Полный текст (1 746 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فإذا رأيته وقد أخل بسنة فتنصحه بأن يتمسك بها، وتبين له الدليل عليها حتى يعمل بها.
وإذا كان واقعاً في معصية، فتقول له:
أليس فعلك لهذه الجريمة ولهذه المعصية ذنباً تأثم عليه؟
ثم أليس هذا الذنب أو هذه المعصية تقدح في عدالتك وتقدح في استقامتك، فلماذا تصر عليها؟
ثم أليست هذه المعصية تنقص إيمانك وتنقص طاعاتك وتنقص حسناتك، وتزيد من سيئاتك، فلماذا تصر عليها؟
فإذا أجاب بجواب غير مقنع، فعليك أن تبين له الجواب الصحيح مستند إلى الأدلة في ذلك من الكتاب والسنة، ومن ثم تبين له الطريق المستقيم وتحثه عليه، وتحثه على أن يترك هذه الشبهات والضلالات، وأن يتمسك بالسنة حتى يكون من أهل الخير وأهل النجاة بإذن الله تعالى.
مجالات الدعوة إلى الله:
أما عن أنواع التعاون مع مكاتب الدعوة فهو مجال واسع، وكل حسب استطاعته وقدرته، ولا شك أن التعاون مع مكاتب الدعوة والهيئات وغيرها مما يقوي كلمة الله، وبه ينتشر الإسلام، وأيضاً مما يقوي أهل الشريعة، وأهل الاستقامة والالتزام.
وفي استطاعة كل من قرأ القرآن على المشايخ، وحضر دروس العلماء في المساجد، وتفقه في دين الله، أن يبين ويعلّم ويدعو إلى ما يعلمه، فإنه يصدق عليه أن يُقَالَ هذا طالب علم، أو يُقَالَ هذا عالم، وإن كان علماً نسبياً، فعليه أن يحرص على تعدي هذا العلم إلى غيره بأي وسيلة ممكنة له.
فإن استطاع أن ينتظم في سلك الدعاة إلى الله؛ سواء كان رسمياً أو معاوناً، فإن ذلك خير وهو وسيلة من وسائل نشر العلم ونشر الدين.
ويؤسفنا اليوم قلة المنتظمين رسمياً في سلك الدعوة إلى الله، وكذلك قلة المتعاونين، فإنا بحاجة إلى زيادة العدد، وخاصة أن البلاد اليوم توسعت، والدعاة إلى الشر اليوم كثيرون، فإنا بحاجة إلى من يواجههم ويوقفهم عند حدهم، ويقلل من شرورهم وفسادهم.
стр. 877
إنني أنصح إخواني بالانضمام إلى إخوانهم الدعاة بأي وسيلة لديهم، ولو لم يحفظ إلا آيةً أو حديثاً، فإن النبي ﷺ يقول: " بلغوا عني ولو آية".
نعم آية تحفظها أو حديثاً تحفظه، عليك أن تبلغه حتى تكون من العاملين بشريعة الله.
وكذلك قول النبي ﷺ : " نضر الله أمرءاً سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها"
وأيضاً قوله ﷺ : " فيبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع"
فيا أخي الشاب المستقيم الذي هداك الله لهذا الإسلام، ولهذا الدين؛ عليك أن لا تحقر نفسك بالانضمام إلى إخوانك، فإنهم بحاجة إليك، وحتى تنفع نفسك بأدائك شيئاً من هذا الواجب، وتنفع إخوانك فتخفف من الوطأة التي يتحملونها؛ حيث إنهم يتكلفون في الذهاب إلى الأماكن البعيدة، وقد يشق ذلك عليهم. فإذا وجدوا أن هذا تعاون معهم، وهذا تعاون والثالث والرابع، فإن ذلك:
أولاً: يخفف الوطأة عليهم:
وثانياً: تعمُّ المنفعة، فلا يقتصر الإنسان على نفسه ويقول: أصلحت نفسي ولا حاجة لي في غيري.
بل نقول: هذه وساوس شيطانية، فإن الأمة بحاجة إلى عملك ودعوتك، وأن دعاة الشر كثيرون، وإذا لم يكن هناك من يقاومهم ومن يفند ضلالهم وشبهاتهم؛ فلا شك أنه ستقوى شوكتهم، ويكون الأمر لهم بعد ذلك إلا أن يشاء الله.
أما عن مجالات الدعوة إلى الله، فهي كثيرة، وكل إنسان يختلف عن غيره، وكل يعرف قدراته وإمكاناته، ولكن نذكر على سبيل المثال، بعض هذه المجالات، حتى يعرف كل، واحد مكانه منها، فمن ذلك:
الخطبة:
والخطبة مجال من مجالات الدعوة إلى الله وخاصة أن هناك خطباء ليسوا بأكفاء، ولديهم أخطاء كثيرة، إما بمعتقداتهم أو بوجهات نظرهم أو بمنهجهم.
стр. 878
فعلى الأخ الداعي الذي تعلم العلم الصحيح، واستقام على دين الله، أن ينتهز هذه الفرصة، ويكون خطيباً في مسجد من المساجد، ويوجّه هؤلاء المصلين الذين لا يسمعون موعظة دينية إلا في كل أسبوع مرة واحدة.
وعليه أن يختار لهم الخطب النافعة التي تعالج مشاكلهم، وتنبههم على ما هم غافلون عنه، فلعل الله أن يهدي به بعض الحاضرين فيتأثر بما يسمع، فيرجع عن غيِّه، وفي الحديث عنه ﵇ قال لعلي: " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النّعم"
الإمامة:
ومجال آخر من مجالات الدعوة إلى الله وهو تولي الإمامة في مسجد من المساجد ليس فيه جمعة.
وما أكثر المساجد التي هي بحاجة إلى أئمة صادقين ومجتهدين، وحريصين على نفع غيرهم من إخوانهم المصلين، فإن كثيراً من الأئمة إما جاهل وعلمه بالشريعة قليل جداًّ، وإما لا يبالي بدعوة إخوانه المصلين ونصحهم وتنظيم الدروس العلمية لهم وتوجيههم.
والإمام الذي يتولى إمامة مسجد وقصده الصلاح ونفع إخوانه فإنه:
أولاً: تكون الصلاة خلفه مقبولة بإذن الله تعالى، وذلك أنه يحرص على إكمال شروط الصلاة وواجباتها وأركانها وسننها.
ثانياً: أنه ينفع المصلين فإما أن يقرأ عليهم في كتاب مثلاً، أو يقرأ عليهم نصيحة، أو يفسر لهم آية، أو يشرح لهم حديثاً، أو نحو ذلك. فهو بذلك ينفع نفسه وينفع إخوانه المصلين.
إذاً فما الذي يعوقك يا أخي أن تتولى هذا المنصب، فتكون بذلك من الذين نفعوا أنفسهم ونفعوا الأمة، وأسقطوا الواجب عن غيرهم.
المساعدة:
ثم مجال آخر من مجالات الدعوة إلى الله، وهو مجال المعاونة والمساعدة بشتى أنواعها: المادية والمعنوية.
فإن مكاتب الهيئات ومكاتب الدعوة وغيرها بحاجة إلى من يساندهم ويساعدهم كلٌّ حسب قدرته واستطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
стр. 879
أما التعاون مع هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو واجب كل مسلم، وخاصة الملتزم والمستقيم.
وما ذاك إلا أنهم بحاجة إلى من يقف بجانبهم، وليس شرطاً أن يكون كبيراً أو صغيراً، أو عالماً متخصصاً، فما دام أنه عالمٌ أن هذا الأمر من المنكر وهذا الأمر من المعروف، فليس له العذر في أن يسكت على ذلك أو يقبع في منزله أو سوقه، ويترك هذه المنكرات تتمكّن وتفشو.
صفات الملتزم والمستقيم
إن الصفات التي يجب أن يتحلى بها كل شاب ملتزم ومستقيم كثيرةٌ جداً. فأنت مثلاً ترى شابّاً قد تحلى ببعض الصفات الظاهرة فتقول: هذا شابٌّ ملتزمٌ.
فإذا رأيته مثلاً وقد أعفى لحيته ورفع ثوبه وحافظ على الصلاة في المساجد، ورأيته لا يقنتي الملهيات وغيرها، ورأيته يجالس أهل الخير والاستقامة، ورأيته يغشى مجالس العلماء ويحبهم ويتكلم معهم بما تعلمه منهم. قلت: هذا من الملتزمين ومن المستقيمين.
ولكن هذا لا يكفي، فإن هذه صفات ظاهرة، يجب على الملتزم أن يتحلى بها، ولكن هناك صفات أخرى يجب على كل شاب مسلم ملتزم أن يتحلى بها، حتى يكمل التزامه ويكون من المستقيمين حقاً، وعلى سبيل المثال نذكر بعض هذه الصفات المهمة، وذلك للاختصار وعدم الإطالة، والله المستعان.
أولاً: من صفات الملتزم والمستقيم: المعاملة الحسنة:
قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) .
وفي الحديث عن أبي ذر ﵁ قال: "قال لي رسول الله ﷺ : اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن".
وعن أبي ذر ﵁ قال: "قال لي النبي ﷺ لا تحقرنّ من المعروف شيئاً، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق".
стр. 880
فالمعاملة الحسنة صفة من صفات كل مسلم، وكل ملتزم، فلا تكن فظّاً غليظاً، ولا تكن شرساً ولا عبوساً في وجوه من تلقاهم من إخوانك، ولا تكن حاقداً وحاسداً ومبغضاً لهم بدون سبب يذكر.
فعليك أن تكون لين الجانب وأن تلقى أخاك بوجه مسفر منطلق مبتسم، إعجاباً به ومحبة له، فهذه كلها من صفات الملتزمين التي جاء الشرع بها وحث عليها.
ثانياً: من صفات الملتزم والمستقيم: التأدب مع الغير وحسن الجوار، وأداء الأمانة:
وكذلك من الآداب تأدب المسلم الملتزم مع الآخرين، ومثال ذلك تأدبه مع أبويه، وذلك ببرهما وطاعتهما في غير معصية، وهذا أمر واجب. وكذلك يكون واصلاً لأرحامه، ومتأدباً معهم ومؤدياً حقوقهم التي عليه. وكذلك حسن الجوار وتأدبه مع جيرانه وعدم إيذائهم ومعرفة حق الجار، وصدق الحديث معهم ومع غيرهم، وهكذا أداء الأمانة وغيرها من الصفات الحميدة التي يجب عليك أيها المسلم الملتزم أن تتحلى بها.
