← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وهناك صورة أخرى، يصف فيها ملكًا، تبدو صورة جميلة، لكنها محتوية على وصف لا يليق بملك كريم، يقول صلاح: (وحين يأفل الزمان يا حبيبتي يدركنا الأفول وينطفي غرامنا الطويل بانطفائنا يبعثنا الإله في مسارب الجنان درتين بين حصى كثير وقد يرانا ملك إذ يعبر السبيل فينحني، حين نشد عينه إلى صفائنا يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبه بريقنا يرشقنا في المفرق الطهور) (١). وهذه أعمال لا يُمكن أن تحدث من ملك لمجرد أنه رأى هذا وحبيبته، وفي وصفه للملك بهذه الأوصاف إلحاق ما لا يليق بملائكة اللَّه تعالى، وهو ضرب من ضروب الانحراف الاعتقادي. وفي مسرحية الحلاج يقول صلاح على لسان أحد المتصوفة: (. . . وطريقنا أن تنظر للنور الباطن ولذا، فأنا أرخي أجفاني في قلبي وأحدق فيه فأسعد وأرى في قلبي أشجارًا وثمارًا

стр. 1017

وملائكة ومصلين وأقمارًا) (١). وإذا عرجنا إلى نصارى الحداثة لنرى ما لديهم من انحراف في شأن الملائكة نجد أن يوسف الخال يعبر عن سخافة معتقده في اللَّه والملائكة بقوله: (واهدم سياج الوعد والأمان فاللَّه قد يمسح ذات يوم معالم الوجوه لأن واحدًا من الملائكة أصيب وهو ساجد بمثل عارض الجنون هو البقاء راقص على حبال الليل والنهار) (٢). ونجد جبرا يمج تفاهاته على هذا النحو: (في هذه العظيمات المكورة المتآزرة المتآمرة إثر الملائكة محومة إثر الذباب مهمومة تحلل الحب والموت إلى معانٍ كالنقيق) (٣).

стр. 1018

ويصف الملائكة المسبحة بحمد اللَّه بلا فتور، بأنها تغني من ذرى فلسطين، وأن ملك الموت يرقص الدبكة، فيقول: (أمن ذراك غنت الملائك للرعاة أنشودة السلام والمسرة للبشر لم يضحك سوى الموت إذ رأى بين أمعاء الدواب أضلع البشر وخلال قهقة الرصاص راح يرقص دبكة على رؤوس الباكيات) (١). ويقول: (وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب وبعض شذى من زهور سُقيت في الليل أغاني الملائكة) (٢). وتاللَّه أن الملائكة لا تغني بل كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٣). وقد نقلنا في الوجه الأول من كلام توفيق صايغ ما يدل على وصفه الملائكة بالأنوثة، ومنه قوله: (الملائكة، لا ملائكة في الأثير

стр. 1019

قصقص البيضُ الجناحَ، تصفرن شحرن. . . لا يرفرفن. . . لا يمدون من أذرع العطف . . . يأتين إن يأتين في ركب إله. - ولا إله) (١). إلى آخر كلامه الركيك الذي يثير الغثيان، والشفقة على نفوس تستعذبه وترى فيه إبداعًا وفنًا!!. ونجد عند أنسي الحاج من ضمن أوشامه وأخلاطه الإلحادية الكثيرة، سخرية وتهكمًا بالملائكة الكرام، ومن ذلك قوله: (في الفاصل ما بين الفصل الخائب والبركة، يحكم ببروده الخبيث ملاك الحياد النزيه البغيض) (٢). وقوله: (نوبة طهارة، ونوبة خطيئة، سرير واحد للروح القدس والشيطان، والرفاق بات يصعب عليهم السير مع هذا المحير) (٣). هذه بعض أقوال نصارى الحداثة، أمّا غيرهم فنجد عندهم أيضًا انحرافات كثيرة، منها قول أمل دنقل يتحدث عن موت أمه: (نائمًا كنت جانبها، ورأيت ملاك القدس ينحني، ويربت وجنتها وسارت يقلبني قشعريرة الصمت) (٤). وقد يظن متعجل أن الحداثيين يؤمنون بوجود الملائكة، "وهذا أمر قد تحدثنا عنه في الوجه الأول" والحقيقة أنهم يستعملون اسم الملائكة وأعمال الملائكة التي ينسبونها إليهم على أساس أنها ضرب من

стр. 1020

الأساطير، وقد ذكر ذلك مؤلف "موسوعة الفلكلور والأساطير الشعبية" وهو حداثي شهير، أضف إلى ذلك أنهم يلحقون بالملائكة أوصافًا هابطة وأعمالًا غير لائقة في تجنٍ وتهكم مقصودين، خذ مثلًا أقوال نزار عن الملائكة، والتي منها قوله: (أمّا الحديث عن عودة مصر إلى العرب أو عودة العرب إلى مصر فهو مثل الحديث عن جنس الملائكة سفسطة لا لزوم لها) (١). ومن أبشع ما قيل أو يقال في هذا الوجه من الانحراف قول هذا الخبيث، وأستغفر اللَّه العظيم من إيراد هذا القول: (لأنني أحبك يحدث شيء غير عادي في تقاليد السماء يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب ويتزوج اللَّه حبيبته) (٢). سبحانك ربي سبحانك ما أعظم شأنك، سبحانك لا إله إلّا أنت الواحد الأحد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا. ويقصد بممارسة الحب: العملية الجنسية، إذ تعارف أهل الدعارة على تسمية دعارتهم حبًا وكتب هذا الداعر مليئة بمثل هذا إن أراد التلميح عن الجنس، أمّا إذا مارس دعارته بالمكشوف كما هي عادته، فإن عباراته عن الجنس تكون فاضحة صريحة. ويقول عن خدينته: (ربما كنت راضية عني لأنني جعلتك كالأميرات في كتب الأطفال

