Полный текст (1 746 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وهؤلاء كثير أيضاً -والعياذ بالله- وهم الذين يحيون هذه الليالي الشريفة في ضد الطاعة! فتراهم يسهرون على آلات اللهو، والمجون: ينصتون إلى الأغاني الفاتنة، وإلى الأشرطة الماجنة، وإلى رؤية الصور والأفلام الخليعة!
وربما زادوا على ذلك هذه النظرات التي ينظرونها إلى ما يثير الشهوات المحرمة؛ فإن سماع هذه الأغاني الفاتنة يزرع في القلوب محبة الزنا والفساد؛ فيدفعهم ذلك إلى طلب المحرمات. وكذلك فإن مشاهدتهم لتلك الصور الخليعة تزرع في قلوبهم محبة الشرور فتدفعهم اندفاعاً كلياً إلى أن يأتوا ما لا يحل لهم من زنا، أو شرب خمر، أو ما أشبه ذلك. وكثير منهم لا تحلو مجالسهم ولا تلذّ إلا إذا شنَّفوا أسماعهم بالأغاني الخليعة! ومتّعوا أعينهم بالصور الهابطة! وعطَّروا أفواههم بالكلام القبيح! وملأوا شهواتهم وبطونهم بالأشربة المحرمة من خمر ونحوها! فيجمعون بذلك بين ترك الطاعة، وارتكاب المعصية، أو ما يسبب محبة المعصية.
فمثل هؤلاء مع كونهم محرومين، فإنهم آثمون إثماً كبيراً، وهؤلاء موجودون بكثرة، ويشكو منهم كثير من الهيئات ممن يأمرون بالمعروف، أو ينهون عن منكر بكثرة، وغالباً ما يعثرون عليهم حتى في نهار رمضان ويقبض عليهم وهم في سكر!! فلا صيام، ولا ابتعاد عن المحرمات! وسبب ذلك أنهم طوال ليلهم وهم يتفكرون بهذه المحرمات كما زعموا! فيتمادى بهم ذلك إلى محبة هذه المعاصي، والتلذذ بها، فيستعملونها في النهار ويتركون الصيام، الذي هو ركن من أركان الإسلام، ويجمعون بين المعصية وترك الطاعة -والعياذ بالله-.
وكثيراً ما يختطفون النساء في الأسواق! ويتابعونهن، ويلمزونهن! وذلك كله من أسباب ضعف الإيمان وقلته في القلوب، وحلول المعاصي ومقدمات الكفر بدلاً منه.
فهذه أقسام الذين يحيون هذه الليالي، فليختر المسلم لنفسه ما يناسبه من هذه الأقسام!!
استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر:
стр. 912
ورد في حديث عائشة: "أنه ﷺ كان إذا دخل العشر، أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجَدَّ". والجدّ هو: بذل الجهد في طلب الطاعات، أو في فعلها، أي: بذل ما يمكنه من الوسع.
وذلك يستدعي أن يأتي الطاعة بنشاط، ورغبة، وصدق ومحبة. ويستدعي أن يبعد عن نفسه الكسل، والخمول، والتثاقل، وأسباب ذلك، ففي أي شيء يكون هذا الجدّ؟
* الجد في الصلاة؛ فيصلي في الليل والنهار ما استطاع.
* والجد في القراءة؛ أن يقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر وخشوع وقلب حاضر.
* والجد في الذكر؛ أن يذكر الله ولا ينساه، ولا زال لسانه رطباً بذكر الله.
* والجد في الدعاء؛ أن يدعو ربه تضرعاً وخفية وأن يكثر من الدعاء.
* والجد في الأعمال الخيرية المتعددة من النصائح والعبادات، وما أشبه ذلك.
* والجد في العلم والتعلم وما يتصل بذلك، أي الاجتهاد في الأعمال كلها.
إيقاظ الأهل في العشر الأواخر:
ويدخل في ذلك أمر الأهل -وهم الأولاد والنساء- بالصلاة، فيستحب للمسلم أن يوقظ أهله بهدف الصلاة، وأن يذكرهم بفضلها.
وكان السلف ﵏ يوقظون أهليهم حتى في غير رمضان. وكان عمر ﵁ إذا كان آخر الليل أيقظ أهله كلهم، وأيقظ كل صغير وكبير يطيق الصلاة، وكان يقرأ قول الله تعالى: ((وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)) (طه:١٣٢) .
يستشهد بهذه الآية على الحرص على صلاة النافلة، وذلك دليل على محبة الصحابة والسلف ﵃ للإكثار من أعمال الخير في الليل والنهار.
لذلك يتأكد على المسلم أن يوقظ أهله وإخوته، وأولاده ونساءه، ومن يتصل به، ومن له ولاية عليه، يوقظهم لأجل أن يقوموا في هذه الليالي الشريفة. فهي ليال محصورة، إنما هي عشر ليال، أو تسع ليال إذا لم تكتمل ليالي الشهر إلى ثلاثين ليلة بأن كان الشهر ناقصاً يوماً، فلا تفوت على الإنسان الباحث عن الخير أن يغتنمها، ويستغل أوقاتها.
стр. 913
وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قام الرجل للصلاة وأيقظ أهله فصليا كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات".
وقد وردت أحاديث بفضائل كثيرة في إيقاظ الأهل في مثل هذه الليالي وغيرها.
إظهار النشاط والقوة في العشر الأواخر:
ثبت عنه ﷺ أنه كان في ليالي العشر يغتسل كل ليلة بين العشائين أو بعد العشاء، والقصد من هذا الاغتسال أن يأتي الصلاة بنشاط بدن، ومن نشاط البدن يأتي نشاط القلب.
ومن احترام هذه الليالي وتعظيمها أن النبي ﷺ وصحابته كانوا يتجملون لهذه الليالي فيلبس أحدهم أحسن ثيابه، ليكون ذلك أيضاً أنشط لبدنه، وأنشط لقلبه، حتى إن كثيراً منهم يتجملون في هذه الليالي بثياب لا يلبسونها لغيرها.
ومما يفعلونه للنشاط والقوة استعمالهم للطيب في البدن، وفي الثوب، وفي المساجد، فكانوا يستعملون النضوح، والنضوح هي: الأطياب السائلة حتى يكون الإنسان طيب الريح، ويكون بعيداً عن الروائح الكريهة لأن الملائكة تحب الريح الطيب، وتتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، وكذلك يطيبون مساجدهم بالنضوح، وبالدخنة التي هي المجامر.
فمثل هذه مما تكسب النشاط في البدن، والنشاط في القلب، ومتى كان القلب والبدن نشيطين لم يملّ الإنسان ولم يكل، ومتى كان البدن كسولاً ضعف قلبه، وملّ من العبادة، وكسل عنها.
وكثيراً ما يذم الله تعالى أهل الكسل، كما ذكر الله تعالى ذلك في وصفه المنافقين بقوله تعالى: ((وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)) (النساء:١٤٢) .
فالمسلم يأتي بالأعمال التي تحبب إليه العبادة وتجعله منشرح القلب، مقبلاً عليها بكليته، غير غافل ولا ساه، بعيداً عن كل ما يلهي القلب ويشغله عن طاعة مولاه .
الفصل السادس
القرآن والذكر في رمضان
القرآن في رمضان:
стр. 914
معلوم أن رمضان شهر له خصوصية بالقرآن. قال الله تعالى: ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)) (البقرة:١٨٥) .
فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، وفي ليلة منه هي ليلة القدر، لذا كان لهذا الشهر مزية بهذا القرآن.
وكان النبي ﷺ يعرض القرآن في رمضان على جبريل ﵇، فكان يدارسه القرآن.
فعن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن".
فكونه يخص ليالي رمضان بمدارسته، دليل على أهمية قراءة القرآن في رمضان.
ومعلوم أن الكثير من الناس يغفلون عن قراءة القرآن في غير رمضان، فنجدهم طوال السنة لا يكاد أحدهم يختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتين، أو ربما نصف ختمة في أحد عشر شهراً، فإذا جاء رمضان أقبل عليه وأتم تلاوته.
ونحن نقول: إنه على أجر، وله خير كبير، ولكن ينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذين يجهرونه، قال تعالى: ((وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً)) (الفرقان:١٧) .
* ومن هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتماً به طوال العام إلا قليلاً.
* ومن هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، ولم يتعقله.
* ومن هجرانه أن القارئ يقرأه لكنه لا يطبقه، ولا يعمل بتعاليمه.
وأما الذين يقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته.
ويجب على المسلم أن يكون مهتماً بالقرآن، ويكون من الذين يتلونه حق تلاوته، ومن الذين يحللون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويقفون عند عجائبه، ويعتبرون بأمثاله، ويعتبرون بقصصه وما فيه، ويطبقون تعاليمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن يعمل به ويطبق، وإن كانت تلاوته تعتبر عملاً وفيها أجر.
стр. 915
وفضائل التلاوة كثيرة ومشهورة، ولو لم يكن منها إلا قول النبي ﷺ : "من قرا حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". فجعل في قراءة آلم ثلاثين حسنة.
وفضائل التلاوة كثيرة لا تخفى على مسلم، وفي ليالي رمضان وأيامه تشتد الهمة له. كان بعض القراء الذين أدركناهم يقرؤون في كل ليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على وجه الاجتماع؛ يجتمعون في بيت، أو مسجد، أو أي مكان، فيقرؤونه في كل عشرة أيام مرة. وبعضهم يقرأ القرآن ويختمه وحده.
