وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (١) الآية.
الخامس: الإيمان بكل ما فيها من الشرائع، وأنه كان واجبًا على الأمم الذين أنزلت هذه الكتب عليهم، وأن كل من كذب بشيء منها أو أبى الانقياد لها مع تعلق خطابه به يكفر بذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ (٢).
السادس: أن هذه الكتب يصدق بعضها بعضًا، كما قال تعالى في الإنجيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (٣)، وقال في القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٤)، وأن هذه الكتب جميعها تدعو إلى الإيمان باللَّه تعالى، وإلى التوحيد الخالص، وخلع الأنداد والشركاء، أمّا الشرائع فقد تختلف من كتاب إلى آخر.
السابع: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الثامن: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا التسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، ولا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلّا ما صح منها وأقره القرآن العظيم.
التاسع: الإيمان بأن نسخ الكتب بعضها ببعض حق، كما نسخت بعض شرائع التوراة بالإنجيل، كما قال اللَّه تعالى عن عيسى ﵊: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي
стр. 1052
إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ. . .﴾ (١) -إلى قوله تعالى-: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ (٢).
وكما نسخت كثير من شرائع التوراة والإنجيل بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣).
وأن نسخ القرآن بعض آياته ببعض حق كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ (٥).
العاشر: الإيمان بأن القرآن الموجود اليوم عند المسلمين كله ألفاظه وحروفه ومعانيه من عند اللَّه تعالى وأنه منزل غير مخلوق، أنزله اللَّه على نبيه محمد خاتم النبيين: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٦) فكان ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٧).
стр. 1053
نسخ اللَّه به جميع الكتب السابقة، وتكفل بحفظه عن عبث العابثين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١)؛ لأنه سيبقى حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين، أمّا الكتب السابقة فإنها مؤقتة بأمد ينتهي بنزول ما ينسخها، ويبين ما حصل فيها من تحريف وتغير؛ ولهذا لم يتكفل اللَّه بحفظها، وإنّما أوكل حفظها إلى الأمم التي أنزلت عليهم كما أخبر تعالى عن التوراة بأنها ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ (٢)؛ ولهذا لم تكن تلك الكتب معصومة من اللَّه تعالى فوقع فيها التحريف والزيادة والنقص، كما أخبر بذلك اللَّه في قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣).
وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (٥).
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ (٦).
وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ
стр. 1054
كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ (١).
وقد خص اللَّه القرآن العظيم بأمور تميز بها عن جميع ما تقدم من الكتب السابقة أهمها:
أ) - أنه جاء مؤيدًا ومصدقًا لما جاء في الكتب السابقة من توحيد اللَّه وعبادته ووجوب طاعته، وجمع كل ما في الكتب السابقة من حسنات وفضائل.
ب) - أنه جاء مهيمنًا على الكتب السابقة ورقيبًا عليها، يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (٢) الآية.
جـ) - أن القرآن جاء بشريعة خاتمة لجميع الشرائع، فيها كل ما يلزم لسعادة البشر في الدنيا والآخرة، وأحكامه نهائية خالدة ثابتة، صالحة لكل زمان ومكان.
د) - إن القرآن أنزله اللَّه على رسوله ﷺ للناس كافة وليس خاصًا بقوم معينين كما كانت الكتب السابقة التي كان الخطاب في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم.
هـ) - إن القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تعهد اللَّه بحفظه، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٣).
وأدلة كونه محفوظًا كما نزل كثيرة لا تحصى، كلها تدل على أنه لا يوجد على وجه الأرض كتاب تصلح نسبته إلى اللَّه تعالى سوى القرآن العظيم، أمّا الكتب السابقة فقد ضاعت نسخها الأصلية ولم يبق في أيدي الناس إلّا ترجماتها التي اختلط فيها كلام اللَّه بكلام الناس من تفسير وتاريخ
стр. 1055
وسير الأنبياء وتلامذتهم، فلا مقدرة على تمييز كلام اللَّه عن كلام البشر، ومن أدلة وقوع التحريف في التوراة والإنجيل تعدد نسخها، واختلافها فيما نقلته من أمور وأحكام وآراء وتواريخ، وما تضمنته من العقائد الباطلة، عن اللَّه تعالى مثل التثليث وزعم الصاحبة والولد له تعالى، وعن الأنبياء الكرام من نسبة الرذيلة إليهم والقدح فيهم وفي شرفهم وفي أعراضهم، والإتيان بما ينافي عصمتهم.
ولذلك كان الإيمان بهذه الكتب إنّما هو بالتصديق أنها في أصلها منزلة من عند اللَّه، أمّا واقعها فإنها قد أصابها التحريف والتبديل كما أخبر تعالى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١) الآية، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (٢).
أمّا القرآن العظيم فإنه لا يزال محفوظًا بسوره وآياته وكلماته وحروفه وحركاته وفواصله وآياته، كما تلاه جبريل على رسوله ﷺ وكما تلاه رسول اللَّه ﷺ على صحابته رضوان اللَّه عليهم أجمعين.
ولذلك وجب الإيمان بأن القرآن العظيم كلام اللَّه تكلم به حقيقة بحرف وصوت، وأنه يجب أتباع أمره واجتناب نهيه وتصديق خبره، ورفض كل ما يخالفه، ولابد من تحليل حلاله وتحريم حرامه والاعتبار بأمثاله، والاتعاظ بقصصه، والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابه، والوقوف عند حدوده، وتلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ورد تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، والنصيحة له ظاهرًا وباطنًا، والجزم بأنه منزل غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة من صفات اللَّه تعالى، وليست صفات اللَّه
стр. 1056
مخلوقة، بل اللَّه تعالى خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير.
هذا مجمل قول أهل السنة والجماعة في الكتب المنزلة السابقة، وفي القرآن العظيم (١).
أمّا الوحي: فإن اللَّه تعالى خص الأنبياء دون سائر البشر بوحيه إليهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٣).
والوحي من عند اللَّه تعالى وليس من ذات النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٤).
فالوحي من اللَّه تعالى، وما على الرسول إلّا الإبلاغ به، وتنفيذ أمر اللَّه، والوحي الثابت بالنقل عن النبي ﷺ عن اللَّه تعالى، له قداسة ومنزلة عالية، ويجب اتباعه، ويحرم إخضاعه للأهواء والتأويلات والتفسيرات المنحرفة.
ومن قال بأن الوحي كلام بشر ونتاج إنسان، أو أنه أسطورة، أو أنه مضاد للعقل والعلم فقد كفر باللَّه وخرج من ملة الإسلام.
وإذا ذهبنا إلى الأدب العربي المعاصر ودعاة التحديث العلماني لرؤية
стр. 1057
ما ثَمَّ من انحرافات في هذا الركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالكتب المنزلة، فإننا نجد أنهم قد ضلوا في ذلك ضلالًا بعيدًا، شأنهم في ذلك شأن انحرافاتهم الأخرى في أركان الإيمان الأخرى، فهم لا يعطون الكتب الدينية والوحي المنسوب إلى اللَّه تعالى أي احترام، سواء كانت نسبتها إلى اللَّه تعالى حقيقية كالقرآن وصحيح السنة أو فيها ما لا يصح نسبته إلى اللَّه مثل التوراة والإنجيل، بل يجعلون هذه الكتب أقل منزلة واحترامًا من الدساتير والمذاهب والمناهج التي يؤلفها بشر، بل اخترعوا مناهج سموها عقلية وتاريخية ونقدية وموضوعية، وجعلوها مهيمنة على نصوص الوحي.
ولقد جنى أهل الدين النصراني واليهودي على التوراة والإنجيل جناية عظيمة حيث جعلوها عرضة للتلاعب بما يفعلونه في هذه الكتب المنسوبة في أصلها إلى السماء، فلا يفتأ الناس هناك يرون على هذه الكتب عبارات تعلو غلاف هذه الكتب مثل "مزيدة ومعدلة ومنقحة" وهي عبارات يكتبها مؤلفوا الكتب على كتبهم بعد إضافة أبواب أو فصول أو مباحث أو فقرات، وهي عبارات تسبق أو تقفى بجملة حقوقية قانونية وهي "حقوق الطبع محفوظة".
وهكذا صنع أهل الكتاب بكتابهم حيث أجروا وما زالوا يجرون تعديلات وإضافات عند ابتغاء إصدار نسخة جديدة منه!!.
وقد أدى ذلك إلى اجتراء الملاحدة والماديين على الكتب السماوية، والوحي، وعلى اللَّه تعالى وملائكته ورسله.
وعندما أخذ المستغربون من أبناء المسلمين ما أخذوا عن أساتذتهم الغربيين من انحرافات وأباطيل كان من ضمن ذلك انحرافاتهم في الكتب المنزلة عامة، والقرآن العظيم خاصة، ولا يبرح هؤلاء يمارسون سياسة الاسترضاء لأسيادهم حتى أقدموا على التطاول الصريح على مقام الوحي المعصوم، وجعل القرآن والسنة مكانًا لألاعيب الشبهات التي عبثت بعقولهم المستطرقة.
