Полный текст (1 746 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وذلك هو واجب الجميع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، فعلى هذا يلزمنا أن نرجع إلى الحق، وأن ننصف من أنفسنا أن لا نُصِرَّ على أخطائنا، ولا نصر على باطل بعد أن تبين لنا أنه كذلك، ولو كان الذي جاء به صغيراً أو حقيراً أو نحو ذلك. هذا هو الإنصاف.
ولا شك أن الإنسان لا سيما طالب العلم وحامله، عليه أن يكون قدوة للناس في علمه، وفي عمله، فلا يحتقر مَن دونه ولا يتكبر على الصغير ولا على غيره؛ ولا يتكبر على أحد، ولا يحمل في نفسه اشمئزازاً ولا عتواً ولا نفوراً عن الحق، بل يكون متواضعاً لكل الناس.
الأدب الثالث
التواضع ولين الجانب
ومن الآداب التي أدّبنا بها الإسلام التواضعُ ولين الجانب؛ فإنه أمر أهله بالتواضع ونهى عن التكبر، والمتواضع هو الذي يُقبِل على الناس إقبالاً متساوياً بين كبيرهم وصغيرهم، ويسمع من هذا ومن ذاك، ويقبل من هذا ومن هذا، ويلين جانبه لهم، ويسعهم خلُقُه، ويُسفر لهم وجهَه، ويبسط لهم جاهَه ويتواضع لهم من خلقه قلباً وقالباً.
أما المتكبر فإنه ذلك الذي يشمخ بأنفه، ويترفّع بنفسه، ويحتقر من هو دونه كائناً من كان يزدري الناس ويراهم كأنهم حشرات على وجه الأرض، ولا يرى لغيره عليه حقاً ومن آثا ر تكبره هذا أنه لا يقبل نصحاً من أحد، فيدّعي أنه أرفع منهم قدراً وأفضل، فلا يتأثر بإرشاد ولا بموعظة تكبّراً وإعجاباً بنفسه.
وهذا لا شك من الأخلاق السيئة، فينبغي للمسلم أن يكون متواضعاً للصغير والكبير، لا يرفع نفسه ولا يترفع على أحد مهما كانت مقدرته ومنزلته، فيكون من آثار ذلك أن يقبل كل من أرشده أو نصحه، فإذا كان كذلك فقد تأدب بأدب حسن من تلك الآداب التي تخلّق بها نبينا ﵇، وتخلق بها أصحابه ﵃.
стр. 807
ولا شك أن من آداب الإسلام التي حرص عليها الإسلام مع التواضع، لينُ الجانب، والنظرُ إلى المسلمين بعين الرحمة والشفقة، ونصحهم وإرشادهم على الخير، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذا شفقة عليهم من الوقوع في عذاب الله. وهذه كلها من آثار محبته للمسلمين، والشفقة عليهم من مواقعة العذاب.
فإذا تأدبنا بهذا وابتعدنا عما يضاده أصبحنا إخوة، وأمة متماسكة قوية لها معنوياتها ولها مكانتها، وأما إذا تفرقت كلمتنا وتشتتت آراؤنا واستبدّ كل منا برأيه؛ فإن ذلك من أسباب الفرقة وضعف المسلمين، ويكون سبباً في تمكين أعدائنا مناً؛ الذين يكيدوننا ويتربصون بنا الدوائر.
والمسلمون إذا اجتمعت كلمتهم وتمسكوا بدين الله كما أمرهم الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا) (آل عمران:١٠٣) . وتمسكوا بهذا الحبل المتين واجتمعوا على أمره تعالى وأخذ بعضهم ينصح بعضاً وتأدبوا جميعاً بالآداب الشرعية كان ذلك من الأسباب التي تقوي كلمتهم وتجعلهم أمة متماسكة متكاملة.
الأدب الرابع
المودة وإفشاء السلام
جاءت الآداب الإسلامية لإثبات المودة وإفشاء السلام مثل قوله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدّلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم".
فجعل إفشاء السلام سبباً للمحبة، وجعل المحبة سبباً لدخول الجنة: "لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا" ومعناه: إذا كنتم متباغضين، متقاطعين كل منكم يخذل الآخر ويبغضه، ولا يبين له خطأه، فإن عاقبتهم الهلاك المحقق.
ولا شك أن هذا من أسباب العذاب، بخلاف إذا ما تحاببنا وزالت البغضاء من قلوبنا، وأصبحنا إخوة متحابين في ذات الله تعالى، يحب بعضنا بعضاً، ونعمل بالأسباب التي تثبت هذه المحبة؛ كتبادل الزيارات، والنصائح، وتبادل أسباب المودة وإفشاء السلام وأشباهها.
стр. 808
وقد كان النبي ﷺ يحث أيضاً على الأسباب التي تثبت هذه المحبة والمودة، والتي تُبْعدُ عن ضدها، فقال ﷺ لما سألوه عن حق الطريق، قال: "حق الطريق غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر"، وقال ﷺ : "للمسلم على المسلم ست بالمعروف تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشمته إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتتبع جنازته إذا مات، وتحب له ما تحب لنفسك".
وكذا لو تأملنا النواهي التي نهى عنها النبي ﷺ أمته، لعرفنا الحكمة فيها، لكونها تسبب بغضاً وحقداً. فقوله ﷺ : "لا يبَع أحدكم على بيع أخيه" وقوله ﷺ : "لا يخطب بعضكم على خطبة أخيه"، وغيرها من نواهيه ﷺ ، مثل النهي عن الغش في المعاملات، وبيع الغرر، وبيع الأشياء المجهولة والخفية، أو بيع ما لم يقسم، إنما هي قطع لمادة العداوة والبغضاء، والحقد والشحناء بين المسلمين.
فالمشتري مثلاً يسيء الظن فيمن خدعه، ومن غشه أو باع على بيعه فتحدث من هذا العداوة والشنآن بينه وبين البائع وذلك كله منافٍ لحكمة الألفة والأخوة والمودة التي دعانا إليها الإسلام.
الأدب الخامس
التعاون على البر والتقوى
ومن الآداب الشرعية أن يتعاون المسلمون على البر والتقوى كما أمرهم الله تعالى بذلك في قوله: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة:٢) .
والتعاون هنا ليس مقصوراً على أمور الدين، بل يشمل التعاون على أمور الدنيا، وعلى تنفيذ حدود الله وتنفيذ أوامره، وعلى الأمر بالخير والدعوة إليه.
стр. 809
ولا يكون هذا التعاون صحيحاً إلا إذا ائتلفت القلوب وتقاربت وتحابَّت وحسنت ظنون بعضهم في بعض فعند ذلك تجدهم يتزاورون ويتحابون ويتجالسون في الله، ويتبادلون النصيحة فيما بينهم، ويرشد بعضهم بعضاً، ويهدي بعضهم بعضاً، ويبين الأخ لأخيه النقص الذي فيه، ويفكرون في علاجه.
ثم بعد ذلك يتعاونون على علاج جراح الأمة. وماذا نفعل حتى تعود الأمة إلى دينها؟
إذا رأينا الأمة متفرقة؟
إذا رأينا أن المعاصي قد تمكّنت وكثر أهلها؟
إذا رأينا دعاة الفساد ودعاة الضلال يتعاونون على ضلالهم ويقوِّي بعضهم بعضاً؟
أفلا نكون نحن أولى بالحق ونحن أهل الأخلاق النبوية؟ الذين تخلّقوا بخلق النبي ﷺ . وتأدبوا بأدبه؟
سئلت عائشة ﵂ عن خلق رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم:٤) . فقالت: "كان خلقه القرآن"، تعني: أنه متأدب بآدابه ومتخلق بأخلاقه، وعامل بإرشاداته ومهتد بهديه، وسائر على نهجه.
فعلى أمته أن يتأدبوا بآداب نبيهم التي احتوى عليها القرآن، والتي رويت عن نبيهم ﷺ والتي سار عليها صحابته ﵃ فظلوا مجتمعين في عهده غير متفرقين.
الأدب السادس
الإيثار
قال الله تعالى في الأنصار: (والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويُؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر:٩) . فكانوا يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين مع أنهم من عدنان وهم من قحطان، وهؤلاء من مكة وهؤلاء من المدينة!! ولكن أحبوهم وقدّموهم على أهلهم لأنهم مؤمنون؛ فلأجل الإيمان يؤثرون هؤلاء على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.
стр. 810
وسبب نزول هذه الآية أن صحابياً استضافه النبي ﷺ فلم يجد عند أهله إلا الماء، فقال رجل من الأنصار: أنا أكْرِم ضيف رسول الله ﷺ ، وذهب به إلى بيته، وقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: ما عندي إلا عشاء صبيتي، فقدمت العشاء لذلك الضيف! وبات هو وصبيته جياعاً تلك الليلة، فأنزل الله هذه الآية: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) .
