Полный текст (1 746 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
فلما كانت هذه مكانته، كان مخصوصاً لأن يكون محلاً لأداء المناسك والعبادات، فالحجُّ لا يكون إلا إلى مكة، والعمرة لا تكون إلا إلى مكة، ولا يكون الطواف إلا بالبيت، فلا توجد بقعة أو تربة يجوز أن يُطاف بها إلا البيت العتيق، ومن هنا تستمد أهميته ومكانته.
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى
العبادات التي يُتعبد بها في مكة المكرمة لا شك أنها قربات يُتقرب بها إلى الله تعالى، وذلك لأنه هو المعبود وحده، ولأن تلك الأماكن لها فضلها، ولها ميزتها، وتضاعف فيها العبادة، فيقصدها المؤمنون لمضاعفة أجر العبادة فيها، وهم يعرفون أن الله تعالى هو المعبود، بخلاف المشركين الأولين، فإنهم كانوا يعتقدون أن المعبود هو أصنامهم التي كانوا يعظمونها في تلك البقاع، فمحا الإسلام ذلك، وجعل التعظيم لله تعالى وحده.
وإن تعظيم تلك المشاعر تعظيمٌ للرب الذي شرع تلك المشاعر وتلك الحرمات، فقول الله تعالى: ((وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تُشرك بي شيئاً)) (الحج:٢٦) . بدأ بالنهي عن الشرك، وذلك حتى لا يتخذ ذلك الموقع معبداً لغير الله، تعبد فيه الأصنام، ثم قال الله تعالى: ((وطهر بيتي للطائفين والقائمين والرُكع السجود)) (الحج:٢٦) .
أمر بأن يُطهَّر وليس التطهير بغسله بالماء، ولكن تطهيره من الأقذار والأرجاس والأنجاس والشركيات والبدع والمحدثات، فيطهره من هذه الأشياء، لأنه مكان مقدس، ولأنه موضع العبادة.
وأمر بأن يُطهر، لأن هناك من يقصده لأن يطوف به، والطواف عبادة، وهناك من يقصده لأجل الاعتكاف فيه، والاعتكاف عبادة، وهناك من يقصده للصلاة فيه، أي: الصلاة التي هي قيام وقعود، وركوع وسجود، وهي كلها عبادة. فأمر بأن يكون المكان نظيفاً طاهراً من الأرجاس والأنجاس والشركيات والبدعيات ونحوها.
стр. 947
وقد جعل الله تلك البقاع بقاعاً آمنة مقدسة، وأبقى فيها الآيات التي هي من آيات الله تعالى الكونية، قال تعالى: ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)) (آل عمران:٩٦-٩٧) .
ومن هذه الآيات البينات التي لا تزال فيه مقام إبراهيم ﵇ الذي كان يقوم عليه، فإنه لما كان يبني البيت ظهرت آثار قدمه على الحجر مع طول مقامه ووقوفه عليه، فأصبح ذلك الحجر آية من آيات الله الباقية.
يقول أبو طالب:
وموطئُ إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه غير ناعل
هذا المقام جُعل آية من آيات الله، وجُعِلَ في هذا المكان، وأمر المصلون بأن يصلوا خلف المقام، قال الله تعالى: ((واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)) (البقرة:١٢٥) . أي: صلُّوا عنده، وصلاتكم تكون لربكم وحده، وإنما يكون ذلك المقام، وذلك البيت قبلة لكم تتوجهون إليه.
وهذا البيت الذي أمر الله بتطهيره في قوله تعالى: ((أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين)) (البقرة:١٢٥) . له أهميته، وله مكانته، وله منزلته في النفوس، ولأجل ذلك فإن قلوب العباد تتجه إليه، وتتعلق به، في شرق البلاد وغربها، وفي قريبها وبعيدها، حيث إنه قبلتهم التي يتوجهون إليها في صلاتهم، وفي أدعيتهم، قال الله تعالى: ((قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره)) (البقرة:١٤٤) .
فالمسلمون في بقاع الأرض عندما يتوجهون في صلاتهم يستقبلون هذا البيت، وهذا الاستقبال بلا شك يبعث هممهم ويحرك بواعثهم وقلوبهم على الإكثار من زيارته والتردد إليه، حيث إنه البيت المعظم والبيت المحرَّم.
стр. 948
وقد سمى الله هذا البيت محرماً ومباركاً؛ بل وسمى البلد التي وضع بها (البلد الأمين) قال تعالى: ((ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم)) (إبراهيم:٣٧) . وقال تعالى: ((وهذا البلد الأمين)) (التين:٣) . وقال تعالى: ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين)) (آل عمران:٩٦) .
وما دام أن هذه أهميته، وأن هذا قدره في النفوس فإن من حق العباد أن يأتوا إليه ليقدسوا ويعظموا حرمات الله، لذلك قال الله تعالى: ((ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه)) (الحج:٣٠) . وقال تعالى: ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (الحج:٣٢) . فالمشاعر التي حوله هي من شعائر الله، والمناسك التي عنده هي من حرمات الله، وتعظيمها تعظيم لله وعبادة لله، وليس ذلك تقديساً لتلك البقعة بنفسها، وإنما هي لمعرفة أهميتها ومكانتها، وعظم العبادة فيها وشرفها.
فاجعل أفئدة من الناس
أمر الله نبيه إبراهيم ﵇ أن ينادي بالحج في قوله تعالى: ((وأذن في الناس بالحج)) (الحج:٢٧) . ثم إنه -كما في بعض الآثار- صعد على جبل أبي قبيس فنادى: "يا أيها الناس، إن الله فرض عليكم الحج فحجوا"، فسمعه من في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، أي: سماع قبول، وإن لم يسمعوا الصوت كما هو، أي: أُلهموه، وقُذِفَ في قلوبهم، وعرفوا حكمه، فإذا جاء الحج، وقرب موسمه، فإن المؤمنين الذين وقرَ الإيمان في قلوبهم تجدهم في أطراف البلاد وأقاصي الأرض تحن قلوبهم، ويتمنون أن يتيسر لهم الحج، فمن تيسر له، أتى إليه -رغم ما يجد من المشقة والصعوبات ومن لم يتيسر له غَبَط الذين أدوا هذا النسك، وعرف فضلهم، وما حازوه من الحسنات.
стр. 949
وقد جعل الله الأفئدة تحنُّ إلى تلك المشاعر استجابة لدعوة إبراهيم ﵇، فقال تعالى: ((فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم)) (إبراهيم:٣٧) . ولم يقل: أفئدة الناس: يعني: أفئدتهم كلهم؛ بل قال: ((أفئدة من الناس)) يعني بعضاً منهم، فالذين يحجون كل عام قسم قليل من المؤمنين في أطراف البلاد.
فضل الحج والعمرة في الكتاب والسنة
قال رسول الله ﷺ : "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" وفي لفظ لمسلم: "من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه". وقال ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
والحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ولم يخالطه إثم ولا يعقبه معصية، وهو الحج الذي وُفِّيت أحكامه ووقع موقعاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، وهو المقبول، ومن علامات القبول أن يرجع خيراً مما كان ولا يعاود المعاصي. والمبرور مأخوذ من البر وهو الطاعة والله أعلم.
وقال ﷺ لعمرو بن العاص: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ ".
وسُئِلَ النبي ﷺ : أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله". قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور".
وقال ﷺ : "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحج المبرور ثواب إلا الجنة".
وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: "نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة". وعند النسائي: ".. ولَكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله، حج البيت حج مبرور".
стр. 950
وقال ﷺ : "وفد الله ثلاثة: الغازي، والحاج، والمعتمر".
وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله. دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم".
وقال ﷺ : "جهاد الكبير، والصغير، والضعيف، والمرأة: الحج والعمرة".
وعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ ".
وقال ﷺ : "خير الدعاء دعاء يوم عرفة...".
وقال ﷺ : "... فإن عمرة في رمضان تقضي حجة معي".
وقال عبد الله بن عبيد لابن عمر ﵄: ما لي أراك لا تستلم إلا هذين الركنين: الحجر الأسود والركن اليماني؟ فقال ابن عمر: إن أفعل فقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن مسحهما يحط الخطايا" وسمعته يقول: "من طاف (بهذا) البيت سبعاً وصلى ركعتين كان كعتق رقبة" وسمعته يقول: "ما رفع رجل قدماً ولا وضعها إلا كتب له عشر حسنات، وحط عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات".
وثبت عنه ﷺ أن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه.
ومن طاف بالبيت العتيق واستلم الحجر الأسود شهد له يوم القيامة؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: "والله ليبعثه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق".
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضاً من الثلج فسودته خطايا بني آدم".
قبل الرحيل
стр. 951
يجب على الحاج قبل السفر والرحيل إلى تلك الديار المقدسة، أن يأتي بأمور تكون مكملة لحجه وعمرته وحتى تكون سبباً في قبول العمل بإذن الله تعالى ومن ذلك:
١. الاستخارة والاستشارة: فلا خاب من استخار ولا ندم من استشار، فيستخير الله في الوقت والراحلة والرفيق وجهة الطريق إن كثرت الطرق. ثم يستشير أهل الخبرة والصلاح، وصفة الاستخارة: أن يصلي ركعتين، ثم يدعو بالدعاء الوارد، في كتب الأذكار والأدعية.
٢. إخلاص النية لله تعالى: فيجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة، لتكون أعماله وأقواله ونفقاته مقربة إلى الله تعالى، قال ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى". وعلى الحاج أن يحذر كل الحذر من أن يقصد بحجه الدنيا وحطامها، أو الرياء والسمعة والمفاخرة بذلك، لأن ذلك مما يحبط العمل والعياذ بالله قال تعالى: ((من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون)) (هود:١٥-١٦) .
٣. تعلم أحكام الحج والعمرة وما يتعلق بهما: فيجب على الحاج معرفة الأحكام المتعلقة بهذا الركن العظيم، فيتعلم شروطه وواجباته وأركانه وسننه، حتى يعبد الله على بصيرة، وحتى لا يقع في الأخطاء التي قد تفسد عليه حجه. وقد كتب العلماء قديماً وحديثاً في هذا الموضوع فعلى الحاج أن يقرأها، ويسأل العلماء والمشايخ عما أشكل عليه في حجه أو عمرته.