وإذا نظرنا إلى ما كتبه أعداء الوحي من العرب فإننا نجد أنهم لم
стр. 1058
يخرجوا عن ما كتبه الغربيون من يهود ونصارى عن التوراة والإنجيل، ذلك أنهم لما نظروا إلى ما في هذه الكتب من اختلاف وتناقض وما فيها من اختلاق منسوب إلى اللَّه وأنبيائه، اتضح لهم مناقضتها للواقع المادي المجرب، ووقوعها في محالات العقول، وكانت أوروبا قد قطعت شوطًا كبيرًا في الأخذ بالماديات والركون إلى الفلسفات الشكية واللاأدرية، والإلحادية، فنتج من ذلك أن اتجه مجموعة من فلاسفة الغرب لدراسة التوراة والإنجيل على ضوء هذه المذاهب والفلسفات، فأسسوا بذلك مدارس تهتم بنقد نصوص الوحي هاجراء الدراسات النقدية والتاريخية عليها.
وهنا سوف أذكر أشهر هؤلاء الذين أثروا بأفكارهم في عقائد أبناء المسلمين فأخذوا مناهجهم وترجموها وطبقوها على الوحي المعصوم المقطوع بصحته: على القرآن العظيم وصحيح السنة المشرفة، فضلوا بذلك ضلالًا بعيدًا، وأول دلائل ضلالهم أنهم لم يفرقوا بين الكتب السابقة التي دخلها التحريف والكذب، والكتاب الخاتم المهيمن الذي لم يدخله تحريف أو تبديل، وثاني دلائل ضلالهم أن في الكتب السابقة من محالات العقول ومناقضة حقائق التجربة -بسبب التحريف الذي دخلها- ما قد يبرر دراستها والتأكد من حقيقتها، أمّا القرآن العظيم فليس فيه ما تحيله العقول، وإن كان فيه ما تحار فيه العقول، وليس فيه ما يناقض حقائق العلوم التطبيقية، بل فيه ما يطابق هذه الحقائق مما أطلق عليه في هذا الزمان "الإعجاز العلمي في القرآن والسنة" وفيه من المطابقات والموافقات ما يلجم لسان كل شاك وملحد، ويزيد إيمان كل مسلم.
أمّا أشهر فلاسفة الغرب الذين تصدوا لدراسة ما يسمونه "ظاهرة الوحي" والذين هم أساتذة المحاكين لهم من أبناء المسلمين، فهم على أثارهم مقتدون، وأولهم وأشهرهم:
١ - سبينوزا - باروخ أو بنديكيت ١٦٣٢ م - ١٦٧٧ م، ١٠٤١ - ١٠٨٨ هـ:
ولد لأسرة يهودية من يهود البرتغال، هرب والده إبراهيم وجده
стр. 1059
ميخائيل من البرتغال إلى هولندا، وكان والده زعيمًا للجالية اليهودية في أمستردام وجده كان مهتمًا بأمر الكنيست اليهودي، وتلقى باروخ تربية يهودية دينية متعمقة، ودرس مبادئ التاريخ الديني والسياسي والنقدي لليهودية واطلع على كتب الفلاسفة اليهود في العصر الوسيط، وأصبح حاخامًا يهوديًا، ثم فيلسوفًا ودارسًا للعلوم الإنسانية، تأثر بالفلسفة الديكارتية وشكك في الدين والوحي، وقال بخلود المادة وأنكر خلق الخلق من عدم تأثرًا بأحد فلاسفة اليهود اسمه ابن عزرا، وكتابات متصوفة اليهود الذين يقولون بأن المادة حية.
آمن بمذهب وحدة الوجود بمفهومه الغربي الإلحادي وقال بأن الجوهر هو اللَّه وهو الطبيعة الخالقة، وهو مصدر الصفات والوجوه وهو أيضًا الطبيعة المخلوقة حيث أنه هذه الصفات والوجوه، وأنه ليس له صفات فهو لا يشاء ولا يريد وليس شخصًا معينًا -حسب قوله- كإله الديانات، وليس له عقل -حسب تعبيره- ليس له ذات ولايتعين، وقرر بأنه على قدر ما يكون للإنسان من تجارب وأفكار بقدر ما يقترب من اللَّه، أي يقترب من حالة إله، أو يصبح إلهًا بمعنى من المعاني - وهذا ما توصلت إليه الحداثة في سياق ضلالاتها العديدة.
بيد أن مصدر القوت الرئيسي الذي تغذى منه فكره كان -فيما يبدو- النصوص العبرية وكتابات جرسويندس الذي كان ينتقد المعجزات والنبؤات ويقدم العقل على الوحي، ومن هنا توجه سبينوزا لرفع مقام المعرفة العقلية، وفعل الكثير لترويج وتطوير الإلحاد - كما تقول الموسوعة الفلسفية لأكادميين سوفييت - ولقضية التفكير الحر، وأنه لا يصح للدين ولا للدولة المساس بحرية الفكر، وكان له تأثير قوي على مادية القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأثر تفكيره الحر الديني على تطور الإلحاد، وقد أثنى إنجلز على آراء سبينوزا الفلسفية ثناءً كبيرًا، وتعاليمه تجعله خليفة لتوماس هوبز وهو الفيلسوف الإنجليزي الملحد المعادي بشدة للدين، وقد سبقت ترجمته في أول هذا البحث (١).
стр. 1060
ومن كتبه التي ألفها -مما له علاقة بهذا الفصل- كتابه الذي سماه "الرسالة اللاهوتية السياسية" وتسميه بعض الكتب "البحث اللاهوتي السياسي" وقد ترجمها تلميذ كتبه العلماني العربي حسن حنفي تحت اسم "رسالة في اللاهوت والسياسة" وفيها وضع أسس المنهج التاريخي لدراسة محتوى النص الذي يرى أنه يتراوح بين التاريخية والأسطورية للتحرر من سلطة الأسطورة والقضاء على أسبقية المعنى، وحتمية الحقيقة في الوحي، وأنه يجب البحث في تاريخية النص لا البحث عن المعنى والحقيقة فيه، وقد أثر سبينوزا بأقواله هذه على الذين جاؤوا بعده، وهز بفلسفاته المكانة المتبقية للعهد القديم والجديد من الكتاب، وخاصة الإنجيل الذي توارد على دراسته جموعة من أبناء النصارى الغربيين متأثرين بمنهج سبينوزا، وذلك من مقاصد اليهود وأعمالهم المعروفة في تخريب الأديان من داخلها، مما جعل مؤلف الموسوعة الفلسفية يقول: (لا شك أن سبينوزا كان يهوديًا حتى النخاع، وأن مذهبه كان رؤيا فلسفية للتلمود، وجاء على خطى التراث اليهودي. . .) (١).
ثم يتعرض هذا المؤلف للاستعراض اليهودي المتمثل في الحرمان الكنسي اليهودي لسبينوزا، وهو الذي يذكره دائمًا الأتباع والمعجبون بسبينوزا، فيقول: (لم يكن يقوم سبينوزا إلّا اليهود، وفي ألمانيا جرت مشادة ربّما كانت تمثيلية يهودية، بين المفكرين اليهود، روجت لها وسائل الإعلام اليهودية. . .)، ثم أضاف: (وظهر الطابع اليهودي في فلسفته بشكل جلي في روسيا القصيرية، حيث كان يشرف على ترجمته وطبعه دور نشر يهودية، وكان شباب اليهود في المنظمات التقدمية والثورية يعرضون فكر سبينوزا بتفسيرات مادية، وأنه لأمر يدعو إلى الشك أن تجد المذهب الفلسفي يحتمل كل التفسيرات، وينفذ إلى كل البلاد والفلسفات من خلال اليهود وحدهم، وأنه لأمر يدعو إلى الشك أكثر أن تكون دراسة سبينوزا في مجتمعات خاصة مغلقة
стр. 1061
تشبه الجمعيات اليهودية القبلانية السرية، وأن يطلقوا عليه اسم "ماركس بدون اللحية" أضف إلى ذلك امتلاء المذهب بالألفاظ التي توهم بالدلالات وهي لا تدل على شيء، وانطماس الغائية فيه حتى انتهى إلى الآلية المطلقة) (١).
٢ - ريشار سيمون (١٦٣٨ - ١٧١٢ م، ١٠٤٧ - ١١٢٤ هـ):
مفكر فرنسي وخطيب ورجل دين نصراني أو كما تقول بعض كتب الفلسفة "لاهوتي وشارح فرنسي" كلفه بعض الرهبان بوضع فهرس بالمخطوطات الشرقية لدى الكنائس لديهم، وبذلك توفرت له مجموعة واسعة من الوثائق عن اليهودية والكنائس الشرقية مما أتاح له أن يكوّن تصورًا جديدًا عن تكوين مختلف أسفار الكتاب المقدس وتحريرها، فكتب كتابه "التاريخ النقدي للعهد القديم" الذي يرى فيه أن النسخة الأصلية للإنجيل قد ضاعت، وأن التحريف تناوله، وأن الواجب يقضي أن تخضع النسخة الحالية للفحص والتدقيق والدراسات اللغوية والتاريخية، وقد كره البروتستنت والكاثوليك هذا الكتاب؛ لأنه يشكك في أهم وثائقهم الدينية، ويقوض أساس الديانة النصرانية، ثم ألف "التاريخ النقدي لنص العهد الجديد" ثم "التاريخ النقدي لروايات العهد الجديد" ثم "التاريخ النقدي للشراح الرئيسيين للعهد الجديد" ثم "ملاحظات جديدة حول نص العهد ورواياته" وهي كلها تنتقد النصوص الإنجيلية وتشكك في ثبوتها، وفي تناقلها، وسبب ذلك ما اكتشفه سيمون من تناقضات واختلافات وإضافات وحذف وشروح مختلفة، وتواريخ متعارضة وغير ذلك من الأسباب التي حفزته إلى هذه الشكوك الكبيرة وقادته إلى وضع تفسيرات تاريخية وعقلانية للكتاب المقدس عندهم (٢).