стр. 1021

ورسمتك كالملائكة على سقوف الكنائس) (١). ويقول: (. . فالحب الكبير هو دائمًا حب صعب وليس صحيحًا أنه يأتينا على عربة تجرها الملائكة) (٢). أمّا محمود درويش فيقول عن "الأرض" أي أرض فلسطين: (فدائي الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها وصوفي الحصى والرمل والحجر سأعبدهم، لتلعب كالملاك، وظل رجليها على الدنيا، صلاة الأرض للمطر) (٣). ويقول في "أبيات غزل": (سألتك: هزي بأجمل كف على الأرض غصن الزمان لتسقط أوراق ماض وحاضر ويولد في لمحة توأمان ملاك وشاعر) (٤). فهو يقرن بين الملك المطهر والشاعر الحداثي، ويجعل الملاك مولودًا، ولو كان ذلك على سبيل الاستعارة والمجاز كما يقول بعضهم فإن ذلك لا يليق بالملائكة. ويقول: (لم تزل شرفة هناك في بلادي ملوّحه

стр. 1022

ويد تَمنح الملاك أغنيات وأجنحه) (١) ويقول مخاطبًا وطنه: (تكبّر تكبّر فمهما يكن من جفاك ستبقى بعيني ولحمي، ملاك) (٢). هذا النص والنصان اللذان قبله قد يقال بأنها محتملة لأوجه عديدة منها ما هو حسن يمكن اعتباره ولو عن طريق المجاز، غير أنه إذا أخذت هذه النصوص في سياق التوجه المعروف عند هذا الشاعر فإنه يمكن أن تعتبر خطوة أخرى في درب تدنيس المقدس ضمن الإطار الأصولي للتوجه الحداثي. ويتحدث عن محبوبته جاعلًا المَلَكَ أنثى مثل حبيبته، ويصفه بأنه يمارس الجنس، وذلك في قوله: (ذهبت إلى الباب مفتاحها في حقيبتها وهي نائمة كالملاك الذي مارس الحب) (٣). أَجَلَّ اللَّه ملائكته وقدسهم عما يقول هؤلاء. أمّا الشيوعي الفلسطيني معين بسيسو فإنه في مقدمته لديوانه يتبرع بالإطراءات المترعة بالإعجاب لبني عقيدته الماركسيين (٤)، وكان مما قال في هذه المقدمة البئيسة: (الملائكة الذين كتبوا قصيدة الكون في ستة أيام واستراحوا بعد ذلك في اليوم السابع لم يقرأوا ولم يكتبوا لن يغفروا لك (٥) أبدًا إنك واصلت الكتابة بعدهم إلى عشرين أو ثلاثين عامًا. . . الملائكة

стр. 1023

ضدك والشياطين أيضًا، فالملائكة الذين قالوا نعم، ليسوا ضد الشياطين الذين يقولون: لا، "فلا" الشياطين بين الجدد هي "نعم" الملائكة القدامى، الذئاب الجديدة تقدم أوراق اعتمادها للذئاب القديمة، فذلك الشيطان الجميل الذي قال: لا للقصيدة الواحدة التي تكتب خلال ستة أيام، ويتم تتويجها ملكة، لا يزال في زنزانة الملائكة. . ونحن الذين نكتب الشعر باسمه، لم نقدم له ولو حبة اسبرين، على امتداد سنوات الكتابة) (١). هذا الهراء المتفسخ هو نموذج للفصاحة الحداثية، المشربة بالتشويش والغمغمة اللفظية!!. وفيه إشارة إلى أن الملائكة وقضاياهم مجرد أسطورة؛ ولذلك هو يستخدمها بهذا الأسلوب التهكمي الساخر عديم المعنى ركيك المبنى، جعلهم هم الذين خلقوا الكون في ستة أيام، ثم استراحوا في اليوم السابع، وهي صورة مقلوبة عن الخرافة الشائعة عند أهل الكتاب، والتي تقول: أن اللَّه بعد خلق السموات والأرض استراح في اليوم السابع، وما قدروا اللَّه حق قدره -جلَّ وعلا-، فرد عليهم اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ (٢). ثم يتحدث عن حلف متوهم بين الملائكة والشياطين ضد الشيوعي المقصود بالمدح، ويرمز بالملائكة والشياطين إلى أشخاص من الذين لهم مواقف مع ممدوحه الشيوعي، ثم يصف الملائكة بأنهم ذئاب وأن الشيطان الجميل مسجون في زنزانة الملائكة؛ لأنه تجرأ وقال: "لا". هذا الشيطان -زعيم الحزب الحداثي- هو الذي امتدحه أمل دنقل في قوله: (المجد للشيطان، معبود الرياح من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم" من علم الإنسان تمزيق العدم

стр. 1024

من قال "لا" فلم يمت وظل روحًا أبدية الألم) (١). وقال اللَّه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٣). وقال-جَلَّ ذكرُه-: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ (٤). ومن يتأمل نتاج الحداثيين يرى أنه استحواذ عليهم أشد الاستحواذ فما من دركة من دركات الشر إلّا أحبوها ومدحوها، وما من درجة من درجات الخير والحق والفضيلة إلّا عادوها وحاربوها وذموها. مدحوا الوثنية وذموا التوحيد، أحبوا العهر والدعارة وأبغضوا الطهر والزكاء، كفروا باللَّه وآمنوا بالأصنام، حاربوا شرع اللَّه وقدسوا تشريعات البشر، وحالفوا النجس وأحبوه وامتدحوه، وأبغضوا الملائكة الأطهار ونفروا منهم. فسبحان اللَّه كم في أعمالهم وتصرفاتهم من خبائث تدل على خبثهم، ومواقف تؤكد انحطاطهم وأعمال ترشد إلى فساد طويتهم، وصدق اللَّه العليم الخبير القائل في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ

