Полный текст (1 746 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وقد أخبر النبي ﷺ بأن للإيمان حلاوة وطعماً كما في قوله ﷺ : "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار". وقال ﷺ : "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً نبياً".
وهكذا أخبر بأن العبادة بها تقر عينه ويرتاح بدنه، وهو معنى قوله ﷺ : "وجُعلت قرة عيني في الصلاة"، وقوله: "أرحنا يا بلال بالصلاة".
فهذا ونحوه يفيد أنه ﵊، يجد في الصلاة لذة قلبه وسروره وابتهاجه وغاية فرحه وراحة بدنه؛ حيث إنه في الصلاة ينقطع عن الغير ويُقْبِلُ بقلبه على ربه، ويلتذ بذكره ومناجاته، ويتقلب من حال إلى حال يجد في كل منها الأنس بالعبادة، وكذا ينتقل من ذكر إلى دعاء، إلى تلاوة، وفي الجميع قوة للقلب والبدن.
فبهذه الأوصاف تكون الصلاة مفيدة ومؤثرة على العبد وناهية عن الفحشاء والمنكر، فالرسول ﷺ إنما يلتذ بالعبادة بأي وصف كانت، ولم يكن يؤثر الخلوة والإنفراد، وليس في كون الصلاة قرة عينه ما يدل على أحوال الصوفية وأذواقهم ومواجيدهم، ولو من بعيد.
стр. 1402
فنحن نقول: ما نوع الأنس الذي يذوقون حلاوته، ثم يرون من لطفه العجائب؟ فإن كان الأنس بالذكر والصلاة والدعاء والتلاوة والتنقل في العبادة، فليس من شرط ذوقه الانفراد والعزلة والبعد عن الناس وترك الجمع والأعياد والجماعات؛ بل إن حلاوة العبادات يحس بها كل من أحضر قلبه حال أدائها، وأعرض عن كل ما يشغل القلب عن الإقبال على التدبر من أوهام ووساوس وحديث نفس، فتفريغ القلب من ذلك سهل ويسير على من يسره الله عليه، فهؤلاء هم الذين يوليهم الله عنايته ويلطف بهم، ويكون من آثار لطفه أن يحميهم ويحفظهم عن القواطع والعوائق، ويعصمهم من كبائر الإثم والفواحش، ويحميهم أيضاً من الشهوات والملذات التي تعوق سيرهم إلى ربهم، ويكون من آثار لطفه توفيقهم وتسديدهم: في الأقوال، والأعمال، والإقبال بقلوبهم على الطاعات، والاستكثار من الصالحات، وهذه سيرة الصحابة ﵃، ومن سار على نهجهم، الذين عمروا أوقاتهم بالتعلم والتفهم، والعمل والتطبيق، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات المباحة أسوة بنبيهم الذي قال: "لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن يرغب عن سنتي فليس مني".
* فأما قول الكاتب: [وتمتع بلذيذ الخطاب بعد رفع الحجاب] .
فنقول: إن أراد التمتع والتلذذ بتدبر القرآن وتعلقه؛ بحيث يعده خطاباً من ربه إليه، فهذا حق وصواب، فإن الله تعالى أمر بذلك كما في قوله: ((ليدّبروا آياته)) (ص:٢٩) . وقوله: ((أفلم يدّبروا القول)) (المؤمنون:٦٨) . لكن ليس من شرط هذا التمتع خلوة، أو انفراد؛ بل يحصل التلذذ بتدبره في الصلاة، وبين الناس.
стр. 1403
فأما إن أراد التمتع بلذيذ خطاب ربه وسماع كلامه منه إليه، وأن أهل الأحوال تتصل قلوبهم بالملأ الأعلى، ويناجون الله ويكلمهم ويكلمونه، ونحو ذلك، فكل ما يقولون في هذا الباب هوس ووحي شيطان، فإن الله تعالى خص أنبياءه بوحيه وخص موسى بالتكليم، كما قال تعالى: ((وكلَّم الله موسى تكليماً)) (النساء:١٦٤) . وكذلك نبينا ﷺ ليلة المعراج، وقد قال تعالى: ((وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليم حكيم)) (الشورى:٥١) .
وهذا الكاتب قد ذكر أن الصوفية ترفع عنهم الحجب والأستار، ويناجون ربهم ويتلذذون بكلامه، ومعنى هذا: أنهم فاقوا كثيراً من الأنبياء والرسل، الذين هم الواسطة بين العباد، فإن الرسل إنما يوحي الله إليهم وحياً، أو يرسل إليهم الله وبين رسولاً ملكياً أو يكلمهم من وراء حجاب، كما في نص هذه الآية، أما الصوفية في زعم هذا الكاتب فإنها ترفع لهم الحجب، وتخترق قلوبهم الأستار، وتتصل بالملأ الأعلى، وتسمع خطاب الرب تعالى مباشرة، وتتمتع بلذيذ ذلك الخطاب، فهل بعد هذا الغلو والرفع لمقامهم من زيادة، سبحان ربنا الأعلى؟!
* فأما استدلاله بقوله تعالى: [ ((يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً)) . وقوله: لفظ "أيها" بالذات في لغة العرب، لا يقال إلا عند المواجهة، والشاهد لا يكون عن غيبة بل لابد من حضور] . فالمتبادر أنه يقصد أحد أمرين:
أحدهما: أن الله خاطبه وهو حاضر شاهد عنده، بأن كشف له الأستار، وقربه من حضرة القدس، وخاطبه كفاحاً بلا واسطة ملك ولا غيره، وهذا ليس على إطلاقه، فإن الآيات التي فيها نداء النبي ﷺ في القرآن كثيرة، ومعلوم أنها نزلت كغيرها بواسطة الملك وحياً من الله إليه، كما في قوله تعالى: ((نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين)) (الشعراء:١٩٣-١٩٤) .
стр. 1404
الثاني: أن يقصد أننا متى قرأنا هذه الآية فإنا نخاطب الرسول ﷺ ، كأنا نراه مواجهة ومقابلة، وأنه شاهد عندنا حاضر ليس بغائب، فيفيد ذلك أنه حي لم يمت، وأنه يسمع كل من خاطبه بهذه الآية أو غيرها، وأنه شاهد مع كل أحد في كل مكان، متى ناداه وخاطبه سمعه وأجابه، وأن هذا الوصف يعم كل ولي وصالح من أكابر الصوفية، ونحوهم. وهذا لا يصح؛ فلفظ "أيها": ليس خاصاً كما قال هذا بالمواجهة؛ بل إن الله خاطب نبيَّه بهذه الآيات الكثيرة آمراً له بما أرسله به، وما كلفه به من البشارة والنذارة والتبليغ والبيان، وكل ذلك أنزله بواسطة ملك الوحي، فالخطاب بواسطة يناسب فيه لفظ "أيها" فلا تدل على استلزام مواجهة ومقابلة.
أما لفظ الشاهد: فالمراد الشهادة على الأمة بأنهم قد بُلِّغوا ودُعُوا وقامت عليهم الحجة، كما في قوله تعالى: ((ويكون الرسولُ عليكم شهيداً)) (البقرة:١٤٣) . وقوله: ((ليكون الرسول شهيداً عليكم)) (الحج:٧٨) . قيل: شاهداً على أنه قد بلّغكم ما أنزل إليه وبينه لكم، وقيل: شاهداً على أصحابه بحسن أعمالهم وصلاحهم واستقامتهم، فما يوهمه كلام الكاتب لا صحة له.
ثالثاً: الصوفية كغيرهم لا يملكون شيئاً من أمر الكون لأنه لله وحده:
ثم قال الكاتب:
[الصوفي: هو من عرف أن التوجه إلى الله والانقطاع إليه مما ينيل القصد، ويهيئ النفس للملكية.. الخ] .
أقول:
قد ذكرنا أول الكلام تعريف الصوفية في أول الأمر، ثم ما آل إليه أمرهم وما دخل عليهم من البدع، ثم الطرق التي أوقعت الكثير منهم في الخروج عن الإسلام: كالحلول، والاتحاد، فأما التوجه إلى الله والانقطاع إليه فهو صفة شريفة عَليَّة متى قصد منها الإقبال على العبادات، والتفرغ لها والإعراض عن كل ما يشغل عن الطاعة، ويعوق عن مواصلة السير إلى الله.
стр. 1405
وهذه طريقة أهل الزهد والعلم والعبادة من الصوفية السلفيين ومن غير الصوفية، ولم يزل في المسلمين قديماً وحديثاً خلق كثير وجمع غفير يشتغلون جُلّ وقتهم بالعبادة القلبية الروحية، ويتوجهون إلى ربهم بقلوبهم، ويعلقون عليه آمالهم، وينقطعون إليه وحده، ويعرضون عما سواه، ولا ينافي ذلك إعطاء النفوس حظها من راحة ولذة مباحة: من مأكل، ومشرب، ومنكح، وملبس، وكذا الاشتغال بالكسب الحلال، وجمع المال الذي تمس إليه الحاجة من وجوهه الجائزة، كما أمر الله بذلك في قوله: ((فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)) (الجمعة:١٠) . وكما في قوله تعالى: ((وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)) (المزمل:٢٠) .
وإذا كان الأنبياء والرسل يلتمسون الرزق ويطلبون المال من وجوهه، كما قال تعالى: ((وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)) (الفرقان:٢٠) . فكيف بأتباعهم، ومن هو دونهم؟ فإن أراد الكاتب بالانقطاع إلى الله، ترك الدنيا وما فيها والزهد في المباحات، والرهبنة، وترك كل الملذات ومشتهيات النفس التي تتقوى بها على الطاعات، فهذا الوصف والقصد غير صحيح؛ بل هو خلاف سنة النبي ﷺ ، وسائر الرسل وأتباعهم.
* فأما قول الكاتب: و [يهيئ النفس للملكية] .. الخ.
