← Фатава

Фатава · id 4482

فتاوى الشيخ ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 746 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أيها الاخوة: لا شك إن شاء الله أنكم ممن يحب العلم، وممن يحب الخير، وممن يحب العبادة ويعمل بها بحسب الجهد والطاقة، فإن المؤمن يدفعه إيمانه إلى فعل العبادات، فما الذي أجلسكم هاهنا إلا طلب الفائدة، وما الذي أنهزكم من مساكنكم إلى المسجد إلا طلب الأجر، فطلب الأجر وطلب الثواب من الله تعالى هو قصد كل مسلم وكل مؤمن ومع ذلك فإن كثيراً من المؤمنين الذين آمنوا بالله إلهاً ورباً والذين صدقوا بنبيه رسولاً والذين انتموا إلى هذا الدين، وافتخروا به شريعة وعبادة ينقصهم بعض العلم، ينقصهم علم بتفاصيل الشريعة، وقد ينقصهم علم بأصولها وبأساسها، فينتج من هذا النقص آثار سيئة هي آثار هذا الجهل الذي هو الجهل بالله وبحقوقه، والجهل بالإسلام ونتائجه، والجهل بالعبادات والجهل بالمحرمات، وسبب الجهل هو الإعراض من كثير من الناس وعدم الاهتمام، فكثير من الناس يعتقد أنه مجرد ما يقول أنا مسلم ويفعل ما يفعله أهل بيئته ومجتمعه يكتفي بذلك، أو كثير من الناس يولد بين أبوين مسلمين ولكن.. في قرية أو في بلدة بعيدة ونازحة عن سماع القرآن وعن سماع الذكر، وسماع النصائح والعلوم والخير فيبقى على جهله ويبقى شغله بدنياه إما شغله بدوابه التي هي معاشه ومعاش عوائله، وإما شغله بحرفة وبصناعة وبعمل ونحو ذلك، ولا شك أن هذا كله خطأ، وأن الواجب على الإنسان أول ما يعرف أن يتعلم ما خلق له، وأن يتعلم ما أمر به حتى يزيل الجهل عن نفسه، فإنه إذا بقي جاهلاً نتج عن هذا الجهل آثار سيئة. أحب أن أذكر أولاً حقيقة الجهل وبأي شيء يكون ثم أذكر بعد ذلك إزالة الجهل والأسباب التي يزول بها ويمكن أن أذكر قبل ذلك النتائج والآثار السيئة التي حصلت بسبب البقاء على الجهل وأنها آثار سيئة، أقول وبالله التوفيق: الجهل ينقسم إلى: جهل بالله وبعبادته.

стр. 842

وإلى جهل بالشريعة وبالحقوق التي على الإنسان لربه سواءً مما أمر بفعله أو أمر بتركه، والواجب أن يزيل هذا الجهل أما الجهل بالله فإن كثيراً من الناس يعتقدون أن الله تعالى هو ربهم ولكن ينقصهم العلم بأن الله معهم حيث ما كانوا، وينقصهم العلم أن الله تعالى يراهم أينما قاموا، ينقصهم العلم بأن الله شديد العقاب، وينقصهم العلم بأن الله يثيب ويعاقب، والعلم بشدة العذاب، والعلم بكثرة الثواب، جهلوا هذه الأشياء، جهلوا عقاب الله فلم يهمهم ما فعلوا من المعاصي، جهلوا مراقبة ربهم فلم يهمهم ما وقعوا فيه، جهلوا عظمته وكبرياءه فلم يخافوه، ولم يحبوه، ولم يرجوه، جهلوا ما أمروا به فلم يمتثلوا ما نهوا عنه، ولم ينزجروا، فلا شك أن هذا الجهل من قلة الاهتمام فلا يجوز مثلاً أن يبقى الإنسان على هذا الجهل الذي هو جهل بالعقيدة، فنحن بحاجة إلى أن نتعلم هذه الأشياء وقد كتب فيها وقد ألفت فيها المؤلفات وقد اشتمل عليها القرآن، فمثلاً الذي يستحضر أن الله تعالى معه دائماً كيف يعصيه، قال النبي ﷺ : ((أفضل الإيمان أن تعلم أن الله تعالى معك حيثما كنت)) . (عزاه صاحب الكنز إلى الطبراني عن عبادة بن الصامت – ﵁) . وقال تعالى: ((الذي يراك حين تقوم* وتقلبك في الساجدين* إنه هو السميع العليم)) . (سورة الشعراء: الآيات ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠) . لاشك أن الذي يستحضر أن الله يراه ويطلع عليه، ويعلم سره ونجواه ويعلم ما توسوس به نفسه، كما في قوله تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم وما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) . (سورة (ق) : الآية، ١٦) . ويستحضر أن الله يطلع على ضميره ويعلم حديث قلبه ويعلم ما توسوس به نفسه؛ لا شك أنه يخافه أشد الخوف ويرجوه أشد الرجاء، ويحبه غاية المحبة، ويعبده حق العبادة، ويجاهد فيه حق الجهاد، ويبتعد عن المحرمات ويكثر من الحسنات، وما ذاك إلا أن قلبه امتلأ بمعرفة ربه، امتلأ بما

стр. 843

يدل على التعظيم فكان أبعد عن الحرام، وكان أقرب إلى طلب الحلال، والاستكثار من العبادات والقربات فهذا أثر من آثار الإعراض عن الله تعالى. وكثير من الناس أيضاً أعرضوا عن التعلم الذي هو تعلمهم الشرائع فوقعوا في بدع وفي منكرات أو تعلموا ضد ما أمروا به فوقعت منهم تلك البدع والخرافات، يذكر كثير من المشايخ الذين زاروا بعض البلاد النائية في داخل المملكة أن عندهم أشياء من البدع وعندهم شركيات وعندهم محرمات وإذا سئلوا لماذا تفعلون هذا؟! يقولون لا نعلم الحكم ولا ندري ما حكمها، ونعتقد أنها مباحة، أو أنها لا بأس بها. فمنها التعاليق ويسمونها (الحروز) أو يسمونها (الحجب) وهي خرزات مثلاً أو حديد أو خيوط أو شعر أو نحو ذلك، يجعلونه في خرقة ثم يجعلون معه عوذة أو صورة أو نحو ذلك أو سن ذئب أو نابه أو ما أشبه ذلك، ويقولون إن هذا يحجبنا عن الجن ويحرسنا عن ضررهم وما دروا أن هذا من الشرك، وما سمعوا أو ما قرؤوا أن سبب ذلك الجهل وإلا فلو قرؤوا الكتب لوجدوا فيها الحكم الصريح، مثل كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ونحوه لو قرؤوه لوجدوا به علاج تلك الأشياء، هذا أثر من آثار الجهل يعني بهذا التعاليق ونحوها. ويذكرون أن بعضهم إذا أرادوا بناء بيت أو تأسيسه ذبحوا عند الأساس كبشاً أو دجاجاً أو نحو ذلك وقالوا إن هذا الذبح يطرد الجن حتى لا يضرونا في مساكننا وغيرها. وما دروا أن هذا شرك لأنه ذبح لغير الله وإن الجن يكفيهم الاستعاذة والتحفظ بالله تعالى والتعوذ بأسمائه وصفاته وتكفي الاستعاذة من شرورهم وما أشبه ذلك.

стр. 844

كذلك أيضاً فشا في كثير من البلدان أنواع من الشركيات هي السحر والشعوذة واستخدام الشياطين، وادعا معرفة المغيبات وما أشبهها وما أكثرها في كثير من أطراف المملكة وفي وسط المملكة، وليس العجب من الذين يدعون الشعوذة والسحر وعمله فإن أولئك عبيد للشياطين فالسحرة والكهنة ونحوهم، هؤلاء عبدوا الشياطين، هؤلاء قد خرجوا من الإسلام، هؤلاء قد وقعوا في هذه الآثام وقد تخلوا عن دين الله – ، ولكن العجب من الذين يصدقونهم، العجب من الذين يتهافتون إليهم ويأتون إليهم ويسألونهم ويعتقدون أنهم على حق وأنهم مصيبون وأنهم وأنهم ... وما الذي حملهم على ذلك؟ حملهم الجهل. لو قرأوا هذا الكتاب الذي هو كتاب التوحيد لحصل لهم المعرفة بهذا الحكم، وتنوروا في بصائرهم وفي معرفتهم، ولكن اعتقدوا أن هؤلاء قد تميزوا وقد عرفوا وقد فضلوا غيرهم، وأنهم وأنهم..، وما دروا أنهم ممن عبد الشيطان وتقرب إليه بهذه القربات حتى خدمه الشيطان وأصبح من أعوانه.