стр. 1025

لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾ (١). ومن أقوال بسيسو المنحرفة قوله: (حين يحب اللَّه ملاكًا يجعل منه إنسانًا) (٢). وأبشع من ذلك وأقذر، قوله: (واللَّه كان يلعب الشطرنج كل ليلة مع الملائكة عيني على الملك واللَّه كانت عينه علي وكان حين يسقط الملك أمضي إلى يديك، كي اصطاد يا حبيبتي الطيور) (٣). سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وهذا الحداثي الهابط -هبوط مبادئه وأفكاره- له في عقول وقلوب غلمان الحداثة الإمعات مكانة سامقة، فما فتئوا يمدحونه ويرثونه في بكائية مستمرة، دبجتها أقلامهم المستعارة (٤)!!. وفي مقطع آخر يُعجب بسيسو بجثة فرعون، وهذا طبيعي لأنه عدو للَّه

стр. 1026

ورسوله، ثم يتهكم بالملائكة في صورة هزيلة هزال عقيدته، فيقول: (ما أجمل المومياء في التابوت ترفض أن تموت والعصافير تبني للملائكة أعشاشها في الغصون الشائكة) (١). وللفيتوري صلة مع هذا اللون من الانحراف وهو القائل: (وأعري الخيانة نائمة كملاك عميق الطهارة فوق سرير الخيانة) (٢). وللرافضي اللبناني محمد علي شمس الدين مقولة أبشع وذلك في قوله: (فتعالي يا أودية احتفلي بهبوط ملاك مؤتزر بالصعتر واللبلاب وعصفورين كجبرائيل وميكائيل على الطرفين وفية تحميه من الشمس "مزينة بالشمس" ومرسلة من قارب "جعفر" في الوادي) (٣). وللشيوعي الفلسطيني سميح القاسم مشاركة في هذا اللون من الانحراف وذلك في قوله: (ملائكة متعبون

стр. 1027

يحطون ليلًا على كتفي ويبكون تسقط أوراق قلبي على الأرصفة) (١). ولنأخذ نماذج من الانحرافات في هذا الباب والذي حملت لواءه مجلة الناقد المتممة لمشروع يوسف الخال وعصابة شعر، والتي ركزت اهتمامها بصورة مكشوفة على معاداة الإسلام والحركات الإسلامية، سيرًا مع الاتجاهات الدولية المعادية لدعاة الإسلام اليوم، وما من ساقطة إلّا وتجد لها في مجلة الناقد مكانًا، فمن ذلك قول بعضهم في مقطوعة اسمها "آخر السلالة": (وهنا وهناك تجوب دورية الملائكة وسائدنا ثمة تنانير من العسل والأوراق) (٢). ومن ذلك قول آخر: (ولا أبخل على ملائكتي ببعض الفخر والابتسام، هل ما هنا لك -وحق ما تعبدون! - إني أمارس الثبوت والاختزال، وأسعى إلى التفويت والتخلي، إني بكلمة جامعة لا شريك لها. . .) (٣). ويشرح باروت استخدام بعض الحداثيين لمضامين "ملائكية" حسب تعبيره، فيقول: (والملائكية تعني أن الشاعر يخلق عالمه الخاص المستقل عن عالم الواقع والتحرر منه) (٤).

стр. 1028

والآن إلى نماذج من الانحرافات في الرواية الحداثية، فمن ذلك قول عبد الرحمن منيف التهكمي الساخر: (من يسمع أن الخوش تتحدث لأول مرة يظنها امرأة شديدة الاتزان، وحين تبدأ برواية قصة سفر ابنها، ترويها وكأنها تعني امرأة أخرى. . . ثم فجأة تتغير لهجتها ونبرة صوتها، تتلفت حولها بفزع تتلمس الأرض كأنها تخاف أن تنفتح فتصرخ بانفعال: - اسمعوا يا أهل الوادي، المنام ما يكذب، جاءني ثلاثة ملائكة، كانوا في ثياب بيضاء، وقالوا لي: الخوش يكون هنا يوم الخميس، الملاك الكبير له وجه مثل وجه الخوش ويضحك مثله، وكان الصغير بقوة الخوش، والثالث ما شفته لأنه كان يعطيني ظهره) (١). وهكذا يتم توظيف الجنون والسخرية لتحطيم هذا الركن العظيم وتنزيل درجته إلى حضيض الامتهان. أمّا الطاهر بن جلون فقد استخدم هذا الأسلوب الساخر التهكمي التدنيسي بصورة مكررة للوصول إلى المقصد نفسه، ومن ذلك قوله في رواية "ليلة القدر" على لسان أحد شخصيات الرواية: (إن الليلة السابعة والعشرين من هذا الشهر مناسبة للحساب وربّما للغفران ولكن بما أن الملائكة سيحضرون معنا لإحلال النظام سأكون حذرًا، أريد إعادة الأمور إلى نصابها قبل أن يتدخلوا فيها، إنهم يعتقدون بأنهم صارمون تحت مظهر رقتهم الظاهرة، إحلال النظام هو بدء الإقرار بالمعصية هذا الوهم الفظ الذي جلب اللعنة على العائلة بأسرها) (٢). ثم يتحدث عن المؤذن وعن الملائكة فيقول: (اسدلي الستائر، قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق يجب أن يعاش الدين في صمت وتأمل، وليس في هذه الجلبة التي تكدر صفو ملائكة القدر، هل تقدرين

