← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

إن هذا من جنس ما قبله قول عليهم بلا علم، فإن التأليف جمع المتفرق، أو تركيبه من أدوات مختلفة، وهذه اللفظة محدثة في العقيدة، لا نقول بها ولا نستعملها في عقائدنا ولم ترد في النصوص؛ حيث إن لازمها قول باطل كما ذكرنا. فأما إثبات اليد والرجل حيث وردت فإنا نقتصر على ذلك، فقد تكاثرت الأدلة على إثبات اليد بما لا يدع مجالاً في أنها يد حقيقية، لكنا نقول: إنها لا تشبه خصائص المخلوق، وإن الله يقبض بها السماوات والأرض كما أخبر عن ذلك (وذلك كما في قوله تعالى: ((وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون)) (الزمر:٦٧) . وأما الرِّجل: فقد ورد في السنة أن الله يضع رجله أو قدمه على النار، وورد في القرآن ذكر السّاق ووُضِّح في الحديث، فإذا أثبتنا ذلك لم يلزم أن نكون مجسمة، ولم يلزم أنّا نقول: إن الله تعالى مؤلف من أعضاء؛ بل نقول: إن ذاته حقيقية، وصفاته حقيقية؛ كما يليق به، كما أنا لا نقول بالبطش والمشي الذي رمانا به؛ بل نقتصر على الوارد في الكتاب والسنة. الرابع: زعمه أنهم يصفون الله بأنه: [يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع.. الخ] . الجواب:

стр. 1367

إن هذا قول لا حقيقة له، ولا عمدة له في هذا النقل، فهذه مؤلفاتهم وعقائدهم مطبوعة شهيرة، ولا يوجد فيها هذه الألفاظ، فإنهم ينفون الصفات التي لم ترد في الوحيين ويتقيَّدون بالأدلة، ولكن أعداءهم يلزمونهم بلوازم باطلة، فإذا أثبتوا الاستواء كما يليق بالله أو فسروه بالعلو والارتفاع -كما قاله السلف وأهل اللغة- لم يلزم أنهم قائلون بالجلوس والقيام، فقد تكاثرت الأدلة على إثبات العلو الحقيقي بكل معانيه، وعلى إثبات العرش. وأن الله تعالى مستو عليه كما يشاء، فليس لنا إنكار ذلك أو تسليط التأويلات التي هي تحريف للكلم عن مواضعه على تلك الأدلة واضحة الدلالة، فمتى ألزمنا أعداؤنا بلوازم باطلة زاعمين أنها تلزم من قال بموجب تلك النصوص، لم نلتفت إلى تلك الإلزامات وأوضحنا خطأهم في هذا الإلزام. فأما إثبات النزول والمجيء فليس لنا إنكاره، وقد صرحت به النصوص وتواردت على إثباته الأدلة التي لا تحتمل التأويل، ومع ذلك نتوقف عن الكيفية ونكلها إلى الله، ولا نقول: إنه إذا نزل يخلو منه العرش، أو تحصره السماوات... الخ؛ بل نقول: إن الرسول الناصح لأمته ﷺ قد أخبر بهذا النزول. وأن الله تعالى قد أخبر بالمجيء يوم القيامة، فنحن نثبت ذلك كما ورد ولا نضيف إليه شيئاً من عند أنفسنا، فما ألزمونا به غير لازم. الخامس: قوله: [فأصبحوا كإخوانهم النصارى في الناسوت واللاهوت.. الخ] . فنقول:

стр. 1368

هذا تشبيه باطل وبعيد عن الصواب فما وجه الشبه؟!، فإن النصارى زعموا أن اللاهوت وهو: (الإله) اتحد بالناسوت وهو: (الإنسان) أو: (عيسى) ، وقالوا: ((إن الله هو المسيح ابن مريم)) (المائدة:٧٢) . ((وقالت النصارى المسيح ابن الله)) (التوبة:٣٠) ، وذلك هو عين الكفر والضلال، فأما أتباع السلف والأئمة فما قالوا شيئاً من قبل أنفسهم، وإنما وصفوا الله تعالى بما وصف به نفسه، أو وصفه به أعلم الخلق بربه، وهو محمد ﷺ ، فإذا أثبتوا لله الصفات الواردة، واعتقدوها حقيقة لتواتر النصوص بها، ثم نفوا عنها كل أنواع التشبيه وخصائص المخلوقين، واعتقدوا أنها تليق بالله كما يشاء، لم يلزم أن يكونوا كالنصارى في قولهم باللاهوت والناسوت. وبكل حال فإن هذا الكاتب عليه أن يوجه عيبه ولومه إلى الأئمة المتبعين!! كمالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق ونحوهم، فهل يتجرأ أن يقول عليهم: إنهم وهابية، وإنهم إخوان النصارى؟!! هذا ما لا يستطيعه لما لهم عند جمهور الأمة من المكانة الراقية، فلو رماهم بذلك لأنكر عليه الخاص والعام، وسددت إليه سهام الملام. السادس: قوله: [لعب إبليس بلحاهم حتى أرداهم وأخرجهم من دائرة الإسلام.. الخ] . فنقول: هذا تهور وجرأة على الله وعلى المسلمين وأهل الدين، واستهزاء وتمسخر بشعائر الإسلام، وتكفير لأهل العقيدة السليمة، وإخراج لهم عن دائرة الإسلام، وتلك مصيبة عظمى لو يعلم أثرها هذا الكاتب لم يتجرأ على ذلك. فإنه: أولاً: زعم أنهم قد أطاعوا الشيطان مطلقاً، وأنه هو الذي أوقعهم في هذا الاعتقاد السلفي، الذي قد سار عليه جمهور سلف الأمة وأهل القرون المفضلة، فإذا كان إبليس قد لعب بهم، فقد لعب أيضاً بأولئك الأئمة والقادة الأجلاء.

стр. 1369

ثانياً: إخراجه لهم من الإسلام، وهي إحدى الكِبَرْ. فبأي خصلة أخرجهم من الدين؟! أما كانوا يدينون لله بالتوحيد؟! ويعملون بمعنى الشهادتين؟! ويحافظون على إقامة أركان الإسلام؟! ويبتعدون عن كل المحرمات؟! ويحذرون منها؟! ويحرصون على إخلاص دينهم لربهم وحده؛ فلا يجعلون منه شيئاً لغيره كائناً من كان؟! فمن كفَّرهم فقد أنكر حقيقة التوحيد، وأباح الكفر والشرك، فهو أولى بما قال، وقد قال النبي ﷺ : "ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه". أي: رجع إليه تكفيره. وفي حديث آخر: "أن رجلاً ممن قبلنا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألّى عليّ أن لا أغفر لفلان؟! إني قد غفرت له، وأحبطت عملك". فهل ينتبه هذا الكاتب، ويرتدع عن مثل هذا التهور والتسرع في التكفير!! السابع: قوله: [لأن المجسمة ليسوا من الإسلام في شيء.. إلخ] . فنقول: ونحن نبرأ إلى الله أن نصفه بالتشبيه، أو التمثيل بشيء من المخلوقات، ولقد أوضحنا أن أئمة الدعوة بريئون من وصمة التشبيه، أو التمثيل الذي يرميهم به أعداؤهم قديماً وحديثاً، وأنه لا يلزم من إثباتهم صفة الاستواء والنزول والمجيء وسائر الصفات الذاتية والفعلية، أن يكونوا مشبهة، فإنهم تابعون للنصوص الصريحة في الإثبات، ومصرحون بنفي مشابهة المخلوقات، كما يثبت غيرهم الصفات العقلية، وينفون عنها التشبيه، وكما يثبت الباقون الذات الحقيقية، ويتوقفون عن معرفة ماهيتها وكنه حقيقتها، وقد يكون النافون أولى بالتشبيه؛ لأنه لم يبادر إلى أذهانهم سوى دلالة النصوص على التشبيه، ولم يفهموا منها إلا هذا المعنى الباطل، فاعتقدوا أن ظاهر النصوص غير مراد؛ لأنه بزعمهم يدل على مماثلة الله للمخلوقات، تعالى الله وتقدس. ثالثاً: آيات الصفات محكمة جليّة ظاهرة المعاني مفهومة الدلالة:

стр. 1370

قال في السطر الثاني من الصفحة الثانية: [أما الآيات المتشابهات فلابد فيها من التأويل، خوف التجسيم والتشبيه.. الخ] . والجواب: إن هذا قول خاطئ مخالف لقول الراسخين في العلم، الذين يقولون في المتشابه: ((آمنا به كل من عند ربنا)) . فقد ذم الله الزائغين الذين: ((يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)) (آل عمران:٧) . إن هذا الكاتب اعتقد أن آيات الصفات فقط هي القسم المتشابه وحده، وهو خاطئ من حيث العموم؛ فإنها محكمة جلية، ظاهرة المعاني، مفهومة الدلالة، فسرها السلف والأئمة، وأوضحوا معاني ما اشتملت عليه، ولم يفوِّضوا لفظها كما يزعم أهل الكلام، ولم يحرفوا معانيها كما يدعي هذا الكاتب ونحوه: أن تأويلها لازم خوف التجسيم.. الخ. * فأما قوله: [لأن القرينة تصرف اللفظ عن ظاهره.. إلخ] . نقول: ليس ثمَّ قرينة يحتاج معها إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فمتى قلنا: ((آمنا به كل من عند ربنا)) واعتقدنا أن الألفاظ دالة على معاني صحيحة مفهومة للمخاطبين، وأنها دالة على صفات تناسب الموصوف، وتباين صفات المحدثات ونحو ذلك، لم نحتج إلى صرف اللفظ عن ظاهره، حيث يتكلف في هذا الصرف، وحيث يكون المعنى المصروف إليه بعيداً عن السياق وعن المفهوم المتبادر للسامعين، فإن المخاطبين به عند نزوله لم يحرفوا معانيه ولم يفهموا منه شيئاً من خصائص المخلوق؛ بل أثبتوا كل الصفات الواردة واعتقدوها لائقة بالموصوف، فلما جاء من بعدهم وفشت فيهم المذاهب الكلامية توسعوا في البحث، فاعتقدوا أن ظاهر النصوص يقتضي التجسيم والتشبيه، فسلطوا عليها أنواع التأويل كأضراب هذا الكاتب هداهم الله. رابعاً: لا يلزم من إثبات الصفات القول بأنه جسم محدود: فأما قوله: [فمن كان هذا شأنه لا بداية ولا نهاية، كيف تعتقد أنه جسم محدود مؤلف من أعضاء، يتحرك، وينتقل من مكان إلى مكان آخر، ويترك وراءه فراغاً؟] هذا عليه فيه ملاحظات:

стр. 1371

منها قوله: [لا بداية ولا نهاية] : قال ذلك بعد الآية الكريمة: ((هو الأول والآخر)) (الحديد:٣) . وهو تفسير مبتدَع، فإن هذه الأسماء قد بيَّن معانيها النبي ﷺ ووضحها بقوله في دعاء الاستفتاح: "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء". ومنها قوله: [كيف نعتقد أنه جسم محدود] : والجواب: إنه لا يلزم من إثبات الصفات على ما يليق بها القول: بأنه جسم محدود، ثم قد سبق الرد على قوله: جسم محدود مؤلف من أعضاء، وبيَّنا أن هذه ألفاظ بدعية، لا يجوز الخوض فيها إثباتاً ولا نفياً.. إلخ. ومنها قوله: [يتحرك وينتقل من مكان ... الخ] : فنقول: اتهم بالقول بذلك أئمة الدعوة السلفية وهو كقوله آنفاً: يجلس ويقوم، ويغدو ويروح، وينزل ويرتفع، وقد ذكرنا الجواب عنه آنفاً، وأوضحنا أنه لا يلزم من إثبات المجيء والنزول الذي وردت به الأدلة أن نقول بالحركة والانتقال المحسوس، الذي هو من خواص المحدثات والمركبات، بل مجيء الله ونزوله هو كما يليق به، وهو حق حقيقي ليس بمجاز، ولا يصح نفيه بعد ثبوته في النصوص التي دلالتها قطعية. ذكر الكاتب أمثلة على تأويل بعض الآيات المتشابهة: المثال الأول: تأويل قول الله تعالى: ((وجاء ربك)) : ثم إن هذا الكاتب ذكر مثالاً لتأويل بعض الآيات المتشابهة، كما زعم وهي قوله: ((وجاء ربك)) (الفجر:٢٢) . فأقحم فيها لفظ: (أمر) ، فقال: [وجاء أمر ربك والملك.. إلخ] .

стр. 1372

وهذا تفسير الجهمية ومن تبعهم، ولا عبرة بكثرة من قاله من المتقدمين والمتأخرين، فإننا متبعون للأدلة، فقد ذكر الله الإتيان وأضافه إلى ذاته، وفرق بين إتيانه وإتيان بعض آياته، فقال : ((هل ينظرون إلى أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك)) (الأنعام:١٥٨) . وقال تعالى: ((هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)) (البقرة:٢١٠) ... الخ. ومتى قلنا: إن الله يجيء كما يشاء إتياناً يليق به؛ لم يلزم القول بالحركة الموهومة، مع أن تأويله بالأمر لم ينقل عن أحد من السلف وهم الأسوة وبهم القدوة. المثال الثاني: تأويل حديث النزول: ثم ذكر مثالاً ثانياً للتأويل الذي التزم سلوكه خوفاً من التشبيه، فقال في السطر الثامن من الصفحة الثانية: [ (النزول) معناه: الهبوط من أعلى إلى أسفل، ثم الرجوع ثانياً إلى مكانه وهذا أيضاً مستحيل، إذاً لا بد من التأويل، نزول مَنّ وإفضال، وقبول توبة، بمعنى التنزل، لا كنزول الأجسام والصور.. الخ] . والجواب: أن يقال: وردت أحاديث كثيرة صحيحة، عن النبي ﷺ في أن الله تعالى ينزل كل ليلة، وذكرت بلفظ النزول وبلفظ الهبوط، والذين نقلوها هم نقلة أحكام الشريعة ولم ينكرها أحد من السلف، ولم يقولوا: إن المراد نزول فضله أو منِّه أو قبوله التوبة.. الخ. كما أنهم لم يكيفوا ذلك ولم يشبِّهوه بنزول الأجسام، واعتبروه مثل المجيء والإتيان الذي أثبته الله لنفسه، ولم يلزم من إثباته ما هو مستحيل؛ بل الجميع نصّ على حقيقته، وهو من خصائص المتصف به لأنه تعالى: ((ليس كمثله شيء)) (الشورى:١١) في ذاته ولا في صفاته. ٢- ثم قال في نفس السطر: [ ((ويبقى وجه ربك)) (الرحمن:٢٧) أي: ذاته. ((ولتصنع على عيني)) (طه:٣٩) أي: عنايتي ورعايتي لك] . فنقول:

стр. 1373

هذا تأويل خاطئ، حيث أنكر ما أثبته الله لنفسه من صفة الوجه والعين، وقد وردت أدلة متنوعة في الكتاب والسنة بذلك (ومن الأدلة على إثبات صفة الوجه، قول الله تعالى: (٠ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)) (الرحمن:٢٧) . وفي الحديث الذي رواه مسلم برقم١٧٩ في الإيمان، باب "في قوله ﵇: بإن الله لا ينام.. الخ". من حديث أبي موسى ﵁ قال: حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". أما الأدلة في إثبات صفة العين فمنها: قوله تعالى: ((فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)) (الطور:٤٨) . وفي الحديث الذي رواه البخاري كما في الفتح، ٦/١٩٩ برقم ٣٠٥٧ في الجهاد، باب "كيف يعرض الإسلام على الصبي". من حديث ابن عمر ﵁، في وصف الدجال) ، ومن طلبها وجدها في كتب الحديث والعقائد، ولم يزل السلف يأثرونها من غير تكبر، ولم يقولوا: إنّها تشبه خصائص المخلوق؛ بل إنها صفة للرب تعالى كسائر صفاته، نؤمن بها ولا نكيِّفها حيث لم يخالفها عقل سليم، ولا نقل صحيح؛ بل النقول المتكاثرة المتواردة على حكم واحد يتعذر تأويلها. ٣- ثم قال في السطر الذي يليه: [ ((والسموات مطويات بيمينه)) (الزمر:٦٧) أي بقدرته. ((يد الله فوق أيديهم)) (الفتح:١٠) "ويد الله مع الجماعة". أي: يؤيدهم بنصره... الخ] .

стр. 1374

وهذا تأويل باطل من جنس ما قبله، فقد تكرر ذكر اليد واليدين للرب تعالى في العديد من الآيات والأحاديث والتصريح بذكر اليمين، ونحو ذلك من العبارات الصريحة، فإن تأويلها بالقدرة بعيد عن الصواب، وقد ذكرها الله في قوله لإبليس: ((ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدَيَّ)) (ص:٧٥) بلفظ المثنى، ولو كان المراد القدرة لما حسن ذكر التثنية، ولقال إبليس: وأنا خلقتني يا رب بقدرتك. ثم إنه ادعى الإجماع على تأويل اليد بالقدرة والتأييد، والنصر والرعاية، والحماية والعناية، وليس كذلك؛ فإجماع الصحابة والتابعين سابق لهؤلاء، على أن يد الله صفة من صفاته، وتبعهم على ذلك سلف الأمة والأئمة الأربعة، وَنَصَرَهُ ابن جرير في تفسير قول الله تعالى: ((بل يداه مبسوطتان)) (المائدة:٦٤) فأين الإجماع على ما قال؟! ومن الذي حكاه كما قال هذا الكاتب؟! ثم إنه أورد بيت شعر اعتمده فيما قال، ونص البيت: وكل نص أوهم التشبيها أوّله أو فوض ورم تنزيها وهذا البيت مذكور في منظومة لبعض الأشاعرة. ونحن نقول: أولاً: إن صاحب النظم لا ينبغي اتخاذه عمدة؛ فإنه إنما بنى كلامه على معتقده الذي اعتنقه عن مشائخه، الذين تلقى عنهم هذه العقيدة السيئة. ثانياً: لا يُظَنّ أن نصوص الشرع من الكتاب والسنة توهم التشبيه أبداً، فإن السلف والأئمة لم يكونوا يفهمون أو يتوهمون أن النصوص توهم التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فالله تعالى أعلى وأجل من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه، لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال.

стр. 1375

ثالثاً: إلزامه بالتأويل والتفويض، ويعتقد أن السلف يفوِّضون النصوص، أي: يسكتون عن المراد بها مع الاعتقاد أنها لا تدل على صفات حقيقية في نفس الأمر، فألزم إما بالتأويل وهو في الحقيقة تحريف للكلم عن مواضعه، لكن ينفي دلالته على الصفات في نفس الأمر، وإما بالتفويض الذي هو السكوت المراد مع روح التنزيه وهو اعتقاد أنها لا تفيد صفات لله في نفس الأمر. وكلا الأمرين خطأ، وإنما الصواب: ترك التأويل وإثبات حقيقة الصفات التي أفادتها تلك النصوص، مع تفويض العلم بالكيفيات والماهيَّات، ومع اعتقاد أنها لا يُفهم منها تشبيه الرب أو شيء من صفاته بالمخلوقين، فلا تشبيه ولا تعطيل. خامساً: نسبة الجلوس إلى أهل السنة كذب عليهم: ثم قال في السطر الخامس عشر من الصفحة الثانية: [فمن هذا شأنه لا بداية ولا نهاية، كيف يجلس ويستقر على مخلوق ضعيف تحمله الملائكة؟! وتحفه من كل جانب ملائكة؟! هذا مستحيل... الخ] . فيقال: * تكرر قوله: (لا بداية ولا نهاية) ، وذكرنا أن الصواب التفسير النبوي الأول والآخر. * فأما قوله: [كيف يجلس... الخ] :