فهو خطأ من القول؛ فإن أراد بالملكية الصعود بالنفس إلى مقام الملائكة واتصافها بالروحية والنوارنية والاتصال بالملأ الأعلى، ونحو ذلك، فلا يصح، فإن نفس الإنسان لا تصل إلى صفات الملائكة، التي من خصائصها: العلو، والخفة، والنور، والمكاشفات، والاستغناء عن الدنيا، والانكفاف عن الشهوات، ونحوها. فإن الله ركَّب في طباع البشر من الشهوة، والالتذاذ بالطعم والمشرب، والميل إلى ذلك، والتألم بفقده ما لم يكن من صفات الملائكة.
стр. 1406
أما إن أراد بالملكية التملك وأن النفس تتهيأ لأن تملك شيئاً من أمر الكون أو تدبره أو تتصرف فيه تصرف المالك، فهذا أيضاً لا يصح، فالنفس البشرية وسائر النفوس المخلوقة ليس لها من الأمر شيء، ولا تقدر على التصرف المستقبل، ولا الملكية التامة النافذة؛ بل إن المخلوق نفسه مملوك لربه ولو ملك الدنيا بأسرها، فملكه مؤقت وناقص، وهو وما بيده ملك لربه، فكيف يقال: إن انقطاع الصوفي ينيله القصد ويهيئ نفسه للملكية.
رابعاً: ذكر الله يزيد في استمرار العبادة:
ثم قال هذا الكاتب:
[فاتخذ الذكر زاداً لروحه والفكر في آياته القرآنية والكونية شراباً لروحه.. الخ] .
فأقول:
هذا القول حق، فذكر الله دائماً هو قوت القلوب، وزاد الأرواح؛ ولكن ليس معناه أنه يغني عن الزاد الحقيقي للبدن، وإنما الذكر والفكر يقوي الروح، ويزيدها نشاطاً وثباتاً واستمراراً في العبادة، وحباً ورغبة في مواصلة العمل.
خامساً: العلماء مهما بلغوا؛ فهم مقيدون بنصوص الشريعة:
ثم قال الكاتب:
[حتى أشرقت على قلبه شمس المعارف الربانية، فأصبح القلب ينبوعاً من ينابع الأنوار والأسرار والحكم الربانية.. الخ] .
نقول:
هذا غير صحيح؛ فإن ذلك يستلزم تفوقه على الرسل والملائكة، واستغناءه عن الشريعة وعلومها، فإن الينبوع هو الماء النابع من الأرض، فمعنى ذلك أن شمس المعارف الربانية والعلوم الدينية قد أشرقت على قلوب الصوفية، وسطعت فيها فاستنارت بها فأصبح ينبوعاً للأنوار والأسرار، يعني: معدناً تنبع منه الأنوار الإلهية وتنفجر منه عيون الحكمة، وتتوارد عليه الأسرار والحكم الربانية؛ فتغنيه عن العلوم الشرعية.
стр. 1407
ونحن لا ننكر أن الله تعالى قد يفتح على بعض العباد إفهاماً وحكماً وأسراراً في كتابه أو شرعه، كما في قوله تعالى: ((واتقوا الله ويعلمكم الله)) (البقرة:٢٨٢) ؛ حيث جعل التقوى سبباً للتعليم، فالله تعالى قد يرزق بعض عباده الأتقياء والصالحين علوماً وأفهاماً وأسراراً في كتابه، أو في شرعه، ولكنها مستنبطة من القرآن والحديث، ومن الحكم العامة التي لأجلها شرعت الشرائع، وتنوعت الأوامر والأحكام، ولا تصل إلى الوصف الذي يذكره الكاتب من إشراق شمس المعارف.. الخ، فإنه مع ما فيه من المبالغة والإطراء غير صحيح؛ فإن القلب البشري لا يتصور أن يصبح ينبوعاً من ينابيع الأسرار والأنوار والحكم الربانية، وذلك لقصر الإنسان عن هذا الوصف مهما فتح عليه من العلوم والمعارف، مع أن هذا الوصف ليس خاصاً بالمتصوفة؛ بل هناك علماء الأمة وعبّادها قاموا بحقوق ربهم، ووقفوا عند حدوده، وعبدوه حق عبادته قد فتح الله على قلوبهم من الفهم والإدراك، والحفظ والاستنباط، الشيء الكثير، كما حصل للأئمة الأربعة، وللمحدثين والفقهاء من صدر هذه الأمة، وهم مع ذلك لم ينقطعوا عن الشهوات والملذات، ولم يدخلوا في عداد الصوفية، ولا توغلوا في إشاراتهم ورموزهم؛ بل هم متقيدون بنصوص الشريعة وبتعاليم ربهم، ومتبعون لسنة نبيهم ﷺ ، وذلك هو الفضل العظيم.
سادساً: الاتباع إنما يجب للرسول ﷺ لأنه المبلغ عن الله:
ثم قال الكاتب:
[ومن قال كذلك صارت أحواله كلها بالله، ولله، أمرنا باتباعه] .
جوابه:
стр. 1408
أن يقال: كيف تكون أحوال الصوفي كلها بالله ولله؟! مع أنه بشر يخطئ ويصيب، ويرتكب الذنوب، وهو محل النقص والتقصير في أداء حقوق ربه، وفي شكر نعمته: ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) (إبراهيم:٣٤) . وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر الصديق ﵁، ومع ذلك فقد علمه النبي ﷺ أن يقول في صلاته: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت..". الخ.
فإذا كان صدِّيق الأمة ﵁ يعترف بأنه ظلم نفسه ظلماً كثيراً، فكيف يكون المتصوف معوصماً وأحواله كلها بالله ولله؟! ونحن لا ننكر أن الله تعالى قد يوفق بعض أحبابه لتكون حركاته بالله، كما في الحديث القدسي عند البخاري عن أبي هريرة، وفيه: "فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به". فإن معنى ذلك تسديده في أقواله وأفعاله، ولكنّا لا نستطيع الجزم لشخص بعينه بأن أحواله كلها بالله ولله، كما ذكر هذا الكاتب.
* فأما قوله: [أمرنا باتباعه] .
стр. 1409
فغير صحيح؛ فإن أغلب الصوفية؛ سيما المتأخرين لهم شطحات خاطئة لا يجوز شرعاً اتباعهم فيها، فقد ظهر بُعْدُهم فيها عن الصواب، ولهم أيضاً طرق وأحوال مبتدعة: كالسماع، والرقص، والخلوة الطويلة، والبعد عن العلم والعلماء، والاستغناء عن الوحي بالأوهام، وحديث النفس الذي يخيل أنه وحي إلهام، فكيف يسوغ اتباعهم في هذه البدع ونحوها؟ وبأي نص أمرنا بذلك؟ مع العلم بأن الاتباع إنما يجب للرسول ﷺ لأنه المبلغ عن الله، وقد ورد الأمر بذلك، كما في قوله تعالى: ((واتبعوه لعلكم تهتدون)) (الأعراف:١٥٨) . وقال تعالى: ((قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)) (آل عمران:٣١) . وأن يطاع ويُتَّبع المخلوق، متى وافق أمر الله ورسوله، فيكون اتباعه خاصاً بما بلغه مما تحمله عن الله ورسوله، فالطواعية والاتباع في الحقيقة لله ورسوله، فمتى خالف المخلوق -مهما كانت مرتبته- صريح الكتاب والسنة، وجب طرح قوله، والرجوع إلى شرع الله، كما في قوله تعالى: ((فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)) (النساء:٥٩) .
سابعاً: شطحات شنيعة بعضها من أعظم الكفر وأشنعه:
ثم قال الكاتب:
[قال الإمام الأكبر، محي الدين ابن العربي ﵁: من لم يأخذ الطريق عن الرجال، فهو ينقل من محال إلى محال] .
نقول:
لا عبرة بالقائل ولا بما قال، فإن ابن عربي هذا مشهور بأنه اتحادي، يقول باتحاد، الخالق والمخلوق، وهو أعظم الكفر وأشنعه، وقد صرح بذلك في كتابيه: (فصوص الحكم) و: (الفتوحات المكية) وغيرهما من مخالفة الرسل صريحاً، ومدح الكفار والمشركين، وتصويب ما هم عليه.
стр. 1410
وقد نقل عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (١١/٢٤٠) تعقبه للجنيد بن محمد ﵀ في قوله: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. فأنكر عليه ابن عربي، وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية: يا جنيد، وهل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما؟ كذا قال! لأن عقيدته أن وجود المحدث هو عين وجود القديم، كما قال في فصوصه: ومن أسمائه الحسنى العلي على من؟ وما ثمَّ إلا هو، وعن ماذا؟ وما هو إلا هو. فعلوُّه لنفسه وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العليّة لذاته وليست إلا هو. إلى أن قال: هو عين ما بطن، وهو عين ما ظهر، وما ثَمَّ من يراه غيره، وما ثمَّ من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز وغير ذلك من الأسماء المحدثات.
ثم ذُكِرَ أن التلمساني لما قُرئ عليه الفصوص فقيل له: القرآن يخالف فصوصكم، فقال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحداً، فلم كانت الزوجة حلالاً والأخت حراماً؟ فقال: الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام، فقلنا: حرام عليكم.
ونقل شيخ الإسلام في المجموع (٢/١٢١) عن صاحب الفصوص، وهو ابن عربي المذكور قوله: إن آدم ﵇ إنما سُمِّي إنساناً لأنه للحق تعالى بمنزلة إنسان العين من العين، وهذا يقتضي أن آدم جزء من الحق تعالى وتقدس، وبعضاً منه، وأنه أفضل أجزائه وأبعاضه.
وهكذا قال في الفصوص: إن الحق المنزه هو الحق المشبه، فالأمر الخالق المخلوق والأمر المخلوق الخالق، كل ذلك من عين واحدة، لا؛ بل هو العين الواحدة وهو العيون الكثيرة.. الخ.