стр. 952
٤. توفير المؤونة لأهله، والوصية لهم بالتقوى: فينبغي على كل من عزم على السفر لحج أو لعمرة أو لغيره من الأمور أن يوفر لأهله ومن تجب عليه نفقتهم، ما يحتاجون إليه من المال والطعام والشراب وغير ذلك حتى لا يتركهم عالة على الناس، فقد يحدث لأبنائه أو والديه أو زوجه مكروه وليس عندهم المال فيقعوا في الحرج ويمدوا أيديهم للناس. ثم أمر آخر وهو وصيتهم بالتقوى، والتقوى معناها: فعل ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر. والتقوى خير زاد للمسلم في حلِّه وترحاله: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب)) (البقرة:١٩٧) .
٥. التوبة من جميع الذنوب والمعاصي: قال تعالى: ((وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون)) (النور:٣١) .
وحقيقة التوبة:
- الإقلاع عن جميع الذنوب والمعاصي وتركها.
- والندم على فعل ما مضى.
- والعزيمة على عدم العودة إليها.
- وإذا كان عنده مظالم للناس ردّها وتحللهم منها؛ سواء كانت عرضاً أو مالاً أو غير ذلك.
٦. اختيار النفقة الحلال: التي تكونت من الكسب الطيب، حتى لا يكون في حجه شيءٌ من الإثم، فإن الذي يحج وكسبُه مشتبه فيه قد لا يُقبل حجُّه، وقد يكون مقبولاً، ولكنه آثم من جهة، ففي الحديث المشهور الذي يقول فيه الرسول ﷺ : "إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الحرام الخبيثة، ووضع رجله في الغَرْز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، وراحلتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور".
وهكذا -كما ورد في هذا الحديث- يخاف الإنسان أن يكون حجه مأزوراً، فيدعو الله أن يقبل حجّه فيقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً صالحاً مقبولاً.
стр. 953
وإذا كان كذلك فإن عليه أن يأتي بالأسباب التي تجعل حجه مبروراً، وسعيه مشكوراً، وذنبه مغفوراً، وعمله صالحاً مقبولاً، ومن هذه الأسباب: الكسب الحلال، والنفقة الطيبة التي هي من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الكسب الطيب.
وقد ذهب بعضهم إلى أنه لا يُقْبلُ حجُّ من تزود بمال حرام حتى قال بعضهم:
إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل صالحة ما كل من حج بيت الله مبرور
٧. اختيار الصحبة الصالحة: فإنك إذا اخترت رفقة من الصالحين لا شك أنك تستفيد منهم، وتربح ربحاً كبيراً في الدنيا والآخرة، أي: إذا كانت رفقتك وصحبتك الذين ترافقهم -ولو كانت المسافة قصيرة- من الصالحين فإنَّك تستفيد منهم، يذكرونك إذا نسيت، ويعلمونك ما جهلت، ويعاونونك على ما عجزت عنه، وينشطونك على نوافل العبادة، ويساعدونك على ما قد تغفل عنه إذا كنت وحدك، فكثيراً ما يغفل الإنسان عن كثير من السنن ونوافل العبادة، وكثيراً ما يتكاسل عنها.
وهكذا إذا كان مع أُناس جهلة، فإنَّه كثيراً ما يقع منهم شيء من المخالفات، ولا يعرفون أنه خالف للسنة، فإذا كانت الرفقة من شباب متحمس من أهل المعرفة، ومن طلبة العلم، الذين معهم علم وزهد وورع ومحبة للعبادة ورغبة في الاستكثار منها، فهؤلاء هم الذين يُستفاد من صحبتهم.
стр. 954
٨. أدعية وآداب السفر: للسفر آداب وأدعية خاصة يجب على المسافر للحج وغيره أن يتعلمها، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً، ثم قال: "سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطْوِ عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل" رواه مسلم.
ومن آداب السفر:
* التكبير إذا صعد المسافر الثنايا، والتسبيح إذا هبط وادياً، ونحوه.
* يستحب إذا نزل منزلاً أن يقول: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه".
* استحباب السفر في يوم الخميس أول النهار.
والآداب كثيرة ونكتفي بهذا حتى لا يطول بنا المقام.
تعريف الحج والعمرة
أولاً: تعريف الحج:
الحج لغة: قصد الشيء وإتيانه.
وشرعاً: قصد البيت الحرام، في وقت مخصوص، على وجه مخصوص، وهو الصفة المعلومة من الشرع من الإحرام والتلبية والوقوف بعرفة والطواف بالبيت وغير ذلك من الأفعال المشروعة فيه.
ثانياً: تعريف العمرة:
العمرة لغة: الزيارة.
وشرعاً: زيارة بيت الله الحرام لأداء هذا النسك على وجه مخصوص، من الإحرام، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
حكم الحج والعمرة
فرض الله الحجَّ والعمرة على الصحيح، وجعلهما من واجبات المسلم في حياته، فقال تعالى،: ((وأتموا الحج والعمرة لله)) [البقرة:١٩٦] . وقال: ((ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)) [آل عمران:٩٧] .
وقالت تعالى: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)) [الحج:٢٧] .
стр. 955
تدُل هذه الآيات على فرضية تلك العبادة، وأنها أحدُ أركان الإسلام التي بني وقام عليها، كما ورد في الحديث في تفسيره ﷺ للإسلام والذي جاء فيه: "أن تشهد أن لا إله إِلاَّ الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجَّ البيت إِن استطعتَ إِليه سبيلاً".
وقد فرض الحج في آخر حياة النبي ﷺ ، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى إنه يجب على التراخي!
ولكن الصحيح أنه يجب على الفور بمعنى أن العبد متى تمكن من أدائه، وزالت المحظورات، وقدر عليه وجب عليه أن يأتي به، ولم يجز له تأخيره.
ومن حكمة الله أنه ما فرضه إلا مرة واحدة، فقد روى الإمام أ؛ مد في "مسنده"، وأبو دواد، وابن ماده عن ابن عباس ﵄ أن الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله: الحج في كل سنة، أو مرة واحدة؟ قال: "بل مرة واحدة، فمن زاد فهو تطوع".
فإذا أدَّى العبد هذه العبادة مرة واحدة، خرج من عهدة الوجوب، ومازاده فإن له أجراً في تلك الزيادات التي هي تنفُّل، وعبادات.
والحج فضائله كثيرة لو لم يكن منها إلاَّ قول النبي ﷺ : "العمرة إلى العمرة كفارةً لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلاَّ الجنة".
وكذلك قوله ﷺ : "من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه"، أي: خرج من ذنوبه، كما في الرواية الأُخرى.
وفي هذا حثُّ للعبد على أَن يكون مهتماً بأَداء هذا النسك فرضاً أو تطوعاً، ويحمله على أن يكون مبادراً إلى ذلك قبل أن يعوقه عائق، وقبل أن يشغله شاغل.
شروط الحج والعمرة
وأركانهما وواجباتهما
أولاً: شروط الحج والعمرة:
معلوم أن الواجبات لا تلزم أحداً إلا بشروط يلزم وجودها ليصح منه العمل، ومن ذلك فريضة الحج، فإنه لا يجب على أحد إلا بشروط خمسة ذكرها العلماء:
стр. 956
الشرط الأول: الإسلام، فإن الكافر لا يقبل منه حج ولا عمرة، ولا أي عبادة من العبادات، في دين الله إلا إذا أسلم ودخل في دين الله.
الشرط الثاني: العقل، فالمجنون لا يجب عليه حج ولا عمرة.
الشرط الثالث: البلوغ، وهو ظهور أحد علامته وهي:
١- إنزال المني.
٢- نبات شعر العانة.
٣- تمام خمس عشرة سنة.
٤- وتزيد المرأة بأمر رابع وهو: الحيض.
فائدة:
لا يجب الحج على الصغير الذي لم يبلغ، ولكن يصح الحج منه، وله أجر ولوالديه، لقوله تعالى: ((أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى)) (آل عمران:١٩٥) .
الشرط الرابع: الحرية، فلا يجب الحج أو العمرة على المملوك.
الشرط الخامس: الاستطاعة، وتكون بالمال والبدن. ومن الاستطاعة وجود المحرم للمرأة، فإن المرأة منهية عن السفر للحج وغيره بدون محرم، ويجب أن يكون هذا المحرم مميزاً عاقلاً بالغاً فإن الطفل لا يصلح أن يكون محرماً.
ثانياً: أركان الحج:
١- الإحرام.
٢- الطواف حول البيت.
٣- السعي بين الصفا والمروة.
٤- الوقوف بعرفة.
وهناك خلاف بين العلماء في بعضها.
ولا يتم الحج إلا بأداء هذه الأركان، فمن ترك ركناً فسد حجّه.
ثالثاً: واجبات الحج:
ذكر العلماء أن للحج واجبات سبعة هي:
١- الإحرام من الميقات.
٢- الوقوف بعرفة إلى الغروب.
٣- المبيت بمزدلفة إلى ما بعد منتصف الليل.
٤- رمي الجمار (جمرة العقبة، واليوم الأول والثاني والثالث عشر من أيام التشريق) .
٥- الحلق أو التقصير.
٦- المبيت بمنى ليالي منى.
٧- طواف الوداع.
على خلاف بين العلماء في بعضها، ومن ترك واجباً جبره بدم.
رابعاً: أركان العمرة:
ذكر العلماء أن للعمرة ثلاثة أركان هي:
١- الإحرام.
٢- الطواف حول البيت.
٣- السعي بين الصفا والمروة.
خامساً: واجبات العمرة:
ذكر العلماء أن للعمرة واجبين هما:
١- الإحرام من الميقات.
٢- الحلق أو التقصير.
مواقيت الحج
стр. 957
إذا أقبل الحجاج والمعتمرون إلى مكة قاصدين الحج أو العمرة فإن بينهم وبين مكة أماكن تسمى (المواقيت) .
ويجب على الحجاج معرفة هذه المواقيت وأحكامها، والمواقيت تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: مواقيت زمانية:
قال الله تعالى: ((الحج أشهر معلومات)) (البقرة:١٩٧) .
ذكر العلماء هذه الأشهر وقالوا::إنها شهر شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من شهر ذي الحجة.
وهذه مواقيت الحج وهي التي تسمى بالمواقيت الزمانية أي: التي يصح الإحرام بالحج فيها، وإن كان لا يتم الحج إلا بالوقوف في اليوم التاسع من ذي الحجة بعرفة. فلو أن إنساناً أحرم وعقد إحرامه بالحج في شهر شوال وبقي محرماً بالحج إلى يوم عرفة لصح إحرامه، وأصبح محرماً بالحج في زمانه، لكن لو أحرم بالحج في آخر يوم من رمضان لما صح إحرامه، لكونه وضعه في غير وقته وزمانه، هذا هو ميقات الحج الزماني.