стр. 1376

فالجواب: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه على العرش استوى في سبعة مواضع من القرآن، وفسر العلماء الاستواء بما يدل على العلو والارتفاع والاستقرار، والتزموا نفي العلم بالكيفية وتفويضها إلى الله، ولا أذكر في كتب السلف التفسير بالجلوس، فنسبته إلى أهل السنة أو أئمة الدعوة كذب عليهم؛ بل منهم من فوض وقال (استوى) : استواء يليق بالله تعالى، ومنهم من قال: علا وارتفع كما يشاء مع عدم العلم بالكيفية، وليس في ذلك محذور والحمد لله، وقد أنكروا على من توسع في الخوض في ذلك بذكر أنه أكبر من العرش، أو مثله أو دونه، وكذا بذكر المماسة وكون الرب محمولاً على العرش كحمل الراكب على المركوب ونحو ذلك، فلا نقول بهذه التقديرات، ولا نخوض في هذا الأبحاث لعدم النقل فيها، ولما فيها من التدخل فيما لا يعني. سادساً: تفسير السلف الاستواء: بالاستقرار والعلو ... الخ: ثم قال بعد سطرين: [و (استوى) لغة معناها: استقر. فالاستقرار هنا بصفة الرحمة على العرش وما قواه.. أما من اعتقد بأنه جلس واستقر على العرش فقد أشرك، لأنه توهمه جسماً محدوداً محمولاً على عرشه.. إلخ] . والجواب: قد تقدم أن السلف فسروا الاستواء بالاستقرار والعلو والارتفاع والصعود، ولم يقولوا ما قاله هذا الكاتب؛ من أنه الاستقرار بصفة الرحمة على العرش فإنه بعيد. بل قالوا: استقر كما يشاء لا كاستواء المخلوق، ولم يعتقدوا: أنه جلس أو استقر على العرش كاستقرار المخلوق، ولم يقولوا: إنه محتاج إلى العرش أو غيره، ولا توهموا ربهم: جسماً محدوداً محتاجاً إلى خلقه، فكل هذا تقوُّل عليهم بلا علم، فإن كان يقصد أئمة الدعوة فليوقفنا على موضع من كتبهم فيه ما ذكر، وإلاّ فليسند القول إلى قائله، والذي يقول بتلك الأقاويل الكفرية يصدق عليه أنه حمار كما وصفه به الكاتب. (١٦) في دعاء المخلوقين والتوسل بالأشخاص

стр. 1377

أولاً: تفسير معنى دعاء العبادة ودعاء المسألة: قال الكتاب في الصفحة الثالثة في السطر السابع: [ (النداء) لغة معناه الدعاء، وهو لا يتقيد بالعبادة إلا إذا كان لله ، أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه أنه يضر وينفع ويعطي ويمنع من غير إذن الله فقد أشرك..الخ] . والجواب: لقد خبّط هذا الكاتب، وخلط، وأخطأ في الكثير مما قاله أو تعمده، فأنبِّه على أهم أخطائه فيما يأتي: أولاً: ذكر أن الدعاء لا يتقيد بالعبادة إلا إذا كان لله ، أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي.. الخ. وهذا قول باطل بعيد عن الصواب، صدر عن جهل بحقيقة الدعاء وبحقيقة العبادة، وبالأدلة الواردة على ذلك، وأنا أشير إلى شيء من ذلك: فأقول: أما الدعاء: فهو لغة: النداء، ويطلق شرعاً على: دعاء العبادة ودعاء المسألة، وهما متلازمان: * فدعاء العبادة هو: فعل كل الطاعات، وأداء جميع القربات امتثالاً لأمر الله، وتقرباً إليه، وهو متضمن دعاء المسألة، فإن المصلي داع بلسان الحال، فكأنه يقول: إنما أصلي طلباً لرضى الله، وجزيل ثوابه، وهكذا في جميع الأعمال الصالحة لسان حال من يفعلها يقول: أريد من فعلها مغفرة الله وجنته، فهو سائل في نفس الأمر. * أما دعاء المسألة فهو: السؤال والطلب، كسؤال الجنة والتعوذ من سخط الله، ومن النار ونحو ذلك، وهو ولابد مستلزم لدعاء العبادة، فإن حقيقة العبادة الذل والخضوع، والتواضع والإذعان، فالذي يدعو ربه يسأله حال تذلل وخشوع وإنابة وإخبات، فالسؤال: دعاء، والذل: عبادة، وهكذا المصلى، والصائم، والمتصدق، والذاكر، والقارئ، والطائف، والعاكف، والراكع، والساجد. فإن كلاً من هؤلاء حال فعله يكون راغباً في فضل الله طالباً لمنه وعطائه، ويكون مع ذلك متذللاً ومذعناً، منقاداً لأمر الله، خاضعاً مخبتاً له، وذلك هو حقيقة العبادة.

стр. 1378

ومتى كان كذلك ورأينا من يسأل ربه من فضله ويمد إليه يد الافتقار ويلهج بالدعاء مستمطراً من فضل ربه، فإنّا نسميه داعياً سائلاً لله، فإذا كان مع ذلك قد أهطع وأقنع وخشع وتذلل، وتواضع حال سؤاله، فهو لذلك عابد لربه ظاهراً، نحكم بذلك حسب ما رأينا، وقد قال النبي ﷺ : "الدعاء هو العبادة". ثم قرأ قوله تعالى: ((وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي.. الآية)) (غافر:٦٠) . ووجه الدلالة من الآية أنه تعالى أمر بدعائه، وذم المستكبرين عن عبادته، والقرينة تدل على أن المراد يستكبرون عن دعائي وقال تعالى: ((قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون)) (غافر:٦٦) . فجعل دعاءهم عبادة، وقال عن الخليل ﵇: ((وأعتزلكم وما تدعون من دون الله)) (مريم:٤٨) . ثم قال: ((فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله)) (مريم:٤٩) . فعبر بالعبادة عن الدعاء. وبعد أن عرفت حقيقة الدعاء وحقيقة العبادة وتلازمهما فإن الأدلة واضحة على أن الدعاء حق الله، لا يُصرف منه شيء لغير الله، قال تعالى: ((فلا تدعوا مع الله أحداً)) (الجن:١٨) . وقال ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)) (يونس:١٠٦) . وقال: ((ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة)) (الأحقاف:٥) . ونحوها من الآيات. ثانياً: أما قول هذا الكاتب: [أما النداء لغير الله فيرجع إلى عقيدة الداعي، إن كان يعتقد فيمن يناديه؛ أنه يضر وينفع، ويعطي ويمنع، من غير إذن الله فقد أشرك] .

стр. 1379

نقول: إن دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك مطلقاً؛ سواء كان المدعو ملكاً، أو نبيّاً، أو ولياً، أو جنِّيّاً، أو صالحاً، أو شريفاً، أو سيداً، أو شجراً، أو قبراً، أو غير ذلك، فأما إن دعى إنساناً حيّاً حاضراً قادراً وطلب منه ما يقدر عليه، كقوله: يا فلان اسقني، أو أطعمني، أو احملني، أو احمل رحلي، ونحو ذلك فهذا جائز، وهو من الأفعال المحسوسة، التي لا يزال الناس يفعلونها ويعين بعضهم بعضاً على فعلها. وكذا إن قال: يا فلان ادع الله لي بالمغفرة والجنة، أو أشركني في صدقاتك، أو وقفك، أو دعواتك ونحوها، فإن دعاء المسلم لأخيه بظهر الغيب مما يثيبه الله عليه، وهذا بخلاف ما إذا قال: اغفر ذنبي وأدخلني الجنة، أو: خذ بيدي عن النار ونحو ذلك، فإن هذا لا يجوز فعله مع الحي فضلاً عن الميت؛ لأنه مما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يطلب إلا منه تعالى. فنحن نستدل بفعل الإنسان على عقيدته، فمتى رأينا شخصاً وقف عند قبر إنسان معظَّم في نفسه، وخضع برأسه، وتذلل، وأهطع، وأقنع، وخشع، وخفض صوته، وسكنت جوارحه، وأحضر قلبه ولبّه، أعظم مما يفعل في الصلاة بين يدي ربه ، وهتف باسم ذلك المقبور، وناداه نداء من وثق منه بالعطاء، وعلق عليه الرجاء ونحو ذلك، فإننا لا نشك أنه والحالة هذه يعتقد أنه يعطيه سؤله ويدفع عنه السوء، وأنه يستطيع التصرف في أمر الله، ففعله هذا دليل سوء معتقده، فلا حاجة لنا أن نسأله: هل أنت تعتقد أنه يضر وينفع من غير إذن الله؟ فالله تعالى ما كلفنا أن ننقب عن قلوب الناس، وإنما نأخذهم بموجب أفعالهم وأقوالهم الظاهرة، وهذا الشخص قد خالف قول الله تعالى: ((ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين)) (يونس:١٠٦) .

стр. 1380

وقد رأينا خشوعه وتذلله أمام هذا المخلوق الميت، وذلك هو عين العبادة كما عرفنا، فنحكم عليه بموجب فعله وقوله؛ بأنه قد أشرك بالله وتأله سواه، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب وتعظمه، وتحبه وترجوه، وتخافه وتعامله بما لا يصلح إلا لله، ولو لم يسمه الفاعل إلهاً، ولو لم يسم فعله تألهاً وتعبداً؛ فإن العبرة بالحقائق وما في نفس الأمر بخلاف الأسماء، فأهل هذا الزمان لما جهلوا حقيقة العبادة والتأله والدعاء ونحوه الذي هو من حق الله ولم يعرفوا معانيها وأصل وضعها صرفوها لغير الله، وسموا ذلك توسلاً واستشفاعاً وتبركاً واحتراماً وهو عين عبادة ذلك المخلوق، وعين الشرك الذي توعد الله عليه بالنار وحرمان الجنة. ثالثاً: ثم قال الكاتب في الصفحة الثالثة في أول السطر التاسع: [أما من اعتقد فيمن يناديه بأنه من أهل العطاء، وما ملك إلا بتمليك الله، ولا يتصرف إلا بإذن الله فهو موحد...الخ] . فنقول: لا حاجة لنا في التنقيب عن معتقده، الذي يقوم بقلبه فإنه أمر خفي، وقد يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فنحن نأخذه بالظاهر، فإن أفعاله تعبر عن ما في ضميره ولو حاول تغييره لم يستطع. ثم نقول أيضاً: كيف يصلح اعتقاد أن المخلوق من أهل العطاء، أي أنه يملك أن يعطي من يشاء مغفرة، ورزقاً، ومالاً، وولداً، وصحة، وغنى،.. الخ؟ فإن الذي يملك ذلك هو الله وحده، كما وصفه نبيه ﷺ بقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت". وقد أخبر الله عن كل ما يُدْعَى من دونه بأنهم: ((ما يملكون من قطمير)) (فاطر:١٣) .