ثالثاً: من صفات الملتزم والمستقيم: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر:
روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إياكم والجلوس في الطرقات، فقالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدُّ نتحدث فيها. فقال: فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
ولا شك أن من صفات المسلم الملتزم المستقيم التمسك بهذه الأمور، التي وردت في الحديث، فهي من صفات المسلمين عموماً والملتزمين خصوصاً.
وإن التهاون بهذه الأمور يضعف من تمسك الإنسان والتزامه واستقامته!
فالذي يمد عينيه وينظر إلى ما نهى الله عنه ويخالف قول الله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم) فإن ذلك دليل على ضعف تمسكه والتزامه.
стр. 881
والذي لا يحفظ لسانه عما حرم الله، ولا يفكر في عاقبة كلمته، فإنه قد يقع في مهاوي ومهالك، ويكون ذلك دليلاً على ضعف تمسكه بالأخلاق والآداب الإسلامية.
والملتزم هو الذي يحفظ لسانه، فتراه إن تكلم لا يتكلم إلا بخير، وإلا سكت، فلا تسمع منه سباباً ولا قذفاً ولا عيباً ولا غير ذلك.
أما إن حذّر من منكر، أو عاب من يستحق العيب، أو شهَّر بإنسان يستحق التشهير، أو ذكر إنساناً بسوء للتحذير منه، أو ما أشبه ذلك، فإن هذا لا غبار عليه؛ بل هو من مكملات الالتزام والاستقامة على دين الله.
هذه جملة من الآداب والأخلاق التي جاءت مكملات الالتزام والاستقامة، ومن أراد التوسع فيها فليرجع إلى الكتب التي ألّفتَ في الآداب والأخلاق مثل: "الآداب" للبيهقي، "والآداب الكبرى" لابن مفلح، وكذلك: "أدب الدين والدنيا" للماوردي، وكذلك: "روضة العقلاء" لابن حبان، وغيرها من الكتب.
وصية وخاتمة
وفي الختام فهذه وصية خاصة لإخواني الدعاة إلى الله، وإلى كل مسلم ملتزم ومستقيم على أمر الله، فأقول لهم:
إننا في هذه الأزمنة كما تعرفون في غربة في الدين". وإن كان عدد الحضور للمحاضرات وغيرها كثيراً، ولكن إذا خرجنا إلى الأسواق وجدنا الكثير ممن ضعف تمسكهم والتزامهم بشرع الله، وهكذا لو دخلنا النوادي وجدنا الكثير والكثير، وهكذا المدارس الثانوية والجامعات والكليات وغيرها، فإن هناك مجموعات كثيرة ممن ضعف التزامهم وقلت استقامتهم. وهكذا إذا خرجنا في أطراف البلاد رأينا المتنزهين الذي خرجوا للنزهة ونصبوا الخيام، وهكذا أماكن تجمع العمل والشركات والورش وغيرها.
وهنا أطرح سؤالاً:
أليس لهؤلاء حق علينا؟!!
إذا رأينا كثرة هؤلاء الهالكين الذين هم على شفا جرف من الهلاك، ألسنا مسؤولين عنهم؟!!
стр. 882
فما دمنا قد منّ الله علينا بالالتزام والاستقامة، فإن علينا أن لا نتركهم على ضلالهم وعلى غيهم؛ بل نحرص على جذبهم إلى التمسك بدين الله والاستقامة عليه.
فإن كانوا ممن يدين بالإسلام، ولكن لا يعرف من دينه إلا مجرد التسمية فإننا ننصحه ونوجهه ونبين له الدين الصحيح والإسلام الحق، لعل الله أن يهديه ويصبح من المستقيمين على دين الله ومن المتمسكين بالسنة والشريعة.
وإن كان ممن لا يدين بدين الإسلام، فإننا ندعوه إلى الإسلام، ونبين له محاسنه، فالإسلام هو الدين الواجب اتباعه وأما غيره من الأديان فهي باطلة، وهكذا فلعل الله أن يهديه إلى الإسلام.
وهذه دعوة لأخواني الملتزمين فلو أن كل واحد منَّا خصَّص يوماً في الأسبوع، ومشى إلى هذه الورش وأماكن تجمّع العمال وغيرهم، ودعا إلى الله تعالى أو مشى إلى أماكن تجمعهم للصلاة، وألقى عليهم كلمة قصيرة، فإنه سيحصل بذلك خيرٌ كثيرٌ إن شاء الله.
ولو ذهب كل واحد أو مجموعة إلى تلك المجالس والمخيمات ونحوها، وألقى نصيحة وكلمة خفيفة، أو وزع منشوراً أو شريطاً من الأشرطة المفيدة النافعة.
فماذا تكون النتيجة بعد ذلك؟!!
لا شك أن الخير سينتشر بإذن الله تعالى، وينتشر الإسلام انتشاراً كبيراً، ويكثر أهل الخير والمستقيمون والمتمسكون بدين الله، وهذا ما نتمناه ونرجوه إن شاء الله، ونرجو أن يكون من الإخوة الحاضرين وغيرهم من لديهم هذه الرغبة والعزيمة، وأن يضعوا نصب أعينهم وصية النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب حين بعثه للجهاد، فقال له: " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمْر النّعم"
стр. 883
نسأل الله أن يمن علينا بطاعته، ونسأله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، ونسأله أن يجعلنا من المتمسكين بشريعته، والذابين عن دينه، والمجاهدين في سبيله، والمبلغين لأمره وشرعه، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والداعين إلى الله على بصيرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 884
آداب الصيام وأحكامه
الفهرس
تقديم فضيلة الشيخ ابن جبرين.
المقدمة.
الفصل الأول: وقفات وفوائد وآداب.
أولاً: استقبال شهر رمضان.
ثانياً: من فوائد الصيام:
حصول التقوى.
حفظ الجوارح عن المعاصي.
حمية للبدن.
تذكر الفقراء والذين يموتون جوعاً.
تخفيف حدة الشهوة.
ثالثاً: خصوصية الصيام.
الفصل الثاني: أحكام الصيام:
أولاً: الصيام الواجب وصيام التطوع.
ثانياً: مفطرات الصيام:
المفطرات الحسية:
١- الأكل والشرب.
٢- النكاح.
٣- القيء.
٤- خروج الدم من جرح أو رعاف.
٥- الحجامة.
٦- نقل الدم بالإبرة.
٧- الضرب بالإبرة.
(ب) المفطرات المعنوية.
ثالثا: صيام أهل الأعذار:
١- صيام المسافر.
٢- صيام المريض.
٣- صيام الكبير.
٤- صيام المرأة الحامل أو المرضع والحائض والنفساء.
الفصل الثالث: قيام الليل.
قيام النبي ﷺ .
قيام السلف ﵃.
الفصل الرابع: الاعتكاف.
حقيقة الاعتكاف.
الحكمة من الاعتكاف.
فضل الزمان وفضل المكان.
مدة الاعتكاف.
محظورات الاعتكاف.
الفصل الخامس: إحياء العشر الأواخر من رمضان.
إحياء الرسول ﷺ العشر الأواخر.
أقسام الناس في إحياء العشر الأواخر.
القسم الأول: يحيونها بالعبادات.
القسم الثاني: يحيونها في التكسب وفي التجارات.
القسم الثالث: يحيونها في اللهو واللغو.
القسم الرابع: يحيونها في المعاصي كبيرها وصغيرها.
استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر.
إيقاظ الأهل في العشر الأواخر.
إظهار النشاط والقوة في العشر الأواخر.
تحري ليلة القدر في العشر الأواخر.
فضل ليلة القدر.
قيام ليلة القدر.
الفصل السادس: القرآن والذكر في رمضان.
القرآن في رمضان.
الذكر والدعاء في رمضان.
الاستغفار في رمضان.
في ختام الشهر.
الفصل السابع: زكاة الفطر وما يتعلق بها من أحكام.
معنى زكاة الفطر وسبب تسميتها بذلك.
стр. 885
تاريخ تشريع زكاة الفطر.
حكم زكاة الفطر.
الحكمة من تشريع زكاة الفطر.
أصناف زكاة الفطر.
مقدار زكاة الفطر.
إخراج قيمة زكاة الفطر نقداً.
على من تجب زكاة الفطر.
جهة إخراج زكاة الفطر.
نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر.
وقت إخراج زكاة الفطر.
الفصل الثامن: أحكام العيدين (عيد الفطر وعيد الأضحى)
أعياد المسلمين وحكم الاحتفال والتهنئة بأعياد الكفار.
من أحكام العيد:
أولاً: حكم صلاة العيد.
ثانياً: من سنن ومستحبات صلاة العيد.
ثالثا: من آداب العيد.
رابعاً: صفة صلاة العيد.
خامساً: الفرق بين صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى.
سادساً: حكم خروج النساء لصلاة العيد.
منكرات تقع يوم العيد:
١- إحياء ليلة العيد.
٢- اختلاط الرجال بالنساء في مصلى العيد.
٣- الاجتماع على الغناء والرقص وبعض المعاصي لإظهار الفرح.
٤- الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان.
الخاتمة: وداعاً يا شهر التوبة.
تقديم فضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله الذي فضل شهر رمضان على بقية الشهور، وجعله موسماً لصالح الأعمال ومضاعفة الأجور، وأنزل فيه القرآن بما أوضح من الهدى والنور.
وأحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ الذي بين للأمة الأعمال، وسن لهم من نوافل العبادات ما يحصلون به على المغفرة وجزيل الثواب، صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد:
стр. 886
فهذه مجموعة من محاضرات تتعلق بالصيام والقيام والاعتكاف والأعمال الصالحة التي تسن في شهر رمضان، كنت ألقيتها في مناسبات وأوقات مختلفة فجمعها بعض الإخوان الصالحين، وطلب الإذن في نشرها فوافقت على ذلك لما فيها من المصلحة والمنفعة العامة والخاصة. وحيث إنها ألقيت ارتجالاً بدون تحضير وإعداد فلا يستغرب ضعف التعبير ووجود الاختلال في سبك الكلام وعدم التناسب والتنسيق، ولكن المعنى ظاهر مفهوم، والله المسؤول أن ينفع بها المسلمين وأن يجزل لنا الثواب ولمن سعى في إخراجها، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله الجبرين
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
أما بعد:
قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) (البقرة:١٨٣)
يقول ابن كثير ﵀ (تفسير القرآن العظيم ١/٢١٣) : "يقول الله تعالى مخاطباً المؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم بالصيام؛ وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الردئية والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيهم أسوة حسنة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك.. ثم قال: والصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان..." اهـ.