وقد نُقل أن كثيراً من المهاجرين من الحجاز ومن العراق هاجروا إلى خراسان، فلما استوطنوا تلك البلاد -وكان أهلها من المجوس- وكانوا تجاراً فيها فإذا أصبحوا جاء أحد يشتري من بعضهم وقد سبق له أن باع في هذا اليوم فإنه يدلّه على أخيه الذي لم يبع ويقول: اذهب إلى ذلك الأخ فإنه لم يبع شيئاً اليوم، ولم يأته أحد من الزبائن، أما أنا فقد أتاني قبلك اثنان. فيؤثر أخاه بالزبائن على نفسه.
وما كانت نتيجة هذه الإيثار؟
أن تأثر الناس من أبناء تلك البلاد من الفرس وغيرهم بذلك، فدعاهم ذلك إلى الإسلام، وقالوا: إن ديناً حث أهله على أن يتخلقوا بهذه الأخلاق، ويتأدبوا بهذه الآداب. فلا شك أنه دين قوي دفعهم إلى هذه الأخلاق والآداب الكريمة؛ فدفعهم ذلك إلى اعتناق الإسلام تاركين ديانتهم المجوسية أو النصرانية أو غيرها.
فإذا تأدب المسلمون بهذه الآداب التي منها أدب الإيثار، وأدب المحبة، وأدب المواساة ونحوها، أحب بعضهم بعضاً، وأحبهم الآخرون ودخلوا في الإسلام وتمكن في قلوب الذين دخلوا فيه حديثاً لِما رأوا من آداب وأخلاق أهله.
وإذا ما تخلق المسلمون جميعاً بهذه الأخلاق أصبحوا بذلك أمة لها قوتها ولها معنوياتها، ولها مكانتها في الأمم السابقة واللاحقة. وهذا ما يريده منا الإسلام.
стр. 811
أما إذا ظهر فينا التخاذل والتحزُّب الذي ذمه الله تعالى في قوله: (كل حزبٍ بما لديهم فرحون) (الروم:٣٢) . بأن يصير هؤلاء حزباً يندّدون بأضدادهم ويتتبّعون عثراتهم، ويدّعون أن الكمال في حقهم دون غيرهم، ويدْعون الناس إلى الانضمام إليهم ويحذرون من الانضمام للأحزاب الأخرى، فيتلمَّسون العورات للغير، ويسيئون الظن بإخوتهم. فإن ذلك من أسباب الضعف، ومن الفشل.
الأدب السابع
حُسن الظن
إن الواجب على المسلم أن يحسن الظن بأخيه المسلم، وكيف ذلك؟
إذا كنت تعرف سلامة عقيدة أخيك، وسلامة فطرته، ومنشأه ومجتمعه الذي نشأ فيه، وعرفته من خلال دروسه ومؤلفاته، أو مشايخه وماذا قرأ عليهم، وهكذا عرفت خطبه ونصائحه وغير ذلك، وعرفت أنه على العقيدة السليمة والفطرة المستقيمة فبذلك تحبه وتحسن الظن به. فإذا جاءك من ينقل لك عن أخيك فلان بأنه أخطأ في كذا، أو أنه قال كذا وكذا.
فماذا يكون موقفك؟
إن هذا الناقل قد يكون من الوشاة الذين يسعون بين الناس فساداً، وليقف من هذا الناقل موقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁.
فقد روي أن رجلاً جاء إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ فقال: إن فلاناً قال كذا وكذا، وشاية ونميمة (ينقلها عن عمد) .
ماذا قال عمر ﵁؟
عرض عليه ثلاث خيارات، قال: إن كنت موشياً نحن نبحث، فإن كنت صادقاً، واعتذر عذرناه، وإن كنت كاذباً عاقبناك، وإن شئت عفونا عنك. فقال: بل العفو.
والنمام قد ذمه الله بقوله تعالى: (همّازٍ مشاءٍ بنميم) (القلم:١١) .
стр. 812
والذي ينقل لك عن أخيك الصالح، أنه قال كذا وكذا، فالغالب أنه يكون نماماً، وقد ورد أن النمام معذب في قوله ﷺ : "لا يدخل الجنة نمام" وفي رواية: "لا يدخل الجنة قتّات". وهو النمام، وقال ﷺ : "ألا أخبركم ما العضْهُ؟ -وهو نوع من السحر- هي النميمة. القالة بين الناس! " فجعل النميمة من السحر أو شبيهاً بالسحر!
فإذا جاءك إنسان ونقل إليك عن أخ لك مسلم محب متثبّت، فعليك أن تسيء الظن به.
ثم إذا كان صحيحاً فعليك أن تحسن الظن بذلك القائل، وتلتمس له عذراً أياً كانت تلك المقالة، فتقول: لعل له عذراً، لعل عذره كذا وكذا.
روى عن بعض السلف أنه قال: لا تظن بكلمة صدرت من أخيك شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً. فلو كان لها محمل واحد خير، وعشرة محامل شر، فاحملها على محمل الخير لأنك تحسن الظن بصاحبها، وتعرف أنه من أهل الخير والنصيحة والمودة، وأنه لا يتعمد أن يزلّ أو يطعن في مسلم، وأن يكفر مسلماً، أو يقترف ذنباً.
وإذا كانت هذه حالة المسلم فإن الواجب على المسلم أن يحسن الظن بإخوانه المسلمين.
وليس حسن الظن خاصاً بالدنيا؛ بل يجب حسن الظن أيضاً في أمور الآخرة. فمن عقيدة المسلم أن يكون حسن الظن بربه، فيظن بربه خيراً، أنه يغفر له ويعفو عنه سيئاته، ويكفر عنه خطاياه، ويرفع درجاته ويجزل مثوبته، ونحو ذلك.
فعلى المسلم أن يحسن الظن بإخوته، فيظن بهم الظن الحسن الذي يؤدي بهم إلى الخير، ويدفعهم إليه ويدلهم على ما فيه خير لهم، وما فيه الصلاح لهم والاستقامة عليه.
هذا من الآداب الشرعية، فمتى كان المسلمون كذلك استقامت حالتهم، واجتمعت كلمتهم.
الأدب الثامن
الصبر
لقد أمرنا بالصبر على ما يصيبنا، قال تعالى: (وتواصَوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر:٣) ، وقال: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) (البلد:١٧) ، وقال: (واصبر على ما أصابك) (لقمان:١٧) .
стр. 813
والصبر -كما قال البعض- مشتق من المرارة؛ لأن الصبر طعمه مُر، فلذلك كان في الصبر شيء من القساوة، وشيء من الشدة؛ ولكن عاقبته أحلى من العسل.
فعلينا أن نصبر على الإيذاء، وعلى التعب، والمشقة، وعلى ما نراه من احتقار وتخاذل، ولا يفتّ ذلك في عضدنا.
كما علينا أن نصبر على تنفيذ أوامر الله تعالى، وعلى القيام بشرعه مهما كان الأمر؛ حتى تكون العاقبة لنا فإن العاقبة للمتقين.
وقد أمرنا الله تعالى بالصبر في قوله: (اصبروا وصابروا) (آل عمران:٢٠٠) ، وفي قوله تعالى: (وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) (آل عمران:١٨٦) ، بعد أن أخبرنا بأنه يبتلي عباده ليصبروا.
فلا بد من الصبر والمصابرة، ولا بد من الوقوف أمام العصاة ونحوهم بحزم، وعلينا أن نتحمل وأن نقف أمام العقبات التي نتعرض لها؛ حتى نكون بذلك من الصابرين الذين يُوفَّون أجرهم بغير حساب، كما وعدنا الله بقوله: (إنما يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب) (الزمر:١٠) .
وينبغي أن نكون متعاونين على تنفيذ أوامر الله، يقوي بعضنا بعضاً على مراجعة ولي الأمر، ويقوي بعضنا بعضاً على كتابة ملاحظة من الملاحظات؛ فإذا رأينا منكراً فعلينا أن نجتمع مع فلان أو فلان ونكتب لهم عن هذا المنكر ونطالب ولي الأمر أو المنتدب لهذا الأمر بأن يغير من هذا المنكر وأن يخفف منه ونصبر على نفقة أو تعب أو سهر أو سفر أو ما أشبه ذلك؛ فإن ذلك مما يضاعف الحسنات ونُؤجَر به عند الله .
خاتمة
تبين بهذا العرض أن الإسلام يهدف إلى جمع الكلمة، ونشر المحبة بين المسلمين وإخراجهم من الضغائن والعداوات والبغضاء ونحوها.