стр. 1381

وإن أراد الكاتب أنه من أهل العطاء، أي الذين أعطاهم الله نوعاً من التصرف والملكية، فهذا لا دليل عليه، وإنما خصائص الأنبياء نزول الوحي عليهم وتكليفهم بالتبليغ عن الله ما نزل إليهم، ولم يعطهم شيئاً من حقه الذي هو الدعاء والعبادة والتأله، ولا ملكهم رزق العباد، وهبة الأولاد، وشفاء الأسقام البدنية، وغفران الذنوب ونحوها، وعلى هذا فمن اعتقد في نبي، أو ملك، أو ولي، أو مخلوق، أنه مفوّض من الله في إهلاك من شاء، أو إعطاء من أراد، أو إدخال جنة أو ناراً، فقد صادم النصوص، وأشرك المخلوق في حق الخالق؛ فإن الله تعالى قال لرسوله محمد ﷺ ، -وهو أشرف الخلق وأفضلهم-: ((إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)) (القصص:٥٦) . فإذا كان سيد الخلق، وخاتم الرسل، لا يقدر على هداية عمه أو أقاربه فكيف يهدي أبعد الخلق وأشفاهم إذا دعوه مع الله وصرفوا له ما لا يستحقه إلا الله؟ ولقد أمره الله تعالى أن يعترف بعدم ملكيته لشيء من ذلك؛ لأنه حق الله وحده، قال الله تعالى: ((قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً)) (الجن:٢١) . والرشد: الهداية القلبية وإيصال الإيمان إلى القلوب، بخلاف البلاغ والبيان؛ فإنه وظيفته ورسالته كما قال تعالى: ((إن عليك إلا البلاغ)) (الشورى:٤٨) . وقد أخبر بأنه يهدي إلى الحق، أي: يدل عليه، كما قال : ((وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)) (الشورى:٥٢) . والمراد هداية البيان والدلالة والإرشاد، فأثبت هداية البيان ونفى هداية التوفيق والإلهام وقبول الإسلام، فمع هذه النصوص الصريحة كيف يقال: إن المخلوق يملك بتمليك الله الهداية والإضلال، والإعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، أو يتصرف بإذن الله في الكون فيرسل الرياح ويثير السحب، وينزل المطر، وينبت النبات، ويخلق، ويرزق؟!

стр. 1382

كل هذا جرأة على الله، وإنما جعل الله من معجزات عيسى ابن مريم ﵇ شيئاً من ذلك بإذن الله، ثم انقطع برفعه إلى السماء، ولم يذكر الله تعالى أن أحداً من الأموات أو الغائبين، يهدي من أحب، أو يرزق من يشاء بإذن الله؛ بل قال تعالى لنبيه ﷺ : ((قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مسني السوء)) (الأعراف:١٨٨) . فهل يقال بعد هذا: إنه هو أو من دونه بعد موته يملك بتمليك الله النفع والضر، والإعطاء والمنع؟ وأنه بناء على ذلك يُطْلَبُ منه كما يُطْلَبُ من الله! فَيُدْعَى وَيُرْجَى وتعلّق عليه الآمال ويخشع له العبد ويتواضع! ويقف أمام قبره خاضعاً ذليلاً وخائفاً راجياً، فإن هذا كله لازم قول هذا الكاتب؛ حيث أباح نداءه وجعله مالكاً متصرفاً فيما هو من خصائص الرب تعالى، وقد صح عن نبينا ﷺ أنه قال لعشيرته الأقربين: "انقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً". وقال لعمه العباس: "لا أغني عنك من الله شيئاً". وهكذا قال لعمته ولابنته فاطمة الزهراء، وأمرهم بأن يعملوا عملاً صالحاً لوجه الله، ينقذون به أنفسهم من النار، ولا يعتمدون على قرابتهم منه أو شرفه عند الله، بل قال ﷺ في حديث آخر: "ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه".

стр. 1383

وكل هذا حث للمسلم أن يعمل لله عملاً خالصاً لوجهه يكون سبباً لنجاته يوم القيامة، فلا يعتمد على نسب، ولا حسب، ولا يرغب إلى أي مخلوق يدعوه أو يرجوه، أو يخافه أو يعظمه كتعظيم الله تعالى، أو يعقد عليه أمله أو يعتقد أنه يملك من أمر الله شيئاً مع قول الله لنبيه ﷺ : ((ليس لك من الأمر شيء)) (آل عمران:١٢٨) . وقوله: ((قل إن الأمر كله لله)) (آل عمران:١٥٤) . فهل ذكر الله تعالى أنه قد ملك أحداً من خلقه شيئاً من حقه؟ أو فوَّض إليه التصرف في عباده؟ بأن يغفر لمن يشاء! ويعذب من يشاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولقد قال تعالى: ((ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهدي الله فما له من مضل)) (الزمر:٣٦-٣٧) . وقال : ((ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه)) (الإسراء:٩٧) . أي لا أحد يتولى أمرهم، ولا أحد يقدر على هدايتهم؛ ولو توسلوا بالأنبياء والأولياء والملائكة والصالحين والأصفياء، والقصد من ذلك أن يُقبل العباد بقلوبهم على ربهم، ويَصْدُقُوا الرغبة إليه، ويدعوه مخلصين له الدين، وينصرفوا بقلوبهم وأعمالهم عن كل مخلوق: تحقيقاً لوصف العبودية التي هي غاية الذل مع غاية الحب، فهو سبحانه قريب مجيب، كما قال تعالى: ((وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)) (البقرة:١٨٦) .

стр. 1384

فهو أعلم بعباده، وهو المطلع على الضمائر والنيات، ويعلم ما تكنه الصدور وما توسوس به النفوس، ويعلم السر وأخفى، فكيف مع ذلك يعدل عنه العباد؟ وكيف يحتاج إلى من يُعرِّفه بخلقه؟ وكيف يكون المخلوق أعلم من الرب الخالق تعالى بما في قلب الداعي؟ فالصدود عن الخالق إلى أحد من المخلوقين، فيه غاية التنقص للرب ، وسوء الظن به أنه لا يعلم بعباده حتى ينبهه غيره من المخلوقين، تعالى الله علواً كبيراً. ثانياً: الرسل جميعاً لم يخرجوا عن طبيعة البشر: ثم قال الكاتب في السطر الثالث عشر من الصفحة الثالثة: [ومن أسف أن الوهابية قالوا: تمجيد الرسول بما يخرجه عن طبيعته البشرية باطل وزور... الخ] . جوابه:

стр. 1385

أن يقال: مراده بالوهابية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن انتفع بدعوته السلفية ﵏، وقد علم أنه ﵀ لم يأت بجديد، وإنما جدد للناس ما اندرس من معالم التوحيد الذي هو حق الله على العبيد؛ حيث خرج في مجتمع قد غلب عليه الشرك ووسائله: كعبادة الأموات، وعمارة ما يسمى بالمشاهد برفع قبور الصالحين والأولياء، وبناء القباب عليها، وتحري الصلاة عندها، بالعكوف حولها، وبالذبح لها تعظيماً واحتراماً، وبإيقاد السرج عليها طوال الليل، وبالنذور، والهدايا إلى تلك الضرائح، وتعليق الرجاء عليها، والهتاف بأسماء الأموات، وندائهم ودعائهم مع الله، كقبر: شمسان، وتاج، ويوسف، وزيد بن الخطاب، ونحوهم، فَبيّن لأهل زمانه أن حقهم علينا محبتهم وأتباعهم، والعمل مثل أعمالهم. فأما الدعاء، والرجاء، والذبح، والنذر، فهو خالص حق الله، وأورد لهم النصوص الصريحة في مصادمة ما فعلوه للتوحيد، كقوله ﷺ : "لعن الله من ذبح لغير الله". مع قوله تعالى: ((فصل لربك وانحر)) (الكوثر:٢) أي: خصَّه وحده بالصلاة والنحر، فمتى صلى أحد أو نحر لغير الله فقد أشركه في حق الله، وبين لهم أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد، فقال قبل أن يموت بخمس: "ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وقال وهو في سياق الموت: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". يحذر ما صنعوا. وقال ﷺ : "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". ودعى ربه فقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". والمعنى: أن الأولين أشركوا حيث تحروا الصلاة عند قبور الأولياء والأنبياء، فكل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجدٌ، لم يُبْنَ مسجد له منبر موجه إلى القبلة، فإن المسجد ما يتخذ للركوع والسجود فيه.

стр. 1386

فأهل ذلك الزمان قد غلب عليهم قصد قبور الأولياء والصالحين؛ للصلاة عندها، لاعتقاد أن للصلاة هناك مزية، وأنها أفضل من الصلاة في المساجد، ومع جماعة المسلمين، أو أن ذلك الولي يشفع في هذه الصلاة لتُقْبَل أو يضاعفَ ثوابها ونحو ذلك من الاعتقادات الفاسدة، ولا شك أن هذا تعظيم للمخلوق، ورفع لمنزلته إلى درجة لا يستحقها إلا الله. فأما الرسول محمد ﷺ ، فإننا نمجده ونحبه ونقدم محبته على الأنفس والأموال؛ فإنّ ذلك شرط لصحة الإيمان، لقوله ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده والناس أجمعين"، ولكن لا نخرجه بهذه المحبة عن طبيعة البشر فنجعله رباً، أو إلهاً، أو خالقاً، أو رازقاً، وإنما ميزته الرسالة؛ حيث فضّله الله على جميع البشر، وأنزل عليه الوحي وكلفه بحمل الرسالة وتبلغها إلى جميع الناس، مع أنه لا يزال متصفاً بالبشرية وبالعبودية. قال الله تعالى: ((قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)) (الكهف:١١٠) . بل إن الرسل كلهم لم يخرجوا عن وصف البشرية كما حكى الله عن الرسل قولهم لأممهم: ((إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده)) (إبراهيم:١١) . ولما تعنَّت بعض المشركين وطلبوا منه بعض الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله، قال الله تعالى له: ((قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً)) (الإسراء:٩٣) . فهل من دليل يفيد أن الرسل خرجوا عن طبيعة البشرية، فصاروا يعلمون الغيب ويملكون التصرف في الكون، ويشاركون الرب في الإعطاء والمنع، والضر والنفع، ونحو ذلك. أليس قد قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ((قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إليّ، وما أنا إلا نذير مبين)) (الأحقاف:٩) .

