← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وقد كان كثير من السلف بل كثير من أبناء الصحابة يحرصون على إسرار الصدقة، حتى إنهم كانوا يعطون الفقراء وهم لا يشعرون، أي أنهم يعطونهم من الأقوات وما أشبهها ولا يدري الفقير من أين يأتي هذا المال وهذا القوت وهذا الغذاء ونحوه، لحرصهم على إخفاء الصدقات الذي هو أبلغ في الإخلاص وأبعد عن الرياء، وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا يعلم شماله ما تنفق يمينه. متفق عليه.

стр. 772

فتاوى الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله فتاوى الزكاة مصارف الزكاة قال تعالى: (إنما الصدقات والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم) (التوبة:٦٠) . يتبين من هذه الآية أن الزكاة لا تدفع إلا للثمانية المذكورين وهم: الفقراء، والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. فقد روي أن رجلاً جاء يسأل النبي ﷺ من الزكاة فقال: "إن الله لم يرض فيها بقسمي ولا بقسم أحد حتى تولى قسمها، فإن كنت من أهلها الذين سماهم الله أعطيناك"، وقد ثبت بذلك أن الله تعالى هو الذي تولى قسم الزكاة، كما أنه هو الذي فرض الفرائض، فيُقتصر على هذه الأصناف. وكلمة (إنما) في الآية المذكورة تفيد الحصر، أي لا تصلح إلا للأصناف الثمانية المذكورة. وفيما يلي نأتي على بيان الأحكام المتعلقة بكل قسم: أولاً وثانياً: الفقراء والمساكين: وقد بدأ الله تعالى بالفقراء والمساكين، وذلك لأنهم الأغلب والأكثر، والفقراء أشد حاجة، وذلك لأن الفقر مشتق من الفقار الذي هو فقار الظهر، والظهر يسمى فقاراً، وكأن الفقير من شدة حاجته مكسور الظهر، بحيث لا يستطيع تكسباً ولا يستطيع تقلباً، وأما المسكين فإنه مشتق من السكون؛ فهو لحاجته كأنه ساكن الحركة لا يستطيع تقلباً ولا تكسباً. فإذا ذكر الفقير والمسكين معاً، فالفقير أشد حاجة، وقال بعضهم: إنه الذي كسبه يكفيه أقل من نصف شهر، فإذا كان راتبه مثلاً أو دخله من صنعة أو نحوها يكفيه أربعة عشر يوماً، أو إثني عشر يوماً، وهذه المدة أقل من نصف شهر فنسميه فقيراً، لأنه بقية الشهر يقترض، أو يُتصدق عليه إلى آخر الشهر.

стр. 773

وإذا كان دخله يكفيه عشرين يوماً أو ثمانية عشر أو نحو ذلك أكثر من نصف الشهر، وبقية الشهر يقترض أو يتصدق عليه سميناه مسكيناً، وهذا تفريقهم بين الفقير والمسكين. وكثيراً ما يذكر الله تعالى الفقراء ويحث على الصدقة عليهم، ويصفهم بأوصاف يستحقون بها الصدقة، قال تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) (البقرة:٢٧١) .، فقد اقتصر الله على الفقراء، وقال تعالى: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض) (البقرة:٢٧٣) ، إلى آخر الآية؛ اقتصر أيضاً على الفقراء، وفي آية أخرى قال تعالى: (للفقراء المهاجرين الذي أخرجوا من ديارهم) (الحشر:٨) ؛ فقد اقتصر الله على الفقراء في هذه الآيات. وقد اقتصر أحياناً على المساكين كقوله تعالى: (ولا تحاضون على طعام المسكين) (الفجر:١٨) ، (ولا يحض على طعام المسكين) (الماعون:٣) ، (أو مسكيناً ذا متربة) (الماعون:١٦) ، (فكفارته إطعام عشرة مساكين) (سورة: المائدة:٨٩) ، (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) (المجادلة:٤) ، وهنا اقتصر الله تعالى على المساكين، ولا شك أنه يدخل فيهم الفقراء، فإنهم أولى بالإطعام وأولى بالصدقة، ولكن نظراً للأغلب فإنه إذا اقتصر على المساكين دخل فيهم الفقراء، وإذا اقتصر أيضاً على الفقراء دخل فيهم بالتبعية المساكين. ثالثاً: العاملون عليها: أما العاملون عليها فهم الجباة الذين يجمعونها، فهم يجبون الزكاة ويجمعونها من أهلها، ويسمون العمال والعاملين.

стр. 774

كان النبي ﷺ يبعث من يجبي الصدقات من أهلها وبالأخص من البوادي؛ وذلك لأن أغلب أموال الناس في ذلك الزمان كانت بهيمة الأنعام، فكان يحتاج إلى من يذهب إليهم ليجمعها، فيعطي الذين يذهبون أجرتهم، أو حقاً مقابل تعبهم ومقابل عملهم، ولكنه يحثهم على الأمانة، ويحثهم على ألا يخفوا شيئاً من الصدقة وأن يعطوا من يرونه مستحقاً للزكاة من الفقراء والمساكين، فإذا أتيتم إلى البوادي: فوجدتم هذا غنياً عنده زكاة غنم وإبل، وهذا فقير ليس عنده شيء، فلكم أن تأخذوا من هذا الغني وتعطوا هذا الفقير، وما بقي عندكم تأتون به إلينا لنتولى توزيعه ونعطيكم حق تعبكم وأجرتكم. فكان الرسول ﷺ يحثهم على ذلك. وقد ورد في حديث أن النبي ﷺ : قال "هدايا العمال غلول"، ومعناه أن العامل لا يقبل هدية من أحد عن الزكاة، وكذلك لا يقبل ضيافة مخافة أنه إذا قبل ضيافة أو قبل هدية يتغاضى عن صاحبها، وإذا لم يهد له أو لم يكرمه ولم يضيفه ظلمه وزاد عليه وأخذ منه مالا يستحق، بل يكون عفيفاً ويكون بعيداً عن أن يستضيف أحداً أو يقبل من أحد هدية، فإذا أهدي إليه فلا يقبل الهدايا. وفي قصة ابن اللتبية أن الرسول ﷺ بعثه مزكياً للأغنام والإبل فجاء وقال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فغضب النبي ﷺ وقام خطيباً وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليّ؟! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمه حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟! "، ثم أخذ يوبخهم على الغلول فقال: "والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر". وأخذ يعدد من أصناف المال، فكأنه يعرّض بأن هذا الفعل يعتبر غلولاً.

стр. 775

والله تعالى يقول: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) (آل عمران:١٦١) أي عقوبة له أنه يحمل ما غله، ويأتي به حتى يتمنى التخلص منه. فاعتبر هذا هدية واعتبره غلولاً، لأنه إذا أهدي إليه تغاضى عنهم، فإذا جاء إلى أناس وزكاتهم -مثلاً- عشر من الغنم وخمس من الإبل المتوسطة، فأهدوا إليه شاة أو ضيفوه وأكرموه، فإنه يستحي منهم، فيأخذ من الغنم رديئها، ومن الإبل رديئها، فيأخذ منهم دون ما يجب عليهم، لأنهم أكرموه، فبدلاً من أن يأخذ الشاة التي قيمتها أربعمائة يأخذ ما قيمتها مائتان وهكذا. فهذا ظلم للفقراء، وهذا اعتبر غلولاً، فإذا إذا لم يقبل هديتهم فإنه يأخذ الواجب، وقد تقدم أنه يأخذ الأوسط، فلا يأخذ الأردى والأدون ولا يأخذ الخيار والنفيس. وفي زماننا هذا تفرض الحكومة للعمال رواتب شهرية كسائر الموظفين، فإذا كان كذلك، فإنه لا يحق لهم أن يخفوا شيئاً من هذه الزكوات، بل يعتبرون كوكلاء يجمعونها ويدخلونها في بيت المال، ولا يحل لهم منها شيء لا قليل ولا كثير، وذلك لأن الحق الذي فرضه الله لهم، إنما هو إذا لم يكن لهم شيء مسمى من الدولة، فإذا قيل لهم: لا نعطيكم شيئاً، ولكن خذوا قدر ما تستحقونه لإعاشتكم، فيأخذون بقدر حقهم، فلا ظلم على العامل ولا ظلم على الموكل، أما إذا فرض لهم فليس لهم أن يتجاوزوه. رابعاً: المؤلفة قلوبهم: كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم تأليفاً لهم، إما قائداً يرجى إسلامه، أو يرجى إسلام نظيره، أو يرجى كف شره، أو يرجى بعطيته قوة إيمانية، أو يرجى أنه يتولى جباية الزكاة من قومه، فإذا لم يعط فإنه لا يجبي الزكاة بل يجحدها أو يمنعها، فهؤلاء سادة في قومهم مطاعون يعطون تأليفاً لهم؛ حتى يؤمن شرهم، وحتى يقوى إيمانهم، وحتى يكونوا ناصحين ومخلصين لو لي الأمر، فهذا هو سبب إعطائهم.