стр. 1062
وقد أخذ هذا عنه، المرتابون من أبناء المسلمين وطبقوا أقواله ونظرياته على القرآن العظيم، رغم الفوارق الكبيرة بين الحالين.
٣ - شتراوس/ دافيد فريدريش (١٨٠٠ - ١٨٧٤ م، ١٢١٤ - ١٢٩١ هـ):
تقول كتب الفلسفة بأنه لاهوتي وشارح ألماني، بروتستانتي، كان قسًا لقرية في ألمانيا ثم مدرسًا في مدرسة دينية، تتلمذ على الفيلسوف هيجل.
ألف كتابًا باسم "حياة يسوع" الذي أثار ضجة كبيرة وتألبت عليه السلطات الدينية في ألمانيا بسببه، وأثار بكتابه هذا دهشة أوروبا وانذهالها بما أضفاه من شك وريبة في المسيح ﵇ وفي الإنجيل، وقد عبر فيه عن آرائه الملخصة في أنه ينبغي ألا يختلف النظر إلى هذا الكتاب بعهديه القديم والجديد، عن النظر إلى أي كتاب آخر من حيث التحليل والنقد، وقد ركز شتراوس نفسه لعمله النقدي والتأريخي فأصدر عدة كتب هي "العقائد المسيحية" و"الروماني على عرش القياصرة" طغت أعمال دافيد شتراوس على مجمل النقد الديني في القرن التاسع عشر، ونستطيع تتبع تأثيرها في اتجاهات أساسية ثلاثة: في اتجاه ماركس، بوساطة فيورباخ، وفي اتجاه رينان، وأخيرًا في اتجاه مادية هيجل.
وقد تصدى شتراوس لإفراغ النصرانية من كل مضمون خارق للطبيعة وبإرساء الدين على عقلانية الفكرة النصرانية وحدها، وهذا الاتجاه بعينه أخذه الحداثيون العرب، كما أخذوا من شتراوس وجوب إخضاع الوحي لمتطلبات النقد التاريخي، حيث رأى أن النصرانية لا تقبل التفسير إلّا من خلال ما سماه "أسطورة يسوع" التي يرى أن العقلية اليهودية هي التي اختلقتها، وقد اعتمد رينان -الذي ستأتي ترجمته- هذه الفكرة في كتابه "حياة يسوع"، وما انفك شتراس يتقدم تجاه مادية متشددة باطراد حتى ذهب في أواخر حياته إلى إنكار كل دين يقوم على إله شخصي -حسب تعبيره- معتبرًا أن العلم يعطي تفسيرًا وافيًا للكون، واعتبر أن وجود المسيح أسطورة، واتجه بكرهه الشديد للمسيحية لترسيخ النزعة الهيجلية المادية
стр. 1063
وخصوصًا في كتابه "الإيمان القديم الجديد" (١).
٤ - رينان جوزيف ارنست (١٨٢٣ - ١٨٩٢ م، ١٢٣٨ - ١٣٠٩ هـ):
كاتب وفيلسوف فرنسي، نذره أهله من صغره للكهنوت فدرس على أيدي معلمين دينيين ثم تخرج كاهنًا وتعلم العبرية، ثم توجه إلى الفكر الألماني وابتعد عن الإيمان الكاثوليكي وتخلى عن الكهنوت، وبدأ بدراسة التاريخ والفلسفة، وحصل على الدكتوراه في موضوع بعنوان "حول ابن رشد والرشدية" وتجول في بعض بلاد المشرق العربي للبحث في الآثار، ودرس اللغة العبرية في إحدى جامعات فرنسا وحاضر عن المسيح ﵇ باعتباره "إنسانًا لا نظير له" فغضب منه الكاثوليك وأوقفوا محاضراته وألف عدة كتب في نقد الدين النصراني بأسلوب فلسفي وتاريخي وأشهرها "تاريخ أصول المسيحية" في سبعة أجزاء و"حياة يسوع" على نمط شتراوس، و"دراسات في التاريخ الديني" و"تاريخ شعب إسرائيل" في خمسة أجزاء.
واتسمت فلسفته بنزعة هيجلية ونزعة شكية رافضة للثابت، وأعلن عن رفض كل خارق للطبيعة والإيمان بالطبيعة وقوانينها التي لم تخرق، والإيمان بالعلم الحر، والتزم بهذه المباديء في نظرته إلى العلم والتاريخ والدين والماورائيات، وأعطى العلم أهمية كبرى، واعتبره الناموس الذي لا تعيش البشرية بدونه، والتزم بالوضعية واعتبر أن كل المعارف تأتي عن دراسة الطبيعة والتاريخ، وهو المبدأ الذي أخذه أركون وقدسه وطاف حوله في أغلب كلامه ومؤلفاته.
واعتبر رينان أن لكل شيء في التاريخ تفسيرًا إنسانيًا، وأن الدراسات التاريخية يجب أن تكون ذات نظرة طبيعية وبناء على نظرته التاريخية هذه فقد رفض كل ما يخرق الطبيعة ولا يستثني الأساطير التي يقصد بها ما في الأديان وكتبها وهو يقصد الكتاب المقدس عند النصارى، حيث تبنى قضية
стр. 1064
النقد التاريخي لتاريخ النصرانية فأبعد الطابع التقديسي عن الأبحاث في الكتاب المقدس لديهم، وأسس شرحًا علمانيًا له، بنظرة نقدية فيلولوجية "طرق نقدية تعتمد على التاريخية والمقارنة" اعتبرت أن الأناجيل روايات تاريخية متناقضة، واستبعد رينان كل الخوارق والمعجزات (١).
وهذا المنهج نفسه أخذه الحداثيون والعلمانيون العرب وحاولوا تطبيقه على الإسلام.
٥ - بولتمان رودولف (١٨٨٤ - ١٩٧٦ م، ١٣٠١ - ١٣٩٤ هـ):
كاتب وفيلسوف لاهوتي ألماني، كان رائد حركة "نزع الطابع الميتولوجي" أي الأسطوري عن النصرانية، وتقول كتب تراجم الفلسفة بأن فكره اليوم يستلهمه الذين يسمون "لاهوتيي موت اللَّه" -تعالى اللَّه وتقدس- كان ابنًا لقس لوثري، درس تاريخ العهد الجديد، ودرس اللاهوت، ألف كتبًا بعنوان "العهد الجديد، إنجيل يوحنا" و"لاهوت العهد الجديد" و"يسوع المسيح والميتولوجيا" اهتم فيها بالجانب النقدي التاريخي للجانب "العجائبي" أي العجيب، والجانب الذي يسميه "الأسطوري" وركز على شطب الجانب العجيب والجانب الأسطوري من الوحي حسب رأيه (٢).
وقد اقتدى به الحداثيون وساروا على منواله وخاصة أركون في كتابه الفكر الإسلامي قراءة علمية كما سوف يأتي.
هؤلاء الخمسة هم أشهر فلاسفة الغرب من اليهود والنصارى الذين أسسوا مناهج فلسفية نقدية وتاريخية لدراسة الوحي المتمثل لديهم في الكتاب المقدس عندهم، وقد سار الكتاب العرب على منوال هؤلاء، واستعاروا مفرداتهم ومناهجهم، وارتدوا أزياءهم الفكرية والفلسفية، وجاؤوا بحماس من يريد الهدم
стр. 1065
السريع والتخريب المباشر، وتوجهوا إلى نصوص القرآن العظيم ثم إلى نصوص السنّة الشريفة ثم إلى سيرة وحياة الرسول الكريم ﷺ يدرسونها وفق هذه النظريات المستعارة، وقد أخذوها بتسليم كامل وقطعوا بصحتها وجزموا بسلامتها، وأوصلوها إلى درجة القداسة، وهذه بلا شك عقيدة كل معتقد، وهؤلاء أصبحوا يعتقدون بهذه المناهج وهذه الفلسفات اعتقادًا يجزمون به، ويجعلونه مقياسًا لكل أمر يتناولونه، ومن يقرأ كلام أركون في ما يسميه "التاريخية" يرى بوضوح مقدار تشبعه بهذا المنهج حتى أصبح عقيدة يزن بها الكتب المنزلة وكل قضايا الوحي ومقتضياته.
وأثناء قراءة كتب ومقالات أعداء الوحي من المستغربين من أبناء المسلمين وجدت أنهم لم يخرجوا عن المفهوم الغربي في دراستهم لدين الإسلام، ولذلك تجدهم يرددون بإمعيّة كاملة ألفاظ ومصطلحات أساتذتهم فيطلقون على الوحي مصطلح "ميثولوجيا" أي مجموعة الأساطير التي تعمل على فك مستغلفات الحياة والموت (١)، ويجعلون المنهج "الميتولوجي" أساس دراستهم باعتباره علمًا يعالج تصنيف المعتقدات ويحللها ويقارنها وفق المفهوم الغربي بطبيعة الحال.