стр. 1387

بل أمره الله تعالى أن ينفي عن نفسه هذه الأمور؛ حيث قال تعالى: ((قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك)) (الأنعام:٥٠) . بل قد وصفه الله تعالى بالعبودية، التي هي تمام التذلل والخضوع للرب ، فقال تعالى في مقام التحدي، ((وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله)) (البقرة:٢٣) . وقال تعالى في مقام الإسراء: ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)) (الإسراء:١) . وقال تعالى في مقام الدعوة: ((وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لِبَداً)) (الجن:١٩) . وقال تعالى: ((الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)) (الكهف:١) . وقال: ((تبارك الذي نزل الفرقان على عبده)) (الفرقان:١) . فذكر تعالى أن من خصائصه ﷺ ، ومميزاته أن أنزل عليه هذا الكتاب، الذي أعجز الناس أن يعارضوه، ومن خصائصه ﷺ ، ومميزاته أن أسرى ببدنه وروحه إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماء إلى حيث شاء الله، ومن فضائله أن كلفه ربه بالدعوة إلى الله، وكل هذه المميزات لم تخرجه عن وصف العبودية لله بكل معانيها من كونه مملوكاً للرب، ومن كونه ذليلاً متواضعاً وخاضعاً له مطيعاً، وهذا وصف فضل وشرف اتصف به المصطفَون من عباد الله، ولم يتكبروا عنه، قال تعالى: ((لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون)) (النساء:١٧٢) . فنحن نقول: لا يصح في تمجيد الرسول ﷺ اعتقاد أنه خرج عن كل وصف البشرية، إلى وصف الملكية، أو إلى وصف الربوبية، أو الألوهية، ولا واسطة بينهما. رابعاً: يجب إعطاء المسألة والنصرة لله وحده: ثم قال الكاتب في السطر السادس عشر: [فمن اعتقد أن مدد الرسول انقطع لانتقاله إلى الرفيق الأعلى، فقد أساء الأدب مع الرسول، ويخشى عليه الموت على الكفر والعياذ بالله تعالى] . جوابه:

стр. 1388

أن يناقش عن مدد الرسول ﷺ في حياته وبعد مماته. * فإن أراد بمدده؛ دلالته على الخير، وإرشاده للأمة، وإيضاحه للحق والهدى، وتبليغه لما أرسل به، وبيانه لعلوم الشريعة أكمل بيان، فهذا لم ينقطع بموته، فإن الأمة لا تزال تستضيء بأنوار هدايته وتسير على النهج الذي رسمه لها، وتستمد من سنته ما يوضح لها طرق الهدى، فمن صد عن سنته وأعرض عنها فهو أضل من حمار أهله. * أما إن أراد بمدد الرسول ﷺ ؛ فوائد اتباعه، وآثار الاقتداء بسنته، وبركات العمل بشريعته،، فهذا أيضاً لم ينقطع بموته، فنحن نعتقد أن من سار على نهجه واقتفى طريقه حصلت له البركات وأمده الله بفضله وعطائه، وانتفع في هذه الحياة بنتائج هذا الاتباع كسائر الأعمال الصالحة، فإن العمل الصالح سبب في كثرة الخير، وحلول البركة، وسعة الرزق، وطيب الحياة، ورغد العيش، والنصر على الأعداء، وحصول العلم والفهم والفتح من الله، والإلهام والتوفيق لعمل الصالحات، والحفظ عن المنكرات، لكن لا يضاف المدد إلى الرسول ﷺ إلا حيث إنه ببركة اتباعه، وإلا فالله هو الذي يمد العاملين، ويعطيهم ويتفضل عليهم، لأنه تعالى مالك الملك وبيده النفع والضر، والعطاء والمنع، والخفض والرفع.

стр. 1389

* فإن أراد هذا الكاتب بمدد الرسول ﷺ ؛ إعطاءه لمن سأله، ونصره لمن استنصر به، وإجابته لمن دعاه ونحو ذلك، فمثل هذا لا يملكه الرسول ﷺ لا في حياته ولا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، بل هو إلى الله تعالى، كما قدمنا بعض الأدلة على ذلك كقوله تعالى: ((قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجدَ من دونه ملتحدا)) (الجن:٢١-٢٢) . وقوله: ((قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب)) (الأنعام:٥) . وقوله ﷺ لأقاربه: "أنقذوا أنفسكم من النار لا أغني عنكم من الله شيئاً". وقوله في حديث الغلول: "لا أغني عنك من الله شيئاً قد أبلغتك". فإذا كان الرسول ﷺ لا يملك جنس هذا المدد في حياته فهكذا لا يملكه بعد مماته، بل لا يملكه أحد من خلق الله، لا مَلكٌ مقرب، ولا نبي مرسل، فضلاً عن غيرهما، فمن اعتقد أنه ﷺ يمد من سأله، ويعطي من طلبه، وينفع من دعاه مع الله، فقد جعله لله نداً وصرف له خالص حق الله، وهذا النوع من الإمداد هو مراد هذا الكاتب وأضرابه، وغاب عنهم أن الصحابة ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يعتقدوا هذا الاعتقاد، ولم يفعلوا معه ما يدل عليه، فلو كانوا يعتقدون فيه هذا النوع لتهافتوا إلى قبره يطلبون منه المدد والإعطاء، فكم نزلت بهم من مصيبة؟! وكم وقعت من فتنة؛ كوقعة الحرة ونحوها؟! وكم سلط عليهم الأعداء؟! ولم يحفظ أنهم جاؤوا إلى القبر مستنصرين، ولا فزعوا إلى النبي ﷺ قائلين: المدد يا رسول الله!! ولو كان هذا اعتقادهم لتوافدوا إلى قبره أفواجاً، وأقبلوا إليه من كل حدب وصوب زرافات ووحداناً، فلما لم يفعلوا عُرف أن هذا الاعتقاد إنما هو من بدع المتأخرين؛ حيث أوقعهم الشيطان في ذلك الاعتقاد السيئ، ونتائجه الشركية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

стр. 1390

ولقد كان الصحابة ﵃، يطلبون منه الدعاء في حياته بالغيث، وإنزال المطر، ورفع العذاب، وبالمغفرة والجنة، وبسعة الرزق، وطيب الحياة، فيدعو الله لهم ويجيب الله دعوته؛ لكرامته عليه، ولفضله وشرفه، وليكون ذلك من جملة معجزاته، فأما بعد موته فلم يطلبوا منه شيئاً من ذلك أبداً؛ بل لما قحطوا عام الرمادة توسلوا بعمه العباس ﵁؛ لشرفه وكبر سنه وقرابته من النبي ﷺ ، فطلبوا من الله أن يجيب دعوته لهم لأنه حي موجود بينهم، ولم يتوسلوا بالنبي لله؛ لأنهم عرفوا عدم جواز ذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. خامساً: لا يجوز الإقسام بذات الرسول ﷺ على الله، أو السؤال بحقه أو بجاهه: ثم قال هذا الكاتب في السطر السابع: [ (التوسل) كلمة التوحيد لا تتم إلا بمحمد ﷺ ، فكيف يتهم بالشرك من توسل به إلى الله؟ لك أيها المسلم العاقل أن تتوسل إلى الله بكل ما يحبه الله...الخ] . والجواب: نقول: نعم! لا تتم شهادة أن لا إله إلا الله إلا بشهادة أن محمداً رسول الله، ذلك لأنه الذي دل على التوحيد ودعا إليه، ولأن الله تعالى نوَّه برسالته كما في قوله تعالى: ((محمد رسول الله)) (الفتح:٢٩) . وقوله: ((قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)) (الأعراف:١٥٨) . وقد فسرت هذه الشهادة بأنها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبَد الله إلا بما شرع. وفسرت الشهادة له بالعبودية والرسالة: بأنه عبد لا يُعبَد، ورسول لا يُكذَّب؛ بل يطاع ويُتَّبَع، فليس معنى هذه الشهادة أو من مستلزماتها التوسل بذاته وسؤال الله بجاهه ونحو ذلك. فأما قوله: [فكيف يتهم بالشرك من توسل به إلى الله؟] .

стр. 1391

فنقول: إن أراد من توسل بطاعته واتباعه فلا بأس بذلك، كأن يقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بإيماني وتصديقي واتباعي لرسولك وطاعتي له، أن تغفر لي ونحو ذلك، كما يجوز التوسل بسائر الأعمال الصالحة، كقصة أصحاب الغار الذين توسل أحدهم: ببرّه لأبويه، والثاني: بعفته عن الحرام، والثالث: بأمانته وأدائه حق الغير مع غلته. فيجوز أن نتوسل إلى الله بالصلوات، والأذكار، والصدقة، والجهاد، ونحوها من أعمال العبد التي يرحمه الله بسببها، ويقبل دعاءه. وهكذا إن أراد التوسل بمحبته، واحترامه وتوقيره، والصلاة والسلام عليه، وتعظيم سنته وشرعه وما جاء به، فهذا من التوسل المشروع، فيقول: يا رب أسألك وأتوسل إليك بمحبتي لك ولنبيك، وباحترامي له ولسنته، أن تهب لي من فضلك، وترزقني حلالاً، وتبارك لي فيما أعطيتني، ونحو ذلك. * وهكذا إن أراد التوسل بدعائه وشفاعته فلا بأس بذلك، ولكن يطلب ذلك كله من الله ويوجه إليه سؤاله، فيقول: اللهم اجعلني ممن تناله شفاعة نبيك يوم القيامة، أو: اللهم وفقني للعمل الصالح الذي أنال به شفاعة محمد ﷺ ، أو: اجعلني من المؤمنين الذين يدخلون في دعائه واستغفاره ﷺ ، وكل هذا ونحوه جائز إن شاء الله، ولا يخالف فيه أحد من أئمة الدعوة أو غيرهم من أهل السنة. وقد أمر الله نبيه ﷺ أن يستغفر للمؤمنين كما في قوله تعالى: ((واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)) (محمد:١٩) . فأنت تدعو الله أن يجعلك من المؤمنين الذي يعمُّهم هذا الاستغفار.