стр. 845

كذلك فشت أيضاً فيهم بدع المحدثات ونحوها فبدع الموالد والاعتناء بالمولد النبوي أو بمولد الإنسان نفسه، وهذه أيضاً سببها الجهل، وإلا فلو قرؤوا كتب الشريعة لعلموا أن البدع كلها ضلالة، وهم يسمعون قول كل خطيب أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ولكن لا يفقهون ولا يفهمون ما المراد بذلك، فبقوا على جهلهم واستحكمت فيهم تلك العادات فأصبحوا يعدونها من العبادات أو من القربات ولا شك أن هذا أثر من آثار الجهل السيئة، والكلام على البدع مذكور في كتب ألفت في ذلك لو قرؤوها لوجدوا فيها الشفاء فلو قرؤوا كتاباً مطبوعاً اسمه (البدع والنهي عنها، لمحمد بن وضاح) أو اقرؤوا (الباعث على إنكار الحوادث، لأبي شامة) أو غيرها من الكتب لما وقعوا في هذه المحدثات ولا في هذه المنكرات، وفي كثير من البلاد الإسلامية وفي داخل المملكة فشت المعاصي بكثرة، وهي وسيلة من وسائل المحرمات، فمنها مثلاً معصية التبرج أو السفور، فكثير من البلاد نساؤهم كرجالهم لا تحتجب المرأة ولا تستر وجهها عن الأجانب، بل إذا جاءها أجنبي أو نزل بها ضيف قامت مقام الرجال، فهي تصافحه وربما تعانقه، ولو كان أجنبياً وتجلس معه وتكلمه خالية، أو معها غيرها أو ما أشبه ذلك، ولا شك أن هذا سببه الجهل والعادات السيئة، عادات نشأت عليها ولقيت عليها أماً وجدة، وجدة أم ونحوهن واعتقدوا أنها سنة أو أنها مباحة، ولا شك أن الذي حملهم على ذلك هو الجهل بالشريعة وإلا فلو أمعنوا في قراءة القرآن ولو قرؤوا السنة ولو قرؤوا كتب أهل العلم لما بقوا على هذا الجهل ولما وقعوا في هذه الآثار آثار الجهل السيئ، ولا شك أن هذا ذنب كبير وهو اختلاط المرأة بالرجال الأجانب وجلوسها معهم وسفورها وإبداؤها لزينتها أمام من ليس بمحرم لها، وكأنهم ما قرؤوا كتاب الله تعالى الذي نص على تحريم ذلك في آيات كثيرة ولكن الجهل داء قاتل، الجهل بالله وبحقوق الله تعالى أوقع في مثل هذه الأشياء وهناك أيضاً

стр. 846

معاص كثيرة سببها الإعراض عن العلم فالمعاصي لا يمكن دخولها الآن تحت الحصر ولكن نذكر بعض الأمثلة على وجه السرد والإيجاز فنقول: ما شربت الخمور إلا بسبب الجهل، فكثير من الناس تعاطوا الخمور وادعوا أنها ليست ممنوعة، أو أنها ليست حراماً، وسموها مثلاً نبيذاً أو شراباً روحياً، وما أشبه ذلك، أو رأوا من يشربها واعتمدوا على أنها جائزة أو رأوها يتعامل بها أو تصنع فتعاطوها إما سراً وإما جهراً ولم يردعهم عن ذلك رادع ولو عرفوا مافي القرآن الكريم لعرفوا أنها محرمة غاية التحريم، ولكن بسبب الجهل والإعراض عن أحكام الشريعة وقعوا فيما وقعوا فيه. كذلك مثلاً فشا شرب الدخان، الذي هو مصيبة الزمان وحادثة كبيرة في هذه الأزمنة وهو الذي لا نفع فيه ولا شفاء ولا سلوه ولا أية عذر يبيحه وإنما هو تسويل من الشيطان، ودعوة من أعداء الله دعوة إليه حيث لهم فيه مصلحة وحيث أن للمسلمين فيه مضرة لأجل ذلك وقع الكثير فيه فما الذي أوقعهم فيه؟ هو الجهل. وذلك لأنهم جهلوا مضاره الكثيرة التي كتب العلماء فيها وجهلوا حكمه ورأوا كثرة من يشربه ومن يتعاطا ومن يتبادله فاحتجوا بذلك وما علموا أن الباطل باطل وإن كثر أهله (لا كثرهم الله) ولو كانوا على علم لما وقعوا في مثل هذا الشيء وأكثر منه.

стр. 847

كثير من الناس أيضاً وقعوا في حلق اللحى أو قصها أو نحو ذلك هذا أيضاً بسبب الجهل وذلك لأنهم رأوا كثرة من يفعلها من الذين هم إما مسلمون متسمون وإما غير مسلمين ممن قدم إلى البلاد من غير أهلها فرأوا كثرتهم وادعوا أنهم على صواب، وادعوا أنه لا بأس بذلك وأعرضوا عن سماع العلم، وأعرضوا عن سماع الأحاديث، أو أعرضوا عن تأملها والعمل بها، فكان في ذلك الانهماك في هذا المحرم وما علموا أن هذا معصية وذنب كبير، مع الإصرار عليه يصير من كبائر الذنوب والعياذ بالله، وسبب نشوئه وكثرته الجهل والتقليد الأعمى لمن يفعله عن جهل فأولئك فعلوه عن جهل بالشريعة وهؤلاء فعلوه عن تحسين الظن بمن فعله ولا شك أن هذا أيضاً من المصائب.

стр. 848

وهناك أيضاً معصية أخرى وهي اللعب بالقمار ونحوه، فكثير من الناس ينهمكون طوال ليلهم في هذا اللعب إما بعوض وإما بغير عوض، فالذي بعوض هو الميسر الذي حرمه الله وقرنه بالخمر، والذي بغير عوض هو اللهو، فما الذي حمل أحدهم أن يشتري آلات اللهو ويملأ به بيته أو يسهر مع زملائه ومع أصدقائه من كل ليلة خمس ساعات أو ست ساعات وهو على هذا اللعب وعلى هذا اللهو في ضحك وقهقهة وفي لهو وباطل حتى يمضي نصف الليل أو أكثر وحتى لا يبقى إلا الوقت الفاضل الذي هو وقت نزول الرحمة ثم ينامون ويفوتهم الخير الكثير فلا شك أنهم على جهل ولو كان معهم علم لما استباحوا هذا الذي حرمه الله ونهى عنه وأكد النهي عنه ولكن الجهل داء قاتل وهو الذي أوقعهم في ذلك فإنهم مثلاً قد يفوتهم خيرً، ويقعون في شر، فالذي يفوتهم هو الذكر والقراءة والعبادة ونحوها، والذي يقعون فيه هو سماع المنكر والسهر المحرم وكذلك أخذ العوض المحرم، الذي هو المال الذي يبذلونه من نقود أو أموال ونحو ذلك، كذلك أيضاً ما قد يصحبهم من الملاهي ونحوها، فإن هذا كله بسبب الجهل، وهناك من انهمكوا في آلات اللهو فملؤوا البيوت من الأغاني أو آلات الغناء المحرمة التي يقصدون كما يزعمون بها التسلية والترفيه عن النفس وكما يقول تنشيط البدن والقلب، ولا شك أن هذا ليس بصحيح بل هو باطل فإن الغناء سماعاً أو رؤية أو مشاهدة سواء كان سماعاً من مغنِّ يتغنى به أو أن الإنسان نفسه يغني ويقرأ الشعر بترنم أو يسمعه من أشرطة أو من أفلام أو ما شابه ذلك لا شك أنه محرم ولهو لكن الذي أوقعهم فيه هو الجهل، وذلك لأنهم رأوا كثرة من يفعله وأعرضوا عن سماع النصائح ولم يشتغلوا بقراءة الكتب التي تحذره وتبين حكمه وادعوا أنه حلال فأنت تسأل العشرات فيقولون حلال مباح لا بأس به وكأنهم ما قرأوا شيئاً مع كثرة ما ينشر فيه، ومع كثرة ما يطبع وما ينشر من المؤلفات والكتب المتقدمة والمتأخرة، ولكن هؤلاء الذين وقعوا

стр. 849

فيه وادعوا أنهم معذورون ليسوا بمعذورين وذلك لكثرة من كتب فيه من العلماء المتقدمين والمتأخرين وبينوا الأدلة على تحريمه وعلى آثاره السيئة فبسببه _ والعياذ بالله _ حصل الفجور أوهو من أكبر أسباب الفجور الذي قد انتشر وهو الزنا _ والعياذ بالله _ فكل واحد يعرف أنه حرام ولكن له دوافع وله مسببات وبه مبررات هي: مشاهدة هذه الصور الخليعة، وسماع تلك الأغنيات الفاتنة التي تسمعها المرأة فتشتاق، أو يسمعها الرجل فتثور شهوته، فيكون ذلك من الأسباب الدافعة لكثير منهم إلى فعل الفاحشة مهما استطاع، نقول لا شك أن هذا كله بسبب الإعراض عن ما كتبه العلماء أو عن ما ذكروه وما أشبه ذلك.

стр. 850

ومعلوم أن شريعة الله تعالى كاملة وفيها كل ما تمس إليه الحاجة وكل ما يحتاج إليه الناس ثم قد يسر الله علماء أجلاء خدموا هذه الشريعة وأوضحوا الأحكام منها وبينوا ما فيها من الحلال والحرام وكتبوا ذلك ونشروه ودعوا إلى تعلمه وتفهمه فلا عذر لأحد في أن يبقى معرضاً أو في أن يبقى جاهلاً وبكل حال فإن آثار الجهل كثيرة وإن هذا نموذج من الآثار: نقول ما تركت الصلوات إلا بسبب الجهل أو ادعائه، وما تخلف أناس كثيرون عن الجماعات إلا بسبب الجهل وآثاره السيئة، وما شربت الخمور والدخان إلا بسبب الجهل وبالإعراض عن العلم، وما حلقت اللحى مثلاً وأسبلت الثياب وأطيلت الشوارب وخولفت السنة إلا بسبب الجهل أيضاً، كذلك ما فشت البدع والموالد وإحياء بعض الليالي باللهو واللعب ونحو ذلك إلا بسبب الجهل، وما انتشر الغناء واللهو والطرب والسهر على القمار ونحو ذلك إلا بسبب الجهل وما تبرج النساء واختلطن بالرجال وفشا الزنا والعهر، ونحو ذلك إلا بسبب الجهل، كذلك ما عبدت القبور ونذر لها وذبح لغير الله وعلقت التمائم والحروز، واستعملت الرقى الشركية وأشباهها إلا بسبب الجهل وما عظم السحرة والمشعوذون والكهنة والكذابون ونحوهم إلا بسبب الجهل، الذي خيم على كثير من القلوب وأعرض أهلها بسبب إحسانهم بأنفسهم الظن، وما أشبه ذلك، لا شك أن للجهل آثار سيئة إذا علمنا أن هذه آثار فمعلوم أيضاً أن آثاره الأخروية أشد.