لقد جاءكم شهر كريم، أوجب الله صيامه وقيامه، فمن قصر فيه فهو من الخاسرين، ومن اجتهد في صيامه وقيامه كان من الرابحين.
стр. 887
شهر رمضان شهر البركات؛ أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فيا له من شهر عظيم يجب علينا أن نستغل أيامه ولياليه، فالخاسر من يذهب عنه الشهر ولم يغفر له.
ولأهمية الصيام وعظم شأنه فقد قمت بجمع هذه الرسالة من محاضرات وفتاوى شيخنا العلامة عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، ثم قمت بترتيبها والتنسيق بين موضوعاتها، ثم أضفت إليها بعض المسائل المهمة والتي أجاب عليها فضيلة الشيخ بخط يده. فجاءت رسالة شاملة مبينة لآداب الصيام وأحكامه، إضافة إلى بيان شيء من أحكام الاعتكاف وفضل العشر الأواخر من رمضان، وأحكام زكاة الفطر، وأحكام العيد ثم خاتمة في وداع الشهر الكريم.
نسأل الله أن يعيده علينا وعليكم والمسلمون في عز ونصر وتمكين، ونسأله تعالى أن يبلغنا رمضان، وأن يتقبل منّا الصيام والقيام، إنه سميع مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه أبو أنس علي بن حسين أبو لوز
في: ٣٠/٥/١٤١٧هـ
الموافق: ١٢/١٠/١٩٩٦م
الرياض - حي الخالدية
الرمز: ١١٤٩٧ - ص. ب:٣١٢٧١
الفصل الأول
وقفات وفوائد وآداب
أولاً: استقبال شهر رمضان:
стр. 888
كان رسول الله ﷺ يهنئ أصحابه بقدوم شهر رمضان، كما في الحديث الذي رواه سلمان ﵁ أنه ﷺ خطب في آخر يوم من شعبان، فقال: "قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن، من فطّر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتقاً لرقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، قال: "يعطي الله هذا الأجر لمن فطر صائماً على مذقة لبن، أو شربة ماء، أو تمرة، ومن أشبع فيه صائماً، أو من سقى فيه صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما. أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله، والاستغفار، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما: فتسألونه الجنة، وتستعيذون به من النار" (أخرجه ابن خزيمة في صحيحه برقم ١٨٨٧) .
وروي أيضاً أنه ﵊ كان يفرح بقدوم رمضان، فكان إذا دخل رجب يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلَّغنا رمضان"
وهكذا كان السلف ﵏ يفرحون به، ويدعون الله به، فكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم، فتكون سنتهم كلها اهتماماً برمضان.
وفي حديث مرفوع رواه ابن أبي الدنيا أن النبي ﷺ قال: "لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان".
стр. 889
ونشاهد الناس عامة، مطيعهم وعاصيهم، أفرادهم وجماعاتهم، يفرحون بحلول الشهر الكريم، ويظهرون جداً ونشاطاً عندما يأتي أول الشهر؛ فنجدهم يسارعون الخُطا إلى المساجد، ويكثرون من القراءة ومن الأذكار، وكذلك نجدهم يتعبدون بالكثير من العبادات في أوقات متعددة، ولكن يظهر في كثير منهم السأم والتعب بعد مدة وجيزة! فيقصِّرون، أو يخلّون في كثير من الأعمال! نسأل الله العافية.
ثانياً: من فوائد الصيام:
إن الله ما شرع هذا الصيام لأجل مس الجوع والظمأ، وما شرع هذا الصيام لأجل أن نعذب أنفسنا، بل لابد من فوائد لهذا الصيام قد تظهر وقد تخفى على الكثير، ومن هذه الفوائد:
١- حصول التقوى:
فإن الله لما أمر بالصيام قرنه بالتقوى، كما في قول الله تعالى: ((كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) (البقرة:١٨٣) ، فجعل التقوى مترتبة على الصيام.
ولكن متى تحصل التقوى للصائم؟
التقوى هي: توقِّي عذاب الله، وتوقي سخطه، وأن يجعل العبد بينه وبين معصية الله حاجزاً، ووقاية، وستراً منيعاً.
ولا شك أن الصيام من أسباب حصول التقوى، ذلك أن الإنسان ما دام ممسكاً في نهاره عن هذه المفطرات -التي هي الطعام والشراب والنساء- فإنه متى دعته نفسه في نهاره إلى معصية من المعاصي رجع إلى نفسه فقال:
كيف أفعل معصية وأنا متلبس بطاعة الله؟!
بل كيف أترك المباحات وأفعل المحرمات؟!!
ولهذا ذكر العلماء أنه لا يتم الصيام بترك المباحات إلا بعد أن يتقرب العبد بترك المحرمات في كل زمان؛ والمحرمات مثل: المعاملات الربوية، والغش، والخداع، وكسب المال الحرام، وأخذ المال بغير حق، ونحو ذلك كالسرقة، والنهب، وهذه محرمة في كل وقت، وتزداد حرمتها مع أفضلية الزمان كشهر رمضان.
стр. 890
ومن المحرمات كذلك: محرمات اللسان؛ كالغيبة، والنميمة، والسباب، والشتم، واللعن، والقذف، وما إلى ذلك. فإن هذه كلها محرمات في كل حال، ولا يتم الصيام حقيقة، ويثاب عليه إلا مع تركها.
روى الإمام أحمد في مسنده (٥/٤٣١) عن عبيد مولى رسول الله ﷺ : "أن امرأتين صامتا فكادتا أن تموتا من العطش، فذكرتا للنبي ﷺ ، فأعرض عنهما، ثم ذكرتا له، فأعرض عنهما، ثم دعاهما فأمرهما أن يتقيئا فتقيئتا ملء قدح قيحاً ودماً وصديداً ولحماً عبيطاً! فقال: "إن هاتين صامتا عما أحل الله، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس".
ولأجل ذلك ورد في الحديث الشريف قول النبي ﷺ : "ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث" (أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٤/٢٧٠) . وقال ﷺ : "رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر".
ويقول بعضهم شعراً:
إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض، وفي منطقي صمت
فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ وإن قلت: إني صمت يومي، فما صمت!
فلا بد أن يحفظ الصائم جوارحه.
روي عن جابر ﵁ أنه قال: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الغيبة والنميمة، ودع أذى الجار، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء" (ذكره ابن رجب في لطائف المعارف وغيره) .
فالذي يفعل الحرام وهو صائم لا شك أنه لم يتأثر بالصوم، فمن يصوم ثم يرتكب الآثام فليس من أهل التقوى، فقد ورد في الحديث قوله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
٢- حفظ الجوارح عن المعاصي:
стр. 891
ومن حِكَمِ الصيام وفوائده أن الإنسان يحفظ وجدانه، ويحفظ جوارحه عن المعاصي، فلا يقربها، حتى يتم بذلك صيامه، وحتى يتعود بعد ذلك على البعد عن هذه المحرمات دائماً.
فالإنسان إذا دعته نفسه إلى أن يتكلم بالزور، أو بالفجور، أو يعمل منكراً: من سب، أو شتم، أو غير ذلك، تذكر أنه في عبادة، فقال: كيف أتقرب بهذه العبادة، وأضيف إليها معصية؟!
ليس من الإنصاف أن يكون في وقت واحد وفي حالة واحدة جامعاً بين الأمرين: الطاعة والمعصية! إن معصيته قد تفسد طاعته، وتمحو ثوابها. فالإنسان مأمور أن يكون محافظاً على الطاعة في كل أوقاته، ولكن في وقت الصيام أشد.
وكثير من الناس وقوا أنفسهم في شهر رمضان ثلاثين يوماً، أو تسعة عشرين يوماً عن المحرمات، فوقاهم الله بقية أعمارهم منها.
وكثير من الناس كانوا يشربون الخمر، أو الدخان، وما أشبه ذلك، ثم قهروا أنفسهم في هذا الشهر، وغلبوها، وفطموها عن شهواتها، وحمتهم معرفتهم لعظم هذه العبادة ألا يجمعوا معها معصية، واستمروا على ذلك الحال، محافظين على أنفسهم، إلى أن انقضت أيام الشهر وكان ذلك سبباً لتوبتهم وإقلاعهم واستمرارهم على ذلك الترك لهذه المحرمات، فكان لهم في هذا الصيام فائدة عظيمة.
وهكذا أيضاً إذا حافظ العبد على قيامه، واستمر عليه، حمله ذلك على الإكثار من تلك العبادة فإذا تعبد الإنسان بترك المفطرات، والصيام لله تعالى، دعاه إيمانه، ودعاه يقينه، وقلبه السليم إلى أن يتقرب بغيرهما من العبادات.
فتجده طوال نهاره يحاسب نفسه ماذا عملت؟ وماذا تزودت؟
تجده طوال يومه محافظاً على وقته لئلا يضيع بلا فائدة؛ فإذا كان جالساً وحده انشغل بقراءة، أو بذكر، أو بدعاء، أو يتذكر آلاء الله وآياته.
стр. 892
وإذا كان في وقت صلاة، صلى ما كتب له من ليل أو نهار، وإن دخلت الصلاة أقبل عليها بقلبه وقالبه، وأخذ يتأمل ويتفكر ما يقول فيها؛ فيكون الصيام بذلك سبباً في كثرة الأعمال والقربات كما يكون سبباً للمنع من المحرمات.
٣- حمية للبدن:
ومن حكمة الله تعالى في هذا الصيام أيضاً أن فيه حمية للبدن عن الفضلات.