стр. 1411
وفي كلامه من أمثال هذا الكفر الصريح ما لا يحد ولا يوصف، وقد تعقبه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٢/٢٠٤-٢٨٤) وغيره. فكيف يوصف، مع ذلك بأنه الإمام الأكبر وبأنه يحي الدين؟ وقد انخدع بكلامه الجم الغفير، واعتقدوا أنه أجر الأولياء، وأرقاهم منزلة، وأرفعهم قدراً، وإنما تفطن له وعرف ما في كلامه من الكفر والضلال، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية الذي تحقق عقيدته، وعرف مواضع أخطائه أو تصريحاته في مؤلفاته، وناقشه في كل ذلك، وبين تناقضه وتهافته في كلامه، وذلك في مواضع كثيرة من مجموع الفتاوى وغيره.
* فأما قوله: [من لم يأخذ الطريق من الرجال إلخ] .
فمراده بالطريق مسلك الصوفية، وهو العبادات القلبية أو الأسرار الرمزية، كنوع من اللباس، أو إشارات بينهم يتناقلونها، ويتلقاها الصغير عن الكبير بأسانيد كأسانيد الأحاديث والمؤلفات.
فيقول أحدهم: أخذت الطريق عن فلان، وأخذها هو عن فلان، حتى تتصل بأكابرهم كالجيلاني، أو الحلاج ونحوهما، ولا يكتفون بما عليه المسلمون من تلقي الشريعة من الكتاب الكريم، والسنة المطهرة، فالطريق عندهم مسلك مغاير لمسلك الرسول ﷺ ، وصحابته وأئمة المسلمين، وقد اشتهروا بتسميتهم أهل الطرق أو الطرقية، ولا أستحضر شيئاً عن تفاصيل طرقهم ورموزهم ولكني أعتقد أنها خيالية لا يصح الركون إليها؛ لكونهم يؤثرونها على الشرع، ويستغنون بالعمل بها عمّا عليه في ذمهم، وبيان شيئ من أحوالهم، ومنها قول ذلك الناظم ﵀:
إن قلت قال الله قال رسولُه همزوك همز المنكر المتغالي
أو قلت قد قال الصحابة والأولى تبعوهم في القول والأفعل
أو قلت قال الشافعي ومالك وأبو حنيفة والإمام العالي
أو قلتَ قال صحابهم من بعدهم فالكلُّ عندهم كشبه خيال
стр. 1412
ويقول قلبي قال لي عن سره عن سر سري عن صفاء أحوال
عن حضرتي عن فكرتي عن خلوتي عن شاهدي عن واردي عن حالي
عن صفو وقتي عن حقيقة مشهدي عن سر ذاتي عن صفات فعالي
دعوى إذا حققتها ألفيتها ألقاب زور لفقت بمحالي
فهذه حقائق الطرق التي يتبجحون بها هم ومريدوهم، أمثال هذا الكتاب، الذي انتحل هذه المناهج المبتدعة، وتحامل على أهل التوحيد، ورغّب في وسائل الشرك في مذكرته هذه.
ثامناً: يحرم نشر هذه المذكرة لما فيها من الأكاذيب والأباطيل:
ثم قال:
[فالواجب عليك وعلى أمثالك من كبار العلماء نشر هذه المذكرة؛ لمن أراد النجاة في الآخرة عن طريق: الإذاعة، والمجلات الإسلامية، رحمة المسلمين، وخوفاً من عذاب الله، لأن كاتم العلم ملعون، نسأله الختام بجاه طه ﵇... الخ] .
جوابه:
أن نقول: الواجب والحرام إنما يؤخذ من الأدلة الشرعية، فنحن نقول: إن هذه المذكرة يحرم نشرها، ويجب إتلافها على من رآها، وذلك لما تحتوي عليه من الملاحظات التي ناقشنا بعضها فيما سبق مما يتعلق بالأسماء والصفات، وما يتعلق بالتوسل والاستشفاع، وما فهيا من ذم أهل التوحيد ورميهم بما هم منه براء، وكذا الغلو في مدح الصوفية المنحرفة والغالية، فعلى كبار العلماء التحذير لمن أراد النجاة عن الاغترار بمثل هذه البدع، ونشر السنة والعقيدة السلفية، وأدلة التوحيد والإخلاص، والنهي عن كتمان ذلك وعدم إيضاحه لمن يخاف وقوعه في أسباب الردى، فمن كتم ذلك فهو كاتم للعلم، وقد توعده الله تعالى بقوله: ((إن الذي يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يعلنهم الله ويلعنهم اللاعنون)) (البقرة:٥٩) .
стр. 1413
* فأما توسل هذا الكاتب بجاه طه ﵇، فهو من البدع التي قد توقع في الشرك المحبط للأعمال، وقد تقدم أنه استدل بحديث: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي.. إلخ"، وأنه كذب لا أصل له، وبيان ذلك أن نبينا ﷺ له جاه عند الله، ولكن لم يرد التوسل بجاهه، فليس جاه المخلوق عند الخالق كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه.
وبمراجعة ما تقدم يتضح وجه النهي عن السؤال بجاه المخلوق أو التوسل به، وأنه من وسائل تعظيم المخلوق ووصفه بما لا يستحقه إلا الله.
وهذا آخر ما أردت تعليقه على هذه المذكرة؛ نصحاً للمسلمين، وبياناً لما قد يلتبس من كلامه على الجهلة ونحوهم، مع أن أهل العقيدة والتوحيد لا يخفى عليهم ما تحتوي عليه تلك المذكرة من التهافت والتناقض، ونصر الباطل وإنكار حقيقة التوحيد، والله المستعان وعليه التكلان، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1414
محرمات متمكنة في الأسرة
تقديم فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
أحمد الله وأشكره وأثني عليه وأستغفره وأتوب إليه وأذكره، وأسأله سبحانه أن يغفر لنا الذنوب والخطايا، ويتجاوز عن المعاصي والآثام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند وشبيه ولا ظهير ولا معين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، محمد بن عبد الله الذي بشر وأنذر وخوف وحذر الأمة من صغائر الذنوب وكبائرها ﷺ وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره وتمسك بهداه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد:
فإن ربنا ﵎ خلقنا لعبادته وأمرنا بتوحيده وطاعته، وحرم معصيته ومخالفته، ووعد من أطاعه بالجنة والأجر العظيم، وتوعد من عصاه وخالف أمره بالنار والعذاب الأليم، وفرض على أنبيائه ورسله أن يبينوا للأمم تفاصيل الطاعات والمحرمات وما يترتب على فعلها من الثواب والعقاب، وبعد أن وضح الحق واستبان وعرف الناس الواجبات والمحظورات لم يبق للناس على الله حجة ولا اعتذار، فمن تمسك بالحق ودان لله تعالى بالعبودية وأذعن لأمره واستكان وتقرب إليه بالحسنات وحفظ نفسه عن السيئات فهو السعيد الفائز برضى الله تعالى وثوابه، ومن عصى وعتى وتمرد وخرج عن الطاعة وتجرأ على المحرمات فهو الشقي الطريد المبعد عن رحمة ربه وفضله.
وذلك أن الله تعالى من حكمته قد حف الجنة بالمكاره، وحف النار بالشهوات، فمن صبر على الطاعات وألزم نفسه بالمكاره من العبادات وتحمل في طاعة ربه المشقات والصعوبات فهو من أهل السعادة والفلاح وجزيل الثواب، ومن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني وانساق نحو شهواته وملذات نفسه وانخدع بالمغريات البراقة ولم يتمعن فيما وراء هذه الشهوات من العاقبة السيئة فهو من أهل الشقاء والحرمان وشديد العقاب.
стр. 1415
ومن حكمة الله تعالى كما حف النار بالشهوات أن مكن للعصاة وأمهلهم وعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا، وأعطاهم من زهرتها وزينتها، فاعتقد الغوغاء والعامة أنهم من ذوي الحظ العظيم، وأن إكرامهم في الدنيا دليل فضلهم وأقدميتهم رغم ما يجاهرون به من المعاصي، وما يفرطون فيه من الطاعات، فسار الأكثرون خلفهم، وأمعنوا في تقليدهم مما كان سبباً في ظهور المعاصي والمجاهرة بفعل المحرمات بدون خجل ولا مبالاة، فظهر التبرج والسفور ووسائل الزنا والفواحش، وكثرت بيوت الدعارة والفساد وشربت الخمور، وأعلن شرب الدخان وتعاطي المخدرات، وتفنن الكثير في السرقة والاختلاس وانتهاب الأموال وأكلها بغير حق، وكثر التعامل بالربا والغش والمخادعة والرشوة والاختيال على تحصيل المال بأنواع الحيل، وتهاون الكثيرون بالصلاة والصوم والأعمال الصالحة، فكان لزاماً على أهل العلم أن يبينوا للناس خطر ما وقعوا فيه، وأن يحذروهم عاقبة التهاون بالمحرمات.
وكنت قد ألقيت محاضرة حول بعض المعاصي المتفشية في هذه البلاد خاصة. وسجلها بعض الإخوان ثم أفرغها الأخ علي بن حسين أبو لوز وعرضها علي فصححتها، وقد أضاف إليها بعض التعديلات، وأذنت بنشرها على ما فيها من ضعف التركيب وعدم التنسيق الذي اقتضاه الارتجال، وأرجوا من الإخوان أن ينبهونا على ما فيها من خلل وخطأ فالمؤمن مرآة أخيه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
стр. 1416
فقد قال النبي ﷺ : ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء)) رواه مسلم. وقال ﵊: يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها. فقال قائل: ومن قلة بنا يومئذ؟ قال: ((بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن)) فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ فقال: ((حب الدنيا وكراهية الموت)) . (رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن عن ثوبان ﵁ .
أقول إن من حب الدنيا وكراهية الموت انتشار المعاصي والمحرمات هنا وهناك، والتي قد تمكنت في كثير من البلاد واعتادها الكثير من الناس فلا يستقبحونها ولا يستنكرونها.