стр. 851

وهذه المعاصي التي ذكرنا منها ما هو كفر وشرك كالسحر والكهانة وإتيان الكهنة وتصديقهم وتعليق التمائم والذبح لغير الله والنذر لغير الله وما أشبه ذلك، ومنها بدع ومحدثات كإحياء الموالد وزيادة عبادات لم يشرعها الله وما أشبه ذلك، ومنها ما هو معاص كسرقة وقطع طريق ونهب مال، وأكل ربا، وأكل أموال اليتامى، وأكل السحت، والرشوة وشرب الخمور، وشرب الدخان وتعاطي المخدرات، والزنا والتبرج ومقدمات ذلك وسماع الأغاني ونحوها، وتسمى هذه الكبائر معاصي ولكنها كبائر لا سيما مع الإصرار عليها فإذا علمنا أن هذه من آثار الجهل فإن لها أيضاً عقوبات وذلك لأن أهلها ولو ادعوا أنهم جهلة وأنهم لا يعرفون نقول لهم: لستم بمعذورين فأنتم مسلمون وأنتم مكلفون وأنتم تعترفون بأن لكم شريعة وبأن الله أنزل عليكم القرآن، والرسول علمكم السنة وأورثكم إياها التي هي بيان للقرآن، فلديكم الأدلة الواضحة وعندكم ما تستنيرون به فلا عذر لأحد في أن يبقى على هذا الجهل إذن فما هي الآثار: ألا تخافون أن يقع بكم ما وقع بغيركم من آثار هذه المخالفات وهذه المعاصي فإن الله تعالى عاقب من قبلنا بعقوبات متباينة شديدة بسبب الكفر والشرك والمعاصي وتكذيب الرسل إما قولياً أو فعلياً فما الذي أخرج آدم من الجنة؟ أخرج الله آدم من الجنة لذنب واحد لما أكل من الشجرة وقد نهي عنها، آدم أخرج من الجنة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها وترجون أن تدخلوا الجنة.

стр. 852

وما الذي أغرق قوم نوح بالطوفان الذي ارتفع على رؤوس الجبال نحو سبعين ذراعاً فوق رأس كل جبل أليس سببه التكذيب؟ أليس سببه هو الشرك والمعاصي وهي قد فشت وانتشرت، وما الذي أهلك قوم عاد؟ أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً في يوم نحس مستمر، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر سخرها عليهم سبع ليالٍ وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى، ما الذي سبب ذلك؟ أليس هو تكذيبهم؟ أليس هو معصيتهم وذنبهم؟ وما الذي أهلك قوم صالح حيث أرسل الله عليهم صيحة، صاح بهم ملك فتقطعت قلوبهم في أجوافهم؛ فأصبحوا صرعى كموت رجل واحد لما أنهم عقروا الناقة وقالوا: ((يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين)) . (سورة الأعراف، الآية: ٧٧) ، لا شك أن ذلك من آثار الجهل، وهكذا نتذكر عقوبة الله لقوم لوط لما فعوا الفاحشة التي ما سبقهم بها أحد من العالمين وهو كونهم استحلوا نكاح الذكران. قال تعالى: ((أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم)) . (سورة الشعراء، الآيتان: ١٦٥، ١٦٦) .فعاقبهم الله فأرسل لهم ملكاً اقتلع بلادهم ورفعها حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها. قال تعالى: ((فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد)) . (سورة هود، الآيتان: ٨٢، ٨٣) . أي المصر على فعلهم يترقب أن ينزل به ما نزل بهم ولهذا ذكر بعض العلماء أن عقوبة فاعل فاحشة اللواط فعل قوم لوط أنه يلقى من أعلى شاهق أو من أعلى بناء في البلد، يلقى على رأسه ثم يتبع الحجارة تشبيهاً بما حصل لقوم لوط من هذه العقوبة، كذلك قوم شعيب أهلكهم الله تعالى بالظلة وذلك أنهم أصابهم حر شديد وغم لما أنهم كذبوا شعيباً فمرت بهم سحابة فاعتقدوا أن بها ظلاً يريحون به أنفسهم ويبردهم فلما اجتمعوا بها نزل عليهم بها نار فأحرقهم فماتوا عقوبة لهم لما كذبوا بنبيهم، وحكى الله تعالى أيضاً ما عاقب الله

стр. 853

به قوم فرعون عندما أغرقهم وقوم موسى ينظرون إليهم حيث دخلوا البحر فلما تكاملوا فيه أمره الله تعالى فانطبق عليهم فذهبت أرواحهم للحرق وأجسادهم للغرق كذلك أيضاً ذكر الله _عز وجل_ ما عاقب به قوم موسى الذين هم أصحاب موسى لما أنهم لم يطيعوه على دخول القرية فعاقبهم الله تعالى بالتيه فتاهوا أربعين سنة يتيهون في الأرض لا يهتدون سبيلاً ولا يدرون أين يتوجهون لما أنهم عصوه في معصية واحدة وهي قولهم: ((فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون)) . (سورة المائدة، الآية٢٤) . نتذكر أن هذه العقوبة من آثار عقوبات المعاصي ونحوها تلك المعاصي التي قد يكون سببها الجهل والاعراض عن الشريعةالتي خلق الإنسان لها وأمر بها.

стр. 854

نتذكر أيضاً أن الله _ _ لما حرم هذه المحرمات جعل لها عقوبتين: العقوبة الدنيوية للزجر فمثلاً لو سرق مقدار ثلاثة دراهم أو أربعة دراهم عقوبتها أنها تقطع يده، اليد التي فيها نصف الدية تقطع إذا سرق هذا المبلغ اليسير الذي هو مثلاً قيمة الترس لو سرق رجلاً ترساً (الذي يوضع على رأس المجاهد) لقطعت يده وقد سرق رجلً رداء إنسان يعني كرداء المحرم فقطعت يده. (رواه النسائي ٨/٦٩) . وأخبر النبي ﷺ برداءة نفس السارق حيث قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده. (رواه مسلم ٣/١٣١٤) . (البيضة هي التي توضع على رأس المقاتلين) ، (والحبل حبل السفينة الذي يمسكها) يعني أن هذا شيء زهيد تقطع فيه اليد، لماذا؟ ذلك لتعظيم الذنب الذي يوقع في هذه العقوبة وذلك أن السارق يخيل إليه أن هذه السرقة لا إثم فيها ولا ذنب وأنه بسببها سيحصل على مال وسينجو ولكن لا يتذكر أنه ربما يقبض عليه أو يقطع رأسه أو تقطع يده أو رجله أو ما أشبه ذلك، والله تعالى ذكر حكم قطاع الطريق الذين يجلسون في الطريق فمن مر بهم اغتصبوا ماله وإن قاومهم قاتلوه، قال تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)) . (سورة المائدة، الآية ٣٣) .

стр. 855

يقول ابن عباس: إذا قتلوا أحداً وأخذوا المال قتلوا ثم صلبوا أي صلبوا على خشبة مرتفعة ليكون زجراً عن أفعالهم السيئة وأما إذا قتلوا ولم يأخذوا المال فإنهم يقتلون ولا يصلبون أما إذا أخذوا المال ولم يقتلوا فإنهم يقطع من كل واحد منهم يد من جانب ورجل من جانب وهو معنى قوله: ((تقطع أيدهم وأرجلهم من خلاف)) . وإذا قطعوا يداً تقطع أيدهم مثلها فلو كانوا عشرين واجتمعوا فقطعوا يد إنسان قطعت يد كل من العشرين وإذا فقؤوا عين إنسان وكانوا عشرين أو أكثر فقئت عين كل واحد منهم قصاصاً حتماً حتى لا يكون ذلك دافعاً لغيرهم إلىأن يفعلوا كفعلهم. فما الذي حملهم على ذلك؟ هل كانوا عارفين بأن ذلك سيقع؟ بل هم جاهلون يعتقدون أنهم سيحصلون على مال بطريقة القهر وبطريقة الغلبة ثم يسلمون ولا يحصل بهم شيء ولو علموا أنهم سيعاقبون بهذه العقوبة في الدنيا لانزجروا. فالزاني مثلاً إذا زنى مرة واحدة وكان عنده زوجة أو قد تزوج عقوبته أنه يرجم بالحجارة إلى أن يموت فلو كان مستحضراً لذلك لما فعل ذلك أي لو كان عند فعله الفاحشة يتحقق أنه سيرجم لانزجر، ولما فعل هذه الفعلة الشنيعة، ولكن الجهل حمله على ذلك، والزاني مثلاً إذا لم يكن قد تزوج يشهر أمام طائفة كبيرة من الناس ويجلد جلداً قوياً مئة جلدة ولا يرق له لقوله تعالى: ((ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)) . (سورة النور، الآية: ٢) . لو كان مستحضراً ذلك لما أقدم على فعل هذه الفاحشة المحرمة ولكن حمله على ذلك الجهل بالحكم ووقع في هذا الأمر المحرم والعياذ بالله.

стр. 856

كذلك أيضاً بقية المحرمات فمثلاً شارب الخمر يجلد أربعين أو ثمانين جلدة، القاذف الذي يرمي إنساناً ويقول أنت زانيت أو أنت فعلت فاحشة يجلد ثمانين جلدة وترد شهادته ويحكم بفسقه إلا أن يتوب لو كان يستحضر ذلك لما أقدم على فعل هذه الفاحشة المحرمة والعياذ بالله. الساحر قد حكم النبي ﵊ عليه بأنه يقتل لقوله: ((حد الساحر ضربة بالسيف)) . (رواه الترمذي، ٤/٣٢) . ولكن لا يتفكر في ذلك هذا بالنسبة لعذاب الدنيا ومعلوم أيضاً أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. لقد أخبر الله تعالى بعقوبة عظيمة في الآخرة على فعل المحرمات في حديث يخبر فيه نبيه ﵊ عن بعض الذنوب فيقول: ((اجتنبوا السبع الموبقات (يعني المهلكات) الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)) . (البخاري مع الفتح ١٢/١٨١) .هذه سبع من كبائر الذنوب، وقد تكون من الشرك، أخبر بأنها موبقات كذلك أيضاً قد ذكر الله لها عقوبات في الآخرة فقال تعالى في أكل الربا: ((فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)) . (سورة البقرة، الآية:٢٧٥) .