أما العمرة فإنها تصح في كل السنة، فيصح أن يُحرم بها في أي يوم من أيام السنة.
القسم الثاني: مواقيت مكانية:
أما المواقيت المكانية فإنها التي حددها وقدرها النبي ﷺ في سنته، فثبت في الصحيح عن ابن عباس وابن عمر ﵃: "أن النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذي الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرناً، ولأهل اليمن يلملم، قال: هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمُهله من حيث أنشأ، حتى أهل مكة يهلون من مكة".
هذه هي المواقيت المفروضة والتي تسمى بالمواقيت المكانية.
стр. 958
وسبب شرعيتها وشرعية الإحرام منها، أن هذا المكان المقدس الذي هو البيت العتيق له مكانته وشرفه وفضيلته وحرمته، فإذا أقبل الناس إليه ودفعهم الشوق إلى تلك المشاعر، وقربوا منه، شرع لهم أن يظهروا بصفة يتميزون بها عن غيرهم، فيعرفهم غيرهم بأنهم من الوافدين إلى هذا البيت، فشرع لهم لباس خاص يتميزون به قبل أن يصلوا مكة بمسافة، وشرع لهم شعارٌ خاصٌ وهو التلبية، وكان ذلك دليل إجابتهم.
لقد شرع الحج على لسان إبراهيم بقوله: ((وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)) (الحج:٢٧) . كما روى ذلك ابن جرير وابن عباس ومجاهد في تفسير هذه الآية من سورة الحج، فقد أمره الله أن ينادي فقال: "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" فأسمع الله من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فجاؤوا من كل فج عميق، رافعين أصواتهم يُهِلُّون بالتلبية، لبيك اللهم لبيك، أي: نحن مجيبون لك أيها الداعي، فكان من حكمة الله أن جعل لهذا البيت أماكن نائية بعض الشيء إذا وصل إليها المسلم قاصداً مكة فإنه يعمل عملاً يتسم ويتميز به عن غيره، تدل على إجابته للنداء، وتعظيمه لشعائر الله: ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (الحج:٣٢) . ولا شك أن تعظيم تلك المشاعر تعظيم لله الذي أمر عباده بالتعبد فيها، لا لأنها أماكن ولا لأنها بنايات أو مقامات، ولكن يعظمونها بأمر الله، وهم يذكرون الله فيها ويقرؤون كلامه ويركعون ويسجدون ويخضعون له ويذلون ويتواضعون وهم منيبون إليه.
الميقات الأول: ذو الحليفة (أبيار علي) :
стр. 959
وهو ميقات أهل المدينة ومن أتى على طريقهم، ويسمى الآن (أبيار علي) . وينبغي الانتباه بأن تسميته (أبيار علي) جاءت به الرافضة بزعمهم أن علياً ﵁ قاتل الجن في بئر هناك كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٦/٢٩. فينبغي هجر هذه التسمية، وتسميته بالاسم الشرعي وهو: (ذو الحليفة) .
وهذا الميقات هو الذي كان يحرم منه النبي ﷺ ، ويحرم منه الصحابة، ويحرم منه أهل المدينة إلى يومنا هذا، وقد امتد البناء إليه أو قرب منه، ثم تجاوزه في داخل البنيان.
وهو أبعد المواقيت من مكة، فبينه وبين مكة عشر مراحل.
والمرحلة هي: مسيرة الراكب على الرواحل القديمة من أول النهار إلى آخره، كانوا يسيرون بين ذي الحليفة ومكة عشرة أيام، أي يسيرون النهار، ويبيتون الليل، هذا معنى قولهم: عشر مراحل.
الميقات الثاني: الجحفة:
وهو ميقات أهل الشام ومصر والمغرب الذين يقدمون عن طريق البحر وينزلون على السواحل، ثم يركبوا على الرواحل ويسيرون عليها، فأول ما يمرون في طريقهم بالجحفة فيحرمون منها.
والجحفة بلدة قديمة بينها وبين مكة ثلاث مراحل، وتسمى قديماً (مهيعة) ، وسميت بالجحفة لأن السيل اجتحفها، وهي الآن خربة، وذلك لأن النبي ﷺ دعا لما قدم المدينة: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حُمّاها إلى الجحفة" كما رواه البخاري في فضل المدينة برقم ١٨٨٩، ومسلم في الحج برقم ١٣٧٦ عن عائشة مطولاً. فأصابها الوباء فخربت فصار الناس يحرمون قبلها بقليل من بلدة قديمة اسمها (رابغ) وهي مشهورة.
وقد ذكرها ابن حجر في فتح الباري أنها مشهورة بهذا الاسم، ولكنها لم تكن مشهورة في زمن النبوة ولم يرد لها اسم.
стр. 960
فإحرام أهل الشام ومن كان على تلك الطريق من رابغ، هو إحرام من الميقات، وذلك أنه قبل الجحفة بقليل، ومن أحرم قبل الميقات بقليل أجزأه إحرامه، بخلاف من أخّر الإحرام حتى تجاوز الميقات كما سيأتي. ثم إن الحكومة أيدها الله تعالى عمَّرت مسجداً كبيراً في الجحفة القديمة، وأصلحت له طريقاً معبَّداً يتصل بالمسجد الذي عمر في الجحفة ليحرم منه الناس وإن كان مائلاً عن الطريق قليلاً.
أما أهل الشام إذا مروا بالمدينة فإنهم يحرمون من ميقات أهل المدينة، وكذلك من مر بالمدينة من غير أهلها، فلو مر بالمدينة بعض أهل نجد أو أهل العراق، لزمهم أن يحرموا من ميقات أهل المدينة، لقول النبي ﵊ في المواقيت: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن". فإذا جاء أهل الشام وأهل مصر بالبواخر وتوجهوا إلى جدة فإنه يلزمهم الإحرام إذا حاذوا رابغ، أو حاذوا الجحفة، وهم في نفس السفن أو البواخر قبل نزولهم بجدة، ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى أن يصلوا جدة، كما يفعله كثير من الجهلة، وذلك لأن ميقاتهم هو (الجحفة) أو قبلها برابغ، فإذا حاذوها وهم في نفس السفن أو البواخر تجردوا ولبسوا إحرامهم، ولبوا وعقدوا النية، دون أن يؤخروا إحرامهم إلى جدة، ولو قدِّر أنهم وصلوا إلى جدة وهم بثيابهم غير محرمين، ثم أحرموا من جدة لزمتهم الفدية، وهي فدية تجاوز الميقات بغير إحرام، إلا إذا رجعوا إلى رابغ وأحرموا منه، أي إذا رجعوا قبل أن يحرموا فإنه يسقط عنهم الدم، الذي هو دم الجبران. أما إذا أحرموا من جدة، وعقدوا الإحرام فيها فإنه يلزمهم الدم، ولا ينفعهم الرجوع بعد الإحرام.
الميقات الثالث: قرن المنازل (السيل الكبير) :
стр. 961
وهو ميقات أهل نجد ومن كان على طريقهم من أهل المشرق ونحوهم، ويسمى أيضاً قرن الثعالب، وهو عبارة عن جبل صغير مغلق شمالاً وجنوباً من جانبي الوادي الذي يجري معه ماء يُقال له: السيل الكبير، وهذا من أقرب المواقيت إلى مكة، بينه وبين مكة مرحلتان، أي مسيرة يومين.
ولمّا فُتح الطريق الذي ينفذ من الطائف إلى مكة الذي يُسمى (بالهدا) (أو بالكرا) ولا يمر بوادي السيل، اجتهد العلماء وحددوا فيه ميقاتاً يحرم منه من أراد الحج أو العمرة، وكان يريد القدوم من ذلك الطريق.
وهذا الطريق وهو طريق الهدا يمر بوادٍ يُقال له (وادي محرم) ، ووادي محرم يحاذي أعلى مكان من وادي السيل، ولذلك جعلوا وادي محرم ميقاتاً لمن قدم من ذلك الطريق وأراد الحج أو العمرة.
والعلماء نصّوا على أن من دخل مكة من غير هذه المواقيت، لزمه أن يحرم إذا حاذى أقربها، فإذا لم يحاذ بعضاً، ولم يدر بالمحاذاة، لزمه أن يحرم إذا بقي بينه وبين مكة مرحلتان.
وهذا الميقات يحرم منه أهل الطائف وأهل البلاد الجنوبية الذين ينزلون من ذلك الطريق.
الميقات الرابع: يلملم (السعدية) :
وهو ميقات أهل اليمن ومن على جهتهم، أو من يأتي من البلاد الجنوبية الغربية: كبلاد الساحل الجنوبي، ويسمى الآن (بالسعدية) .
وهذا الميقات من أوسط المواقيت بينه وبين مكة مرحلتان، أو أكثر من مرحلتين قليلاً.
الميقات الخامس: ذات عرق:
اختلف في هذا الميقات وهو ميقات أهل العراق، فقيل أن الذي وقَّته النبي ﷺ كما روي ذلك في أحاديث.
والصحيح أن الذي وقَّته عمر ﵁، لما مُصِّرت الأمصار التي في العراق: الكوفة، والبصرة في زمن عمر، فشكوا إلى عمر بأن السيل الذي هو (قرن المنازل) جور أي: مائل عن طريقهم، فأمرهم أن ينظروا حذوها من طريقهم، وحدد لهم ذات عِرقٍ، وبينها وبين مكة قريباً من مرحلتين وإن كانت لا يمر بها طريق في هذه الأزمنة.
стр. 962
ولزيادة الفائدة أذكر هنا تنبيهات:
* التنبيه الأول:
من ركب الباخرة أو الطائرة كيف يحرم؟
فإنه يلاحظ على الذين يأتون عن طريق البحر بالبواخر أنهم يؤخرون الإحرام إلى جدة، ويحرمون منها، وكذلك الذين يأتون بالطائرات فإنهم يؤخرون الإحرام ويحرمون من جدة، وهذا كله خطأ، فإن الذي يأتي من طريق يلزمه أن يحرم من الميقات الذي يمر فيه أو إذا حاذى أقرب المواقيت إليه، فالذي يأتي عن طريق الجو يحرم وهو في الجو، إذا بلغ أقرب المواقيت التي يمر بها.