стр. 776

فلما كان في عهد عمر ﵁ وقوي الإسلام وتمكن، وصار القادة والسادة الذين كانوا في أول الإسلام يخاف من شرهم كآحاد الناس لم يعطهم من الزكاة، وقال: إن الله قد نصر الإسلام، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. وفد عيينة بن حصن إلى المدينة وكان ابن أخيه الحر بن قيس من جلساء عمر ﵁، وكان جلساء عمرهم القراء شباباً كانوا أو شيباً، فقال عيينة لابن أخيه: لك يد عند هذا الأمير اشفع لي حتى أدخل عليه، وكان قد اشتكى أن عمر لم يعطهم ما كان يعطيهم النبي ﷺ ، فدخل عليه وقال بصوت جهوري: هي "يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل" فهذه كلمة نابية جافية من أحد أجلاف العرب، وغضب عمر وكاد أن يبطش به، ولكن ابن أخيه حثه على العفو، وقرأ عليه قول الله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) (الأعراف:١٩٩) ، فوالله ما جاوزها وكان وقافاً عند كتاب الله. وكان عيينة بن حصين هذا من المؤلفة قلوبهم، هو والأقرع بن حابس، ففي صحيح مسلم أنه ﷺ لما انتصر على هوازن وقسم غنائمهم، قسم الإبل، فأعطى عيينة بن حصين مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى شاعراً من شعراء بني سليم وهو العباس بن مرداس أقل من المائة، فأنشأ يقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد كبين عُيَيْنةَ والأقرعِ وما كان بدْرٌ ولا حابس يفوقان مرداس في المجْمَعِ وما كنتُ دونَ امريٍ منهما ومن تخْفض اليوم لا يُرْفَعِ يعرض بالأقرع وعيينة، فدل على أنهما ممن كان يتألفهم النبي ﷺ ، فلما كان في عهد عمر قطع هذا التأليف وأسقط حقهم.

стр. 777

اتصل بي مرة من البحرين أحد الجهلة من أهل السنة، ولكنه انخدع بمن عنده من الرافضة الذين طعنوا في عمر، فقالوا: عمر أسقط حقاً في كتاب الله، أسقط حق المؤلفة قلوبهم، وهو في القرآن، فجعلوا ذلك طعناً، فعجبت لهذا الذي صدقهم، فقلت له: إن التأليف يستعمل عند الحاجة إليه، فهو لم يسقط الآية ولم يسقط حقهم الذي في الآية، بل الآية موجودة، ولكنه رأى أن التأليف له مناسبة وله وقت، فإذا لم يحتج إلى التأليف لقوة الإسلام فلا حاجة إلا إعطائهم؛ لأن هذه الصدقات تجمع من الناس لمن يستحقها، وهؤلاء أثرياء وأغنياء فلا حاجة إلى تأليفهم ما دام الإسلام قوياً. خامساً: في الرقاب: ويراد بهم المكاتبون، فالعبد الذي يشتري نفسه بثمن مؤجل، ثم يخلى بينه وبين الحرفة ويبدأ يحترف ويتكسب، وكلما حل نجم أعطاه، فقد لا يقدر على تحصيل ذلك النجم أو ذلك القسط في تلك السنة لعجز أو لقلة مصالح، فيتصدق عليه، ويعطى من الزكاة؛ حتى يخلّص نفسه ويفك رقه. ويجوز لمن كان عنده زكاة كثيرة أن يشتري رقيقاً ويعتقه؛ لأن هذا من الرقاب. سادساً: الغارمون: وقد قسم الغارم إلى قسمين: غارم لإصلاح ذات البين وغارم لنفسه أو لحاجته، والغارم لحاجته هو المدين الذي استدان وتحمل ديناً من هذا ومن هذا، وكثرت الديون التي عليه، فلم يف بها ماله، ولو كان مظهره مظهر الأغنياء، ولو كان ينفق ويكرم ويطعم ويلبس فاخر الثياب ويركب فاخر السيارات وما أشبه ذلك، ولكن تراكمت عليه الديون، فلم يستطع وفاءها، فهو من الغارمين.

стр. 778

ومع ذلك يرشد إلى أنه لا يحل له هذا الإسراف ما دام أنه مدين، وأن عليه أن يحرص على إبراء ذمته ووفاء الدين الذي عليه؛ حتى لا يبقى مطالباً بحقوق الناس، وقد قال النبي ﷺ : "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله"، وقد كان النبي ﷺ ينهى عن الدين، أي أن يستدين الإنسان إلا للضرورة، حتى إنه كان لا يصلي على الميت إذا كان عليه دين لم يخلف عنه وفاء؛ إلا إذا تحمله أحد أصحابه، إلا في آخر الأمر كان يتحمل الديون عن الأموات ويوفيها من بيت المال، ويقول: "أنا أولى بالمسلمين من أنفسهم، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك ديناً فإلي وعلي". والحاصل أن الغارم ذكرنا أنه قسمان: الغارم لنفسه وهو الذي يستدين ولا يقدر على الوفاء، والثاني: الغارم لإصلاح ذات البين، وصورة ذلك إذا وقع بين طائفتين قتال جئت إليهم، وأصلحت بينهم، وقلت لهم: أنا أتحمل لكم أيها القبيلة بألف، واتحمل لكم أيها القبيلة الأخرى بألفين، على أن تسقطوا حقوقكم، فهذه الآلاف التي تحملتها لا نكلفك أن تدفعها من مالك ولو كنت ثرياً وغنياً؛ لأن فيها تكليفاً كبيراً وفيها شيء من الإجحاف في أموال ذوي الجاه؛ فلذلك تستحق أن تأخذها من الزكوات. ففي حديث قبيصة قال: تحملت حمالة فأتيت النبي ﷺ أسأله من الزكاة، فقال: "اجلس عندنا حتى تأتينا الزكاة -أو الصدقات- فنأمر لك بها"؛ لأنه تحمل حمالة لإصلاح ذات البين. سابعاً: في سبيل الله:

стр. 779

قال أكثر العلماء: إنه يراد به الجهاد، أي أنه يصرف في سبيل الله، فيجهز به الغازي الذي له راتب مثلاً، وكذلك أيضاً يدفع في العتاد، فيشتري بالزكاة عتاداً كسلاح ودروع وأدوات للقتال وما أشبه ذلك، ونفقات للمقاتلين إذا لم يكن لهم ما يكفيهم، فكل ذلك داخل في سبيل الله، وأكثر ما ترد هذه الكلمة للجهاد كما في قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) (آل عمران:١٩٦) ، (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) (البقرة:١٩٠) ، ونحو ذلك. لكن ذكر بعض العلماء أن الكلمة عامة، وأن سبيل الله في الأصل هو كل أمر يوصل إلى رضاه، كل شيء يحبه الله ويرضاه فإنه من سبيل الله، فأدخلوا في ذلك كثيراً من الأعمال الخيرية فأدخلوا فيه بناء المساجد وقالوا: هي من سبيل الله، وأدخلوا فيه بناء المدارس وعمل القناطر وإصلاح الطرق التي يحتاج إليها المسلمون وليس هناك مالية تكفيها، وكذلك أيضاً الدعاة الذين ليس لهم قدرة على التكفل بالدعوة، وكذلك المعلمون عند الحاجة إليهم، ومعلم القرآن، وهكذا أيضاً نشر العلم الذي يدخل فيه -مثلاً- طبع الكتب وطبع الأشرطة الإسلامية وما أشبه ذلك، فقالوا: هذه كلها داخلة في سبيل الله، فإذا لم يوجد من يتبرع بها فإنه ينفق عليها من الزكاة. ولكن الأكثرين قالوا: لا تدفع من الزكاة، وسبيل الله خاص بالمجاهدين وبالجهاد. وعلى كل حال إذا تعطلت هذه الأشياء، فتعطلت الدعوة، وتعطل الدعاة، وتعطل نشر العلم، وتعطل تحفيظ القرآن، ولم يوجد من ينفق على ذلك إلا من الزكاة فعند ذلك يجوز، ولكن إذا وجد من يتبرع ببناء المساجد ويتبرع بإعاشة الدعاة -مثلاً- ويتبرع بطبع كتب العلم وما أشبه ذلك؛ فإنها لا تصرف من الزكاة. ثامناً: ابن السبيل:

стр. 780

وعرفوه بأنه المسافر المنقطع الذي سافر من بلاده، ووصل إلى بلاد أخرى، ولكنه انقطع عن الوصول إلى أهله، ولم يستطع الرجوع إليهم، ولو كان غنياً في بلده، ولكن لا يستطيع أن يصل إليه شيء من ماله. ويتصور هذا في الأزمنة القديمة أما في هذه الأزمنة، فإن في إمكانه أن يتصل بأولاده -مثلاً- ويأمرهم بان يرسلوا له مالاً بواسطة البنوك أو بواسطة المصارف، فيصل إليه ما يكفيه، ولكن إذا وجد منقطع سواء له مال في بلده ولا يقدر عليه أو ليس له مال، فإنه يدخل في مسمى ابن السبيل.

стр. 781

فتاوى الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله فتاوى الزكاة مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير خلقه أجمعين ﷺ وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا كتاب الزكاة لفضيلة شيخنا العلامة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله ورعاه، والذي جمعته من فتاوى الشيخ التي تصدر من مكتبه في دار الإفتاء، ومن دروس الشيخ المسجلة على الأشرطة، كما أضفت مجموعة من الأسئلة والاستفسارات التي أجاب عليها فضيلته لإكمال الموضوع، ثم بعد الانتهاء من المراجعة والتصحيح وعزو الآيات وتخريج الأحاديث قدر المستطاع، قام فضيلة الشيخ بمراجعة الكتاب والتقديم له، نسأل الله أن يحفظ علينا شيخنا وأن يمد في عمره بالطاعة وخدمة الإسلام والمسلمين، إنه سميع مجيب الدعاء. كما نسأله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن لا يكون فيه رياءٌ ولا سمعة، وأن يكتبه في موازين حسناتنا يوم نلقاه، يوم لا ينفع مال ولا بنون، كما أسأله تعالى أن يوفق المسلمين إلى كل خير، وأن يهدي ضالهم ويثبت من هداه الله إلى الحق، وأن ينصرهم على عدوهم إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً.