стр. 857

مع أنه قد يكون متأولاً، جعل الله هذا منه تأولاً ولم يعذره فقال ((فأولئك أصحاب النار)) كذلك الذي يأكل مال اليتيم، يكون عنده مال يتيم فيأكله ويخفيه، توعده الله بوعيد قال تعالى: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً)) . (سورة النساء، الآية: ١٠) . هذه عقوبة آكل مال اليتيم كذلك الذي يرمي إنساناً فيقول أنت زاني، أنت زانية، وهو كاذب عليه، توعدهم الله بوعيد في قوله تعالى: ((إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق)) . (سورة النور، الآيات: ٢٣، ٢٥) . عقوبة كلمة واحدة هذه الأمور كلها، إذاً لو كان الإنسان يستحضر عندما يتكلم بهذه الكلمة هذه العقوبات ما فعلها ولا أقدم عليها ولكن لا يستحضرها، فما الذي حال بينه وبين ذلك؟ أليس هو الجهل؟! الجهل داءٌ قاتل وحيث عرفنا هذا الجهل وأنه بهذه المثابة وأن له آثاراً سيئة فإننا نحث إخوتنا على أن لا يبقوا على هذا الجهل ويؤسفنا أن في هذه البلاد الرياض المدارس الليلية الكثيرة ولا يدخلها إلا القلة أو الأصاغر أو نحو ذلك يؤسفنا أن فيها حلقات علم كثيرة يقيمها العلماء في بيوتهم أو في مساجدهم ولا يحضرها إلا قلة القليل والكثير لا يحضرونها ويؤسفنا أن الكثير من المحاضرات أو الندوات ونحوها لا يحضرها إلا القلة بالنسبة إلى الأكثر من الذين ينفرون أو يذهبون أو نحو ذلك، يؤسفنا أن في صلاة الجمع مثلاً يمتلئ المسجد وتمتلئ أطرافه وإذا قام بعد الصلاة إنسان ليعظ أو ينصح أو يذكر هربوا ولم يبق عنده إلا قلة قليلة وكأنهم في سجن وفي ضيق أو كأنهم مستغنون عن الفائدة ونحو ذلك وهذا أيضاً اعراض عن العلم واعراض عن أسبابه يؤسفنا أن كثيراً يبقون على جهلهم وهم يعرفون أن هناك علماء وهناك مفتون ومعلمون ونحو ذلك.

стр. 858

فأنا مثلاً أجلس في المكتب لأتقبل الذين يأتون ويسألون ولكن الذين يسألون بواسطة الهاتف أو مشافهة غالب أسئلتهم لا تتعلق بالدين إنما تتعلق بالمعاملات أو بالطلاق ونحو ذلك. إذا وقع أحدهم في طلاق أو في ظهار أو في تحريم أو ما أشبه ذلك. بحث وسأل فطوال عمره _ عشرين سنة أو أكثر _ ما اهتم ولا سأل فلما وقع عليه الأمر أراد أن يسأل، لماذا بقيت على جهلك هذه السنوات حتى وقعت في هذا التحريم أو في هذا الظهار أو في هذا الطلاق أو في هذا الحلف الذي لم تف به فلو كنت عالماً أو متعلماً أو مهتماً بالعلم لما وقعت في هذا الجهل، هؤلاء الذين يأتون ويسألون عن وقائع وقعت بهم يقول أحدهم أنا حلفت بكذا أنا وقع مني كذا أنا أنذرت على أو ما أشبه ذلك إنما يسألون عن شيء ابتلوا به فقط ويحاولون التخلص منه. لماذا لم يسألوا من قبل؟ لماذا لم يتعلموا؟ لقلة الاهتمام. هل عندهم أشغال تقطعهم وتعوقهم، ليس الأمر كذلك بل الكثير منهم عندهم فراغ كثير بحيث إنهم يسألون أسئلة يقول بعضهم نحن عندنا وقت طويل عندنا فراغ ونمل من هذا الفراغ وإذا مللنا لا بد أن نشغل وقتنا هذا بشيء حتى نقطع الوقت عنا فنشتغل باللعب بالورق حتى إذا جاء وقت الصلاة قمنا. سبحان الله أما عندكم شغل غير هذا اللعب! لماذا لا تقرؤون القرآن؟ لماذا لا تتدارسونه بينكم؟ لماذا لا تحفظون كتاب الله هل منكم من حفظ القرآن عن ظهر قلب؟ يقولون لا نعرف. لماذا لا تتعلمون حتى تعرفوا. أليس عندكم أمور تهمكم؟ لماذا لا تتزاوروا في ذات الله وتتبادلوا النصيحة لماذا لا تزوروا العلماء وتبحثوا معهم وتسألوا؟ لماذا لا تقتنون كتب الدين وكتب العلم وتقرؤها، وتقضوا بها أوقاتكم، هذا الوقت الذي هو طويل عندكم كما تقولون سوف تجدون ما تقضونه به فلا عذر لكم بأن تبقوا على هذا الجهل إذن فنحن نقول لا عذر لأحد في البقاء على الجهل، سيما في هذه الأزمنة فقد توفرت والحمد لله الأسباب التي يزول بها الجهل.

стр. 859

فعندنا الكتب قد يسر الله طبعها ونشرها وقد تكون مجاناً وقد تكون بثمن بخس لا يبخل الإنسان أن يشتري أو أن يقتني بعض الكتب التي تهمه في أمور الدين إذا اقتناها يقرأ منها وقت فراغه ويستفيد ويقرأ أو يجتمع مثلاً خمسة أو عشرة ويقرأ أحدهم ويتساءلون فيما بينهم عن معنى هذه الجملة أو عن المراد بهذا الحديث أو ما يراد بهذه الآية أو ما أشبه ذلك. عندنا مثلاً الأشرطة الإسلامية والحمد لله قد تيسرت لم توجد إلا في هذه الأزمنة ولم تكن تدخل في حسبان أو في ظن من قبلنا ولكنها آية من آيات الله أخرجها الله ويسرها، فيها العظات وفيها العلوم وفيها الأحكام وفيها القرآن والأحاديث وما أشبهها وبإمكانك أن تستمع لها ولو كنت في سيارتك ولو كنت على فراشك ولو كنت مع غيرك تفتح على هذا الشريط الديني وتستمع إليه وتستفيد مما فيه من عظات ونحوها حتى يزول ذلك الجهل الذي خيم على القلوب وعندنا مثلاً القرآن الحمد لله الذي قد يسره قال تعالى: ((ولقد يسرنا القرآن للذكر)) . (سورة القمر، الآيات: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠) .

стр. 860

ثم تيسرت المصاحف وامتلأت بها المساجد والدور ونحوها لماذا لا نجعل لنا أوقاتاً نقرأ فيها فلو جعلت لك كل يوم ساعة أو ساعتين تقرأ فيها ما تيسر من القرآن لحصلت على خير كثير إما فائدة علمية وإما أجراً أخروياً، وعندنا مثلاً الكتابات قد تيسرت أيضاً أن تكتب إلى العلماء وتسألهم وتستفيد منهم وعندك مثلاً والحمد لله الهواتف، المكالمات الهاتفية فإن فيها فائدة وفيها تيسير لنيل العلم وأنت في بيتك، ما بينك وبينها إلا أن تحرك أصابعك وأن ترفع السماعة ثم تسأل وتلقى من يجيبك إن شاء الله. هذه وسيلة من الوسائل. وعندنا مثلاً الندوات والحلقات العلمية التي تقام في المساجد والجوامع الأخرى ونحوها لا شك أيضاً أن فيها ما يزيل الجهل وما يبصر الإنسان لما خلق له دون عناية أو كلفة أو نحوها فهي في كل الأماكن بواسطة السيارات تصل إلى أطراف البلاد الذي فيه محاضرة أو مذاكرة أو نحو ذلك. وعندنا مثلاً الخطب التي تخطب علينا في كل جمعة غالباً أنها تشتمل على أحكام؛ وتشتمل على مواعظ ونحوها ولكن يؤسفنا أن الناس يستمعون إلى الخطبة ثم إذا انصرفوا إلى مجالسهم لا يذكرون شيئاً مما استفادوه بينما يتكلمون في أمورهم العادية في أمور دنياهم وفي مباحثهم ونحو ذلك ولا يقولون قال الخطيب كذا وحفظنا منه واستفدنا منه كذا وكذا حتى يتفقدوا أنفسهم هل هم عاملون بها أو ليسوا بعاملين حتى يستفيدوا ولقد اجتهدت حكومتنا أيدها الله _ تعالى _ ببذل الوسائل التي تزيل الجهل وتمحو الأمية عن المسلمين فيبقى المسلمون كلهم إما علماء وإما في مستعدون للعلم ولو لم يكن إلا المدارس النهارية والليلية ولكن للأسف أن الكثير من الكبار أو المتوسطين في التعليم يبقون على جهلهم ولا يسألون ولا يتعلمون ولا يقرؤون وكأن الذي حملهم على ذلك هم الكبر والاستحياء أو نحو ذلك، وقد ورد في بعض الآثار لا يتعلم العلم مستحي ولا متكبر (الأثر عن مجاهد _ ﵀ _) . فلا يغلبك هذان

стр. 861

الأمران بل تواضع لربك واقرأ وتعلم ولو على ولدك واستفد منه وإن كان ابن عشر سنين ونحو ذلك ولو على ولد صديقك، اقرأ عليه آيات من القرآن وهو يرد عليك ويعلمك، تواضع ولا تستحي ولا تتكبر حتى يزول بذلك الجهل ويحل مكانه العلم وإذا حل العلم إن شاء الله تبعه العمل. هذا تنبيه على بعض هذه المسائل والمسألة أعظم من أن يحيط بها ذلك فعلى المسلمين أن يكونوا منتبهين لذلك وعليهم أن يحتاطوا لهذه الأمور، وعليهم أن يبذلوا الجهد الذي يكونون به عالمين عاملين إن شاء الله. نسأل الله أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً متقبلا ونعوذ به من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن دعاء لا يسمع إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله أعلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. انتهى الكتاب

