← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وعن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه، قال: كنّا ننصرف في رمضان من القيام، فنستعجل الخدم بالطعام، مخافة فوت السحور. وسبق في حديث السائب أن القارئ يقرأ بالمئين، حتى كانوا يعتمدون على العصي، فما كانوا ينصرفون إلا في فروع الفجر، وروى مسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ : "أفضل الصلاة طول القنوت". أي طول القيام، وروى مسلم -أيضاً- عن حذيفة، قال: صليت مع النبي ﷺ ، ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: "سمع الله لمن حمده". ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد، فقال: "سبحان ربي الأعلى". فكان سجوده قريباً من قيامه". وروى البخاري ومسلم عن ابن مسعود، قال: "صليت مع رسول الله، ﷺ ، فأطال، حتى هممت بأمر سوء، هممت أن أجلس وأدعه". فمن هذه الأحاديث يؤخذ أن سنة النبي ﷺ ، التي داوم عليها طول القيام، وطول الأركان، وأنه يخص العشر بمزيد من الاجتهاد، والله أعلم.

стр. 562

السؤال:- بعض الناس مّمن يُحبُّ الخير والتقرُّب إلى الله يذهب بعيداً أو قريباً للصلاة في ليالي شهر رمضان المبارك خلف إمام معين، بحجة خشوع هذا الإمام وقراءته الجيدة، فهل هذا الفعل مشروع؟ الجواب:- من المشاهد أن القلب يخشع ويخضع عند سماع القرآن من القارئ الذي يتقن القراءة، ويتغنّى بالقرآن، ويجيد التلاوة، ويكون حسن الصوت، يظهر من قراءته أنه يخاف الله -تعالى- فإذا وجد الإنسان الخشوع، وحضور القلب خلف الإمام الذي يكون كذلك، فله أن يُصلي خلفه، وله أن يأتي إليه من مكان بعيد أو قريب، ليحصل له الاستفادة والإِخبات في صلاته، وليتأثر بهذه القراءة التي رغب سماعها، وأحضرها لبّهُ، وخشع لها، فينصرف وقد ازداد إيماناً، واطمأنَّ إلى كلام الله -تعالى- وأحبّه، فيحمله ذلك على أن يألف القراءة ويكثر منها، ويتدبّر كتاب الله، ويقرؤه للاستفادة، ويحرص على تطبيقه والعمل به، ويتلوه حق تلاوته، ويحاول تحسين صوته بالقرآن. وقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن" وفي الصحيحين عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أذن الله لشيء كما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". وعن البراء ﵁ أن النبي ﷺ ، قال: "حسِّنوا القرآن بأصواتكم، فإنَّ الصوت الحسن يزيد القرآن حُسْناً". فمن هذه الأدلة يباح اختيار الإمام الذي يجيد القرآن، ويكون حسن الصوت به والترتيل، وإذا كان بعيداً فالذهاب إليه أكثر أجراً، لما يكتب من الخطوات والذهاب والمجيء، والله الموفق.

стр. 563

السؤال:- ما حكم القراءة من المصحف للإمام الذي لا يحفظ؟ وما حكم متابعة المأموم الإمام بالنظر في المصحف عند القراءة بحجّة إصلاح خطأ الإمام، أو من أجل زيادة الفهم والتدبُّر والخشوع، كما يحتجون؟ وهل ترون هناك بأساً فيما إذا خصّص الإمام أحد المأمومين ليحمل المصحف ليصلح الأخطاء التي قد يقع فيها؟ الجواب:- لا أرى بأساً في حمل المصحف خلف الإمام، ومتابعته في القراءة لهذا الغرض، أو للفتح عليه إذا غلط، ويغتفر ما يحصل من حركة القبض وتقليب الأوراق، وترك السنة في قبض اليسار باليمين، كما يغتفر ذلك في حقّ الإمام الذي يحتاج إلى القراءة في المصحف، لعدم حفظه للقرآن، ففائدة متابعة الإمام في المصحف ظاهرة، بحضور القلب لما يسمعه، وبالرقة والخشوع، وبإصلاح الأخطاء التي تقع في القراءة من الأفراد، ومعرفة مواضعها، كما أن بعض الأئمة يكون حافظاً للقرآن فيقرأ في الصلاة عن ظهر قلب، وقد يغلط ولا يكون خلفه من يحفظ القرآن فيحتاج إلى اختيار أحدهم ليتابعه في المصحف، ليفتح عليه إذا ارتج عليه، ولينبهه إذا أخطأ، فلا بأس بذلك، إن شاء الله.

стр. 564

السؤال:- ما معنى التغنِّي بالقرآن؟ وما حكمه؟ وما معنى التحبير في القراءة؟ وماذا ترون في مسألة تكلُّف بعض الأئمة في نطق القرآن بحيث يخرجون عن سجيّتهم بقصد تحبيره؟ الجواب:- التّغني هو تحسين الصوت بالقرآن، والترنُّم به، وهو مُستحب، لحديث أبي هريرة: "ليس منا من لم يتغنّ بالقرآن". وروى مسلم عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : "لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود". وروي عنه أنه قال: "لو علمت أنك تستمع إليّ لحربته لك تحبيراً". والتحبير تحسين الصوت وتحزينه، وحيث أعجب النبي ﷺ ، وأقرّه على التّحبير، فإن ذلك يدل على الاستحباب، لكن التكلف والتشدد في النطق بالحروف، والمبالغة في المد والشد، والإظهار والإفصاح الزائد عن القدرة المعتادة لا يجوز، فإنّ قراءة النبي ﷺ ، ليس فيها تكلف، فقد قرأ سورة البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، وقد ثبت عن عثمان ﵁ أنه كان يختم القرآن في ركعة". ولو كانوا يتكلّفون هذا التكلف المعهود في قراءة المعاصرين لما أمكنهم ذلك، وقد قال النبي ﷺ : "اقرأوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجّلونه ولا يتأجّلونه". رواه أبو داود بمعناه. قال النووي في التبيان: معناه يتعجّلون أجره، إما بمال وإما بسمعة ونحوها، وعن حذيفة بن اليمان ﵄ أن رسول الله، ﷺ ، قال: "اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل العشق، ولحون أهل الكتابين، وسيجيء بعدي أقوام يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونةٌ قلوبهم، وقلوب الذين يعجبهم شأنهم". ذكره في جامع الأصول، وعزاه لرزين، والله أعلم (الحديث فيه ضعف) .