стр. 1029

جسامة العمل الذي عليهم إنجازه في بضع ساعات؟ التنظيف! إحلال النظام! إنهم على أية حال فعالون، أحس بأنهم حاضرون في هذه الحجرة، وأنا أساعدهم على التنظيف، أود أن أرحل نظيفًا، مغسولًا من كل هذا العار الذي حملته بداخلي طوال شطر كبير من حياتي) (١). (. . . إنها حوالي الثالثة وبضع دقائق، لقد أنجز الملائكة نصف عملهم إنهم يمضون دومًا مثنى مثنى، خاصة لأخذ الروح، في الواقع، يحط أحدهما على الكتف الأيمن، والآخر على الأيسر، وبنفس الحماس، يأخذان الروح بحركة بطيئة ولطيفة، إلى السماء، لكنهما في هذه الليلة ينظفان، ولا وقت لديهما للانشغال بشيخ في رمقه الأخير، لا تزال أمامي بضع ساعات لكي أتكلم معك حتى شروق الشمس، بعد صلاة الفجر، وهي صلاة قصيرة، فقط لتحية بشائر النور) (٢). ويقول على لسان امرأة من شخصيات روايته: (. . . كنت في ذلك اليوم أضم بين ذراعيّ شخصًا مجهولًا، ربّما أميرًا مبعوثًا من طرف الملائكة تلك الليلة السابعة والعشرين، أميرًا أو طاغية مغامرًا، قاطع طرق حجرية، لكنه رجل، جسد رجل. . .) (٣). ويصف إحدى الداعرات على لسان إحدى الشخصيات بقوله: (أنت منقذتنا الملاك الذي صار مطلعًا على كل شيء، إما إن تلعنينا أو تنقذينا، ملاك مبيد سيرتب هذا النسيج العنكبوتي) (٤). وفي الرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" يضيف علاء حامد إلى إنكاره وجود الملائكة الأسلوب الهزلي للسخرية باللَّه -جلَّ وعلا- وملائكته، فيقول: (الحاكم يملك الأرض ومن عليها، ويقابله اللَّه ملك

стр. 1030

السموات والأرض، الحاكم يرى بعيونه "جواسيسه" واللَّه يرى ويسمع هو الآخر وإحدى وسائله ملائكته) (١). ويقول: (. . . إسرافيل يغني على أنغام جوكة الملائكة مع رقصات السامبا للجن الأزرق والأحمر وزعقات الشياطين وهز بطن إبليس العاق، الذي سيمتطيه رواد الجنة كما يمتطي السائحون الجمال. . . وتلك السراويل هل لديكم مصانع لتصنيعها. . يديرها الملائكة والجن الطالح!!) (٢). إلى آخر ما في هذه الرواية من سخرية لاذعة وتهكم صارخ وكفر بواح. أمّا نوال السعداوي فإنها تقول في روايتها "سقوط الإمام": (. . . وقفت بين يدي الرسول مرفوع الرأس أنكمش في تواضع داخل ذاتي، ويأتي جبريل ﵇ على شكل الملاك الطاهر فيحملني على جناحيه إلى ممتد المشاهدة، وأغمض عيني ثم أردهما فإذا بي في الملكوت الأعلى وهو سدرة المنتهى، وأسمع صوت اللَّه يناديني: يا قاضي القضاة الآن اكشف عنك غطاءك ليكون بصرك حديدًا ووجهك جديدًا وذاتك جديدة) (٣). وفي الجملة هذا نوع من أنواع انحرافاتهم، وقد امتطوا أسلوب السخرية لتهديم مباني وأركان الإسلام، وتحقيرها، وإزالة مكانتها من النفوس. ونقول لهم كما قال نبي اللَّه نوح ﵊: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (٤). • • •

стр. 1031

الوجه الثالث: إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم: إذا كان أرباب الأدب العربي المعاصر يجحدون وجود الملائكة، ويسخرون في كلامهم من الملائكة ويفوهون عنهم بألفاظ التهكم وعبارات التنقص، فإنهم لا يعوزهم وهذا حالهم وشأنهم أن يسموا ويصفوا غير الملائكة بأسماء وصفات الملائكة. وذلك أنهم قد انهدمت في نفوسهم معاني التوقير لدين اللَّه، الذي يأمر بلزوم حدوده، والتي منها توقير هؤلاء الكرام البررة ﵈ وإبعاد كل ما يلحق بهم النقص أو الذم أو التحقير، من وصفهم بغير ما يليق، أو وصف غيرهم بالأوصاف الخاصة بهم. وقد دأب أصحاب أدب الحداثة وفكرها إلى تحطيم كل هذه الحدود وتجاوز سائر الآداب والأحكام المتعلقة بهذا الركن من أركان الإيمان. فها هو أدونيس الباطني التموزي الحداثي يتحدث عن فرج امرأة قائلًا: (أيها الجرح يا جحيمًا يضيئني أيها الجرح يا موتي الأليف في الجرح أبراج وملائكة) (١). قدس اللَّه ملائكته الأطهار ونزههم عن هذا. ويقول عن النهار الذي ينتظره "نهار الحداثة" والذي حقيقة الظلام والعتمة: (النهار بكانا هنا وبكانا هناك فاتحًا صدره للهزيمة راسمًا شارك الملاك فوق أشلائنا وخطانا) (٢).

стр. 1032

ويتهكم بالذين يكرهونه ويتمنون موته، فيقول: (يا من تكرهون التلفظ باسمي تلصقونني بعيونكم حين تقرأون أخبار الوفيات وتصرخون: قسمًا يسير وفي كل جيبة من جيوبه مدفع وامرأة عارية أنتم أيها الملائكة الأطهار المنقذون القواد الحكماء. . . الخ التمس منكم في هذه اللحظة معجزة واحدة أن تعرفوا كيف تقولون وداعًا. . .) (١). إن هذه العبارات التي رد بها على الذين يكرهونه، تعد في موازين الحداثة الدخانية أعظم رد قام به هذا الأعجم!!. وأما كراهته فإننا نشهد اللَّه تعالى على بغضه وبغض أشباهه من أعداء الدين، وما نحن بملائكة أطهار، ولكننا نسأل اللَّه تعالى أن يرفع درجتنا عنده حتى نكون أحسن منهم، ولا ريب أن معاداة هذا وبغضه من القربات العظيمة إذا خلصت النية في ذلك ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾ (٢). ويقول أدونيس: (لو لم يك البستان جارية لكان جرادة

стр. 1033

أعيدي صوتك واستعيدي سماءه - ملاك يأتي، وهذا سلم الهبوط) (١). ويقول: (وانتصب ابنها في الهواء مركزًا لأشعة المحيطات ملاكًا في العلم والكشف) (٢). ويقول: (تنهض من الحطام أزمنة ثانية حيث تموج الجموع تمزج السعال بالجنة والخبز بهالة الملائكة) (٣). ويقول عن عشيقته: (من أنت، أخذك حيوانًا ملائكيًا يضع السم في شفة والبلسم في شفة) (٤)