стр. 782

مسألة محيرة المقدمة تقديم فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونسأله الهداية والتوفيق لأقوم طريق، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. وبعد: فإن الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره هو أحد أركان الإيمان المشهورة، وبه يطمئن العبد فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومع ذلك فإنه مأمور بفعل الأسباب، ومباشرة الأعمال لدينه ودنياه، حيث منحه ربه قوة في العمل، وقدرة على مزاولته، وبهذه القدرة يتحصل على ما كتب الله له من الرزق في هذه الحياة، وبها يعمل ما يثاب عليه في الآخرة، أو يعاقب من الحسنات أو السيئات. وحيث إن هناك طائفة الجبرية الذين غلبوا جانب القدر واحتجوا به على ما وقعوا فيه من المعاصي، فقد شابهوا المشركين الذين قالوا: ((لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)) . (سورة الأنعام، الآية: ١٤٨) . فرد الله عليهم بقوله: ((قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا)) . (سورة الأنعام، الآية:١٤٨) .ولكن هؤلاء الجبرية إنما يحتجون بالقدر على المعاصي، وفيهم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وعند مراد الله تفنى كميت وعند مراد النفس تسدي وتلحم وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ظهيراً على الرحمن للجبر تزعم

стр. 783

وبهذا يعرف تناقض هؤلاء الجبرية، فإن الاحتجاج بالقدر إنما هو بعد المصائب والوقائع لقوله تعالى: ((لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)) . (سورة الحديد، الآية: ٢٣) . فإن الإنسان مأمور بفعل أسباب الخير، والتوقي عن أسباب العطب والضرر، وأخذ الحذر من أسباب الأمراض والعاهات، فلا يتردى من شاهق، ولا يتعرض للسباع والهوام، ولا يسلم نفسه لأعدائه وهو يقدر على الامتناع، وعليه أن يتوقى البرد والحر وأسباب الأمراض والمصائب، ولا يتهور ويلقي بنفسه إلى التهلكة، فإن من أودى بنفسه أو أتلف ماله متعمداً مع قدرته على الإمساك فهو أقرب إلى وصف الجنون والخبال. ومن تعاطى أسباب الهلاك كأكل السم وإتلاف المال، فإنه يحجر عليه، ويمنع من التصرف، ولا يقبل احتجاجه بالقدر والكتابة العامة لكل ما يجري في الكون، فإن الله تعالى هو الذي قدر المقادير، ومع ذلك أمر العباد ونهاهم، وكلفهم، وفرض عليهم الفرائض، وحرم عليهم محرمات، ووعدهم على الامتثال بالثواب، وعلى العصيان بالعقاب. ولا شك أن هذا دليل التمكن والقدرة على مزاولة الأعمال، وقد قال تعالى: ((فاتقوا الله ما استطعتم)) . (سورة التغابن، الآية: ١٦) .فدل على أن التكاليف مشروطة بالاستطاعة، وتسقط عند العجز، كما شرط الله في الحج الاستطاعة، وقال تعالى: ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)) . (سورة البقرة، الآية: ٢٨٦) .

стр. 784

وقد كنت كتبت جواب سؤال لبعض من زعم الحيرة، وساء فهمه، وعاند في الطاعة، واحتج بالقدر، وأشبه الشيطان في قوله: ((رب بما أغويتني)) . (سورة الحجر، الآية:٣٩) . وقد أجبته باختصار حسب ما يتضح به الصواب، وأحلت بالتفصيل على ما كتبه علماء الأمة وتوسعوا فيه، وناقشوا فيه شبه المبطلين، وقد رغب إلي بعض الإخوة في نشره رجاء أن يقتنع به أهل العناد، فأذنت له في ذلك، وأضفت إليه تكملة من رسالة للشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله تعالى، من شرحه لقصيدة شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الجبرية، وفي ذلك كفاية ومقنع لمن قصد الحق بالصواب. وأما من عاند وأصر على الاحتجاج بالقدر، فعلاجه أن يضرب ويجلد، ويضيق عليه، ويحتج بالقدر، حتى تنقطع شبهته، والله أعلم وأحكم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين نص السؤال الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ : وبعد: فقد سئل فضيلة الشيخ٠ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، حفظه الله ورعاه، عن مسألة محيرة، لكثير من الناس، فقال السائل: عندما يؤمر إنسان بمعروف وينهى عن منكر في أي أمر من أمور الدين، كبيراً كان أو صغيراً، فإنه يرد ذلك إلى القضاء والقدر، ويقول: قدر الله علي أن أفعل هذا الشر وهذه المعصية. فإذا قلت له: ألا تستطيع عمل الخير وترك الشر؟! قال: بلى. ولكن إذا قدر الله علي أن أكون من أهل النار فيسبق علي الكتاب لا محال.

стр. 785

ثم يستدل بقول الله تعالى: ((يضل من يشاء ويهدي من يشاء)) . (سورة فاطر، الآية: ٨) . ويستدل أيضاً بقوله ﷺ : ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالذي لا إليه غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) . (أخرجه البخاري برقم (٦٥٩٤) ، ومسلم برقم (٢٦٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ . نرجو توجيه رد واضح على هذه المسألة المحيرة لكثير من الناس، خاصة أنني لم أجد كتاباً مبسطاً إلى عامة الناس يوضح المسألة، ويرد على الشبهات التي تعترضهم، وجزاكم الله خيراً. نص الجواب وقد أجاب فضيلته بهذا الجواب الشافي الكافي، عل الله أن يهدي به أناساً قد ضلوا في هذا الأمر، فقال فضيلته: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: إن هؤلاء الذين يحتجون بهذه الحجج، لاشك أنهم متناقضون، فهم لا يعملون بها في كل حال! فلا يعملون بالقضاء والقدر، ويسلمون له في كل أحوالهم! فلأجل ذلك يقال: أنهم متناقضون! ونحن نقول للجواب عن هذا السؤال: إن هذا السؤال قديم، يحتج به الفسقة دائماً! ويرددونه في مجتمعاتهم، ويرددونه إذا نصحوا! فهو ليس بجديد! وقد ذكروا أن ذمياً أو ملحداً دخل على شيخ الإسلام بن تيمية ﵀،وقدم له أبياتاً يحتج فيها بالقدر! فقال: أيا علماء الدين، ذمي دينكم تحير، دلوه بأوضح حجة إذا ما قضى ربي بكفري –بزعمكم- ولم يرضه مني، فما وجه حيلتي؟

стр. 786

دعاني، وسد الباب دوني فهل إلى دخولي سبيل؟ بينوا لي قضيتي قضى بضلالي، ثم قال: ارض بالقضاء، فهل أنا راض بالذي فيه شقوتي؟! فإن كنت بالمقضي – يا قوم – راضياً فربي لا يرضى بشؤم بليتي وهل لي رضا ما ليس يرضاه سيدي فقد حرت، دلوني على كشف حيرتي إذا شاء ربي الكفر مني مشيئة فهل أنا عاص في اتباع المشيئة؟ وهل لي اختيار أن أخالف حكمه؟ فبالله فاشفوا بالبراهين غلتي ثم إن شيخ الإسلام أجابه نظماً، وهو جالس في مجلسه، فأخذ القلم وجعل يكتب الجواب وهم حاضرون، فظنوا أنه يكتب نثراً، فإذا هو يكتب نظماً على نمط ذلك السؤال! فنظم في مجلسه مائة وثلاثين بيتاً على نمط تلك القصيدة التي نظمها ذلك الشاعر الذمي! والقصيدة موجودة في مؤلفات شيخ الإسلام، أولها قوله: سؤالك – يا هذا – سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية فهذا سؤال خاصم الملأ العلا -قديماً- به، أبْليسَ أصْلُ البَلِيَّةِ ومن يك خصماً للمهيمن: يرجعن على أُمِّ رأْسٍ، هاوياً في الحُفَيْرَةِ وتدعي خصوم الله – يوم معادها إلى النار، طرا معشر القدرية سواء نفوه أو سعوا ليخاصموا به الله أو ماروا به للشريعة إلى أن قال في آخرها: فدونك علماً بالذي قد أجبت من معان إذا انحلت بفهم غريزة أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى، ولله رب الخلق، أكمل مدحتي وقد طبعت هذه القصيدة في المجلد الثامن من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، وطبعت أيضاً في ترجمة شيخ الإسلام: (العقود الدرية في مناقب الشيخ ابن تيمية) لابن عبد الهادي، وتوجد أيضاً في غير ذلك. ثم إن شيخنا عبد الرحمن بن محمد الدوسري ﵀، نظم أيضاً على نمطها أبياتاً أخصر منها متضمناً لمدلولها.