стр. 565

السؤال:- ما ترون في مسألة ترتيب القراءة في صلاة التراويح للإمام؟ هل يقرأ حسب ترتيب السور، أم له أن يقرأ من هنا وهناك بدون تسلسل السور؟ وهل ينبغي أن يقرأ القرآن كاملاً في قيام رمضان أم يقتصر على بعضه؟ الجواب:- قال النووي في التبيان: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة ثم البقرة، ثم آل عمران، ثم ما بعدها على الترتيب، وسواء قرأ في الصلاة أو في غيرها حتى قال بعض أصحابنا: إذا قرأ في الركعة الأولى سورة: (قل أعوذ برب الناس) ، يقرأ في الثانية: بعد الفاتحة من البقرة ... ودليل هذا أن ترتيب المصحف إنما جعل هكذا لحكمة، فينبغي أن يُحافظ عليها إلى أن قال: وقد كره جماعة مخالفة ترتيب المصحف، وروى ابن أبي داود عن الحسن: "أنه كان يكره أن يقرأ القرآن إلا على تأليفه في المصحف". وبإسناده الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قيل له: "إن فلاناً يقرأ القرآن منكوساً؟ فقال: ذلك منكوس القلب". انتهى. وقال في المناهل الحسان: ويستحب أن يقرأ بسورة القلم في عشاء الآخرة، من الليلة الأولى من رمضان بعد الفاتحة، لأنها أول ما نزل من القرآن، ويستحب أن لا ينقص عن ختمه في التراويح، ليسمع الناس جميع القرآن. اهـ. ونقل ابن قدامة في المغني عن القاضي أبي يَعْلى، قال: لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر، ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة، كراهية المشقّة على من خلفه، والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفقّ جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل. انتهى.

стр. 566

السؤال:- كثيرٌ من أئمة المساجد يحددون قدراً معيناً من القرآن لقراءة كل ليلة وكل ركعة، كجزء في الليلة مثلاً وصفحة من المصحف في الركعة، وهكذا.. فما توجيهكم -عفا الله عنكم- في ذلك؟ الجواب:- لا بأس بتحديد قدر معين يقرأ به المصلي كل ليلة، يقسمه على ركعات التراويح، كما عليه العمل في صلاة أئمة الحرمين، ويكون ذلك بقدر ما يحتمله المصلون، ويناسب المقام، ولا بأس بالزيادة في بعض الليالي، كالعشر الأواخر التي تخص بطول القيام، فيزاد في قدر القراءة فيها، وأما الركوعات التي في بعض المصاحف فلا يلزم التقيد بها، وإن كانت متناسبة، والأولى أن يكون الركوع عند آخر السورة، أو عند موضع منفصل عما قبله.

стр. 567

السؤال:- ما حكم تجويد القراءة؟ وما حد اللحن المبطل للصلاة وما الحكم في اللحن في فاتحة الكتاب؟ وماذا تقولون في إمامة من تكثر أخطاؤه بصورة ملفتة للنظر؟ الجواب:- التجويد المطلوب هو إظهار الحروف وإيضاحها، قال النووي في التبيان: "وينبغي أن يرتل قراءته، قال الله -تعالى-: (ورتل القرآن ترتيلاً) (المزمل:٤) . وروى أبو داود والترمذي وصححه عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله، ﷺ ، قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. وعن عبد الله بن مغفل، قال: "رأيت رسول الله ﷺ يرجع في قراءته". وقال ابن عباس: "لأن أقرأ سورة وأرتلها، أحب إلى من أن أقرأ القرآن كله"، وقد نُهي عن الإفراط في الإسراع، ويُسمى الهذرمة، فثبت أن رجلاً قال لابن مسعود: "إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: هذا كهذ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع". وقال ابن قدامة في المغني، والمستحب أن يأتي بها مرتلة معرّبة، يقف فيها عند كل آية، ويمكن حروف المدّ واللين، ما لم يخرجه ذلك إلى التمطيط.. فإن انتهى ذلك إلى التمطيط والتلحين كان مكروهاً، لأنه ربما جعل الحركات حروفاً، قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة. وقال: قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم". قال: يحسّنه بصوته من غير تكلُّف. اهـ. وقال -أيضاً-: تكره إمامة اللحان الذي لا يُحيل المعنى، نصّ عليه أحمد، وتصحّ صلاته بمن لا يلحن، لأنه أتى بفرض القراءة، فإن أحال المعنى في غير الفاتحة لم يمنع صحة الصلاة، ولا الائتمام به، إلا أن يتعمّده فتبطل صلاتهما.

стр. 568

وقال -أيضاً-: يلزمه أن يأتي بقراءة الفاتحة مرتّبة مشدّدة، غير ملحون فيها لحناً يُحيل المعنى، فإن ترك ترتيبها أو شدّة منها، أو لحن لحناً يُحيل المعنى، مثل أن يكسر كاف (إياك) أو يضم تاء (أنعمت) أو يفتح ألف الوصل في (اهدنا) لم يعتد بقراءته إلا أن يكون عاجزاً عن غير هذا. اهـ. وبهذا يعرف حد اللحن الذي يُبطل الصلاة، ولا شك أن الذي يكثر غلطه في الآيات والحروف لا تجوز إمامته مع وجود من يجيد القراءة. والله أعلم.

стр. 569

السؤال:- يقوم بعض الأئمة بوضع مكبرات صوت وجهاز يعرف باسم (جهاز صدى) يحدث أثناء القراءة تردّداً في أواخر الكلمات مما يجعلها متداخلة غير واضحة أحياناً، وقد تحدث نوعاً من جمال الصوت بالمقابل ربما تأثر المصلون وخشعوا على إثره، فما ترون في ذلك أحسن الله إليكم؟ الجواب:- هذه المكبرات كثيراً ما تحدث التشويش وخفاء الصوت، حيث إنها تلتقط الأصوات قبل أن تُفهم، وأحياناً تُحدث الصدى في داخل المسجد، مما لا يفهم معه صوت القارئ. فأرى أن لا تستعمل هذه الأجهزة القوية إلا إذا قصر من صوتها، فإن كان قصد الإمام تحسين الصوت، أو تحصيل الخشوع، فليكن ذلك بغير هذه المكبرات، وإن قصد سماع البعيد، ليحصل له شهرة، وثناء بين الناس، كان ذلك داخلاً في الرّياء والسمعة، فإن قصد تنبيه الغافل، وحضور المتكاسل، كان ذلك حسناً، لكن لا يُبالغ في رفع صوت المكبر، بحث يُشوّش على المساجد الأخرى. والله أعلم.