стр. 1034

ويقول: (لأيامه رائحة لا يعرفها من ملائكة الجسد غير الطبع) (١). أمّا نازك الملائكة فإنها تجعل الموسيقي الروسي "تشايكوفسكي" ملاكًا في قصيدة لها بعنوان "أنشودة الأبدية" وفي مقدمتها قالت: (إلى القيثارة الإلهية، التي منحت الإنسانية أروع الألحان، إلى تشايكوفسكي الموسيقي الروسي، ذكرى لمروره أربع وخمسين سنة على وفاته) (٢). (آه يا أيها الملاك إلى رو … حك، في الموت، حن روحي الحزين) (٣) وتقول فيه: (وأرى كيف تُرجفُ الوتر المسـ … ــحور كفاك يا ملاكي النبلا) (٤) وتقول في القصيدة نفسها عن ملك الموت: (أيها الموت أيها المارد الشر … ير يا لعنة الزمان العنيد كيف ترضى يداك أن تقتل إلَّا الإلـ … ــهام؟ ماذا تركته للوجود؟) (٥) ويخاطب البياتي محبوبته واصفًا هواهما بأنه ملاك فيقول: (تعالي نُشيد بأحلامنا … على شاطيء الحب كوخًا جميل وموقده قُبل يصطلي … عليها ملاك هوانا النبيل) (٦) وفي موضع آخر يجعل محبوبته ملاكًا، وهذا من تسمية الملائكة

стр. 1035

تسمية الأنثى فعل أهل الجاهلية، ومن إلحاق أسماء الملائكة وأوصافهم بغيرهم يقول البياتي: (حبيبتي ما أجمل الليال وأنت في صفائها ملاك يحملني طفلًا إلى هناك) (١). ويقول: (قالت ومدت يدها: أهواك وابتسم الملاك) (٢). وفي مدائحه المتعددة للوثن "عشتار" لم يجد إلّا أن يصفها بأنه ملاك، نزه اللَّه الملائكة ورفع قدرهم، يقول البياتي: (فأنا في النوم واليقظة من هذا وذاك ذقت، لما هبطت عشتار في الأرض ملاك) (٣). أمّا صلاح عبد الصبور فإنه يجعل من الحب والشعر ملكين فيقول: (أنشأت أغرد في صوت بالدمعة رطب لليل، وللفجر الغافي بالباب، ولأصحابي للعينين الخضراوين للملكين خرجا من داري معتنقين سعيدين. . . . . . يا فيروزه

стр. 1036

إني ألقيت الحمل على الباب الأخضر وشفيعاي الملكان المحبوبان) (١). ويقول في وصف امرأة عشقها في فيينا في النمسا، ويصفها بعبارات جنسية واضحة، ويعترف بتعاطي الرذيلة معها، ثم يصفها قائلًا: (يا جسمها الأبيض قل: أأنت خمرة؟ فقد نهلت من حواف مرمرك سقايتي من المدام والحباب والزبد يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة) (٢). هكذا بلا حياء ولا خشية يصف جسد هذه النمساوية بهذا الوصف، ويلحق أوصاف الملائكة الأبرار بالكافرات العاهرات، وهذه نهاية الاستخفاف والإهانة. وأردى من هذا وأخبث أن يأتي ناقد يمسح سوأة هذه القصيدة المترعة بالعبارات الداعرة فيقول: (هذه القصيدة نظيفة من الناحية الأخلاقية) (٣). ثم يقول الناقد نفسه: (وتجربة الشاعر قد بدأت بالنشوة الجسدية لكنها لم تقف عليها، بل ترقرقت منها إلى نشوة روحية قوية، والشاعر لا ينكر الجانب الجسدي من تجربته بل يقر بها إقرارًا أمينًا) (٤). فهل هذا الذي يقول هذا الكلام عاقل، أو أنه يستخف بعقول القراء؟ أو أنه أضحى يزن الأمور بموازين الغربيين الذي يسمون الزنا "حبًا" والدعارة "علاقة جسدية"؟ وإلّا كيف تكون القصيدة نظيفة أخلاقيًا والشاعر يعترف فيها بالزنى صراحة، والناقد يقول بأن الشاعر لا ينكر الجانب الجسدي في

стр. 1037

تجربته؟ هكذا تقلبت الموازين عند هؤلاء وأضحى الحلال حرامًا وتخلفًا، والحرام حلالًا، والزنى طريقًا إلى النشوة الروحية القوية كما يقول هذا الناقد الذي واصل في دفاعه وانحداره هو الآخر في المستنقع الأخلاقي ليقول: (إن المرأة التي يتحدث عنها الشاعر لم تكن مومسًا رخيصة تعطي جسدها لكل من يريده ويدفع الثمن بل كانت امرأة عادية من نساء الغرب ذات كرامة وتهذيب) (١). وهذا يعني أن الناقد الحداثي لا يرى بأسًا بالزنى إلّا إذا كان من عمل المومسات، أمّا إذا كان من عمل ذوات الأخدان فليس فيه عيب بل هي ذات كرامة وتهذيب!!. والذي يهمنا في هذا المقام بصورة أكبر حديثه عن قول صلاح: (يا جسمها الأبيض مثل خاطر الملائكة) حيث قال: (فكائنًا ما كان خاطر الملائكة هذا، هل نستطيع نحن البشر أن نرى الملائكة رأي العين، كما هي في حقيقتهم الروحانية الخالصة، أو نستطيع أن نتصورهم في بعض الديانات إلّا نساء بارعات الجمال الجسدي؟) (٢). قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ (٣). ومن أقوال جبرا في هذا الباب قوله: (آه أيتها الهواجس ما عدت تملأين رؤياي كالملائكة مريع وجهك مريع صوتك مريع تلولبك فيّ كالزوبعة) (٤).