стр. 862

حقيقة الالتزام لفضيلة الشيخ العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله ورعاه تقديم فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين حفظه الله الحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه. وبعد: فقد كنت قبل أشهر قمت بجولة في أنحاء من المملكة للدعوة والإرشاد، وإلقاء محاضرات وإجابة على أسئلة، وكان من جملة المحاضرات في مدينة جدة في أول شهر شعبان عام ١٤١٣هـ محاضرة بعنوان: حقيقة الالتزام (وقد ألقيتها ارتجالاً، ولم يتيسر لي مراجعة ولا كتابة عناصرها، ومناسبتها أن هناك جمعاً) كبيراً قد منَّ الله عليهم بالاستقامة، والتمسك بالشريعة، وعُرفوا بأهل الالتزام، فناسب أن يتلقوا تعاليم تزيدهم تمسكاً، وتوضح المناهج والطرق السليمة التي يسلكها أهل الالتزام، وتكون سبباً في الاستمرار والدوام على هذه السيرة السوية. وقد تعرضت فيها للحث على الأعمال الصالحة، والإكثار من نوافل العبادة، والبعد عن المعاصي والمحرمات والشرور، وهجر العصاة والحذر من الانخداع بدعاياتهم وتسويلهم، وزخرف القول الذي يموهون به، ونحو ذلك من النصائح على وجه الإشارة والإيجاز. وقد رغب بعض المحبين نشرها في كتيب، فوافقت على ذلك، رجاء أن ينفع الله بها من أراد به خيراً، والله المسؤول أن يمن علينا بالعصمة والحفظ من الغواية، وأن يهدي ضال المسلمين ويرشد غاويهم، ويصلح عامتهم ويصلح أئمتهم وقادتهم، ويهديهم إلى الصراط السوي، ويجنبهم طريق الغواية والهلاك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين. ٥/١/١٤١٤هـ. المقدمة إن الحمد لله نحمده ونشكره ونثني عليه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وهو ربنا عليه توكلنا وإليه ننيب، ونحمده سبحانه أن هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. أما بعد:

стр. 863

فإننا نشاهد اليوم هذا الإقبال الكبير من شبابنا على دين الله وعلى طاعته وتطبيق شرعه واتباع سنة نبيه ﷺ . وعلينا أن نتفاءل بهذا الإقبال، فهناك الإقبال على طلب العلم والإقبال على تطبيق السنة النبوية والإقبال على تطبيق الشريعة في كل شؤون الحياة. ولا شك أن هذا الإقبال يذكرنا بقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه علي بن يزيد عن القاسم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لهذا الدين إقبالاً وإدبارا. وإن من إقباله أن تفقه القبيلة بأسرها، فلا يبقى فيها إلا الفاسق والفاسقان، فهما ذليلان فيها، إن تكلما قهرا واضطهدا. وإن من إدبار هذا الدين أن تجفو القبيلة بأسرها، فلا يبقى فيها إلا الفقيه والفقيهان فهما ذليلان، إن تكلما قهرا واضطهدا". وعلي بن يزيد ضعيف ولعل الحديث موقوف. لقد كنا قبل ثلاثين أو أربعين سنة نكاد أن نيأس ونقطع الرجاء لما نراه من الأسباب التي تبعد عن الإسلام وعن الدين، ولما نراه من الجفوة والإدبار والسخرية والاستهزاء حتى في المتعلمين والمتفقهين. ولكن والحمد لله اليوم نرى إقبال الشباب على التمسك وعلى الالتزام بالشرع وعلى الاستقامة عليه. لقد حصل من هذا الالتزام وهذه الاستقامة أثر بليغ؛ ألا وهو هذه الصحوة الإسلامية التي انتشرت في جميع أرجاء المعمورة. فما هذه الصحوة إلا نتيجة من نتائج الإقبال على هذا الدين وتطبيق الشرع والتمسك به والاستقامة عليه. وفي هذه الرسالة الصغيرة نتحدث عن الالتزام وحقيقته وأدلته من الكتاب والسنة، ثم الحديث عن أحوال الملتزم وصفاته.

стр. 864

نسأل الله أن يمن علينا بطاعته وأن يقبل بقلوبنا على محبته وطاعته وعبادته. ونسأله ان يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وأن يجعلنا من المتمسكين بشريعته والذابين عن دينه والمجاهدين في سبيله، والمبلغين لأمره وشرعه، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والداعين إلى الله على بصيرة، وأن يرزقنا الاتباع لسنة نبينا محمد ﷺ . فإلى المقصود والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تعريف الإلتزام الالتزام كلمة عامة تَصدُق على الالتزام بالشرع والالتزام بغيره. ولأجل ذلك فإن الفقهاء يعبرون بكلمة الملتزم عن الذي يؤخذ عليه عهد أنه إما أن يعمل بأحكام الشريعة وإما أن يُلْزمَ بها. فيدخل في ذلك الذميون الذين يُلْتَزَمُ معهم أن تطبق عليهم تعاليم الشريعة. لقد اصطلح في هذا الزمان أن تطلق كلمة ملتزم على المستقيم على الشرع والمتمسك بالدين. ولكن الأولى أن نسمي المتدين: (بالمستقيم) ، ونسميه (المتمسك بالشريعة) ، ونسميه: (المطيع لله) ، ونسميه: (عاملاً بالشريعة ومتبعاً لرسول الله ﷺ وهذا هو الأولى والأرجح. حقيقة الالتزام ذكرنا أن الملتزم هو ذلك الشاب المستقيم على الشرع والعامل به، والمتبع لسنة نبيه ﷺ ، وهذه هي حقيقة الالتزام. والأعمال التي يقوم بها الملتزم إما ان تكون من الواجبات، وإما أن تكون من السنن، وإما أن تكون من نوافل العبادة ومن نوافل الطاعات، وإما أن تكون من فروض الكفايات. والملتزم الذي كمل التزامه مطلوب منه القيام بهذه الأعمال حتى يصْدُق عليه قول: (ملتزم) . ولتوضيح ذلك نذكر بعض الأعمال على وجه التمثيل حتى نعرف بذلك حقيقة الالتزام، ثم نشير بعد ذلك إلى الحقيقة التي ينبغي أن يكون عليها الناس في اصطلاحهم.

стр. 865

فمثلاً: إذا رأى الناس الشاب وقد ظهرت عليه علامات التدين والصلاح قالوا: هذا شاب ملتزم. فإذا رأوه وقد أعفى لحيته، ورفع ثوبه، وحافظ على الصلاة وسابق إليها، واقترن بأصحاب الخير وصحبهم، وسارع إلى الأعمال الخيرية، وزهد في المعاصي والمحرمات، وأقبل على حلقات العلماء ومحاضراتهم، وأكب على تعلم العلم الصحيح واقتناء كتب السنة ومجالسة الصالحين، فهذا عندهم: (ملتزم) . وهذه بلا شك من صفات الشباب الملتزم الذي قد حافظ على هذه الصفات، لأنه عرف أن الله تعالى أمره بذلك وأحبها منه، ولكن هناك من يخالفه في ذلك -وهم كثير على مر الزمان والعصور- من الشباب المنحرف: فكم دعوه إلى التخلي عن العبادة فخالفهم ونابذهم؟! لأنه عرف انهم على ضلال وعلى باطل! لقد رأينا الكثير منذ ثلاثين أو أربعين سنة قد فشى حلق اللحى في الشباب، وخاصةً في الطلاب الذين يدرسون في المدارس والمعاهد والجامعات. لقد تربى هؤلاء الشباب على حلق اللحى، وسبب ذلك أن الذين ربوهم وعلموهم كانوا على هذه الطريقة فقلدهم من قلدهم، حتى أصبح الأمر مشهوراً لا يُسْتَنْكَر، وأصبح الذين يتكلمون فيه كأنهم يتكلمون في شيء فضولي. ولكن وفق الله بعض عباده فعرفوا الحق كما ينبغي، فقالوا: لماذا هذه المعصية الظاهرة؟! ولماذا هذه المعاندة الظاهرة؟! أليست طاعة الله وطاعة رسول الله ﷺ أولى بالتقديم والاتباع؟! ثم أليس كبار المعلمين وكبار المفكرين العاقلين، أولى بتطبيق السنة حتى يكونوا قدوة حسنة لغير؟! إنه يجب علينا أن نطبق شرع الله ونعمل بالسنة، ولو لقينا ما لقينا، فنوفر اللحى ولو استهزأ بنا الآخرون ولو سخر منّا فلان وفلان. فما دمنا متبعين وما دمنا متمسكين وكان دليلنا في ذلك الكتاب والسنة فلا يضرنا الاستهزاء ولا السخرية.

стр. 866

فلأجل ذلك قام البعض ممن هداهم الله بتطبيق السنة والحرص عليها؛ غير ناظرين لمن خالفهم من جماهير الناس. وعلينا أن نعلم أن توفير اللحى سنة يجب اتباعها، وهي من صفات الشاب الملتزم، ولكن ليست هي كل الالتزام. ومثال آخر: لقد رأينا وترون أن أثرياء الناس وكبراءهم ومشاهيرهم قد ابتلوا بالإسبال، وهو: جر الثياب؛ بل وجر كل اللباس فخراً وكبراً أو خيلاء ونحوها. إنهم بعملهم هذا قد خالفوا النصوص الصريحة الصحيحة، التي لا خلاف في ثبوتها، والتي تحرّم على الإنسان أن يجر ثوبه خيلاء وأن يسبل في لباسه. إن العمل بهذه السنة؛ وهو: رفع الثوب إلى فوق الكعب لا شك أنه التزام وتمسك وعمل بالشريعة، وتطبيق للسنة النبوية الشريفة، واستقامة على أمر الله . ولكن هناك من خالف في الأمر وأطاعوا الشيطان؛ الذي زين لهم سوء أعمالهم فتركوا أمر الله تعالى وأمر رسوله ﷺ . ولكن الشاب الملتزم عليه أن يثبت ولو خالف من خالف، ولو تنقص من تنقص؛ لأن الذي يطيع الله ويطيع رسوله ﷺ ويعمل بشريعته ويكون دليله قوياً وثابتاً لا يستطيع أحد أن ينتقده أو يرد عليه. وكذلك هناك أمور أخرى لم نذكرها ينبغي أن يلتزم بها من وفقه الله تعالى للاستقامة ويكون دليله في ذلك الكتاب والسنة. الالتزام هو الاعتصام: قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) . الاعتصام: هو لزوم الشيء والتمسك به. وحبل الله تعالى: هو السبب الذي يوصل إلى رضاه، ويوصل إلى ثوابه، ويوصل إلى جنته ودار كرامته. وسماه الله تعالى حبلاً في هذه الآية؛ لأن من تمسك به نجى ومن تركه اختل تمسكه واختل سيرهُ. الالتزام هو التمسك: قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) .