стр. 570

السؤال:- بعض أئمة المساجد يرددون آيات الرحمة وآيات العذاب ثلاث مرات، أو أربع مرات، أو أكثر بقصد الخشوع، وإبكاء المصلين فما مدى موافقة ذلك للسنة؟ وهل أثر عن السلف؟ وهل كانوا يقتصرون على البكاء في آيات الجنة والنار أم الدليل يفيد ما هو أعم من ذلك؟ وما هي نصيحتكم للأشخاص الذين يبكون عند الدعاء ولا يبكون عند سماعهم الآيات؟ الجواب:- يجوز ترديد الآية للتدبر، قال النووي في التبيان: (عن أبي ذر) قال: "قام النبي ﷺ ، بآية يرددها حتى أصبح، والآية: (إن تُعذّبهم فإنهم عِبادُكَ) . رواه النسائي وابن ماجة. وعن تميم الداري) أنه كرّر هذه الآية حتى أصبح: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) . وذكر أن أسماء ﵂ كرّرت قوله تعالى: (فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) . طويلاً، وردّد ابن مسعود: (رب زدني علماً) . وردد سعيد ابن جبير: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ، وردد -أيضاً-: (فسوف يعلمون، إذ الأغلال في أعناقهم) ، وردد أيضاً: (ما غرك بربك الكريم) . وكان الضحاك إذا تلا قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل) . رددها إلى السحر. اهـ. ومن هذه الآثار يعلم أن القارئ يردد هذه الآيات الوعظية لتأثره بها. وليس لتأثيرها في غيره، ولكن لا مانع من الأمرين. وأما البكاء عند سماع القرآن فهو صفة العارفين، وشعار الصالحين، كما قال تعالى: (ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) (الإسراء:١٠٩) . وقد ورد في الحديث: "اقرأوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا". وكان عمر إذا قرأ في الصلاة يبكي، حتى تسيل دموعه على ترقوته، وحتى يسمع بكاؤه من وراء الصفوف.

стр. 571

وثبت في الصحيح أن ابن مسعود قرأ على النبي ﷺ ، من أول سورة النساء إلى قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) . قال: "حسبك الآن". قال: "فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان". وكان عمر بن الخطّاب ﵁ كثير البكاء، وكان في خديه خطّان من البكاء، وقال أبو رجاء: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع، والآثار في هذا كثيرة، يعلم منها أن بكاء السلف كان عند سماع القرآن، ولكن كانوا -أيضاً- يبكون عند سماع المواعظ، ففي حديث العرباض: قال: وعظنا رسول الله ﷺ ، موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون..". الحديث. فينبغي الخشوع والبكاء أو التباكي، عند سماع آيات التخويف، وآيات العذاب، وكذا عند المواعظ التي تشتمل على تذكير وتنبيه، سواءً كانت من الأدعية أو الأدلة، وينبغي أن يُعلم أن البكاء هو أثر الخشوع، وحضور القلب، وأثر التفكر والتأمل لما يسمعه من الآيات التي تتعلق بالآخرة، سواء في ذكر الجنة والنار، أو ذكر الموت وما بعده، أو ذكر العقوبات والمثلات الدنيوية، وكذا ما تشتمل عليه الأدعية في القنوت أو غيره من ذكر الرغبة والرهبة، والإلحاح في الطلب، فمتى أحضر السامع قلبه، وتدبر معاني ذلك، رق قلبه ودمعت عيناه، وليس ذلك خاصاً بدعاء القنوت؛ بل يعم كل ما اشتمل على الوعظ والتخويف من المسموعات والمرئيات، والله المستعان.

стр. 572

السؤال:- بعض الأئمة مّمن رزقه الله صوتاً حسناً ورقّة وخشوعاً في قراءة القرآن، خصوصاً من الشباب لوحظ أنّ تقدير الناس والثناء عليهم تجاوز حدّ الاعتدال، بل وصل الأمر أن يقوم الشيخ المُسّن بتقبيل رأس هذا الإمام الشابّ، فما مدى موافقة ذلك للشّرع؟ وهل لكم من توجيه لهؤلاء المأمومين أن لا يبالغوا في المدح والثناء؟ وهل من نصيحة للأئمة لينجوا من حبائل الشيطان وكيده؟ الجواب:- إذا كان هذا الصوت طبيعة وجبلة فلا مانع من ذلك، لكن على الإمام أن لا يبالغ إلى حدّ فيه شيء من التكلُّف، الذي يُخرجه عن حدّ الاعتدال، بل عليه أن يقرأ كما علّمه الله، ويلزمه الإخلاص في قراءته، وإصلاح النية، بأن يُريد وجه الله والدّار الآخرة، ولا يكون قصده الشّهرة وانتشار الخبر عنه على ألسُن الناس، كما أن عليه التواضع، وتصغير نفسه، واحتقار عمله، بأن لا يرى نفسه أهلاً للتوقير ولا للاحترام، وعليه أن يمنع من يغلو فيه، أو يعامله بما لا يستحقّه، كما أن على المأمومين أن لا يصلوا به إلى حدّ التعظيم والتبجيل. ولقد كان النبي ﷺ ، في غاية من التواضع، وحثّ أصحابه على أن لا يرفعوه فوق منزلته التي أنزله الله فيها، كما روي عنه أنه قال: "إنما أنا عبد، أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد".

стр. 573

وروي عنه أنه قال: "إِنَّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد"، كما أن الواجب على العامّة أن لا يبالغوا في هذا الاحترام والتوّقير، لما فيه من الغلو الذي يُخشى معه الغرور، والإعجاب بالنفس، ومع ذلك فإن محبة المؤمنين بعضهم لبعض متأكِّدة، لأجل الإيمان والعمل الصالح، ولكن أثر المحبة في ذات الله، الاقتداءُ بالصّالحين، واتِّباع آثارهم، والانتفاع بإرشادهم، ومعلوم أن كل عبد صالح مخلص لله تجب محبّته على إخوانه، وأن الصّغير عليه أن يحترم من هو أسن منه. وقد ورد في الحديث: "إنّ من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه" إلخ. ولكن لا يتوقّف الإجلال على تقبيل الأيدي والأرجل، ونحو ذلك، وإنما يتمثَّل في السلام والاحترام، والتقديم والتّوقير، ونحوه. والله أعلم.

стр. 574

السؤال:- بعض الشباب -وفقهم الله- لا يستقرّون في مسجد واحد، فكل يوم يتنقلون بحثاً عن الأصوات الجيدة، فهم يرون أن الإمام الفلاني قراءته مؤثِّرة، فلا يستقرّون ولا يثبتون، بل يتركون المساجد القريبة حيث لا يلتذّون بقراءتهم ولا يكمل خشوعهم في الصلاة! فما توجيهكم وما هو الأفضل بالنسبة للسنة؟ الجواب:- لا نلومهم على ذلك، فإن الصوت الحسن، والقراءة الجيدة، لها وقع في النفس، وتأثير في حضور القلب، وخشوع البدن، والتأثُّر بكلام الله -تعالى-، والتّلذُّذ بسماعه. مما يكون سبباً في فهمه، وإدراك معانيه، وتدبره، ومعرفة إعجازه وبلاغته، وقوة أساليبه، وكل ذلك سبب في العمل به، وتقبّل إرشاداته، وتوجيهاته، فلا يُعاب من التمس قارئاً حسن الصّوت، مجوّداً للقرآن، حافظاً له، خاشعاً في قراءته، مطمئناً في صلاته، فإن مثل هذا يقصد للصلاة خلفه، ولو من مكان بعيد، ويفضل على غيره ممن لا يجيد القراءة، أو يلحن، أو يغلط كثيراً، أو لا يحسن صوته، ولا يتغنَّى بالقرآن، أو يقرأ بالهذرمة والسرعة الشديدة، أو لا يطمئن في صلاته، ولا يخشع في قراءته، ولو كان مسجده قريباً، ولكن ينبغي توجيه جميع الأئمة إلى العمل بالسنة في تحسين الصوت بالقرآن حسب القدرة، والتخشع في القراءة والطمأنينة في الصلاة، حتى لا يهرب منهم المصلون في التراويح أو غيرها، ولكن ينبغي أن يستمرّ المصلي خلف إمام واحد من أول الشهر إلى آخره، حتى يستمع إلى القرآن كله، فيستقر خلف الإمام الذي يختاره، ويركن إلى قراءته، وحسن صوته، وكمال الصفات المطلوبة فيه، ولا ينبغي له التنقُّل كل يوم في مسجد فيفوت عليه سماع بعض القرآن، لوجود التفاوت بين الأئمة في طول القراءة وقصرها. والله الموفق.