لقد أصبح الإسلام غريباً في كثير من البقاع، وخاصة بين أهله، فما أن تجد شاباً ملتزماً بأمر الله ومتمسكاً بسنة رسوله صلى الله علية وسلم: من توفير لحيته، أو تقصير ثوبه، أو محافظته على الفرائض والسنن وغير ذلك؛ إلا وتجد من ينكر عليه ويقول: لا تتشدد فإن الدين يسر، وإن فعلك غلو وإفراط .... الخ. فجعلوا من يسر الدين ترك الأوامر، وارتكاب النواهي والمعاصي نسأل الله العافية.
أيها الأحباب:
إن للمعاصي آثاراً وخيمة على مرتكبها وعلى أسرته أو مجتمعه أو على أمته، وعلى الأرض والسماء والدواب وغيرها، قال تعالى: ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون)) (سورة الروم، الآية: ٤١) .
стр. 1417
والمحرمات والمعاصي هي حدود الله وهي كل ما حرمه الله في كتابه وحرمه نبيه ﷺ في سنته كما في الحديث: ((ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم الله فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسياً ثم تلا هذه الآية ((وما كان ربك نسياً)) . (سورة مريم، الآية: ٦٤)) ) . (رواه الحاكم وحسنه الألباني في غاية المرام ص: ١٤) .
وقال صلى الله علية وسلم: ((ما نهيتكم، عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم)) . (رواه مسلم) .
فعلى المسلم العاقل أن يتوب إلى ربه توبة نصوحاً، وأن يحذر كل الحذر من الوقوع في المحرمات، ومن وقع في شيء منها فليسارع إلى التوبة؛ فعسى الله أن يغفر له، قال ﷺ : ((كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)) (رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد) .
وفي الحديث أيضاً يقول النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)) . (رواه مسلم) .
وهذه رسالة مختصرة في بيان بعض المحرمات المتمكنة في الأمة، والمحرمات كثيرة، وكثيرة جداً، ولكن اقتصرنا على المشهور منها ليتبين للناس مدى خطورة هذه المعاصي فيتجنبوها، فيحموا أنفسهم ومجتمعهم ودوابهم وغير ذلك من سخط الله وعقابه.
نسأل الله تعالى لنا ولإخواننا أن يجنبنا المحرمات صغيرها وكبيرها، ونسأله تعالى الهداية والتوفيق والسداد، وأن يغنينا بحلاله عن حرامه، وبطاعته عن معصيته، إنه سميع قريب مجيب والله أعلم.
آثار الذنوب والمعاصي
стр. 1418
لاشك أن الذنوب والمعاصي والمحرمات سبب لمحق البركات، وقلة الخيرات، ومنع الأرزاق، وسبب لعقوبة الله تعالى وتسليطه على عباده أنواعاً من المثلات، وإحلال العقوبات، وذلك لأنه تعالى يغضب على من عصاه، ويعاقبهم على قدر ذنوبهم إذا لم يعف عنهم، كما ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: ((إذا أُطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وليس لبركتي نهاية، وإذا عُصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد) .
والمعصية يدخل فيها كل مخالفة، فتكون سبباً لغضب الله تعالى، ولا يقوم لغضبه قائم، ولأجل ذلك يتوعد الله على كثير من المعاصي باللعن، ويتوعد على بعضها بالغضب، ويتوعد على بعضها بالعذاب العاجل أو الآجل، تخويفاً منه للعباد حتى لا يقعوا في المعاصي والمحرمات.
وقد أخبر الله تعالى بأن هذه المعاصي سبب لمنع الرزق، وسبب لظهور الفساد، وسبب للشرور ولتمكن الأشرار، وتسلطهم على الأخيار.
يقول الله تعالى: ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)) . (سورة الروم، آية: ٤١) والفساد هنا يعم فساد الأخلاق، وفساد البلاد، ويعم الانحرافات، وهذا كله عقوبة على ما كسبت أيدي الناس، والكسب هنا هو فعل جرائم المحرمات، فقوله: ((بما كسبت أيدي الناس)) ، يعني بما عملوا من المحرمات التي تسبب العقوبة، وتسبب محق البركة.
стр. 1419
ومع ذلك فإنه سبحانه يخبر بأنه لا يعاجل عباده، ولكن يمهلهم ويؤخرهم، وإلا فلو عاجلهم لأحل بهم العقوبة الصارمة، قال تعالى: ((ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة)) (سورة فاطر: ٤٥) والكسب هنا يراد به الكسب السيئ، يعني المحرمات والسيئات. أي أنه تعالى لولا إمهاله لكان العباد على ما يعملونه مستحقين للعذاب، والضمير يعود على الأرض، أي: ما ترك على الأرض من دابة. والمعنى أنه لو يؤاخذ الناس بما يستحقونه من العقوبة على المظالم والمعاصي والمحرمات لعجل لهم، ولأخذهم ولأهلكهم حتى الدواب في الأرض.
ولكن إذا استقروا ولزموا الطريقة المستقيمة أعانهم الله وأغاثهم، قال تعالى: ((وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاً)) (سورة الجن الآية: ١٦)
والطريقة هي الإسلام، أي إذا استقاموا على الإسلام وتمسكوا به وعملوا بشرائعه وتركوا المحرمات، فإن الله تعالى يسقيهم ماء غرقا فيسقى الأرض ويغيث العباد ويسقي الحرث والأشجار. وأما إذا لم يفعلوا فإنه يعاقب من يشاء بأنواع العقوبة حسب ما يستحقونه.
ومع ذلك فإنه يعفو عن كثير من المخالفات، وإلا فان العباد على معاصيهم وذنوبهم يستحقون أكثر مما نزل بهم، قال تعالى: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)) (سورة الشورى، الآية: ٣٠) والكسب هنا السيئات. يعني أن ما ينزل بنا من مصيبة فإنه عقوبة على الكسب المحرم وعلى السيئات التي اكتسبتها أيدينا.
وقد ورد في بعض الأحاديث: ((ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة)) .
والإنسان لا يغتر بما هو فيه.
فلا يغتر بالأمن.
ولا يغتر بزهرة الدنيا.
ولا يغتر بزخرفها.
ولا يغتر بكثرة الأموال والأولاد.
ولا يغتر بالصحة في الأبدان.
ولا يغتر بما أعطاه الله وما خوله.
стр. 1420
فإن هذا ليس دليلاً على رضى الله إذا كان الإنسان يعمل ما يسخطه، ولكن هو من الإمهال إلى العذاب الذي لم يأت أجله، يقول الله تعالى: ((وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا)) (سورة الكهف: الآية ٥٨) يعني أن هذا الإمهال – لمن لم يستقم ولم يرجع إلى الله تعالى – له أجل ينتهي إليه.
ودليل ذلك الحديث الذي يقول فيه النبي ﷺ : ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ قول الله تعالى: ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)) (سورة هود: آية ١٠٢) . (متفق عليه) . والظالم هنا العاصي الذي اقترف معصية وفعل ذنباً أيما ذنب.
وقوله ﷺ : ((ليملي للظالم)) يعني يؤخره ويمهله ويعطيه على ما هو عليه، ومع ذلك فلعله أن يعود إلى ربه إذا كان ذا عقل، وأن تتغير حاله.
ويقول النبي ﷺ : ((إذا رأيت الله يعطي الظالم وهو مقيم على ظلمه فاعلم أنه استدراج)) . رواه أحمد. ويعطيه أي يوسّع عليه. فإذا رأيت الله تعالى يوسع على إنسان وهو ظالم، ومع ذلك تزداد مكانته ومنزلته وماله، ويزداد في طغيانه ومعصيته، فلا تظن أن ذلك لكرامته على الله، ولكن أعلم أن ذلك من باب الاستدراج، اقرأ قول الله تعالى: ((سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين)) (سورة الأعراف، الآيتان: ١٨٢، ١٨٣) فقوله: ((وأملي لهم)) يعني أؤخرهم إلى أن يحين أجلهم وتنزل بهم العقوبة.
وقد ورد في بعض الأحاديث: ((ما أخذ الله قوماً إلا عند غرتهم وغفلتهم وسلوتهم)) .والأخذ هنا العقوبة، أي: ما عاقبهم وأخذهم أخذ عزيز مقتدر إلا بعد أن يركنوا إلى الدنيا ويطمئنوا إليها، ويظنوا أنهم يتمتعون فيها.
واقرأ قوله تعالى: ((فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين)) (سورة الأعراف: ١٦٦) .
стр. 1421
واقرأ قول الله تعالى عن الذين مضوا: ((فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (٤٣) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون)) . (سورة الأنعام: ٤٣، ٤٤) .
و ((أخذناهم بغتة)) يعني على حين غرة وعلى حين غفلة.
فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، أو أخذهم بالتدريج وعاقبهم عقوبة بطيئة لم يتفطنوا لها حتى بغتهم أمر الله.
وهذا ونحوه يدل على أن السيئات والمحرمات من كبائر الذنوب وأن بسببها تنزل العقوبة العاجلة أو الآجلة، وإذا أمهل للعاصي ومات وهو في طغيانه وعلى كفره وعناده وظلمه وعدوانه، فلا يأمن أن يعاقب في الآخرة فإن عذاب الآخرة أشد وأبقى.
وكثيراً ما يذكر الله العذاب الأخروي الذي هو عذاب النار وبئس القرار، وذلك لتخويف العباد حتى يعودوا إلى الحق ويعبدوا ربهم وحده لا شريك له، قال تعالى: ((ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون)) . (سورة الزمر: الآية ١٦) .
فيجب علينا أن نخاف من عذاب الدنيا أن يعاجلنا الله به، كما عاجل الأمم السابقة الذين عتوا وبغوا وطغوا وتعدوا. أو نخاف من عذاب الآخرة إذا بقينا على هذه المعاصي والمحرمات، فنخاف أن يعاقبنا الله عقوبة أخروية وهي أشد وأبقى من عقوبة الدنيا.
هذا ما أحب أن أقوله في آثار الذنوب والمعاصي.