وأحيانًا يسمون نصوص الوحي "الميثات" جمع "ميث" وهي الأسطورة والقصة الخرافية التي يسودها الخيال، وتبرز قوى الطبيعة في صور كائنات حية ذات شخصية ممتازة، وتستخدم في عرض مذهب أو فكرة عرضًا شعريًا قصصيًا (٢).
وإذا تكلموا عن الدين أطلقوا عليه اسم "ثيولوجي" وهو مصطلح يعني اللاهوت بالمفهوم الغربي النصراني واليهودي ويعرفونه بأنه علم يبحث في وجود اللَّه وذاته وصفاته وشممى أيضًا "ثولوجيا" وعلم الربوبية والإلهيات،
стр. 1066
واللاهوت الطبيعي يعتمد على التجربة والعقل وحدهما دون الرجوع إلى الوحي، ويقابله عندهم اللاهوت المنزل ويعتمد على النصوص المقدسة (١).
وإذا تعرضوا لدراسة الوحي ونصوصه تخاطروا بألفاظ تلقوها عن أساتذتهم، وتنافروا بالمصطلحات الغربية على أساس أنها هي الحق والحقيقة والعلم، من أمثال "الفيلولوجيا" وهي الطرق التي تستهدف إنجاز نص، وتسهيل قراءته ونقده، ودراسة النقدية من خلال الوجهتين التاريخية والمقارنة (٢).
وقد استخدموا هذا المنهج النقدي تبعًا لسينوزا وغيره، وحاولوا من خلال هذا النقد هدم نصوص الكتاب والسنة كما فعل الغربيون في الكتب المحرفة، أو التشكيك في ثبوتها وصحتها أو في مدلولاتها القطعية، كما أنهم استعملوا لهذا الغرض الأخير منهج التأويل المعاصر الذي يطلقون عليه مصطلح "هرمنيوطيقيا" وهي طريقة تأويل، تدرس المبادئ المنهجية في التعامل مع النصوص وتفكيك رموزها وكشف أغوارها، وتستهدف في ميدان الوحي - الذي هو أهم ميدان للهرمنيوطيقيا الدراسة التأويلية للرموز والاستعارات، وتعني استخلاص المعنى الكامن انطلاقًا من المعنى الظاهر، أو الانطلاق من المعاني المجازية بحثًا عن المعاني الحقيقية.
وقد استخدم هذا المصطلح في أول الأمر في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس" عند الأوروبيين من يهود ونصارى، ثم اتسع مفهوم هذا المصطلح ليشمل كل العلوم الإنسانية، غير أن الحداثيين والعلمانيين في سياق تبنيهم لسبينوزا ومناهجه، توجهوا إلى الوحي من كتاب وسنة لدراسته على أساس المنهج التأويلي "الهرمنيوطيقي" حسب مفهوم تعبير الغربيين، وتعريب المستغربين (٣).
стр. 1067
ومن المصطلحات التي تقمصها المنهزمون من أبناء المسلمين في دراستهم للوحي مصطلح "التاريخية" أو "التاريخانية"، وقد أغرم بهذا المصطلح إلى حد التقديس محمد أركون ونصر أبو زيد، ويفضل أركون استخدام التاريخية ويفصل بينها وبين التاريخانية، على اعتبار أن التاريخانية هي التي تقول بأن كل شيء أو كل حقيقة تتطور مع التاريخ وتهتم بدراسة الأشياء والأحداث من خلال ارتباطها بالظروف التاريخية، ويرى أركون بأنه يجب تجاوز هذا المعنى إلى "التاريخية" التي تسمح وحدها بتجاوز الاستخدام اللاهوتي أو القومي، وبشكل عام الإيديولوجي للتاريخ (١).
وقد عرفت كتب المعاجم الفلسفية "التاريخية" (بأنها صفة لكل ما هو تاريخي مميز عن الخرافي أو الخيالي، كما أنها من جهة أخرى ميزة الإنسان الذي يعيش التاريخ ويحياه باعتباره كائنًا تاريخيًا وكائنًا زمانيًا، والنزعة التاريخية هي النظر إلى كل موضوع معرفي على أنه نتاج حاضر ناشيء عن التطور التاريخي، أمّا أصحاب المذهب التاريخي فيرون أن الأحداث والظواهر الاجتماعية تتصف بالنسبة التاريخية، وهي على ذلك غير قابلة لأن تدرس على غرار الظواهر الطبيعية) (٢).
ويتعامل المستغربون مع الوحي على الطريقة الغربية، باعتباره فكرة من الأفكار ويدرسون كيفية انتشاره، والنزعات التي أثرت في وجوده، وتطوره، مستبعدين قضية عصمة الوحي وعصمة المبلغ ووحدانية الموحي والآمر به، ثم يصدرون بناء على دراسة الظروف والملابسات والأوضاع التي مرت بها نصوص الوحي -وفق معلوماتهم، وحسب أغراضهم ومقاصدهم- الأحكام على النصوص وخاصة القرآن عند المستغربين من أبناء الشرق، ويطبقون
стр. 1068
سائر مقتضيات هذا المنهج "التاريخي" على نصوص الوحي بصورة تدل على اعتقادهم العميق بعصمة وصحة هذا المنهج، وهم في "التاريخية" و"الهرمنيوطقيا" أتباع مخلصون لفلسفة مارتن هايدغر (١)، ومتعصبون للمنهج التاريخي، ويعتبرون أن المعرفة التاريخية هي الأداة الأساسية لدراسة النصوص والمصير الإنساني، ويرون أن المنهج التاريخي قادر على الكشف عن طبيعة النص وأصله ومقصوده، وعن طبيعة الإنسان ومصيره، وعن القيم التي تشكل الحافز الأساسى للإنسان، وقد أدان مجموعة من الفلاسفة هذه النزعة المتزمتة التي تعتقد أن بوسعها نقل علم التاريخ من علم تأملي إلى علم يستند إلى التجريب والاختبار عبر قاعدة اختبارية تتمثل في مجموعات الأحداث التاريخية، وخطورة هذه العملية تكمن في أنها تؤدي إلى الاعتقاد بوجود قوانين حتمية تاريخية تسير المجتمع، مع ما ينتج عن ذلك من اتجاهات فكرية وعملية للسيطرة على الثقافات والمجتمعات تحت حجة قيادته وتغييره وفقًا لهذه القواعد التي وصفوها بالحتمية.
وقد سلكت النازية ثم الشيوعية الماركسية هذا المسلك وقامت فلسفاتها على هذا الأساس، وتقوم عمليًا اليوم فلسفة الغوب اللبرالية على هذه النظرة القاطعة، وإن كانوا لم يقولوا ذلك نظريًا، إلّا أن واقعهم السياسي والثقافي والإعلامي يرتكز على هذا المفهوم في الجملة؛ ولذلك
стр. 1069
يحاولون بسط سيطرتهم ونفوذهم في أوسع قدر ممكن من الأرض، تحت حجج التحضير والعصرنة وحقوق الإنسان والنظام العالمي الجديد، والإرادة الدولية، وغير ذلك.
وهذه النظرة المتزمتة المتشددة في استخدام "التاريخية" وتعميم منهجها والقطع بنتائجها، إلى حد التقديس والحكم القاطع وجعلها حتمية لازمة صائبة النتائج في كل الأحوال، هي التي غرق فيها أركون وجابر عصفور وعزيز العظمة ونصر أبو زيد وسائر المعارضين للوحى والمشككين في صحته وثبوته ومقتضياته، وهم في كل ذلك ليس لهم إلّا دور الاستيراد والتبني (١).
لقد عاشوا وفي أعماقهم "منطقة فراغ" هائل بسب جهلهم بدينهم، وعجزت المناهج الغربية الوافدة أن تعطي لأصحابها اليقين وعوامل القوة والثبات، فاستمسكوا من هذه المناهج ما يظنون أنه يشكل لهم نقطة انطلاق، ومحور ارتكاز، فكانت "التاريخية" وغيرها من المناهج، وقد هربوا من تقديس المقدس حقيقة، فوقعوا في تقديس الأوهام والمناهج المتناقضة، ولا غرابة أن تجد منهم من يسلخ جلده ويغير موقفه بل وينقض بالشتائم والنقض لما كان يقدسمه من قبل؟ لانعدام الأسس والمعايير الاعتقادية الصحيحة التي يُمكن بها وزن الأمور بوضوح وموضوعية.
ومن أظهر موارد هؤلاء الذين يشككون في الوحي والنبوات "المورد الاستشراقي"، وقد تكلم المستشرقون كثيرًا عن التوحيد والوحي والنبوة، ودور الأديان ومهمتها في إطار من التشكيك والجحد للوحي والنبوة، ومحاولة تصوير الأنبياء على أنهم عباقرة ومصلحون تأثروا بالواقع الذي يعيشون فيه واستطاعوا استيعاب التراث القديم ثم صاغوه صياغة جديدة،
стр. 1070
فتلقف ذلك الإفعات من أبناء المسلمين فرددوه تحت حجج التاريخية والفيولوجية، وقالوا بأن القرآن نشأ في نفس محمد ﷺ بتأثير البيئة التي عاش فيها، وقالوا بأن القرآن ليس وحيًا بل هو فيض من العقل الباطن، وأن محمدًا ﵊ كان من الذكاء والعبقرية بحيث استطاع أن يصوغ هذه التأثيرات الباطنية في كلام، ثم يؤثر بها في الآخرين، ومؤدى ذلك أن القرآن ليس وحيًا بل هو من عمل البشر، وقد صرحوا بذلك، والهدف من هذه الدعوى قطع الصلة بين المسلمين والقرآن، تمهيدًا للاستيلاء التام عليهم، كما صرح بذلك غير واحد من الذين يديرون الصراع ضد العالم الإسلامي.