ولا شك أن الحمية من أقوى أنواع الأدوية والعلاجات، فالصيام يُكسب البدن المناعة والقوة، كما يكسبه أيضاً تدرُّباً على الصبر واحتمال الجوع والعطش، حتى إذا ما تعرض له بعد ذلك فإذا هو قد اعتاد عليه، فكان في ذلك منفعة عظيمة.
٤- تذكر الفقراء والذين يموتون جوعاً:
ومن الحكم الجليلة التي شرع لها الصيام أن يشعر الإنسان بالجوع فترة الصيام فيتذكَّر أهل الجوع دائماً من المساكين والفقراء، ليرأف بهم، ويرحمهم، ويتصدق عليهم.
فشُرع الصيام لأجل أن يتضرع الإنسان -إذا ما أحسَّ بالجوع- فيدعو ربه، كما ورد في الحديث: "إن النبي ﷺ عرضت عليه جبال مكة ذهباً، فقال: لا يا رب بل أرضى بأن أجوع يوماً، وأشبع يوماً، فإذا جُعْتُ تضرعتُ إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك" (أخرجه الترمذي برقم ٢٣٤٧ وقال حديث حسن) . فذكر أن الجوع سببٌ للتضرع والذكر. فالإنسان إذا أحس بالجوع تضرع إلى الله.
ومن الحكم في الصيام أن الإنسان يقلل من الطعام حتى يحس بأثر الجوع، فيتضرع ويدعو الله، ويتواضع له، ويكون ذاكراً له، مقبلاً إليه، متواضعاً بين يديه.
стр. 893
ونلاحظ كثيراً من الناس أنهم لا يحسون بأثر هذا الجوع في هذه الأزمنة، وذلك أنهم عند الإفطار يجمعون من المأكولات والمشتهيات ما يملؤون به بطونهم، ويستمرون في الأكل طوال ليلهم، متلذذين بأنواع المأكولات حتى إذا ما أتى النهار وقد مُلئت بطونهم مكثوا طوال نهارهم في راحة، أو في نوم أو ما أشبه ذلك إلى أن يأتي الليل فلا يحس أحدهم بأنه صائم، ولا يظهر عليه أثر الصوم.
ومن المعلوم أن هذا الحال لم يكن من الصحابة والسلف الأولين، فإنهم كانوا يقللون من المأكل في إفطارهم وفي سحورهم، ولا يأكلون إلا ما يقتاتون به ويقيم أصلابهم، كما أنهم كانوا طوال نهارهم منشغلين في أعمالهم الدينية والدنيوية، ولذلك لا بد وأن يظهر عليهم أثر الجوع والتعب، ولكنهم يحتسبون ذلك عند الله. فينبغي للمسلم ألا يكون همه المأكل، وأن يعمل حتى يكون للصوم آثاره وفوائده.
٥- تخفيف حدة الشهوة:
وقد جعل النبي ﷺ الصوم للشباب وجَاءً أي: مخففاً من حدة الشهوة كما في قوله ﷺ : "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". (متفق عليه) . ذلك أن الصوم يكسر حدة شهوة النكاح.
وكثير من الناس الآن يصومون، لكنهم لا يجدون لهذا الصيام أثراً لتخفيف حدة الشهوة، وذلك أنهم لم يذوقوا ألم الجوع والعطش والتعب، بل ظلت نفوسهم متعبة بالشهوات، وأنّى لهم أن يتركوها وقد أضافوا إلى صومهم كل ما تعف النفس عن رؤيته من أفلام خليعة ومسلسلات ماجنة.
ثالثاً: خصوصية الصيام:
стр. 894
إن الصيام عبادة بدنية قوامُها ترك المفطرات المعروفة، ولما كان ترك هذه المفطرات سراً بين العبد وبين ربه، فإنه مما لا شك فيه أنه متى تم هذا العمل فيما بين الإنسان وبين الله كان ذلك أعظم لأجره، وأجزل لثوابه. وقد ذكر ذلك كثير من العلماء، فقالوا: إن الصيام سر بين العبد وبين الله. وقالوا: إن ملائكة الحفظة لا تكتبه، لأن الإنسان إذا صام لا يطّلع عليه إلا الله.
فإذا صمت فمن الذي يراك في كل حركاتك، وفي كل أوقاتك؟!
إن من يغفل عن مراقبة الله له يمكنه أن يفعل ما يريد فيتناول طعامه وشرابه دون ما خوف من الله . ولكن العبد المؤمن يعلم أن معه من يراقبه، وأن عليه رقيب عتيد؛ يعلم أن ربه يراه قال تعالى: ((الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين)) (الشعراء:٢١٨-٢١٩) .
فإذا كان العبد يؤمن بأن الله تعالى هو المطّلع عليه وحده، كان ذلك مما يحمله على أن يخلص في عمله، كما يحمله على الإخلاص في كل الحالات، ويبقى معه في كل شهور السنة.
فإذا راقبت الله تعالى، وحفظت صيامك، في سرّك وجهرك، في الأسواق وفي البيوت، ولم تتناول ما يفسد صومك، وعرفت أن الله يراقبك فلماذا تعود إلى هذه المعاصي بعد رمضان، وقد حرّمها الله عليك؟!
إذا كان الله تعالى قد حرم علينا الكذب، والقذف، وسائر المحرمات من محرمات اللسان، ومحرمات الفرج، ومحرمات اليد، وما سواها. فلماذا نقدم عليها في غير رمضان؟!
أليس الذي يراقبنا في رمضان هو الذي يراقبنا في سائر الأوقات؟
فيجب على المسلم أن يستحضر ربه دائماً، فإنه عليه رقيب يعلم ما تكنه نفسه، يقول تعالى: ((ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)) (ق:١٦) .
الفصل الثاني
أحكام الصيام
стр. 895
إن أحكام الصيام بحمد الله واضحة جلية ذلك لأن الصيام يتردد على المسلم كل عام ويصوم الاتقياء -إضافة إلى هذا- في أثناء السنة تطوعاً طمعاً أن يثيبهم الله تعالى عليه، ولكن لا بد أن نذكر شيئاً يسيراً من أحكام الصيام.
أولاً: الصيام الواجب وصيام التطوع:
إن الصيام الواجب الذي هو فرض من فرائض الإسلام، وركن من أركانه، هو شهر رمضان، وما سواه فإنه تطوع: ((فمن تطوع خيراً فهو خير له)) (البقرة:١٨٤) .
والدليل على وجوبه وفرضه قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)) (البقرة:١٨٣) . أي: فرض عليكم. وقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس:... وذكر منها: وصوم رمضان".
والصيام فريضة كان أو نافلة: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. والذي يَلْزَمُهُ هذا الإمساك هو المكلف، أما غير المكلف كالمجنون أو الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف فهذا لا صيام عليه، وكذلك الكافر الذي طلب منه شرطه وهو الإسلام.
فالصيام إذاً يجب على المسلم المكلف، يعني البالغ العاقل القادر؛ فالمسلم يخرج الكافر، والمكلف يخرج الصغير والمجنون، والقادر يخرج المريض ونحوه من المعذورين، وإن كان يجب عليه القضاء أو الفدية.
ثانياً: مفطرات الصيام:
(أ) المفطرات الحسية:
إن المفطرات الحسية التي تنافي هذا الصيام معروفة وأهمها: الأكل، والشرب، والنكاح، ولكن يعفى في الأكل والشرب عن الناسي، فإذا فعل شيئاً منها ناسياً عُفي عنه لقول النبي ﷺ كما في الصحيح: "إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه".
ونأتي على شيء من التفصيل في هذه المفطرات:
١- الأكل والشرب:
стр. 896
إذا أفطر بهما فليس عليه إلا القضاء إذا أفطر لعذر، أما إذا أفطر لغير عذر فقد وقع في ذنب كبير كما ورد عنه ﷺ : "من أفطر يوماً في رمضان من غير عذر لم يقضه عنه صيام الدهر، وإن صامه".
فالذي يفطر في شهر رمضان متعمداً دون أن يكون له عذر من مرض أو سفر، أو نحو ذلك، يعتبر قد تهاون بهذا الركن، وأقدم على ما يفسده فهو كمن يترك الصلاة عمداً.
ويذهب بعض العلماء إلى كفر من أفطر من غير عذر، ولا حاجة به إلى الإفطار، وإنما هو تهاون، وكذلك من ترك الصلاة بدون عذر فيذهب أيضاً بعض العلماء إلى أنه كافر لكونه تهاون بما فرضه الله دون أن يكون له عذر، ولكن مع ذلك عليه التوبة، وعليه الإنابة، وعدم العودة إلى هذا الفعل، وعليه إكمال شهره، والمحافظة عليه في بقية عمره.
٢- النكاح:
إذا جامع الرجل أهله في نهار رمضان فإن عليه القضاء مع الكفارة التي هي كفارة الظهار، التي ذكرها الله تعالى في أول سورة المجادلة فقال تعالى: ((والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم)) (المجادلة:٣-٤) . فكذلك كفارة المُواقع أهله في نهار رمضان.
ويقع هذا من كثير من الشباب الذين ينامون مع أزواجهم بعد صلاة الفجر فلا يملك أحدهم نفسه وخاصة إذا كان لا ينام مع أهله في الليل، فإذا نام في النهار لم يأمن أن تثور منه الشهوة. فلذلك يرشد الشاب المسلم أن ينام مع أهله في الليل، حتى يعطي نفسه شهوته المباحة، ويسلم من تناول هذه الشهوة المحرمة في النهار، والتي توقعه في كفارة كبيرة.
وهناك مفطرات أخرى غير الأكل والشرب والجماع، ومن هذه المفطرات:
٣- القيء:
стр. 897
ثبت أنه ﷺ قال: "من استقاء عمداً فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه".
فمن تعمد إخراج القيء فإن عليه القضاء لكونه تعمد إخراج ما يفطر صومه، ومن غلبه وخرج قهراً، فلا قضاء عليه، لكونه لم يتسبب في ذلك.
٤- خروج الدم من جرح أو رعاف:
إذا خرج الدم عن غلبة فإنه لا قضاء عليه، وإذا تعمد إخراجه، فالقياس أنه يفطر كالقيء، ولكن إذا خرج بدون اختيار منه، أو كان بحاجة إلى ذلك كخلع ضرس ونحوه، فله أن يتحّفظ عن دخوله مع ريقه، أو ابتلاع شيء، فإن تحفظ فالصحيح أيضاً أنه لا يؤثر على صومه.