стр. 1038

ومن طرق نشر الحداثة وتسويقها على ضعفاء العقول والإيمان ما يقوم به الحداثيون نحو بعضهم من إطراء فج ومديح مستهجن، على الرغم أنهم انتقدوا الشعراء والنقاد والعلماء الأقدمين الذين تركوا تراثًا ضخمًا ومنه بعض المدائح والإطراءات، فانتقدهم هؤلاء واعتبروا ذلك دليل تخلف وتكسب بالمديح، غير أننا وجدنا أنهم ارتكبوا ما انتقدوا، وبشكل أكثر وأبشع، إذ مدحوا ما يستحق الذم، وأشادوا بما هو أهل للإهمال والترك، ومن أمثلة ذلك المقدمة التي كتبها سعيد عقل لديوان توفيق صايغ المسمى "الأعمال الكاملة، المجموعات الشعرية" وكان مما قاله سعيد عقل: (إن كتابه لا ليقرأ، إنه ليغدو خلجات فيك، ودمًا دافقًا ونارًا، إنه مزيج من شبق ولاهوت، من كشف علمي وخطيئة وبرارة ملائكية أولى) (١). والقارئ العاقل عندما يقرأ ما يسمى شعرًا لتوفيق صايغ، يجد أنه عديم الفائدة الفنية، قليل الجدوى، ركيك اللغة، سقيم الأسلوب، بليد المعنى، ومن أمثلة ذلك: قوله: (قدماي نطنطا للباز بومه وللدودة لا يخدش الصخر طراوتها يومكما أمر ساعاته دنان لوتعي الشفاه قدماي تسابقتُما إلى حيث انقلبتما أذنين) (٢).

стр. 1039

وقوله: (وتشحشطتما إلى تلة المساكين والمنسحقي القلوب ورفستما الطوبى قدماي، نطنطا: جرجرة بعد، أو قمزة ويطلق عبديه السيد) (١). وقوله: (الصباح زنجيًا يسوقني بسوط غليظ) (٢). وقوله: (ولفلفت في الورقة زادي وبست حبيبتي بدون سونيته وشتمت البارمان والمدير من غير نار ونلويت، شعرة وحيدة ورحت افتش عن رأس أصلع أحط عليه) (٣). وقوله: (امططها إن طاب لي واغرز ببالونها مسمار سبات . . . لا تحاشكني عليها

стр. 1040

لا تبصبص علي، لا توشوش) (١). وقوله: (في قدميك جناحان في ذيلك فلفل) (٢). وقوله: (وينهدر من نصف فمي صوت نكير اشرشق اشرشق فيرتفع نصف فم) (٣). وقوله: (معششة الهسهس مبوسة الماعز موسوعة أقاويل) (٤). وقوله: (وحب K يخترقني ينساب في انسياب، احتراق، البواليع المدينة) (٥).

стр. 1041

هل يقول عاقل أن هذا كلام عقلاء أو فيه أي لمحة من ذوق أو فن أو أدب، إنها الركاكة والانحطاط والتخلف والتردي الذي شاع في كلام هؤلاء ثم يعتبرونه غاية الإبداع والجمال!!. ومن أقواله فيما يتعلق بالملائكة قوله: (وامتسح بالدخان انفاس رب أب يا جناح ملاك رؤوف) (١). وقوله: (فلا تجزع: بجوفي ملاك منمنم يصعد زفراتي فأجوب الحنايا) (٢). أمّا النصراني الآخر أنسي الحاج فإنه يقول عن نفسه: (أنا الشاعر الحيواني، الملاك الماجن، الملاك الذي يتجدد سقوطه تتجدد محبة اللَّه، أنا المجاني، الرغبوي، المتعوي الهائم، الصوفي، الشبق، الذاتي الهش، أنا المكون من خيوط أحلام، المنسوج بتراثات الوجدان والخيال والنعومة والنوم والصلاة والحب ودموع الحنان والكفر واليأس والتمرد) (٣). أعز اللَّه الملائكة أن تكون مثل هذا الرجيم الخبيث، فإنهم أطهار أبرار أخيار، وهذا الرديء كما وصف نفسه: مجاني هائم هش. . . الخ. ويقول عن التهتك الجنسي: (عندما يرميك الشبق بين أحضان جسدك

стр. 1042

يستنير محياك كملاك) (١). ويقول عن نفسه: (من أعماق بيروت التي ليس أعمق منها غير مزيج ملائكتيك ومجونك) (٢). ويقول: (للطفولة إرادتها، لكنها إرادة صماء، غائبة عن الوعي الاجتماعي، وحشية في "ملائكيتها" لا تضعفها إرادة الإرادة) (٣). ويقول أمل دنقل مخاطبًا إحداهن: (ملاكي: أنا في شمال الشمال أعيش ككأس بلا مد من. . . ملاكي. . ملاكي تساءل عنك اغتراب التفرد في مسكني) (٤). (ملاكي: ترى ما يزال الجنوب مشارق للصيف لم تعلن) (٥). ويقول: (آه يا سيدتي أنت ملك) (٦). ويقول عن نفسه على الطريقة النصرانية: (في البدء كنت رجلًا وامرأة وشجرة

стр. 1043

كنت أبا وابنًا وروحًا قدسًا) (١). ويقول محمد درويش عن معشوقته: (ويولد في لمحة توأمان ملاك وشاعر) (٢). ويقول: (لم تزل شرفة هناك في بلادي ملوّحه ويد تَمنح الملاك أغنيات وأجنحه) (٣) ويقول عن وطنه: (ستبقى بعيني ولحمي ملاك) (٤). ويصف محبوبته قائلًا: (نائمة كالملاك الذي مارس الحب) (٥). ويخاطب أخرى قائلًا: (كوني ملائكتي، أو خطيئة ساقيه حولي) (٦). أمّا معين بسيسو فيقول تحت عنوان "من أوراق أبي ذر الغفاري" مستخدمًا اسمه رمزًا للاشتراكية، كمادة أكثر اليساريين العرب، ويتحدث على لسانه قائلًا: (ومرة هناك في الحديقة المعلقة

стр. 1044

بلوت صحبة الملائكة بلوتها، سئمتها ضجرت من ولدانها المخلدين، حورها المزوقه وخمرها المعتقه وعدت يا معاويه ألقي بشعرة الذئاب في مغازل العناكب المشردة) (١). ويقول: (حين يحب اللَّه ملاكًا يجعل منه إنسانًا) (٢). وفي إشادة يكيلها بلا حساب لرأس الشيوعيين ومؤسس حزبهم ودولتهم، يقول تحت عنوان "قصيدة فلسطينية إلى لينين": (كان لينين فكان الحزب يا فرس البحر على الصخرة تلد ملائكة الشعب موسكو في القلب) (٣). ويقول سميح القاسم عن أحدهم: (رسالتك التي حطت على بابي. . جناح ملاك) (٤).