ولما كان الوحي هو حجر الزاوية في النبوات وفي الدين كله، فقد ركز عليه دعاة التغريب وأثاروا حوله الشبهات والشكوك، وساقوها في قوالب براقة من الأسماء والمصطلحات التي توهم بالدلالات الكبرى وهي لا تدل على شيء.
ومما لا ريب فيه أن محاولة النظريات المادية المستحدثة في جحد الوحي ومعارضته والتشكيك فيه كلها ستنال من الفشل والوهن أكبر النيل، وها نحن نرى أنها حازت على مميزات الفشل في واقع الأمم التي نشأت فيها هذه النظريات، وقادت إلى الدمار والضياع والفوضوية، وعارضها وناقضها وبين تهافتها آخرون من أولئك الأقوام، ولكن المستغربين من أبناء المسلمين تحت وطأة الهزيمة النفسية يسارعون فيهم ويتسولون على موائدهم، فإذا ظفر الواحد منهم ببنوية أو تاريخية أو وجودية أو سوريالية عاد بها فرحًا فرح الجعل بدحروجته!!.
وهذا كله على بشاعته وفداحته - لم يكفهم، بل طفقوا يهدمون كل ما يترتب على الإيمان بالكتب المنزلة من أحكام وعقائد وقيم، وخاصة القرآن الكريم الذي شرقوا بما فيه شرقًا، وقاومتهم حقائقه، وأخزتهم براهينه وأطفأت نيران مجوسيتهم المادية الإلحادية، أنوار هدايته ومعجزاته المستمرة الدائمة.
стр. 1071
وإذا تاملنا أوجه الانحرافات التي اقترفها المصابون بداء الحداثة والعلمانية حول قضية الوحي نجدها تدور على ثلاثة محاور:
١ - انحرافات متعلقة بالتلقي.
٢ - انحرافات متعلقة بالفهم.
٣ - انحرافات متعلقة بالتطبيق.
وكل محور من هذه المحاور تحته عدة فروع من الانحرافات.
فقد نظروا إلى نصوص الوحي المنزلة على الأنبياء، نظرة شك وريبة قادتهم إلى الجحد والإنكار واستعملوا في ذلك أساليبهم المختلفة فسخروا منها، ونزعوا عنها القداسة استعملوا الأسلوب الحداثي المعروف بتدنيس المقدس، وتبنوا الرأي الابتداعي القديم: "القول - بخلق القرآن"، وقالوا بأن القرآن ليس حقيقة، وأنه كلام بشر، وغير ذلك من الهوس العلماني الحداثي الذي يريدون به إبطال الوحي جملة، والقرآن على وجه التفصيل.
فكان تلقيهم للوحي تلقي الجاحد الراد، أو تلقي الشاك المرتاب، مع أضاميم أخرى من السخرية والاستخفاف والتدنيس، ونفي حقيقته، ونسبته إلى غير قائله، وإسقاط قداسته، إلى آخر ما عند القوم من أوشاب ومصائب، تصل في نهاية الأمر إلى إلغاء الوحي وعزله عن الواقع وطرده من الحياة وإزاحته عن التطبيق، ومن أظهر وأخطر انحرافاتهم في هذا الباب:
جحد الوحي والتشكيك في ثبوته أو ثبوت بعضه وإرادة القضاء عليه.
وما فتئ المعادون للدين يجلبون بخيلهم ورجلهم على كل ما له علاقة بالدين، وخاصة أصوله وقواعده التي تقوم عليها أسس الديانة، وقد رأينا فيما مضى كيف توجهوا إلى أصول عقائد المسلمين محاولين الهدم والتخريب، وفي هذا الفصل سوف نرى كيف صوبوا سهام مكرهم وكيدهم وحقدهم على الوحي منبع العقائد والشرائع، ومنهل الهدى والرشاد، ومورد أهل الحق والخير والفضل.
وعندما أقول الوحي فإني أعني ما ثبت أن اللَّه تعالى قاله أو أوحى
стр. 1072
بمعناه إلى نبي من أنبيائه، أمّا الكتب المحرفة كالتوراة والإنجيل فإن الكلام هنا عن أصل نسبتها، ومصدر نزولها، وهذا حقيق بالاعتبار والاحترام، أمّا ما دخل عليها من تحريف وزيادة ونقصان، فقد بينا ذلك في الصفحات السابقة، وذكرنا أنه لا ينسب إلى اللَّه تعالى، وهو غير مراد بالكلام في هذا المقام؛ إذ هو من الكلام المختلق الذي لا احترام له ولا اعتبار في ميزان الحق.
ومن المهم أن نعرف كيف تسللت الضلالات الكفرية فيما يتعلق بنصوص الوحي إلى أبناء المسلمين، الذين ما كان أحد منهم يجرؤ على النيل من الفروع المستنبطة من نصوص الوحي فضلًا عن النيل من الوحي ذاته، بل كان الوحي عندهم من القداسة والاحترام بأرفع مقام.
حتى إذا خالطت بعضهم شبهات هذا العصر إثر التتلمذ على المستشرقين أو التلقي عن الغربيين، في أحضان استعمار يعادي هذه الأمة ويحاول اجتثاثها، بالجيوش، فإن لم يفلح فبالعملاء والأتباع الذين رباهم على عينه، ونشأهم على شبهاته.
فهاجت فيهم نيران الشبهات فأضحوا أئمة ضلال وإضلال داخلين في عموم قول النبي ﷺ : "ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد على قولهم، يتقاحمون في النار كما تقاحم القردة" (١).
وهو تشبيه بليغ يدل على حالهم الذي عاشوه؛ فإن من أخص أوصاف القردة التقليد للآخرين عن جهل وعمى، وهذا حال العلمانيين والحداثيين بمدارسهم العديدة المختلفة، مقلدة محاكون، وأتباع طيعون في أيدي أساتذتهم من الغربيين، تقاحموا في مناهج الإلحاد والشكوك كما تقاحم القردة، وأقبلوا يسفون قمائم المذاهب وزبالات الأفكار على أنها الهدى والخير، معرضين عن الحق معارضين له مستكبرين عنه.
стр. 1073
ودفع بهم الغزاة إلى مواقع التأثير، وحركوهم في دولاب المواجهة المستمرة بأوجه عديدة بين الشرق الإسلامي والغرب النصراني، الذي ما فتئ من أيام الحروب الصليبية إلى اليوم يمارس أنواعًا من الصراع مختلف الأساليب متحد الغاية، ابتدأ بالصراع العسكري، ثم الفكري بالاستشراق والتغريب: (فمنذ استيقظ العالم الأوربي لنهضته الحديثة، وهو يرى عجبًا من حوله "أممٌ" مختلفة الأجناس والألوان والألسنة، من قلب روسيا إلى الصين، إلى الهند، إلى جزائر الهند إلى فارس إلى تركيا إلى بلاد العرب إلى شمال أفريقيا إلى قلب القارة الإفريقية وسواحلها، إلى قلب أوروبا نفسها تتلو كتابًا واحدًا يجمعها، يقرؤه من لسانه العربية، ومن لسانه غير العربية، وتحفظه جمهرة كبيرة منهم عن ظهر قلب، عرفت لغة العرب أم لم تعرفها، ومن لم يحفظ جميعه، حفظ بعضه، ليقيم به صلاته، وتداخلت لغته في اللغات وتحولت خطوط الأمم إلى الخط الذي يكتب به هذا الكتاب، كالهند وجزائر الهند، وفارس وسائر من دان بالإسلام، فكان عجبًا أن لا يكون في الأرض كتاب كانت له هذه القوة الخارقة في تحويل البشر إلى اتجاه واحد متسق على اختلاف الأجناس والألوان والألسنة، فمنذ ذلك العهد ظهر "الاستشراق" لدراسة أحوال هذا العالم الفسيح الذي سوف تتصدى له أوروبا المسيحية بعد يقظتها، وعلى حين غفوة رانت على هذا العالم الإسلامي، فكان من أول هم "الاستشراق" أن يبحث لأوروبا الناهضة عن سلاح غير أسلحة القتال، لتخوض هذه المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة الأجناس والألوان والألسنة، وجعلها أمة واحدة، تعد العربية لسانها، وتعد تاريخ العرب تاريخها، وبدأ الغزو المسلح وسار الاستشراق تحت رايته، وزادت الخبرة بهذه الأمم، فمن كان منها له لسان غير اللسان العربي، أعدت له سياسة جديدة لإغراقه في لسان الغازي الأوربي حتى يسيطر عليه، ومن كان لسانه عربيًا، أعدت له سياسة أخرى لإغراقه في تخلف مميت، لخصها وليم جيفور بلجراف (١) في كلمته
стр. 1074
المشهورة: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يُمكننا حينئذٍ أن نرى العربي يتدحرج في سبيل الحضارة -يعني الحضارة المسيحية- التي لم يبعده عنها إلّا محمد وكتابه") (١).