стр. 575

السؤال:- هل للإمام في صلاة التراويح أن يسرد الركعات بسلام واحد؟ وما هو الهدي الصحيح في ذلك؟ وما تقولون فيمن يُصلّي الشفع والوتر كصلاة المغرب؟ هل يؤثر ذلك؟ الجواب:- السنة في صلاة التراويح، وفي صلاة التهجّد أن يسلم من كل ركعتين، لقول النبي ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى"، وسواء صلاة أول الليل أو آخره، لظاهر الحديث، وأمّا قول عائشة في صفة صلاة النبي ﷺ : "يُصلّي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلّي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يُصلّي ثلاثاً". فليس المراد أنه يسرد الأربع أو الثلاث بسلام واحد، وإنَّما أرادت وصف الأربع الأولى بالطول الزائد، وأن الأربع الثانية دونها في الطول، مع تسليمه من كل ركعتين، كما ذكر ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ ، لما بات عنده أنه صلى ركعتين ثم ركعتين إلخ. لكن قد ثبت عن عائشة أن النبي ﷺ ، كان يُوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرها، وبسبع يسردهُنّ، وبتسع يتشهًد بعد الثامنة ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة". ولعلّ ذلك كان في آخر حياته، ولم يكن يداوم عليه، وقد أجاز العلماء أن يُصلّي الوتر خمساً بسلام، أو سبعاً بسلام، وأجاز بعضهم الثلاث سرداً، وكره كثير من العلماء أن يصليها بتشهدين كالمغرب، ولكن ذلك جائز مع الكراهة، والله أعلم.

стр. 576

السؤال:- في بعض المساجد يصلي الإمام التراويح، فإذا بقي الوتر والدعاء تقدّم آخر ليكمّل، وذلك لحسن صوته، وتباكيه في الدّعاء هل هذا مناسب؟ الجواب:- الأولى أن يتولَّى الإمام الرّاتب صلاة التراويح وصلاة الوتر، لينصرف مرة واحدة، ويصدق على من صلَّى معه أنه عمل بالحديث، وهو قوله، ﷺ : "من صلّى مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة". ويجوز أن ينصرف قبل الوتر إذا أحبّ أن يوتر آخر الليل حتى يجعل وتره آخر صلاته، وعلى هذا يقدم غيره، ويصلي معه، فأما تقديمه لأجل رقة صوته، أو حفظه لكثير من الأدعية في القنوت، فلا يُشرع ذلك، وإنَّما عليه أن يدعو بما يحفظ من الأدعيّة المأثورة، ولو لم يحصل للسامعين بكاء ولا تخشّع، فحسبه أنه قنت بدعاء مُفيد، وارد في السنة أو عن سلف الأمة، ولا يلزم في الدعاء تحسين الصّوت والتّباكي، وإنَّما الواجب إحضار القلب، والإخلاص في الدعاء، ورجاء الإجابة. والله الموفق.

стр. 577

السؤال:- لقد انتشرت في المساجد في شهر رمضان ظاهرة البكاء بصوت عال، يصل إلى حدّ الإزعاج، وتجاوز بعض الناس حدّ الاعتدال، وأصبحت هذه الظاهرة عادة عند بعضهم ألفوها، فهم يتباكون لبكاء الإمام، أو المأمومين من دون تفهّم وتدبّر، فهل ورد في السنة الحثّ على التباكي؟ وما الفرق بين التباكي والخشوع الكاذب؟ هل من توجيه للأئمة المكثرين من البكاء، حيث يُخشى عليهم أن يداخل الرّياء أعمالهم، ويزيّن الشيطان لهم فتختلف النّية؟ الجواب:- البكاء مسنون عند سماع القرآن، وعند المواعظ والخطب ونحوها، قال -تعالى-: (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجّداً وبُكِيّاً) (مريم:٥٨)) . وروى أهل السنن عن عبد الله بن الشخير قال: "رأيت رسول الله، ﷺ ، يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء". فإذا حصل البكاء في الصلاة لم تبطل إذا كان من خشية الله، وكذا عند سماع القرآن، حيث إنه يغلب على الإنسان، فلا يستطيع رده، ولكن لا يجوز التكلّف في ذلك برفع الصوت عمداً، كما لا يجوز المباهاة بذلك، وقصد الشهرة بين الناس، فإن ذلك كالرّياء الذي يُحبط الأعمال، كما ورد في الحديث: "من سمع سمع الله به، ومن راءى راءى الله به". وهكذا لا يحسن البكاء تقليداً للإمام أو لبعض المأمومين، وإنَّما يُمدح إذا كان من آثار الخشوع، والخوف من الله -تعالى-، وقد ورد في الحديث: "اقرأوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا". والتباكي هو تكلّف البكاء ومحاولته دون خشوع غالب دافع عليه، وأما الخشوع الكاذب فهو ترك الحركة، وسكون الأعضاء، دون حضور القلب، ودون تدبُّر وتفهم للمعاني والحالات.

стр. 578

وعلى الأئمة وكذا المأمومين محاولة الإخلاص، وصفاء النيّة، وإخفاء الأعمال، ليكون ذلك أبعد عن الرياء الذي يُحبطها، فإن كثرة البكاء بدون دافع قوي، وتكلف التخشّع، ومحاولة تحسين الصوت وترقيقه ليكون مثيراً للبكاء، ليُعجب السامعون والمأمومون به، ويكثر القاصدون له، دون أن يكون عن إخلاص أو صدق، هو مما يُفسد النيّة، ويُحبط الأعمال، وقد يطلع على ذلك بعض من يسمعه. والله علاّم الغيوب.

