الأعمال أو نحوها، حتى ذكروا أن المسجد الأموي الذي في دمشق كانت تقام الصلاة فيه أربع مرات يصلي الإمام الحنفي بمن معه، ثم يصلي الشافعي، ثم المالكي، ثم الحنبلي، وهذه تفرقه بين المسلمين.
стр. 1333
وهكذا أيضاً قبل مائة وخمسين سنة في الحرم المكي، كان فيه أربع مقامات، فالمقام الحنفي في الجانب الشمالي يصلى فيه الإمام الحنفي والمقام المالكي في الجانب الغربي يصلي فيه الإمام المالكي، والمقام الشافعي في الجانب الجنوبي يصلي فيه الإمام الشافعي، والمقام الحنبلي بالجانب الشرقي في مقام إبراهيم يصلي فيه الإمام الحنبلي، فتقام الصلاة في المسجد الحرام أربع مرات أو يصلي فيه أربعة أئمة! هذا لا شك أنه تعصب مذموم.
ومع الأسف ذكر لنا أن كثيراً من المبتدعة يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف إمام الحرم الموجود الآن؛ يقولون: هذا وهابي مبتدع ضال. ولكن هؤلاء ما ضللوه لأجل أنه حنبلي، وإنما من أجل أنه وهابي كما يزعمون.
نحن نقول: الأئمة ﵏ مجتهدون ومذاهبهم معترف بها واتفاقهم حجة قاطعة وإجماعهم دليل قوي، واختلافهم رحمة وفيه سعة.
ذكر أن رجلاً جاء إلى الإمام أحمد وقد كتب كتاباً سماه (الاختلاف) قال فيه مثلاً: اختلفوا في المسألة الفلانية فقال الشافعي: كذا، وقال الثوري: كذا، وقال الليث: كذا، وقال مالك: كذا. فسماه (الاختلاف) فأنكر عليه أحمد وقال: لا تسمه بالاختلاف بل سمه بالسعة. يعني إن هذا الاختلاف توسعة على المسلمين حتى إذا عمل أحدهم بهذا القول، وعمل الثاني بهذا القول كان كل منهم على خير.
فهذا ما يتعلق بهذه المذاهب، وهي المذاهب المتبعة، ومن ظهر له الحق في غير مذهبه، فلا ضير عليه أن يتبع الحق ولو خالف مذهب إمامه.. والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الخاتمة
أحمد ربي وأشكره، وأثني عليه وأستغفره، وأعترف بفضله ولا أكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله؛ خلق كل شيء فأحكمه ودبره، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلغ ما أوحي إليه وفسره ﷺ وعلى آله، ومن اقتفى أثره:
أما بعد:
стр. 1334
فبنعمة من الله وفضل تم إعداد وتخريج أحاديث شرح لمعة الاعتقاد، وذلك الشرح المبارك النفيس العظيم لفضيلة شيخنا الشيخ الدكتور/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله تعالى وأمد في عمره ونفع به المسلمين.
وفي نهاية عملي هذا المتواضع أعتذر عما ورد فيه من الخطأ والتقصير؛ حيث إن هذا من طبيعة البشر، فما حصل من صواب فمن الله، وما حصل من خطأ أو تقصير فمن نفسي والشيطان -أعاذنا الله منه- كما أني أشكر كل من أعانني على تخريج وإعداد هذا الكتاب، وعلى رأسهم والدي الكريمان أمد الله في عمريهما -رب ارحمهما كما ربياني صغيراً- وفضيلة شيخنا الكريم الذي تفضل علي بالموافقة لإعداد هذا الشرح النفيس وتخريج أحاديثه، ومن ثم التوجيه والمساندة حتى انتهى الكتاب إلى ما هو عليه الآن، وعائلتي كانت لها اليد الطولي في تهيئة الجو المناسب لي للبحث والمطالعة، كما أني لا أنسى فضل من ساعدني في تفريغ الأشرطة وكتابتها لا حرمه الله الأجر، وكذا إخواني الكرام الذين كانوا دائماً نعم العون -بعد الله- لي في جميع ما احتاجه منهم.
أسأل الله الكريم العظيم رب العرش العظيم أن يجزي كل من أعانني في إخراج الكتاب خير الجزاء، وأن ينفع به، وأن يجعل عملي فيه وفي غيره خالصاً لوجهه الكريم وأن يجعله ذخراً لي يوم لا ينفع مال ولا بنون.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
стр. 1335
الكنز الثمين
(١) النية وإخلاص العمل
وسئل وفقه الله:
* ما الوسيلة لإخلاص العمل أو إصلاح النية؟ أرشدونا وفقكم الله؟
فأجاب:
من المعروف أن الإخلاص من شروط التوحيد، ومعناه أن يعتقد المسلم أن عمله لله، وأن لا يريد به حظاً عاجلاً، ولا مدحاً، ولا ثناءً من أحد، وإنما النية والدافع الذي في قلبه هو إرادة وجه الله.
وقد وردت الأدلة في ذلك كقوله ﷺ في الجهاد: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". يعني أن الذي يقاتل حمية، أو عصبية، لا تكون نيته صحيحة. كذلك نية التوحيد، ففي الحديث: "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نَفْسه" بأن تكون نيته الطاعة والقربة إلى الله.
وبين ما يضاد ذلك، ففي الحديث قوله ﷺ : "من سمّع سمّع الله به، ومن يرآئي يرآئي الله به". يعني: من حسّن صوته بالقراءة ونحوها ليمدح، فإن الله لا يمدحه. كذلك من صلّى صلاةً بخشوع وخضوع، أو تصدق بصدقة، أو ما أشبه ذلك، أو أنفق في سبيل الله رئاءَ الناس فإن الله تعالى يفضحه؛ لأن هذا من الرياء الذي يحبط الأعمال.
وبالجملة فالإخلاص هو أن تريد بعملك وجه الله، وأن لا تقصد به مدحاً ولا ثناءً ولا حظاً دنيوياً.
(٢) تقسيم التوحيد ثابت عن علماء الأمة
وسئل يحفظه الله:
* يقول أحد الدعاة - وهو ينتمي لجماعة من الجماعات الإسلامية؛ في معرض حديثه في محاضرة ألقيت في إمارة الشارقة بالإمارات المتحدة، يقول-: "التوحيد من ناحية تقسيمه إلى ثلاثة أنواع لم يثبت عن الرسول ﵊، ولم يثبت عن الصحابة، وعليه فهذا التقسيم بمسماه بدعة" انتهى كلامه. ثم سألت أحد طلبة العلم فقال: يمكن أن يقسم التوحيد إلى أكثر من ثلاثة وهكذا. نرجو توضيح هذه المسألة؟
فأجاب:
следующие страницы →