ثم أعقب ذلك ما أعقبه من استيلاء على منابر الفكر والتربية والتعليم في مصر، ثم على منابر الصحافة والإعلام، ووضعت الخطط المدعومة من دول الغرب لدفع هذه الأمة في متاهات لا نهاية لها إلّا الإنغماس في ظلمات الانحراف والجهل والتهتك، وكان من أقوى أسلحتهم لإيجاد هذا الفراغ أخذ أو "بعث" بعض أبناء المسلمين إلى بلاد الغرب ليعودوا من هناك وكل همهم زحزحة الأجيال عن تراثها ودينها ولغتها وتدمير المناعة الذاتية في مقاومة الغزاة، وإيجاد الفراغ الاعتقادي والفكري والروحي تمهيدًا لاستنبات بذور النصرانية والوثنية واليهودية والمادية الإلحادية.
عاد المبتعثون من الغرب وقد اتخذوه مثالهم المحتذى، ساعين إلى جعل المشرق الإسلامي على المثال الغربي الذي أشربوا حبه.
وظاهرهم في ذلك من أبناء المسلمين من تربى على مناهج المستشرقين ومدارس التبشير وصحافة العلمانية، حيث حقن الجميع من المبتعثين المسلوخين، والمقيمين المنسلخين، حقنوا بالنموذج الغربي، ونصب هذا النموذج في أعينهم معيارًا لكل شيء، وإن اختلفت الأحوال والظروف والملابسات، فكان مما حقن في تفكيرهم، إن الصراع مع الدين وقواعده والثورة عليه هو أسالص النهضة، فقام التلاميذ الأتباع بهذا الدور المتمثل في أوجه عديدة: منها المعاداة للدين والمحاربة للقرآن والسنة والتشكيك في ثبوتها والدعوة إلى العامية والأحرف اللاتينية، وإشعال
стр. 1075
النزعات القومية وتحليل أواصر الأمة الواحدة، وتجاوز كل اعتبار روحي في الحياة والاكتفاء بالمقاييس المادية، واعتبار الاتجاه المادي فلسفة كاملة بذاتها، مضادة لكل ما عداها، وتقديس العقل وتدنيس النقل، وإحياء الوثنيات والأساطير إلى آخر ما هنالك من أباطيل وأضاليل.
لقد كان التعليم للمبتعثين والسيطرة على التعليم في بلاد المسلمين المستعمرة أخبث وأنكى وسيلة استطاع الغربيون فعلها في مضمار غزوهم للعالم الإسلامي، فمن خلال هذين الأسلوبين أخرجوا أجيالًا من أبناء المسلمين وقد صبغوا بالصبغة التي أرادها لهم أساتذتهم.
وقد أكد ذلك المستشرق الحاقد "هاملتون جب" (١) حينما قال: (كانت النتيجة الخالصة لهذه الحركة التعليمية أنها حررت، بقدر ما كان لها من تأثير، نزعة الشعوب الإسلامية من سلطان الدين دون أن تحس الشعوب بذلك، وهذا وحده تقريبًا هو جوهر كل نزعة غربية فعالة في العالم الإسلامي، وهو المعيار الذي نقيس به قوة الرأي الحديث والرأي المحافظ أحدهما بالنسبة للآخر.
إن الإسلام من حيث هو دين قد فقد القليل من قوته، إمّا من حيث هو المسيطر على الحياة الاجتماعية فإنه أخذ في النزول عن عرشه؛ ذلك أن إلى جانبه قوى جديدة يصدر عنها سلطان يناقض تقاليد الإسلام وأوامره الاجتماعية في بعض الأحيان، ولكنه -رغم هذا- يشق طريقه بالقوة غير مبال بتلك الأوامر، ولكي نصف الموقف في أبسط العبارات نقول: إن ما حصل هو هذا، إلى عهد قريب، لم يكن للرجل العادي بين الرعايا المسلمين مآرب أو أعمال سياسية ولم يكن له أرب قريب المنال إلا الأدب
стр. 1076
الديني، ولم تكن له أعياد ولا حياة اجتماعية إلّا مقترنة بالدين، فكان الدين عنده كل شيء، أمّا الآن فقد اتسع مدى مصالحه في كل البلاد الراقية، ولم يعد نشاطه مقيدًا بالدين، فوضعت المسائل السياسية تحت نظره، وقرأ وقرئ له عدد من المقالات في موضوعات متنوعة لا علاقة لها بالدين، وربّما لا تتعرض لوجهة النظر الدينية مطلقًا، كما أن الحكم عليها قد يكون مقيدًا بمبدأ مختلف عن مبادئ الدين كل الاختلاف، وهو يجد أن الرجوع إلى المحاكم الشرعية لا يغنيه شيئًا في كثير من مصاعب حياته ومشاكلها، بل يجد نفسه خاضعًا لقانون مدني قد لا يعلم له مصدرًا صحيحًا يستمد سلطانه منه، ولكن لا شك أن هذا القانون لا يستمد سلطانه من القرآن ولا من السنة، ولم يعد الدين هو الرابطة الاجتماعية الوحيدة أو على الأقل الكبرى بينه وبين إخوانه، إذ أن مهام أخرى لا تمت إلى الدين بصلة ترغمه على الالتفات إليها، وهكذا نرى سلطان الإسلام قد انفصمت عراه عن حياته الاجتماعية، وهذا السلطان ينحسر شيئًا فشيئًا حتى يقتصر على دائرة صغيرة من الأعمال.
حدث كثير من هذا في غفلة من الناس لم يفطن إلى إدراكه إلّا عدد قليل من المتعلمين، ولم يعمد إلى تحقيقه إلّا عدد أقل من ذلك، ولكن التيار سار جارفًا لا يلوي على شيء وحينما رسخت قدمه لم يعد رده ممكنًا، ويظهر من المستحيل الآن ولاسيما إذا راعينا ازدياد المطالبة بالتعليم والازدياد في اتخاذ الأنظمة الغربية أن تنعكس، وأن يعود الإسلام إلى استئثاره بالسلطة الاجتماعية والسياسية استئثارًا لا ينازع فيه) (١).
وهكذا وصف "جب" الموضوع وصفًا حقيقيًا وأوضح جوهر الصراع وأهدافه، توضيحًا عميقًا، ولو أن كاتبًا مسلمًا قال ذلك لقالوا: نظرية التآمر تسيطر على فكره، أو التخلف والجمود ومضادة الانفتاح، إلى غير ذلك من شتائم الجبهة العلمانية، ولكن أحد الذين مارسوا العمل التغريبي من خلال
стр. 1077
التعليم المحلي والتعليم الابتعاثي يشخص الموقف والهدف والغاية من وراء كل المساعي الغربية "استشراقية أو تبشيرية أو تعريبية".
إن الصراع الدائر بين المسلمين الأصلاء وأبناء المسلمين الممسويخن يدور في الحقيقة على قضية سيادة الدين أو عدم سيادته.
وما الكلام عن قضية الوحي إلّا أحد هذه الميادين التي بدأ الصراع فيها مكشوفًا منذ عاد أعمى البصر والبصيرة "طه حسين" من فرنسا وهو يحمل جرثومة العداء للدين، فهاجم نصوص الوحي صراحة بلا مواربة، تحت حماية أسياده، وفتح باب جحدها والشك فيها والسخرية والاستخفاف بها ونفي كونها حقيقة ثابتة، ورفع القداسة عنها.
جاء طه حسين بما انطوت عليه نفسه من غل على القرآن والإسلام، وبما اجتمع عليه قلبه من دخائل العقائد الباطلة والجهالات المتواصلة، آخذ بذنب آراء الموجهين في فرنسا، ومديري التعليم الانجليز في القاهرة، فإذا هو يعلن ما استنسخه من كتبهم، ويشهر ما نقله عن محاضراتهم ودروسهم في زوايا الصمت الباردة المظلمة التي كانت تواري تحت صمتها البارد المخازي والمؤمرات، فكان كتابه "في الشعر الجاهلي" الصيحة الأولى المعلنة لفصل الدين عن الأدب والتاريخ والحياة الثقافية، بل كان هذا الكتاب التطبيق المعلن لمحاربة الإسلام على يد أبنائه، وذلك حين أعلن قائلًا: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكة) (١).
ثم أضاف: (فقريش إذن كانت في هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية، ونهضة دينية وثنية، وهي بمكة هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد في البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة، وإذا كان هذا حقًا،
стр. 1078
ونحن نعتقد أنه حق، فمن المعقول أن تبحث هذه النهضة الجديدة لنفسها عن أصل تاريخي قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التي تحدثت عنها الأساطير، وإذن فليس ما يمنع قريشًا من أن تتقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم، كما قبلت روما ذلك لأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها اليونان تثبت أن روما متصلة بإيناس بن يريام صاحب طراوده) (١).
كانت هذه إحدى أول صرخات الردة والمواجهة للدين والمناقضة الكاملة للوحي المعصوم.