стр. 579

السؤال:- بعض الأئمة -هداهم الله- لا يطمئنون في صلاتهم وقراءتهم، فهم يُسرعون سرعة قد تخلّ، رغبة في ختم القرآن، ليتمكّنوا بعد ذلك من الذّهاب إلى مكة، للجلوس في الحرم بقيّة الشهر، ويتركون مساجدهم، أو يضعون إماماً قد لا يُتقن القراءة، (وبإمكانهم الذهاب هم وغيرهم في بداية الشهر أو وسطه حتى لا يضيقوا على المسلمين) . فهل الأفضل أن يلزموا مساجدهم، ويفيدوا الناس، أم يذهبون إلى مكة كما هو حال كثير من الناس، حيث أصبحت المسألة عادة أحبّوها إلى جانب رغبتهم في التزوُّد من الطاعة، فكثير من النّاس (الشباب) يذهب ليلتقي بزملائه وأصدقائه ومعارفه، وقد يذهب عليه الوقت دون أن يستفيد الفائدة المرجوّة؟ الجواب:-

стр. 580

لا شكّ أن وظيفة الإمامة من أفضل الأعمال، إذا احتسب بها الإمام، وأدّى حقّها، ثم إنها في هذا الزمان وهذه البلاد أصبحت وظيفة حكوميّة، يلتزم بها من تَعيّن لها، ويتقاضى عليها مكافأة من بيت المال، فيلزمه والحال هذه القيام بها كما ينبغي، ولا يجوز الإخلال بها، ولا التخلّف عنها إلا لعذر غالب، كما لا يجوز له السفر الذي يلزم منه إهمال المسجد، وإضاعة الجماعة، ولو كان سفر طاعة، فإنه يكون كالمتقرّب بالنوافل مع إضاعة الفرائض، ويلزمه إذا عرض له عارض، أو طرأ عليه سفر ضروري، أن يُقيم مقامه من يؤدِّي عمله وهو إمامة المسجد ونحوه، بشرط أن يختار من فيه الأهليّة والكفاءة، وأداء الواجب، ويكون مرضيّاً عند جماعة المسجد، ففي رمضان إذا كان راغباً في أداء العمرة قدّمها في أول الشهر أو وسطه، فإن في ذلك تحصيلاً للفضل، وسوف يجد غالباً من يخلفه يومين أو ثلاثة، ممن فيهم الأهليّة والكفاءة، وقد لا يجدهم في آخر الشّهر، ولا ينبغي أن يكون قصده من العمرة في آخر الشّهر الشّهرة، أو صحبة الأصدقاء، والزملاء، حتى لا يفقد بينهم! بل يكون هذا القصد تابعاً لا أساساً، لا يترك لأجله مسجده أو وظيفته، ولا يستعجل أو يسرع في القراءة ليختم القرآن في أول العشر، ثم يسافر بعد ذلك إلى مكة أو غيرها، ومن ليس عنده عمل وظيفي فله أن يذهب متى شاء، أول الشهر أو آخره، بشرط الإخلاص وحسن النيّة. والله أعلم.

стр. 581

السؤال:- نظراً للجدل الذي يحصل كل عام على موضوع الختمة، نرجو الإفادة، ما الصحيح في هذه المسألة؟ ما حكم تخصيص ليلة معينة للختمة كليلة سبع وعشرين، أو تسع وعشرين؟ الجواب:- الدعاء بعد ختم القرآن مشهور عن السّلف، ومعمول به عند أكثر الأئمة. قال ابن قدامة في المغني، فصل في ختم القرآن، قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد، فقلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال: اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأطل القيام، قلت: بما أدعو؟ قال: بما شئت. قال: ففعلت بما أمرني، وهو خلفي يدعو قائماً، ويرفع يديه. قال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة: (قل أعوذ برب الناس) ، فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة؛ قال العبّاس بن عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئاً، وذكر عن عثمان بن عفّان اهـ. وقال النووي في (التبيان، في آداب حملة القرآن) : "يُستحبُّ حضور مجلس ختم القرآن استحباباً مؤكّداً! وقد روى الدارمي وابن أبي داود بإسنادهما، عن ابن عباس ﵄ أنه كان يجعل رجلاً يراقب رجلاً يقرأ القرآن، فإذا أراد أن يختم أعلم ابن عباس، فيشهد ذلك". وروى ابن أبي داود -يعني في كتاب المصاحف- بإسنادين صحيحين، عن قتادة قال: كان أنس ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا". وروى بأسانيده الصحيحة عن الحكم بن عتيبة، قال: أرسل إِليَّ مجاهد وعبده بن لبابة فقالا: "إنّا أرسلنا إليك لأنّا أردنا أن نختم القرآن، والدّعاء يُستجاب عند ختم القرآن، وفي بعض الروايات: وإنه كان يقال: إن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن".

стр. 582

وروى بإسناده الصحيح عن مجاهد قال: كانوا يجتمعون عند ختم القرآن، يقولون: تنزل الرحمة. ثم قال: (المسألة الرابعة) الدعاء مستحبّ عقب الختم استحباباً مؤكَّداً. وروى الدارمي بإسناده عن حميد الأعرج قال: من قرأ القرآن ثم دعا أمّن على دعائه أربعة آلاف ملك". وينبغي أن يُلحّ في الدّعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة، وأن يُكثر في ذلك في صلاح المسلمين، وصلاح سلطانهم، وسائر ولاة أمورهم، وقد روى الحاكم أن ابن المبارك كان إذا ختم كان أكثر دعائه للمسلمين والمؤمنين والمؤمنات. وقد قال نحو ذلك غيره، فيختار الداعي الدعوات الجامعة، ثم ذكر -يرحمه الله- أدعيّة كثيرة قد لا تكون كلها مأثورة، ثم قال: ويفتح دعاءه ويختمه بقول: "الحمد لله رب العالمين". إلى آخره، وذكر نحو ذلك في كتابه الأذكار، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في المجموع ٢٤/٣٢٢، عن طائفة من السلف، وله -يرحمه الله- دعاء مطبوع ومحفوظ، ومتداول بين المسلمين. والله أعلم.

стр. 583

السؤال:- ما حكم الارتحال لحضور الختمة في أحد الحرمين؟ لأننا نرى أن كثيراً من الناس لا يصلي التراويح ولا القيام، فإذا جاء وقت الختمة توافدوا بأعداد هائلة؟ ومما هو ملاحظ أنه قد رسخ لدى بعض الناس أن ليلة الختمة ليلة مميزة، فيقعُ تعظيمها والتفرغ لها، والإكثار من العبادة فيها، حتى أن بعضهم ربما حَرِصَ بعد الانتهاء من ختمة القرآن مع الإمام أن يذهب إلى مسجد آخر ليشهد ختمة الإمام، الأخرى، فما موافقة ذلك للسنة؟ الجواب:- إذا عرف أن الدّعاء عند الختمة مشروع، وأنه كان معروفاً عند السّلف، وعلم أنهم كانوا يحضرون القارئ عند ختمه للقرآن، ويؤمّنون على دعائه فإن الحضور المذكور سنة وفضيلة، حيث كان الدَّاعي من أهل الفضل والدِّين، والصلاح، ممَّن يُرجى إجابة دعائه، وحيث إن الموضع له فضله وشرفه، ومضاعفة الأعمال فيه، وكونه مظنة القبول، وحيث يؤمّن عليه الجمع الغفير من المصلين، من رجال ونساء، وكبار وصغار، ولكن يكون القصد من السفر الصلاة في الحرمين، وأداء النسك، أو الاعتكاف، أو الإكثار من نوافل الصلاة فيهما، والمحافظة على صلاة الجماعة، ويكون حضور دعاء الختم تابعاً لذلك، فأمَّا من لا يصلي في رمضان التراويح، ولا يقوم ليالي العشر، وإنما يحضر دعاء الختم، أو يسافر لأجله فإنه قليل الحظ من حصول المغفرة، والعتق من النار.