فإن لم يفعلوا ذلك نقص حظهم من الإيمان، وزادت العداوة بينهم، وقل التماسك بينهم. فكلما كان المسلمون متماسكين قويت كلمتهم.
إذا كان علماء الأمة وعامتهم وطلبتهم، وصغارهم وكبارهم؛ يقدّر بعضهم بعضاً، ويوقر بعضهم بعضاً.
فماذا تكون حالتهم؟
стр. 814
وعلماء هذه البلاد -والحمد لله- وسكانها من طلاب العلم والعبّاد وعامة الناس كلهم والحمد لله على عقيدة التوحيد، التي هو إخلاص العبادة لله واتباع النبي ﷺ ، فيما بلّغه وفيما جاء عنه، وهم على عقيدة أهل السنة في الأسماء والصفات، ليس بينهم اختلاف فيما يظهر والحمد لله؛ وهم على عقيدة واحدة في الإيمان، وفي القرآن، وفي الأوامر والنواهي، وفي محبة الصحابة، وآل محمد وأهل البيت وغيرهم.
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا هذا التخاذل؟
ولماذا هذا التخالف؟
ولماذا هذا التحاسد؟
ولماذا هذا التضاد وهذا الاضطراب الذي يُلاحظ من البعض؟
لا شك أنه مكيدة من أعداء الله، ومن أعداء الإسلام، يريدون أن يفرّقوا بين علماء أهل السنة!
فإذا افترقت كلمتهم وتضادت، وصار كل منهم له وجه خاص، قال تعالى: (ولكل وجهة هو موليها) (البقرة:١٤٨) . ولكل منهم حكم، وطريقة خاصة!! تفرقت حينئذ كلمتهم، ولم تبق لهم شوكة، وكان ذلك سبباً لبعدهم وعدم تنفيذ الأوامر التي يُراد تنفيذها.
ونحن نحسن الظن بعلمائنا، وطلابنا وشبابنا، كلهم -والحمد لله-، ونعرف أنهم مخلصون إن شاء الله في طلب العلم، وفي عبادتهم، لا يريدون من طلب العلم إلا التفقه في الدين والعمل والدعوة إليه، ولا يريدون بالعمل إلا وجه الله والدار الآخرة. هذا هو ظننا، وهو إن شاء الله صواب وموافق في جميع من نعرفه من العلماء والعُبّاد.
فإذا تأدبنا بالآداب الشرعية التي أدّبنا بها الإسلام زالت عنا هذه المخالفات وهذه الاضطرابات التي نسمعها، وأصبح المسلمون إخوة كما أمرهم الله تعالى: (فأصبحتم بنعمته إخواناً) (آل عمران:١٠٣) ؛ فإنهم يجتمعون على تنفيذ أوامر الله.
стр. 815
نسأل الله أن يجمع قلوبنا على طاعته، وأن يؤلِّف بين قلوب المسلمين، وأن يجمع كلمتهم، وأن يردهم إلى الحق رداً جميلاً، وأن يريهم الحق حقاً ويرزقهم اتّباعه، والباطل باطلاً ويرزقهم اجتنابه.
ونسأله أن يزيل ما بينهم من البغضاء والحقد والشنآن، وأن يجعلهم إخوة متحابين في ذات الله، متبادلين المحبة في ذاته، وأن ينصرهم على أعدائهم، ويقويهم ويقوي كلمتهم، وأن يثبتهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 816
الإعلام بكفر من ابتغى غير الإسلام
تقديم الشيخ العلاّمة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله الذي خلقنا للعبادة، ونفذ فينا تصرفه ومراده، ووفق من شاء من خلقه لتوحيده وإفراده، وخذل آخرين ورماهم بطرده وإبعاده، أحمده سبحانه وأشكره، وقد وعد الشاكرين بالزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهي أفضل شهادة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ وعلى آله وأصحابه وأحفاده.
أما بعد:
فقد قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ الأِنَس إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:٥٦) . ومعنى (يعبدون) يوحدون، أي أنه تعالى أوجد هذا النوع من الإِنس والجن، وكلفهم وأمرهم ونهاهم، وقد أقام عليهم الحجة، حيث آتاهم العقول التي يحصل بها التفكر والإدراك، ونصب لهم الآيات البينات، التي يحصل بالنظر فيها التذكر والاعتبار، فسخر لهم الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ومطر ونبات، وأرزاق وأقوات، وجموع وأشتات، وإخوان وأخوات، وآباء وأمهات، وأبناء وبنات، وآيات بعد آيات.
стр. 817
وقد لفت أنظارهم إلى هذه المخلوقات، فقال تعالى: (ألم نجعل الأرض مهاداً * والجبال أوتاداً * وخلقناكم أزواجاً * وجعلنا نومكم سباتا * وجعلنا الليل لباسا) (النبأ:٦-١٠) الآيات. وقال تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) (ق:٦-٧) الآيات، وقال تعالى: (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الروم:٦) الآية، ونحو خطبة قس بن ساعدة الإيادي الجاهلي، والذي ذكر فيها: أن لله ديناً هو أحب من الدين الذي هم عليه، ونبياً قد حان أجل خروجه، وهكذا ذكروا قصة زيد بن عمرو بن نفيل الذي ترك عبادة الأصنام، وحرم أكل ما أهل به لغير الله، وهو جاهلي، وغيره كثير وفي ذلك يقول ابن المعتز:
فيا عَجَبا كَيْفَ يعْصي الإِلَهَ أَمْ كَيْفَ يْجحدُهُ الجاحِدُ
وفي كُلِّ شيءٍ لهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ
وَلَهُ في كُلِّ تَحرِيكَةٍ وَتَسْكِينَةٍ أَبَداً شَاهِدُ
ويقول آخر:
تَأَمَّل في نَباتِ الأَرضِ إِلى آثَارِ مَا صَنَعَ الملِيكُ
عُيُونٌ مِنْ لُجين شَاخِصَاتٌ بأحدَاقٍ هِيَ الذّهبُ السَّبِيكُ
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ بِأَنَّ الله لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ
ومع هذه الآيات والبينات، فإن ربنا سبحانه لم يتركنا هملاً، بل أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبَيَّنَ للناس ما نزّل إليهم، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كُل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (النحل:٣٦) .
стр. 818
وورد في الحديث عن زيد بن ثابت، وأُبي بن كعب مرفوعاً: "لو أن الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع من أعمالهم" رواه أحمد وغيره.
وحيث إن جميع نوع البشر خلقوا للعبادة، فإن فرضاً عليهم أن يدينوا لله تعالى بالتوحيد، ولنبيه ﷺ بالطاعة، فمن أطاعه وشهد له بالرسالة وتقبَّل شريعته فهو من أهل الجنة، ومن عصاه ودان بغير الإسلام فهو من أهل النار.
وقد ختم الله الرسالة بنبينا محمد ﷺ ، وجعل دينه وشريعته آخر الشرائع، وأرسله إلى جميع الناس بل إلى الثقلين، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري.
وقد سلط الله على الإنسان أنواعاً من الأعداء:
كالشياطين، قال الله تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) (مريم:٨٣) ، أي تدفعهم إلى التمادي في الكفر وتصدهم عن الهدى.
وكالنفس الأمَّأرة بالسوء والنفس اللوامة.
وكالهوى الذي يُعمي ويصم.
وكالشهوات التي تغري بتناولها من يميل إليها، ولو كانت محرمة أو ضارة بالعقل والدِّين.
وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "حفت الجنة بالمكاره، وحفّت النار بالشهوات" متفق عليه.
فلأجل ذلك لا يستغرب قلة من يعتنق الإسلام ويدين به، ولو كان هو دين الفطرة، ودين العقل السليم، لكن لوجود الصوارف عنه صار أهله قلة في غيرهم، وكثيراً ما يذكر الله عن الأكثرين قلة التعقل والعلم، كقوله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (الأعراف:١٨٧) ، (بل أكثرهم لا يعقلون) (العنكبوت:٦٣) .