وقد أدركت من يختم القرآن كل يوم مرة أو يختم كل يومين مرة! فقد يسره الله وسهله عليهم، وأشربت به قلوبهم، وصدق الله القائل: ((ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر)) (القمر:١٧) . وقال: ((فإنما يسَّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون)) (الدخان:٥٨) .
فمن أحب أن يكون من أهل الذكر فعليه أن يكون من الذين يتلون كتاب الله حق تلاوته، ويقرأه في المسجد، ويقرأه في بيته، ويقرأه في مقر عمله، لا يغفل عن القرآن، ولا يخص شهر رمضان بذلك فقط.
فإذا قرأت القرآن فاجتهد فيه؛ كأن تختمه مثلاً كل خمسة أيام، أو في كل ثلاثة أيام، والأفضل للإنسان أن يجعل له حزباً يومياً يقرأه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، وهكذا. لابد أن تبقى معك آثار هذا القرآن بقية السنة ويحبب إليك كلام الله، فتجد له لذة، وحلاوة، وطلاوة، وهنا لن تمل من استماعه، كما لن تمل من تلاوته.
هذه سمات وصفات المؤمن الذي يجب أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله تعالى وخاصته.
أما قراءة القرآن في الصلاة، فقد ذكرنا أن السلف كانوا يقرؤون في الليل فرادى ومجتمعين قراءة كثيرة. فقد ذكروا أن الإمام الشافعي ﵀ كان يختم في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، في غير الصلاة؛ لأنه يقرأ في الصلاة زيادة على ذلك.
стр. 916
وقد يستكثر بعض الناس ذلك ويستبعدونه، وأقول: إن هذا ليس ببعيد، فقد أدركت أناساً يقرؤون من أول النهار إلى أذان صلاة الجمعة أربعين جزءاً في مجلس واحد. يقرأ، ثم يعود فيقرأ، يختم القرآن ثم يعود فيختم ثلث القرآن، فليس من المستبعد أن يختم الشافعي في النهار ختمة، وفي الليل ختمة.
ولا يستغرب ذلك أيضاً على الذين سهل القرآن في قلوبهم، وعلى ألسنتهم، فلا يستبعده إلا من لم يعرف قدر القرآن، أو لم يذق حلاوته في قلبه.
وعلى الإنسان إذا قرأ القرآن أن يتدبَّره ويعقله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك في آيات كثيرة، كما قال تعالى: ((أفلا يتدبَّرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)) (النساء:٨٢) .
فنحن مأمورون أن ننظر في هذا القرآن ونتدبره، والكفار كذلك مأمورون بذلك حتى يعترفوا أنه من عند الله، وأنه لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، ولاضطربت أوامره ونواهيه، فلما كان محكماً متقناً، لم يقع فيه أي مخالفة، ولا أي اضطرابات كان ذلك آية عظيمة، ومعجزة باهرة.
فهذا هو القصد من هذه الآية، ولكن لا ينافي ذلك بأننا مأمورون أن نتدبر كل ما قرأنا كما أُمرنا.
الذكر والدعاء في رمضان:
يجب على المسلم أن يتعلم، وأن يعمل بما تيسر له من الأذكار والأدعية، فالأذكار يضاعف أجرها في هذا الشهر، ويكون الأمل في قبولها أقرب، ويجب على المسلم أن يستصحبها في بقية السنة، ليكون من الذاكرين الله تعالى، وممن يدعون الله تعالى ويرجون ثوابه ورضوانه ورحمته.
стр. 917
وذكر الله بعد الصلوات مشروع، وكذلك عند النوم، وعند الصباح والمساء، وكذلك في سائر الأوقات. وأفضل الذكر التهليل والتسبيح، والتحميد، والاستغفار، والحوقلة، وما أشبه ذلك، ويندب مع ذلك أن يُؤتى بها وقد فَهِمَ معناها حتى يكون لها تأثير، فيتعلم المسلم معاني هذه الكلمات التي هي من الباقيات الصالحات، وقد ورد في الحديث تفسير قول الله تعالى: ((والباقيات الصالحات)) (الكهف:٤٦) . أنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وورد في حديث آخر: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع، وهن من القرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر". أي أفضل الكلام الذي يؤتى به ذكراً.
فلتتعلم -أخي المسلم- معنى التهليل، ومعنى الاستغفار، ومعنى الحوقلة، ومعنى التسبيح، والتكبير، والحمد لله، وما أشبه ذلك، تعلم معناها حتى إذا أتيت بها، أتيت بها وأنت موقن بمضمونها، طالب لمستفادها.
وشهر رمضان موسم من مواسم الأعمال، ولا شك أن المواسم مظنة إجابة الدعاء، فإذا دعوت الله تعالى بالمغفرة، وبالرحمة، وبسؤال الجنة، وبالنجاة من النار، وبالعصمة من الخطأ، وبتكفير الذنوب، وبرفع الدرجات، وما أشبه ذلك ودعوت دعاءً عاماً بنصر الإسلام، وتمكين المسلمين، وإذلال الشرك والمشركين، وما أشبه ذلك، رُجي بذلك أن تستجاب هذه الدعوة من مسلم مخلص، ناصح في قوله وعمله.
وقد أمر النبي ﷺ بالدعاء وبسؤال الجنة، وبالنجاة من النار؛ وذلك لأنها هي المآل.
الاستغفار في رمضان:
يقول الله تعالى: ((كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون)) (الذاريات:١٧-١٨) .
وقد تتعجب: من أي شيء يستغفرون؟
أيستغفرون من قيام الليل؟! هل قيام الليل ذنب؟
أيستغفرون من صلاة التهجد؟ هل التهجد ذنب؟
стр. 918
نقول: إنهم عمروا لياليهم بالصلاة، وشعروا بأنهم مقصِّرون فختموها بالاستغفار، كأنهم يقضون ليلهم كله في ذنوب. فهذا حال الخائفين؛ إنهم يستغفرون الله لتقصيرهم.
ويقول بعضهم:
أستغفر الله من صيامي طول زماني ومن صلاتي
صوم يرى كله خروق وصلاة أيما صلاة
فيستغفر أحدهم من الأعمال الصالحة، حيث إنها لابد فيها من خلل، ولذلك يندب ختم الأعمال كلها بالاستغفار، بل بالأخص في مثل هذه الليالي.
وقد جاء قول النبي ﷺ في حديث سلمان: "فأكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فلا إله إلا الله، والاستغفار. وأما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، وتستعيذون من النار" رواه ابن خزيمة كما سبق.
فهذا ونحوه دليل على أنك متى وفقت لعمل فغاية أمنيتك العفو، وتختم عملك بالاستغفار. إذا قمت الليل كاملاً، فاستغفر بالأسحار، كما مدح الله المؤمنين بقوله: ((وبالأسحار هم يستغفرون)) (الذاريات:١٨) . فإذا وُفِّقت لقيام مثل هذه الليالي، فاطلب العفو، أي: اطلب من ربك أن يعفو عنك، فإنه تعالى عفوّ يحب العفو.
والعفُوُّ من أسماء الله تعالى، ومن صفاته، وهو الصفح والتجاوز عن الخطايا وعن المخطئين.
في ختام الشهر:
وعلينا أن نختم أعمالنا كلها بالتوبة والاستغفار، سواء في قيام هذه الليالي أو غيرها من سائر الأعمال، بل نختم عملنا كله بما يدل على تعظيم الله تعالى، وذكره والثناء عليه.
وقد أمر الله عباده بأن يختموا شهرهم بالتكبير في قوله تعالى: ((ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون)) (الذاريات:١٨) .
ولكن، ما مناسبة ختم رمضان بالتكبير بعد إكمال العدة؟
стр. 919
أقول: إن الإنسان إذا كبّر الله استحضر عظمته وجلاله، وكبرياءه، وقداسته، فاحتقر نفسه واحتقر أعماله مهما عمل، ولم يذكر شيئاً من أعماله ولم يفتخر بها. وبمثل ذلك يكون محلاً للعفو ولقبول الحسنات، فإذا عرفت بأن ربك أهل لأن يعبد، وأهل للثناء والمجد، وأهل لأن يحمد، وأنك لو عبدت الله تعالى بكل ما تستطيعه لما أديت أقل القليل من حقه عليك، كما يقول بعضهم:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له على حمى الشوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معاشر مِنّته ولا العشير ولا عشراً من العشر
فنحن إذا أنهينا صيامنا وقيامنا. نعرف أن ربنا هو الكبير الأكبر، وأنه أهل لأن يكبّر، ويعظّم، وأنه أهل للعبادة، ولذلك يُروى أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة وقابلوا ربهم. اعترفوا بالتقصير، وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك".
أي مهما كانت عبادتك فإنك ستحتقرها، ويقول الرسول ﷺ : "لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله، وقمته كله"، قال الراوي: فلا أدري، أكره التزكية، أو قال: لا بد من نومه أو رقده؟ أو تقصيره.
وكلا الأمرين، حق فإن الإنسان منهي أن يزكي نفسه قال تعالى: ((فلا تزكوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتقى)) (النجم:٣٢) . وقال: ((ألم تر إلى الذين يُزكُّون أنفسهم بل الله يزكِّي من يشاء)) (النساء:٤٩) .
فتزكية النفس: مدحُها، ورفع مقام الإنسان لنفسه والإعجاب، وقد يكون الإعجاب سبباً لإحباط العمل! فعليك أن تحتقر نفسك، فإذا نظرت إلى الناس، واحتقرت أعمالهم فارجع إلى نفسك واحتقرها، ولُمْهَا حق اللوم، وحقِّر عملك حتى يحملك ذلك على الاستكثار، ولا تعجب بأي عمل فعلته فلا تقل:
أنا الذي صليت!