стр. 584

وأما تخصيص ليلة معينة لختم القرآن فلا حاجة إلى ذلك، بل يختم القرآن متى أتمّ قراءته المعتادة، لكن ورد عن بعض السلف أنه ختم ليلة سبع وعشرين، ذكره ابن رجب في لطائف المعارف. ولعلّ ذلك من باب التحري، لكونها أرجى أن تكون ليلة القدر، ولما ورد فيها من الفضل، وإجابة الدعاء عن كثير من السلف، كما ذكر ابن رجب عن جماعة من العبَّاد دعوا الله في تلك الليلة، فأجيب دعاؤهم، ولعله اقترن به ما صار سبباً لقبوله، ويمكن أن ختمهم في تلك الليلة من باب المصادفة، ولم يكن عن قصدها لذاتها، وبكل حال فيحسن تحرِّي الليالي اللاتي يُرجى فيهنَّ إجابة الدّعاء، بعد ختم القرآن أو غيره، كأوتار العشر الأواخر من رمضان. فأمّا من اعتقد أن تلك الليلة -التي حصلت فيها الختمة- لها مزية أو شرف فليس كذلك، فإن الختم يختلف فيه الأئمة، حيث إن بعضهم يختم أول العشر، وبعضهم آخرها، فأمّا الحرص على حضور الختمة مع أكثر من إمام، فَيُسن ذلك كما نقل عن مجاهد وغيره! أن الدُّعاء يستجاب عند ختم القرآن، وأن الرَّحمة تنزل عنده، لكن إذا فوت على الإنسان وقتاً أو صلوات بعض الليالي لم يشرع ذلك، فإنَّ الذي يسافر إلى مكة، ثم إلى المدينة، ثم يرجع إلى بلده، يفوته في هذه المدة صلاة بعض الليالي، وإنْ كان قصده حسناً، لكن السفر ليس ضرورياً والأعمال بالنيّات، ولا ينبغي فعل ما ينكره عوام الناس وخواصهم، ولم يكن عليه عمل الأمة ولا دليل على مشروعيّته، سواء من هذه الأمور أو غيرها. والله أعلم.

стр. 585

السؤال:- يلاحظ أن بعض أصحاب التسجيلات الإسلامية -وفقهم الله- من حرصهم على نفع المسلمين، وكذلك من باب التنافس مع التسجيلات الأخرى، يقومون بتسجيل قراءة بعض الأئمة الجدد خصوصاً من الشباب (صغار السن) ممن رُزق صوتاً حسناً، ويتم توزيع هذه الأشرطة على هيئة إصدارات تُباع في الأسواق، إلاّ أن هناك ملاحظتين نأمل التوجيه من فضيلتكم عليهما: أولاً: يتم إصدار هذه الأشرطة دون العناية التامة بها، فتخرج أشرطة غير صافية تتخللها تكبيرات، ويقع في القراءة أخطاء كثيرة ولحن، قد يصل إلى اللحن الجليّ. ثانياً: تصرف بعض التسجيلات على الإصدار بعض التكاليف المالية والجهود، وبالتالي تقوم هذه المحلات بالاحتفاظ بالحقوق، فما مدى مشروعية هذا العمل. إضافة إلى أن دفع هؤلاء الأئمة الشباب إلى الساحة، والتسجيل لهم وإطلاق عبارة (قراءة فضيلة الشيخ ... ) عليهم قد يؤدِّي ذلك إلى دخول العجب والرّياء إلى نفوسهم، وهم في بداية الطريق، فما هو توجيهكم أثابكم الله؟ الجواب:- هذه المفاسد يجب تلافيها، فيجب (أولاً) على أهل التسجيلات تصفية القراءة من غيرها، وعدم تسجيل السكتات والتكبيرات، وكل ما ليس من القرآن، حتى لا يختلط القرآن بغيره، فكما لا يجوز كتابة غيره معه في المصاحف، مع عدم التمييز، فكذا لا يجوز في التسجيل مخافة الاشتباه، وكذا لا يجوز إقرار الأخطاء من نقص أو زيادة أو تغيير أو لحن، ولو لم يغير المعنى، فإن تسجيل ذلك ونشره تغيير وتحريف لكلام الله، وإظهار لهذه الاغلاط عند من لا يتفطَّن لها، كما أن فيها عيباً ونقصاً لذلك القارئ، حيث ينتشر غلطه، وكثرة خطئه.

стр. 586

وأما احتفاظ أهل التسجيلات بحق التسجيل، ومنعهم أن يُسجّل عند غيرهم، فقد يكون لهم الحق في ذلك، حيث تعبوا وتكلّفوا في التسجيل، وصرفوا عليه مالاً كثيراً، كما يحصل ذلك في المطابع. لكن الأولى بهم التغاضي والتسامح بنشره، حرصاً على نشر العلم والفوائد بين المسلمين. وأما ما ذكر السائل من مبالغتهم في وصف القارئ وإطرائهم له فلا ينبغي مثل هذه المبالغة خوف الإِعجاب بالنفس، واحتقار الغير، ولا مانع من وصفه بالقارئ ونحوه إذا كان أهلاً لذلك. والله أعلم.

стр. 587

السؤال:- ما حكم القنوت وما صفته وموضعه؟ وهل السنة في دعاء القنوت فعله كل ليلة أم يفعله في بعض الليالي؟ وهل يلزم التقيد بالمأثور من الدعاء؟ وهل يدعو بصيغة الجمع أم يتقيد بالصيغة المأثورة؟ وما قولكم في مسألة التغني في الدعاء كهيئة أدائه لقراءة القرآن؟ الجواب:- المنصوص والمختار عن الإِمام أحمد، وكثير من العلماء، أن القنوت مسنون في الركعة الأخيرة في الوتر، في جميع السنة، قال في المغني: قال أحمد في رواية المروذي: كنت أذهب إلى أنه في النصف من شهر رمضان، ثم إني قلت: هو دعاء وخير، ووجهه ما روي عن أبي: "أن رسول الله ﷺ ، كان يوتر فيقنت قبل الركوع". وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ ، كان يقول في آخر وتره: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك". إلخ. و (كان) للدوام، ولأنه وتر، فيشرع فيه القنوت، ولأنه ذكر يشرع في الوتر، فيشرع في جميع السنة، كسائر الأذكار، وقد روي عن أحمد أنه لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان، واختاره بعض الأصحاب، وهو مذهب مالك والشافعي، ومنه يعلم أنه يُستحبّ ترك القنوت أحياناً حتى لا يعتقد العامة وجوبه. وأما الدعاء فيه، فيدعو بما روى الحسن بن علي، قال: علمني رسول الله ﷺ ، كلمات أقولهن في الوتر: اللهم أهدني فيمن هديت"، إلى قوله: "تباركت ربنا وتعاليت" وبما روى علي، وهو قوله: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك". إلخ. وبسورتي أبي، الأولى: "اللهم إنا نستعينك ونستهديك". إلخ، والثانية: "اللهم إيَّاك نعبد". حيث كان عمر يقنت بهما، ويزيد بقوله: "اللهم عذّب كفرة أهل الكتاب الذين يصدُّون عن سبيلك".