стр. 819
وقد كنت كتبت مقالة كرد على شخص نشر مقالة يبرر فيها الأديان التي يدين بها المشركون واليهود والنصارى والهندوس وغيرهم، ويستبعد أن يعذبهم الله بالنار، وقد نشرت تلك المقالة في بعض الصحف المحلية، فأحب بعض الإخوان طبعها والزيادة عليها في رسالة صغيرة، فأجبته إلى ذلك لتعم الفائدة، والله الموفق والمعين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
قال فضيلة الشيخ الإمام العلاَّمة أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن إبراهيم الجبرين:
الحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فقد اطَّلعت على ما نشر في جريدة "الشرق الأوسط" العدد (٥٨٢٤) يوم الثلاثاء الموافق ٤/٦/١٤١٥هـ بقلم من سمَّى نفسه: (عبد الفتاح الحايك) الذي اعترف بأنه ليس من أهل الإفتاء، ومع ذلك تجشَّم الفتوى بغير علم، وحكم لليهود المعاصرين والنصارى والهندوس والبوذيين والقاديانيين والمشركين والمنافقين بأنهم من أهل الجنة، واستغرب أن هذه الجموع والمليارات من الأُمم مآلهم إلى النار، وما علم أَن الله تعالى خلقَ الجنة وخلق لها أهلها وهم في أصلاب آبائهم، وخلقَ للنار أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وأنه قال للنار: أنت عذابي أُعذِّب بكِ من أشاء، وللجنة: أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء، ولكل منكما عليَّ ملؤها.
وأخبر تعالى بأن أكثر الناس هم الضالون في قوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليلٌ من عبادي الشكور) (سبأ:١٣) ، وقوله: (ولقد صدّق عليهم إبليس ظنّهُ فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين) (سبأ:٢٠) ، وقوله: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (يوسف:١٠٣) .
стр. 820
وقد أخبر الله عن إبليس أنه قال: (قال فبعزّتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين) (ص:٨٢-٨٣) ، وقال: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين) (الأعراف:١٧) ، ونحو ذلك من الأدلة، وأخبر النبي ﷺ أن بعث النار من كل ألف تسعمائةٌ وتسعة وتسعون. وواحدٌ في الجنة.
محمد ﷺ خاتم الأنبياء
وشريعته خاتمة الشرائع
وقد أرسل الله محمداً ﷺ خاتم النبيين، وشريعته خاتمة الشرائع، ونسخ برسالته جميع الأديان، وكلَّف جميع الناس أن يتبعوه بقوله: (الذين يتبعون الرسول النبيّ الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون * قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيى ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبيّ الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته وأتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف:١٥٧-١٥٨) ، وقوله: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (سبأ:٢٨) .
وقال النبي ﷺ : "وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة" وقال: "بٌعثت إلى الأسود والأحمر".
وثبت عنه ﷺ أنه قال: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أَن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم". وفي رواية: "حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به".
стр. 821
وأخبر ﷺ بأركان الإسلام بقوله: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
ولا شك أن من امتنع عن الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة ولم يُقم الصلاة ولا الزكاة والحج فليس بمسلم ولا مؤمن؛ وقد قال ﵊: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بي إلاّ دخل النار"، أو كما قال.
وقد أنكر الله على اليهود قولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة بقوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) (البقرة:٨٠) ، فدل على أنهم من أهل النار وأن هذه المقالة صدرت بغير علم، كما أنكر عليهم قولهم: (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (البقرة:١١١) ، وكذا قولهم: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين) (البقرة:١٣٥) وهي الدين الذي بُعث به محمد ﷺ ، فقال: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير) (الحج:١٣٥) .
стр. 822
وقد أخبر الله تعالى بأن هذا هو الدين الذي اختاره ورضيه للأمة فقال تعالى: (حُرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذُبح على النّصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) (المائدة:٣) ، وقال: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (آل عمران: ٨٥) .
والإسلام هو ما بني على الأركان الخمسة كما فسره النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور، فمن لم يدخل في هذا الإسلام ويحافظ على أركانه فهو من الخاسرين، والنار أولى به.
أدلة تكفير اليهود والنصارى
وقد ذم الله اليهود والنصارى حتى في سورة الفاتحة في قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) (الفتحة:٧) . فاليهود مغضو ب عليهم، والنصارى ضالون كما في الحديث الصحيح.
وقد حكى الله عنهم مقالات كفرية كقوله: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير) (المائدة:١٧) .
وكذلك: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إلهٌ واحدٌ وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم) (المائدة:٧٣) .
(لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) (المائدة:٧٢) .
стр. 823
وقال عنهم: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يُضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون) (التوبة:٣٠) .
الآيات في تكفير اليهود والنصارى
وبيان نوع كفرهم وشركهم وتحريفهم للكلم عن مواضعه كثيرة جداً.
وقد دعاهم الله إلى الدخول في الإسلام بقوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولاً) (النساء:٤٧) .
وكل ذلك دليل كفرهم وخروجهم من الدين الصحيح وأنهم كذبوا بالحق لما جاءهم مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلذلك حلت عليهم اللعنة والغضب واستحقوا العذاب في الآخرة، قال تعالى: (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بِما عصوا وكانوا يعتدون) (المائدة) ، ولا شك أن تكذيبهم لمحمد ﷺ وما جاء به هو أعظم الكفر. وهم المرادون بقوله تعالى: (قل هل أنبّئُكم بشر مِنَ ذلك مثُوبةً عِند الله من لعنه الله وغضِب عليه وجعل مِنهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل) (المائدة:٦٠) .
فتأمل هذه الآيات وما بعدها وما يشبهها في سورة النساء تجد أن جميع من كذّب محمداً ﷺ أو خرج عن شرعه أو أنكر رسالته أو ادعى أنه رسول العرب أو نصب العداوة للمسلمين أتباع هذه الشريعة المحمدية، أنه كافرٌ مستحقٌ لغضب الله ولعنته وعذابه، ولا ينفعه انتماؤه إلى الأديان السابقة والمنسوخة المحرَّفة.
الإسلام هو الدين الصحيح وغيره محرف ومنسوخ
وقد أقام الله البراهين والأدلة على صحة هذه الرسالة والشريعة وأمر بإبلاغها للخاص والعام، فمن بلغته فعاند وعصى وركب هواه واتبع الأديان الباطلة وتمادى في غيه، فإن مصيره إلى النار وبئس القرار.
стр. 824
ولا شك أن الأديان السماوية كانت سبيل النجاة قبل تحريفها ونسخها، لكنْ وقع من أهلها التحريفُ للكلم عن مواضعه، وتغييرُ شرع الله، ثم عصيان هذا النبي الكريم، فبطل التمسك بها؛ مع أن الأديان الباقية الآن كلها باطلة حيث دخلها الشرك بالله وعبادة الأنبياء كالمسيح وأمه والعُزَيْر والصالحين، وتغيير دين الله عما هو عليه، والتعبد بما لم يأذن به الله؛ فيُحكم عليهم بأنهم كفار فلا يدخلون في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة:٦٢) .
فالإيمان بالله يستلزم تصديق رسله وخاتمهم محمد ﷺ ويستلزم تقبل كلامه القرآن الكريم فلا يدخل في ذلك من كذب محمداً أو طعن في القرآن ولو عمل ما عمل من الصدقات والصلوات الباطلة.
أعمال الكفار الصالحة وعبادتهم تكون هباءً منثوراً
وقد أخبر الله أن أعمال الكفار تكون هباءً منثوراً، منها: أعمال أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بالله وبرسله وكتبه.
فقوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين) (المائدة:٨٦) . دليلٌ على أنهم ليسوا على دين، وأن عبادتهم باطلة حيث لم يؤمنوا بما أُنزل إليهم من ربهم ولم يقيموا التوراة والإنجيل فإن إقامتها تستلزم اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فمن لم يتبعه لم يكن على شيء.
وهكذا اشترط الله للأمن الإيمان بالله واليوم الآخر في قوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (البقرة:٦٢) .
стр. 825
فلابد من الإيمان بالله الذي يستلزم تصديق رسله وخاتمهم محمد ﷺ ، فلم يقبل منهم الإيمان إلا بشرط وهو التصديق بما جاءت به الرسل.
ولا شك أن العمل الصالح الذي اشترطه الله للمؤمنين لا يحصل إلا بما وافق شرع الله المنزَّل على نبيه ﷺ ، وقد فسر النبي ﷺ الإِيمان بأركانه الستة، ومنها الإِيمان بالرسل والكتب وهو يستلزم الاتباع للرسل وخاتمهم محمد ﷺ ، والعمل بالكتب وخاتمها القرآن الكريم، فمن لم يتبعه فليس بمؤمن ولا ينفعه عمله، ولو عمل أي عمل.
ومعلوم أن الإسلام في وقت كل نبي هو اتباع ما جاء به؛ فاتباع موسى في زمنه، واتباع عيسى في وقته سُمي إسلاماً، لكن زال بعد أن حُرِّفت تلك الشرائع ونُسخ ما بقي منها.