стр. 787

كذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة مطبوعة في المجلد الثامن من الفتاوى عنوانها: (أقوم ماقيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل) . والعنوان يظهر أنه ليس من وضع شيخ الإسلام، وإنما هو من بعض النساخ. كذلك أيضاً للعلامة ابن القيم كتاب كبير اسمه: (شفاء العليل) يدور حول القضاء والقدر، وضح فيه المسألة وبين كيف يحتج بالقدر؟ ومتى؟، وأيضاً ذكر شيخ الإسلام القضاء والقدر بكلام مختصر في كتابه: (العقيدة الواسطية) حيث ذكر أن الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمن شيئين: فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم، الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق ... الخ. وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ... الخ. ثم قال: ومع ذلك فقد أمر العباد بطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين والمقسطين. ثم قال: ولا يحب الكافرين ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر ... الخ. ثم قال شيخ الإسلام: والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمصلي والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم، ولهم إرادة، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ... الخ. ثم قال: وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة ... الخ. أقسام الناس في القدر: والإيمان بالقدر ينقسم الناس حوله ثلاثة أقسام: القسم الأول: نفوا قدرة الله:

стр. 788

وهم المعتزلة، فقالوا: إن العبد يخلق فعله، وليس لله قدرة على أفعال العباد، بل العبد هو الذي يتحرك بنفسه، وهو الذي يفعل بنفسه، والله لا يقدر أن يرده، فلو أراد العبد شيئاً وأراد الله ضده، لم يقدر الله على أن يرده! وهؤلاء غلوا في قدرة العبد، ونفوا قدرة الله، وادعوا أن ذلك تنزيه لله، وهؤلاء في الحقيقة قد تنقصوا الله، وجعلوه عاجزاً! وقد تكلم بعض العلماء عليهم في ذلك، ومنهم صاحب شرح الطحاوية، وأورد لذلك قصصاً وأمثالاً. القسم الثاني: غلبوا قدرة الله: وهم الجبرية الذين لم يجعلوا للعبد أية قدرة؛ بل جعلوه مجبوراً على حركاته وعلى أفعاله، وليست له أية أفعال، ولا تنسب إليه أية أقوال! بل إن حركاته بمنزلة حركة الشجر التي تحركها الرياح، أو حركة المرتعش الذي ترتعد يداه، ولا يقدر على أن يمسكهما، فجعلوه مجبراً على فعله، ولم يجعلوا له أي اختيار في ذلك، ويقول قائلهم: ألقاه في البحر مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماءِ!! ويقول آخر: وضعوا اللحم للبزاة على ذروتي عدن ثم لاموا البزاة إذ أطلقوا لهن الرسن لو أرادوا صيانتي ستروا وجهك الحسن فكأنهم يقولون: إن الله هو الذي أوقع العبد في المعصية، وهو الذي حرك أفعاله، فإذن تعذيبه له يكون ظلماً، فليس للعبد أي اختيار!! ولا شك أنهم مخطئون. ولا بأس أن أعلق على أقوالهم وإن كان الكلام يستدعي طولاً، فأقول: إن هؤلاء متناقضون، ذلك لأنهم لا يستمرون على فعلهم؛ بل إنهم لا يعتمدون عليه في كل الأحوال، ولا يحتجون بالقدر في كل حال من الأحوال. ونقول لهؤلاء: إذا كان الحال كذلك فلا تطلبوا المعيشة مادام أن الله قدر لكم رزقاً، فإنه سيأتيكم به، اجلسوا في بيوتكم ولا تتكسبوا، ولا تحرثوا، ولا تزرعوا، ولا تتاجروا، ولا تعلموا، ولا تعملوا، أي عمل! بل لا تأكلوا، ولا تشربوا، ولا غير ذلك، فإذا كان الله قد قدر لكم ذلك فإنه سيأتيكم ويصل إليكم!

стр. 789

فلو قلنا ذلك لهم لما امتثلوا، فدل ذلك على أنهم متناقضون. فما دام أنك تقدر، وأنك تقلب في أمور الدنيا، فلماذا لا يكون لك القدرة على الأعمال الصالحة، مثل العبادات والطاعات والحسنات والقربات ونحوها؟! كذلك أيضاً نقول لهم: إن هذا كله بقضاء وقدر، ولكن لكم أفعال تستطيعون بها أن تنسب إليكم، فقد روي أن عمر ﵁ رفع إليه سارق، فلما أراد أن يقطع يده، قال السارق: يا أمير المؤمنين، هذا قدر، فالله قدر علي هذه السرقة. فقال عمر ﵁: أنت سرقت بقدر الله ونحن نقطع يدك بقدر الله فإذا كان هذا بقدر فهذا أيضاً بقدر! كذلك ذكر أن رجلاً كان يقود أعمى، فجعل يقوده بعنف، وجعل يعثر به في الحفر، وفي الحجارة، ونحوها ويقول: هذا بقدر! هذا مقدر! ثم إن الرجل الأعمى ضربه بعصاه بقوة، فقال: هذا أيضاً بقدر، فإذا كان تعثرك بي وتعمدك بي بقدر، فأنا أضربك بقضاء وقدر! ونقول لهؤلاء أيضاً: إن العقوبة التي رتبها الله تعالى على هذه الأفعال، لا شك أنكم تستحقونها؛ لأن الله رتب على من فعل كذا عقوبة كذا، فالعقوبة على أفعالكم بقضاء وقدر. القسم الثالث: أهل السنة والجماعة: إن عقيدة أهل السنة أن الله تعالى أعطى العباد قدرة يزاولون بها أعمالهم، أو جعل لهم اختياراً يفضلون به بعض الأعمال على بعض فلذلك تنسب إليهم أعمالهم، وتضاف إليهم أفعالهم، ولو كانت بقضاء الله وبقدره وبمشيئته، فإنه سبحانه لا يعصى قسراً، ولا يكون في الوجود إلا ما يريد، ولكن له الحجة البالغة. والله يذكر دائماً احتجاج المشركين بالقدر، ثم يرد عليهم، وينكر عليهم، مثل قوله تعالى: ((سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء - هذا احتجاج من المشركين بعموم مشيئة الله – إلى قوله تعالى: قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين)) . (سورة الأنعام، الآيتان: ١٤٨، ١٤٩) . فأخبر بأن له الحجة، ولو شاء لهداهم.

стр. 790

ويقول تعالى في آية أخرى: ((إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)) . (سورة الشعراء، الآية: ٤٠) .فهو لو شاء لهداهم، ولكن اقتضت حكمته أن يكون في هذا الخلق سعيد وشقي، وفاجر وتقي، وكافر ومسلم، ومشرك وموحد، وعابد وغير عابد، اقتضت ذلك حكمة الله ، واقتضى أمره وحكمته أن جعل الناس قسمين: قسم خلقهم للجنة، فبعملها يعملون! وقسم خلقهم للنار، فبعملها يعملون! ومكن كلاً منهم، وأعطاهم إرادة، وأعطاهم قدرة يزاولون بها أعمالهم، وتلك القدرة وتلك الإرادة هي التي يثابون أو يعاقبون عليها! ومع ذلك فإنهم كلهم تحت مشيئة الله، ولهم مشيئتهم، ولكنها مرتبطة بمشيئة الله، يقول الله تعالى: ((لمن شاء منكم أن يستقيم، وما تشاءون إلا أن يشاء الله)) . (سورة التكوير، الآيتان: ٢٨، ٢٩) . يعني أن لكم مشيئة على الاستقامة، ومع ذلك فإن مشيئتكم مرتبطة بمشيئة الله. وقال تعالى: ((فمن شاء ذكره، وما يذكرون إلا أن يشاء الله)) . (سورة المدثر، الآيتان: ٥٥، ٥٦) . وقال تعالى: ((فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله)) . (سورة الإنسان، الآيتان: ٢٩، ٣٠) . فالله أثبت للعباد مشيئة، ولكنها مغلوبة بمشيئة الله ، وله الحكمة في ذلك، وبمشيئة هؤلاء العباد الذين مكنهم وأعطاهم إياها، يثابون ويعاقبون عليها. فعلى كل حال نقول لهؤلاء الذين يقولون: (سبق الكتاب) ، (وكتب الكتاب) !! ونحو ذلك.

стр. 791

نقول لهم: قد قال رسول الله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار أو من الجنة)) . فقال رجل من القوم: ألا نتكل؟ قال ﷺ : ((لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ: ((فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى)) . (سورة الليل، الآيات: ٥-١٠) .)) . (أخرجه البخاري برقم٦٦٠٥) ، (ومسلم برقم٢٦٤٧) (من حديث علي ﵁ وقد سمعه في البقيع) . فقد أثبت الله تعالى في هذه الآية أن للإنسان عملاً فقال: ((أعطى واتقى، وصدق)) وهذه كلها أعمال، ثم قال: ((فسنيسره لليسرى)) أي إذا عمل صالحاً كالتقوى والصدق ونحوها فإنا سنيسره لليسرى. ثم قال: ((بخل واستغنى، وكذب)) وهذه أيضاً أعمال، قال: ((فسنيسره للعسرى)) أي إذا عمل أعمالاً غير صالحة كالبخل والكذب ونحوها فإنا سنيسره للعسرى. فالإنسان إذن له عمل، وعمله هو أنه يؤمر فيأتمر ويمتثل، ويكون ذلك بمشيئة الله، فلو شاء الله تعالى لم يستطع، ولو شاء الله لرده، ولحال بينه وبين ذلك، لكنه شاء، وله مشيئته التامة، فحلى بينه وبين هذا الاختيار، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وتوعدهم على ذلك: فتوعدهم على الشر بأنه يعاقبهم عليه، وإن كان الله قادراً على هدايتهم. ووعدهم على الخير بأنه يثيبهم عليه، وإن كان الله قادراً على إضلالهم. وله الحكمة البالغة بأن: خلق هؤلاء للجنة وهداهم، وأقبل بقلوبهم، فله المنة عليهم، فلا ينعمهم إلا بفضله. وخلق هؤلاء للنار، ويعذبهم بها، وإن كان قادراً على أن يهديهم، ولكنه حال بينهم وبين ذلك، ولم يوفقهم لأسباب الهداية، وجعل لهم الاختيار في أن فضلوا الشر على الخير، فإن عملوا بالشر وصاروا من أهله، عاقبهم ربهم، وعقوبتهم تكون عدلاً منه وليس ظلماً: ((ولا يظلم ربك أحداً)) . ((سورة الكهف، الآية: ٤٩) .