стр. 1045

ويتحدث عن نفسه قائلًا: (في دمائي أفعوان أصبح اليوم حمامه حملت قصفة زيتون. . وطارت في بلاد اللَّه. . جبريلًا. . بشيرًا بالسلامة!!) (١). أمّا المقالح فإنه في كلامه عن سيف بن ذي يزن يقول: (غريب الوجه في الدار وبين عبيد ليل الأرض، تبحث عن ملائكة وثوار) (٢). وله قصيدة في مدح الشيوعيين في جنوب اليمن بعنوان "نشيد الذئاب الحمر" يفتخر بالرفاق ويشيد بهم، ويغدق عليهم أوصاف الثناء والتبجيل، ومن ذلك قوله على ألسنتهم: (ذئاب نحن حين تضج تحت الغاصب الأرض ملائكة إذا عادت إلى أبنائها الأرض وموت مناضل في درب أمتنا هو الفرض على الأعداء كالعقبان كالنيران ننقض) (٣). أمّا أن شياطين الشيوعية ملائكة فهذا لا يقبله شرع ولا عقل، وقد رأى الناس كيف كانوا شرًا على شعوبهم ورعاياهم بل على أنفسهم وقد ضجت الأرض من فسادهم وخيانتهم وجورهم وعدوانهم، ولكن المنافقون لا يعقلون. أمّا محمد الماغوط فإنه يخاطب عشيقته قائلًا: كن شفوقًا بي أيها الملاك الوردي الصغير

стр. 1046

سأرحل بعد قليل، وحيدًا ضائعًا) (١). ويقول محمد الفيتوري: (البطل الخيانه يرنو جريحًا ذلك الطفل الملائكي) (٢). ويقول: (ذلك الملائكي الأصغر الخجول يجيئنا منكس العينين في ذهول) (٣). ويقول: (وأعريّ الخيانة نائمة، كملاك عميق الطهارة فوق سرير الخيانة) (٤). ويقول الطاهر بن جلون في روايته المسماة ليلة القدر: (استميحك عذرًا، سامحيني لكوني خاطبتك بلهجة عنيفة فأنت ملاك مرسل من طرف الأنبياء، ونحن عبداك) (٥). هذه كلها أمثلة على انحرافهم في الملائكة، حيث أنهم كما يتبين من الشواهد السابقة يلحقون اسم الملك والملائكة بالنساء والعشيقات والكفار من الشيوعيين وغيرهم، ويلحقون أوصاف الملائكة المختصة بهم، بأشخاص وأحوال عادية أو شيطانية.

стр. 1047

الفصل الثاني الانحرافات المتعلقة بالكتب عامة وبالقرآن الكريم خاصة عناية اللَّه تعالى بعباده وهدايتهم إلى طريق الرشاد والخير من أوضح وأجلى الأمور، فقد أعطاهم العقول ليعرفوا بها سبل الهداية، وفطرهم على الإيمان وقبوله، وأرسل لهم الرسل الكرام مبشرين ومنذرين، هادين ومعلمين، وأنزل معهم الكتب زيادة في الهداية والدلالة، وشرع في كل كتاب أنزله ما يناسب أحوال المنزل عليهم كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (١). والإيمان بالكتب المنزلة ركن من أركان الإيمان باللَّه تعالى، ولا يصح إيمان الإنسان إذا جحد ذلك. والمراد بالكتب المنزلة هي التي أنزلها اللَّه تعالى على رسله رحمة للخلق وهداية لهم، ليتمكنوا من تحصيل السعادة في الدنيا والآخرة. وقد أمر اللَّه بالإيمان بالكتب المنزلة على رسله، المطهرة من كل باطل وزور، فقال -جلَّ وعلا-: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ

стр. 1048

إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)﴾ (٢). وقال- : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ (٣). وقال-جلَّ وعلا-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (٤). والإيمان بالكتب يتضمن عدة أمور: الأول: التصديق الجازم بأنها كلها منزلة من عند اللَّه على رسله إلى عباده، بالحق المبين والهدي المستبين. الثاني: الجزم بأنها كلام اللَّه لا كلام غيره، وأن اللَّه تكلم بها حقيقة كما شاء وعلى الوجه الذي أراد، فمنها المسموع من وراء حجاب بدون واسطة، ومنها ما يسمعه الملك من اللَّه ويأمره بتبليغه إلى الرسول، كما أخبر اللَّه العظيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ (٥)، وقال

стр. 1049

سبحانه: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٢)، وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣). ومن الكتب ما خطه اللَّه بيده ، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ (٤). الثالث: الإيمان الإجمالي بأن اللَّه أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله، ولم يسمها لنا، ولا يجوز أن ننسب كتابًا إلى اللَّه تعالى سوى ما نسبه إلى نفسه مما أخبرنا به عن طريق رسوله ﷺ ، قال اللَّه تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ (٥). الرابع: الإيمان التفصيلي بالكتب التي سماها اللَّه في القرآن، أنها منزلة من عند اللَّه تعالى، والكتب التي أخبرنا اللَّه بها هي: أ) - التوراة: التي أنزلت على موسى ﵊، كما أخبر تعالى في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٦) الآية.