ثم إن حجة الله قائمة، فكتاب الله تعالى محفوظ، وقد تُرجم وفُسِّر بكل اللغات، وانتشر الإِسلام وبلغ أَقصى الأرض وأَدناها ولم يبق لأحد عذر، حيث إن دين الإسلام مشهور معروف ولا يحتاج إلى زيادة تَعَلُّم، كل من دخل فيه أَمكنه أَن يعرف ما أوجب الله عليه في بضعة أيام، ويعمل بما يقدر عليه، ولا يلزمه معرفة التفاصيل دفعة واحدة، فالزكاة لا تلزم الفقير، والصوم لا يكون إلا في السنة مرة، وأحكامه سهلة، والحج في العمر مرة واحدة على المستطيع، والمحرمات يمكن معرفتها في مجلس واحد، فكيف يُقال إن اعتناق الإسلام يستدعي بضع سنوات في دراسته وعرضه على الأديان الأُخرى.
وقد شوهِدَ أَنه دين الفطرة التي فطرَ الله الناس عليها، فمن لم يتبعه مع سماعه به فهو من أهل النار، ومن لم يبلغه ولم يسمع به فهو كأهل الفترات يحكم الله فيهم بما يشاء.
والله المستعان، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
شبهة
بين مسلم ونصراني
стр. 826
السؤال:-
يوجد معي في العمل نصراني، فأردت أن أناقشه في الدين لعل وعسى أن يسلم، وخلال المناقشة قال لي: كيف عرفت أني سأدخل النار؟! يمكن أن تكون أنت من أصحاب النار؟ فوسوس الشيطان في نفسي، فهل من كلمة توضحها لي أستطيع بها مناقشته، وأقنعه بالكلام أن الدين عند الله الإسلام، وأننا لعلى الصراط المستقيم، وهم في الضلال المبين؟
الجواب:-
كل الفرق يدَّعون أن الصواب في جانبهم وأن غيرهم من أهل النار، فالنصارى يقولون: إنهم أهل الصواب، واليهود يقولون: إنهم أهل الصواب؛ حتى حكى الله عن اليهود أنهم قالوا كما جاء في كتابه الكريم: (لن تمسّنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً) (البقرة: ٨٠) .
وكذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا: (لن يدخُل الجنّة إلا من كان هوداً أو نصارى) (البقرة:١١١) ، فهم يدّعون أن الجنة لهم، اليهود يقولون: إن الجنة لليهود، والنصارى يقولون: إن الجنة للنصارى، وأنتم الذين هم أتباع محمد من أهل النار هذا في زعمهم، ويدّعون أيضاً أنهم هم المسلمون: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا) (البقرة:١٣٥) ونحن نجادلهم:
أولاً: نقول لهم: عليكم أن تنظروا في سيرة نبينا وفي معجزاته فهي دليل على صدقه وعلى نبوته، وأن تنظروا بما أيده الله به من القوة ومن التمكين، ومن النصر المبين؛ فهو دليل على أنه على حق وما أيد به أتباعه أيضاً، من النصر ومن القوة ومن نشر الدين، فهو دليل على أنهم على حق.
ثانياً: عليكم أن تنظروا في شريعته التي جاء بها، فمن تأملها عرف أنها من عند الله، هذا القرآن الذي ألقاه الله، وهذه السنة التي نرى ونلاحظها، وهذه النواهي وهذه العبادات، لا شك أن من تأملها عرف أنها من عند الله ونقول لكم: أنتم ما عباداتكم؟ وما شريعتكم؟
стр. 827
نحن نعترف أن عندكم التوراة والإنجيل، ولكن قد دخلها التحريف والتبديل والتغيير الكثير فقد أضيف إليها ما ليس منها وتعددت، ولو لم يكن إلا أن عندكم أربعة تسمى أناجيل: إنجيل يوحنا، وإنجيل متى، وإنجيل كذا.. هل كلها مُنَزَّلة أو واحد مُنَزَّل؟ فإن كان المنزل منها واحداً، فما المنزل منها؟
نحن عندنا كتاب الله واحدا، وهو هذا القرآن المُنَزَّل لم يتعدد، إذاً فكيف مع ذلك لا تصدقون بهذه الشريعة وهي كاملة وافية، ليس فيها ما يغيرها؟ وشرائعكم قد غُيّرت، وأحكامها مُغَيّرة، وأوامرها وشرعياتها وعباداتها كلها مُغَيرَّة، ما عندكم إلا شيء قد دخله التغيير حتى الشركيات عندكم، واقتراف المحرمات وما أشبهها، فهذا دليل على أن هذه الشريعة هي الباقية التي يجب على كل من في الأرض أن يدين بها.
الفترة
معناها وأحكامها
قال فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله في آخر رده السابق صـ (٢٧) : (ومن لم يبلغه ولم يسمع به فهو كأهل الفترات يحكم الله فيهم بما يشاء) .
ولمزيد من الفائدة فقد أوردنا بعض الأسئلة المتعلقة (بالفترة) على فضيلته حفظه الله:
معنى الفترة ومقدارها
стр. 828
السؤال:-
ما معنى الفترة وما مقدارها؟
الجواب:-
قال الله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) (المائدة:١٩) الآية.
قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية: "أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة، فقال أبو عثمان النهدي، وقتادة: كانت ستمائة سنة. ورواه البخاري عن سلمان الفارسي، وعن قتادة أيضاً: خمسمائة وستون سنة، وقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة والمشهور هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. إلخ. انتهى.
ومعنى الفترة: أي الزمن الذي لم يبعث فيه أحد من الرسل، ومع ذلك فهذه الفترة لم ينقطع فيها أثر النبوة، فإن العرب لم يزل عندهم بقية من دين إبراهيم وإسماعيل، حيث إنهم يفتخرون بالانتساب إلى إبراهيم، ولهذا ذكرهم الله بذلك بقوله: (مِلّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهيم هو سمَاكمُ المسلمين مِن قَبلٌ) (الحج:٨٧) . فهم يعترفون بتوحيد الربوبية، ويخلصون لله العبادة في الشدة كلجة البحر، ويحجون البيت الحرام ويعتمرون، ويحترمون الأشهر الحرم، ويهدون الهدي، ويقلدونه القلائد التي أمر الله بعدم إحلالها، وعندهم خصال الفطرة: كالختان، ونحوه.
стр. 829
أما أهل الكتاب فعندهم التوراة والإنجيل والزبور، وفيهم دين أنبيائهم الذي توارثوه عن آبائهم، بما في ذلك معرفة النبي ﷺ ، حيث: (يجدونه مكتوباً عِندهم في التوراة والإنجيل) (الأعراف:١٥٧) . ولكن لطول هذه الفترة، ولكون الأنبياء الأولين تختص رسالاتهم بأقوامهم؛ سمى الله هذا الزمن الذي بين محمد ﷺ وعيسى، وبينه وبين إبراهيم فترة، وذكر أهل الكتاب بذلك حيث إنهم أولى بقبول رسالته لمعرفتهم بالرسل ورسالاتهم ومعجزاتهم، فتكذيبهم له إنكار للحق مع وضوحه، وقد قال تعالى عن الجميع: (فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي موسى مِن قبل قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون) (القصص:٤٨) ، يعني موسى وهارون، أي: تعاونا وتناصرا، وقرئ (سحران) ، أي: التوراة والقرآن.
أهل الفترة
стр. 830
السؤال:-
من هم الذين يحكم بأنهم من أهل الفترة؟
الجواب:-
يدخل فيهم الذين لم تبلغهم الرسالة ولم يعلموا بها، ولم يسمعوا بالشريعة، كالذين في أطراف الأرض وفي أقاصي البلاد، ممن نشأ في جهل عميق، ولم يكن حولهم من يعرفهم بالدِّين والتوحيد وعبادة الله تعالى، وحقه على العباد، كما يدخل فيهم أهل الفترة الذين انقطعت عنهم الرسالة، ولم يبق عندهم شيء من ميراث الأنبياء من الكتب والرسالات كما حصل لبني إسرائيل لما قتلهم بختنصر، وأحرق ما عندهم من الكتب المنزلة، ولم يبق إلا القليل الخافي أو ما في الصدور، ويدخل فيهم أيضاً من فقد السمع ولم يكن معه معرفة بالإشارة ونحوها، وكذا من فقد العقل كليّاً ولم يعرف ما يحدث في الناس، وهكذا من مات صغيراً ولم يدرك ما أدركه الأكابر من العقل والفطنة ونحو هؤلاء.
من مات بعد مجيء الإسلام
стр. 831
السؤال:-
من مات بعد مجيء الإسلام، ولكن لم تصله الرسالة أو وصلته ولكن ناقصة أو محرّفة -أي لم يصله الدين الصحيح- فهل يعتبر من أهل الفترة؟
الجواب:-
لا شك أن نوع الإنسان مكلف ومأمور ومنهي، وعليه واجبات لربه، وقد خص الله نوع البشر بتكاليف حيث فضَّله بالعقل والتمييز، فمتى تم عقله وجبت عليه العبادات والفرائض الدينية، ووجب عليه ترك المحرمات، فإذا جهلها لزمه البحث والسؤال عما خُلِقَ له، فمتى فرط مع قدرته اعْتُبِرَ ملوماً.