стр. 588

ومنه يعلم جواز الزيادة بما يناسب الحال، مع اختيار الأدعية المأثورة الجامعة، لكن لا تنبغي الإطالة الزائدة، التي توقع المأمومين في الملل والضَّجر، وإذا كان الدعاء يؤمّن عليه كان بلفظ الجمع، وقد يفضل لفظ الجمع، ولو دعا الإنسان وحده. وأما التغني والتلحين الذي يخرج الدعاء عن حدّ كونه دعاء خشوع وإنابة فلا يجوز، فإن المطلوب عند الدعاء انكسار القلب، وإظهار التواضع والخشوع، وذلك أقرب إلى قبول الدعاء. والله أعلم.

стр. 589

السؤال:- هل يلزم في قراءة الوتر أن يداوم الإمام على القراءة بسورة (سبح - الكافرون - الإخلاص) ، أم له غير ذلك؟ وما السنة الواردة؟ الجواب:- قال أُبي بن كعب ﵁: كان رسول الله ﷺ ، يوتر: (بسبِّح اسم ربك الأعلى) . و (قل يا أيها الكافرون) . و (قل هو الله أحد) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وروى أبو داود والترمذي نحوه عن عائشة، وفيه: كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة: (قل هو الله أحد) والمعوذتين، لكن أنكر أحمد وابن معين زيادة المعوذتين. والظاهر أنه يكثر من قراءتها، ولا يداوم عليها فينبغي قراءة غيرها أحياناً حتى لا يعتقد العامة وجوب القراءة بها، وقد ذهب مالك إلى أنه يقرأ في الوتر أي الركعة الأخيرة: (قل هو الله أحد) . والمعوذتين، وقال في الشفع: لم يبلغني فيه شيء معلوم، نقل ذلك ابن قدامة في المغني، ولو كانت قراءة سورة الأعلى، وسورة الكافرون، متبعة لما خفيت على مالك، وهو إمام دار الهجرة فدلّ على أنها تقرأ أحياناً لا دائماً. والله أعلم.

стр. 590

السؤال:- هنالك -أحسن الله إليكم- سنة قد تهاون فيها أكثر الناس، ألا وهي سنة الاعتكاف فما توجيهكم؟ وما شروط الاعتكاف؟ وما يجوز وما لا يجوز؟ وهل يجوز للمرأة أن تعتكف؟ وأين يكون؟ الجواب:- الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو سنة مؤكَّدة في كل زمان، وتتأكَّد في العشر الأواخر من رمضان، كما روت عائشة ﵂: "أن النبي ﷺ ، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفّاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده. وروى البخاري عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ ، يعتكف في كل رمضان عشرة أيّام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً. قال ابن رجب في اللطائف: "وإنما كان النبي ﷺ ، يعتكف في العشر قطعاً لأشغاله، وتفريغاً لباله، وتخلياً لمناجاة ربه، وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيراً يتخلى فيها من الناس". ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس، حتى ولا لتعليم علم، أو إقراء قرآن؛ بل الأفضل له الانفراد بنفسه، وهو الخلوة الشرعية لهذه الأمة، وإنما كان في المساجد لأن لا يترك به الجمعة والجماعات. فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقبله وقالبه على ربه، وما يقرْبه منه، فما بقي له همّ سوى الله وما يرضيه عنه، فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة والمحبة له، والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إليه بالكليّة على كل حال". اهـ. ولا يصحّ الاعتكاف إلا بشروط: (الأول) : النية، لحديث: "إنّما الأعمال بالنيات". (الثانية) : أن يكون في مسجد، لقوله تعالى: (وأنتم عاكفون في المساجد) . وكان ﷺ ، يعتكف في مسجده.

стр. 591

(الثالث) : أن يكون ذلك المسجد الذي تقام فيه صلاة الجماعة حتى لا يتكرّر خروجه لكل وقت، مما ينافي الاعتكاف. ولا يخرج المعتكف إلا لما لا بدّ له منه، ولا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ويحرم عليه مباشرة زوجته، ويستحبّ اشتغاله بالقربات، واجتناب ما لا يعنيه. وله أن يتحدَّث مع من يزوره. وله أن يتنظف ويتطيَّب، ويخرج لقضاء حاجة وطهارة. وأكل وشرب، إذا لم يجد من يأتيه بهما. وأما المرأة فالأفضل في حقها البقاء في بيتها، والقيام بخدمة زوجها وولدها، ولا يشغلها ذلك عن عبادة ربها. ولأن خروجها مظنّة الفتن بها، وفي انفرادها ما يعرضها للفسقة وأهل الفساد. ولكن إن أمنت هذه المفاسد، وكانت كبيرة السن، وكان المسجد قريباً من أهلها ومحارمها، جاز لها الاعتكاف فيه، وعلى ذلك يحمل اعتكاف زوجات النبي ﷺ ، بعده، لقربهن من المسجد. وبالجملة لا يصح اعتكافها في مسجد بيتها، وهو مصلاها فيه، ويصحّ في كل مسجد، ولو لم يكن فيه جماعة مستمّرة، ويكره خروجها وانفرادها محافظة على نفسها. والله أعلم.

стр. 592

السؤال:- ما فضل ليلة القدر؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟ وما الأقوال الواردة في تعيينها، وما الأرجح مِنْ أقوال العلماء؟ هل هي في العشر الأواخر أم العشر الأواسط؛ أم في بداية الشهر؟ وهل تنتقل من ليلة إلى ليلة؟ وما الحكمة في إخفاء ليلة القدر؟ الجواب:- هي الليلة التي أُنزل فيها القرآن، وذكر من فضلها إنزال القرآن فيها، وأنها خير من ألف شهر، أي العبادة فيها خير من العبادة في ألف شهر، وذلك دليل فضلها. ومن فضلها أن الملائكة، والروح تنزل فيها لحصول البركة، ومشاهدة تنافس العباد في الأعمال الصالحة، ولحصول المغفرة، وتنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذّنوب العظيمة. ومن فضلها أنها (سلام) أي سالمة من الآفات والأمراض. ومن فضلها حصول المغفرة لمن قامها لقوله، ﷺ : "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه". وسميت ليلة القدر لعظم قدرها، أو لأنها تُقدّر فيها أعمال العباد التي تكون في ذلك العام. لقوله تعالى: (فيها يٌفرق كل أمر حكيم) . ويسمّى هذا التقدير السنوي، وقد اختلف الناس في تعيينها. وذكر الحافظ ابن حجر في آخر كتاب الصيام من فتح الباري، ستة وأربعين قولاً في تعيينها، ثم قال: وأرجحها أنها في الوتر من العشر الأواخر، وأنها تَنْتَقِلُ، وأرجاها أوتار العشر الأواخر، وأرجى أوتار العشر عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.