٥- الحجامة:
ذهب الإمام أحمد إلى أن الحجامة تفطر، واستدل بحديث الرسول ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم". وهو حديث متواتر، رواه عدد من الصحابة كما في شرح الزركشي، ولو لم يكن منه شيء في الصحيحين، ولكن منه أحاديث ثابتة عن شداد وثوبان وغيرهما لا طعن فيها على الصحيح.
وفطر الحاجم؛ في ذلك الوقت لأنه يمتص الدم ويكرر امتصاصه، فيختلط بريقه فلا يؤمن أن يبتلع منه شيئاً، ولكن في هذه الأزمنة وجدت محاجم ليس فيها امتصاص، إنما هي آلات يضغط عليها فتمسكه، وتمتص الدم، ففي هذه الحال قد يقال لا يفطر الحاجم إلا أن يكون لتسببه في إفطار غيره.
وأما المحجوم فإنه يفطر لخروج هذا الدم الكثير منه فيقاس على خروج دم الحائض.
٦- نقل الدم بالإبرة:
لو أخذ الدم فيما يسمى بالتحليل، أو التبرع لمنحه للمريض، فإذا كان هذا الدم كثيراً فإنه يلحق بالحجامة، وأما الدم القليل بالإبرة، وما يؤخذ للتحليل فالصحيح أنه لا يفطر لكونه ليس حجامة ولا يلحق بها.
٧- الضرب بالإبرة:
وفيه تفصيل:
стр. 898
فإذا كانت الحقنة مغذية ومقوية فإنها تفطر، وذلك لقيامها مقام الطعام، والشراب. فالمغذي هو الذي يدخل مع العروق ويقوم مقام الطعام والشراب، وعلى هذا فالإبر المغذية والمقوية التي تكسب البدن قوة تفطر؛ لأنها قامت مقام الأكل ونابت عنه.
أما الإبر الأخرى التي هي إبر يسيرة للتهدئة أو لتصفية الجسم، أو ما أشبه ذلك، فالأولى والصحيح أنها لا بأس بها للحاجة، ولا تفطر الصائم.
(ب) المفطرات المعنوية:
وكما أن على الصائم أن يمسك عن المفطرات الحسية كالأكل والشرب وغيره، فإن عليه أيضاً أن يمسك عن المفطرات المعنوية التي تنقص الصيام، كما ورد في الحديث الشريف: "ليس الصيام عن الطعام والشراب إنما الصيام عن اللغو والرفث" (سبق تخريجه) .
فعلى الصائم أن يمسك عن الكلام السيئ الذي فيه مضرة على غيره ومشقة، حتى يحوز أجر الصيام كما تقدم.
ثالثاً: صيام أهل الأعذار:
إذا احتاج المرء إلى الأكل أو الشرب لمرض أو لسفر أو نحو ذلك، فإنه معذور فيأكل بقدر حاجته ويقضي كما أباح الله ذلك للمريض وللمسافر لقوله تعالى: ((فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)) (البقرة:١٨٤) . ولمزيد من الفائدة فإننا نذكر بعض الأحكام الخاصة بصيام أهل الأعذار فمن ذلك:
١- صيام المسافر.
٢- صيام المريض.
٣- صيام الكبير.
٤- صيام المرأة الحامل أو المرضع والحائض والنفساء.
الفصل الثالث
قيام الليل
لا شك أن الصلاة من أفضل القربات، وأنها عبادة دينية لا تصلح إلا لله تعالى، واختصت بأعمال من القربات، مثل: الركوع والسجود، والقيام والقعود، والرفع والخفض، والدعاء والابتهال، والذكر لله، والقراءة، وغير ذلك مما اختصت به فكانت أشرف العبادات البدنية.
ولما كانت الصلاة كذلك فقد فرضها الله تعالى على عباده فريضة مستمرة طوال العام والعمر، وكررها في اليوم خمس مرات، لما لها من أكبر الأثر في حياة المسلم.
стр. 899
ولما كانت من أهم الأعمال والقربات لله تعالى، فقد شرع لعباده أيضاً أن يتقربوا بنوافلها. فمدح الذين يكثرون من الصلاة، وخصوصاً في الليل، فأمر نبيه ﷺ بقوله: ((يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً)) (المزمل:١-٤) . وقال تعالى: ((ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)) (الإسراء:٧٩) .
فأمر نبيه أن يتهجد من الليل بهذا القرآن، والأمر له شريعة لأمته، فإن أمته تبع له، فهو أسوتهم وقدوتهم.
قيام النبي ﷺ :
لقد امتثل النبي ﷺ أمر الله تعالى: ((يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلاً)) (المزمل:١-٢) ، فكان يقوم نصف الليل، أو ثلثه، أو نحو ذلك طوال سنته، وكان يصلي من الليل ما شاء، ويطيل في الصلاة.
وقد ثبت أنه ﷺ كان يخص شهر رمضان بمزيد من الاهتمام، فقد قال ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه". متفق عليه.
وقيام رمضان هو قيامه بالتهجد، بالصلاة ذات الخشوع، وذات الدعاء في هذه الليالي الشريفة.
وقد حث ﵇ أمته على هذه الصلاة، فكانوا يتقربون بها، تارة يصلونها وحدهم، وتارة يصلونها معه ﷺ ، فتوفي وهم يصلون أوزاعاً. يصلي في المسجد جماعة، أو ثلاث جماعات، أو أربع، وقد صلّى بهم ﷺ في حياته ثلاث ليال متوالية جماعة، يصلي بهم نصف الليل أو ثلثه، أو نحو ذلك.
لكنه وبعد أن رأى حرص الصحابة على قيام الليل معه ومداومتهم على ذلك وازدحام المسجد بهم خشي أن يُفرض عليهم ذلك القيام والاجتماع، فيعجزون فلا يحافظون ويستمرون عليه، فأمرهم أن يصلوا فرادى في أماكنهم.
стр. 900
ثم إن عمر بن الخطاب ﵁ جمعهم على هذه الصلاة التي تسمى صلاة التراويح، فجمعهم عليها لما أمن أنها لن تفرض عليهم؛ لأنه قد انقطع الوحي بوفاة النبي ﷺ .
فأجمع المسلمون أهل السنة على هذا التهجد خلافاً للرافضة، وبقي كذلك إلى هذا الزمان يصلون في مساجدهم جماعة عشرين ركعة، أو ثلاث عشرة، أو ستاً وثلاثين، أو إحدى وأربعين، على حسب اجتهادات العلماء.
فرأى بعضهم أن يصلي إحدى وأربعين ركعة كما أثر ذلك عن مالك وغيره من الأئمة.
ورأى آخرون أن يصلي سبعاً وثلاثين في صلاة الوتر، أو تسعاً وثلاثين، وقالوا: إن هذا يخفف على الناس، ويكون فيه قطع لليالي في الصلاة.
ورأى آخرون أن يصلي ثلاثاً وعشرين، واختار ذلك أكثر العلماء كما حكاه الترمذي عن أكثر الأئمة.
ورأى آخرون أن يصلوا إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ركعة.
والكل جائز، ولكن لابد أن تكون الصلاة باطمئنان وخشوع وخضوع وحضور قلب، حتى تحصل الحكمة والفائدة التي لأجلها شرعت الصلاة.
وقد أجاز العلماء الزيادة على إحدى عشرة ركعة، واعتبروا ذلك بالزمان، فقالوا: إن من صلى تسعاً وثلاثين ركعة في ساعتين كمن صلى إحدى عشرة في ساعتين، فيكون الأجر على قدر الزمان، لا على قدر العدد، أو كثرة الركعات.
قيام السلف ﵃:
стр. 901
كانت سُنة السلف ﵏ أنهم يصلون هذه الصلاة في نصف الليل، أو في ثلثه؛ أي ثلاث ساعات، كلها في تهجد، فإذا كان الليل طويلاً صلوا أربع ساعات أو أكثر، وإن كان قصيراً صلوا نحو ثلاث ساعات كلها في التراويح. هكذا كانت صلاتهم، فإما أن يقللوا عدد الركعات ويطيلوا القيام والركوع والسجود، وإما أن يزيدوا في عدد الركعات ويخففوا الأركان، ويقللوا القراءة، حتى تكون بمقدار هذه الساعات الثلاث أو الأربع أو نحوها. وقد روى مالك وغيره أنهم أحياناً يحيون الليل فلا ينصرفون إلا قرب الفجر بحيث يستحثون الخدم بإحضار السحور.
ولكن في هذه الأزمنة، نشاهد أن الناس قد استولى عليهم الكسل وشغلتهم أمور دنياهم، فصاروا ينظرون لمن يصلي ربع هذه الصلاة أو ثلثها، فيعدونه مكثراً، بل يعدون القراءة المتوسطة، طويلة! وإذا قرأ إمامهم عليهم سورة فأطالها، يقول قائلهم: أطلتَ فخفِّف!!
ولا شك أن الذين يملُّون من هذه الصلاة هم الكسالى الذين لا يرغبون في هذه العبادة، ذلك أن من فضل هذه الصلاة أن يجعلها المؤمن سرور قلبه، وراحة بدنه، وينبغي أن يجعلها المؤمن قرة عينه كما كانت قرة عين النبي ﷺ .، وينبغي للمسلم أن يجعل جنس الصلاة راحة بدنه، وشفاءه ودواءه، وأن يستعين بها على حاجاته، أليس الله تعالى يقول: ((واستعينوا بالصبر والصلاة)) (البقرة:٤٥) ؟!
وروي أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. فإذا دخل في الصلاة نسي همومه وغمومه، وخلي بربه، وسُرّ قلبه بأنسه بالله تعالى.
стр. 902
فهذه هي الحكمة من إطالة الصلاة ومن الركون إليها. فالذين يستثقلون هذه الصلاة إذا صلى أحدهم في ساعة، أو نحوها أو أقل من ذلك عَدُّوا ذلك إطالة وتنفيراً هم الكسالى مع أن هذا نقص للصلاة وعدم طمأنينة، وإخراج لها عن ماهيتها؛ فإنا مأمورون في الصلاة أن نقرأ ونرتل، ومأمورون أن لا ننقص في رمضان عن ختم القرآن مرة أو مرتين.