أنا الذي قمت!
أنا الذي تهجدت!
أنا الذي قرأت.. إلخ، فيكون إعجابك سبباً لرد أعمالك!
стр. 920
فهذا ونحوه من الإرشادات التي ينبغي على المسلمين أن يعملوا بها، وأن يهتدوا إليها، ويحرصوا على استغلالها في مثل هذه الليالي المباركة.
الفصل السابع
زكاة الفطرو ما يتعلق بها من أحكام
معنى زكاة الفطر وسبب تسميتها بذلك:
هي الصدقة التي تخرج في آخر رمضان، وفي ليلة عيد الفطر وصباح عيد الفطر، وسميت بزكاة الفطر لأنها شرعت عند إتمام الشهر، وفي الزمن الذي يفطر فيه الصائمون من رمضان، فهي زكاة الإفطار، أو صدقة عيد الفطر الذي بعد إكمال رمضان.
تاريخ تشريع زكاة الفطر:
الظاهر أنها شرعت وقت فرضية رمضان، أي في السنة الثانية من الهجرة، وذلك لأنها تضاف إلى رمضان وإلى الإفطار منه، فهي تابعة له، ولم يذكر أنهم صاموا الشهر ولم يخرجوا زكاة الفطر.
حكم زكاة الفطر:
لا شك أنها واجبة، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير...". الحديث. والفرض في الظاهر هو الإيجاب والإلزام، فدل على أنها من الفرائض.
ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية، على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب، وقد ثبت أن قوله تعالى: ((قد أفلح من تزكى)) (الأعلى:١٤) . نزلت في زكاة الفطر كما روى ذلك ابن خزيمة.
الحكمة من تشريع زكاة الفطر:
روى ابن عباس قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين". رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه. وذلك أن الصائم في الغالب لا يخلو من الخوض واللهو ولغو الكلام، وما لا فائدة فيه من القول والرفث الذي هو الساقط من الكلام، مما يتعلق بالعورات ونحو ذلك، فتكون هذه الصدقة تطهيراً للصائم مما وقع فيه من هذه الألفاظ المحرمة أو المكروهة، التي تنقص ثواب الأعمال وتخرق الصيام.
стр. 921
ثم هي أيضاً طعمة للمساكين، وهم الفقراء المعوزون، ليشاركوا بقية الناس فرحتهم بالعيد، ولهذا ورد في بعض الأحاديث: "أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم". يعني أطعموهم وسدُّوا حاجتهم، حتى يستغنوا عن الطواف والتكفف في يوم العيد، الذي هو يوم فرح وسرور.
ثم إن إخراجها عن الأطفال وغير المكلفين والذين لم يصوموا لعذر من مرض أو سفر داخل في الحديث، وتكون طهرة لأولياء غير المكلفين، وطهرة لمن أفطر لعذر، على أنه سوف يصوم إذا زال عذره، فتكون طهرة مقدمة قبل حصول الصوم أو قبل إتمامه.
أصناف زكاة الفطر:
في حديث أبي سعيد المتفق عليه قال: "كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله ﷺ : صاعاً من طعام، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة، فقال: إني لأرى مدّين من سمراء الشام يعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه".
وللنسائي عنه قال: "فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أقط".
وللدار قطني عنه قال: "ما أخرجنا على عهد رسول الله ﷺ إلا صاعاً من دقيق، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من سلت، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط". وغير ذلك من الروايات.
وقد ذهب الأكثرون إلى أنها لا تخرج إلا من الأصناف الخمسة المذكورة، وهي: الطعام، أي: البر كما ورد مفسراً في بعض الروايات، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط؛ لأنها الأقوات المعتادة لغالب الناس، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز إخراجها من غالب قوت البلد، ومنه الأرز والذرة والدخن إذا غلب أكلها في إحدى الجهات، وهو الأقرب إن شاء الله تعالى.
مقدار زكاة الفطر:
стр. 922
ذكر في حديث أبي سعيد أنها صاع من أحد الأصناف المذكورة، وقد اختلف في مقدارها من البر، فرأى معاوية الاكتفاء بنصف صاع منه، لكونه أفضل من الشعير، وأن الفقراء قد لا يأكلون الشعير أحياناً؛ بل يطعمونه الدواب والبهائم، وكذا التمر؛ سيما الرديء منه، فنصف الصاع من البر يعدل الصاع من الشعير في القيمة، ثم هو أنفع من الشعير للفقراء، وقد عمل بذلك كثير من الصحابة، ذكرهم الحافظ في شرح البخاري وغيره.
وورد في ذلك حديث حسنه الترمذي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ بعث منادياً في فجاج مكة "ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، حر أو عبد صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه، صاع من طعام".
ولكن حديث أبي سعيد أصح منه، وفيه صاع من طعام، وقد فسّره الخطابي بالبر وهو الأولى، وقد اختار أبو سعيد البقاء على ما كان عليه وقت النبي ﷺ ، وهو إخراج الصاع كاملاً دون موافقة معاوية على رأيه.
ثم إن الصاع معروف، وهو أربعة أمداد، والمد من البر ملء الكفين المتوسطين مجموعتين، وقدر الصاع بأنه خمسة أرطال وثلث بالعراقي، والصاع معروف في هذه البلاد، وهو مع العلاوة يقارب ثلاث كيلو، وبدون علاوة نحو كيلوين ونصف، والاحتياط إكمال الثلاثة.
إخراج قيمة زكاة الفطر (نقداً) :
ورد في السنة إخراجها من الأطعمة التي ذكرت في الأحاديث، أو من غالب قوت البلد، ليحصل بها الاقتيات والاستغناء عن التكفف والتسول يوم العيد، ويكفى الفقراء عن الشراء والحمل بإيصالها إلى منازلهم غالباً.
стр. 923
وقد ذهب الحنفية إلى جواز إخراج القيمة، وهو إخراجها نقداً من الدراهم أو الدنانير، وزعموا أنه أرفق بالفقير، حتى يتمكن من شراء ما يناسبه من الطعام أو غيره، وهو خلاف النصوص الواردة والأحاديث المتكاثرة، فإن القيمة موجودة في العهد النبوي، ولم يأمر بالإخراج منها؛ ولأن في إخراجها طعاماً إشهار لها وإعلان للعمل بها، بخلاف القيمة فإنها تكون خفية، يعطيها المزكي بخفية، وقد يأخذها من لا يستحقها.
على من تجب زكاة الفطر:
تجب على المسلم الحر العاقل إذا فضل بشيء عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، فيخرج عن نفسه وعن كل من يمونه ممن تجب عليه نفقته، فإن عجز عن الجميع، بدأ بنفسه، فامرأته، ثم برقيقه، ثم بولده، ثم بأمه، ثم أبيه، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته، ففي حديث ابن عمر الذي في الصحيحين قال: "فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان.. على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين". وفي حديث ثعلبة بن أبي صُعَيرْ مرفوعاً: "صاع من بر، أو قمح، على كل إثنين، صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى" رواه أبو داود وأحمد وغيرهما. ووقع في بعض طرق حديث ابن عمر: "على كل صغير وكبير، حر وعبد، ممن تمونون"رواه الدارقطني.
ولا تلزمه فطرة زوجته إذا نشزت، ولا عبده المكاتب؛ لأنها لا تلزمه نفقتهما، ومن تبرع بنفقة إنسان شهر رمضان لم تجب عليه فطرته التي هي تابعة لوجوب النفقة.
واستحبها بعض الصحابة عن الجنين في بطن أمه من غير وجوب، ومن وجبت فطرته على غيره فأخرج عن نفسه كالزوجة والابن والأم أجزأت عنه، لأنه المخاطب بها، وإنما تحملها عنه وليه تبعاً للنفقة أو للحاجة.
جهة إخراج زكاة الفطر:
стр. 924
مصرف الفطرة كمصرف الزكاة، فأهلها هم أهل الزكاة المذكورون في قوله تعالى: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل)) (التوبة:٦) . وحيث إن وصف الفقر والمسكنة هو الغالب، فإن المقدم فيها هم الفقراء والمساكين، الذين تعوزهم النفقة ويحتاجون إلى تحصيل القوت الضروري لهم ولعوائلهم، ولهذا ورد في الحديث: "أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم".
ثم عليه أن لا يحابي بها، وأن يقدم من علمه أشد حاجة، فإن كان أقاربه من أهلها فهم أولى من الأباعد مع الاستواء في الحاجة؛ ولأنه ورد في الحديث: "صدقتك على الفقير صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة". ولا يجوز لمن تلزمه مؤنته كزكاة المال.
نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر:
لا يجوز ذلك إلا إذا لم يوجد في البلد فقراء، وقد ذكر العلماء أنها تتبع البدن، فيخرجها في البلد الذي تدركه ليلة العيد وهو فيه، ولو كان سكنه وأهله في غيره، كمن يصوم آخر الشهر بمكة، فإنه يخرجها هناك، وأهله يخرجون عن أنفسهم في موضعهم الذي يوجدون فيه ليلة الفطر، فإن لم يوجد في بلده فقراء من أهلها، وعرف فقراء في بلد آخر جاز نقلها إلى أقرب بلدة يعرف فيها من هم من أهل الاستحقاق، وقيل: يجوز إلى أبعد منها إذا كانوا اشد حاجة أولهم رحم وقرابة.