وقد تصدى لها جهابذة من أصحاب الغيرة على الإسلام، وفندوا هذا الكتاب، وبينوا من أين استنسخه طه حسين، وما فيه من تناقض وتهافت وإلحاد وضلال (٢)، ومن ذلك ما كتبته لجنة العلماء في مصر التي قررت أن (الكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم. . . وترى اللجنة أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من "اللادينية" التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت شعار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى، واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.
الكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا
стр. 1079
يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلّا ليأتي عليها من أصولها، وبخاصة الدين الإسلامي. . .).
ثم أوردت اللجنة النص السابق عن إبراهيم وإسماعيل وعقبت قائلة: (أنكر المؤلف بهذا هجرة سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉، وقال: إن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، وهو تكذيب صريح لقول اللَّه تعالى في سورة إبراهيم حكاية عنه ﵊: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ (١).
وقال في الصفحة نفسها "نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة -يريد قصة الهجرة- نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى".
وهو في هذا النص يصرح بأن القرآن اختلق هذه الصلة بين إسماعيل والعرب ليحتال على جلب اليهود، وتأليفهم وينسب العرب إلى أصل ما جد زورًا لأسباب سياسية أو دينية، وهذا من منتهى الفجور والفحش والطعن على القرآن في إثباته أبوة إبراهيم للعرب في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) الآية) (٣).
وعلى رغم المناوءة الجادة والمناقشة الصريحة التي فضحت طه حسين وكشفت عمالته وخبث معتقده، إلّا أنه مُكِّن له، لأن الشق الثاني من تلاميذ الغرب كانوا على رأس الإدارة الحاكمة فقاموا بحماية زميلهم بتكليف من أساتذتهم.
стр. 1080
وإلّا لو كانت هذه الأقوال -الموجبة لحد الردة- نشرت في بلد يحكم بالإسلام لكان الأمر غير الأمر!! لاسيما وقد رد طه حسين على تقرير العلماء والكتاب بما يثبت أنه مصر على أقواله الضالة.
وبهذا العمل وأشباهه تقدمت عجلة التغريب تقدمًا عمليًا لتدوس في طريقها القواعد والكليات وتحطم المبادئ والقيم والثوابت والأصول، في ظل حماية الأوصياء على الثقافة والإدارة، وتحت شعارات النفاق العصري: حرية الثقافة، وحرية البحث العلمي، وعالمية المعرفة، ووجوب النقد، إلى غير ذلك من شعارات أريد بها أول ما أريد هدم الإسلام واجتثاثه، على غرار ما وصف هاملتون جب في قوله المذكور سابقًا.
وقد عني الحداثيون بطه حسين وفكره غاية العناية، واهتموا بدراسة أعماله وآثاره المظلمة؛ باعتبار قائدًا للمشروع التنويري الجذري الشامل -بل حد تعبير أحد الحداثيين (١) - إلى حد جعل مجموعة من طواغيت الحداثة الذين يصدرون كتابًا دوريًا بعنوان "قضايا وشهادات"، يخصصون العدد الأول منه عن طه حسين، ويجعلون ديباجة التعريف بقضايا وشهادات قولهم: (قضايا وشهادات، كتاب دوري يتطلع إلى عمل ثقافي جماعي، يبدأ من أسئلة الواقع اليومي التي تمس المثقف ودوره بقدر ما تمس الإنسان العادي الباحث عن الخبز والحرية والكرامة الوطنية، يطمح الكتاب إلى ربط الثقافة الديموقراطية العربية الراهنة بماضيها الثقافي، الذي قاتل من أجل العقلانية وكرامة الإنسان، وبناء مجتمع مدني تكون فيه المصلحة العامة متكأ للقول والفعل والمبادرة. . . .) (٢).
ويعجب العاقل من الحرية التي يدعونها، وهم يمارسون أبشع أنواع
стр. 1081
الجور والعدوان والظلم والاستبداد ضد المسلمين في عقائدهم وتاريخهم وحضارتهم، ولا يسمحون في منابرهم بصوت إسلامي يناقشهم أو يحاورهم، والكرامة الوطنية التي يزعمونها وهم يسعون جاهدين إلى رمي الأوطان وإمكاناتها في إحضان الغرب، بكل ما أوتوا من جهد وقوة، والعقلانية التي يتبجحون بها وهم في أقصى درجات التخلف العقلي بإلحادياتهم ووثنياتهم وعلمانياتهم.
وقد حاولوا فعلًا الربط بين اتجاهاتهم المغرقة في الانحراف والضلال، واتجاهات أسلافهم من أمثال طه حسين ولويس عوض وسلامة موسى والطهطاوي، وقد أترعوا هذا الكتاب من قضايا وشهادات بالمدائح لطه حسين والثلب والسب لكل من عارضه أو خالفه، في خضم من حمية الجاهلية المعهودة، والتي وصفها اللَّه تعالى في قوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾ (١).
وقد قسموا هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، الأول بعنوان "طه حسين وتحرير العقل" (٢)، والقسم الثاني بعنوان "طه حسين والحداثة" (٣)، والقسم الثالث بعنوان "طه حسين وأزمة في الشعر الجاهلي" (٤).
стр. 1082
والنظرة الأولية العجلى على العناوين والمقالات تكشف أي منزلة احتلها طه حسين عند هؤلاء باعتباره أول من اقتحم المقدس -حسب تعبيرهم-، وأول من رسخ مبادئ التفكير الديمقراطي الليبرالي، وأول من تجرأ على الاندفاع نحو الغرب، نحو المجتمع الحر!!، وأظهر عن أبرز وظيفة العقل العصياني، وقوض مسلمات التاريخ واللغة والدين، وأوجد أسلوب التمرد على المسلمات والرفض، وإعادة الصياغة لكل شيء، إلى آخر ما هنالك من مدائح حداثية هي عين الإدانة والذم، وهي - في الآن ذاته أمثلة على الانحراف المستشري، وأدلة على مدى ما وصلت إليه الحداثة وأربابها من عداوة لدين الإسلام وقرآنه وسنته ولغته وحضارته.
إن المعاني التي تواطأ عليها الحداثيون في إطرائهم الشديد والمبالغ فيه لسلفهم طه حسين لتؤكد تمام التأكيد أي معنى من الخصام واللدد الذي انحدر إليه سفهاء أهل التكذيب والفساد والمكابرة والشك، بحيث لا يُمكنهم الانصراف عن رأي يكون فيه الهوى والشبهة أساس المرتكز وجوهر الفكرة، بل هم يتهافتون على ذلك تهافت الذباب على موارده، فهم في غياهب جهلهم سادرون ويحسبون أنهم يبصرون، وفي ظلمات شكوكهم سائرون ويظنون أنهم مستبصرون، ولقد تحدث القرآن العظيم عن هذه الطباع الجاهلية الحمقاء المكابرة، وبين مقدار الصلف والعناد الذي جمدت عقولهم عليه، ويبست قلوبهم على سخائمه النتنة.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ (١).
стр. 1083
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ (١).
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾ (٢).
وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (٣).
ومنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في نصوص الوحي، ليكون أكبر أداة أوربية استعمارية تعمل علنًا في إفساد عقيدة الأمة وحل عروتها الوثقى من دينها، منذ أن فعل ذلك تتالت على إثره محاولات التشغيب على الدين، والتشكيك فيه عن طريق الأدب والفن، فإذا نحن أمام جمهرة من الحثالة ليس لهم هم إلّا الدأب في إزالة ما وقر في نفوس المسلمين من تعظيم نبيهم وكتابهم، وإيثار دينهم وفضائل أخلاقهم، وإجلال علمائهم وسلفهم.
واستعملوا في ذلك وسائل عدة، مرة بالتكذيب الجلي، ومرة بالتهكم، ومرة بالزراية، ومرة باسم البحث العلمي أو الأدبي أو الفلسفي، حيث لا علم ولا أدب ولا فلسفة، إنما جهل وضلال وانحراف، وبذلك تكون أوروبا قد نالت من المسلمين وأوجعت غاية الوجع بهذه الأدوات الإنسانية التي تسمي طه حسين ونصر أبو زيد وحسن حنفي وفرج فودة. . . وأشباهها من الأدوات التي احترفت التدمير والخراب، تحت صياح دعائي، وشعارات تسويقية من حروف الدال الممنوحة من السوربون وأشباهه،
стр. 1084
وعبارات العقلانية والعلمية والأدبية والنقدية، وغير ذلك من وسائل ترويج هذه الأدوات الإنسانية المربوطة بخيوط ظاهرة أو خفية بأوروبا.
ولو كانوا صادقين في مزاعمهم أنهم أحرار مفكرون لما كانوا في حضيض التقليد والمحاكاة يعمهون، إذ التقليد والاحتذاء يسقط الثقة ممن يدعي حرية الفكر؛ لأن الحرية لا تأتي بتقليد الآخرين والنسخ على منوالهم، فهذه عبودية وتبعية؛ لأن المقلد نزع نفسه من بنيان أمته وحضارتها وتاريخها وثوابتها تحت دعوى التحرر، ثم غرس نفسه في وحول الأمم الأخرى المعادية لأمته تاريخًا وواقعًا، وجرى في مجراهم يكرر ما يقولون ويترجم ما يكتبون، ويحارب أمته وقومه ليكسب رضى الأسياد ومدحهم، فأية حرية في هذا؟!.