стр. 1050

ب) - الإنجيل: الذي أنزل على عيسى بن مريم ﵊، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦)﴾ (١). جـ) - الزبور: الذي أوتيه داود ﵊، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٢). د) - صحف إبراهيم وموسى -عليهما الصلاة والسلام-: التي أخبر اللَّه عنها في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ (٤). هـ) - القرآن العظيم: الذي أنزل على محمد ﷺ ، وهو الكتاب الخاتم المصدق لما بين يديه من الكتاب والمهيمن عليه، فنسخ اللَّه به جميع الكتب وتكفل بحفظه. قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (٥) الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)﴾ (٦).

стр. 1051

وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (١) الآية. الخامس: الإيمان بكل ما فيها من الشرائع، وأنه كان واجبًا على الأمم الذين أنزلت هذه الكتب عليهم، وأن كل من كذب بشيء منها أو أبى الانقياد لها مع تعلق خطابه به يكفر بذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢). السادس: أن هذه الكتب يصدق بعضها بعضًا، كما قال تعالى في الإنجيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (٣)، وقال في القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤)، وأن هذه الكتب جميعها تدعو إلى الإيمان باللَّه تعالى، وإلى التوحيد الخالص، وخلع الأنداد والشركاء، أمّا الشرائع فقد تختلف من كتاب إلى آخر. السابع: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة. الثامن: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا التسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، ولا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلّا ما صح منها وأقره القرآن العظيم. التاسع: الإيمان بأن نسخ الكتب بعضها ببعض حق، كما نسخت بعض شرائع التوراة بالإنجيل، كما قال اللَّه تعالى عن عيسى ﵊: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي

стр. 1052

إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. . .﴾ (١) -إلى قوله تعالى-: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ (٢). وكما نسخت كثير من شرائع التوراة والإنجيل بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣). وأن نسخ القرآن بعض آياته ببعض حق كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ (٥). العاشر: الإيمان بأن القرآن الموجود اليوم عند المسلمين كله ألفاظه وحروفه ومعانيه من عند اللَّه تعالى وأنه منزل غير مخلوق، أنزله اللَّه على نبيه محمد خاتم النبيين: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٦) فكان ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٧).

стр. 1053

نسخ اللَّه به جميع الكتب السابقة، وتكفل بحفظه عن عبث العابثين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١)؛ لأنه سيبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين، أمّا الكتب السابقة فإنها مؤقتة بأمد ينتهي بنزول ما ينسخها، ويبين ما حصل فيها من تحريف وتغير؛ ولهذا لم يتكفل اللَّه بحفظها، وإنّما أوكل حفظها إلى الأمم التي أنزلت عليهم كما أخبر تعالى عن التوراة بأنها ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٢)؛ ولهذا لم تكن تلك الكتب معصومة من اللَّه تعالى فوقع فيها التحريف والزيادة والنقص، كما أخبر بذلك اللَّه في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣). وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (٥). وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ (٦). وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ

стр. 1054

كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (١). وقد خص اللَّه القرآن العظيم بأمور تميز بها عن جميع ما تقدم من الكتب السابقة أهمها: أ) - أنه جاء مؤيدًا ومصدقًا لما جاء في الكتب السابقة من توحيد اللَّه وعبادته ووجوب طاعته، وجمع كل ما في الكتب السابقة من حسنات وفضائل. ب) - أنه جاء مهيمنًا على الكتب السابقة ورقيبًا عليها، يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية. جـ) - أن القرآن جاء بشريعة خاتمة لجميع الشرائع، فيها كل ما يلزم لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وأحكامه نهائية خالدة ثابتة، صالحة لكل زمان ومكان. د) - إن القرآن أنزله اللَّه على رسوله ﷺ للناس كافة وليس خاصًا بقوم معينين كما كانت الكتب السابقة التي كان الخطاب في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم. هـ) - إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تعهد اللَّه بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٣). وأدلة كونه محفوظًا كما نزل كثيرة لا تحصى، كلها تدل على أنه لا يوجد على وجه الأرض كتاب تصلح نسبته إلى اللَّه تعالى سوى القرآن العظيم، أمّا الكتب السابقة فقد ضاعت نسخها الأصلية ولم يبق في أيدي الناس إلّا ترجماتها التي اختلط فيها كلام اللَّه بكلام الناس من تفسير وتاريخ

стр. 1055

وسير الأنبياء وتلامذتهم، فلا مقدرة على تمييز كلام اللَّه عن كلام البشر، ومن أدلة وقوع التحريف في التوراة والإنجيل تعدد نسخها، واختلافها فيما نقلته من أمور وأحكام وآراء وتواريخ، وما تضمنته من العقائد الباطلة، عن اللَّه تعالى مثل التثليث وزعم الصاحبة والولد له تعالى، وعن الأنبياء الكرام من نسبة الرذيلة إليهم والقدح فيهم وفي شرفهم وفي أعراضهم، والإتيان بما ينافي عصمتهم. ولذلك كان الإيمان بهذه الكتب إنّما هو بالتصديق أنها في أصلها منزلة من عند اللَّه، أمّا واقعها فإنها قد أصابها التحريف والتبديل كما أخبر تعالى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١) الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (٢). أمّا القرآن العظيم فإنه لا يزال محفوظًا بسوره وآياته وكلماته وحروفه وحركاته وفواصله وآياته، كما تلاه جبريل على رسوله ﷺ وكما تلاه رسول اللَّه ﷺ على صحابته رضوان اللَّه عليهم أجمعين. ولذلك وجب الإيمان بأن القرآن العظيم كلام اللَّه تكلم به حقيقة بحرف وصوت، وأنه يجب أتباع أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره، ورفض كل ما يخالفه، ولابد من تحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابه، والوقوف عند حدوده، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ورد تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والنصيحة له ظاهرًا وباطنًا، والجزم بأنه منزل غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة من صفات اللَّه تعالى، وليست صفات اللَّه
следующие страницы →