وقت إخراج زكاة الفطر:
لا شك أنها تجب بغروب الشمس ليلة عيد الفطر، فمن أسلم بعده لم تلزمه الفطرة، ومن ولد بعد الغروب لم تجب على وليه، وإذا تزوج بعد الغروب وتسلم زوجته لم تلزمه فطرتها، وكذا لو اشترى عبداً بعد خروج شهر رمضان ولو بلحظات؛ فإن فطرته على البائع.
стр. 925
والأصل أنها تخرج ليلة العيد، والأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة، فإن عرف الفقير فأوصلها إليه فهو الأفضل، وإلا أودعها له حتى يأخذها بعد الصلاة، ليتحقق إغناء الفقراء في يوم العيد، ووقع في حديث ابن عمر عند البخاري: "وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". ولمسلم: "أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة". ولابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: "من السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة".
وقال الخرقي: وإن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه. وفي حديث ابن عمر في الصحيح: "وكانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين".
والصحيح أنها لا تجزئ إن قدمها قبل العيد بثلاث ليال فأكثر، لإضافتها إلى الفطر، ولأن تقديمها بكثير لا يحصل به التوسعة على الفقير في يوم العيد، واغتفر التقديم بيوم أو يومين لأن ما قرب من الشيء أعطي حكمه، ولو قيل بجواز التقديم إذا كان الفقراء قليلاً وأهل الزكاة كثير، بحيث يجتمع عند الفقير ما يقوته نصف العام، كما هو الواقع في كثيراً من البلاد، لجاز ذلك في الظاهر، لحصول الإغناء لهم يوم العيد وزيادة.
الفصل الثامن
أحكام العيدين
(عيد الفطر وعيد الأضحى)
أعياد المسلمين وحكم الاحتفال والتهنئة بأعياد الكفار:
العيد: اسم لما يعود ويتكرر، إما بعود الأسبوع أو الشهر أو السنة، من الاجتماع العام على وجه مخصوص، وأكثر ما يطلق على أيام الفرح والسرور والأنبساط، ولهذا يقول بعض السلف: "كل يوم يمر بك وأنت في طاعة وعباده فهو لك عيد".
وفي ذلك يقول بعضهم شعراً:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف طول الحنين وعين دمعها يكف
فأعياد المسلمين ثلاثة:
* عيد يتكرر كل أسبوع وهو يوم الجمعة.
* وعيد يحتفلون بعد إكمال صومهم.
* وعيد وقت موسم حجهم ونسكهم.
стр. 926
فشرع الله لهم بعد إكمال صلاتهم المكتوبة سبعة أيام أن يكون السابع يوم الجمعة، وهو عيد لهم، ولكنه يوم عبادة يجتمعون فيه ويؤدون فيه صلاة خاصة، تجمع أهل البلد كلهم، وفيه يستمعون إلى الخطب والنصائح والمواعظ، ويلتقي بعضهم ببعض، ويتبادلون التحية والسلام، ويتفقدون أحوال إخوانهم، ويطمئن بعضهم على صحة إخوته، ويتعرفون أحوال المرضى والمعوزين، ويخفف بعضهم عن بعض، ونحو ذلك من المصالح الكبيرة التي تترتب على هذا الاجتماع والتلاقي.
كما شرع لهم بعد إكمال صومهم وما معه من العبادات التي يتقربون بها إلى ربهم في شهر رمضان، أن يكون اليوم الذي بعده عيداً لهم، يظهرون فيه الفرح والسرور، ويتبادلون التهنئة والتبريك، بإكمال صومهم، وإدراك يوم عيد الفطر الذي يسمى يوم الجوائز؛ حيث يحصلون على جوائز المغفرة والرحمة والعتق من النار، وليس هو يوم أشر وبطر وسهو ولهو وغناء وزمر وباطل، ولهذا يٌفتتح بصلاة العيد التي فيها المواعظ والنصائح، وفيها إظهار التكبير والتسبيح، امتثالاً لقوله تعالى: ((ولتكبروا الله على ما هداكم)) (البقرة:١٨٥) .
وشرع العيد الثاني السنوي وقت أداء المناسك الخاصة بالحرم المكي، وبعد إكمال العشر الأول من شهر ذي الحجة التي يشرع فيها التعبد والذكر والدعاء والعمل الصالح، وفي آخرها أيام ذبح الأنساك والقرابين، فناسب أن يكون اليوم العاشر يوم عيد لجميع المسلمين في جميع البلاد، يتقربون فيه بذبح الأضاحي، ويؤدون فيه صلاة العيد وخطبتيه، وينصتون لما فيهما من المواعظ والتعليمات، فهذه أعياد المسلمين.
стр. 927
فأما أعياد الكفار: فهي خاصة بهم، كيوم النيروز، ويوم المهرجان، وعيد المولد، أو رأس السنة الميلاد، ومثلها ما أحدثه بعض المسلمين: كالمولد النبوي ونحوه، فهي أعياد تخصهم، وقد برئ الإسلام منها ومن أهلها، وعلى هذا فلا تجوز مشاركتهم فيها، سواء في عيد الأسبوع كالسبت لليهود والأحد للنصارى، أو أعياد السنة المعروفة عندهم، فيحرم على المسلم الاحتفال بها لكونها مبتدعة أو منسوخة، ولا تجوز تهنئتهم ولا التبريك لهم، ولا إظهار الفرح بتلك الأعياد، ولا الأكل من أطعمتهم أو ما يقدمون لزملائهم من فواكه وحلوى ونحو ذلك، لما فيه من الرضا بتلك الأعياد المبتدعة والإقرار بها.
من أحكام العيد:
أولاً: حكم صلاة العيد:
قد اختلف في حكم صلاة العيد:
فذهب بعض العلماء إلى أنها فرض عين، لأن النبي ﷺ داوم على فعلها وأكدها، وكان يأمر أصحابه بالخروج إليها، ويسقط بفرضها صلاة الجمعة عمن أدركها إذا اجتمع العيد والجمعة. ولأنه أمر أن يخرج لها النساء، حتى العواتق وذوات الخدور، وحتى الحيض من النساء، وذلك مما يدل على فرضيتها على الأفراد المكلفين.
وذهب آخرون إلى أنها سنة مؤكدة؛ لأن الفرض قد اختص بالصلوات الخمس، ولقوله لمن قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوع" فيدخل في التطوع صلاة العيد؛ لأنها زائدة على الخمس.
وذهب بعضهم إلى أنها فرض كفاية، ولعله الأرجح فتجب على أهل كل بلد، ولا تلزم جميع الأفراد؛ لأنها من شعائر الإسلام، وتفعل علانية، ويتبعها خطبة وتعليم وأحكام، فإذا قام بها من يكفي حصل المقصود.
ثانياً: من سنن ومستحبات صلاة العيد:
لصلاة العيد سنن ومستحبات كثيرة:
منها: التجمل لها ولبس أحسن الثياب، فقد عرض عمر حلة عطارد على النبي ﷺ ليتجمل بها للعيد والوفود، إلا أنه ردها؛ لأنها من الحرير فقد كان له حلة يلبسها في العيد والجمعة.
стр. 928
ومنها: شرعية الأكل تمرات وتراً قبل صلاة عيد الفطر، ليتحقق الإفطار، ولا يأكل في عيد النحر حتى يأكل من أضحيته إن ضحى.
ومنها: شرعية الخروج إلى الصلاة ماشياً، حتى تكتب له خطواته ذهاباً وإياباً (عن علي ﵁ قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج" أخرجه الترمذي برقم ٥٣٠) .
ومنها: مخالفة الطريق بأن يرجع مع غير الطريق الذي ذهب معه، ولعل ذلك لتكثير مواضع العبادة، أو لغير ذلك.
ومنها: صلاة العيد في الجبانة خارج البلد، فلا تُصلى في المسجد الجامع إلا لعذر كمطر ونحوه، أو للعجزة والضعفاء.
ومنها: شرعية الاغتسال قبل الخروج، كما يشرع للجمعة، وكذا الطيب والتنظف لإزالة الروائح الكريهة.
ومنها: شرعية التكبير في موضع الصلاة وفي الطريق إليه، ورفع الصوت به، امتثالاً لقوله تعالى: ((ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم)) (البقرة:١٨٥) فيسن للمسلمين إظهار التكبير والجهر به، فهو من شعائر ذلك اليوم، وصفته:
(الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد) .
وإن شاء قال:
(الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلا. وتعالى الله جباراً قديراً، وصلى الله على محمد النبي وسلم تسليماً كبيراً) ، أو نحو ذلك من التكبير.
ويكبر كل فرد وحده، ولا يجوز التكبير الجماعي الذي هو اجتماع جماعة على التكبير بصوت واحد ووقت واحد، لكن من لا يعرف صيغة التكبير لجهل أو عجمة يجوز له متابعة بعض من يكبر حتى يتعلم.
ومنها: شرعية تقديم الصلاة قبل الخطبة، ولو خرج أو انصرف البعض، فإن المحافظة على السنة أولى من جبس الناس لأجل استماع الخطبة، مع المخالفة لما نقل عن النبي ﷺ وعن خلفائه الراشدين، ففي اتباع السنة خير كثير والله الموفق.
ثالثاً: من آداب العيد:
стр. 929
يوم العيد هو يوم فرح للمسلمين وسرورهم، ففيه يتجملون ويلبسون أحسن الثياب، وفيه يتزاورون ويتبادلون التهاني والتبريك بهذا اليوم المبارك، ويدعون ربهم أن يعيد عليهم من بركاته، وأن يعود عليهم مرات بعد مرات، وهم في غاية النصر والتمكين والهناء، والعيش الرغيد والحياة السعيدة، وفيه يعودون المرضى ويتواصلون الأرحام، ويجتمع الأقارب ويتلاقون بعد طول الغيبة.