стр. 867

التمسك: هو القبض على الشيء قبضاً محكماً بكل ما يستطيع. وهذا أمر من الله تعالى أن نتمسك بشرعه بكل ما نستطيع، كما قال تعالى: (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) . ثم بين الله أن الاستمساك بالعروة الوثقى لا يكون إلا بأمرين وهما: الكفر بالطاغوت. الإيمان بالله تعالى. أما تفسير الطاغوت وتفسير الإيمان بالله فلا حاجة إلى الخوض فيه؛ لأن هذه الرسالة المختصرة لا تسمح بذلك ويمكن الرجوع إلى المؤلفات في هذا الأمر. الالتزام هو الاستقامة: قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) . وقال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا) . قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: استقاموا على محبته وعبوديته فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة. والاستقامة: هي السير السوي الذي ليس فيه اعوجاج ولا انحراف. قال عمر بن الخطاب ﵁: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب. حديث: قل آمنت بالله ثم استقم: عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: "قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك -وفي حديث أبي أسامة: "غيرك"- قال: قل آمنت بالله ثم استقم". أمره الرسول ﷺ بالاستقامة وهي أن يسير سيراً سوياً ليس فيه أية انحراف أو مخالفة، وهذا هو حقيقة الالتزام. حديث: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين:

стр. 868

عن العرباض بن سارية قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ الصبح، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائلُ: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع، فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". وهكذا يأمرنا الرسول ﷺ بالتمسك بالسنة والعض عليها بالنواجذ، ذلك أن القبضَ باليدين فيه عرضة للتفلت، فلأجل ذلك من شدة حرصه ﷺ يأمرنا بالعض عليها بالنواجذ. والنواجذ: هي أقاصي الأسنان وهذا كناية على شدة التمسك بالسنة مخافة أن تتفلت. والرسول ﷺ يوصي بالتمسك بالسنة ويشدد في ذلك؛ لأن المعوقات كثيرة، والشبهات متعددة، وهذه المعوقات والشبهات قد تضعف التمسك بالسنة؛ فلأجل ذلك أوصى ﷺ بشدة التمسك بالسنة. والشاب الملتزم حقاً: هو الذي يتمسك بالسنة ويقبض عليها قبضاً محكماً، فيقبض عليها بيديه وعضديه مخافة أن تتفلت منه، ولو أدى ذلك إلى العض عليها بأقاصي أسنانه. وقفات مع الحديث: لا شك أن النبي ﷺ ما أوصى بالتمسك بالسنة بهذه الشدة، إلا لأنه يعرف أن هناك معوقات وأن هناك ضلالات وشبهات ودوافع. وهذه الشبهات والضلالات قد ترخي تمسك الإنسان بهذه السنة، ولكن إذا عرف الشاب الملتزم أن تمسكه بالسنة وسيلةً لنجاته، وأن إخلاله بها وسيلة إلى هلاكه ودمار لحياته، فإنه بلا شك يتمسك بها أشد ما يكون التمسك. أمر آخر: وهو أن الملتزم الذي يعمل بالسنة كما أُمرَ لا شك أنه يلاقي من أعدائه ومن أضداده تسفيهاً وتَضليلاً واستهزاءً وتنفيراً وكيداً وتنقصاً لحالته واستضعافاً لرأيه ورمياً له بالعيون، وهذا ليس بخاف على أحد.

стр. 869

فإننا نسمع ما يُرْمَى به الملتزمون من كلمات التنقص فإذا رأوه وقد أرخى لحيته قالوا هذه لحية كأنها: " ذنب تيس"، أو كأنه: " عاض على جاعد" أو كأنها: " مكنسة بلدية". . أو كأنها.. أو كأنها. وربما قالوا ما فائدة هذا الشعر، فإنه شعر لا فائدة فيه، وربما قالوا: أصلح فؤادك أو أصلح قلبك، فإن الإيمان في القلب! فإذا آمن قلبك فلا فائدة في هذا الشعر! وإذا آمن قلبك لا يضرك ما عملته ولا يضرك ما فعلته! وهذه كلها شبهات وعوائق تعيق الإنسان عن سيره وتمسكه بالسنة الشريفة. ثم أمر آخر: لقد رأينا كثيراً من شبابنا الذين رجعوا إلى الله تعالى، وأقبلوا على الطاعة وصحبوا أهل الخير، ثم بعد فترة قليلة، وبعد زمن قصير ارتدّوا على أعقابهم ورجعوا القهقرى، وغيروا ما كانوا عليه من الالتزام والتمسك، وعادوا إلى لهوهم وسهوهم، وعادوا إلى المعاصي التي كانوا عليها من قبل. لماذا؟!! لأن التزامهم لم يكن محكماً، وتمسكهم لم يكن قوياً، إضافة إلى ضعف إيمانهم مما جعلهم متدينين برهة من الزمان، ثم رجعوا إلى الضلال وإلى الانحراف. إذاً فعلى المسلم أن يكون قابضاً على السنة وسائراً على النهج السوي والمنهج المستقيم، الذي هو صراط الله الذي أمرنا بأن نسلكه وأن نسير عليه، والذي أخبر النبي ﷺ بأنه طريق واحد مستقيم ليس فيه أي انحراف أو ميل كما في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم) . وقوله تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبل) . والمستقيم الذي ليس فيه اعوجاج. ٣- حديث: هذا سبيل الله مستقيماً: عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: " خط رسول الله ﷺ خطاًّ بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)

стр. 870

هذه السبل التي كل منها عليه شيطان يدعو إليها ليس بالضرورة أن يكون شيطان جن؛ بل قد يكون من شياطين الإنس، وما أكثرهم في هذا الزمان وكل زمان، فهم يدعون إلى مخالفة صراط الله والابتعاد عنه. إنهم يدعون إلى الطرق المنحرفة وإلى الطرق الملتوية. فهذا يدعو إلى الغناء واللهو! وذاك يدعو إلى الكسل الخمول! وآخر يدعو إلى الزنا والعُهْر والفاحشة! وآخر يدعو إلى التبرج والسفور! ومنهم من يدعو إلى ترك العبادات، كترك الصلاة أو التخلف عن الجماعات! وما أكثر من يستجيب لهم من ضعاف الإيمان!! ولكن المستقيم والملتزم بشرع الله، والمتمسك تمسكاً قوياًّ، يستطيع أن يتفلت من هؤلاء إذا دعوه إلى أهوائهم وشهواتهم وإلى الطرق المنحرفة، وذلك لأن سير المسلم على هذا الصراط سير سريع لا يتمكن دعاة الضلال من إيقافه. إن الشاب المسلم الملتزم بدين الله، والذي سار على صراط الله المستقيم، سيجد دعاة الضلال والانحراف؛ وهم واقفون على جانبي الطريق: فإن أنصت لهم والتفت إليهم عاقوه عن السير، وفاته الشيء الكثير من الأعمال الصالحة. أما إذا لم يلتفت إليهم؛ بل وجه وجهته نحو ربه ونحو صراط الله المستقيم فهنيئاً له الوصول إلى صراط ربه، المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف. فعلى المسلم أن يضبط سيره ويضبط استقامته. فإذا دعاك أهل الضلال إلى ترك الصلاة أو ترك الجماعات أو البخل وقالوا: أمسك عليك مالك حتى ينفعك وتستفيد منه، أو دعوك إلى ترك السنن والعبادات ونوافلها كالتهجد في الليل أو صيام التطوع وغير ذلك، فلا تلتفت واثبت في سيرك. فهذا وصف الملتزم والمستقيم حقاًّ الذي لا يصده شيء عما هو قد هم به من الأعمال الصالحة. أعمال الملتزم والمستقيم ذكرنا فيما سبق أن الالتزام هو الاستقامة على الشرع والعمل به والاتباع لسنة النبي ﷺ وهذه هي حقيقة الالتزام.

стр. 871

ولكن الملتزم حقا يجب عليه أن يقوم بأعمال معينة حتى يصدق عليه قول "ملتزم" فمن هذه الأعمال نذكر ما يلي: أولاً: من أعمال الملتزم والمستقيم: التمسك بالسنة: إن الشاب الملتزم هو الذي تمسك بالسنة تمسكاً محكماً، وبذلك يكون من أهل السنة ومن أهل الشريعة، ويكون هو الجماعة وإن قل من يقوم بها. والنبي ﷺ أخبر بأن أهل النجاة وأهل الاستقامة وأهل الصراط المستقيم، هم الذين ساروا على ما كان عليه هو وأصحابه عندما ذكر حديث افتراق الأمة. فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية؛ لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة؛ كلهم في النار؛ إلا واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله؛ قال: ما أنا عليه وأصحابي". فمن هذا الحديث يتبين أن الفرقة الناجية هي التي سارت على سنة الرسول ﷺ ، وتمسكت بها واتبعته ﷺ في كل شئون الحياة. ولا شك أن السنة النبوية مدونة وموجودة وقريبة وسهلة التناول لمن طلبها. فما علينا إلا أن نبحث عنها فإذا عرفنا سنة من السنن عملنا بها حتى يَصْدُق علينا قول (فلان ملتزم) . ولا ننظر إلى من يُخَذّل أو من يحقر أو من يستهزئ ونحو ذلك. والسنن قد تكون من الواجبات، وقد تكون من الكماليات أو من المستحبات، وقد تكون من الآداب والأخلاق. فعلى المسلم أن يعمل بكل سنة يستطيعها، وذلك احتساباً للأجر وطلباً للثواب. فالملتزم هو الذي كلما سمع حديثاً فإنه يسارع في تطبيقه، ويحرص كل الحرص على العمل به ولو كان من المكملات أو من النوافل. فتراه مثلاً يسابق إلى المساجد ويسوؤه إذا سبقه غيره