стр. 1392

* أما إن أراد هذا الكاتب السؤال بذاته، أو الإقسام بذاته على الله، أو السؤال بحقه أو بجاهه فهذا لا يجوز، فلم يرد عن الصحابة، ولا عن أحد من أئمة الدين أو علماء المسلمين المقتَدى بهم، ولا نُقل أن أحداً منهم قال: اللهم إني أسألك بحق نبيك، أو أنبيائك، أو بجاه أو حرمة فلان، أو أتوسل إليك بنبيك ونحو هذا، ولم يفعلوه في الاستسقاء ولا في غيره، لا في حياته ولا بعد مماته، لا عند قبره ولا عند قبر غيره، ولم يرد هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقله المتأخرون الذين وقعوا في الغلو والشرك، وينقلون في ذلك أحاديث ضعيفة، أو موضوعة؛ لا تقوم بها حجة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/٢٠٢) عن أبي حنيفة وأصحابه؛ أنهم صرحوا بالنهي عن ذلك، وقالوا: لا يُسأل بمخلوق، ولا يقول أحد: أسألك بحق أنبيائك. ثم نقل عن أبي حنيفة قال: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك. وقال أبو يوسف: معقد العز من عرشه هو الله، فلا أكره هذا، وأكره أن يقول: بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام. قال القدوري: المسألة بحقه لا تجوز، لأنه حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقاً. انتهى. ومعنى قوله: لا حقَّ للمخلوق على الخالق، أي: لا يحب على الله حق لخلقه؛ بل هو سبحانه المتفضل على عباده وهو الذي وفقهم للهداية والأعمال الصالحة، وامتنَّ على من شاء منهم بالفضيلة والكرامة، والنبوة والولاية، فليس لأحد عليه حق من واجب نظير ما يجب للمخلوق على المخلوق من الحق، الذي يطالب به ويلزم من عليه الحق بأدائه، فأما ما ورد من الأحاديث في حق العباد على الله، كقوله ﷺ : "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً". فهو حق تفضل وتكرم، ووعد وعدهم به وهو لا يخلف الميعاد.

стр. 1393

* فأما قول الكاتب: [لك أيها المسلم العاقل أن تتوسل إلى الله بكل ما يحبه الله] . جوابه: ما تقدم من أن التوسل الجائز هو التقرب إلى الله بكل الأعمال الصالحة التي يحبها، فمتى عمل المسلم الحسنات، وتقرب إلى الله بالقربات التي يحبها، كان ذلك أعظم التوسل، وهو معنى قوله تعالى: ((اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة)) (المائدة:٣٥) . أي: تقربوا إليه بالأعمال التي يحبها، وتكون موصلة لكم إلى مرضاته. فأما التوسل بالذوات والأشخاص وسؤال الله بحقهم، فإن ذلك لا يجوز، ولم يفعله السلف الصالح، ولو كان خيراً لسبقونا إليه. سادساً: يجوز التوسل بحب الصالحين ولا يجوز التوسل بأشخاصهم: أما قول هذا الكاتب: [إن الله يحب المتقين ذاتاً وصفات، أحياء وأمواتاً، ويحب من أحبهم، ويحب من اقتدى بهم، ويحب من توسل بهم إليه] . فالجواب: صحيح أن الله تعالى يحب المتقين، ويحب من أحبهم واقتدى بهم، ولكن محبتهم تستلزم محبة أعمالهم، فمن أحبهم صادقاً تَتَبَّعَ أفعالهم فطبقها وعمل مثل أعمالهم، فإن كنت تحب المتقين فاتق الله حق تقاته، حتى يحبك الله كما أحبهم، وإذا كنت تحب المتقين فقلدهم في أفعالهم، فإن من أحب الرسول ﷺ استن بسنته وعمل بالشرع الذي بلغه، ومن أحب الصالحين أصلح أعماله واقتفى آثار عباد الله الصالحين، فهذه علامات المحبة، قال الله تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)) (آل عمران:٣١) . فمن أحب المتقين وانهمك في الذنوب، وأشرك بالله واقترف المعاصي، وخالف سيماء أهل التقوى فدعواه كاذبة خاطئة. فأما التوسل بحبهم إلى الله فجائز؛ فإن حب أولياء الله وأهل الخير والصلاح من أعمال البر، التي يثيب الله عليها. فإذا قلت: أسألك يا رب وأتوسل إليك بحبك وحب أوليائك، وأهل التقوى والصلاح من عبادك، أن تهب لي من فضلك وجودك، ونحو ذلك، فلا بأس بذلك كالتوسل بسائر الأعمال القلبية.

стр. 1394

فأما التوسل بذواتهم وأشخاصهم أو بحقهم وجاههم؛ فقد عرفتَ أنه منكر من القول وزور، وأنه من وسائل تعظيمهم ورفع ذواتهم إلى ما لا يستحقه إلا الله، فيكون شركاً أو من وسائل الشرك، والله: ((لا يغفر أن يشرك به)) (النساء:١١٦) . بل قد توعد على الشرك بأعظم الوعيد، فكيف يحب أهله أو يثيبهم؟! ولكن أكثرهم يجهلون. سابعاً: حديث التوسل بجاهه ﷺ كذب وزور: ثم قال الكاتب في السطر الحادي والعشرين من الصفحة الثالثة: [قال ﷺ : "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم"] . أقول: هكذا أهل الجهالة والضلالة يتعلَّقون بما هو أوهى من بيت العنكبوت، فنحن نطالبهم بإثبات هذا المقال كحديث مرفوع، حتى يتم الاستدلال به، فإنه حديث لا أصل له أبداً. قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى (١/٣١٩) : وروى بعض الجهال عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا سألتم الله فسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم". وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث، مع أن جاهه عند الله تعالى أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين. فإذا كان موسى وعيسى وجيهين عند الله ، فكيف بسيد ولد آدم صاحب المقام المحمود؟! الذي يغبطه به الأولون والآخرون! وصاحب الكوثر والحوض المورود! وهو صاحب الشفاعة يوم القيامة! وهو صاحب اللواء، آدم ومن دونه تحت لوائه! ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له.. الخ.

стр. 1395

وقال أيضاً في الفتاوى (١/٣٤٦) : وقد تقدم أن ما يذكره بعض العامة من قوله ﷺ : "إذا كان لكم حاجة فاسألوا الله بجاهي". حديث باطل لم يروه أحد من أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب الحديث، وإنما المشروع الصلاة عليه في كل دعاء. ولهذا كما ذكر العلماء الدعاء في الاستسقاء وغيره، وذكروا الصلاة عليه، ولم يذكروا فيما شرع للمسلمين في هذه الحال التوسل به، إلى آخر كلامه ﵀. الصوفية تعرض هذا الكاتب للمدح والإطراء في حق الصوفية، وكأنه أراد بذلك الرد على أئمة الدعوة في إنكارهم على أهل الطرق والأحوال، أو اعتقد أنهم ينكرون على الصوفية ويمقتونهم، أو أراد بالثناء عليهم أن فيهم الأولياء والأصفياء، الذين وصلوا إلى حضرة القُدُس واتصلوا بالملأ الأعلى؛ فاستحقوا لذلك أن نتوسل بهم وندعوهم من دون الله، كما يفعل المشركون: مع الجيلاني، والبدوي، ونحوهما. ونحن نقول: إن الصوفية أصلاً هم الزهاد في الدنيا، والمشتغلون بالعبادة، وكانوا في الزمن الأول يرتدون الصوف الخشن من باب التقشف فعرفوا بهذا الاسم، كإبراهيم بن أدهم، وبشر الحافي، وإبراهيم الخواص، والجنيد بن محمد، ونحوهم، وكان أولئك يعبدون الله على علم وبصيرة، فيحافظون على الجماعات، ويبتعدون عن المحرمات، ويسارعون في الخيرات، ولم يكن عندهم شيء من البدع ولا الخرافات، ثم جاء بعدهم من تسمى باسم الصوفية وانتحل مذهباً خاصاً، وأصبح الصوفية أهل نحلة وطريقة مستقلة، وابتعدوا عن العلم والعلماء، واعتمدوا على الأذواق والمواجيد، فدخلت عليهم بدع وخرافات في المعتقد، وفي العمل: كالسماع، والرقص، والتواجد، وصحبة الأحداث، والزهد في المباحات، وتأليم النفس ونحو ذلك، وقد ناقشها ورد عليهم فيها الشيخ ابن الجوزي في كتابه (تلبيس إبليس) وغيره.