ويجوز فيه إظهار شيء من الفرح والمرح واللهو المباح، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث وليستا بمغنيتين، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ ، وذلك في يوم عيد. فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: "دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا". فدل على أنه يباح لمثل عائشة سماع شيء من الشعر الذي فيه ترويح عن النفس وجلب للفرح والانبساط إذا لم يكن فيه شيء من التمطيط والتكسير والتهييج بما يثير الغرائز ويدفع إلى اقتراف الفواحش، ولهذا قالت: "وليستا بمغنيتين" أي ليستا ممن يعرف الغناء الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، كالذي فيه وصف الخدود والقدود والخمر ونحو ذلك.
стр. 930
وفي الصحيح أيضاً عنها قالت: وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب فقال ﷺ : "تشتهين تنظرين" فقلت: نعم، فأقامني وراءه خدي على خده، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: "حسبك"، قلت: نعم، قال: "فاذهبي" قالت: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو. رواه سالبخاري في عدة مواضع، وهو دليل على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدرب على الحرب والتنشيط عليه، لما فيه من تمرين الأيدي على آلات الحرب، وفيه أن للعيد خصوصية بمثل هذا التدرب والتمرن على آلات الحرب وتعلم كيفية حملها.
رابعاً: صفة صلاة العيد:
لا خلاف أنها صلاة معتادة، يشترط لها الطهارة وسائر شروط الصلاة، إلا أنها لا يؤذن لها ولا يقام، بل يكتفى بمعرفة وقتها، وهو بعد خروج وقت النهي، أي بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، ويخرج بزوال الشمس، فإن لم يعلموا بالعيد إلا بعد وقتها صلوها من الغد قضاء.
ولا خلاف أن صلاة العيد ركعتان، إلا أنه يفتتح الأولى بسبع تكبيرات، والثانية بخمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، ويرفع يديه مع كل تكبيرة، ويقول بين كل تكبيرتين من الزوائد:
(الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً) .
وإن أحب قال: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) .
ويقرأ بعد التكبيرات بالفاتحة وسورة، والمستحب أن يقرأ بسبح والغاشية، أو يقرأ بقاف واقتربت الساعة، ويجهر بالقراءة.
وإذا سلم خطب خطبتين يجلس بينهما كما في الجمعة، يحثهم في الفطر على صدقة الفطر وعلى العمل في ذلك، ويبين لهم في الأضحى أحكام الأضحية وسنتها.
стр. 931
وفي الصحيح عن البراء أن النبي ﷺ خطب فقال: "إن أول ما نبدأ من يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل فقد أصاب سنتنا" وفي حديث أنس: "من ذبح قبل الصلاة فليعد". وفي حديث البراء: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له". والنسك هو: ذبح الأضحية.
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: "كان رسول الله ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثاً قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف".
ولم يكن يصلي قبل صلاة العيد في موضعها لا قبلها ولا بعدها، لكن إن صليت في المسجد الجامع جاز أن يصلي قبلها ركعتين كتحية للمسجد، لكن السنة الصلاة خارج البلد. ولم يتخذ النبي ﷺ منبراً في مصلى العيد، وإنما كان يخرج بالحربة فتركز قدامه كسترة.
ويشرع لمن فاتته أن يقضيها، فقد ذكر البخاري عن أنس أنه أمر مولاه فجمع أهله وبنيه وصلى بهم كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين.
خامساً: الفرق بين صلاة عيد الفطر وصلاة عيد الأضحى:
ليس هنا فرق في نفس الصلاة، فكل منهما تُصلى ركعتين، وفيهما التكبيرات الزوائد وما يقال بينها.
لكن يُسن في الفطر أن يأكل قبلها تمرات وتراً، ولا يأكل في الأضحى إن ضحى، حتى يأكل من أضحيته.
ويُسن التبكير بصلاة الأضحى لأجل الاشتغال بالأضاحي، وعكسه الفطر فيؤخرها قليلاً ليتمكنوا من الأكل، ومن التأهب للصلاة بالنظافة والتجمل.
وأما في الخطبة: فإنه في الفطر يذكرهم بفضل ذلك اليوم، وأنه يوم الجوائز، وفيه ينصرف المقبولون قد غفر لهم، يرشدهم إلى الطاعات ويحثهم على الاستكثار من صالح الأعمال، ويحذرهم من المعاصي ويبين لهم آثارها.
стр. 932
أما في الأضحى: فإنه يذكر لهم حكم الأضحى وأصلها وفضلها، وما يجزئ فيها وما لا يجزئ، ووقت الذبح وكيفية التوزيع للحم، ويرشدهم أيضاً إرشادات عامة بهذه المناسبة.
سادساً: حكم خروج النساء لصلاة العيد:
في الصحيح عن أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج العواتق وذوات الخدور، ويعتزل الحيض المصلى. وعن جابر ﵁ قال: قام النبي ﷺ يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يُلقي فيه النساء الصدقة.. صدقة يتصدقن حينئذ: تُلقي فتخها ويلقين، قلت: أترى حقاً على الإمام ذلك ويذكرهن؟ قال: إنه لحق عليهم، وما لهم لا يفعلونه؟.
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ كأني أنظر إليه حين يُجَلِّسَ بيده، ثم أقبل يشقُّهم حتى جاء النساء معه بلال، فقال: ((يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك)) (الممتحنة:١٢) . ثم قال حين فرع منها: "آنتن على ذلك؟ " قالت امرأة منهن: نعم. قال: "فتصدقن" فبسط بلال ثوبه، ثم قال: هلم لكن فداء أبي وأمي، فيلقين الفتخ والخواتيم في ثوب بلال. وفي رواية قال: "تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار، تكثرن اللعن وتكفرن العشير".
وفي حديث أم عطية قالت: يا رسول الله على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقال: "لتلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المسلمين". وفي رواية: "ليخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، ويعتزل الحيض المصلى، وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين".
وهذه الروايات في الصحيحين أو أحدهما، وكلها تفيد استحباب خروج النساء حتى الحيض، ولكن لابد أن تؤمن الفتنة، وأن لا يخرجن بلباس جمال وزينة ظاهرة، فقد قالت عائشة ﵂: لو رأى رسول الله ﷺ ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل.
стр. 933
ولعل ذلك ما يلبسنه من الثياب وما يبدو منهن من الزينة والجمال، فقد ورد في الإذن للنساء بالصلاة في المساجد قوله: "وليخرجن تفلات".
ولا شك أن الأمر قد تفاقم، وقد تضاعف ما كان في وقت عائشة، وكثر في نساء هذا الوقت المباهاة في الحلي، وإبداء الزينة، وإظهار المحاسن، فالله المستعان.
منكرات تقع في يوم العيد:
١- إحياء ليلة العيد:
لا شك أن إحياء الليل بالصلاة والقراءة والتعبد والدعاء والتضرع عبادة وقربة، قد ندب الله إليه وحث عليه في آيات كثيرة، وأن قيام ليالي رمضان من أسباب المغفرة وكذا قيام ليلة القدر.
فأما ليلة العيد فلم يرد في إحيائها فضل، ولا حث الشرع على تخصيصها بقيام أو قراءة، فمن خصها بالإحياء وحدها دون ما قبلها وما بعدها فقد ابتدع وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، لاعتقاده أنه سبق الصحابة وأهل السنة، وتفوق على سلف الأمة، فيدخل في قول النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". أي مردود عليه.
لكن إذا كان الرجل من عادته قيام الليل طوال السنة أو أكثرها، فإن ليلة العيد تدخل في ذلك.
٢- اختلاط النساء بالرجال في مصلى العيد وغيره:
وهذا من المنكر الذي يجب السعي في إزالته، لما فيه من إثارة الفتنة والدعوة إلى اقتراف الفاحشة، فإنَّ قُرْبَ المرأة من الرجال مما يلفت أنظارهم نحوها، مهما حاولوا التعفف والصدود، فإنه يقع في الغالب من ينظر إلى النساء أو يحاول القرب منهن والاحتكاك بهن، ثم مخاطبتهن ومبادلتهن الكلام إن تمكن من ذلك، كما يحصل من الاختلاط في الأسواق والمستشفيات وغيرها.
стр. 934
فالواجب الفصل بين الرجال والنساء، وأن يجعل لهن مواضع تخصهن، وأبواب يدخلن ويخرجن معها، سيما في الحرمين الشريفين، وقد تقدم قول عائشة ﵂: لو شهد رسول الله ﷺ أو لو رأى ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل أي من الزينة واللباس والطيب والجمال الذي يفتن الرجال إلا من حفظه الله.
٣- الاجتماع على الغناء والرقص وبعض المعاصي لإظهار الفرح:
هناك من يجعل يوم العيد والأيام بعده أيام لهو ولعب وغناء وطرب، ويجتمع الخلق الكثير ويعملون ولائم وينفقون الأموال الطائلة في إصلاح الأطعمة، ويسرفون في ما يصرفونه من الأموال في اللحوم والفواكه وأنواع المآكل التي يعدونها للمغنين وأهل الزمر واللهو، ويستعملون الضرب بالطبول وإنشاد الأغاني الملحنة الفاتنة، وما يصحبها من التمايل والطرب، ويستمر بهم هذا الفعل بضعة أيام، حتى إنهم يسهرون أكثر الليل ويفوتون صلاة الصبح في وقتها وجماعتها.
ولا شك أن هذه الأفعال تدخل في التحريم، وتجر إلى مفاسد ما أنزل الله بها من سلطان، وتدخل في اللهو الذي عاب الله أهله بقوله تعالى: ((ومن الناس من يشتري لهو الحديث)) (لقمان:٦) . وفي الوصف الذي ذم الله به أهل النار بقوله: ((الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)) (الأعراف:٥١) .