وللذنوب آثار كثيرة وعظيمة وقد قص الله تعالى علينا عقوبة الذين كذبوا وكيف أخذهم لما كذبوا ومكروا وردوا رسالته على رسله، فأنزل بهم أنواع العقوبات التي ذكرها في كتابه العزيز.
اجتنبوا السبع الموبقات
стр. 1422
إن المحرمات المتمكنة في الأمة كثيرة، وإن المسلم ليحذر أن يركن إلى شيء منها فيكون من أهل العقوبات، وقد وردت الأدلة في ذكر أنواع السيئات للتحذير منها ولعقوبتها ولشدة العذاب عليها. فمن ذلك قول النبي ﷺ : ((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) . متفق عليه.
وذلك لأن هذه السبع قد ذكر الله عليها عقوبات شديدة، ونأتي على ذكر كل واحدة من هذه المعاصي باختصار فنقول:
أولاً الشرك بالله:
لقد ذكر الله تعالى الشرك في قوله تعالى: ((إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)) . (سورة المائدة، الآية: ٧٢) .
وقال تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)) . (سورة النساء، الآية: ٤٨) .
وفي الحديث عن أبي بكرة ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟)) ثلاثاً: ((الإشراك بالله.. .. ..)) الحديث، (متفق عليه) .
والشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر. وكل منهما له أقسام.
والشرك الأكبر مخرج من الملة وهو الذي لا يغفره الله ، وصاحبه مخلد في النار أبد الآبدين.
أما الشرك الأصغر فإنه ليس يخرج من الملة ولكن صاحبه على خطر عظيم.
وهنا ننبه على أنواع من الشرك الأكبر المنتشرة على سبيل الاختصار:
فمن الشرك الأكبر الذبح والنذر لغير الله.
ومن الشرك الأكبر السحر والكهانة والعرافة.
ومن الشرك الأكبر اعتقاد النفع في أشياء لم تشرع كاعتقاد النفع في التمائم والعزائم ونحوها.
стр. 1423
ومن الشرك الأكبر الطواف حول القبور وعبادتها والاستعانة والاستغاثة بأصحابها، باعتقادهم أنهم ينفعونهم ويقضون لهم حاجاتهم. وهكذا دعاؤهم، ونداؤهم عند حصول الكربات والمكروهات لهم. فتجد أحدهم إذا أصابه مكروه يقول: يا بدوي! أو يا جيلاني! أو يا عبد القادر! أو يا حسين! أو يا علي! أو يا شاذلي! أو يا رفاعي! وهكذا دعاؤهم للسيدة زينب، والعيدروس وابن علوان وغيرهم كثير وكثير.
وهكذا من الشرك الأكبر تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله.
ومن الشرك الأكبر أيضاً اعتقاد بعضهم في تأثير النجوم والكواكب في بعض الظواهر الكونية وغيرها: كاعتقادهم أن المطر ينزل بسبب النجم كذا وكذا، وأن الرياح يثيرها نجم كذا وكذا، وهذا كله من الشرك بالله.
وهناك أنواع من الشرك الأصغر الغير مخرج من الملة نذكر بعضها على سبيل الاختصار:
فمن الشرك الأصغر الرياء والسمعة.
ومن الشرك الأصغر الطيرة وهي التشاؤم ويدخل فيه التشاؤم ببعض الشهور أو الأيام أو بعض الأسماء أو أصحاب العاهات.
وهكذا من الشرك الأصغر الحلف بغير الله: كالحلف بالآباء أو الأمهات أو الأولاد، أو الحلف بالأمانة، أو الحلف بالكعبة، أو الشرف، أو النبي، أو جاه النبي، أو الحلف بفلان، أو بحياة فلان، أو الحلف بالولي وغير ذلك كثير. فلا يجوز الحلف إلا بالله.
ثانياً: السحر.
وأما السحر فقد ذكره الله تعالى بقوله: ((ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)) إلى قوله: ((ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق)) . (سورة البقرة: الآية: ١٠٢) أي ماله في الآخرة حظ ولا نصيب.
стр. 1424
والسحر قد كثر في هذه البلاد، وهو من الأعمال الشيطانية، وهو متمكن في كثير من البلاد الإسلامية، ولا شك أنه نوع من الشرك وما ذاك إلا أن السحرة يعبدون الشياطين حتى تلابس من يريدون إضراره؛ فيكون الساحر بذلك مشركاً، حيث إنه يتقرب إلى الشيطان بما يحب حتى يخدمه الشيطان فيضر به مسلماً أو يضر به من يريد إضراره.
ولقد انتشر في هذا الزمان اللجوء إلى السحرة لفك السحر وهذا أمر شنيع ومحرم، وفي كلام الله وسنة رسوله ﷺ غنية لمن أصابه السحر ونحوه، وعليه أن يطلب الشفاء من الله أولاً ثم عمل الأسباب المباحة، كالرقية الشرعية ونحوها.
ولما كان السحر محرماً وهو نوع من أنواع الشرك بالله فقد حكم على الساحر بأنه كافر.
فواجب علينا أن نحذرهم ونبتعد عنهم، وواجب أن نُعَرَّفَ بمن نعرف منه أنه ساحر، أو يتعاطى السحر، من رجل أو امرأة.
ويدخل تحت باب السحر أيضاً الكهانة والعرافة، والكاهن أو العراف كافر إذا ادعيا علم الغيب.
ولا يجوز الذهاب إليهم ولا التعامل معهم، ومن ذهب إليهم مصدقاً لهم فهو كافر كفراً يخرج من الملة.
أما من ذهب إليهم وهو غير مصدق لهم فإنه لا يكفر ولكنه قد وقع في ذنب عظيم، كما ورد
أنه لا تقبل صلاته أربعين يوماً نسأل الله السلامة والعافية.
ثالثاً: قتل النفس.
وأما القتل فالمراد به الاعتداء على المسلم بسفك دمه أو جرحه أو قطع طرف منه، أو نحو ذلك، وقد ورد في الحديث: ((أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)) . (متفق عليه) . يعني: المظالم التي بين الناس يوم القيامة تكون في الدماء وتكون في الأموال وتكون في الأعراض ولكن الدماء أهمها، فلذلك يحكم بينهم في أمر هذه الدماء، فيقضي بينهم وذلك لأهميتها.
стр. 1425
وقد ورد الوعيد الشديد على قتل المسلم عمداً، قال الله تعال: ((ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً)) . (سورة النساء، الآية ٩٣) .
فقد توعد الله القاتل بأنواع العقوبات:
الأولى: جزاؤه جهنم وهو اسم من أسماء النار وبئس القرار.
الثانية: الخلود فيها يعني: طول المقام فيها إلى أجل لا يعلمه إلا الله.
الثالثة: الغضب أي: غضب الله عليه، وإذا غضب عليه فإنه يستحق أن يعاقبه.
الرابعة: اللعن وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله.
الخامسة: العذاب: على هذا الذنب الذي هو اعتداؤه على حرمة مسلم وإراقة دمه بغير حق.
رابعاً: أكل الربا:
والربا هو المال الذي يؤخذ بغير حق من المعاملات الربويه المحرمة شرعاً وهو من كبائر الذنوب، ولذلك قال الله تعالى: ((فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٢٧٥) يمحق الله الربا ويربي الصدقات)) . (سورة البقرة، الآيتان ٢٧٥، ٢٧٦) .
ولا شك أن الربا متمكن في الأمة. فكثير من المعاملات يكون فيها ربا وأهلها لا يشعرون، ولكن يفعلون ذلك تقليداً أو يفعلونه ظناً منهم أنه لا إثم فيه. فالواجب أن نبتعد عنه وألا نتعامل إلا بالمعاملات المباحة التي لا شك فيها، وفي الحلال غنية عن الحرام.
والربا محرم بالكتاب والسنة وهو من المهلكات والموبقات السبع، قال تعالى: ((يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (٢٧٨) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)) . (سورة البقرة، الآيتان:٢٧٨،٢٧٩) .
إن المتعامل بالربا قد حارب الله ورسوله، ويا خيبة من أعلن حربه على الله ورسوله لأنه خاسر لا محالة.
стр. 1426
وانظر أيها المتعامل بالربا إلى ما قاله الرسول ﷺ في شناعة عملك هذا، ففي الحديث عن عبد الله بن مسعود قال: ((الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم)) . انظر: صحيح الجامع (٣٥٣٣) .
وعن عبد الله بن حنظلة ﵄: ((درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية)) . انظر: صحيح الجامع (٣٣٧٥) .
خامساً: أكل مال اليتيم:
يعم كل من كان عنده مال لغيره من يتيم أو فقير أو نحو ذلك، فَأَكَلَهُ وجَحَدَهُ.
وقد توعد الله من أكل مال اليتامى بالعذاب الشديد فقال تعالى: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً)) . (سورة النساء، الآية:١٠) فأكلهم النار، يعني: في عذاب الله تعالى يعاقبون بأن يأكلوا ناراً.
وهذه النار التي يأكلونها هي من نار جهنم. يروى أنهم يلقمون جمرات في النار تحرق أجوافهم، أو أنهم يسقون من الحميم الذي هو أشد حرارة مما يتصور، كما في قوله تعالى: ((وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم)) . (سورة محمد، الآية١٥) .
فأخبر بأنهم إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً، أو أنهم يأكلون هذا المال الحرام ويعاقبون بأن يعذبوا في النار يوم القيامة، وهذا وعيد شديد.
وعلى المسلم أن يبتعد عن أكل أموال الناس بغير الحق، اليتامى وغيرهم، والله تعالى قد نهى عن أكل المال بغير حق، فقال تعالى: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)) . (سورة البقرة، الآية: ١٨٨) يعني: لا تأكلوا أموال الناس التي تخصهم بغير حق ظلماً وعدواناً، فإنكم بذلك متعرضون لعذاب الله تعالى وغضبه.
стр. 1427
ومن أكل أموال الناس بالباطل كل مال حرام وسحت ومن ذلك: السرقة والرشوة والغصب والتزوير وبيع المحرمات والربا وما يؤخذ كأجرة على المحرمات كالكهانة أو الغناء ونحوها.