لقد توارد الحداثيون على النيل من نصوص الوحي، وبرزت مواهبهم في كسب اعتراف الغرب بهم، ومن هؤلاء محمد أحمد خلف اللَّه (١)، الذي أعد رسالة للدكتوراه -أيام كان في كلية الآداب- بعنوان "الفن القصصي في القرآن" أشرف عليها أمين الخولي (٢)، الذي شاركه الفكرة ودافع عنه فيها.
стр. 1085
ورد عليها عدد كبير من علماء مصر وكتابها ومثقفيها (١)، وأقيمت عليهما دعاوى قضائية، وتتضمن رسالة خلف اللَّه المسماة "الفن القصصي في القرآن" عدة أمور تشكك في القرآن، منها:
أن القصص في القرآن عمل فني خالص خاضع لما يخضع له الفن من إبداع وابتكار، من غير التزام بصدق التاريخ والواقع، وأن محمدًا فنان بهذا المعنى، وعلى هذا الأساس كُتبت كل الرسالة من أولها إلى آخرها.
ويرى أن القصة في القرآن لا تلتزم الصدق التاريخي، وإنّما تتجه كما يتجه الأديب في تصوير الحادثة تصويرًا فنيًا بدليل التناقض في رواية الخبر الواحد، حسب زعمه.
ويرى أن الإجابة عن الأسئلة التي كان يوجهها المشركون للنبي ﷺ ليست تاريخية، ولا واقعة، وإنّما هي تصوير لواقع نفسي عن أحداث مضت، أو أغرقت في القدم، سواء كان ذلك الواقع النفسي متفقًا مع الحق والواقع أم مخالفًا لهما.
ويزعم أن القرآن قرر أن الجن تعلم بعض الشيء، ثم لما تقدم الزمن قرر القرآن أنهم لا يعلمون شيئًا، والمفسرون مخطئون حين يأخذون الأمر مأخذ الجد.
ويرى أن الأنبياء أبطال ولدوا في البيئة وتأدبوا بآدابها، وخالطوا الأهل والعشيرة، وقلدوهم في كل ما يقال ويفعل، وآمنوا بما تؤمن به البيئة من عقيدة ودانوا بما تدين به من رأي وعبدوا ما يعبدون من إله.
ويقول بصراحة: إن القصة الأسطورية موجودة في القرآن.
стр. 1086
وأن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ.
وأن القرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب وأهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين.
وأن قصة إبليس من نوع الخلق الفني الذي يتشبث فيه القرآن بالواقع.
وأن القرآن اختلق صور الجن والملائكة.
وأن القصص في القرآن متدرج كما يتدرج أدب كل أديب، فالأديب يلتمس المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض له، وكذلك القرآن، ومن مظاهر ذلك النسخ والتدرج في التشريع (١).
وهذه الأقوال كما يرى من له أدنى إلمام بالإسلام تناقض تمام المناقضة عصمة القرآن العظيم، بل قضية واحدة منها تكفي للحكم على قائلها بالردة والكفر (٢)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣).
وَوَسْمه قصص القرآن بالأساطير هو عين قول الكافرين الأولين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (٤).
стр. 1087
وقد أخبر اللَّه عنهم وعن أشباههم ووصف حالتهم وصفًا تفصيليًا فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ (١).
نعم إن هذا هو الوصف الحقيقي لحالتهم النفسية والفكرية ومخططاتهم المستقبلية، فمنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في القرآن والوحي عمومًا أتى بعده من استطرد وزاد، كما فعل محمد خلف اللَّه، ثم أتى بعدهما من زاد وطم على ضلالاتهم، واسترسل في أبواب الجحد والتشكيك والإلحاد.
فها هو عزيز العظمة يتعرض لهذه القضية تحت عنوان "النص والأسطورة والتاريخ" في ندوة عقدتها دار الساقي في لندن عام ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م بعنوان "الإسلام والحداثة"، وفيه قرر أن مراده بالنص: النص المقدس؛ لأنه في وضع يتعالى على التاريخ مع أنه في الحقيقة يخضع للتاريخ حسب قوله؛ لأن النصوص المقدسة ولدت في التاريخ وبه انفعلت، وفيه أثرت، فالتاريخ مجالها، وفي التاريخ أسرارها ومكامنها، ومن التاريخ أساطيرها وأسطورتها، كما أن في العلوم التاريخية والإنسانية الحديثة مفاتيحها (٢).
стр. 1088
ثم طالب بعد هذا الخلط قائلًا: (دعونا إذن نعاين كيف نظر علماء المسلمين، من متقدمين ومتأخرين إلى النص ونقارن بين هذه النظرة وما تفرضه علينا الحداثة) (١).
وفي هذا التقسيم بين نظرة علماء المسلمين وأزلام الحداثة اعتراف بالفرق بين الطائفتين، وبين المبدأين، وهو اعتراف تؤكده جميع الأحوال والأقوال والاعتقادات لكل من الفريقين، وقد تحدث عن نظرة علماء المسلمين لنصوص الوحي القائمة على التقديس للوحي، وعصمة المبلغ وصحة التبليغ.
ثم يقول بعد ذلك في جرأة علمانية حداثية معروفة: (لم يتصد العلماء المسلمون إلى قضية صحة الأخبار والنقول على نحو منهجي منظم متجرد) (٢).
وإن تعجب من شيء -أيها القارئ- فاعجب من هذه الدعوى العارية من البرهان، بل المخالفة لكل برهان، فإنه لم يُعرف في تاريخ البشرية جمعاء عناية بالنقل وأسانيده وسائر أحواله مثل عناية المسلمين بذلك، وقد وضعوا لتحري صحة النقل الأصول والقواعد العلمية مما يعتبر مفخرة للبشرية كلها وللمسلمين على وجه الخصوص، وقد اعترف بدقة المناهج الإسلامية، وشدة تحريها في النقل المنصفون من أهل الغرب، الذين يسارع الحداثيون العرب في الحصول على رضاهم.
إن عزيز العظمة يتوارد في طريقته هذه مع الرافضة والملاحدة والزنادقة، ويطابقهم مطابقة النعل للنعل، ولا يستبعد ذلك منه ومن أمثاله، ما دام كلا الفريقين أسقط الإيمان من حسابه وتجرد من دينه، وانحاز إلى الضفة الأخرى يرمي بسهام الهدم والتدمير والرفض والتفجير على كل ما له علاقة بالدين، والعبرة كل العبرة في عقائد هؤلاء التي انحرفت عن الهدى وتلقت مناهج الردى، فكان من أثر ذلك ما كان من انسلاخ عن الدين وتقحم في الأكاذيب
стр. 1089
والافتراءات؛ لأن الباطل لايجد أبدًا قوته في ذاته وطبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا تراخت هذه القوة -وهي لا شك متراخية- اضمحل الباطل المستند إليها، أمّا الحق فثابت بطبيعته، قوي بنفسه.
وما نراه من دعاوى الحداثيين والعلمانيين وسائر قطيع المستغربين لا يخرج عن هذا قيد أنملة، وكيف لا وقد وصفهم أصدق القائلين بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (١) فالوهن خاصية كل باطل وصلب كل ضلالة، ودليل ذلك من الواقع أننا نرى كل هذا التكالب العلماني الحداثي على الإسلام والقرآن والسنة وسائر قضايا الشريعة والعقيدة، وهو تكالب امتد في الزمان أكثر من قرن ونصف، وعاضدته قوى الكفر وأذيالها كل المعاضدة، ومع ذلك نرى أن الإسلام يقوى وجوده بين المسلمين، ويعود إليه أفراد المسلمين وجماعاتهم، وتتحرك دماء الحمية الإيمانية في عروقهم.
ولو أن كيدًا وجه إلى ملة غير المسلمين لانقرضت وزالت من الوجود، وهذه معجزة الهداية الإيمانية التي أثبتت أن اجتثاث الإسلام لا يُمكن ولا يحصل ولا يتحقق مهما فعل الأعداء، وأقرب مثال على ذلك مافعلته دولة الإلحاد الهالكة دولة الاتحاد السوفيتي في المسلمين في بلاد ما وراء النهر أو ما يطلق عليه في العرف السياسي اليوم "الجمهوريات الإسلامية"، فقد سعى الشيوعيون بكل طاقاتهم لتكفير المسلمين وإخراجهم من دينهم، وبعد سبعين سنة انقشعت غمة الإلحاد، ورأى العالم كله كيف أظهرت هذه الشعوب عودتها إلى دينها واستمساكها بعقيدتها.
وهذا مقتضى التحدي الإلهي للكافرين في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ (٢).
стр. 1090
وعودة إلى مهازل أبي جهل المعاصر: عزيز العظمة، فبعد أن تكلم عن إخفاق المسلمين في تحري صحة الأخبار، كشف عن جهله، باشتراط الإجماع في السند الحديثي (١).
ثم انكشفت عداوته في تشكيكه المكشوف في ثبوت السنة النبوية المطهرة، مع أساليب من التلبيس والمغالطة (٢)، واعتماد الأكاذيب مثل قصة الغرانيق (٣) الموضوعة، والتي قال عنها بأنها اشتهرت في يومنا تحت عنوان "الآيات الشيطانية"، وقال عن حديثها بأنه حديث يجافي الرواية التقليدية، ولو أنه لا يجافي طبائع الأشياء بل يماشيها (٤)!!.