стр. 792

وبالجملة فإن الكلام في هذا يطول، ومن أراد أن يتوسع في ذلك فليراجع رسالة شيخ الإسلام، وغيرها من الرسائل، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمداً وآله وصحبه وسلم. خاتمة وبعد هذا الجواب المفصل المقنع إن شاء الله فإننا نذكر مثالين – واقعين لكثير من الناس في القضاء والقدر –، وقد ذكرهما فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي – ﵀ – في كتابه: ((الدرة البهية شرح القصيدة التائية في حل المشكلة القدرية)) فقال: المثال الأول: رجل كان مسرفاً على نفسه كثير الجراءة على المعاصي فقال له صاحبه – وهو يناصحه ويحاوره –: أما ترتدع عما أنت عليه؟ أما تتوب إلى ربك وتنيب إليه؟ أما علمت أن عقابه شديد على العاصين؟. فقال المسرف: دعني أتمتع فيما أريد؛ فلو شاء الله لهداني، ولو أراد لي غير ذلك لما أغواني. فقال له الناصح: بهذا الاعتذار الكاذب ازداد جرمك، وتضاعف ذنبك؛ فإن الله لم يغوك بل الذي أغواك: الشيطان؛ وانقادت له النفس الأمارة بالسوء حيث قال الشيطان _ مخاطباً لربه _: ((قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين)) . (سورة ص، الآيتان: ٨٢، ٨٣) . فالشيطان دعاك إلى المعاصي فأجبته، والله دعاك إلى الهدى فعصيته. بين الله لك السعادة وطرقها، وسهل أسبابها ورغبك فيها ووضح لك طريق الشقاوة، وحذرك من سلوكها واتباع خطوات الشيطان. وأخبرك بما تؤول إليه: من العذاب الشديد؛ فرضيت، واستبدلت الضلالة بالهدى، والشقاوة بالسعادة. وجعل لك قدرة وإرادة تختار بهما، وتتمكن بهما من كل ما تريد. ولم يلجئك إلى فعل المعاصي، ولا منعك من الخير فسلكت طريق الغي وتركت طريق الرشد. فلا تلم إلا نفسك.

стр. 793

أما سمعت ما يقول الداعي لأتباعه يوم القيامة _ حيث يقوم خطيباً فيهم: ((وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي)) . (سورة إبراهيم، الآية: ٢٢) . فقال المسرف: كيف أستطيع أن أترك ما أنا فيه: والله هو الذي قدره علي؟! وهل يمكنني الخروج عن قضائه وقدره. فقال له الناصح: نعم؛ يمكنك الخروج بقدره. والتوبة والإقلاع عما أنت فيه _ وأنت تعلم علماً لا تشك فيه _ من قدر الله. فارفع قدر الله بقدره. ثم إن قولك: (إن المعاصي الواقعة مني، من قدر الله) ؛ إن أردت: أن الله أجبرك عليها وحال بينك وبين الطاعة؛ فأنت كاذب. وأول من يعلم كذبك نفسك: فإنك تعلم كل العلم أنك لو أردت ترك الذنوب لما فعلتها، ولو أردت إرادة جازمة فعل الواجبات لفعلتها. فلقد أقدمت على المعاصي برغبة منك ومحبة لها، وإرادة لا تشك ولا يشك غيرك فيها، وتعلم أن قولك: (إنها بقضاء الله وقدره) ؛ دفع اللوم عنك. فهل تقبل هذا العذر: لو ظلمك ظالم، أو تجرأ عليك متجرئ؛ وقال: (إني معذور بالقدر؛ فلا تلمني) . أما يزيدك كلامه هذا حنقاً وتعرف أنه متهكم بك؟!. فقال المسرف بلى؛ هذا الواقع. فقال الناصح: كيف ترضى أن تعامل ربك _ الذي خلقك وأنعم عليك النعم الكثيرة _ بما لا ترضى أن يعاملك به الناس؟!. وإن أردت بقولك: (إنها بقضاء وقدر) ؛ بمعنى: أن الله علم مني أني سأقدم عليها، وأعطاني قدرة وإرادة أتمكن بهما من فعلها؛ وأنا الذي فعلت المعاصي بما أعطاني ربي: من القوى التي مكنني فيها من المعاصي؛ واعلم أنه لم يجبرني ولم يقهرني، وإنما أنا الذي فعلت، وأنا الذي تجرأت_: فقد رجعت إلى الحق والصواب، واعترفت بأن لله الحجة البالغة على عباده. المثال الثاني في الآجال والأرزاق

стр. 794

اعلم: أن الآجال والأرزاق _ كسائر الأشياء _ مربوطة بقضاء الله وقدره. فالله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر؛ ((ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)) . (سورة الأعراف، الآية: ٣٤) . فهذا أمر لا ريب فيه ولا شك. ومع ذلك، فهي أيضاً كغيرها: لها أسباب دينية، وأسباب طبيعة مادية، والأسباب تبع قضاء الله وقدره. ولو كان شيء سابق القضاء والقدر - من الأسباب -: لسبقته العين؛ لحديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم: ((العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا)) . (أخرجه مسلم برقم (٢١٨٨) . لقوتها ونفوذها. فمن الأسباب الدينية لطول العمر، وسعة الرزق: لزوم التقوى والإحسان إلى الخلق، لاسيما الأقارب. كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ : أنه قال: ((من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره _ أي يطيل عمره _ فليصل رحمه)) . (أخرجه البخاري برقم (٢٠٦٧) و (٥٩٨٦) . ومسلم برقم (٢٥٥٧) من حديث أنس بن مالك ﵁ بلفظ: (من سره) . وبرقم (٢٥٥٧) عن أنس بن مالك ﵁ بلفظ: (من أحب)) . وذلك: أن الله يجازي العبد من جنس عمله؛ فمن وصل رحمه: وصل الله أجله ورزقه، وصلاً حقيقياً.؟ وضده: من قطع رحمه، قطعه الله: في أجله وفي رزقه. قال تعالى: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً، ويرزقه من حيث لا يحتسب)) . (سورة الطلاق، الآية: ٢) . ومن الأسباب الدينية لقطع طول العمر: البغي والظلم للعباد. فالباغي سريع المصرع، والظالم لا يغفل الله عن عقوبته، وقد يعاقبه عاجلاً بقصم العمر. ومن الأسباب الدينية لمحق الرزق: المعاملات المحرمة كالربا والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، فصاحبها يظن _ بل يجزم _: أنها توسع عليه الرزق. ولهذا تجرأ عليها. والله تعالى يعامله بنقيض قصده. قال تعالى: ((يمحق الله الربى ويربي الصدقات)) . (سورة البقرة، الآية: ٢٧٦) .

стр. 795

فالمعاملة بالربا تمحق صاحبها، وتمحق ماله. وإن تمتع به قليلاً فمآله إلى المحق والقل. كما أن المتصدق يفتح الله له: من أبوب الرزق. ما لا يفتحه على غيره. كما قال النبي ﷺ : ((ما نقصت صدقة من مال، بل تزده)) (ثلاثاً) . (أخرجه مسلم برقم (٢٥٨٨) . والترمذي برقم (٢٠٢٩) . وأحمد في المسند (٢/٣٨٦) . ولم يرد في شيء من هذه الروايات قوله: بل ((بل تزده ثلاثاً)) .) . وكذلك الغش وأكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق: من أكبر أسباب المحق؛ مع ما على صاحبها: من الإثم والعقوبة. ومن أسباب طول العمر وقصره الطبيعية: الصحة والمرض. فالعافية من الأسقام سبب لطول العمر؛ كما أن الأمراض بأنواعها سبب لقصره. والمسكن والبقعة: إذا كانت صحيحة طيبة الهواء، صارت من أسباب عافية أهلها وطول أعمارهم. والعكس بالعكس: البقاع الرديئة المناخ والهواء، أو البقاع الوبيئة _ سبب لقصر العمر، كما هو شاهد. والتوقي عن المخاطر والمهالك، واستعمال الأسباب الواقية _ فائدتها في طول العمر ظاهرة. والإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وسلوك المخاطر، وكل أمر فيه خطر _ سبب ظاهر للهلاك. والأمثلة في هذا كثيرة. ومن الأسباب المادية في حصول الرزق وسعته: استعمال المكاسب النافعة. وهي كثيرة متنوعة: كل أحد يناسب له ما يوافقه ويحسنه، ويليق بحاله. كما قال تعالى: ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور)) . (سورة الملك، الآية: ١٥) . فيدخل في هذا العمل جميع الأسباب النافعة. وكذلك قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض)) . (سورة البقرة، الآية: ٢٦٧. وانظر: آية ٢٥٤، ٢٦٥منها) . إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 796

وكل هذه الأمور تابعة لقضاء الله وقدره. فإن الله تعالى قدر الأمور بأسبابها: فالأسباب والمسببات من قضاء الله وقدره ولهذا لما قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله؛ أرأيت أدوية نتداوى بها، وتقاة نتقيها، ورقى نسترقيها؛ هل ترد من قضاء الله وقدره شيئاً؟ فقال: ((هي من قضاء الله وقدره)) . (أخرجه الترمذي برقم (٢٠٦٥) و (٢١٤٨) وابن ماجه (٣٤٣٧) (وأحمد في المسند وقد ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٣٥٩/٢١٥٩)) . وكذلك الأدعية المتنوعة سبب كبير لحصول المطلوب، والسلامة من المرهوب. وقد أمر الله بالدعاء، ووعد بالإجابة. والدعاء نفسه، والإجابة كلها داخلة في القضاء والقدر. وقد جمع النبي ﷺ الأمر، بالعمل بكل سبب نافع، مع الاستعانة بالله. كما ثبت في الصحيح مرفوعاً: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله)) . (أخرجه مسلم رقم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة ﵁ . فهذا أمر بالحرص على الأسباب النافعة في الدين والدنيا، مع الاستعانة بالله. لأن هذه هي الاستقامة. وذلك لأن الانحراف من أحد أمور ثلاثة: إما أن لا يحرص على الأمور النافعة؛ بل: يكسل عنها، وربما اشتغل بضدها. أو يشتغل بها، ولكن: يتكل على حوله وقوته، وينظر إلى الأسباب، ويعلق جميع قلبه بها، وينقطع عن مسببها. أو لا يشتغل بالأسباب النافعة، ويزعم: أنه متوكل على الله. فإن التوكل لا يكون إلا بعد العمل بالأسباب. فهذا الحديث بين فيه النبي ﷺ الطرق النافعة للعبادة. ولنقتصر على هذا فأنه يحصل به المقصود. والله أعلم؛ وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 797