فننصح من يريد نجاة نفسه أن يربأ بها عن هذه الملاهي، وأن يحرص على حفظ وقته فيما ينفعه، وأن يبتعد عن المعاصي والمخالفات، وأن لا يقلد أهل اللهو والباطل ولو كثروا أو كبرت مكانتهم.
وقد تقدم إباحة التدرب على السلاح وتعلم الكر والفر وما يعين على الجهاد، كما فعل الحبشة في المسجد في يوم عيد لقصد حسن، وليس معه غناء ولا ضرب طبول ولا قول محرم والله أعلم.
٤- الفرح بالعيد لأنهم تركوا رمضان:
стр. 935
يعتقد كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه والتخلص منه، لأنه يحول بينهم وبين ملذاتهم ومشتهياتهم، ويفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، واعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر حبس وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون، وقد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: ((وحيل بينهم وبين ما يشتهون)) (سبأ:٥٤) .
قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، وتسمى تنحيساً واشتقاقه من الأيام النحسات.. وذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه، ولربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، وهذا هو الخسران المبين، وأنشدهم لبعضهم:
إذ العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار
ولا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار
وقال آخر:
جاء شعبان منذراً بالصيام فاسقياني راحاً بماء الغمام
ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: ((ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها)) (الأعراف:١٧٠) ، وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعراً:
دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر
فلو كان يعديني الأنام بقدرة على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر
فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.
стр. 936
وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه، فكثير منهم لا يصلون إلا في رمضان، ولا يجتنب كبائر الذنوب إلا فيه، فيشق على نفسه مفارقتها لمألوفها، فهو يعد الأيام والليالي ليعود إلى المعصية، ومنهم لا يقوى على الصبر عن المعاصي فهو يواقعها في رمضان أ. هـ. هكذا ذكر ابن رجب ﵀ عن أهل زمانه ومن قبلهم.
ولا شك أن الدين يزداد غربة والأمر في شدة، والكثير من هؤلاء الذين يتوقفون ظاهراً عن مألوفاتهم يفرحون بانقضاء الشهر وانصرافه، فالعيد عندهم يوم فرحتهم برجوعهم إلى دنياهم وملاهيهم ومكاسبهم المحرمة أو المكروهة، فأين هؤلاء ممن يحزنون ويستاؤون لاقضاء الشهر؟!، بل من الذين يجعلون السنة كلها صيام وقيام وعبادات وقربات، ويحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات؟!! فالله يرحمهم فما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ونزلت بالبيداء أبعد منزل
الخاتمة
وداعاً يا شهر التوبة
ورد في الحديث أن صيام رمضان سبب لمغفرة الذنوب، وكذا قيامه، وقيام ليلة القدر، والصحيح أن المغفرة تختص بالصغائر، لقوله ﷺ : "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر" رواه مسلم والجمهور على أن الكبائر لا بد لها من توبة.
стр. 937
ثم إن العبد بعد فراق رمضان وقد كُفِّرت عنه سيئاته، يجب عليه أن يحافظ على الصالحات، ويحفظ نفسه عن المحرمات، وتظهر عليه آثار هذه العبادات في بقية حياته، فذلك من علامات قبول صيامه وقيامه وقرباته، فإذا كان بعد رمضان يحب الصلوات ويحافظ على الجمع والجماعات، ويكثر من نوافل الصلاة، ويصلي من الليل ما قدر له، ويُعِّود نفسه على الصيام تطوعاً، ويكثر من ذكر الله تعالى ودعائه واستغفاره، وتلاوة القرآن الكريم وتدبره وتعقله، ويتعاهد الصدقة، ويصل أرحامه ويبر أبويه، ويؤدي ما عليه من الحقوق لربه وللعباد، ويحفظ نفسه ويصونها عن الآثام وأنواع الجرائم، وعن جميع المعاصي وتنفر منها نفسه، ويستحضر دائماً عظمة ربه ومراقبته وهيبته في كل حال، إذا كان كذلك بعد رمضان، فإنه دليل قبول صيامه وقيامه، وتأثره بما عمل في رمضان من الصالحات والحسنات.
ومع ذلك فإن صفة الصالحين وعباد الله المتقين الحزن والأسى على تصرم الأيام الشريفة، والليالي الفاضلة، كليالي رمضان، وهذه صفة السلف الصالح وصدر هذه الأمة رحمهم الله تعالى، فلقد يحزنون لانصراف رمضان، ومع ذلك يدأبون في ذكره، فيدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم، ثم يدعونه ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، فتكون سنتهم كلها في ذكر هذا الشهر، فهو دليل على عظم موقعه في نفوسهم، ويقول قائلهم:
سلام من الرحمن كل أوان على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصيام فإنه أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة فما الحزن من قلبي عليك بفان
لقد ذهبت أيامه وما أطعتم.
وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم.
وكأنكم بالمشمرين وقد وصلوا وانقطعتم.
أترى ما هذا التوبيخ لكم؟!
أو ما سمعتم قلوب المتقين إلى هذا الشهر تحن؟! ومن ألم فراقه تئن؟
كيف لا تجري للمؤمن على فراقه دموع؟! وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع!
стр. 938
شعر:
تذكر أياماً مضت وليالياً خلت فجرت من ذكرهن دموع
أين حرق المجتهدين في نهاره؟!
أين قلق المتهجدين في أسحاره؟!
فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه؟!
ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه؟!!
كم نصح المسكين فما قبل النصح؟!
كم دعى إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح؟!
كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد؟!
كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد؟!
حتى إذا ضاع الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم.
وطلب الاستدراك في وقت العدم.
دموع المحبين تدفق.
قلوبهم من ألم الفراق تشقق.
عسى وقفة للوداع تطفي من نار الشوق ما أحرق.
عسى توبة ساعة وإقلاع ترفوا من الصيام ما تخرق.
عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق.
عسى أسير الأوزار يطلق.
عسى من استوجب النار يعتق.
لا شك أن شهر رمضان أفضل الشهور، فقد رفع الله قدره وشرفه على غيره، وجعله موسماً للخيرات، وجعل صيامه وقيامه سبباً لمغفرة الذنوب وعتق الرقاب من النار.
فتح فيه أبوابه للطالبين، ورغب في ثوابه المتقين.
فالظافر من اغتنم أوقاته، واستغل ساعاته، والخاسر من فرط في أيامه حتى فاته.
جعله الله مطهراً من الذنوب وساتراً للعيوب وعامراً للقلوب.
فيه تعمر المساجد بالقرآن والذكر والدعاء والتهجد.
وتشرق فيها الأنوار وتستنير القلوب.
стр. 939
السراج الوهاج للمعتمر والحاج
الفهرس
تقديم فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين
المقدمة
البيت العتيق
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
فاجعل أفئدة من الناس
فضل الحج والعمرة في الكتاب والسنة
قبل الرحيل
تعريف الحج والعمرة
حكم الحج والعمرة
شروط الحج والعمرة وأركانهما وواجباتهما
مواقيت الحج والعمرة:
القسم الأول: مواقيت زمانية
القسم الثاني: مواقيت مكانية
الميقات الأول: ذو الحليفة
الميقات الثاني: الجحفة.
الميقات الثالث: قرن المنازل (السيل الكبير) .
... الميقات الرابع: يلملم (السعدية) .
الميقات الخامس: ذات عرق.
تنبيهات:
التنبيه الأول: من ركب الباخرة أو الطائرة كيف يحرم؟!.
التنبيه الثاني: من كان دون المواقيت كيف يحرم؟!.
التنبيه الثالث: من أتى مكة لا يريد النسك هل يلزمه الإحرام؟!.
أنواع الإنساك وأفضلها والنسك الذي أهلَّ به النبي ﷺ .
الإحرام: صفته وما يتعلق به.
تنبيه مهم: من أراد أن يضحي
الاشتراط في الإحرام، صفته ومتى يكون؟
صفة التلبية ومواضعها:
محظورات الإحرام:
محظورات الإحرام المشتركة بين الرجال والنساء
محظورات الإحرام الخاصة بالرجال.
محظورات الإحرام الخاصة بالنساء.
من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام
ما يباح للمحرم فعله.
الطواف حول البيت، كيفيته وشروطه.
أدعية الطواف
تنبيه: حول كتب الأدعية التي تباع عند الحرم.
السعي بين الصفا والمروة.
أعمال الحج:
يوم التروية (اليوم الثامن من ذي الحجة) .
يوم عرفة (اليوم التاسع من ذي الحجة) .
ليلة مزدلفة (ليلة العاشر من ذي الحجة -ليلة العيد-) .
تنبيهات مهمة: أخطاء بعض المطوفين:
١- أخذهم للحجاج من مكة إلى عرفة مباشرة.
٢- عدم نزولهم بالحجاج في مزدلفة والمبيت فيها.
стр. 940
٣- التقاط الحصى قبل الصلاة.
أعمال يوم النحر (يوم العيد: اليوم العاشر من ذي الحجة)
أولاً: رمي جمرة العقبة.
ثانياً: ذبح الهدي.
ثالثاً: الحلق أو التقصير.
رابعاً: طواف الإفاضة
أيام التشريق وما يفعل بها (اليوم الحادي والثاني والثالث عشر من ذي الحجة)
أولاً: المبيت ليالي منى.
ثانياً: رمي الجمار أيام التشريق.
آخر أعمال الحج طواف الوداع.