فلو سافر شخص من الرياض بالطائرة إلى جدة ويريد الحج أو العمرة فعليه أن يحرم ويلبي ويعقد النية إذا حاذى الميقات الذي يمر به وهو (قرن المنازل أي ما يسمى بالسيل الكبير) أو قرب وادي السيل، ومن لبّى قبل الميقات بقليل للاحتياط فهو الأولى، مخافة أن يتمادى به التساهل إلى أن يتجاوز حدود الميقات.
وبالجملة فليس لراكب السيارة، أو الطائرة، أو الباخرة ونحوهم تأخير الإحرام إلى جدة، لما فيه من مجاوزة الميقات، وإذا قُدِّر أنه فعل ونزل بالطائرة في جدة ولم يحرم، فسبيل التخلص من الفدية أن يركب سيارة ويرجع إلى ميقاته الذي قدم منه، ويحرم من هناك، ويدخل مكة محرماً، ولا يحرم من جدة، وإن أحرم من جدة لم ينفعه الرجوع، ولا يسقط عنه دم الفدية، هذا هو الطريق لإسقاط الفدية عمن تجاوز الميقات بدون إحرام.
* التنبيه الثاني:
من كان دون المواقيت كيف يحرم؟
أما من كان دون المواقيت بأن كان بينها وبين مكة، فإنه لا يُكلف بأن يذهب إلى أحد المواقيت التي ذكرناها، فأهل جدة مثلاً لا يكلفون أن يذهبوا إلى رابغ ليحرموا منه، بل ميقاتهم من بلادهم، فيُحرم أحدهم من بيته. كذلك القرى التي بين مكة وجدة، كبحرة ونحوها، فإن أهلها يحرمون من أماكنهم وبيوتهم.
стр. 963
وكذلك القرى التي بين السيل الكبير ومكة كالشرائع ونحوها فإن أهلها أيضاً يحرمون من أماكنهم، وهكذا أهل مكة يحرمون من مكة على ظاهر هذا الحديث، وهو: "حتى أهل مكة يحرمون من مكة".
وذهب بعض العلماء إلى أن أهل مكة يحرمون من مكة بالحج، وأما العمرة فإنهم يذهبون إلى أدنى الحل، فيحرمون منه، لأن النبي ﷺ أمر عائشة أن تعتمر من التنعيم، ولم يرخص لها أن تعتمر من مكة، مع أنها في مكة، وهذا دليل على أن المعتمر يذهب من مكة إلى أدنى الحل، ويدخل فيها، حتى يجمع في العمرة بين وقوفه في الحل والحرم، كالحجاج من أهل مكة فإنهم يجمعون في وقوفهم بين الحل والحرم، فإنهم يقفون بعرفة وهي من الحل، ويقفون في المشاعر الأخرى وهي من الحرم.
* التنبيه الثالث:
من أتى مكة لا يريد الحج أو العمرة هل يلزمه الإحرام من المواقيت أم لا؟
أما من مر بالمواقيت السابقة قاصداً مكة ولم يكن في نيته أداء حج أو عمرة، فإنه لا يلزمه الإحرام، لكن إذا كان بعيد العهد بمكة فإنه يتأكد في حقه الإحرام، من غير أن يُلْزَمَ به، لقول النبي ﷺ : "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة".
فَشَرَط النبي ﷺ أنها مواقيت لمن أراد الحج أو العمرة، وهذا دليل على أن من مر بها قاصداً مكة لتجارة أو لزيارة قريب أو صديق أو عابر سبيل فإنه يجوز له أن يتجاوزها، ولا يلزمه الإحرام، والله أعلم.
أنواع الأنساك وأفضلها
والنسك الذي أهل به النبي ﷺ
إذا وصل الحاج إلى أحد المواقيت التي ذكرناها في أشهر الحج وهي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة، وكان مريداً للحج من عامه فإنه مخير بين ثلاثة أنساك:
الأول: العمرة وحدها: (ويسمى التمتع) :
وهو أن يحرم بالعمرة وحدها من الميقات في أشهر الحج.
стр. 964
وصفة التلفظ في هذا النسك عند الإحرام وعقد النية أن تقول: (لبيك عمرة) .
ويستمر في التلبية حتى يصل مكة فإذا شرع في الطواف قطع التلبية، وبدأ بأعمال العمرة، فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر تمت عمرته، وحلَّ له كل شيء حرم عليه بالإحرام.
فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة (وهو يوم التروية) أحرم بالحج وحده، وصفة التلفظ في هذا النسك عند الإحرام وعقد النية أن يقول: (لبيك حجاً) .
الثاني: الحج بين العمرة والحج: (ويسمى القران) : وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً في أشهر الحج، أي: يقرن بينهما، وصفة التلفظ في هذا النسك عند الإحرام وعقد النية أن يقول: (لبيك عمرة وحجاً) .
أو يحرم بالعمرة أولاً: من الميقات فيقول: (لبيك عمرة) وقبل أن يشرع في الطواف يدخل الحج عليها ويلبي، فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم، ثم سعى سعي الحج، وله تأخير هذا السعي بعد طواف الإفاضة. ولا يحلق أو يقصر، بل يبقى على إحرامه حتى يحلّ منه بعد التحلل يوم العيد.
الثالث: الحج وحده: (ويسمى الإفراد) : وهو أن يحرم بالحج وحده من الميقات في أشهر الحج، وصفة التلفظ في هذا النسك عند الإحرام وعقد النية أن يقول: (لبيك حجاً) . وله تأخير السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة.
فائدة:
* عمل المفرد كعمل القارن سواء بسواء إلا أن المفرد بالحج وحده ليس عليه هدي، أما القارن وهو المحرم بالعمرة والحج معاً فإن عليه هدياً.
* الحاج مخير بين هذه الأنساك الثلاثة، والدليل حديث عائشة ﵂، قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع فمنّا من أهلَّ بعمرة، ومنَّا من أهلَّ بحجٍّ وعمرة، ومنَّا من أهلَّ بالحج..." الحديث، وغيره من الأَدلة.
стр. 965
ولكن الأفضل من هذه الأَنساك هو (التمتع) لمن لم يكن معه الهدي، لأن النبي ﷺ قال بعد أن سعى بين الصفا والمروة: "... لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه الهدي فليحل وليجعلها عمرة..." الحديث.
* أما من ساق الهدي معه من بلده فإن القران أفضل في حقه لأنه النسك الذي أحرم به الرسول ﷺ ، ولا شك أن سوق الهدي في هذا الزمان فيه حرج ومشقة، فلذا كان الأفضل هو التمتع لما فيه من اليسر والسهولة.
* أما من كان قارناً وكذا المفرد فالأفضل له إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يسُق الهدي من بلده، أن يجعلها عمرة فيقصر أو يحلق ويكون بهذا متمتعاً، كما فعل أصحاب النبي ﷺ بأمره في حجة الوداع.
النسك الذي أهل به النبي ﷺ :
ذكرنا أن النسك الذي أهل به النبي ﷺ هو (القران) وهو الجمع بين العمرة والحج بتلبية وإحرام واحد دون فصل بينهما، وهو النسك الذي اختاره الله لنبيه، ولا يختار الله لنبيه إلا الأفضل، فإنه ﷺ ساق الهدي معه، وهذا هو الذي منعه من التحلل بالعمرة، وأن يفعل مثل الذي أمر به أصحابه.
الإحرام
صفته وما يتعلق به
يتجرد المسلم من لباسه المعتاد إذا كان رجلاً، ويرتدي لباساً خاصاً؛ حيث يقتصر على إزار يشدّ به عورته، ورداء يلفه على ظهره، يتذكر بذلك تجرده من الدنيا، ومن زينتها، ويتذكر بذلك أيضاً لباس الموتى، وهو أنهم يكفنون بأكفان كهذه الأكسية، فهو بهذه الأكسية قد دخل في النسك، ودخل في هذه العبادة العملية.
стр. 966
أما المرة فإنها تلبس ما تشاء من الثياب، وليس لها لباس خاص عند الإحرام كالرجال، كما يفعله بعض الجهلة من لبس النساء لثوب أبيض أو أخضر، فإن هذا لم يشرع وأن لبسها الأبيض فيه تشبه بالرجال، ولا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجل لا في اللباس ولا في غيره؛ بل عليها التستر والحشمة حتى لا تكون محل فتنة.
والإحرام هو أول أعمال الحج، وهو أول ما يتلبس به الحاج أو المعتمر، وهذا الإحرام هو النية، وليس هو اللبس، بل مجردُ نية الناسك، وعزمه على الدخول في النسك هو الإحرام، ولو لم يتجرد من لباسه، فكثيراً ما يتجرد المحرم من لباسه المعتاد ويلبس ملابس الإحرام ولم ينو النسك، والعكس كذلك، أن ينوي الدخول في النسك ويصبح محرماً وهو باق على لباسه المعتاد لم يخلعه. إذاً فالنية هي الأصل، وهي العزم على الدخول في النسك.
فإذا رأينا إنساناً لبس إزاراً على عورته ورداءاً على ظهره، فليس بشرط أنه محرم وأنه دخل في النسك. ولهذا يجوز أن تلبس إزاراً ورداءً وأنت في بلدك ولا تحرم، وذلك لأنه لباس معتاد قبل الإسلام، وجائزٌ لبسه لغير المحرم.
وكذلك قد لا يجد المحرم الرداء الذي يجعله على ظهره؛ فيتخذ ثوباً أو بطانية أو عمامة ويلقيها على ظهره، أو يبقى ظهره مكشوفاً، وقد لا يجد إزاراً؛ فيأتزر بثوب أو قميص يغطي به عورته أو ما أشبه ذلك. وهكذا بهذه النية يكون الإنسان محرماً ولو لم يلبس هذا اللباس الخاص.
وقد لا يتيسر للبعض التكشف ولبس الإحرام الخاص، كالذين يعملون الأعمال الرسمية، ويريدون أداء المناسك، فيجوز لهم أن يحرموا بأكسيتهم وألبستهم المعتادة، فيجوز للجندي مثلاً أن يحرم ويلبي وهو لابساً قميصه، وعليه برنيطة على رأسه، ويتجنب المحظورات، ولكن يكون عليه فدية عن هذا اللباس، وإحرامه صحيح، فإن الإحرام هو النية والتلبية وما أشبهها.
стр. 967
* وقد اشتهر عند الإحرام أن يقلم المحرم أظفاره، ويقص من شاربه، ويحلق شعر عانته ونحو ذلك.
فهل هذه من السنن؟!