وفي الحديث عن النبي ﷺ : ((كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به)) . (رواه أحمد والترمذي والدارمي) .
فعليك أخي المسلم التوبة من حقوق الناس، وهو شرط من شروط التوبة، فلا تتم التوبة إلا بإرجاع الحقوق إلى أهلها أو استباحتهم.
سادساً: التولي يوم الزحف:
والتولي يوم الزحف هو: عندما تتقابل الصفوف في القتال فينهزم من ينهزم ويسلط العدو على المسلمين فيأخذ بعضهم بالهرب بسبب انهزامه، فهذا هو التولي. وهو بذلك متوعد بوعيد شديد ذكره الله تعالى بقوله: ((يا أيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار (١٥) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيز إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (١٦)) ) . (سورة الأنفال، الآيتان: ١٥، ١٦) وهذا وعيد شديد على التولي يوم الزحف.
سابعاً: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات:
قال تعالى: ((إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (٢٣) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (٢٤)) ) . (سورة النور، الآيات: ٢٣، ٢٤، ٢٥) .
والقذف هو الرمي بالفاحشة، بأن يرمي إنساناً بريئاً بقوله: إنك قد زنيت، أو هذا زان، أو هذه زانية، وهو كاذب عليهم. لا شك أن هذا بهتان وظلم وكذب ورمي لمسلم بريء بفاحشة لم يعملها، وإلصاق له بتهمة يظهر شناعتها، فيلام بها ويعاب عليها.
стр. 1428
فلأجل ذلك استحق العقوبة كل من رمى إنساناً بريئاً بفاحشة وهو عالم بأنه بريء، قال تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (٤) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا)) . (سورة النور، الآيتان: ٤، ٥) .
فقد عاقب الله من رمى مؤمناً بفاحشة بثلاث عقوبات:
الأولى: الجلد. ((فاجلدوهم ثمانين جلدة)) .
الثانية: رفض الشهادة ((ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً)) .
الثالثة: الحكم عليهم بأنهم فاسقون. ((وأولئك هم الفاسقون)) .
إلا من تاب من هذه المعاصي التي بيَّن النبي ﷺ أنها من الموبقات المهلكات التي تسبب العذاب على صاحبها، سواء في الدنيا أو في الآخرة.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) . (رواه مسلم) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من قذف مملوكه وهو بريء مما قال، جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال)) . (متفق عليه) .
ويلحق بهذه الكبائر كل ما يشبهها أو يقاس عليها، مما يدخل فيه الوعيد، أو مما فيه مفسدة للأمة، وفيما يلي نأتي على شيء من الذنوب والمعاصي التي يظن البعض أنها من الصغائر فيستهين بها ولا يلقي لها بالاً ليكون المسلم على حذر منها، فإن من وقع فيها ولم يتب كان على خطر عظيم، وإن ربك لبالمرصاد وإن جهنم موعدهم أجمعين إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، فنرجو الله له المغفرة والرحمة، والله غفور رحيم.
إياكم ومحقرات الذنوب
стр. 1429
كثيراً ما يقع المسلم في بعض الذنوب ويظن أنها من الصغائر، فيحتقرها، ولا يلقي لها بالاً أو يحتج بقوله تعالى: ((إن الله غفور رحيم)) والبعض الآخر بحديث: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما)) . (رواه مسلم) . وغيرها من الأقوال ومداخل الشيطان عليهم.
ونحن نقول لا يجوز للمسلم أن يتهاون بهذه الذنوب التي يدعي أنها من الصغائر، أو بالذنوب التي هي مقدمات للكبائر، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: ((إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على الرجل يهلكنه. وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلاً: ((كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعودة والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سواداً كثيراً، فأججوا ناراً وأنضجوا ما قذفوا فيها)) . (رواه أحمد) .
هذا مثل ضربه النبي ﷺ ، وهو أنه لو كان هناك جماعة مسافرون وليس معهم حطب يوقدون به ليصلحوا طعامهم والأرض ليس فيها حطب ظاهر، ولكنهم قوم كثير فتفرقوا في الأرض، فوجد هذا بعرة ووجد هذا عوداً، ووجد هذا عوداً. حتى اجتمع سواد، يعني حطب كثير، فكان ذلك سبباً في أنهم أوقدوا فيه وأنضجوا طعامهم، وأصلحوا ما يريدون إصلاحه.
فكذلك هذه السيئات الصغيرة تأتي من هنا واحدة ومن هناك ثانية وثالثة ورابعة وهلم جرّا، حتى تجتمع على الإنسان فتهلكة، وهو متساهل بها ومتصاغر لها لا يظن أنها تبلغ ما بلغته.
وأنا أذكر جملة من هذه الذنوب التي يحتقرها كثير من الناس ويظن أنها صغيرة ولا محذور فيها للتذكير، فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وحتى يبتعد عنها المسلم ويقف عند حدود الله:
أولاً: السخرية والاستهزاء وإطلاق الكلمات البذيئة:
стр. 1430
كثير ما يتلفظ بعض الناس بكلمات لا يهتم بها ولا يلقي لها بالاً وقد تهلكه كما قال النبي ﷺ : ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب)) . (رواه البخاري) .
وما أكثر هذه الكلمات التي لا ينتبه لها صاحبها عند المقال، ولا يفكر فيها، وقد تكون كفراً، وقد تكون معصية، ولكنه لا يقدر لها تقديراً.
كثيراً ما يتكلم بكلمة كسُبَّةٍ، أو بهتان أو ظلم، أو غيبة، أو نميمة، أو سخرية أو استهزاء في أمر من الأمور، ولا يتفطن لها فيحكم عليه بالكفر والعياذ بالله.
ولقد توعد الله بالوعيد الشديد الذين يسخرون بأهل الخير وبأهل الصلاح. وقد عد الله السخرية بهم والاستهزاء بآيات الله وبأحكامه وبشرائعه كفراً.
ومن الأدلة على خطر الاستهزاء بالله وبآياته وبأوليائه المؤمنين قول الله تعالى عن أهل النار: ((وقالوا ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار * اتخذناهم سخرياً أم زاغت عنهم الأبصار)) . (سورة ص، الآيتان: ٦٢، ٦٣) . يقولون: إننا كنا نستهزئ بالمطوعين، ونستهزئ بالمصلين، ونستهزئ بالملتحين، ونستهزئ ونسخر بالمتدينين، ونعدهم أشراراً، ونعدهم فجاراً وضلالاً، واليوم لا نراهم معنا في النار!!
أين ذُهب بهم؟!
أين أولئك الذين كنا نعدهم من الأشرار، ونتخذهم سخرياً؟!
ومن الأدلة أيضاً قول الله تعالى: ((زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب)) . (سورة البقرة، الآية:٢١٢) .
((ويسخرون من الذين ءامنوا)) يعني يستهزئون بالمؤمنين وبالمتدينين وبالصالحين، ويسخرون من زهدهم وتمسكهم بدينهم، فلذلك عاقبهم الله تعالى بأن أحل بهم غضبه وعذابه وصاروا من أعدائه.
أما أولئك الذين كان يسخر منهم ويستهزأ بهم فهم من أولياء الله الذين أكرمهم بجزيل ثوابه.
стр. 1431
ومن الأدلة أيضاً ما حكاه الله تعالى عن المنافقين بأنهم يلمزون أهل الخير، فقال تعالى: ((الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم)) . (سورة التوبة، الآية: ٧٩) .
ويلمزونهم أي: يعيبونهم، وما أكثر الذين يلمزون المطوعين ويعيبونهم! فيعيبونهم مثلاً بالصلاة، ويعيبونهم برفع الثياب وتقصيرها، ويعيبونهم بإرخاء اللحى وإعفائها، ويعيبونهم بترك شرب الدخان والخمور، وما أشبهها!
وتلك شكات ذاهب عنك عارها، فالعبادات المذكورة لا عيب فيها، وليس عليك عيب إذا عابك مثل هؤلاء وتنقصوك، وإنما العيب في الذي يعيبك بتمسكك فهو أولى بأن يكون معيباً ذميماً.
ولقد ذم الله أولئك الذين يستهزئون بالمؤمنين ويلمزونهم، وسماهم مجرمين، قال تعالى، ((إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون)) . (سورة المطففين، الآية: ٢٩) . والذين آمنوا يراد بهم الذين حققوا الإيمان وعملوا الصالحات، وتركوا المحرمات. فالمجرمون يضحكون منهم ويستهزئون بهم قال تعالى: ((وإذا مروا بهم يتغامزون)) . (سورة المطففين، الآية: ٣٠) . وقال: ((وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون (٣٢) وما أرسلوا عليهم حافظين)) . (سورة المطففين، الآيتان: ٣٢، ٣٣) .
هكذا تكون حالهم في الدنيا، أما في الآخرة فإن المؤمنين يضحكون منهم عندما يرونهم هم الخاسرين.
ولا شك أن الاستهزاء والسخرية بأهل الخير هو الكمال الحقيقي بأهل الخير، ذلك أنهم أهل الطاعة وأهل الاستقامة، أما أولئك فهم أهل الضلال والخسران فبماذا يمتدحون؟
أيمتدحون بشربهم الخمور؟!
أم يمتدحون بسماع الأغاني؟!
أم يمتدحون بحلق اللحى وإعفاء الشوارب؟!
أم يمتدحون بترك الصلوات أو التكاسل عنها؟!
أم يمتدحون بالغيبة والنميمة والبهتان؟! أم.. أم.. أم.. الخ.
стр. 1432
ثم نقول أنه لا يجوز الجلوس مع هؤلاء الفساق الذين يستهزئون بالمؤمنين ويلمزونهم ويسخرون منهم، كما أخبر الله بذلك فقال: ((وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)) . (سورة الأنعام، الآية: ٦٨) .