стр. 593

قال العلماء: الحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد في التماسها، بخلاف ما لو عينت لها ليلة، لاقُتصِر عليها إلخ، وقد أطال الكلام عليها ابن رجب في المجلس الخامس من وظائف رمضان، وذكر فيها عدة أقوال بأدلتها، وأكثر الأدلة ترجّح أنها في السبع الأواخر، أو أنها ليلة سبع وعشرين، لما استدلَّ به على ذلك من الآيات والعلامات وإجابة الدعاء فيها، وطلوع الشمس صبيحتها لا شعاع لها، والنور والضياء الذي يشاهد فيها. والله أعلم.

стр. 594

السؤال:- إذا دخل جماعة من الناس المسجد وقد فاتتهم صلاة الفريضة والإمام يصلي التراويح، هل يدخلون معه بنية صلاة الفريضة ويقومون بعد سلامه لإكمال ما بقي، أم لهم أن يصلوا جماعة وحدهم؟ وإذا كان فرداً واحداً هل الأفضل أن يصلي وحده، أم عليه أن يدخل مع الإمام بنية صلاة الفريضة، ليحصل على أجر الجماعة؟ فما قولكم غفر الله لكم؟ الجواب:- أرى أن لا يدخل من يصلي الفرض مع من يصلي التراويح، سواء كان واحد أو عدداً، وذلك لاختلاف العدد، واختلاف النية، مما يعمّه قول النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه". ولا شك أن الاختلاف هنا موجود، فهذه فرض وهذه نفل، وهذه أربع، وهذه ركعتان، وقد لا يدرك معه إلا ركعة، فيتشهد بعدها، وعلى المنع جمهور الفقهاء، وفيه عن أحمد روايتان. قال ابن قدامة في المغني: فإن صلى الظهر خلف من يصلي العصر ففيه -أيضاً- روايتان، نقل إسماعيل بن سعد جوازه، ونقل غيره المنع منه، ونقل إسماعيل بن سعد، قال: قلت لأحمد: فما ترى إن صلى في رمضان خلف إمام يصلي بهم التراويح؟ قال: ويجوز ذلك من المكتوبة! وقال في رواية المروذي: لا يعجبنا أن يصلي مع قوم التراويح، ويأتم بها للعتمة، وذكر نحو ذلك في الشرح الكبير، وعلل المنع بأن أحدهما لا يتأدَّى بنية الآخر، كصلاة الجمعة والكسوف، خلف من يصلي غيرهما، أو صلاة غيرهما خلف من يصليهما، لم تصحّ رواية واحدة، لأنه يفضي إلى المخالفة في الأفعال، فيدخل في عموم قوله ﵊: "فلا تختلفوا عليه" اهـ. وعلى هذا فلا مانع من صلاتهم وحدهم في ناحية المسجد، ثم يدخلون مع الإمام في بقية التراويح، وكذا يصلي المنفرد وحده صلاة العشاء أربعاً، كما وردت بتشهدين كالمعتاد، حتى لا يحصل اختلاف متعمَّد، وتغيير لهيئة الصلاة عما وضعت عليه.

стр. 595

وقد أجاز بعض المشايخ دخوله معهم تحصيلاً لفضيلة الجماعة، واغتفروا ما يحصل من المخالفة، كما أجازوا صلاة المغرب خلف من يصلي العشاء لذلك، ولم أجد من نقل ذلك من الأصحاب. والله أعلم.

стр. 596

السؤال:- إذا صلَّى المأموم التراويح مع الإمام وأحبّ أن يجعل الوتر في آخر الليل هل بهذا يكتب له قيام ليلة أم لا؟ الجواب:- يفضل في حق المأموم متابعة الإمام حتى ينصرف من التراويح والوتر، ليصدق عليه أنه صلى مع الإمام حتى انصرف، فيكتب له قيام ليلة، وكما فعله الإمام أحمد وغيره من العلماء. وعلى هذا فإن أوتر معه وانصرف معه فلا حاجة إلى الوتر آخر الليل، فإن استيقظ آخر الليل صلى ما كتب له شفعاً، ولا يُعيد الوتر، فإنه لا وتران في ليلة، فإن أحبّ نقض الوتر فقد فعله بعض السلف، بأن يصلي أول ذلك ركعة تشفع وتره مع الإمام، ثم يوتر آخر تهجده. لكنّ كثيراً من العلماء كرهوا ذلك، فإنه لم يُشرع التطوع بركعة واحدة سوى الوتر، وفضّل بعض العلماء أن يشفع الوتر مع الإمام، بأن يقوم بعد سلام الإمام فيصلي ركعة ثم يُسلم، ويجعل وتره آخر تهجده. لقوله ﷺ : "فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى. وكذا قوله: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً والله أعلم.

стр. 597

السؤال:- أيهما أفضل في الحرم المكي في رمضان الصلاة تطوعاً أو الطواف، أو قراءة القرآن؟ الجواب:- يفضل لغير أهل مكة الطواف، لأنه لا يتيسّر لهم كل وقت فأما أهل مكة فالأفضل التطوع بالصلاة والقراءة إذا ناسب وقتها، فإن عجز القادم عن الطواف في بعض الأوقات أو كان هناك ما يمنع من فضل الطواف كالزحام وكثرة النساء مع خوف الفتنة فالصلاة تطوعاً أفضل، ويمكن الجمع في الطواف بين القراءة والدعاء فيكون له أجران. والله أعلم.

стр. 598

السؤال:- أيهما أفضل إتمام صلاة التراويح أو تشييع الجنازة؟ الجواب:- أرى أن تشييع الجنازة أفضل، لأنه يفوت وغير مستمر، أما التراويح ففي الإمكان قضاؤها ولو منفرداً، ولا شك أن أقارب الميت يتعين عليهم تشييعه ودفنه فهو فرض كفاية.

стр. 599

السؤال:- هل طلب الإجازة الاضطرارية لأداء العمرة في رمضان جائز أم لا؟ الجواب:- لا بأس بذلك فإنها حق للموظف، كما في النظام أن الموظف له الحق في السنة -إجازة- عشرة أيام عند الحاجة، ولا شك أن أداء العمرة في رمضان له فضله وأهميته. وكثير من الموظفين يتمتع بهذه الإجازة في الخارج أو يجلس بدون عمل، فالعمرة فيها أفضل من البطالة.

стр. 600

السؤال:- ما تعليقكم على إفطار جماعة المسجد فيه قبل الصلاة وإتمام ذلك بعدها؟ الجواب:- يجوز ذلك في المسجد الحرام والمسجد النبوي اغتناماً للوقت، وللمسجد لضيق الأماكن، ولا بأس به في غيره عند الحاجة، كمن ليس له منزل وإلا فيكره فالأصل تناول طعام الإفطار في المنازل.
следующие страницы →