ولا شك أنه يوجد في الفترات من يجهل الإسلام، ولم يصل إليه عنه خبر، وكذا من يصل إليه خبر الإسلام مشوهاً محرفاً، أو ناقصاً، ولا يستطيع الوصول إلى من يعرِّفه الإسلام والتوحيد الصحيح، فمثل هذا قد يُعْذَر ويُلْحَق بأهل الفترات، ولكن الغالب أنه يقلد من قبله، ويتبع من يصده عن الهدى، فيكون معه في العذاب، كما قال تعالى: (قالت أخراهم لأولهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعفٌ ولكن لا تعلمون * وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) (الأعراف:٣٨-٣٩) الآية، فأخراهم الأتباع، والأتباع، الذين أضلهم من قبلهم.
وقال تعالى: (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا) (البقرة:١٦٦-١٦٧) فالذين اتبعوا هم الأبناء والمتأخرون الذين أضلهم من قبلهم، أخبر بأنهم رأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب.
وقال تعالى: (فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم) (إبراهيم:٢١) فالضعفاء هم الأولاد والأحفاد الذين قلدوا من قبلهم فلا ينجون من العذاب.
وقال تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) (الأحزاب:٦٧) ، عذبهم باتباعهم أكابرهم على الضلال.
стр. 832
وقال تعالى: (يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين) إلى قوله عنهم: (بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً) (سبأ الآيات:٣١-٣٢) .
وقال تعالى عنهم وهم في النار: (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار) (ص:٦٠-٦١) . وقال تعالى: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (النحل:٢٥) وفي الحديث: "من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً". والله أعلم.
وكل هذه الأدلة ونحوها كثير واضحة في أن الأتباع يعذبون مع أكابرهم ومن قبلهم ممن دعاهم إلى الضلال وأوقعهم في الكفر والشرك، وتدل على أن في إمكانهم اتِّباع الحق الذي كان موجوداً بعد الأنبياء والرسل، لكن غيَّره من أغواهم الشيطان.
وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: "رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، وهو أول من غيّر دين إبراهيم"، وفي حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ : "إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر".
قال ابن كثير عند قوله تعالى: (ما جعل الله من بحيرة) (المائدة:١٠٣) بعد أن ساق أحاديث في معناها، "فعمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع من الناس إلى عبادتها، والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، إلى آخر كلامه ﵀".
وقد دل الحديث على أن العرب كانوا على ملة إبراهيم وإسماعيل، ثم حدث بعد ذلك التغيير وعبادة الأصنام بسبب عمرو بن لحي وغيره.
стр. 833
ولا شك أن العرب يدركون أن دينهم باطل، كما انتبه لذلك بعضهم كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، ففي تراجمهم وأخبارهم ما يدل على أنهم أنكروا ما عليه قومهم، وأهل بلادهم من الشرك وعبادة الأصنام، فمنهم من ترك عبادة غير الله كزيد بن عمرو الذي قال في حقِّة النبي ﷺ : "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده". وقال: "رأيته في الجنة يسحب ذيولاً"، وكذا ما ذكر في خطبة قس بن ساعدة التي نبه فيها على الدين الصحيح، واستدل بالآيات والمخلوقات على وحدانية الله تعالى، إلى غير ذلك.
فأما غيرهم فقد ورد في حديث عياض بن حمار: "أن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب" رواه مسلم. وهو دليل على أن هناك بقايا قد تمسكوا بالدين الموروث عن أهل الكتاب.
وكما تدل عليه قصة سلمان الفارسي حيث تنقل من عالم إلى عالم، يأخذ عنه التوحيد والعبادة، إلى أن هاجر إلى المدينة. والله أعلم.
مصير أطفال المسلمين وأطفال المشركين
стр. 834
السؤال:-
نرجو بيان القول الفصل والراجح في مصير أطفال المسلمين وأطفال المشركين بالتفصيل مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة؟
الجواب:-
يُراد بالأطفال كل من مات قبل البلوغ ولم يدرك التكليف.
# فأما أولاد المسلمين، فالصحيح: أنهم في الجنة مع آبائهم، وينتظرونهم عند أبواب الجنة، ويقال في الدعاء له عند موته في الصلاة عليه: "اللهم أجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وأجراً وشفيعاً مجاباً، الله ثقل به موازينهما إلخ..".
وقد ذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (الإسراء:١٥) : أن القاضي أبا يعلى حكى عن الإمام أحمد أنه قال: "لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة". وقد يستدل على ذلك بقوله تعالى: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتنهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) (الطور:٢١) .
# فأما أولاد المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ وآباؤهم كفَّار، ففيهم خلاف طويل، وقد تكلم عليهم ابن القيم في طريق الهجرتين في الطبقة الرابعة عشرة من طبقات المكلفين، فذكر فيهم ثمانية أقوال:
الأول: الوقف فيهم وترك الشهادة بأنهم في الجنة أو في النار، ودليله ما في الصحيحين عن أبي هريرة وعن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل عمن يموت وهو صغير من أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين".
الثاني: أنهم في النار: لما روى أبو عقيل عن بهية عن عائشة أنها سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين قال: "في النار" وأبو عقيل ضعيف.
الثالث: أنهم في الجنة لما في حديث سمرة الطويل في المنام عند البخاري لما ذكر أن الولدان مع إبراهيم الخليل قيل له: "وأولاد المشركين؟ " قال: "وأولاد المشركين".
الرابع: أنهم في منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار، كأصحاب الأعراف، ثم أنكر هذا القول ورده.
الخامس: أنهم تحت المشيئة، وهذا قول المرجئة.
стр. 835
السادس: أنهم خدم أهل الجنة، يعني الولدان الذين ذكرهم الله بقوله: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) (الواقعة:١٧) .
وذكر عن الدارقطني حديثاً عن أنس مرفوعاً: "سألت ربي للاهين من البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم فهم خدام أهل الجنة"، وهو حديث ضعيف.
السابع: أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة، فكما هم منهم في الدنيا فهم منهم في الآخرة، أي لو أسلم الآباء بعد موت الأطفال كان أولادهم معهم في الحكم.
الثامن: أنهم يمتحنون في عرصات القيامة ويرسل إليهم هناك رسول، وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار، ويكون قوله ﷺ : "الله أعلم بما كانوا عاملين"، أي: عند امتحانهم واختبارهم يظهر معلوم الله فيهم، ويتبين من يعلم الله فيه الخير أو الشر، ويجازون حسب ما يعلم الله فيهم من الأهلية واستحقاق الثواب أو العقاب.
وقد وردت بذلك أخبار كثيرة، ذكر بعضها ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (الإسراء:١٥) وابن القيم في الطبقة الرابعة عشرة في القول الثامن فيهم في آخر طريق الهجرتين. والله أعلم.
كيف حكم عليهم بأنهم من أهل النار؟
стр. 836
السؤال:-
ورد بأن أهل الفترة يختبرون، وورد أن النبي ﷺ حَكَمَ على بعض من مات قبل الرسالة بالنار فعندما سأله رجل عن أبيه فقال: "أبوك في النار". ثم قال له: "إن أبي وأباك في النار". فكيف حكم عليهم بأنهم من أهل النار مع أنهم ماتوا قبل مجيء الرسالة؟ أليسوا من أهل الفترة؟
الجواب:-
وردت أحاديث كثيرة في امتحانهم في الدار الآخرة ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) (الإسراء:١٥) وابن القيم في كتابه: "طريق الهجرتين" في الطبقة الرابعة عشرة من طبقات المكلفين.
وأشهرها حديث الأسود بن سريع الذي رواه الإمام أحمد بسند صحيح عنه أن النبي ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة، رجل أصم لا يسمع، ورجل هرم، ورجل أحمق، ورجل مات في الفترة" وفيه: "فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسول أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً"، ثم رواه عن أبي هريرة وقال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن لم يدخلها رد إليها".
ومنها حديث أبي سعيد الخدري رواه محمد بن يحيى الذهلي والبزار عن عطية العوفي عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "الهالك في الفترة، والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: رب لم أدرك العقل، فترفع لهم نار فيقال لهم: ردوها. قال: فيردها من كان في علم الله سعيداً لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شقياً لو أدرك العمل، فيقول: إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم". وفي رواية البزار: "فكيف برسلي بالغيب" قال بزار: لا يعرف إلا من طريق عطية عنه.