стр. 1396

ثم جاء بعدهم من تسمى بالتصوف أيضاً وغلا حتى تدخل في الربوبية، واعتقد أن الوجود واحد بالعين، وأنكر الفرق بين الخلق والخالق، وهم المسمون بالاتحاديين الحلوليين وأهل وحدة الوجود، وقولهم من أشنع الأقوال، وكفرهم أوضح من كفر اليهود والنصارى، فمنهم من أفصح عن ما يكنه، وأعلن معتقده كالحلاج فحكم بكفره أهل زمانه، وأفتوا بقتله فقتل، ومنهم من يتستر ويخفي معتقده ولكنه يظهر للمتمعن والمتفطن في كلامه، أمثال ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض ونحوهم. وهذا المعتقد الكفري قد تمكن وفشا القول به زمن شيخ الإسلام ابن تيمية، فرد على أهله ضمن رسائل مطبوعة في المجلد الثاني من مجموع فتاوى شيخ الإسلام، وله رسائل كثيرة في حقيقة التصوف والسلوك في المجلدين العاشر والحادي عشر، ومن هذا التقديم الموجز يعرف أنه لا يجوز إطلاق الذم ولا المدح للصوفية، بل يعطى كل منهم حكمه. أما الصوفية في هذا الزمان ومنهم من يعرفون بالتيجانية وغيرهم، فإنهم قد انتحلوا طرقاً، وصارت لهم مقامات وخواص تصادم الأدلة؛ حيث يعتقدون في أوليائهم الأقدمية على الرسل الكرام، ويزعمون أن الولي يأخذ عن الله بلا واسطة، ويرجعون إلى أقوال مقدميهم، ويحكَّمونهم في الأنفس والأزواج والأموال، ويعتقدون فيهم العصمة وملكية التصرف، ونحو ذلك، من الاعتقادات السيئة، فما داموا كذلك فهم مجانبون للصواب، ومحادون لله ورسوله، فلا نعرف لهم فضلاً ولا كرامة. أولاً: إطلاق الصوفية بأنهم صفوة الله من خلقه خطأ: قال الكاتب: [الصوفية هم صفوة الله من خلقه، وقدوتهم أهل الصُّفَّة الذين مدحهم الله، وأثنى عليهم في محكم كتابه؛ لأنهم عبدوه محبة فيه وشوقاً لرؤيته، وإمام الجميع المصطفى ﷺ بتوجيه من الله ، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة.. الخ] . جوابه:

стр. 1397

أن يقال: يعتقد هذا الكاتب وأمثاله أن اشتقاق اسم الصوفية من الصفاء، أي: صفاء القلوب، أو من الصفوة، أي: أنهم صفوة خلق الله، أي: خيرتهم وأفضلهم، وهذا خطأ؛ فإن الصوفية إنما وجدوا في أثناء القرن الثاني واشتهروا بالزهد والتقشف، ولبسوا الصوف المنسوج من صوف الضأن لخشونته، قال الشيخ تقي الدين في الفتاوى (١١/٢٨) : وكذلك في المائة الثانية صاروا يعبِّرون عن ذلك بلفظ الصوفي؛ لأن لبس الصوف يكثر في الزهاد، ومن قال: إن الصوفي نسبة إلى الصفة، أو إلى الصفا، فهي أقوال ضعيفة.. الخ. وقال أيضاً (١١/١٩٥) : واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح. وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل: إلى أهل الصفة، وقيل: إلى الصفا، وقيل: إلى الصفوة، وقيل: إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى، وهذه أقوال ضعيفة، فإنه لو كان كذلك لقيل: صَفِيّ، أو صفائي، أو صفوي، ولم يقل صوفي اهـ. وهذا الكاتب جعل الصوفية هم صفوة الله من خلقه، فأما أن يقصد سبب التسمية، أو يقصد الميزة والفضيلة، فقد عرفت أن اشتقاق التسمية من الصوف لا من الصفوة، وعرفت مما قدمناه أن الصوفية الأقدمين كانوا من صفوة عباد الله في ذلك الزمان؛ لكن ليسوا أفضل من أنبياء الله ورسله، ولا من الصحابة والسابقين الأولين، فإطلاق الكاتب بأنهم صفوة الله من خلقه، خطأ؛ فإنه يلزم منه تفضيلهم على ملائكة الله ورسله، وعلى أكابر الصحابة والخلفاء الراشدين، والسابقين إلى الإسلام، وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم، الذين لم يلبسوا الصوف، ولم ينتسبوا إلى الصوفية، ولا شك أن مراد الكاتب بهم صوفية هذا الزمان، ومن سبقهم من أئمتهم كابن عربي، وابن سبعين، والحلاج، ونحوهم ممن انتحلوا مذهب الاتحاد، الذي هو كفر صريح، وخروج عن عقيدة الأبنياء وأتباعهم، فهؤلاء ليسوا من الإسلام في شيء؛ فضلاً عن أن يكونوا صفوة الله من خلقه.

стр. 1398

فأما جعله أهل الصفة هم قدوتهم فهو أيضاً خطأ. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١١/٣٨) : أما الصُّفَّة التي ينسب إليها أهل الصفة من أصحاب النبي ﷺ فكانت في مؤخر المسجد النبوي في شمالي المسجد بالمدينة النبوية، كان يأوي إليها من فقراء المسلمين من ليس له أهل ولا مكان يأوي إليه؛ حيث يكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء والأغنياء والآهلين والعزاب، فكان من لم يتيسر له مكان يأوى إليه، يأوى إلى تلك الصفة التي في المسجد، ولم يكن جميع أهل الصفة يجتمعون في وقت واحد، بل منهم من يتأهل أو ينتقل إلى مكان آخر يتيسر له، ويجيء ناس بعد ناس، فكانوا تارة يقلون وتارة يكثرون، فتارة يكونون عشرة أو أقل، وتارة يكونون عشرين وثلاثين وأكثر، وتارة يكونون ستين وسبعين ... الخ. فعلم من هذا أن أهل الصفة هم فقراء المهاجرين، ولكنْ ليسوا قدوة لأهل التصوف، ولا لغيرهم، وليسوا أفضل من أكابر الصحابة من المهاجرين، الذين لم يأووا إلى تلك الصفة، ومن الأنصار الذين هم أهل المدينة، والله تعالى مدح الصحابة والسابقين الأولين عموماً، ولم يخص أهل الصفة بمدح ولا ثناء يتميزون به عن غيرهم، ولا شك أن جميع الصحابة عبدوا الله محبة له وشوقاً لرؤيته، وطلباً لثوابه، وأهل الصفة من جملتهم، فلا مبرر لتخصيص أهل الصفة بأنهم عبدوه محبة فيه وشوقاً لرؤيته، ما دام هذا الوصف يدخل فيه معهم غيرهم. * فأما قول هذا الكاتب: [وإمام الجميع المعصوم ﷺ بتوجيه من الله ، كان في غار حراء فوجد في الخلوة الجلوة.. الخ] .

стр. 1399

فنقول: صحيح أن النبي ﷺ إمام جميع أمة الإجابة الذين صدقوه وشهدوا له بالرسالة؛ ولكنه لم يشرع لأمته هذه الشطحات، ولا نقلت عنه تلك المواجيد والأذواق المزعومة، فأما خلوته في غار حراء فذلك تمهيد من الله لنزول الوحي عليه، ففي تلك الخلوة تصفية لسريرته وتفريغ لقلبه عن الشواغل، وإبعاد عن المجتمع المليء بالشرك والمعاصي والمخالفات؛ لكنه بعد أن نزل عليه الوحي لم يرجع إلى غار حراء، وما حفظ أنه بعد النبوة صعد ذلك الجبل، ولا حاول الخلوة والتفرد ولا انقطع عن الناس؛ بل لم يزل مع الناس ثلاث عشرة سنة بمكة يدعو إلى توحيد الله، ويخالط الناس ويجالسهم، ويعاشر أهله ويعلم أتباعه ما أوحي إليه، ويبلغ الناس رسالة ربه، وهكذا بعد أن هاجر إلى المدينة استمر في الدعوة والتعليم، وكان يجلس مجالس عامة يقرأ فيها القرآن، ويبين معانيه ويتلقى عنه أصحابه علم الشريعة، وتفاصيلها مع ما يقوم به من غزوات بنفسه، وبعث جيوش أو سرايا ودعاة إلى الله وجُباة، وبعث رسل وكتب لشرح تفاصيل الإسلام، وكل هذه الأعمال ونحوها تنافي أعمال الصوفية التي معظمها يدور على الخلوة والابتعاد عن مجتمع الناس، وعلى ترك الشهوات المباحة من: النكاح، وتناول الطيبات، وإعطاء النفس حظها من المباح، الذي يتقوى به على عبادة الله، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". فأين في سنته فعل الخلوة أو مدح الانقطاع عن الناس، أو التواجد والطرب عند السماع أو نحو ذلك؟! بل إ نه قد نهى عن السماع الذي يستعمله الصوفية وذم أهله، فأما ما يرويه الصوفية من تواجده وطربه في بعض المناسبات فكله كذب لا أصل له والله الموفق. ثانياً: إن حلاوة الأنس بالله تكون بذكر الله واتباع شرعه: ثم قال الكاتب:

стр. 1400

[من ذاق حلاوة أنسه رأى من لطفه العجائب، وتمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب، قال تعالى: ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً)) (الأحزاب:٤٥) . لفظ (أيها) بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، والشاهد لا يكون عن غيبة بل لابد من حضور، قال ﷺ : "وجعلت قرة عيني في الصلاة"] . جوابه: أن نقول: يعتقد الصوفية أن حلاوة الأنس بالله تعالى، لا تحصل إلا بالخلوة الطويلة والانفراد، ويسمون تلك الخلوة جمعية القلب، فإن أحدهم ينفرد في زاوية من مكان مظلم، ويبدأ في التفكير ويطيل النظر، ويتناسى الخلق كلهم، ويجمع همه على ربه، فربما ترك عدة صلوات متوالية تمر به حالة انفراده مخافة تفرق همومه وفساد جمعيته. وفي النهاية يزعم أنه يحصل له في تلك الخلوة مكاشفات واطلاع على الملأ الأعلى، وعلى أمور غيبية وخفية، ويسمى ذلك لذة الأنس، أو حلاوة المناجاة، ويزعم أنه يتمتع بلذيذ الخطاب، ويرفع له الحجاب عن ربه فيطلع بقلبه على ما أخفِي عن غيره، ويسمى الذين لم يصلوا إلى درجته ومنزلته: محجوبين مبعَدين عن القرب الذاتي إلى ربهم، وقد يصل أحدهم إلى غاية قصوى تسمى عندهم بالفناء؛ بحيث يفنى أحدهم بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده؛ بحيث يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وقد تجرهم هذه الأحوال إلى عقيدة سيئة هي اتحاد الخالق بالمخلوق (عقيدة أهل الحلول) ، وقد يزعم بعضهم أن مشايخهم وأكابرهم يصلون إلى درجة تسقط عنهم التكاليف، وتباح لهم المحرمات، ونحو ذلك من الخرافات، التي يمدحهم لأجلها هذا الكاتب وأضرابه. ونحن نقول: إن حلاوة الأنس بالله لا تحصل إلا بالاشتغال بذكره ودوام عبادته، والبعد عن القواطع والشواغل التي تقسي القلب، وتحول بينه وبين التفكير في آلائه، والتذكر لنعمائه.