الآداب والأخلاق الشرعية تقديم فضيلة الشيخ العلامةعبد الله بن عبد الرحمن الجبرين المقدمة الآداب الأول: المحبة والأخوة في الإسلام من آثار المحبة: المحبة في الله النصيحة لأخيك النصيحة سرا النصيحة لولاة الأمور، والنصيحة للعامة الأدب الثاني: الإنصاف الأدب الثالث: التواضع ولين الجانب الأدب الرابع: المودة وإفشاء السلام الأدب الخامس: التعاون على البر والتقوى الأدب السادس: الإيثار الأدب السابع: حُسن الظن الأدب الثامن: الصبر خاتمة تقديم فضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى وأمر ونهى، أشهد أن الله هو الإله الحق لا إله لنا غيره ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أنه أرسل الرسل يدعون إليه ويُعرِّفون بحقّه على عباده، وختمهم بمحمد ﷺ الذي بيَّن الأحكام والآداب والأخلاق الشرعية بقوله وفعله؛ ﷺ وآله وصحابته ومن سار على نهجه واتبع هديه. وبعد: فهذه محاضرة كنت ألقيتها في بعض المساجد لبعض المناسبات ضمّنتها بعضاً من آداب الإسلام التي ربى بها النبي ﷺ أمته، والتي دلّت عليها العقول الزكية والفطر المستقيمة، وشهد بفضلها وأثرها وحسنها الموافق والمخالف، وعرف بتحقيقها والتخلق بها ما يهدف إليه الإسلام من التعاون على الخير والتعامل بالحسنى، والمواساة والإيثار، والصدق والوفاء، والبعد عن الشقاق والنزاع والسباب والشتم والعيب والثلب والقذف وتتبع العثرات، ونحو ذلك مما يزرع البغضاء والأحقاد. وقد كتب العلماء المتقدمون والمتأخرون في الأدب الديني ومحاسن الإسلام وما يدعو إليه من الأخلاق النبيلة والسمات الرفيعة ما يُعرف به أن هذا الدين أشرف الأديان وأكملها وأنه تنزيل من حكيم حميد.

стр. 798

فنهيب بالمسلم أن يقرأ ما كتبه علماء الأمة في الآداب الشرعية ومكارم الأخلاق وما تحويه من تفصيل وإيضاح للأدلة النقلية والعقلية، وما أثر عن سلف الأمة من الأقوال والأفعال، وكيف اكتسبوا بَذلك أفئدة الناس وأقنعوهم باعتناق الإسلام عن محبة وطمأنينة مما سبَّب تَمكُّن الدين من القلوب والإقبال عليه بصدق ورغبة؛ وهذا ما نؤمِّله في أبنائهم في هذا الزمان، واللَّه المستعان وعليه التكلان. وليعلم أن هذه المحاضرة ألقيتها ارتجالاً دون استعداد أو تحضير؛ فلهذا لم أذكر جميع الأدلة، ولم أتوسّع في شرح الآداب لضيق الوقت عن استيفاء ما في الموضوع من الفروع، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. كتبه عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله، نبي هذه الأمة، وكاشف الغمة، الذي خاطبه ربه: (وإنك لعلى خلق عظيم) (سورة القلم، الآية:٤) . وعلى آله وأصحابه الكرام الطيبين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فإن الإسلام قد أمر بكل ما تستحسنه العقول وتستسيغه، ونهى عن كل شيء تستقبحه العقول الزكية، وأمر المسلمين بالآداب والأخلاق الإسلامية، التي من شأنها التأليف بين قلوبهم وإزالة البغضاء والشنآن؛ وذلك مما يقوِّيهم ويكون سبباً في نصرهم على أعدائهم ويرفع من شأنهم ويعلي كلمتهم. وإن مما دفعنا إلى الكتابة في هذا الموضوع هو ما نراه من مخالفة صريحة للآداب الإسلامية والأخلاق الشرعية؛ بل إننا نجد -والعياذ بالله- من يحضّ على عدم العمل بها والصد عنها. ونحن نذكر بعض الآداب والأخلاق -لا كلها- لأن كل خصلة قد تحتاج بحثاً منفرداً؛ ولكن نختار بعض الآداب المهمة ليُعلم بذلك قدر الإسلام حيث قدّر هذه الآداب. والله المستعان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الآدب الأول المحبة والأخوة في الإسلام

стр. 799

لا شك أن الإسلام ربط بين المسلمين وجعلهم إخوة، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوةً) وقال: (فأصبحتم بنعمته إخوانا) (سورة آل عمران، الآية:١٠٣) ، وقال: (فمن عفي له من أخيه شيء) (البقرة:١٧٨) . فجعلهم كلهم إخوة، وإن حصل ما حصل بينهم من القتال ومن القتل فإنهم -رغم ذلك- لا يخرجون عن هذه الأخوة. ولا شك أن الأخوة تقتضي المحبة بمعنى أن تحب لأخيك الخير وتدله عليه. فالمحبة من أعظم الخصال التي دعا إليها الإسلام. قال النبي ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) . فالمراد أنه يحب له الخير ويكره له الشر، ومعلوم أنه إذا أحب له الخير دلّه عليه، وإذا رأى منه شراً حذّره عنه. فالأخوة في الإسلام هي أن تعرف أن كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويعترف بالعبادات ويفعلها، ويعتقد ما تعتقده من حق الله، فإنه أخٌ لك في الله، وأخ لك في الدين، ولو تباعدت الأنساب أو اختلفت الألوان، فما دمت أنت وهو على دين واحد فإنه أخوك، وإذا كان أخاك فعليك أن تحبه في الله ولله. ثم إن للمحبة في الله والمحبة في الدين آثاراً؛ ليست المحبة في الله مجرد دعوى المحبة ثم تترك أخاك على ما هو عليه من الجهل أو البدعة أو المعصية أو الحاجة الشديدة؛ وأنت تقدر على إزالة ذلك عنه! فمن هذه الآثار نذكر ما يلي: ١/ المحبة في الله: ثبت أنه ﷺ أمرنا بأن تكون المحبة لله، وذلك في قوله ﷺ : "ثلاثٌ من كُنّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أنُ يقذف في النار". فانظر إلى قوله ﷺ : "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله" أي لأجل الله، ولأجل صلاحه، واستقامته فإذا كان كذلك فإنه يجد حلاوة الإيمان.

стр. 800

بل قد جعل النبي ﷺ هذه المحبة من الخصال التي يستحق أهلها أن يكونوا من أهل الظلال يوم القيامة في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فقال ﷺ : "ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه". والمراد باجتماعهما الاجتماع في حياتهما، وبتفرقهما التفرق بعد موتهما؛ يعني اجتمعا في الدنيا على أنهما متحابان ولم يفرق بينهما إلا الموت. فهذان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. والمسلمون والحمد لله كذلك، ولكن كثيراً ما يوسوس الشيطان بينهم، ويوقع بينهم البغضاء والوحشة ونفرة بعضهم من بعض فتكون تلك النفرة سبباً للتقاطع والتباغض والتحاسد الذي نهى عنه الله في قوله تعالى: (لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يَكُن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ... ) (الحجرات:١١) . واللمز هو العيب، كما في قوله تعالى: (ويلٌ لكل هُمزة لُمزة) (الحجرات:١١) . فقد بين الله في هذه الآيات الوسائل التي تحصل بها المحبة منها: صفاء القلب. والنية الخالصة. ومعلوم أن المسلمين إذا صفت قلوبهم وخلصت نياتهم، ونصح بعضهم بعضاً، وأحب بعضهم بعضاً؛ زالت بينهم المنافسات والحسد والبغضاء ونحو ذلك، وأصبحوا مجتمعين وأصبحت قلوبهم مجتمعة مؤتلفة، لم يكن بينهم حقد، ولا تفرق واجتمعت كلمتهم على ما يحبه الله تعالى، وهو ما أراده من العباد.

стр. 801

وهذا هو ما حصل لصفوة الأمة وخيارها وهم الصحابة ﵃ الذي كانوا أعداء قبل الإسلام فائتلفوا بالإسلام؛ فذكّرهم الله بذلك في قوله تعالى: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (آل عمران:١٠٣) ، وقال تعالى: (هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألَّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم) ، فأصبحوا إخواناً متماسكين بهذه الأخوة في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) (آل عمران:١٠٣) . فهذا ما يحث عليه الإسلام؛ يحثنا على أن نكون مجتمعين غير متفرقين، مجتمعة قلوبنا وإن تفرقت أبداننا، مجتمعة أهدافنا، ونياتنا، وأعمالنا، لا يخالف بعضنا بعضاً؛ فإن وقع الاختلاف، وقع التضاد والتحاسد، ونحو ذلك، وبذلك تضعف كلمتنا وتضعف معنوياتنا، ولم يكن لأحد عند الآخر قدر، وصار كل منا يستبدّ برأيه وبنفسه ويدعي أن الصواب في جانبه، ويحقر إخوته ولو كانوا أكبر منه وأفضل، ويلتمس مثالبهم ومعايبهم وينشر السمعة السيئة لمن خالفه! وهذا ما يتمناه أعداؤنا، ويتمناه الشيطان وأولياؤه؛ فإنهم يتمنون للمسلمين؛ سيما أهل السنة وأهل الحق، أن تكون قلوبهم متفرقة مثلما قال الله تعالى عن اليهود: (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى) (الحشر:١٤) . فهذا بلا شك مما يتمناه أعداؤنا. ولا شك أن هذا التفرق الذي نحس به ونسمع به بين الحين والآخر أثر من آثار الآداب السيئة، وإلا فلو تأدبنا بآداب الإسلام لما حدث لنا هذا التفرق، ولما التمس بعضنا عورة بعض ولا أحد يستهزئ بالآخر ويدّعي أن الكمال في جانبه. ما هكذا يكون المنصفون! / النصيحة لأخيك: لا شك أن المحبة تقتضي أن تنصح أخاك إذا رأيته قد أخلّ بواجب. وهذه النصيحة من أعظم آثار المحبة فتنصحه لله تعالى وتقول: إني أحبك في الله -من آثار محبتي أن أنصحك بكذا وكذا، وأدلك على كذا وكذا ...