стр. 837
ومنها حديث معاذ بن جبل ذكره عن محمد بن المبارك الصوري، بإسناده عنه مرفوعاً: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيراً، فيقول الممسوخ: يا رب لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد مني، وذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك، فيقول الرب : إني آمركم بأمر فتطيعوني فيقولون: نعم، فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك، فيقول الرب : قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون، ضميهم، فتأخذهم النار"، وفي إسناده ضعف. لكن يتقوَّى بالشواهد والطرق الأخرى والأحاديث التي ذكرها ابن كثير وغيره.
فهذه الأحاديث بمجموعها تثبت جنس الامتحان في يوم القيامة، حتى لا يعذب الله تعالى من لا يستحق العذاب.
وقد نقل ابن القيم وابن كثير عن ابن عبد البر أنه قال: "أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها" اهـ.
وأجاب ابن القيم بوجوه:
منها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها، بل صححوا بعضها، فحديث الأسود رواه أحمد وإسحاق وابن المديني، فهو أجود من كثير من أحاديث الأحكام.
ومنها: أن أبا الحسن الأشعري حكى هذا المذهب عن أهل السنة، فدل على أنهم عملوا بالأحاديث، وذكر البيهقي في الاعتقاد له: أن بعض الأئمة نصوا على الامتحان، وقالوا: لا ينقطع إلا بدخول دار القرار.
ومنها: ما في الصحيح: في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، وأنه يعطي ربه عهوداً ومواثيق أن لا يسأل غير ما سأل، ثم يسأل، فيقول الله له: ويحك يا ابن آدم ما أغدرك، فالغدر مخالفة للعهد الذي عاهد عليه ربه.
стр. 838
ومنها: قوله تعالى: (ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) (القلم:٤٢) ، فهو صريح في أن الله يدعوهم إلى السجود في القيامة، وأن الكفار لا يستطيعونه إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.
فأما الذين جزم لهم النبي ﷺ بأنهم من أهل النار، فلعله قد اطلع على ذلك كما تقدم أنه رأى عمرو بن لحي يجر قصبه في النار، أي أمعاءه؛ لأنه أول من غيَّر دين إبراهيم، وهكذا قوله في حديث ابن مسعود عند أبي داود: "الوائدة والموؤودة في النار"، وفي رواية: "إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم"، ذكره ابن كثير، وقال: إسناده حسن.
وحيث إن مشركي العرب عندهم بقية من دين إسماعيل، ولكنهم قلدوا آباءهم في الكفر وعبادة الأصنام. فلا مانع من تعذيبهم على ذلك، والحكم عليهم بأنهم من أهل النار، فإن كان منهم من لم تقم عليهم الحجة، وعاش في جهل وَبُعْدٍ عن شرع الله، ولم يتمكن من البحث عن الدين الصحيح، فله حكم أهل الفترة، وحكم أولاد المشركين، وأما من كان قادراً على البحث وقد أعطاه عقلاً وإدراكاً وعنده آثار وبقايا من دين إبراهيم وإسماعيل، وأصر على عبادة غير الله وهو يعترف بأن الله تعالى هو الرب خالق كل شيء، بما تلقاه عن آبائه وأجداده، ومع ذلك يخلص العبادة لله وحده إذا كان في لجة البحر، ويعلم أنه لا ينجي منه إلا الله تعالى، ثم يعود إلى الشرك، كما هو حال مشركي العرب، فلا مانع من أن يجزم لهم بأنهم من أهل النار إذا ورد فيهم حديث ينص على ذلك، والله يحكم بين عباده، ولا يظلم ربك أحداً، ولا يعذب إلا من يستحق العذاب، ويعترف على نفسه كما حكى الله عنهم قولهم: (وقالوا لو كُنّا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) (الملك:١٠) .
فهذا ما ظهر لي، ومن لديه جواب غير هذا وله وجه من النظر فله أن يقول به.
стр. 839
وقد كتب السيوطي رسالة في نجاة أبوي النبي ﷺ وهي مطبوعة في " الحاوي "، ولكنه تكلف فيها وردَّ الأحاديث الصحيحة، وأنكر عليه شيخنا عبد العزيز بن باز وغيره، والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 840
الجهل وآثاره السيئة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وصلى الله على النبي المكرم وعلى آله وصحبه وسلم. وبعد:
فقد كنت ألقيت محاضرة في إسكان الحرس الوطني وكان الحاضرون غالباً من العامة وكبار الأسنان فتكلمت عن الجهل وآثاره السيئة مما يناسب المخاطبين واقتصرت على النتائج المشاهدة الناتجة عن الجهل بالله تعالى وعظمته وحدوده ووعده ووعيده وعن إزالة الجهل ووسائل التعليم القديمة والحديثة ثم إنها سجلت وما معها من الأسئلة والأجوبة فنسخها الأخ/ طارق بن محمد الخويطر ورغب في نشرها لتعم الفائدة وبعد عرضها علي صححت الأخطاء التي نتجت عن الارتجال وعدم التركيز وحذفت التكرار وأذنت في نشرها رجاء أن ينفع الله بها من أراد به خيراً ولم أتكلم فيها عن الجهل البسيط والجهل المركب ولا عن فضل العلم وأهله وحق حملته ونحو ذلك مما لا مناسبة له إذ ذاك وبكل حال فالإعراض عن التعلم والإكباب على اللهو واللعب والانهماك في الملذات والشهوات والانشغال بالدنيا وبحضوض النفس كل هذا ونحوه سبب قوي لما وقع فيه الجمع الغفير من المخالفات واقتراف المحرمات والتخلف عن الجمع والجماعات وتعاطي المسكرات والمخدرات فإنهم لو تعلموا وتفقهوا لعرفوا سوء عاقبة هذه الأشياء وشين مغبتها فلعلهم أن يراجعوا أنفسهم ويفيقوا من غفلتهم ليعرفوا ويعترفوا بخطئهم فيتوبوا إلى ربهم ويقلعوا عن المحرمات ويحافظوا على الصلوات والله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم في ١٦/١/١٤١٥هـ.
كتبه:
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الجهل وآثاره السيئة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير..
أحمد الله إليكم وأشكره وأثني عليه وأستغفره، وأشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ ﷺ وعلى آله وصحبه..
стр. 841
أيها الاخوة: لا شك إن شاء الله أنكم ممن يحب العلم، وممن يحب الخير، وممن يحب العبادة ويعمل بها بحسب الجهد والطاقة، فإن المؤمن يدفعه إيمانه إلى فعل العبادات، فما الذي أجلسكم هاهنا إلا طلب الفائدة، وما الذي أنهزكم من مساكنكم إلى المسجد إلا طلب الأجر، فطلب الأجر وطلب الثواب من الله تعالى هو قصد كل مسلم وكل مؤمن ومع ذلك فإن كثيراً من المؤمنين الذين آمنوا بالله إلهاً ورباً والذين صدقوا بنبيه رسولاً والذين انتموا إلى هذا الدين، وافتخروا به شريعة وعبادة ينقصهم بعض العلم، ينقصهم علم بتفاصيل الشريعة، وقد ينقصهم علم بأصولها وبأساسها، فينتج من هذا النقص آثار سيئة هي آثار هذا الجهل الذي هو الجهل بالله وبحقوقه، والجهل بالإسلام ونتائجه، والجهل بالعبادات والجهل بالمحرمات، وسبب الجهل هو الإعراض من كثير من الناس وعدم الاهتمام، فكثير من الناس يعتقد أنه مجرد ما يقول أنا مسلم ويفعل ما يفعله أهل بيئته ومجتمعه يكتفي بذلك، أو كثير من الناس يولد بين أبوين مسلمين ولكن.. في قرية أو في بلدة بعيدة ونازحة عن سماع القرآن وعن سماع الذكر، وسماع النصائح والعلوم والخير فيبقى على جهله ويبقى شغله بدنياه إما شغله بدوابه التي هي معاشه ومعاش عوائله، وإما شغله بحرفة وبصناعة وبعمل ونحو ذلك، ولا شك أن هذا كله خطأ، وأن الواجب على الإنسان أول ما يعرف أن يتعلم ما خلق له، وأن يتعلم ما أمر به حتى يزيل الجهل عن نفسه، فإنه إذا بقي جاهلاً نتج عن هذا الجهل آثار سيئة.
أحب أن أذكر أولاً حقيقة الجهل وبأي شيء يكون ثم أذكر بعد ذلك إزالة الجهل والأسباب التي يزول بها ويمكن أن أذكر قبل ذلك النتائج والآثار السيئة التي حصلت بسبب البقاء على الجهل وأنها آثار سيئة، أقول وبالله التوفيق:
الجهل ينقسم إلى:
جهل بالله وبعبادته.