بل لا يجوز السكوت على ما يقولونه من السخرية أو الاستهزاء أو الرضا بما يقولونه، قال تعالى: ((فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)) . (سورة التوبة، الآية: ٩٦) . ولا يجلس مع هؤلاء الأشرار إلا ضعاف الإيمان والذين لم يتمكن الإيمان في قلوبهم.
أما من أراد دعوتهم ونصحهم وبيان الحق وأن ما هم عليه فهو باطل فلا بأس بالجلوس معهم بقدر البيان لهم وتحذيرهم، فهو من الدعوة إلى الله.
ثانياً: شرب الخمور وتعاطي المخدرات:
ومن المنكرات والمحرمات المتمكنة في الأمة، والتي فشت في كثير من الناس، شرب الخمور والمسكرات وتعاطي المخدرات.
إن الكثير من الشباب اليوم يبيت ليله على شرب هذه المسكرات وتعاطيها، وربما تفوت عليهم أوقات كثيرة وهم في سكر والعياذ بالله.
وقد وردت الأدلة الكثيرة في تحريم الخمر، وذكر جل وعلا العلة في تحريمها فقال تعالى: ((إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان واجتنبوة)) . (سورة المائدة، الآية: ٩٠) . وهذا دليل واضح على تحريم الخمر، وهو الأمر بالاجتناب الذي هو البعد عنها. وكذلك مقارنتها بالأنصاب وهي آلهة الكفار، وهذا دليل آخر على تحريمها.
فانظر أيها المسلم العاقل إلى هؤلاء الذين يعيبون أهل الخير والاستقامة، كيف حالهم وهم سكارى؟! نسأل الله العافية.
وفي الحديث عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ : ((إن الله عهد لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال)) قالوا: يا رسول الله وما طينة الخبال؟ قال: ((عرق أهل النار أو عصارة أهل النار)) . (رواه مسلم) .
стр. 1433
وقال ﷺ : ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام)) . (رواه أبو داود، وانظر صحيح الجامع (٣١٢٨)) .
فكل مسكر ولو كان غير الخمر فهو حرام، فالويسكي أو الشمبانيا، أو الفودكا أو البيرة أو العرق وغيرها كلها داخلة في التحريم فهي كلها أسماء للخمر، كما ورد في الحديث: ((ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها)) . (رواه الإمام أحمد، وانظر صحيح الجامع (٥٤٥٣)) . وهناك من يسميها مشروبات روحية نسأل الله العافية.
ثم انظر أيها المسلم لهذا الحديث العظيم وأمعن النظر فيه، فإنه يقطع القلوب لمن كان عنده إيمان، قال النبي ﷺ : ((من شرب الخمر وسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، وإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشرب فسكر لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً، فإن مات دخل النار، فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة، قالوا: يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال عصارة أهل النار)) . (رواه الترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة وصححه ابن حبان (١٣٧٨) والحاكم: ٤/١٤٥، ١٤٦. ووافقه الذهبي. وحسنة أحمد شاكر (٤٩١٨) .
وقد انتشر في هذا الزمان تعاطي المخدرات ولا شك أنها أشد وأعظم من الخمر، فهي أشد حرمة من الخمر، وإذا كان هذا الوعيد الشديد في من شرب الخمر، فكيف بمن يتعاطى المخدرات؟ بل كيف بمن أدمن عليها؟!
نسأل الله أن يهدي شباب المسلمين وأن يردهم إلى الحق رداً جميلاً وأن يبعد عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن
ثالثاً: تعاطي القمار والميسر:
стр. 1434
ومن المنكرات التي فشت أيضاً وتمكنت في الأمة لعب القمار، وهو الميسر الذي قرنه الله بالخمر، قال تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون)) . (سورة المائدة، الآية:٩٠) .
إن الكثير من الشباب يبيت طوال ليله على اللعب بما يسمى الورق أو على اللعب بما يسمى (البلوت) أو ما أشبه ذلك، فماذا يستفيدون من هذا اللعب؟!
فإن كان على عوض فإنه ميسر محرم، حيث إنه يكسب مالاً حراماً إذا ربح، مع ما يترتب على ذلك من العقوبة والإثم الذي ذكره الله بقوله: ((إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)) . (سورة المائدة، الآية:٩١) .
فالميسر هو اللعب الذي يُؤخذ عليه عِوض. ولا شك أن الذين يلعبون هذه الألعاب ينشغلون عن ذكر الله، فلا تجدهم يذكرون الله إلا قليلاً، وينشغلون عن الصلاة، فكثير منهم يلعب إلى نصف الليل أو ثلث الليل أو ثلثي الليل. فمتى يقومون لأداء صلاة الفجر مع الجماعة؟!
إن أضرار هذه الألعاب التي فشت وتمكنت في الأمة كثيرة جداً:
إنها سبب في السب والشتم والتشاحن والخلافات.
وسبب لتضييع الأوقات.
وسبب لعقوبة الله لهؤلاء المفرطين.
إن أولئك المدمنين على هذه الألعاب يدعون أنهم بلعبهم هذا يقطعون الفراغ، وذلك أن عندهم أوقات فراغ طويلة يحبون أن يشغلوها بهذه الألعاب، وبئس ما فعلوا، فعندهم وقت ثمين يستحق أن يشغلوه بطاعة الله.
فما بالهم لم يتعلموا العلم؟!
وما بالهم لم يتعلموا القرآن ولم يتعلموا معانيه ولم ينشغلوا بحفظه؟!
وما بالهم لم يجتهدوا في ذكر الله تعالى وفي دعائه وفي طاعته؟!
لماذا ينشغلون باللهو واللعب ويتركون ما هو ذكر وطاعة وخير ويقطعون أوقاتهم في هذه المحرمات؟!
والقمار أو الميسر له أشكال كثيرة ومتنوعة وهو من أعمال الجاهلية المشهورة:
стр. 1435
فمن أشكاله في هذا الزمان ما يسمى (عقود التأمين التجاري) كالتأمين على الحياة أو السيارات أو البضائع أو المنازل أو المصانع ونحوها، وهذا من الميسر المحرم، ومنه التأمين الجزئي أو التأمين الشامل أو التأمين ضد الغير وهذا كله من الميسر الحرام.
ومن أشكاله أيضاً ما يسمى (بالنصيب الخيري) في بعض البلاد، وكان من الأولى أن يسموه (اليانصيب الشرِّي) لأنه يأتي بشر ولا يأتي بخير، وكل ما يكسبه الفائز من الجوائز العينية أو المالية فهو حرام وسحت.
ومن أشكاله أيضاً المراهنات في المباريات وغيرها. أما إذا كانت هذه المباريات لا تحتوي على جعل فإنها مباحة إذا خلت من المحرمات: كإضاعة الصلوات أو السب والشتم واللعن أو تكشف للعورات ونحوها.
ومن الألعاب المحرمة التي تدخل في هذا الباب:
لعبة الملاكمة لما فيها من ضرب الوجه والذي ورد النهي عنه.
مسابقات اختيار ملكة جمال العالم.
لعبة مناطحة الأكباش أو الثيران أو مناقرة الديوك وغيرها.
ومما يجب التنبيه عليه ما انتشر في هذه الأزمنة من وجود المسابقات في بعض المحلات التجارية فتأخذ رقماً يتم السحب عليه ثم توزع الجوائز على أصحاب الأرقام الفائزة.
وبعض المحلات التجارية أو المصانع تضع بداخل سلعتها حروفاً لأسماء أو أرقام معينة أو أجزاء من صورة ما، ثم يقولون: من جمع هذه الحروف وتكونت لديه كلمة كذا فإنه يربح، ثم بعد ذلك يحدد الفائز الأول والثاني وهكذا علماً بأن المشتري لا يعلم ما بداخل السلعة فيلزم فتحها حتى يعلم الحرف أو الرقم الذي بداخله، وهكذا يظل يشتري حتى تتكون لديه جميع الحروف والأرقام، وربما لا تجتمع لديه فيكون خاسراً.
وربما يشتري أكثر من قيمة الجائزة وهذا كله حرام وسحت ومن الميسر المحرم.
وهناك مسابقات مباحة لا تدخل في الميسر ومن ذلك:
مسابقات تحفيظ القرآن أو مسابقات العلم الشرعي كالبحوث ونحوها. وهذه جائزة بجعل وبدون جعل.
стр. 1436
ومن المسابقات المباحة أيضاً سباق الخيل والإبل والرمي والسباحة ونحوها، وهذه جائزة أيضاً بجعل وبدون جعل.
رابعاً: سماع الأغاني والموسيقى ونحوها:
إن من أبرز المحرمات التي تمكنت في الأمة وصارت مرضاً عضالاً، هو سماع الأغاني والموسيقى والملاهي والعكوف عليها.
إن الكثير ممن انتكست فطرتهم عندما يقرأ عليهم القرآن تجد أحدهم ينعس أو ينام، وإذا سمع أغنية أو مطرباً أو مغنياً طرب له، وذهب عنه النعاس، وذهب عنه الوسن الذي كان يعتريه، وقام نشيطاً، وبات ليله على سماع هذا المنكر، نسأل الله العافية.
لا شك أن هذا السماع من المحرمات، ولا شك أن السامع واقع في إثم عظيم، لأنه حيل بينه وبين سماع القرآن، واعتاض عنه الغناء واللهو الذي يشغله عن ذكر الله. ثم هو مع ذلك يفسد القلوب، فإن هؤلاء الذين يعكفون على سماع الغناء تفسد أمزجتهم وتفسد قلوبهم والعياذ بالله، وتثقل عليهم الطاعات، وتسهل عليهم المحرمات، ثم هو دافع أيضاً إلى ما وراءه وما هو شر منه، والعياذ بالله، فيكون إثمه أعظم وأكبر، وخاصة إذا كانت الأغنية مثيرة أو بصوت امرأة من المطربات ونحوها.