стр. 802

وهذه النصيحة ليست مقتصرة على الأمور الدنيوية، مثل مشاركته في تجارتك أو مساهمته معك، أو أن تدله على ما يربح فيه ... وشبه ذلك، فإن هذا ليس من خصوصيات المحبة، بل المحبة أوسع من ذلك. فمن المحبة أن ترشده إلى الطاعة وتدله عليها، وتحذره من المعصية وتحثه على الابتعاد عنها، وتبيّن له طرق الخير والشر، وتوضح له الطريق السوي الذي يوصله إلى رضى الله تعالى والجنة؛ وهذه هي حقيقة المحبة. وسوف يتقبل منك إذا علم أنك صادق المودة، ليس لك هدف دنيوي، ولا قصد إلا أنك تريد له الخير وتدله عليه. ولا تحتقر نفسك أن تنصحه، وتدله على ما ينفعه في دينه ودنياه، ولو كنت أجهل منه، أو أصغر منه؛ هذا هو مقتضى المحبة. وقد بين النبي ﷺ في السنة النبوية أمثلة من آثار هذه المحبة، كقوله ﷺ : "لا تقاطعوا، ولا تظالموا ولا تهاجروا، ولا تحاسدوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى هاهنا -ويشير إلى صدره- بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". وظاهر الحديث بيِّن لا يحتاج إلى شرح، فلماذا ذكر النبي ﷺ الأخوة بين المسلمين بقوله: "وكونوا عباد الله إخواناً"، أمرهم أن يثبِّتوا هذه الأخوة التي من آثارها عدم تحقير بعضهم بعضاً، وأن لا يظلم بعضهم بعضاً، ولا يعتدي بعضهم على بعض، ولا يهجر بعضهم بعضاً. فكل ذلك من آثار هذه المحبة ومن آثار هذه الأخوة.

стр. 803

فإذا عرفت أن كل المسلمين إخوة لك فإياك أن تُغل قلبك بحق لأحدهم أو بغض لهم، أو احتقار أو ازدراء لأيهم، خاصةً إذا كان عالماً أو طالب علم فتكون بذلك مخالفاً لهذه التوجيهات النبوية التي دل عليها النبي ﷺ ، وتكون مخلاً بهذه الأخوة لأنك إذا لم تعمل بهذه الإرشادات فلست صادقاً في أنك تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، الذي هو شرط من شروط الإيمان كما في قول النبي ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". فلا يكون كامل الإيمان، ولا من أهل الإيمان الصحيح الحق إلا من أحب لأخيه ما يحب لنفسه. / النصيحة سرا: ومن آثار المحبة أنك إذا رأيت أخاك واقعاً في خطأ أرشدته سراً فيما بينك وبينه، فتخلو به وتقول له: يا أخي، إنك وقعت في هذه الزلة وفي هذا الخطأ، ومن النصيحة أن أنبهك عليه بيني وبينك، فإن المؤمن يستر وينصح، والمنافق يهتك ويفضح، وأنا لا أحب أن أنشر عنك سمعة سيئة، ولكني أحب أن أدلك على الخير، وأحب أن أنبهك لأني رأيتك قد أخطأت في هذا القول وفي الفعل، وقد رأيتك تقصّر في هذا العمل، ولا تقوم بهذا الأمر. فتنِّبهه على الخطأ سواء كان في الآداب، أو في الطاعات، كأن يتثاقل عن الصلوات، ويتكاسل عن الجمع أو الجماعات، أو يسبل ثوبه، أو يحلق لحيته ويطيل شاربه.. إلخ. فهذه من الأفعال التي تستدعي نصحه، وبيان الحق له فيها. وهكذا إذا وقع في الأخطاء القولية، في خطبة أو موعظة أو نصيحة فعليك أن تبين له أنك تحبه، ثم تنصحه فيما بينك وبينه، فبهذا يظهر له حبك له، فيتقبَّل منك، فإن كان له عذر اعتذر وقبلته، وإن لم يكن له عذر قبل وتقبل نصيحتك، وشهد بأنك من أهل الأخوة الصادقة.

стр. 804

فالنصيحة من الآداب الحسنى، ومن آثار المحبة الصادقة، ومن الآداب الدينية، وقد جعلها النبي ﷺ الدين كله بقوله: "الدين النصيحة". فينصحهم عن التقصير والنقص الذي يقعون فيه، ويبيّن لهم وجه الخلل، ووجه النقص الذي يقعون فيه. ذلك أنه ليس كل إنسان كاملاً، بل لا بد أن يقع الإنسان في خلل وفي نقص، فإذا رأيت أخاك قد وقع في الخلل فإن من كمال الأخوة والمحبة أن ترشده إلى الصواب، وتبين له الحق وتدله عليه؛ وسيستقبله منك وينساق إليه بكل سرور. فلا شك أن تبادل النصيحة من الآداب الشرعية الناتجة عن المحبة والمودة الصادقة / النصيحة لولاة الأمور، والنصيحة للعامة: وتكون النصيحة لكل فرد كما أخبر النبي ﷺ بذلك بقوله: "الدين النصيحة" وكررها ثلاثاً: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم". وولاة الأمور هم كلُّ من كان له ولاية في أمر من الأمور: فإمام المسجد ومؤذنه، ورب الأسرة، وأمير القبيلة؛ أو البلدة، ومدير المدرسة والمدرس نفسه، ومعلمو الكُتّاب والموظفون ونحوهم، كل منهم يُعتبر من ولاة الأمور. فلهم حق علينا أن ننصحهم، وأن نبين لهم؛ وهذا من الآداب الشرعية. ونصيحتهم لا بد أن تكون من أثر محبتهم، فمعلوم أنه لا بد أن يقع أحدهم في خطأ وخلل، إما عن عمد وإما زلة بغير تعمد، فكل منهم حق علينا أن ننصحه؛ فاستقامتهم يحصل بها عز ونصر ويقوى بها المسلمون جميعاً. والنصيحة من المواعظ التي أمرنا بها في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) (النحل:١٢٥) . وهي أيضاً من التذكير كما في قوله تعالى: (فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد) (ق:٤٥) . كما أنها من الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله تعالى: (وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) (لقمان:١٧) . الأدب الثاني

стр. 805

الإنصاف قال تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله) (الحشر:١٤) . فقد ذم الله الحسد في هذه الآية وهو من الآداب السيئة وضده الإنصاف وهو من الآداب الشرعية. والإنصاف هو أن تنصف من نفسك، وتعترف بما أنت مخلّ به، ولا شك أن ذلك يرفع من قدرك ولا ينقصك عند الله ولا عند عباده بل يرفع من معنوياتك. فمن الآداب الشرعية كون الإنسان ينصف من نفسه؛ فيعترف بالحق على نفسه، وبما أخطأ فيه، فيسترشد ويستصوب ما أخطأ فيه، ويجعل الحق قصده، ومطلبه، ويأخذ به حيث وجده. ولقد كان النبي ﷺ يحذِّر من التقاطع ومن الشحناء ويسميها الحالقة ويقول النبي ﷺ : "لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين". فإذا نظرنا في آداب المسلم وجدناه ينصف من نفسه ويَّتبع الحق ويتقبله أينما كان ومع من كان، ووجدناه يحب أهل الخير ويتقبل منهم نصحهم وإرشادهم فالإنسان ينصف من نفسه، ويعترف بما عنده؛ وهذه من الآداب الحسنة. وأما الذي يشمئز من الناس ولا يقبل كلام من فوقه، ويحتقر من دونه من جاءه بنصيحة، ويقول: من أنت حتى تنصحني؟ أين علمك وأنا أعلم منك وأجلّ وأكبر منك سناً، وقدراً؟ فكيف ترشدني وتنصحني؟ فهل يقول هذا عاقل؟ فالحق مقبول مع من جاء به، يقول القائل: اقبل الحق مما جاء به وإن كان عدواً، ورُدَّ الباطل على من جاء به وإن كان صديقاً. انظر إلى القول لا إلى القائل، فإذا كان القول صواباً فاقبله وأنصف من نفسك، واعترف بخطئك إذا بُيِّن لك خطؤك؛ لأنك لست معصوماً، بل لا بد أن يقع منك خطأ؛ قال ﷺ : "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". ولقد كان العلماء الأجلاء ﵏ إذا نُصحوا تقبَّلوا النصيحة وأقبلوا عليها مهما كان قائلها، وردوا آراءهم، وطمسوا ما كتبوه من الكتابات، ورجعوا إلى الحق الصوا.