стр. 842
وإلى جهل بالشريعة وبالحقوق التي على الإنسان لربه سواءً مما أمر بفعله أو أمر بتركه، والواجب أن يزيل هذا الجهل أما الجهل بالله فإن كثيراً من الناس يعتقدون أن الله تعالى هو ربهم ولكن ينقصهم العلم بأن الله معهم حيث ما كانوا، وينقصهم العلم أن الله تعالى يراهم أينما قاموا، ينقصهم العلم بأن الله شديد العقاب، وينقصهم العلم بأن الله يثيب ويعاقب، والعلم بشدة العذاب، والعلم بكثرة الثواب، جهلوا هذه الأشياء، جهلوا عقاب الله فلم يهمهم ما فعلوا من المعاصي، جهلوا مراقبة ربهم فلم يهمهم ما وقعوا فيه، جهلوا عظمته وكبرياءه فلم يخافوه، ولم يحبوه، ولم يرجوه، جهلوا ما أمروا به فلم يمتثلوا ما نهوا عنه، ولم ينزجروا، فلا شك أن هذا الجهل من قلة الاهتمام فلا يجوز مثلاً أن يبقى الإنسان على هذا الجهل الذي هو جهل بالعقيدة، فنحن بحاجة إلى أن نتعلم هذه الأشياء وقد كتب فيها وقد ألفت فيها المؤلفات وقد اشتمل عليها القرآن، فمثلاً الذي يستحضر أن الله تعالى معه دائماً كيف يعصيه، قال النبي ﷺ : ((أفضل الإيمان أن تعلم أن الله تعالى معك حيثما كنت)) . (عزاه صاحب الكنز إلى الطبراني عن عبادة بن الصامت – ﵁) . وقال تعالى: ((الذي يراك حين تقوم* وتقلبك في الساجدين* إنه هو السميع العليم)) . (سورة الشعراء: الآيات ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠) . لاشك أن الذي يستحضر أن الله يراه ويطلع عليه، ويعلم سره ونجواه ويعلم ما توسوس به نفسه، كما في قوله تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم وما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) . (سورة (ق) : الآية، ١٦) . ويستحضر أن الله يطلع على ضميره ويعلم حديث قلبه ويعلم ما توسوس به نفسه؛ لا شك أنه يخافه أشد الخوف ويرجوه أشد الرجاء، ويحبه غاية المحبة، ويعبده حق العبادة، ويجاهد فيه حق الجهاد، ويبتعد عن المحرمات ويكثر من الحسنات، وما ذاك إلا أن قلبه امتلأ بمعرفة ربه، امتلأ بما
стр. 843
يدل على التعظيم فكان أبعد عن الحرام، وكان أقرب إلى طلب الحلال، والاستكثار من العبادات والقربات فهذا أثر من آثار الإعراض عن الله تعالى.
وكثير من الناس أيضاً أعرضوا عن التعلم الذي هو تعلمهم الشرائع فوقعوا في بدع وفي منكرات أو تعلموا ضد ما أمروا به فوقعت منهم تلك البدع والخرافات، يذكر كثير من المشايخ الذين زاروا بعض البلاد النائية في داخل المملكة أن عندهم أشياء من البدع وعندهم شركيات وعندهم محرمات وإذا سئلوا لماذا تفعلون هذا؟! يقولون لا نعلم الحكم ولا ندري ما حكمها، ونعتقد أنها مباحة، أو أنها لا بأس بها.
فمنها التعاليق ويسمونها (الحروز) أو يسمونها (الحجب) وهي خرزات مثلاً أو حديد أو خيوط أو شعر أو نحو ذلك، يجعلونه في خرقة ثم يجعلون معه عوذة أو صورة أو نحو ذلك أو سن ذئب أو نابه أو ما أشبه ذلك، ويقولون إن هذا يحجبنا عن الجن ويحرسنا عن ضررهم وما دروا أن هذا من الشرك، وما سمعوا أو ما قرؤوا أن سبب ذلك الجهل وإلا فلو قرؤوا الكتب لوجدوا فيها الحكم الصريح، مثل كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ونحوه لو قرؤوه لوجدوا به علاج تلك الأشياء، هذا أثر من آثار الجهل يعني بهذا التعاليق ونحوها.
ويذكرون أن بعضهم إذا أرادوا بناء بيت أو تأسيسه ذبحوا عند الأساس كبشاً أو دجاجاً أو نحو ذلك وقالوا إن هذا الذبح يطرد الجن حتى لا يضرونا في مساكننا وغيرها. وما دروا أن هذا شرك لأنه ذبح لغير الله وإن الجن يكفيهم الاستعاذة والتحفظ بالله تعالى والتعوذ بأسمائه وصفاته وتكفي الاستعاذة من شرورهم وما أشبه ذلك.
стр. 844
كذلك أيضاً فشا في كثير من البلدان أنواع من الشركيات هي السحر والشعوذة واستخدام الشياطين، وادعا معرفة المغيبات وما أشبهها وما أكثرها في كثير من أطراف المملكة وفي وسط المملكة، وليس العجب من الذين يدعون الشعوذة والسحر وعمله فإن أولئك عبيد للشياطين فالسحرة والكهنة ونحوهم، هؤلاء عبدوا الشياطين، هؤلاء قد خرجوا من الإسلام، هؤلاء قد وقعوا في هذه الآثام وقد تخلوا عن دين الله – ، ولكن العجب من الذين يصدقونهم، العجب من الذين يتهافتون إليهم ويأتون إليهم ويسألونهم ويعتقدون أنهم على حق وأنهم مصيبون وأنهم وأنهم ... وما الذي حملهم على ذلك؟ حملهم الجهل.
لو قرأوا هذا الكتاب الذي هو كتاب التوحيد لحصل لهم المعرفة بهذا الحكم، وتنوروا في بصائرهم وفي معرفتهم، ولكن اعتقدوا أن هؤلاء قد تميزوا وقد عرفوا وقد فضلوا غيرهم، وأنهم وأنهم..، وما دروا أنهم ممن عبد الشيطان وتقرب إليه بهذه القربات حتى خدمه الشيطان وأصبح من أعوانه.
стр. 845
كذلك فشت أيضاً فيهم بدع المحدثات ونحوها فبدع الموالد والاعتناء بالمولد النبوي أو بمولد الإنسان نفسه، وهذه أيضاً سببها الجهل، وإلا فلو قرؤوا كتب الشريعة لعلموا أن البدع كلها ضلالة، وهم يسمعون قول كل خطيب أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ولكن لا يفقهون ولا يفهمون ما المراد بذلك، فبقوا على جهلهم واستحكمت فيهم تلك العادات فأصبحوا يعدونها من العبادات أو من القربات ولا شك أن هذا أثر من آثار الجهل السيئة، والكلام على البدع مذكور في كتب ألفت في ذلك لو قرؤوها لوجدوا فيها الشفاء فلو قرؤوا كتاباً مطبوعاً اسمه (البدع والنهي عنها، لمحمد بن وضاح) أو اقرؤوا (الباعث على إنكار الحوادث، لأبي شامة) أو غيرها من الكتب لما وقعوا في هذه المحدثات ولا في هذه المنكرات، وفي كثير من البلاد الإسلامية وفي داخل المملكة فشت المعاصي بكثرة، وهي وسيلة من وسائل المحرمات، فمنها مثلاً معصية التبرج أو السفور، فكثير من البلاد نساؤهم كرجالهم لا تحتجب المرأة ولا تستر وجهها عن الأجانب، بل إذا جاءها أجنبي أو نزل بها ضيف قامت مقام الرجال، فهي تصافحه وربما تعانقه، ولو كان أجنبياً وتجلس معه وتكلمه خالية، أو معها غيرها أو ما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا سببه الجهل والعادات السيئة، عادات نشأت عليها ولقيت عليها أماً وجدة، وجدة أم ونحوهن واعتقدوا أنها سنة أو أنها مباحة، ولا شك أن الذي حملهم على ذلك هو الجهل بالشريعة وإلا فلو أمعنوا في قراءة القرآن ولو قرؤوا السنة ولو قرؤوا كتب أهل العلم لما بقوا على هذا الجهل ولما وقعوا في هذه الآثار آثار الجهل السيئ، ولا شك أن هذا ذنب كبير وهو اختلاط المرأة بالرجال الأجانب وجلوسها معهم وسفورها وإبداؤها لزينتها أمام من ليس بمحرم لها، وكأنهم ما قرؤوا كتاب الله تعالى الذي نص على تحريم ذلك في آيات كثيرة ولكن الجهل داء قاتل، الجهل بالله وبحقوق الله تعالى أوقع في مثل هذه الأشياء وهناك أيضاً
следующие страницы →