ولقد كان السلف ﵏ يقرؤون، ويزيدون في القراءة؛ فكانوا يقرؤون سورة البقرة في ثماني ركعات -وهي جزآن ونصف الجزء تقريباً- ونحن نرى أن بعض أهل زماننا يصلي سورة البقرة في ثمانين ركعة!!
فأين الفرق بين أولئك، وهؤلاء؟!!
ونرى آخرين يقتصرون على نصف القرآن أو ثلثيه!! ولا شك أن هذا هو الكسل بعينه!
ونقول لمن يرغب أن يقتدي بنبيه ﷺ ، وأن يكون حقاً من أتباعه، عليه أن يأتي بهذه الصلاة بطمأنينة -سواء رغب المصلون أم لم يرغبوا- فيبين لهم أن هذه هي الصلاة التي تجزئ في القيام وهي التي حث عليها الرسول ﷺ أن تكون في خشوع واطمئنان، وهي ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة وتابعيهم ﵃ أجمعين.
فالقراءة المعتادة أن يختم القرآن في ليلة سبع وعشرين، أو نحوها. وقد أدركت أئمة يختمون في رمضان ثلاث ختمات، حيث إنهم مع أناس يحبون سماع القرآن، ويحبون الخشوع في الصلاة، وإطالتها بينما هناك أناس لا يقرؤون إلا قدراً قليلاً من القرآن.
فإذا كنت إماماً لأناس فعليك أن تصلي بهم الصلاة النبوية، التي تكون بها مدركاً للحكمة من هذه العبادة، محصلاً للثواب والأجر الذي أعده الله لمن قام الليل وتهجد، ورتل القرآن ترتيلاً.
تنبيه:
وهنا أنبه على أمر مهم لمن كان من عادته قيام الليل (أي التهجد) طوال السنة فإنه لا ينبغي له أن يقطع عادته السنوية لأن الصلاة آخر الليل مشهودة، كما ذكر ذلك النبي ﷺ .
стр. 903
فإذا صليت أول الليل ما تيسر لك من هذه التراويح فحافظ أيضاً على صلاة آخر الليل بما تستطيعه قلّ أو كثر، وبهذا تكون محافظاً على العبادات.
وهكذا أيضاً تحافظ على السنن الرواتب -التي قبل الصلاة وبعدها- فإذا طمعت في الزيادة في هذا الوقت فلا تدخر وسعاً.
روي عن بعض السلف: أن الأعمال تضاعف في شهر رمضان، فركعة في رمضان تعدل ألف ركعة فيما سواه، والحسنة فيه بألف حسنة فيما سواه، والفريضة تعدل سبعين فريضة فيما سواه، ومن تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه. كما ذكر ذلك ابن رجب ﵀ في وظائف رمضان.
الفصل الرابع
الاعتكاف
حقيقة الاعتكاف:
الأصل في الاعتكاف أنه الإقامة في المكان طويلاً، ولزومه، والاشتغال فيه، وكان المشركون يعكفون عند الأوثان كما في قوله تعالى: ((فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم)) (الأعراف:١٣٨) . وقول إبراهيم ﵇: ((ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)) (الأنبياء:٥٢) . وقولهم: ((نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين)) (الشعراء:٧١) .
وجعل الله عكوف المسلم واعتكافه لزوم المسجد، فقال تعالى: ((أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)) (البقرة:١٢٥) . وقال تعالى: ((ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد)) (البقرة:١٨٧) . فجعل العكوف لزوم المساجد.
فالأصل أن المعتكف يفرّغ نفسه وينفرد في مكان ويشغل نفسه بالعبادة، وينقطع عن الدنيا وينقطع عن أهلها.
فالاعتكاف هو لزوم المسجد طاعة لله تعالى، والقصد منه التفرغ للعبادة. وأن لا يخرج من المسجد إلا لضرورة ملحة لا يجد منها بداً، كأن يحضر طعامه وشرابه إذا لم يجد من يحضره له، وكذلك الخروج للخلاء وللوضوء وغير ذلك.
قال ابن رجب ﵀: معنى الاعتكاف وحقيقته: "قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق".
الحكمة من الاعتكاف:
стр. 904
إن الحكمة من الاعتكاف الانقطاعُ عن الدنيا، وعن الانشغال بها وبأهلها، والتفرغ للعبادة، والاستكثار منها. وإنما كان الاعتكاف في المساجد لأجل ألا يترك صلاة الجماعة مع المسلمين التي هي علامة وشعيرة من شعائر الإسلام.
فضل الزمان وفضل المكان:
فإذا عزم المسلم على الاعتكاف فعليه أن يختار المسجد الذي تصلى فيه الجمعة، حتى لا يخرج إلا عند انتهاء مدة الاعتكاف، والأفضل أن يكون في زمان فاضل تضاعف فيه العبادات حتى يجمع بين فضل الزمان وفضل المكان.
فالاعتكاف مثلاً في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى له ميزته، وذلك لفضل العبادة بتلك المساجد، وأما بقية مساجد الدنيا فإنها متساوية إلا أن المسجد الذي يكون قديماً تكون العبادة فيه أفضل لقدم العبادة فيه فيختار المسجد الأقدم.
مدة الاعتكاف:
إذا أراد المسلم أن يعتكف؛ فأقل الاعتكاف يوم وليلة، يعني أربعاً وعشرين ساعة حتى يصدق عليه أنه معتكف، وما عدا ذلك فيه خلاف؛ فبعضهم يرى أن من اعتكف يوماً أي من طلوع الشمس إلى غروبها، أو ليلة من غروبها إلى طلوعها يكون اعتكافاً، وبعضهم يرى أنه لابد من يوم وليلة حتى يتحقق الحديث.
محظورات الاعتكاف:
يشتغل المعتكف بكل ما يقربه إلى الله من صلاة وتلاوة للقرآن الكريم ومدارسته، كما أنه ينقطع عن العلاقات الدنيوية فينقطع عن الزيارات، فلا يفتح باب الزيارة لمن يزوره إلا قليلاً لحاجته. فقد ثبت أن بعض نساء النبي ﷺ كنّ يأتين إليه وهو معتكف ويتحدثن معه قليلاً.
أما فتح باب الزيارة للأهل والأولاد والأصدقاء فإنه يجعل المسجد كالبيت، لا فرق بينهما، كما أنه يفتح الباب أمام الكلام الذي لا فائدة منه.
стр. 905
وكذلك على المعتكف ألا ينشغل بالدنيا وبأهلها، فلا يسال من رأى، ولا من سمع عن أمر من أمور الدنيا، ولا عن خبر من أخبارها، ولا يهتم بأمر من أمورها. وبعد ذلك يعكف على العبادة؛ فينتقل من جنس الصلاة سواء التراويح أو غيرها، أو التقرب بالرواتب ونحوها، ينتقل إلى القراءة والذكر، والدعاء والابتهال إلى الله، وما أشبه ذلك مع حضور القلب حتى يجمع بين خشوع القلب وحضوره، وبين التكلم باللسان مع اتصافه أيضاً بالخشوع والخضوع.
ولأجل ذلك ذكر ابن رجب أن بعضهم يقول في تعريف الاعتكاف: (أنه قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق) . والعلائق بمعنى العلاقات فتقطع علاقتك بفلان وفلان، وتنقطع منها عن جميع الخلائق، ويتصل قلبك بربك بحيث يكون ذكر الله على قلبك دائماً، نائماً ويقظان، قائماً وقاعداً ومضطجعاً.
تذكر الله في كل حالاتك، وتتأمل، وتعقل ما تقول إذا كنت مشتغلاً بذلك. وإن قرأت القرآن قرأته بتدبر.
وقد أدركنا قبل أربعين سنة، أو خمسين سنة آباءنا ومشايخنا كانوا يعتكفون، ولا يُخلُّونَ بالاعتكاف، وكانوا يعكفون على القرآن، حيث رزقهم الله حفظ القرآن وسهولته، فكانوا يختمونه كل يوم غالباً، أو كل يومين مع التدبر!! ذلك لأنه شغلهم الشاغل في ليلهم ونهارهم، إلا أنه فقط يؤتى بأكله، بفطوره وسحوره، وأحياناً يقتصر على السحور. فيتناول في الإفطار تمرات قليلة، ولا يتناول عشاءً، ويجعل عشاءه سحوراً.
هكذا أدركنا مشايخنا؛ يخرج الواحد منهم لقضاء الحاجة فقط، وللوضوء، لا يعود مريضاً، ولا يشهد جنازة، ولا يعود أهله، ولا يفتح باب زيارة ولا غير ذلك.
стр. 906
هكذا المعتكف الذي يريد أن يكتب له أجر هذا الاعتكاف، ويقتدي في ذلك بسنة نبيه ﷺ ، فإنه ﷺ ما ترك الاعتكاف في سنة من السنوات إلا سنة واحدة في رمضان لما دخل معتكفه اعتكف معه بعض نسائه، وضربت كل واحدة منهن قبة، فلما رأى الأقبية في المسجد أنكر ذلك، وعرف أن هذا منافسة. فعند ذلك ترك الاعتكاف تلك السنة واعتكف في شوال، وكان في الغالب يعتكف في العشر الأواخر من رمضان. واعتكف مرة أو مرتين في العشر الأوسط.
والاعتكاف -كما سبق- كان للاستكثار من الطاعة، ولطلب أن يحظى العبد بالمغفرة، والمغفرة لها أسباب، ومن أسبابها في رمضان: الصيام إيماناً واحتساباً. وقيام رمضان إيماناً واحتساباً. وكذلك قيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً. فيحرص العبد على أن يحظى بسبب من أسباب مغفرة الذنوب التي اقترفها فيما مضى من عمره.
الفصل الخامس
إحياء العشر الأواخر من رمضان
إذا علمنا أن شهر رمضان هو أفضل الشهور، كانت نتيجة ذلك أن نجتهد فيه اغتناماً لفضله، وإذا علمنا أن العشر الأواخر هي أفضل أيامه، وأفضل لياليه، كانت نتيجة ذلك أن نكثر الاجتهاد فيها، وألا نضيع منها وقتاً في غير منفعة.