стр. 872

وتراه يسابق إلى كثرة القراءة وكثرة الذكر أكثر من غيره وتراه يكثر من أنواع العبادات ويحرص كل الحرص أن تكون جميع أعماله وعباداته متبعاً فيها السنة، وليس فيها شيء من البدع حتى تكون تلك الأعمال والعبادات مقبولة عند الله؛ لأنه متى قبل العمل فاز المسلم برضوان ربه، نسأل الله أن تكون أعمالنا مقبولة عنده إنه سميع مجيب. ثانياً: من أعمال الملتزم والمستقيم: طلب العلم: إن الشاب الملتزم والمستقيم يجب عليه أن يكون داعية إلى الله تعالى، فيدعو الناس إلى الاستقامة والالتزام وتطبيق شرع الله سبحانه في حياته. وحتى يكون الشاب الملتزم داعية إلى الله على بصيرة يجب عليه أن يطلب العلم الشرعي. كما يجب على الشاب الملتزم والمستقيم أن يطلب العلم حتى يعبد الله على نور وبرهان، وليس على جهل وضلال. ووسائل العلم والحمد لله كثيرة ومتيسرة، فهناك حلقات العلماء في المساجد، وهناك المكتبات الخيرية، وهناك المدارس والجامعات في كل مكان، وهناك كتب العلماء قديماً وحديثاً، وهناك الأشرطة المسجلة لدروس العلماء ومحاضراتهم وغير ذلك. فنوصيك أيها الملتزم بأن تتزود بالعلم النافع، وتحرص على أن تدرك ما تستطيع منه بأي وسيلة وبأي سبب من الأسباب، لتكون بذلك من ورثة الأنبياء الذين ورثوا العلم وأخذوا منه بحظ وافر ثالثاً: من أعمال الملتزم والمستقيم: ترك البدع والمعاصي والملاهي: إن الشاب الملتزم والمستقيم هو ذلك الشاب الذي حرص كل الحرص على تطبيق شرع الله، وتطبيق تعاليم الإسلام. كما أنه حرص كل الحرص على البعد عما يدنس عرضه، وعما يقدح في عدالته، وعما ينقص من قدره ومكانته وذلك بترك البدع والمعاصي والملاهي. أما الكفر والشرك فمعلوم حكمه وننزه الشاب الملتزم أن يصل إلى هذا.

стр. 873

أما هذه الثلاثة: وهي البدع والمعاصي والملاهي؛ فهي التي يحرص الشاب الملتزم على تركها والتمسك بالسنة حتى يكون من أهل النجاة بإذن الله تعالى: إن الدعاة إلى البدع كثيرون، وخاصة في هذا الزمان، فهم يضيفون البدع إلى الشريعة وما عرفوا أن شريعة الله كاملة لا نقص فيها. وموضوع البدع وتنفيذ شبهات أهلها وضرب الأمثلة عليها موضوع طويل، ومن أراد البحث في ذلك رجع المؤلفات في ذلك. أما المعاصي: فما أكثرها اليوم، وما أكثر الدعاة إليها. حتى أصبح من الدعاة إلى المعاصي من يزينون المعصية، ويقولن إنها من الضروريات أو أنها من مسايرة الزمان أو أن أهل هذا الزان بحاجة إليها ولا يستغنون عنها وما أشبه ذلك ولنأخذ مثلاً على ذلك: (الأغاني) : فهناك من يقول أنها تنشط الجسد، وأنا تنمي الفكر، وأنها غذاء الروح، وأنها تقوي الذكاء، وأنها تسلي الإنسان، وأنها قضاء للوقت، وأنها ... وأنها ... ثم يضربون صفحاً عن مضارها، وعن الأسباب التي توقع فيها؛ بل ويضربون صفحاً عن النصوص التي تدل على حرمتها. ومثلاً آخر: (الأفلام الخليعة) : فهاك من يدعوك إلى النظر إليها، ويقول فرِّج عن نفسك يا أخي فإنك بحاجة إلى أن تمتع عينيك وتسلي قلبك وانظر إلى هذا الجمال وهذه الصور ومتع نفسك وهكذا ينشرون مثل هذه الشبهات. ثم لا يذكرون شيئاً من الأضرار التي توقع فيها. فلا يذكرون أنها تزرع الفتن في القلوب، وأنها تدعو إلى المعاصي والوقوع في الفواحش، وأنها تشجع النساء على التكشف وعلى السفور وعلى الاختلاط بالرجال، وأنها وسيلة إلى فعل الجرائم الشنيعة. فكل هذا لا يذكرونه أبداً. فيا أخي الملتزم إن ابتعادك عن مثل هذا هو حقيقة من حقائق التزامك، وضرورة من ضروريات استقامتك. وخذ مثلاً على تناول (المشروبات المحرمة) :

стр. 874

فهناك من يقول أنها مشروبات روحية وأنها تنقل الإنسان من عالم إلى عالم آخر وأنها أشربة طيبة وأنها تسلي الإنسان ولا ضرر فيها وغير ذلك من الضلال والانحراف ونسوا بعد ذلك قول الله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) أما الملاهي: فحدث ولا حرج، فهي تلك المجالس المليئة باللغو والباطل والكلام الذي لا فائدة فيه، والقيل والقال، وقد مدح الله المؤمنين بقوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون) فجعل من صفات المؤمنين البعد عن اللغو وهي: الصفة الثانية بعد الصلاة. وهذه حقيقة الملتزم وهي: البعد عن الملاهي واللغو والمجالس الخالية من ذكر الله. رابعاً: من أعمال الملتزم والمستقيم: الدعوة إلى الله: وبعد أن يمنَّ الله عليك ويكمل التزامك وتكمل استقامتك، وتكمل نفسك فتطهرها من المعاصي وتهذبها على الطاعة، وتستقيم على السنة وتعمل بها. ماذا يجب عليك بعد ذلك يا أخي؟ يجب عليك أمر مهم وعمل من أهم أعمال الملتزم والمستقيم هذا الأمر هو الدعوة إلى الله. الدعوة إلى الله من خلال دعوة إخوانك الأشقاء، ودعوة إخوانك من الأصدقاء والزملاء، ودعوة جلسائك ومحبيك ونحوهم، ولا شك أن هذا من واجب المسلم نحو إخوانه، وما ذاك إلا أنه إذا لم يدعهم؛ فإنهم سوف يدعونه إلى باطلهم وضلالهم. أخي الشاب المسلم الملتزم والمستقيم ألست تحب أن يكثر أتباعك وأعوانك؟ ألست تحب أن يكثر أنصارك الذي يذبون عنك؟ ألست تحب أن يكثر أهل الخير وتحب أن يكون شبابهم وأولادهم على الدين الحنيف. إذا كنت تحب ذلك؛ فابذل ما تستطيعه من الأسباب، فتأخذ بأيدي إخوانك وتسير بهم معك على الطريق الذي أنت تسير عليه، وتحرضهم على أن يلتزموا ويستقيموا عليه، كما استقمت أنت عليه. أيها الإخوة

стр. 875

ما أحوجنا إلى كثرة الدعاة، وما أحوجنا إلى كثرة المعلمين والمرشدين ونحوهم؛ فلأجل ذلك عليكم بالدعوة إلى الله بكل ما تستطيعون حتى يكثر الدعاة، ويكثر أهل الخير في كل مكان. وعليكم أيها الإخوة أن لا تيأسوا بسبب كثرة المنكرات؛ بل عليكم أن تبذلوا قصارى جهدكم في دعوة إخوانكم، ولو كانوا بعيدين عن الاستقامة؛ بل ولو لم يستجيبوا من أول مرة، ولكن عليك أن تدعوهم مراراً وتكراراً ولعلك أن تجد بعد زمن أن منهم من يستجيب لدعوتك ويصبح من أهل الاستقامة والصلاح بإذن الله. لقد سرنا والحمد لله ما نراه من كثرة المكاتب التعاونية، وكثرة الدعاة الذين يدعون إلى الله، ولكن وجدنا منهم من يستنكف عن الدعوة إلى الله، ويعلل هذا التقاعس بأن أهل الشر أكثر، وأن المنحرفين أكثر، وأن أهل الاستقامة وأهل الالتزام وأهل الطاعة أقل من غيرهم؛ بل ونجدهم يقتصرون علىأنفسهم ولا يقومون بدعوة غيرهم، ولا شك أن هذا خلل ونقص في حقيقة الالتزام. أيها الأخ الداعية اقرأ قول الله تعالى: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) فقد بين سبحانه أن أهل النجاة هم الذي آمنوا، ثم بعد ذلك عملوا الصالحات، ولم يقتصروا على هذا فقط؛ بل قاموا بدعوة غيرهم، فتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. إنهم لم يقتصروا على أنفسهم؛ بل تعدى الأمر إلى غيرهم. فعلينا أن نتواصى فيما بيننا، فإنا بحاجة إلى ذلك، حتى الملتزم والمستقيم منّا، وكل منّا بحاجة إلى أن يوصي صديقه وزميله وأخاه وقريبه، وكان الرسول ﷺ يوصي أصحابه كما في الحديث الذي رواه أبو ذر ﵁ قال: " قال لي رسول الله ﷺ : "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" والتواصي بالحق: أن تعرض المسألة على أخيك.