стр. 1401

وقد أخبر النبي ﷺ بأن للإيمان حلاوة وطعماً كما في قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وقال ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً نبياً". وهكذا أخبر بأن العبادة بها تقر عينه ويرتاح بدنه، وهو معنى قوله ﷺ : "وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وقوله: "أرحنا يا بلال بالصلاة". فهذا ونحوه يفيد أنه ﵊، يجد في الصلاة لذة قلبه وسروره وابتهاجه وغاية فرحه وراحة بدنه؛ حيث إنه في الصلاة ينقطع عن الغير ويُقْبِلُ بقلبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلب من حال إلى حال يجد في كل منها الأنس بالعبادة، وكذا ينتقل من ذكر إلى دعاء، إلى تلاوة، وفي الجميع قوة للقلب والبدن. فبهذه الأوصاف تكون الصلاة مفيدة ومؤثرة على العبد وناهية عن الفحشاء والمنكر، فالرسول ﷺ إنما يلتذ بالعبادة بأي وصف كانت، ولم يكن يؤثر الخلوة والإنفراد، وليس في كون الصلاة قرة عينه ما يدل على أحوال الصوفية وأذواقهم ومواجيدهم، ولو من بعيد.

стр. 1402

فنحن نقول: ما نوع الأنس الذي يذوقون حلاوته، ثم يرون من لطفه العجائب؟ فإن كان الأنس بالذكر والصلاة والدعاء والتلاوة والتنقل في العبادة، فليس من شرط ذوقه الانفراد والعزلة والبعد عن الناس وترك الجمع والأعياد والجماعات؛ بل إن حلاوة العبادات يحس بها كل من أحضر قلبه حال أدائها، وأعرض عن كل ما يشغل القلب عن الإقبال على التدبر من أوهام ووساوس وحديث نفس، فتفريغ القلب من ذلك سهل ويسير على من يسره الله عليه، فهؤلاء هم الذين يوليهم الله عنايته ويلطف بهم، ويكون من آثار لطفه أن يحميهم ويحفظهم عن القواطع والعوائق، ويعصمهم من كبائر الإثم والفواحش، ويحميهم أيضاً من الشهوات والملذات التي تعوق سيرهم إلى ربهم، ويكون من آثار لطفه توفيقهم وتسديدهم: في الأقوال، والأعمال، والإقبال بقلوبهم على الطاعات، والاستكثار من الصالحات، وهذه سيرة الصحابة ﵃، ومن سار على نهجهم، الذين عمروا أوقاتهم بالتعلم والتفهم، والعمل والتطبيق، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات المباحة أسوة بنبيهم الذي قال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني". * فأما قول الكاتب: [وتمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب] . فنقول: إن أراد التمتع والتلذذ بتدبر القرآن وتعلقه؛ بحيث يعده خطاباً من ربه إليه، فهذا حق وصواب، فإن الله تعالى أمر بذلك كما في قوله: ((ليدّبروا آياته)) (ص:٢٩) . وقوله: ((أفلم يدّبروا القول)) (المؤمنون:٦٨) . لكن ليس من شرط هذا التمتع خلوة، أو انفراد؛ بل يحصل التلذذ بتدبره في الصلاة، وبين الناس.

стр. 1403

فأما إن أراد التمتع بلذيذ خطاب ربه وسماع كلامه منه إليه، وأن أهل الأحوال تتصل قلوبهم بالملأ الأعلى، ويناجون الله ويكلمهم ويكلمونه، ونحو ذلك، فكل ما يقولون في هذا الباب هوس ووحي شيطان، فإن الله تعالى خص أنبياءه بوحيه وخص موسى بالتكليم، كما قال تعالى: ((وكلَّم الله موسى تكليماً)) (النساء:١٦٤) . وكذلك نبينا ﷺ ليلة المعراج، وقد قال تعالى: ((وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم)) (الشورى:٥١) . وهذا الكاتب قد ذكر أن الصوفية ترفع عنهم الحجب والأستار، ويناجون ربهم ويتلذذون بكلامه، ومعنى هذا: أنهم فاقوا كثيراً من الأنبياء والرسل، الذين هم الواسطة بين العباد، فإن الرسل إنما يوحي الله إليهم وحياً، أو يرسل إليهم الله وبين رسولاً ملكياً أو يكلمهم من وراء حجاب، كما في نص هذه الآية، أما الصوفية في زعم هذا الكاتب فإنها ترفع لهم الحجب، وتخترق قلوبهم الأستار، وتتصل بالملأ الأعلى، وتسمع خطاب الرب تعالى مباشرة، وتتمتع بلذيذ ذلك الخطاب، فهل بعد هذا الغلو والرفع لمقامهم من زيادة، سبحان ربنا الأعلى؟! * فأما استدلاله بقوله تعالى: [ ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً)) . وقوله: لفظ "أيها" بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، والشاهد لا يكون عن غيبة بل لابد من حضور] . فالمتبادر أنه يقصد أحد أمرين: أحدهما: أن الله خاطبه وهو حاضر شاهد عنده، بأن كشف له الأستار، وقربه من حضرة القدس، وخاطبه كفاحاً بلا واسطة ملك ولا غيره، وهذا ليس على إطلاقه، فإن الآيات التي فيها نداء النبي ﷺ في القرآن كثيرة، ومعلوم أنها نزلت كغيرها بواسطة الملك وحياً من الله إليه، كما في قوله تعالى: ((نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين)) (الشعراء:١٩٣-١٩٤) .

стр. 1404

الثاني: أن يقصد أننا متى قرأنا هذه الآية فإنا نخاطب الرسول ﷺ ، كأنا نراه مواجهة ومقابلة، وأنه شاهد عندنا حاضر ليس بغائب، فيفيد ذلك أنه حي لم يمت، وأنه يسمع كل من خاطبه بهذه الآية أو غيرها، وأنه شاهد مع كل أحد في كل مكان، متى ناداه وخاطبه سمعه وأجابه، وأن هذا الوصف يعم كل ولي وصالح من أكابر الصوفية، ونحوهم. وهذا لا يصح؛ فلفظ "أيها": ليس خاصاً كما قال هذا بالمواجهة؛ بل إن الله خاطب نبيَّه بهذه الآيات الكثيرة آمراً له بما أرسله به، وما كلفه به من البشارة والنذارة والتبليغ والبيان، وكل ذلك أنزله بواسطة ملك الوحي، فالخطاب بواسطة يناسب فيه لفظ "أيها" فلا تدل على استلزام مواجهة ومقابلة. أما لفظ الشاهد: فالمراد الشهادة على الأمة بأنهم قد بُلِّغوا ودُعُوا وقامت عليهم الحجة، كما في قوله تعالى: ((ويكون الرسولُ عليكم شهيداً)) (البقرة:١٤٣) . وقوله: ((ليكون الرسول شهيداً عليكم)) (الحج:٧٨) . قيل: شاهداً على أنه قد بلّغكم ما أنزل إليه وبينه لكم، وقيل: شاهداً على أصحابه بحسن أعمالهم وصلاحهم واستقامتهم، فما يوهمه كلام الكاتب لا صحة له. ثالثاً: الصوفية كغيرهم لا يملكون شيئاً من أمر الكون لأنه لله وحده: ثم قال الكاتب: [الصوفي: هو من عرف أن التوجه إلى الله والانقطاع إليه مما ينيل القصد، ويهيئ النفس للملكية.. الخ] . أقول: قد ذكرنا أول الكلام تعريف الصوفية في أول الأمر، ثم ما آل إليه أمرهم وما دخل عليهم من البدع، ثم الطرق التي أوقعت الكثير منهم في الخروج عن الإسلام: كالحلول، والاتحاد، فأما التوجه إلى الله والانقطاع إليه فهو صفة شريفة عَليَّة متى قصد منها الإقبال على العبادات، والتفرغ لها والإعراض عن كل ما يشغل عن الطاعة، ويعوق عن مواصلة السير إلى الله.

стр. 1405

وهذه طريقة أهل الزهد والعلم والعبادة من الصوفية السلفيين ومن غير الصوفية، ولم يزل في المسلمين قديماً وحديثاً خلق كثير وجمع غفير يشتغلون جُلّ وقتهم بالعبادة القلبية الروحية، ويتوجهون إلى ربهم بقلوبهم، ويعلقون عليه آمالهم، وينقطعون إليه وحده، ويعرضون عما سواه، ولا ينافي ذلك إعطاء النفوس حظها من راحة ولذة مباحة: من مأكل، ومشرب، ومنكح، وملبس، وكذا الاشتغال بالكسب الحلال، وجمع المال الذي تمس إليه الحاجة من وجوهه الجائزة، كما أمر الله بذلك في قوله: ((فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)) (الجمعة:١٠) . وكما في قوله تعالى: ((وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)) (المزمل:٢٠) . وإذا كان الأنبياء والرسل يلتمسون الرزق ويطلبون المال من وجوهه، كما قال تعالى: ((وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)) (الفرقان:٢٠) . فكيف بأتباعهم، ومن هو دونهم؟ فإن أراد الكاتب بالانقطاع إلى الله، ترك الدنيا وما فيها والزهد في المباحات، والرهبنة، وترك كل الملذات ومشتهيات النفس التي تتقوى بها على الطاعات، فهذا الوصف والقصد غير صحيح؛ بل هو خلاف سنة النبي ﷺ ، وسائر الرسل وأتباعهم. * فأما قول الكاتب: و [يهيئ النفس للملكية] .. الخ. فهو خطأ من القول؛ فإن أراد بالملكية الصعود بالنفس إلى مقام الملائكة واتصافها بالروحية والنوارنية والاتصال بالملأ الأعلى، ونحو ذلك، فلا يصح، فإن نفس الإنسان لا تصل إلى صفات الملائكة، التي من خصائصها: العلو، والخفة، والنور، والمكاشفات، والاستغناء عن الدنيا، والانكفاف عن الشهوات، ونحوها. فإن الله ركَّب في طباع البشر من الشهوة، والالتذاذ بالطعم والمشرب، والميل إلى ذلك، والتألم بفقده ما لم يكن من صفات الملائكة.
следующие страницы →