وهذه الأيام العشر يستحب فيها أربعة أشياء:
١- إحياؤها كلها.
٢- زيادة الاجتهاد فيها بالأعمال الأخرى.
٣- إظهار النشاط فيها والقوة.
٤- الاعتكاف واعتزال الشهوات والملذات.
إحياء الرسول ﷺ العشر الأواخر:
ثبت في الصحيح عن عائشة ﵂ أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر". وكذلك روي عنها أنها قالت: "كان رسول الله ﷺ يخلط العشرين من رمضان بصلاة ونوم، فإذا كان في العشر لم يذق غمضاً". أي: في الليالي العشر لا يذوق غمضاً، بل يقوم ليله كله دون نوم.
стр. 907
وفي حديث آخر: "إذا دخل العشر طوى فراشه". يعني: فراش النوم ليلاً في آخر ليالي الشهر. وفي حديث آخر تأكيد الإحياء بقولها: "وأحيا ليله كله".
أقسام الناس في إحياء العشر الأواخر:
ينقسم الناس في إحياء هذه الليالي إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: يحيونها بالعبادات:
هناك من يحيون العشر الأواخر من رمضان بالعبادات، فيحيونها بالصلاة، وطول القيام والركوع والسجود، اقتداءً بفعل نبيهم ﷺ فقد كان يديم الصلاة في هذه الليالي؛ فإنه صلى ليلة ببعض صحابته حتى خشوا أن يفوتهم السحور، وكذلك صلى مرة ومعه رجل من أصحابه -وهو حذيفة- فقرأ في ركعة واحدة ثلاث سور: سورة البقرة وسورة آل عمران، وسورة النساء، يقرأ بتدبر، ويقف عند آية الرحمة فيسأل، وعند آية العذاب فيتعوذ، يقول: فما صلى ركعتين، أو أربع ركعات حتى جاءه المؤذن للصلاة.
وهذا هو الأصل في إحياء هذه الليالي، فتجد المجتهدين قبل سنوات يهتمون بهذه الليالي، ويولونها زيادة نشاط وعبادة، اقتداءً بفعل نبيهم ﷺ بحيث إنهم يزيدون في قيام هذه الليالي، ويقطعون الليل كله في الصلاة، فيصلون عشر ركعات، ويقرؤون فيها نحو جزء ونصف، ثم يستريحون نحو نصف ساعة ثم يصلون أربع ركعات بسلامين في ساعتين، أو ساعة ونصف على الأقل يقرؤون فيها ثلاثة أجزاء، أو جزئين ونصفاً، ثم يستريحون نحو ساعة أو أقل، ثم يصلون ست ركعات تستغرق ساعتين ونصفاً، أو ثلاث ساعات، يقرؤون فيها أيضاً ثلاثة أجزاء أو ثلاثة ونصفاً، ثم يستريحون قليلاً، ثم يصلون الوتر، فيكون ليلهم كله عامراً بالصلاة، وإنما يتخللها فترات راحة، وذلك اقتداء بما كان عليه السلف والصحابة ومن بعدهم.
стр. 908
وكان الصحابة يصلون في ليالي رمضان ثلاثاً وعشرين ركعة، وربما صلى بعضهم، أو بعض التابعين كما عند الإمام مالك في رواية ستاً وثلاثين، وعند الإمام الشافعي يصلي في ليالي رمضان إحدى وأربعين ركعة في رواية عنه فيصلون أربع ركعات، وتستغرق نصف ساعة، يستريحون بعدها نحو خمس أو عشر دقائق، ثم يصلون أربعاً وهكذا، ولذلك سموا هذا القيام بالتراويح حيث إنهم يرتاحون بعد كل أربع ركعات. فهذه الأفعال هي حقاً إحياء لهذه الليالي في العبادة.
ويدخل في إحياء تلك الليالي أيضاً إحياؤها بالقراءة؛ فإن هناك من يسهر ليالي العشر يصلون ما قدر لهم، ثم يجتمعون حلقات، ويقرؤون ما تيسر من القرآن في بيت من بيوت الله في المساجد، أو في بيت أحدهم رجاء أن تُحقَّق الفضائل التي رتبت على ذلك، وقد قال رسول الله ﷺ : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده".
فإذا اجتمع جماعة، عشرة أو عشرون، أو نحو ذلك يقرؤون القرآن؛ يقرأ أحدهم، وبقيتهم يستمعون له، ناظرين في مصاحفهم، ثم يقرأ الثاني، حزباً أو نصف حزب، أو ربعه، ثم يقرأ الثالث.. وهكذا، فيصدق عليهم أنهم يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، فيُحيون ليلهم بالطاعات والقربات.
كذلك إذا أحيوا الليل بتعلم أو تعليم كان ذلك أيضاً أحياءً لهذه الليالي بطاعة. فإذا أحيينا ليلنا أو جزءاً من ليلنا في تعلُّم علوم دينية، كان ذلك إحياء لهذه الليالي بطاعة تنفعنا إن شاء الله.
فهؤلاء هم الذين ربحوا ليلهم، واستفادوا من وقتهم.
القسم الثاني: يحيونها في التكسب وفي التجارات:
стр. 909
ويندرج في هذا القسم أولئك الذين يحيون ليلهم في التكسب، في تجاراتهم، وفي صناعاتهم وفي دكاكينهم؛ وهؤلاء قد ربحوا نوعاً من الربح، وهو ربح عابر؛ ربح دنيوي، لكنه قد يكون عند بعضهم أنفس وأغلى ثمناً مما حصل عليه أهل المساجد، وأهل القراءات، وأهل العلم! ولكنهم في الحقيقة قد خسروا أكثر مما ربحوا، فترى أحدهم يبيت ليله كله في مصنعه، أو في متجره أو حرفته، أو نحو ذلك. فهذا قد أسهر نفسه، وأحيى ليله، ولكن في طلب الدنيا الدنيئة!
فإذا كان ممن رغب عن الأعمال الأخروية، وزهد فيها، وأقبل على الدنيا بكليته، وانصرف إليها ولم يعمل لآخرته، خيف عليه أن يكون ممن قال الله تعالى في حقهم: ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفِّ إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون)) (سورة هود:١٥-١٦) .
وهذه الآية فيمن جعل دنياه أكبر همه، ونسي أو تناسى الآخرة، ولم يعمل لها، وكان مقصده وديدنه السعي وراء هذا الحطام؛ بل جعلها هي مقصده، لا يعمل ولا يسعى ولا يكدح إلا لها، حتى كأنها معبوده، فيصدق عليه أنه عابد لدنياه، وأنه عابد لدرهمه وديناره، ويتحقق عليه التعس، ويدعى عليه بقول النبي ﷺ : "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة".
ولكن بعضهم قد يحصل على جزء من الصلاة والقراءة ولا يكون غافلاً عن ربه ولا متغافلاً عن الذكر، ولا منشغلاً عن القراءة، فيستصحب معه -مثلاً- كتاب الله يقرأ فيه في أوقات فراغه، ويذكر ربه في أوقات فراغه، ويصلي ما قدر له، ويأتي بورد صغير معه. وهذا قد ربح نوعاً من الربح، وإن لم يكن الربح الأكمل، فهذا على طرف، لكن فاته الخير الكثير.
القسم الثالث: يحيونها في اللهو واللغو:
стр. 910
ويشمل أغلبية الناس؛ فإننا نراهم يحيون ليلهم، ولكن في لهو، وسهو!! فتراهم يجتمعون في بيوتهم ومجالسهم يتبادلون الفكاهات والضحك، والقيل والقال، وربما تجاوز الأمر بهم إلى الغيبة، وإلى النميمة، وإلى الكلام في أعراض الناس، وما أشبه ذلك، ولا يذكرون الله في مجالسهم إلا قليلاً، ولا يستصحبون شيئاً من القرآن، ولا من كتب الدين والعلم!
وينقطع ليل أحدهم، أو ليل جماعتهم ليس لهدف سوى نوم النهار، هكذا قصدوا! فيفوت عليهم الأمران:
الأول: أنهم لا يشاركون المصلين في الصلوات، ولا يشاركون القراء في قراءتهم.
والثاني: أنهم لا يشاركون أهل الأرباح الدنيوية في أرباحهم، فيفوت عليهم هذا وهذا!
ولا يحزنون على خسارتهم، وأي خسارة تلك التي لا يشعرون بها؟! ألا وهي مضي هذه الأيام والليالي الشريفة دون أن يستغلوها، ودون أن يستفيدوا منها.
فما أعظم خسارتهم! وما أعظم حسرتهم حينما يرون أهل الأرباح قد تقاسموا الأرباح! وحينما يرون أهل الحسنات قد ضوعفت لهم حسناتهم. فهؤلاء لا خير دين، ولا خير دنيا، بل ربما يكتسبون مآثم بكلام لا فائدة فيه؛ فإن كلام ابن آدم مكتوب عليه، يقول الله تعالى: ((ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)) (ق:١٨) .
ويقول النبي ﷺ : "كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله ومن والاه، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر".
ويصدق على ذلك قول الله تعالى: ((لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)) (النساء:١١٤) .
وهؤلاء قد يكتب عليهم ما يُسألون عنه، ويحاسبون عليه: لماذا قلتم كذا؟ ولماذا تكلمتم بكذا؟ ولماذا لم تستخدموا ألسنتكم التي سخرها الله لكم في ذكر الله؟ ولماذا أبعدتم آذانكم عن استماع ما فيه طاعة الله تعالى، وفيما يرضيه؟ فلا يجدون لهذا السؤال جواباً!
القسم الرابع: يحيونها في المعاصي كبيرها وصغيرها:
стр. 911
وهؤلاء كثير أيضاً -والعياذ بالله- وهم الذين يحيون هذه الليالي الشريفة في ضد الطاعة! فتراهم يسهرون على آلات اللهو، والمجون: ينصتون إلى الأغاني الفاتنة، وإلى الأشرطة الماجنة، وإلى رؤية الصور والأفلام الخليعة!