نقول: ليست هذه من السنن، ولكن شُرِعَت للمحرم مخافة أن يتأذَّى بهذا الشعر، وهذه الأَظفار عند إطالتها، فبعد الإحرام عادة ما يبقى الحجاج في إحرامهم نصف الشهر، أو عشرين يوماً وهم محرمون، ولا شك أن المحرم منهي أن يقلم أظفاره، وأن يقص من شعر شاربه أو شعر عانته أو إبطه أو نحو ذلك.
فلسان حاله يقول: بما أني منهي عن ذلك وأنا محرم، فسوف أقلمها وأقصها ما دام ذلك حلالاً، قبل أن تطول وتؤذي وأكون ممنوعاً منها بعد عقد النية بالنسك.
أما في هذه الأزمنة فالحاجة إلى أخذ هذه الأشياء قليلة، وذلك لقصر مدة الإحرام لتقارب المسافة، وذلك لوجود الناقلات التي تقرب البعيد.
وقد قيل: إن الصحابة ﵃ بقوا مع النبي ﷺ خمسة عشر يوماً وهم محرمون، وبعضهم أحرم في خمس وعشرين من شهر ذي القعدة، ولم يتحلل إلا يوم العيد، فبقوا خمسة عشر يوماً وهم محرمون، وبعضهم تحلل في اليوم الخامس من ذي الحجة، حيث جعلوها عمرة، ثم أحرموا في اليوم الثامن من ذي الحجة، وبقوا على إحرامهم إلى اليوم العاشر، وبكل حال فقد خشوا في هذه المدة الطويلة أن تطول أظافرهم فتعاهدوها قبل الإحرام، وتعاهدوا شعورهم مخافة أن تؤذيهم.
أما إن أحرم مثلاً في اليوم الثامن وتحلل في اليوم العاشر، فإن هذه المدة لا يطول فيها الشعر والظفر، فلا أهمية ولا إلزام في أخذ هذا الشعر ولا هذه الأظافر ونحوها؛ سيما إذا كانت قصيرة.
* تنبيه مهم:
стр. 968
من أراد أن يضحي، فإنه منهي أن يأخذ من شعره وأظفاره في أيام عشر ذي الحجة حتى يضحي، فإذا دخل عليه العشر، توقَّف عن أخذ شيء من شعره وظفره، وتعاهدَ ذلك في اليوم التاسع والعشرين أو اليوم الثلاثين من شهر ذي القعدة، فيأخذ ما يريد أخذه، حتى لا يحتاج إلى ذلك بعد دخول العشر، لورود النهي عن ذلك.
* كذلك إذا أراد المسلم الحج وهو ينوي أن يضحي وقد تعاهد هذا الشعر وهذه الأظفار قبل دخول العشر، ثم أحرم بالحج في اليوم السابع من ذي الحجة، أو في اليوم الثامن فلا يجوز أخذ شيء من شعره وظفره لأنه عازم على الأضحية.
والخلاصة أن الأخذ من الشعر والظفر عند الإحرام ليس مشروعاً إلا إذا كانت الأشعار طويلة مثلاً أو الأظافر، وخاف أن يتأذى منها بعد الإحرام.
* أما الاغتسال عند الإحرام فليس أيضاً بشرط! ولكن من باب النظافة، فيستحب أن يحرم وهو حديث عهد بنظافة، فلو اغتسل وتنظَّف في اليوم السابع وأحرم في اليوم الثامن أجزأه ذلك، لوجود النظافة المطلوبة عند الإحرام.
* وهل يشرع عند الإحرام صلاة ركعتين قبل الإحرام أو بعده؟
استحب ذلك جمع من العلماء، ولكن ليس ذلك بمستحب إلا إذا كان هناك سبب آخر، كأن توضأ أو اغتسل وصلى ركعتين كسنة وضوء، كفاه ذلك، وإن كان في وقت مكتوبة: كصلاة ظهر، أو صلاة عصر، أو صلاة فجر، كفته الصلاة، فأحرم بعدها، وإن كان في وقت نافلة كصلاة الضحى أو نحوها، كفاه ذلك أيضاً.
وليس للإحرام سنة خاصة وليس من ذوات الأسباب، فلا يصليها في وقت النهي: كبعد العصر، وبعد الفجر.
وبكل حال هذه من السنن المطلقة التي تصلى لمناسبة والله أعلم.
*الاشتراط في الإحرام:
стр. 969
إذا كان المحرم خائفاً من عائق في الطريق كمرض أو عدو أو مطر، أو خاف المنع من قبل السلطات بسبب الإجراءات النظامية، أو نحوه، فإنه يستحب له أن يشترط عند إحرامه فيقول: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني". أو يقول: "لبيك اللهم لبيك ومحلي من الأرض حيث حبستني".
أما من لا يخاف وغلب على ظنه أنه لا يعوقه عائق فإنه لا ينبغي له الاشتراط.
* صفة التلبية ومواضعها:
بعد أن يلبس المسلم لباس الإحرام، ينوي بقلبه فيقول: (لبيك عمرة) ، أو (لبيك حجاً) ، أو (لبيك حجاً وعمرة) ، وينوي بهذه التلبية الدخول في النسك الذي اختاره، كما ينوي أيضاً التقرُّب إلى الله بهذه التلبية التي معناها التزام الطاعة.
وبعد أن ينوي الدخول في النسك فإنه يبدأ بالتلبية فيقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك".
وقد روي أن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال".
والإهلال هو: التلبية، والتلبية هي إجابة دعوة الخليل ﵇ كما قال الله تعالى: ((وأَذِّن في الناس بالحج)) (الحج:٢٧) . فقد روي أن إبراهيم ﵇ صعد على جبل أبي قبيس فنادى: "أيها الناس: إن الله كتب عليكم الحج فحجوا".
ومعنى قوله: (لبيك) أي: أنَّا مقيمون على طاعتك إقامة بعد إقامة، فالتلبية هي: الملازمة والتمسك بالشيء، فالملبي كأنه يعاهد ربه أنه لا يخرج عن طاعته، وأن يستقيم عليها، وأنه مقيم عليها إقامة مستمرة لا يفارقها قيد شعرة وليس بعدها تحول؛ سواءٌ كان في تلك الحالة التي هي الإحرام، أو فيما بعده.
كذلك تشتمل التلبية على العقيدة، والتوحيد، فإن قوله: "لبيك لا شريك لك لبيك" تكرار لهذه التلبية، وشهادة منه بأن ربه تعالى متفرد بالوحدانية، ليس له شريك في استحقاق هذه العبادة، واعتراف منه بأنه المستحق لذلك، والمستحق للحمد والثناء.
стр. 970
وفي قوله: "إن الحمد والنعمة" الحمد هو: ذكر محاسن المحمود، والنعمة هي: إنعامه على الخلق.
وهكذا قوله: (لك والملك لا شريك لك) أي: منك وحدك يا رب، ونحن معترفون بذلك، إنه لا شريك لك.
وصفة التلبية النبوية أنه ﷺ كان يكرر قوله: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، ولكنه ﷺ سمع من صحابته تلبيات أخرى ولم ينكر عليهم، فكان بعضهم يقول: "لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً". وبعضهم يقول: "لبيك وسعديك والخير كله بيديك، والشر ليس إليك نحن عبادك الوافدون إليك، الراغبون فيما لديك". وبعضهم يقول: "لبيك والرغباء إليك والعمل". وبعضهم يقول: "لبيك إن العيش عيش الآخرة". والكل جائز، وذلك لأن هذه التلبية إجابة لنداء الله ، والتزام بطاعته، فهي شعار خاص بالمتلبس بنسك حج أو نسك عمرة.
ويجوز أن يلبي غير المحرم، ولكن الأصل أنها أصبحت شعاراً للمحرم.
ويسن للرجال أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، أما النساء فإنهن يخفضن أصواتهن فلا يسمعها أحد إلا من كان بجانبها من رفيقاتها.
وقد ابتدأ النبي ﷺ بالتلبية من حين أحرم، ولم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة في يوم العيد، فعند ذلك قطع التلبية لأنه شرع في أسباب التحلل، وهكذا الذي يحرم بعمرة يلبي إلى أن يبدأ بالطواف، فإنه يقطع التلبية لأنه بدأ بأسباب التحلل.
ويندب أن يكثر الحاج من التلبية لأنها ذكر وهي شعار الحجاج، وهي تتأكد في عشرة مواضع:
* الموضع الأول: إذا عقد الإحرام ودخل في النسك رفع صوته بالتلبية.
* الموضع الثاني: إذا ركب دابته أو سيارته أو نحو ذلك، فإنه يكون قد انتقل من حال إلى حال.
* الموضع الثالث: إذا نزل من دابته أو من سيارته على الأرض لسبب أو لغرض، فإنه يجدد هذه التلبية.
стр. 971
* الموضع الرابع: إذا صعد نشزاً أي مكاناً مرتفعاً، كأن ترتفع به دابته أو سيارته فإنه يجدد هذه التلبية.
* الموضع الخامس: إذا هبط منخفضاً أو وادياً، أو نحو ذلك، فإنه يلبي.
* الموضع السادس: إذا أقبل الليل؛ سواء كان في مكة أو منى، أو ليلة عرفة، أو في غيرها، فإن إقبال الليل يكون تجدد حال فلهذا يجدد هذه التلبية.
* الموضع السابع: عند إقبال النهار تجدد هذه التلبية أيضاً.
* الموضع الثامن: إذا سمع من يلبي، فإنه يتذكر بذلك هذه التلبية فيلبي.
* الموضع التاسع: إذا فعل محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً، أو لحاجة، أو نحو ذلك، فإنه يجدد التلبية.
* الموضع العاشر: إذا تلاقت الرفاق تذكروا إحرامهم فلبى كل منهم.
وهكذا.. يجدد التلبية أيضاً بعد الصلاة المكتوبة في عرفة، وفي مزدلفة، وفي منى، وغير ذلك، فكلما صلى صلاة مكتوبة جدد هذه التلبية.
وقد عرفنا أن هذه التلبية هي معاهدة من العبد لربه، فإذا لبى فليستحضر هذه المعاهدة، وليعقد قلبه عليها، حتى يكون صادقاً، ويكون حجًّه مقبولاً مبروراً.
محظورات الإحرام:
يجتنب المسلم في إحرامه ما نُهي عنه في قول الله تعالى: ((فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)) (البقرة:١٩٧) . فهذه أمور نهى الله تعالى عنها، فمن أحرم سواء بحج أو عمرة فإنه يتجنب الرفث، الذي هو الكلام السيئ، وخصوصاً ما يتعلق بالعورات أو ما يتعلق بالنساء، بصون لسانه، فإذا لم يشغله بذكر الله ، وبتلبيته، فلا يشغله بهذا الكلام الدنيء، وبالرفث في القول ووسخ الكلام! بل عليه أن يستبدل ذلك بما ينفعه، ويتجنب ما يضره.