لقد فشت بسبب هذه الأغاني منكرات كثيرة منها فعل فاحشة الزنا واللواط، وما شابههما، وتمكنت في كثير من الناس، وما ذاك إلا أنهم ألفو اهذه الأصوات الرقيقة الرنانة المثيرة للوجد والمثيرة للشهوات التي تدفعهم إلى اقتراف المحرمات ولا يجدون ما يردعهم.
إن ضعف الإيمان وضعف الوازع الديني سبب رئيس لتمكن هذه الأغاني في قلوب كثير من الناس، وكذلك قلة الخوف من الله تعالى ومراقبته في السر والعلن، وإلا لو وجد الخوف لما كان لهذه الأغاني طريق إلى القلوب.
فنصيحتي للإخوة بأن يحفظوا أنفسهم عن سماع الأغاني أو الجلوس عندها، والبحث عما فيه خير في الدنيا والآخرة من ذكر الله وطاعته، وألا يكونوا كالذين استبدلوا الذي هو أدني بالذي هو خير، نسأل الله السلامة والرحمة.
стр. 1437
ومن الأدلة على تحريم الأغاني والموسيقى ونحوها، قوله ﷺ : ((ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)) . (رواه البخاري) .
وعن أنس ﵁: ((ليكونن في هذه الأمة خسف ومسخ وذلك إذا شربوا الخمور واتخذوا القينات وضربوا بالمعازف)) . رواه الترمذي، وانظر السلسة الصحيحة ٢٢٠٣)) .
ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى: ((ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله)) . (سورة لقمان، الآية: ٦٠) . وكان ابن مسعود رضي الله يقسم بالله عنه أنه الغناء. انظر: تفسير القرآن الكريم لابن كثير.
خامساً: النظر إلى الصور عبر جهاز التلفاز أو الفيديو ونحوه:
ومن المنكرات أيضاً النظر إلى تلك الصور الفاتنة والتفكه بالنظر فيها، تلك الصور التي تعرض في الأفلام عبر أجهزة الفيديو والتلفاز وغيرهما، والتي تعرض فيها صور النساء المتبرجات، سيما التي تذاع من البلاد الأجنبية كالبث المباشر، وما يعرض بواسطة ما يسمى (بالدش) وما أشبهها.
إنها والله فتنة وأي فتنة، حيث إن الذي ينظر إلى تلك الصور لا يأمن أن تقع في قلبه صورة هذه المرأة أو صورة هذا الزاني أو هذا الذي يفعل الفاحشة أمام عينيه، وهو يمثل له كيفية الوصول إليها. فلا يملك نفسه أن يندفع إلى البحث عن قضاء شهوته، إذا لم يكن معه إيمان أكب على النظر إلى هذه الصور، سواء كانت مرسومة أو مصورة في صحف ومجلات، أو كانت مرئية عبر البث المباشر، أو تعرض في الأفلام ونحوها.
стр. 1438
إن هذه المعاصي والمحرمات المتمكنة قد فشت كثيراً وكثيراً، ودعت إلى فواحش أخرى، فالمرأة إذا أكبت على رؤية هؤلاء الرجال الأجانب لم تأمن أن يميل قلبها إلى فعل الفاحشة، وإذا رأت المرأة هؤلاء النساء المتفسخات المتبرجات المتنكفات المتحليات بأنواع الفتنة، لم تأمن أن تقلدهن فترى أنهن أكمل منها عقلاً، وأكمل منها اتزاناً وقوة، فيدفعها ذلك إلى أن تلقي جلباب الحياء، وأن تكشف عن وجهها، وأن تبدي زينتها للأجانب، وأن تكون فتنة وأي فتنة.
سادسا: ً تبرج النساء:
وإن من المحرمات المتفشية أيضاً تبرج كثير من النساء في الأماكن العامة وغيرها، والذي هو تفسخ وقلة حياء منهن.
إن هذا التبرج له أسباب كثيرة، وأهم الأسباب في وجوده وانتشاره، عكوف كثير من النساء على رؤية الصور الخليعة في الصحف والأفلام ونحوها، فهو الذي أوقع في قلوبهن حب الشهوات التي أدت إلى خلع جلباب الحياء، مما دعاهن إلى أن يندفعن إلى فعل الفاحشة.ولا يحصى ما يحصل، أو ما يعثر عليه هيئات الأمر بالمعروف والدعاة إلى الله تعالى من أماكن الدعارة، ومن أماكن الفساد، ومن اختطاف النساء من الأسواق، وكذلك اختطاف طالبات المدارس، برضاهن أو بغير رضاهن، مما يؤدي إلى فعل الفاحشة بهن، وهذا لا شك أن له دوافع وأسباباً كثيرة أدت إليه، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
قلة الإيمان الرادع وضعف الوازع الديني مما يؤدي إلى عدم أو قلة الخوف من الله.
عدم الغيرة من أوليائهن والمحافظة عليهن.
جلب الأولياء لهذه الأجهزة كالتلفاز والفيديو والدش وغيرها، والتي سبَّبت خلع الحياء عند كثير منهن، والتبرج المحرم، حتى حصلت هذه المحرمات وما شبهها.
إن هذا التبرج معصية لله ورسوله ﷺ .
وهو من كبائر الذنوب.
وهو سبب للعن والطرد من رحمة الله، كما في الحديث: ((سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فإنهن ملعونات)) . (رواه مسلم) .
стр. 1439
وهو أيضاً من صفات أهل النار.
وهو سواد وظلمة يوم القيامة.
وهو نفاق.
وهو هتك لستر ما بينها وبين الله.
وهو من الفواحش.
وهو من أفعال الجاهلية.
وهو من فتح الباب إلى كثير من الفتن، فهو يؤدي إلى الخلوة والاختلاط، وغيرها من الفواحش: كالزنا واللواط.
وللتبرج مفاسد كثيرة:
منها: فساد أخلاق الرجال.
ومنها: تحطيم وتفكك الأسر.
ومنها: المتاجرة بالمرأة.
ومنها: انتشار الأمراض إذا حدث الوقوع في الفاحشة.
ومنها: أنها سبب في الوقوع في الزنا.
ومنها: أنها سبب لوقوع عقوبات من الله.
فيا أولياء النساء والزوجات والبنات تذكروا: أن الرجل راع على أهله وهو مسؤول عن رعيته. فاحذروا الخلوة، والاختلاط، والتبرج، فإنها والزنى رفيقان لا يفترقان.
ثم اعلموا أن الستر أعظم عون على العفاف. واحذروا أجهزة الفساد السمعية والمرئية فإن فيها الشر الكبير وهي فتنة وأي فتنة.
إن الرجال الناظرين إلى النساء
مثل السباع تطوف باللحمان
إن لم تصن تلك اللحومَ أُسُوْدُها
أكلت بلا عوض ولا أثمان
فالله الله يا ولي أمر المرأة في نسائك ومحارمك فإنك مسؤول، احفظ بنتك وأختك وزوجتك ولا تتركهن يربيهن التلفاز والفيديو والدش فتندم حين لا ينفع الندم.
وفي الختام: وبعد ذكر هذه النبذة المختصرة لبعض المحرمات، فهناك محرمات أخرى متمكنة، ولكن اقتصرنا على بعضها والمقصود الإشارة واللبيب تكفيه الإشارة.
أيها الأخوة: إن انتشار هذه الفواحش سبب في وقوع العقوبة من الله على الأمم، فقد ورد في بعض الأحاديث: ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا)) . (رواه بن ماجه) .
وهذا من معجزات النبي ﷺ حيث أخبر بما يحدث في المستقبل، ولقد رأينا تحقيق هذا الحديث في هذا الزمان بما يحدث في الدول الأجنبية من إباحة الفاحشة وإعلانها، وما نتج عنه من الأمراض الخبيثة التي لم تكن من قبل.
стр. 1440
إننا نشاهد كثيراً من الأمراض التي يذكرها الأطباء ليل نهار، والتي استعصى علاج الكثير منها، يقولون إن سببها فعل هذه الفواحش.
اسألوا الأطباء: ما هو علاج هذه الأمراض؟!
ما هو علاج الإيدز؟!
ما هو علاج مرض الهربس؟!
ما هو علاج مرض السرطان؟!
ما هو علاج مرض كذا وكذا؟!
لا شك أنه استعصى عليهم الكثير من هذه الأمراض، والتي من أسبابها والعياذ بالله اقترافُ هذه الفواحش والمحرمات والعكوف على فعلها.
نسأل الله أن يحفظنا ويحفظ شباب المسلمين ونساءهم، وأن يحفظ علينا بلدنا هذا من الفتن والشرور وجميع بلاد المسلمين.. اللهم آمين.
كيف تحصن نفسك
وبعد أن عرفنا جملة من المعاصي والمحرمات المتمكنة في الأمة، وعرفنا أدلتها، والوعيد الشديد على من اقترفها وعكف عليها، فإننا نقول: كيف يحصن المسلم نفسه وأهله ونساءه وأولاده حتى لا يقع في مثل هذه المعاصي والمحرمات؟!
أولاً: بالتربية الحسنة:
نعم، إن أول حصن حصين ومانع قوي، هو التربية الحسنة، التربية على الأخلاق والآداب الإسلامية، والتربية على معرفة الله، ومعرفة آثار هذه المعاصي السيئة ومعرفة تأثيرها على الطاعات والأعمال الصالحة وعلى المجتمع.
أيها الإخوة: إن الذي يتربى على الطاعة يألفها ويحبها، والذي يتربى على حب الأعمال الصالحة فإن ذلك يحمله على الاستكثار من العبادات والطاعات.
ولا شك أن من أسباب الوقوع في السيئات والمعاصي نقص قَدْرِ الله وعظمته وإجلاله في قلب العبد، فإنه لو كان لقدر الله نصيب في نفسك أيها العاصي لما وقعتَ فيما وقعت فيه من الذنوب والخطايا، لأن معرفتك بالله وعظمته وهيبته تمنعك من اقتراف هذه الذنوب، ولو كنت تعلم يقيناً أن الله مطلع عليك لما عصيته في أرضه لو وقعت الخشية في قلبك منه.
следующие страницы →