وربما زادوا على ذلك هذه النظرات التي ينظرونها إلى ما يثير الشهوات المحرمة؛ فإن سماع هذه الأغاني الفاتنة يزرع في القلوب محبة الزنا والفساد؛ فيدفعهم ذلك إلى طلب المحرمات. وكذلك فإن مشاهدتهم لتلك الصور الخليعة تزرع في قلوبهم محبة الشرور فتدفعهم اندفاعاً كلياً إلى أن يأتوا ما لا يحل لهم من زنا، أو شرب خمر، أو ما أشبه ذلك. وكثير منهم لا تحلو مجالسهم ولا تلذّ إلا إذا شنَّفوا أسماعهم بالأغاني الخليعة! ومتّعوا أعينهم بالصور الهابطة! وعطَّروا أفواههم بالكلام القبيح! وملأوا شهواتهم وبطونهم بالأشربة المحرمة من خمر ونحوها! فيجمعون بذلك بين ترك الطاعة، وارتكاب المعصية، أو ما يسبب محبة المعصية.
فمثل هؤلاء مع كونهم محرومين، فإنهم آثمون إثماً كبيراً، وهؤلاء موجودون بكثرة، ويشكو منهم كثير من الهيئات ممن يأمرون بالمعروف، أو ينهون عن منكر بكثرة، وغالباً ما يعثرون عليهم حتى في نهار رمضان ويقبض عليهم وهم في سكر!! فلا صيام، ولا ابتعاد عن المحرمات! وسبب ذلك أنهم طوال ليلهم وهم يتفكرون بهذه المحرمات كما زعموا! فيتمادى بهم ذلك إلى محبة هذه المعاصي، والتلذذ بها، فيستعملونها في النهار ويتركون الصيام، الذي هو ركن من أركان الإسلام، ويجمعون بين المعصية وترك الطاعة -والعياذ بالله-.
وكثيراً ما يختطفون النساء في الأسواق! ويتابعونهن، ويلمزونهن! وذلك كله من أسباب ضعف الإيمان وقلته في القلوب، وحلول المعاصي ومقدمات الكفر بدلاً منه.
فهذه أقسام الذين يحيون هذه الليالي، فليختر المسلم لنفسه ما يناسبه من هذه الأقسام!!
استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر:
стр. 912
ورد في حديث عائشة: "أنه ﷺ كان إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجَدَّ". والجدّ هو: بذل الجهد في طلب الطاعات، أو في فعلها، أي: بذل ما يمكنه من الوسع.
وذلك يستدعي أن يأتي الطاعة بنشاط، ورغبة، وصدق ومحبة. ويستدعي أن يبعد عن نفسه الكسل، والخمول، والتثاقل، وأسباب ذلك، ففي أي شيء يكون هذا الجدّ؟
* الجد في الصلاة؛ فيصلي في الليل والنهار ما استطاع.
* والجد في القراءة؛ أن يقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر وخشوع وقلب حاضر.
* والجد في الذكر؛ أن يذكر الله ولا ينساه، ولا زال لسانه رطباً بذكر الله.
* والجد في الدعاء؛ أن يدعو ربه تضرعاً وخفية وأن يكثر من الدعاء.
* والجد في الأعمال الخيرية المتعددة من النصائح والعبادات، وما أشبه ذلك.
* والجد في العلم والتعلم وما يتصل بذلك، أي الاجتهاد في الأعمال كلها.
إيقاظ الأهل في العشر الأواخر:
ويدخل في ذلك أمر الأهل -وهم الأولاد والنساء- بالصلاة، فيستحب للمسلم أن يوقظ أهله بهدف الصلاة، وأن يذكرهم بفضلها.
وكان السلف ﵏ يوقظون أهليهم حتى في غير رمضان. وكان عمر ﵁ إذا كان آخر الليل أيقظ أهله كلهم، وأيقظ كل صغير وكبير يطيق الصلاة، وكان يقرأ قول الله تعالى: ((وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)) (طه:١٣٢) .
يستشهد بهذه الآية على الحرص على صلاة النافلة، وذلك دليل على محبة الصحابة والسلف ﵃ للإكثار من أعمال الخير في الليل والنهار.
لذلك يتأكد على المسلم أن يوقظ أهله وإخوته، وأولاده ونساءه، ومن يتصل به، ومن له ولاية عليه، يوقظهم لأجل أن يقوموا في هذه الليالي الشريفة. فهي ليال محصورة، إنما هي عشر ليال، أو تسع ليال إذا لم تكتمل ليالي الشهر إلى ثلاثين ليلة بأن كان الشهر ناقصاً يوماً، فلا تفوت على الإنسان الباحث عن الخير أن يغتنمها، ويستغل أوقاتها.
стр. 913
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قام الرجل للصلاة وأيقظ أهله فصليا كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات".
وقد وردت أحاديث بفضائل كثيرة في إيقاظ الأهل في مثل هذه الليالي وغيرها.
إظهار النشاط والقوة في العشر الأواخر:
ثبت عنه ﷺ أنه كان في ليالي العشر يغتسل كل ليلة بين العشائين أو بعد العشاء، والقصد من هذا الاغتسال أن يأتي الصلاة بنشاط بدن، ومن نشاط البدن يأتي نشاط القلب.
ومن احترام هذه الليالي وتعظيمها أن النبي ﷺ وصحابته كانوا يتجملون لهذه الليالي فيلبس أحدهم أحسن ثيابه، ليكون ذلك أيضاً أنشط لبدنه، وأنشط لقلبه، حتى إن كثيراً منهم يتجملون في هذه الليالي بثياب لا يلبسونها لغيرها.
ومما يفعلونه للنشاط والقوة استعمالهم للطيب في البدن، وفي الثوب، وفي المساجد، فكانوا يستعملون النضوح، والنضوح هي: الأطياب السائلة حتى يكون الإنسان طيب الريح، ويكون بعيداً عن الروائح الكريهة لأن الملائكة تحب الريح الطيب، وتتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، وكذلك يطيبون مساجدهم بالنضوح، وبالدخنة التي هي المجامر.
فمثل هذه مما تكسب النشاط في البدن، والنشاط في القلب، ومتى كان القلب والبدن نشيطين لم يملّ الإنسان ولم يكل، ومتى كان البدن كسولاً ضعف قلبه، وملّ من العبادة، وكسل عنها.
وكثيراً ما يذم الله تعالى أهل الكسل، كما ذكر الله تعالى ذلك في وصفه المنافقين بقوله تعالى: ((وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)) (النساء:١٤٢) .
فالمسلم يأتي بالأعمال التي تحبب إليه العبادة وتجعله منشرح القلب، مقبلاً عليها بكليته، غير غافل ولا ساه، بعيداً عن كل ما يلهي القلب ويشغله عن طاعة مولاه .
الفصل السادس
القرآن والذكر في رمضان
القرآن في رمضان:
стр. 914
معلوم أن رمضان شهر له خصوصية بالقرآن. قال الله تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) (البقرة:١٨٥) .
فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، وفي ليلة منه هي ليلة القدر، لذا كان لهذا الشهر مزية بهذا القرآن.
وكان النبي ﷺ يعرض القرآن في رمضان على جبريل ﵇، فكان يدارسه القرآن.
فعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن".
فكونه يخص ليالي رمضان بمدارسته، دليل على أهمية قراءة القرآن في رمضان.
ومعلوم أن الكثير من الناس يغفلون عن قراءة القرآن في غير رمضان، فنجدهم طوال السنة لا يكاد أحدهم يختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتين، أو ربما نصف ختمة في أحد عشر شهراً، فإذا جاء رمضان أقبل عليه وأتم تلاوته.
ونحن نقول: إنه على أجر، وله خير كبير، ولكن ينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذين يجهرونه، قال تعالى: ((وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)) (الفرقان:١٧) .
* ومن هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتماً به طوال العام إلا قليلاً.
* ومن هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، ولم يتعقله.
* ومن هجرانه أن القارئ يقرأه لكنه لا يطبقه، ولا يعمل بتعاليمه.
وأما الذين يقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته.
ويجب على المسلم أن يكون مهتماً بالقرآن، ويكون من الذين يتلونه حق تلاوته، ومن الذين يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عند عجائبه، ويعتبرون بأمثاله، ويعتبرون بقصصه وما فيه، ويطبقون تعاليمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن يعمل به ويطبق، وإن كانت تلاوته تعتبر عملاً وفيها أجر.
стр. 915
وفضائل التلاوة كثيرة ومشهورة، ولو لم يكن منها إلا قول النبي ﷺ : "من قرا حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". فجعل في قراءة آلم ثلاثين حسنة.
وفضائل التلاوة كثيرة لا تخفى على مسلم، وفي ليالي رمضان وأيامه تشتد الهمة له. كان بعض القراء الذين أدركناهم يقرؤون في كل ليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على وجه الاجتماع؛ يجتمعون في بيت، أو مسجد، أو أي مكان، فيقرؤونه في كل عشرة أيام مرة. وبعضهم يقرأ القرآن ويختمه وحده.
وقد أدركت من يختم القرآن كل يوم مرة أو يختم كل يومين مرة! فقد يسره الله وسهله عليهم، وأشربت به قلوبهم، وصدق الله القائل: ((ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر)) (القمر:١٧) . وقال: ((فإنما يسَّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون)) (الدخان:٥٨) .
فمن أحب أن يكون من أهل الذكر فعليه أن يكون من الذين يتلون كتاب الله حق تلاوته، ويقرأه في المسجد، ويقرأه في بيته، ويقرأه في مقر عمله، لا يغفل عن القرآن، ولا يخص شهر رمضان بذلك فقط.
فإذا قرأت القرآن فاجتهد فيه؛ كأن تختمه مثلاً كل خمسة أيام، أو في كل ثلاثة أيام، والأفضل للإنسان أن يجعل له حزباً يومياً يقرأه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، وهكذا. لابد أن تبقى معك آثار هذا القرآن بقية السنة ويحبب إليك كلام الله، فتجد له لذة، وحلاوة، وطلاوة، وهنا لن تمل من استماعه، كما لن تمل من تلاوته.
هذه سمات وصفات المؤمن الذي يجب أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله تعالى وخاصته.
أما قراءة القرآن في الصلاة، فقد ذكرنا أن السلف كانوا يقرؤون في الليل فرادى ومجتمعين قراءة كثيرة. فقد ذكروا أن الإمام الشافعي ﵀ كان يختم في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، في غير الصلاة؛ لأنه يقرأ في الصلاة زيادة على ذلك.
следующие страницы →