стр. 806

وذلك هو واجب الجميع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فعلى هذا يلزمنا أن نرجع إلى الحق، وأن ننصف من أنفسنا أن لا نُصِرَّ على أخطائنا، ولا نصر على باطل بعد أن تبين لنا أنه كذلك، ولو كان الذي جاء به صغيراً أو حقيراً أو نحو ذلك. هذا هو الإنصاف. ولا شك أن الإنسان لا سيما طالب العلم وحامله، عليه أن يكون قدوة للناس في علمه، وفي عمله، فلا يحتقر مَن دونه ولا يتكبر على الصغير ولا على غيره؛ ولا يتكبر على أحد، ولا يحمل في نفسه اشمئزازاً ولا عتواً ولا نفوراً عن الحق، بل يكون متواضعاً لكل الناس. الأدب الثالث التواضع ولين الجانب ومن الآداب التي أدّبنا بها الإسلام التواضعُ ولين الجانب؛ فإنه أمر أهله بالتواضع ونهى عن التكبر، والمتواضع هو الذي يُقبِل على الناس إقبالاً متساوياً بين كبيرهم وصغيرهم، ويسمع من هذا ومن ذاك، ويقبل من هذا ومن هذا، ويلين جانبه لهم، ويسعهم خلُقُه، ويُسفر لهم وجهَه، ويبسط لهم جاهَه ويتواضع لهم من خلقه قلباً وقالباً. أما المتكبر فإنه ذلك الذي يشمخ بأنفه، ويترفّع بنفسه، ويحتقر من هو دونه كائناً من كان يزدري الناس ويراهم كأنهم حشرات على وجه الأرض، ولا يرى لغيره عليه حقاً ومن آثا ر تكبره هذا أنه لا يقبل نصحاً من أحد، فيدّعي أنه أرفع منهم قدراً وأفضل، فلا يتأثر بإرشاد ولا بموعظة تكبّراً وإعجاباً بنفسه. وهذا لا شك من الأخلاق السيئة، فينبغي للمسلم أن يكون متواضعاً للصغير والكبير، لا يرفع نفسه ولا يترفع على أحد مهما كانت مقدرته ومنزلته، فيكون من آثار ذلك أن يقبل كل من أرشده أو نصحه، فإذا كان كذلك فقد تأدب بأدب حسن من تلك الآداب التي تخلّق بها نبينا ﵇، وتخلق بها أصحابه ﵃.

стр. 807

ولا شك أن من آداب الإسلام التي حرص عليها الإسلام مع التواضع، لينُ الجانب، والنظرُ إلى المسلمين بعين الرحمة والشفقة، ونصحهم وإرشادهم على الخير، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا شفقة عليهم من الوقوع في عذاب الله. وهذه كلها من آثار محبته للمسلمين، والشفقة عليهم من مواقعة العذاب. فإذا تأدبنا بهذا وابتعدنا عما يضاده أصبحنا إخوة، وأمة متماسكة قوية لها معنوياتها ولها مكانتها، وأما إذا تفرقت كلمتنا وتشتتت آراؤنا واستبدّ كل منا برأيه؛ فإن ذلك من أسباب الفرقة وضعف المسلمين، ويكون سبباً في تمكين أعدائنا مناً؛ الذين يكيدوننا ويتربصون بنا الدوائر. والمسلمون إذا اجتمعت كلمتهم وتمسكوا بدين الله كما أمرهم الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا) (آل عمران:١٠٣) . وتمسكوا بهذا الحبل المتين واجتمعوا على أمره تعالى وأخذ بعضهم ينصح بعضاً وتأدبوا جميعاً بالآداب الشرعية كان ذلك من الأسباب التي تقوي كلمتهم وتجعلهم أمة متماسكة متكاملة. الأدب الرابع المودة وإفشاء السلام جاءت الآداب الإسلامية لإثبات المودة وإفشاء السلام مثل قوله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدّلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم". فجعل إفشاء السلام سبباً للمحبة، وجعل المحبة سبباً لدخول الجنة: "لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا" ومعناه: إذا كنتم متباغضين، متقاطعين كل منكم يخذل الآخر ويبغضه، ولا يبين له خطأه، فإن عاقبتهم الهلاك المحقق. ولا شك أن هذا من أسباب العذاب، بخلاف إذا ما تحاببنا وزالت البغضاء من قلوبنا، وأصبحنا إخوة متحابين في ذات الله تعالى، يحب بعضنا بعضاً، ونعمل بالأسباب التي تثبت هذه المحبة؛ كتبادل الزيارات، والنصائح، وتبادل أسباب المودة وإفشاء السلام وأشباهها.

стр. 808

وقد كان النبي ﷺ يحث أيضاً على الأسباب التي تثبت هذه المحبة والمودة، والتي تُبْعدُ عن ضدها، فقال ﷺ لما سألوه عن حق الطريق، قال: "حق الطريق غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر"، وقال ﷺ : "للمسلم على المسلم ست بالمعروف تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتتبع جنازته إذا مات، وتحب له ما تحب لنفسك". وكذا لو تأملنا النواهي التي نهى عنها النبي ﷺ أمته، لعرفنا الحكمة فيها، لكونها تسبب بغضاً وحقداً. فقوله ﷺ : "لا يبَع أحدكم على بيع أخيه" وقوله ﷺ : "لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه"، وغيرها من نواهيه ﷺ ، مثل النهي عن الغش في المعاملات، وبيع الغرر، وبيع الأشياء المجهولة والخفية، أو بيع ما لم يقسم، إنما هي قطع لمادة العداوة والبغضاء، والحقد والشحناء بين المسلمين. فالمشتري مثلاً يسيء الظن فيمن خدعه، ومن غشه أو باع على بيعه فتحدث من هذا العداوة والشنآن بينه وبين البائع وذلك كله منافٍ لحكمة الألفة والأخوة والمودة التي دعانا إليها الإسلام. الأدب الخامس التعاون على البر والتقوى ومن الآداب الشرعية أن يتعاون المسلمون على البر والتقوى كما أمرهم الله تعالى بذلك في قوله: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة:٢) . والتعاون هنا ليس مقصوراً على أمور الدين، بل يشمل التعاون على أمور الدنيا، وعلى تنفيذ حدود الله وتنفيذ أوامره، وعلى الأمر بالخير والدعوة إليه.

стр. 809

ولا يكون هذا التعاون صحيحاً إلا إذا ائتلفت القلوب وتقاربت وتحابَّت وحسنت ظنون بعضهم في بعض فعند ذلك تجدهم يتزاورون ويتحابون ويتجالسون في الله، ويتبادلون النصيحة فيما بينهم، ويرشد بعضهم بعضاً، ويهدي بعضهم بعضاً، ويبين الأخ لأخيه النقص الذي فيه، ويفكرون في علاجه. ثم بعد ذلك يتعاونون على علاج جراح الأمة. وماذا نفعل حتى تعود الأمة إلى دينها؟ إذا رأينا الأمة متفرقة؟ إذا رأينا أن المعاصي قد تمكّنت وكثر أهلها؟ إذا رأينا دعاة الفساد ودعاة الضلال يتعاونون على ضلالهم ويقوِّي بعضهم بعضاً؟ أفلا نكون نحن أولى بالحق ونحن أهل الأخلاق النبوية؟ الذين تخلّقوا بخلق النبي ﷺ . وتأدبوا بأدبه؟ سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم:٤) . فقالت: "كان خلقه القرآن"، تعني: أنه متأدب بآدابه ومتخلق بأخلاقه، وعامل بإرشاداته ومهتد بهديه، وسائر على نهجه. فعلى أمته أن يتأدبوا بآداب نبيهم التي احتوى عليها القرآن، والتي رويت عن نبيهم ﷺ والتي سار عليها صحابته ﵃ فظلوا مجتمعين في عهده غير متفرقين. الأدب السادس الإيثار قال الله تعالى في الأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر:٩) . فكانوا يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين مع أنهم من عدنان وهم من قحطان، وهؤلاء من مكة وهؤلاء من المدينة!! ولكن أحبوهم وقدّموهم على أهلهم لأنهم مؤمنون؛ فلأجل الإيمان يؤثرون هؤلاء على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.

стр. 810

وسبب نزول هذه الآية أن صحابياً استضافه النبي ﷺ فلم يجد عند أهله إلا الماء، فقال رجل من الأنصار: أنا أكْرِم ضيف رسول الله ﷺ ، وذهب به إلى بيته، وقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: ما عندي إلا عشاء صبيتي، فقدمت العشاء لذلك الضيف! وبات هو وصبيته جياعاً تلك الليلة، فأنزل الله هذه الآية: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) . وقد نُقل أن كثيراً من المهاجرين من الحجاز ومن العراق هاجروا إلى خراسان، فلما استوطنوا تلك البلاد -وكان أهلها من المجوس- وكانوا تجاراً فيها فإذا أصبحوا جاء أحد يشتري من بعضهم وقد سبق له أن باع في هذا اليوم فإنه يدلّه على أخيه الذي لم يبع ويقول: اذهب إلى ذلك الأخ فإنه لم يبع شيئاً اليوم، ولم يأته أحد من الزبائن، أما أنا فقد أتاني قبلك اثنان. فيؤثر أخاه بالزبائن على نفسه. وما كانت نتيجة هذه الإيثار؟ أن تأثر الناس من أبناء تلك البلاد من الفرس وغيرهم بذلك، فدعاهم ذلك إلى الإسلام، وقالوا: إن ديناً حث أهله على أن يتخلقوا بهذه الأخلاق، ويتأدبوا بهذه الآداب. فلا شك أنه دين قوي دفعهم إلى هذه الأخلاق والآداب الكريمة؛ فدفعهم ذلك إلى اعتناق الإسلام تاركين ديانتهم المجوسية أو النصرانية أو غيرها. فإذا تأدب المسلمون بهذه الآداب التي منها أدب الإيثار، وأدب المحبة، وأدب المواساة ونحوها، أحب بعضهم بعضاً، وأحبهم الآخرون ودخلوا في الإسلام وتمكن في قلوب الذين دخلوا فيه حديثاً لِما رأوا من آداب وأخلاق أهله. وإذا ما تخلق المسلمون جميعاً بهذه الأخلاق أصبحوا بذلك أمة لها قوتها ولها معنوياتها، ولها مكانتها في الأمم السابقة واللاحقة. وهذا ما يريده منا الإسلام.
следующие страницы →