стр. 972
هذا هو الأصل في سبب شرعية هذا الإحرام، وذلك لأن المحرم يتذكر في ليله ونهاره أنه في هذه العبادة، فتذكُّرُه يحمله على أن يحمي لسانه، فلا يتكلم إلا بخير، فيتجنب السبَّ والقذف، والشتم، واللعن، والغيبة، والنميمة، ويتجنب الجدال الذي نهى الله عنه، والمخاصمة بغير حق، وشدة الاحتكاك بغير موجب.
وعليه أيضاً أن يتجنب الفسوق التي هي المعاصي، صغيرها وكبيرها، فكل معصية؛ سواء كانت بالعين كنظرة إلى عورة، أو سماع لكلام سيئ، أو لغناء أو نحوه، أو كانت معصية بيد، أو برجل، أو بقلب، كمن يهم بمعصية بقلبه، كل ذلك من لافسوق الذي نهى الله عنه بقوله: ((فلا رفث والفسوق ولا جدال في الحج)) (البقرة:١٩٧) .
فإذا تجنب الحاجُّ مثل هذه الأمور في إحرامه، رُجي أن تبقى عليه آثاره بعد تحلله، وذلك لأن للعبادات آثاراً تبقى بقية الحياة، ومن لم تبق عليه تلك الآثار فإنه حري بأن لا ينتفع بأعماله ويرجع إلى عمل السيئات.
كذلك إذا عرف العبد أنه في حال إحرامه في هذه العبادة منهيٌّ عن المعاصي ونحوها، عرف أنه مأمور بالطاعات، ومن الطاعات: الإكثار من الدعاء، والإكثار من ذكر الله تعالى، ولهذا يأمر الله بذكره في أيام المواسم كما في قوله تعالى: ((واذكروا الله في أيام معدودات)) (البقرة:٢٠٣) . يعني أيام التشريق، وكذلك قوله: ((فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً)) (البقرة:٢٠٠) .
بمعنى كما أنكم منهيون عن الغفلة في وقت أداء النسك، فلا تغفلوا بعد الانتهاء من النسك أيضاً؛ بل أكثروا من ذكر الله بعد قضاء المناسك، وأعمال المشاعر، ونحوها.
وهكذا أمر بذكره في مزدلفة فقال: ((فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام)) (البقرة:١٩٨) .
فهذا ونحوه دليل على أن المحرم يكثر من ذكر الله تعالى في جميع حالاته، وأن يبقى أثر الذكر معه.
* محظورات الإحرام المشتركة بين الرجال والنساء:
стр. 973
١- قص الشعر: إذا قصَّ المحرم شيئاً من شعره من أيِّ شعر، من شاربه، أو من رأسه، أو من عانته، أو إبطه، فعليه فدية.
٢- قص الأظفار: كذلك إذا قلّم ثلاثة أظفار أو أكثر فعليه الفدية.
٣- لبس القفازين (الكفوف) وهما شراب اليدين وما يشبهه مما هو مصنوع لليدين.
٤- استعمال الطيب: كذلك عليه عدم استعمال الطيب الذي له رائحة زكية، فإذا تطيب في ثوبه أو في بدنه أو في إحرامه فعليه فدية مثل ما ذكرنا.
٥- قتل الصيد البري: وعليه عدم قتل الصيد البري أياً كان نوعه، فمن صاده وقتله فإن عليه الفدية التي ذكرها الله تعالى بقوله: ((ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم)) (المائدة:٩٥) . ومثله أيضاً صيد الحرم.
٦- عقد النكاح: فلا يصح أن يعقد المحرم نكاحاً لأبنته أو ابنه، ولا يكون شاهداً، ولا يخطب، ولا يكون زوجاً ولا ولياً، فإن فعل بطل العقد ولا فدية فيه.
٧- الجماع: فإنه يبطل النسك بالجماع، وإذا فعله قبل التحلل الأول، فسد نسكه، وعليه إكماله، وعليه فدية، وعليه أن يقضيه من السنة القادمة.
٨- المباشرة والتقبيل واللمس بشهوة وما أشبهه: فإذا فعل ذلك، فعليه فدية، ولكنه لا يفسد حجه.
* محظورات الإحرام الخاصة بالرجال:
١- لبس المخيط: فإذا احتاج الرجل ولبس ثوباً مخيطاً، أو أحرم به: كالجنود الذين يحرمون بثيابهم، فعليه فدية صيام ثلاثة أيام، أو الصدقة على ستة مساكين، بثلاثة آصع، لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، له الخيار.
٢- تغطية الرأس: يجب عدم تغطية الرأس فلا يغطي المحرم رأسه بملاصق: كعمامة أو قلنسوة أو (برنيطة) أو نحوها، فإذا احتاج إلى ذلك لبرد أو لحاجة: كالجندي الذي يحرم بلباسه، فإن عليه فدية أخرى، أي: صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين.. إلخ.
* محظورات الإحرام الخاصة بالنساء:
стр. 974
* لبس البرقع والنقاب والقفازين ونحوهما مما هو مفصل على الوجه أو اليدين، ويباح لها من المخيط ما سوى ذلك.
* ولها أن تغطي وجهها عند حضور الرجال الأجانب ولا يضرها مماسة الغطاء لوجهها، وكذلك تغطية يديها بثوبها، ولكن لا تلبس القفازين.
* من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام:
* إذا فعل المحرم محظوراً من محظورات الإحرام ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً فلا إثم عليه، ولا فدية للنصوص الكثيرة في رفع الحرج عن الناسي والجاهل والمكره.
* أما من اضطر لفعل محظور من المحظورات، فيجوز له فعل ذلك المحظور وعليه فدية، ولا يلحقه الإثم للعذر.
* أما من تعمد فعل محظور من المحظورات، فإنه آثم وعليه الفدية، والفدية على التفصيل:
١- الفدية في إزالة الشعر: والظفر، وتغطية الرأس في حق الرجال، ولبس المخيط، ولبس القفازين في حق النساء، وانتقاب المرأة، واستعمال الطيب، فإن الفدية في كل واحد من هذه المحظورات على التخيير:
* إما ذبح شاة وتفريق جميع لحمها على فقراء الحرم.
* أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع مما يطعم.
* أو صيام ثلاثة أيام.
٢- من جامع في الفرج قبل التحلل الأول فَسَدَ حجه، ولزمه بدنة يفرق لحمها على فقراء الحرم، ويجب عليه إكماله، وأن يقضيه بعد ذلك.
أما من جامع بعد التحلل الأول فعليه ذبح شاة يفرق لحمها على فقراء الحرم، وحجه صحيح.
والمرأة كالرجل في الفدية إذا كانت راضية.
٣- جزاء الصيد: من قتل صيد الحرم أو قتل الصيد وهو محرم فإنه يخير بين ثلاثة أشياء:
* إما ذبح مثل الصيد المقتول من بهيمة الأنعام إن وجد، وتفريق لحمه على فقراء الحرم.
* أو أن يخرج ما يساوي جزاء الصيد المقتول طعاماً يفرَّق على المساكين لكل مسكين نصف صاع.
* أو أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً.
стр. 975
٤- المباشرة بشهوة دون الفرج، كالقبلة واللمس بشهوة، سواء أنزل أو لم ينزل، من وقع في مثل هذا فحجه صحيح، ولكن عليه أن يستغفر الله ويتوب إليه، وعليه أن يجبر فعله هذا بذبح شاة للاحتياط، وإن أطعم ستة مساكين أو صام ثلاثة أيام أجزأه.
٥- من منع من إتمام النسك بسبب عدو أو حصل عليه حادث أو مرض ونحوه، فعليه أن يبقى على إحرامه حتى يزول العائق، وإذا لم يتمكن ولم يستطع، فإنه يذبح ثم يحلق أو يقصر.
هذا بالنسبة لمن لم يشترط عند إحرامه، أما من اشترط وحصل له مانع من أداء الحج فإنه يحلّ من إحرامه وليس عليه شيء.
* ما يباح للمحرم فعله:
يجوز للمحرم وغير المحرم أن يقتل الفواسق المؤذية في الحل والحرم، كالعقرب، والحدأة، والغراب، والفأرة، والكلب العقور، والحية، وما شابهها.
ويجوز للمحرم لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، ويجوز له لبس الخفين، إذا لم يجد نعلين. كما أنه يجوز للمحرم لبس الخفاف التي ساقها أسفل من الكعبين إن لم يجد النعلين.
ويجوز للمحرم أن يغتسل للتبرد ويغسل رأسه ويحكه برفق وسهولة ولا حرج عليه إذا سقط من شعره شعرة أو شعرتان دون تعمد.
ويجوز لبس النظارة الشمسية أو الطبية وربط الساعة على المعصم.
ولا بأس بالحجامة إذا احتاج إليها المحرم.
ولا بأس بالاستظلال بالمظلة أو سقف السيارة أو الخيمة أو الشمسية ونحوها، مما لا يكون ملاصقاً للرأس.
ولا بأس بعقد الإزار أو ربطه بخيط حتى لا يقع.
ويباح للمرأة من المخيط ما شاءت من الثياب من كل ما أباحه الله، ولكن لا تلبس النقاب والبرقع ولا القفازين، ولا حرج عليها في لبس الخفين والشراب والسراويل، ولها أن تستر وجهها بإسدال الخمار عليه أمام الرجال الأجانب.
ولا بأس للمحرم أن يلبس حزاماً على وسطه ليحفظ ماله ويشد به إزاره.
стр. 976
ولا حرج في أن يخيط المحرم الشقوق في إزاره أو ردائه، أو يرقعها والممنوع هو لبس ما فصّل على هيئة البدن أو العضو.
الطواف حول البيت
كيفيته وشروطه
أول ما يصل المحرم مكة استحب له أن يغتسل قبل دخولها لأن النبي ﷺ فعل ذلك.
ثم يدخل المسجد الحرام من باب بني شيبة فهو الأفضل ويجوز أن يدخل من جميع الجهات.
فإن أراد الدخول إلى المسجد الحرام استحب له أن يقدم رجله اليمنى، ويقول: "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، اللهم افتح لي أبواب رحمتك". وهذا الذكر يقال عند دخول المسجد، الحرام وسائر المساجد ولم يثبت لدخول المسجد الحرام ذكر خاص.