الزيارة قبل الحج أو بعده وآثارها في الأمة.
أدعية جامعة يستحب تكرارها يوم عرفة وغيره من المناسك.
خاتمة في التوبة والإقلاع عن المعاصي.
ملاحق الحج:
١- بعض الأخطاء التي يقع فيها الكثير من الحجاج.
٢- فضل أيام عشر ذي الحجة والأعمال الواردة فيها.
٣- فتاوى الحج:
حكم الحج والوعيد الشديد على من تركه مستطيعاً.
من حج وهو تارك للصلاة هل يحسب له حج أم لا؟.
حكم الاستنابة في الحج.
حكم الحج للجنود وهم في لباسهم الرسمي.
هل جدة ميقات؟.
أدى بعض أعمال العمرة وتركها خوف الزحام؟.
حكم الإنابة في رمي الجمار.
رمي الجمار قبل الزوال في اليوم الثاني عشر للمتعجل؟
تقديم فضيلة الشيخ العلامة
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
الحمد لله الذي سهل طريق العبادة، وأحكم كل ما فرضه وأراده، وبيَّن شرائع دينه ونفَّذ مراده، أحمده سبحانه وأشكره، وقد تأذن للشاكرين بالزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وآمل أن يُختم لي بمثل هذه الشهادة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأولاده وأحفاده، وسلم تسليماً كثيراً، وبعد:
стр. 941
فقد كنت ألقيت محاضرة في بعض المساجد بمناسبة موسم الحج، تكلمت فيها على المناسك، ومنافع الإحرام والطواف والسعي، والوقوف والتلبية ونحوها، ثم إن بعض الإخوان قام بتفريغها من الأشرطة التي سُجلت بها، وعرضها علي، فأصلحت فيها الأخطاء التي نتجت عن الارتجال، وكمَّلت ما نقص منها كأعمال يوم النحر، وطواف الوداع، وأضفت إليها مقالاً كنت قد كتبته فيما يتعلق بزيارة المسجد النبوي، وختمتها بخاتمة تتعلق بالتوبة النصوح، وحال من أدى هذه المناسك بعد رجوعه، وعلامات قبول الحج أو رده، وما ينبغي أن يكون عليه بقية حياته، وذلك للحاجة الماسة إلى ذلك.
وأذنت بطبع هذه المحاضرة وما أضيف إليها، رجاء أن يعم النفع بها من أراد الله به خيراً، مع علمي بالقصور، وضعف المادة العلمية معي، وأن الكثير من أكابر العلماء قديماً وحديثاً قد كتبوا في المناسك وتوسعوا، أو اختصروا، وقلَّت الحاجة إلى إضافة شيء جديد، ولكن لكل مجتهد نصيب، وقد يكون فيما كتبته أو قلته تنبيه أو توضيح لشيء قد يخفى على البعض.
وقد رأينا كثرة الجهل في من يؤدي هذه المناسك، ووقوع المخالفات التي تقع من الجماهير، عن تقليد أو ظن خاطئ ثم بعد الوقوع يستفصل عن الحكم، فيقع في حرج ومشقة، وكان الأولى أن يتأكد من الأعمال قبل مباشرتها، فعلى المسلم أن يكون على بصيرة من دينه، وأن يحرص على براءة ذمته مما أوجب الله عليه، حتى يخرج من العهدة، والله أعلم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
стр. 942
فقد أرسل الله سبحانه محمداً بالحق بشيراً ونذيراً، وأمره بأن يبين للناس ما نزِّل إليهم، وأن يبين لهم شريعتهم، قال تعالى: ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)) (سورة النحر: ٤٤) . فبين لهم ﷺ هذا الدين الذي بُعث به وأمر بتبليغه، وبين أن لهذا الدين أركان، بقوله ﷺ : "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً".
فبدأ بالشهادتين وبيَّن ما يدخل فيهما، ودعى إلى التوحيد أكثر عمره في مكة، أي نحو عشر سنين.
ثم بعد مضي العشر بدأ في بيان الركن الثاني وهو الصلاة، حيث فُرضِت عليه فأقامها بمكة ثلاث سنين وبقية عمره أيضاً بالمدينة. وفرضت عليه قرينتها -وهي الزكاة- في المدينة، وهي الركن الثالث من الأركان، وقد بين أحكامها ﷺ أتم بيان.
وفرض عليه الركن الرابع -وهو الصوم- بالمدينة، فبينه بقوله وفعله ﷺ .
وفرض عليه الركن الخامس وهو الحج إلى بيت الله الحرام، وقيل: إنه فرض في السنة السادسة من الهجرة. وقيل: في السنة التاسعة وهو الصحيح الذي تدل عليه الأدلة.
والحج كما هو معلوم كان مأموراً به من قبل، ولكن لم يفرض إلا في السنة التاسعة كما ذكرنا، ولم يتمكن النبي ﷺ من أدائه وبيانه بالفعل إلا في السنة العاشرة فعند ذلك بيّنه ﷺ بقوله وفعله بأدائه كاملاً، وكان ﷺ يحث أصحابه على أن يحفظوا عنه المناسك، فكان يقول ﷺ : "خذوا عني مناسككم، فلعلي لا أراكم بعد عامي هذا". وعاش بعد ذلك نحو إحدى وثمانين أو اثنتين وثمانين ليلة، وختمت بذلك حياته وانتقل إلى الرفيق الأعلى ﷺ .
стр. 943
وقد احتفظ صحابته ببيانه، وبما بلَّغه ﷺ في هذا الركن العظيم وفي غيره من الأركان.
لقد أعلن النبي ﷺ للناس بأنه سوف يحج في ذلك العام في سنة عشر، فلما أعلنه وأظهره توافد كثير ممن حول المدينة، إلى المدينة، وقصدهم صحبة النبي ﷺ والسفر معه؛ حتى يؤدوا المناسك مثل ما يؤديها، واجتمع في المدينة خلق كثير، أما الذين لم يتمكنوا من المجيء إلى المدينة، فإنهم توجهوا من بلادهم التي هم فيها إلى مكة مباشرة.
وكانت مكة قد طُهِّرَت من الأصنام ومن المشركين ومن العادات الجاهلية، وذلك لأن النبي ﷺ أرسل أبا بكر وغيره من الصحابة في سنة تسع، وأمرهم بأن ينادوا: "أن لا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان". فنادوا بذلك، فعرف الناس هذا الحكم، فلم يطف بالبيت عريان بعد ذلك العام، ولم يحج أحد من المشركين حيث إن الله أظهر حرمة مكة وقداستها، ونهى المشركين أن يدخلوها.
وسوف نتناول هذه الفريضة، فضلها وأحكامها مستعرضين ما قد يقع فيه البعض من قصور أو أخطاء في أداء تلك المناسك، ونحرص أن نذكر شيئاً من الحِكَم التي تعين العبد أن يعلم الحكمة والمصلحة التي شرعت لأجلها هذه العبادة، فإن معرفة العبد للحكمة والمصلحة تشرح قلبه، وتجعله يدرك أن الله تعالى ما شرع شيئاً إلا وفيه مصلحة، وأنه ليس شيء من أحكام الله شُرع عبثاً بل كل نسك من تلك النسائك، وكل عبادة من تلك العبادات فيها مصلحة ظاهرة جليَّة، فيحرص أن يتأثر بها، وأن تبقى آثارها عليه بقية حياته.
نسأل الله أن يرزقنا حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعملاً صالحاً مقبولاً، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
البيت العتيق
стр. 944
الحج كما ذكرنا ركنٌ من أركان الإسلام، وقد كان معمولاً به في الشرائع السابقة. فقد ذكر المؤرخون أن الله تعالى أنزل هذا البيت العتيق لآدم ﵇ لما هبط إلى الأرض، فأحب أن يكون له موضع يقصده، ويتعبّد فيه، ويطوف به كما تطوف الملائكة بالبيت المعمور. فعند ذلك جعل الله له هذا البيت العتيق ليتعبد فيه. ثم أخبر ﵊ بأن الأنبياء، قد قصدوه، فقصده نوح وهود وصالح ونحوه من الأنبياء ﵈، وذكر ﷺ أنهم توجهوا إليه، يُلبُّون على رواحلهم قاصدين أداء المناسك في تلك المشاعر المفضلة.
وهكذا استمروا، ولكن مع توالي السنين انهدم البيت وبقي مكانه مرتفعاً، حتى جدده إبراهيم وإسماعيل ﵉، قال الله تعالى: ((وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت)) (الحج:٢٦) . يعني أخبرناه بموضعه الذي كان موجوداً فيه حتى يعيد بناءه، فأعاده هو وإسماعيل ﵉، قال الله تعالى: ((وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود)) (البقرة:١٢٥) .
وأخبر بأنه أقامه هو وابنه إسماعيل ﵉ في قوله تعالى: ((وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا)) (البقرة:١٢٧) .
هكذا جدده إبراهيم وإسماعيل ﵉ وبقي مقصوداً تعترف به العرب؛ بل وتعدُّه فخرها وعزّها وذخرها، ويأتون إليه من أماكن بعيدة، يؤدون فيه المناسك، فيطوفون، ويسعون ويعتمرون، ويحجون ويذهبون إلى المناسك والمشاعر التي حوله، ويرجعون وقد تزودوا بما تزودوا به من الأعمال.