стр. 876

فإذا رأيته وقد أخل بسنة فتنصحه بأن يتمسك بها، وتبين له الدليل عليها حتى يعمل بها. وإذا كان واقعاً في معصية، فتقول له: أليس فعلك لهذه الجريمة ولهذه المعصية ذنباً تأثم عليه؟ ثم أليس هذا الذنب أو هذه المعصية تقدح في عدالتك وتقدح في استقامتك، فلماذا تصر عليها؟ ثم أليست هذه المعصية تنقص إيمانك وتنقص طاعاتك وتنقص حسناتك، وتزيد من سيئاتك، فلماذا تصر عليها؟ فإذا أجاب بجواب غير مقنع، فعليك أن تبين له الجواب الصحيح مستند إلى الأدلة في ذلك من الكتاب والسنة، ومن ثم تبين له الطريق المستقيم وتحثه عليه، وتحثه على أن يترك هذه الشبهات والضلالات، وأن يتمسك بالسنة حتى يكون من أهل الخير وأهل النجاة بإذن الله تعالى. مجالات الدعوة إلى الله: أما عن أنواع التعاون مع مكاتب الدعوة فهو مجال واسع، وكل حسب استطاعته وقدرته، ولا شك أن التعاون مع مكاتب الدعوة والهيئات وغيرها مما يقوي كلمة الله، وبه ينتشر الإسلام، وأيضاً مما يقوي أهل الشريعة، وأهل الاستقامة والالتزام. وفي استطاعة كل من قرأ القرآن على المشايخ، وحضر دروس العلماء في المساجد، وتفقه في دين الله، أن يبين ويعلّم ويدعو إلى ما يعلمه، فإنه يصدق عليه أن يُقَالَ هذا طالب علم، أو يُقَالَ هذا عالم، وإن كان علماً نسبياً، فعليه أن يحرص على تعدي هذا العلم إلى غيره بأي وسيلة ممكنة له. فإن استطاع أن ينتظم في سلك الدعاة إلى الله؛ سواء كان رسمياً أو معاوناً، فإن ذلك خير وهو وسيلة من وسائل نشر العلم ونشر الدين. ويؤسفنا اليوم قلة المنتظمين رسمياً في سلك الدعوة إلى الله، وكذلك قلة المتعاونين، فإنا بحاجة إلى زيادة العدد، وخاصة أن البلاد اليوم توسعت، والدعاة إلى الشر اليوم كثيرون، فإنا بحاجة إلى من يواجههم ويوقفهم عند حدهم، ويقلل من شرورهم وفسادهم.

стр. 877

إنني أنصح إخواني بالانضمام إلى إخوانهم الدعاة بأي وسيلة لديهم، ولو لم يحفظ إلا آيةً أو حديثاً، فإن النبي ﷺ يقول: " بلغوا عني ولو آية". نعم آية تحفظها أو حديثاً تحفظه، عليك أن تبلغه حتى تكون من العاملين بشريعة الله. وكذلك قول النبي ﷺ : " نضر الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها" وأيضاً قوله ﷺ : " فيبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع" فيا أخي الشاب المستقيم الذي هداك الله لهذا الإسلام، ولهذا الدين؛ عليك أن لا تحقر نفسك بالانضمام إلى إخوانك، فإنهم بحاجة إليك، وحتى تنفع نفسك بأدائك شيئاً من هذا الواجب، وتنفع إخوانك فتخفف من الوطأة التي يتحملونها؛ حيث إنهم يتكلفون في الذهاب إلى الأماكن البعيدة، وقد يشق ذلك عليهم. فإذا وجدوا أن هذا تعاون معهم، وهذا تعاون والثالث والرابع، فإن ذلك: أولاً: يخفف الوطأة عليهم: وثانياً: تعمُّ المنفعة، فلا يقتصر الإنسان على نفسه ويقول: أصلحت نفسي ولا حاجة لي في غيري. بل نقول: هذه وساوس شيطانية، فإن الأمة بحاجة إلى عملك ودعوتك، وأن دعاة الشر كثيرون، وإذا لم يكن هناك من يقاومهم ومن يفند ضلالهم وشبهاتهم؛ فلا شك أنه ستقوى شوكتهم، ويكون الأمر لهم بعد ذلك إلا أن يشاء الله. أما عن مجالات الدعوة إلى الله، فهي كثيرة، وكل إنسان يختلف عن غيره، وكل يعرف قدراته وإمكاناته، ولكن نذكر على سبيل المثال، بعض هذه المجالات، حتى يعرف كل، واحد مكانه منها، فمن ذلك: الخطبة: والخطبة مجال من مجالات الدعوة إلى الله وخاصة أن هناك خطباء ليسوا بأكفاء، ولديهم أخطاء كثيرة، إما بمعتقداتهم أو بوجهات نظرهم أو بمنهجهم.

стр. 878

فعلى الأخ الداعي الذي تعلم العلم الصحيح، واستقام على دين الله، أن ينتهز هذه الفرصة، ويكون خطيباً في مسجد من المساجد، ويوجّه هؤلاء المصلين الذين لا يسمعون موعظة دينية إلا في كل أسبوع مرة واحدة. وعليه أن يختار لهم الخطب النافعة التي تعالج مشاكلهم، وتنبههم على ما هم غافلون عنه، فلعل الله أن يهدي به بعض الحاضرين فيتأثر بما يسمع، فيرجع عن غيِّه، وفي الحديث عنه ﵇ قال لعلي: " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النّعم" الإمامة: ومجال آخر من مجالات الدعوة إلى الله وهو تولي الإمامة في مسجد من المساجد ليس فيه جمعة. وما أكثر المساجد التي هي بحاجة إلى أئمة صادقين ومجتهدين، وحريصين على نفع غيرهم من إخوانهم المصلين، فإن كثيراً من الأئمة إما جاهل وعلمه بالشريعة قليل جداًّ، وإما لا يبالي بدعوة إخوانه المصلين ونصحهم وتنظيم الدروس العلمية لهم وتوجيههم. والإمام الذي يتولى إمامة مسجد وقصده الصلاح ونفع إخوانه فإنه: أولاً: تكون الصلاة خلفه مقبولة بإذن الله تعالى، وذلك أنه يحرص على إكمال شروط الصلاة وواجباتها وأركانها وسننها. ثانياً: أنه ينفع المصلين فإما أن يقرأ عليهم في كتاب مثلاً، أو يقرأ عليهم نصيحة، أو يفسر لهم آية، أو يشرح لهم حديثاً، أو نحو ذلك. فهو بذلك ينفع نفسه وينفع إخوانه المصلين. إذاً فما الذي يعوقك يا أخي أن تتولى هذا المنصب، فتكون بذلك من الذين نفعوا أنفسهم ونفعوا الأمة، وأسقطوا الواجب عن غيرهم. المساعدة: ثم مجال آخر من مجالات الدعوة إلى الله، وهو مجال المعاونة والمساعدة بشتى أنواعها: المادية والمعنوية. فإن مكاتب الهيئات ومكاتب الدعوة وغيرها بحاجة إلى من يساندهم ويساعدهم كلٌّ حسب قدرته واستطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

стр. 879

أما التعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو واجب كل مسلم، وخاصة الملتزم والمستقيم. وما ذاك إلا أنهم بحاجة إلى من يقف بجانبهم، وليس شرطاً أن يكون كبيراً أو صغيراً، أو عالماً متخصصاً، فما دام أنه عالمٌ أن هذا الأمر من المنكر وهذا الأمر من المعروف، فليس له العذر في أن يسكت على ذلك أو يقبع في منزله أو سوقه، ويترك هذه المنكرات تتمكّن وتفشو. صفات الملتزم والمستقيم إن الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل شاب ملتزم ومستقيم كثيرةٌ جداً. فأنت مثلاً ترى شابّاً قد تحلى ببعض الصفات الظاهرة فتقول: هذا شابٌّ ملتزمٌ. فإذا رأيته مثلاً وقد أعفى لحيته ورفع ثوبه وحافظ على الصلاة في المساجد، ورأيته لا يقنتي الملهيات وغيرها، ورأيته يجالس أهل الخير والاستقامة، ورأيته يغشى مجالس العلماء ويحبهم ويتكلم معهم بما تعلمه منهم. قلت: هذا من الملتزمين ومن المستقيمين. ولكن هذا لا يكفي، فإن هذه صفات ظاهرة، يجب على الملتزم أن يتحلى بها، ولكن هناك صفات أخرى يجب على كل شاب مسلم ملتزم أن يتحلى بها، حتى يكمل التزامه ويكون من المستقيمين حقاً، وعلى سبيل المثال نذكر بعض هذه الصفات المهمة، وذلك للاختصار وعدم الإطالة، والله المستعان. أولاً: من صفات الملتزم والمستقيم: المعاملة الحسنة: قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) . وفي الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: "قال لي رسول الله ﷺ : اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". وعن أبي ذر ﵁ قال: "قال لي النبي ﷺ لا تحقرنّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".

стр. 880

فالمعاملة الحسنة صفة من صفات كل مسلم، وكل ملتزم، فلا تكن فظّاً غليظاً، ولا تكن شرساً ولا عبوساً في وجوه من تلقاهم من إخوانك، ولا تكن حاقداً وحاسداً ومبغضاً لهم بدون سبب يذكر. فعليك أن تكون لين الجانب وأن تلقى أخاك بوجه مسفر منطلق مبتسم، إعجاباً به ومحبة له، فهذه كلها من صفات الملتزمين التي جاء الشرع بها وحث عليها. ثانياً: من صفات الملتزم والمستقيم: التأدب مع الغير وحسن الجوار، وأداء الأمانة: وكذلك من الآداب تأدب المسلم الملتزم مع الآخرين، ومثال ذلك تأدبه مع أبويه، وذلك ببرهما وطاعتهما في غير معصية، وهذا أمر واجب. وكذلك يكون واصلاً لأرحامه، ومتأدباً معهم ومؤدياً حقوقهم التي عليه. وكذلك حسن الجوار وتأدبه مع جيرانه وعدم إيذائهم ومعرفة حق الجار، وصدق الحديث معهم ومع غيرهم، وهكذا أداء الأمانة وغيرها من الصفات الحميدة التي يجب عليك أيها المسلم الملتزم أن تتحلى بها. ثالثاً: من صفات الملتزم والمستقيم: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدُّ نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ولا شك أن من صفات المسلم الملتزم المستقيم التمسك بهذه الأمور، التي وردت في الحديث، فهي من صفات المسلمين عموماً والملتزمين خصوصاً. وإن التهاون بهذه الأمور يضعف من تمسك الإنسان والتزامه واستقامته! فالذي يمد عينيه وينظر إلى ما نهى الله عنه ويخالف قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) فإن ذلك دليل على ضعف تمسكه والتزامه.
следующие страницы →