أول ما يبتدئ به المحرم هو الطواف وهو تحية مكة، فإن كان معتمراً أو متمتعاً بالعمرة إلى الحج كان طوافه (طواف عمرة) . وإن كان قارناً أو مفرداً فهو (طواف قدوم) . إذا وصل المحرم بالعمرة الكعبة قطع التلبية قبل أن يشرع في الطواف لأنه شرع في أسباب التحلل.
أما القارن والمفرد فإنهما يستمران في التلبية حتى رمي جمرة العقبة يوم العيد عندها تقطع التلبية.
وقد كان المشركون قبل الإسلام يأتون إلى هذا البيت، وكان من تعظيمهم له أنهم لا يطوفون بالثياب التي عصوا الله فيها، فإما أن يستعيروا ثياباً من أهل مكة الذين هم أهل الحرم، وإما أن يطوف أحدهم في ثيابه القديمة ثم يلقيها ولا ينتفع بها، وإما أن يطوفوا وهم عراة حتى لا يطوفوا بثياب فيها معصية، هكذا زعموا! وهذا من الجهل الذي نهى عنه الإسلام، وأنكره، وأمر بأن يُطاف بالثياب التي تستر الإنسان في صلاته وعند طوافه، قال الله تعالى: ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد)) (الأعراف:٣١) . ومن الزينة اللباس.
стр. 977
وقد أمر الله تعالى بالطواف في قوله تعالى: ((ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق)) (الحج:٢٩) . وفي قوله تعالى: ((وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)) (الحج:٢٦) .
والطواف عبادة خاصة بمكة، وهي من أشرف وأفضل القربات التي يتقرب بها المسلم لله وحده، ولا يصح الطواف في غير مكة، بل وليس في الأرض موضع يُطاف به سوى البيت العتيق، فلا يجوز أن يُطاف بأي بقعة في الأرض، فلا يُطاف حول قبر أو مسجد أو صخرة أو غير ذلك.
والطائف بالبيت لا يدعو الكعبة، ولكنه يدعو ربها امتثالاً لقول الله تعالى: ((فليعبدوا رب هذا البيت)) (قريش:٣) . فلم يقل: فليعبدوا البيت؛ بل جعل العبادة لرب البيت.
والطواف بالبيت يجوز في كل حال وفي كل وقت، وهو عبادة مستقلة، كما أن الاعتكاف والصلاة فيه عبادة فاضلة.
فلذلك يجوز لك أن تقصد البيت، وأن تقصد الكعبة بدون إحرام، قصدك أن تطوف ولو لم تكن محرماً، فحيث إن الطواف بالبيت عبادة من العبادات، فإنه يصح أن يُقْصَدَ لكي يصلي فيه، بل ويجوز أن تُشدّ إليه الرحال ولو مسيرة ألف أو ألفي كيلو أو عشرة آلاف كيلو متراً، ليس قصدك إلا أن تصلي أو تطوف بهذا البيت كما أنه يقصد لأداء مناسك الحج أو العمرة.
والطواف بالبيت كما قلنا عبادة من أشرف وأفضل القربات، يتقرب بها المحرم وغير المحرم، ولكن للمحرم ركن، فالطواف بالبيت ركن من أركان العمرة، وركن من أركان الحج، فالقادم إلى مكة بنية الحج يطوف بالبيت طواف القدوم إذا كان قارناً أو مفرداً، وكذلك يطوف طواف الإفاضة الذي هو من أعمال يوم النحر، والمذكور في قوله تعالى: ((ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق)) (الحج:٢٩) . وكذلك يطوفون طواف الوداع عند مبارحتهم مكة بعد انتهاء أعمال الحج، فيكون طواف الوداع آخر عهدهم بالبيت.
стр. 978
وفي الطواف يستحضر العبد أنه تعظيم لله، ليس بتعظيم للكعبة، ولا لتلك البناية المخلوقة! إنما هو تعظيم لله تعالى، فالكعبة بيتٌ أمر الله ببنائه، فأمر إبراهيم ﵇ أن يبنيه، وكذلك جدده من بعده، وأضافه الله إلى نفسه في قوله تعالى: ((وطهر بيتي)) جعله بيتاً له، ولحرمة هذا البيت أمر المسلم بأن يطوف به، تعظيماً لربه الذي أمر بذلك.
وهذا الطواف يشتمل على ذكر ودعاء وقراءة، ولا يصحُّ فيه غير ذلك، إلا أن الله أباح فيه الكلام، فلا يتكلم حال الطواف إلا بخير، فقد ورد في الحديث: "الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير".
لذلك يشترط في الطواف الطهارة كما تشترط للصلاة، ويشترط له ستر العورة، كاشتراطها للصلاة أو نحو ذلك.
ويبدأ الطواف بمحاذاة الحجر الأسود، فإذا قدر المسلم على استلامه فإنه يقبِّله، فيضع شفتيه عليه من غير تصويت، فإن لم يستطع، لمسه بيده اليمنى وقبّلها، وإن لم يستطع لمسه بمحجن أو عصا، وقبّل رأس المحجن أو العصا، وإن لم يستطع ذلك كله اكتفى بالإشارة إليه -ولو من بعيد- وكبّر ومضى.
ويُشرع للحاج ألا يزاحم الحجاج من أجل تقبيل الحجر الأسود؛ بل إنْ وجد فرجة واسعة، استلم، وإلا مضى، لأنه قد يُشِقُّ على غيره في هذه المزاحمة، ويكلف نفسه، وقد يزاحم من لا تحل مزاحمته: كالنساء، وما أشبه ذلك.
وإذا ابتدأ الطواف فإنه يجعل البيت عن يساره، مبتدءاً من الحجر الأسود -كما قلنا- ويبدأ بالاستدارة حول الكعبة وراء الحِجْر.
стр. 979
والحِجْر هو: البناية كنصف الدائرة التي يمر بها في جهة الشمال ويطوف من ورائها، ويحذر أن يطوف من دونها، كما يفعله بعض الجهلة، وذلك لأن هذا الحِجْر فيه جزء من البيت، لأن قريشاً حين جددوه، قصرت بهم النفقة، فأخرجوا جزءاً من البيت، نحو ستة أو سبعة أذرع من جهة الشمال، فلهذا جعل هذا الحِجْر مكملاً له ليحصل الطواف بالبيت كله، لا ببعضه، فمن طاف في داخل الحِجْر لم يطف بالبيت كله، إنما طاف ببعضه.
فإذا وصل إلى الركن اليماني الذي هو الزاوية الغربية الجنوبية، فإن استطاع أن يستلمه بأن يضع يده عليه مجرد وضع، ثم يرفعها فعل ذلك، ولا يقبله ولا يمسح بيده زاويته ولا يقبلها ولا يمسح بها وجهه ولا غير ذلك مما يقصد به التبرك، فإن كل ذلك من البدع، وإنما جاءت السنة بوضع اليد على الركن اليماني وبتقبيل الحجر الأسود فقط، فإن لم يستطع وضع يده كما ذكرنا، فإنه يمضي ولا يشير إليه، وهكذا بقية زاويا الكعبة لا يُسْتَلَمْ شيء منها.
ذكرنا أن الطواف عبادة لله وحده وليست تعظيماً للكعبة، ولا أستارها، ولا أركانها، فَيُنْكَرُ على من يفعل في هذا الطواف ما لا يجوز فعله، ومن ذلك أن بعضهم يتمسح بجدار الحِجْر، فكلما مرّ عليه مسحه، ومسح بذلك وجهه وصدره، وهذا بلا شك خطأ، ويجب أن يُنْصَحَ الذين يفعلون مثل هذه الأخطاء.
وهكذا الذين يلصقون صدورهم على جدران الكعبة، يتبركون بذلك، أو يمسحون بأيديهم الكسوة ويمسحون بها وجوههم، فهذا كله لا أصل له، فلم يُشرع التبرك بكسوتها، ولا بحجارتها، ولا بالحِجْرِ ولا بغير ذلك.
وهكذا أجزاء بقية الكعبة، كمقام إبراهيم، والصفا والمروة، وزمزم وجدرانها، وبقية جدران المسجد الحرام، فلا يجوز التمسح بشيء من ذلك، ولم يُشرع إلا تقبيل الحجر الأسود، ووضع اليد اليمنى على الركن اليماني.
стр. 980
وهكذا الحجرة النبوية بالمدينة المنورة، والمنبر النبوي، وجدران المسجد النبوي، وغير ذلك، فلا يجوز التمسح بشيء من ذلك، فإن التمسح بشيء من ذلك يعتبر تعظيماً له! وهذا التعظيم قد يؤدِّي إلى نقص التوحيد، فإنه نوع من الإشراك.
* أدعية الطواف:
ليس للطواف دعاء مخصوص، خلافاً لما اعتاده الجهلة، وهم الذين يتقيدون بتلك الأدعية المذكورة في بعض المناسك، فإن التقيد بها ليس بشرط.
فإذا شغلت الطواف بذكر الله بالتهليل، والتحميد، والتكبير، والتسبيح، والحوقلة، والاستغفار، ونحوه، كفى ذلك.
وإذا شغلته بالقراءة أو بما تيسر من الأدعية، سواء الأدعية القرآنية، أو الأدعية النبوية المأثورة، أو ما تستحسنه من الأدعية الجامعة لخيري الدنيا والآخرة، كفاك.
وليس لكل شوط دعاء مخصوص؛ بل يصح أن تدعو بهذه الأدعية في شوط أو في الأشواط كلها بدعاء واحد أو ما أشبه ذلك، هذا كله دليل على أن ما يعتقده بعض الجهلة من أنها لا تصح إلا بتلك الأدعية المخصصة خطأ لا أصل له.
* تنبيه:
وهنا ننبه على هذه المناسك، أي: الكتب الصغيرة التي تُباع عند الحرم وغيره والتي يذكر فيها: دعاء الشوط الأول، والشوط الثاني، والثالث ... وهكذا، ليست ملزمة، وليست شرطاً، وإنما جمعها بعض العلماء ليسهل على العامة الدعاء بها، وإلا فليست شرطاً؛ بل يجوز أن تدعو بدعاء الشوط الأول في الثاني، أو في الثالث، ويجوز أن تدعو بغيرها، ويجوز ألا تدعو بها كلها، وأن تقتصر على الثناء على الله، والتكبير والتهليل والتحميد، وما أشبه ذلك؛ بل يصح الطواف ولو لم تدع بشيء منها، ويصح الطواف ولو لم تردد إلا فاتحة الكتاب، أو تردد لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو ما أشبه ذلك، فإن القصد هو وجود الطواف، أما الذكر فإنه من مكملاته.