стр. 945
لكن مع توالي الجهل، ومرور السنين أحدثوا فيه أحداثاً، وجعلوا فيه بدعاً ومنكرات ليست من الدين، والذي حملهم على ذلك جهلهم، فكان ولابد أن يكون هناك من يجدد هذه المشاعر، فبعث الله نبيه ﷺ ، وحج بالناس في سنة عشر، وأعاد المناسك إلى ما كانت عليه في عهد أبيه إبراهيم وإسماعيل ﵉، وردّ كل المحدثات التي أقامها المشركون، سواء كانت قولية أم فعلية، وعاد الناس إلى معرفة الأحكام، ومعرفة ما عليهم، وهو الذي بقي -والحمد لله- إلى هذا الزمان.
وقد أظهر الله تعالى حرمة مكة وقداستها ونهى المشركين أن يدخلوها، ونهى المؤمنين أن يُمكِّنوا المشركين من دخولها، قال الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجسٌ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)) (التوبة:٢٨) . وقد امتثل المسلمون لذلك إلى زماننا هذا، فلا يجوز لأيِّ كافر أو مشرك أن يدخل مكة.
وهكذا بقيت مكة -والحمد لله- مصونة ومحفوظة من المشركين، لا يدخلها إلا الموحدون المسلمون، وذلك لأنها البقعة المباركة المشرفة التي لها فضلها، وبها المسجد الحرام الذي أخبر الله بفضله، وسماه بهذا الاسم، فقال تعالى: ((لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون)) (الفتح:٢٨) .
وقد أخبر النبي ﷺ بقدسية ذلك المسجد وبأهميته، فقال ﷺ : "فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مئة ألف صلاة، وفي مسجدي ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمس مئة صلاة".
فأخبر بفضل هذه المساجد الثلاثة، فالصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة، والمسجد النبوي بألف، والمسجد الحرام بمائة ألف.
والصلاة الواحدة تعدل هذا الفضل! وما ذاك إلا لشرف المكان وَقِدَمِ العبادة، ولأنه قبلة المسلمين الذين يهوون إليه في كل زمان ومكان.
стр. 946
فلما كانت هذه مكانته، كان مخصوصاً لأن يكون محلاً لأداء المناسك والعبادات، فالحجُّ لا يكون إلا إلى مكة، والعمرة لا تكون إلا إلى مكة، ولا يكون الطواف إلا بالبيت، فلا توجد بقعة أو تربة يجوز أن يُطاف بها إلا البيت العتيق، ومن هنا تستمد أهميته ومكانته.
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
العبادات التي يُتعبد بها في مكة المكرمة لا شك أنها قربات يُتقرب بها إلى الله تعالى، وذلك لأنه هو المعبود وحده، ولأن تلك الأماكن لها فضلها، ولها ميزتها، وتضاعف فيها العبادة، فيقصدها المؤمنون لمضاعفة أجر العبادة فيها، وهم يعرفون أن الله تعالى هو المعبود، بخلاف المشركين الأولين، فإنهم كانوا يعتقدون أن المعبود هو أصنامهم التي كانوا يعظمونها في تلك البقاع، فمحا الإسلام ذلك، وجعل التعظيم لله تعالى وحده.
وإن تعظيم تلك المشاعر تعظيمٌ للرب الذي شرع تلك المشاعر وتلك الحرمات، فقول الله تعالى: ((وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تُشرك بي شيئاً)) (الحج:٢٦) . بدأ بالنهي عن الشرك، وذلك حتى لا يتخذ ذلك الموقع معبداً لغير الله، تعبد فيه الأصنام، ثم قال الله تعالى: ((وطهر بيتي للطائفين والقائمين والرُكع السجود)) (الحج:٢٦) .
أمر بأن يُطهَّر وليس التطهير بغسله بالماء، ولكن تطهيره من الأقذار والأرجاس والأنجاس والشركيات والبدع والمحدثات، فيطهره من هذه الأشياء، لأنه مكان مقدس، ولأنه موضع العبادة.
وأمر بأن يُطهر، لأن هناك من يقصده لأن يطوف به، والطواف عبادة، وهناك من يقصده لأجل الاعتكاف فيه، والاعتكاف عبادة، وهناك من يقصده للصلاة فيه، أي: الصلاة التي هي قيام وقعود، وركوع وسجود، وهي كلها عبادة. فأمر بأن يكون المكان نظيفاً طاهراً من الأرجاس والأنجاس والشركيات والبدعيات ونحوها.
стр. 947
وقد جعل الله تلك البقاع بقاعاً آمنة مقدسة، وأبقى فيها الآيات التي هي من آيات الله تعالى الكونية، قال تعالى: ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)) (آل عمران:٩٦-٩٧) .
ومن هذه الآيات البينات التي لا تزال فيه مقام إبراهيم ﵇ الذي كان يقوم عليه، فإنه لما كان يبني البيت ظهرت آثار قدمه على الحجر مع طول مقامه ووقوفه عليه، فأصبح ذلك الحجر آية من آيات الله الباقية.
يقول أبو طالب:
وموطئُ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه غير ناعل
هذا المقام جُعل آية من آيات الله، وجُعِلَ في هذا المكان، وأمر المصلون بأن يصلوا خلف المقام، قال الله تعالى: ((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)) (البقرة:١٢٥) . أي: صلُّوا عنده، وصلاتكم تكون لربكم وحده، وإنما يكون ذلك المقام، وذلك البيت قبلة لكم تتوجهون إليه.
وهذا البيت الذي أمر الله بتطهيره في قوله تعالى: ((أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين)) (البقرة:١٢٥) . له أهميته، وله مكانته، وله منزلته في النفوس، ولأجل ذلك فإن قلوب العباد تتجه إليه، وتتعلق به، في شرق البلاد وغربها، وفي قريبها وبعيدها، حيث إنه قبلتهم التي يتوجهون إليها في صلاتهم، وفي أدعيتهم، قال الله تعالى: ((قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)) (البقرة:١٤٤) .
فالمسلمون في بقاع الأرض عندما يتوجهون في صلاتهم يستقبلون هذا البيت، وهذا الاستقبال بلا شك يبعث هممهم ويحرك بواعثهم وقلوبهم على الإكثار من زيارته والتردد إليه، حيث إنه البيت المعظم والبيت المحرَّم.
стр. 948
وقد سمى الله هذا البيت محرماً ومباركاً؛ بل وسمى البلد التي وضع بها (البلد الأمين) قال تعالى: ((ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم)) (إبراهيم:٣٧) . وقال تعالى: ((وهذا البلد الأمين)) (التين:٣) . وقال تعالى: ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين)) (آل عمران:٩٦) .
وما دام أن هذه أهميته، وأن هذا قدره في النفوس فإن من حق العباد أن يأتوا إليه ليقدسوا ويعظموا حرمات الله، لذلك قال الله تعالى: ((ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) (الحج:٣٠) . وقال تعالى: ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (الحج:٣٢) . فالمشاعر التي حوله هي من شعائر الله، والمناسك التي عنده هي من حرمات الله، وتعظيمها تعظيم لله وعبادة لله، وليس ذلك تقديساً لتلك البقعة بنفسها، وإنما هي لمعرفة أهميتها ومكانتها، وعظم العبادة فيها وشرفها.
فاجعل أفئدة من الناس
أمر الله نبيه إبراهيم ﵇ أن ينادي بالحج في قوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج)) (الحج:٢٧) . ثم إنه -كما في بعض الآثار- صعد على جبل أبي قبيس فنادى: "يا أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا"، فسمعه من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، أي: سماع قبول، وإن لم يسمعوا الصوت كما هو، أي: أُلهموه، وقُذِفَ في قلوبهم، وعرفوا حكمه، فإذا جاء الحج، وقرب موسمه، فإن المؤمنين الذين وقرَ الإيمان في قلوبهم تجدهم في أطراف البلاد وأقاصي الأرض تحن قلوبهم، ويتمنون أن يتيسر لهم الحج، فمن تيسر له، أتى إليه -رغم ما يجد من المشقة والصعوبات ومن لم يتيسر له غَبَط الذين أدوا هذا النسك، وعرف فضلهم، وما حازوه من الحسنات.
стр. 949
وقد جعل الله الأفئدة تحنُّ إلى تلك المشاعر استجابة لدعوة إبراهيم ﵇، فقال تعالى: ((فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم)) (إبراهيم:٣٧) . ولم يقل: أفئدة الناس: يعني: أفئدتهم كلهم؛ بل قال: ((أفئدة من الناس)) يعني بعضاً منهم، فالذين يحجون كل عام قسم قليل من المؤمنين في أطراف البلاد.
فضل الحج والعمرة في الكتاب والسنة
قال رسول الله ﷺ : "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" وفي لفظ لمسلم: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه". وقال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
والحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفِّيت أحكامه ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان ولا يعاود المعاصي. والمبرور مأخوذ من البر وهو الطاعة والله أعلم.
وقال ﷺ لعمرو بن العاص: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ ".
وسُئِلَ النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".
وقال ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة".
وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة". وعند النسائي: ".. ولَكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله، حج البيت حج مبرور".
стр. 950
وقال ﷺ : "وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر".
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله. دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم".
وقال ﷺ : "جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة".
وعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ".
وقال ﷺ : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة...".
وقال ﷺ : "... فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي".
وقال عبد الله بن عبيد لابن عمر ﵄: ما لي أراك لا تستلم إلا هذين الركنين: الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مسحهما يحط الخطايا" وسمعته يقول: "من طاف (بهذا) البيت سبعاً وصلى ركعتين كان كعتق رقبة" وسمعته يقول: "ما رفع رجل قدماً ولا وضعها إلا كتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات".
وثبت عنه ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه.
ومن طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له يوم القيامة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: "والله ليبعثه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق".
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا بني آدم".
قبل الرحيل
следующие страницы →