стр. 981
ذلك لأن الدعاء إنما هو ذكر لله، وقد ثبت قول عائشة ﵂: "إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله تعالى".
فالطواف شرع لإقامة ذكر الله ، فإذا أقامه العبد، صحَّ وأتى بما طُلِبَ منه؛ سواء بذلك الدعاء أو بغيره.
وبعد إتمام الطواف حول البيت سبعة أشواط، فإنه يشرع صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم ﵇ إن تيسَّر ذلك، وإلا في أي مكان من المسجد.
وبعد أداء الركعتين وقبل الذهاب إلى الصفا والمروة يشرع الرجوع إلى الحجر الأسود وتقبيله إن تيسر أو الإشارة إليه، فإن هذا من السنة.
السعي بين الصفا والمروة
وبعد أداء ركعتي الطواف يخرج إلى المسعى، فإن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة.
وقد ذكر الله تعالى أن الصفا والمروة من شعائر الله، فقال تعالى: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله)) (البقرة:١٥٨) .
وهكذا بقية الأماكن فإنها تسمى شعائر، كما في قوله تعالى: ((ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)) (الحج:٣٢) .
والسعي بين الصفا والمروة يسمى طوافاً وهو إحياء لسنة النبي ﷺ حيث يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي".
* ويشرع الخروج إلى المسعى من جهة الصفا، فإذا دنا من الصفا قرأ: ((إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم)) (البقرة:١٥٨) . أبدأ بما بدأ الله به.
* ثم يرقى الصفا حتى يرى البيت فيستقبله وإن وقف عند الصفا أجزأه.
* ويرفع يديه فيوحد الله ويكبره ويحمده ويقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبرلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده".
стр. 982
ثم يدعو بعد ذلك بما تيسر من الدعاء فيدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخرة ويكرر هذا الذكر وهذا الدعاء ثلاث مرات. فإن هذا من مواضع الدعاء الثابتة عن النبي ﷺ في المناسك. ولا بأس أن يدعو بغير هذا الدعاء، ولكن الأفضل اتباع السنة وما ثبت عن النبي ﷺ .
* بعد ذلك ينزل من الصفا متوجهاً إلى المروة حتى يصل إلى العلم الأخضر، ويشرع للرجل أن يسعى سعياً شديداً يعني: يركض ركضاً، حتى يصل إلى العلم الثاني، ويحرص المسلم على عدم إيذاء إخوانه المسلمين. أما المرأة فلم يشرع في حقها إلا المشي فقط فإنها عورة.
* فإذا وصل إلى المروة رقى عليها ويستقبل القبلة فإنها من السنة، ويقول ويفعل كما قال وفعل عند الصفا. ثم ينزل من المروة إلى الصفا... وهكذا يمشي في موضع مشيه ويسعى في موضع سعيه.
* والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط مبتدئاً بالصفا، ومنتهياً بالمروة، فمن الصفا إلى المروة يعد شوطاً، ومن المروة إلى الصفا يعد شوطاً آخر.. وهكذا حتى يتم سبعة أشواط.
ويشرع أن يشغل سعيه بالذكر والدعاء والقراءة بما تيسر، وليس للسعي بين الصفا والمروة دعاء خاص، وإن دعا في السعي فقال: "رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم" فلا بأس لثبوته عن ابن مسعود وابن عمر ﵃.
* ولا تجب الطهارة للسعي، والطهارة أفضل، وهكذا المرأة لو حاضت أو نفست بعد الطواف أجزأها السعي على غير طهارة.
* وليحذر من مزاحمة النساء الأجنبيات ونحوهن، أو تعمد النظر إلى العورات، أو إلى الزينة المنهي عنها، أو ما أشبه ذلك. وهكذا النساء فعليهن أن يتقين الله ، وألا يزاحمن الرجال، لا في المطاف، ولا في السعي، ولا عند الجمرات، ولا في غيره من المشاعر.
стр. 983
* الحلق أو التقصير: وبعد أداء السعي بين الصفا والمروة فيشرع لمن أحرم بالعمرة أو كان متمتعاً أن يحلق أو يقصر والحلق أفضل، فإنه ﷺ : "دعا للمحلقين بالرحمة -وفي لفظ: بالمغفرة- ثلاث مرات، وللمقصرين مرة". أما إذا كان وقت الحج قريباً بحيث لا يطول فيها الشعر، فإن الأفضل في حقه التقصير، فإن قصر فلا بد من تعميم التقصير، ولا يكفي تقصير بعضه، كما يفعله بعض الجهلة.
* وبالحق أو التقصير من المعتمر أو المتمتع يكون قد تحلل من عمرته وحلَّ له كل شيء حرّم عليه بالإحرام.
* أما المفرد أو القارن الذي ساق الهدي فإنهما يبقيان على إحرامهما ولا يقصران أو يحلقان حتى رمي جمرة العقبة يوم العيد.
أعمال الحج
يوم التروية
(اليوم الثامن من ذي الحجة)
إذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، استحب للحجاج الذين أحلّوا إحرامهم بعد العمرة وهم المتمتعون أن يحرموا بالحج من مساكنهم وأماكن إقامتهم.
كذلك يُستحب لأهل مكة ومجاوريها، ممن أراد الحج أن يحرموا من بيوتهم.
فيعقد الحاج النية بالحج في قلبه ويلبي بالحج فيقول: (لبيك حجاً) ، وإن كان خائفاً اشترط في إحرامه كما ذكرنا سابقاً فيقول: "فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني".
أما القران والمفرد فهم باقون على إحرامهم الأول، حتى يؤدوا باقي مناسكهم.
يتوجه جميع الحجاج بعد الإحرام إلى منى قبل الزوال أو بعده، فيصلُّوا فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يقصرون الرباعية.
стр. 984
ويبيت الحجاج في منى تلك الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت يعتبر سُنة مؤكدة، وإن ذهب بعض العلماء إلى وجوبه لأن النبي ﷺ وخلفاءه حافظوا عليه، فكانوا يبيتون ليلة تسع في منى، ويتوجهون صباح التاسع بعد طلوع الشمس إلى عرفة، فيكون هذا المبيت مؤكداً، والذين يتركونه يتركون فضلاً كبيراً، وإن غالب الذين يتركونه هم الذين يتعلقون بغيرهم، وغالبهم من الوافدين الذين يحملهم المطوفون، وذلك أن المطوف يشق عليه أن يسكنهم أولاً بمكة ثم بمنى، ثم بعرفة، ثم بمزدلفة، ثم بمنى، ثم بمكة، فهو ينقلهم رأساً من مكة إلى عرفة، ويترك هذه الشعيرة وهذه السُّنة، وهي المبيت بمنى ليلة عرفة، وهذا فيه تقصير وخطأ ونقص في حجهم، ولكن لجهل أولئك الوافدين ولإحسانهم الظن بهذا المطوف واعتقادهم نصحه، لا ينتبهون لما يفوتهم، ولا يسألون غيرهم، ويكتفي المطوف بإطعامهم ونقلهم وإسكانهم، أما التعليم والإرشاد فقلَّ من يهتم به، وكان الأولى بهم أن يتركوا ذلك المطوف، وأن يبيتوا بأنفسهم بمنى، ويذهبوا على أرجلهم في صباح يوم التاسع إلى مخيماتهم في عرفة، ولكن لا يأتيهم من يُوَجِّهُهُم، وأما من هو منفرد فإنَّه يُتأكد في حقه أن لا يترك هذا المبيت في هذا اليوم.
وعلى الحجاج المحرمين في ذلك اليوم سواء المتمتع، أو القارن، أو المفرد، أن يشتغلوا في حال إحرامهم بالتلبية، وذلك لأن التلبية شعار للحجاج، وعلامة واضحة على أنه متلبس بهذا النسك، فيرفعون أصواتهم بالتلبية ويكررونها.
يوم عرفة
(اليوم التاسع من ذي الحجة)
فإذا أصبح الحجيج في اليوم التاسع، وطلعت الشمس، توجهوا إلى عرفة فالوقوف بها هو الركن الأعظم للحج، الذي قال فيه النبي ﷺ : "الحج عرفة".
стр. 985
وعرفة مكان فسيح واسع ليس فيه بنا، وهو متسع من جهة الشمال، ومن جهة الجنوب، أما من جهة الشرق فتحده تلك الجبال التي تعرف (بجبل الرحمة) وما يتصل به من الجبال، وأما من جهة الغرب فيحده وادي عُرنة وما وراءه.
وذهب بعض العلماء إلى أن عُرنة داخلة في عرفة، وعلى هذا فتكون نهايته ما وراء الوادي إلى منتهى عُرنة، ويدخل فيه على الصحيح نمرة كما في حديث جابر الطويل وغيره كما اختاره الزركشي في شرح مختصر الخرقي (٢٣٧٣) وذكرنا في التعليق عليه بعض الأدلة من السنة.
ويسن للحجاج النزول بنمرة في بطن الوادي إلى الزوال إن تيسَّر ذلك، لفعل النبي ﷺ ، فإذا زالت الشمس سن للإمام أو نائبه أن يخطب الناس خطبة تناسب الحال، يبين فيها ما شرع للحاج في هذا اليوم وبعده، ويأمرهم فيها بتقوى الله وتوحيده والإخلاص له في كل الأعمال، ويحذرهم من محارمه.. وغير ذلك.
بعد ذلك يصلي الحجاج الظهر والعصر قصراً وجمعاً في وقت الأولى بأذان واحد وإقامتين لفعله ﷺ كما في حديث جابر.
ثم يقف الحجاج بعرفة، وعرفة كلها موقف، يقفون خاشعين خاضعين، متضرعين، مستكينين لربهم، مظهرين الفقر والفاقة وشدة الحاجة إليه، مقيمين لحرماته، يعلمون أنهم في موقف عظيم يجمعهم كلهم، فالذين يتوافدون إلى البيت، يجتمعون كلهم في ذلك المكان في اليوم التاسع في تلك الصحراء خاضعين لربهم، رافعين إليه أكف الضراعة، داعين له بكرة وعشية، طالبين بحاجتهم الحاضرة والمستقبلية، راجين رحمته، فيباهي بهم ملائكته كما ورد ذلك في بعض الأحاديث: "إن الله يباهي بأهل عرفة ملائكته، فيقول: انظروا إلى هؤلاء، أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق".
следующие страницы →