← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وجاء في الصحيحين أن رسول اللَّه ﷺ رأى جبريل ﵇ وله ستمائة جناح (١). وما أخبرنا اللَّه تعالى به من أخبار خلقة هؤلاء الأبرار نؤمن به كما جاء ولا نسأل عن كيفية ذلك، ولا نسأل عن غيره؛ لأنه لو كان في التفصيل نفع للعباد لأخبر به اللَّه -جلَّ وعلا-. أمّا علاقتهم باللَّه تعالى فهم خلق من خلقه، وعباد من عباده، عملهم هو العبودية الخالصة والطاعة التامة والاستسلام المطلق للَّه -جلَّ وعلا-، ولا ينتسبون إلى اللَّه تعالى بغير كونهم خلقًا طائعين، ومن اعتقد غير ذلك فقد كفر؛ فهم ليسوا آلهة، ولا ذرية للَّه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وهم ليسوا بناتٍ، كما يدعي الكافرون. قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ (٢). ومع ذلك فلا يجوز ووصفهم بالذكورة؛ لأنهم من عالم الغيب، ولم يرد في الأدلة ما يثبت ذلك فوجب التوقف، وإنّما الذي ورد أن اللَّه نفى عنهم صفة الأنوثة، ردًا على الكافرين كما قال تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا

стр. 982

تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ (١). وفال سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ (٢). وقال -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ (٣). ومن صفاتهم أنهم لا يحتاجون إلى طعام البشر وشرابهم، فقد أخبرنا اللَّه تعالى أن الملائكة جاؤوا إلى إبراهيم في صورة بشر فقدم الطعام فلم تمتد أيديهم إليه فأوجس منهم خيفة فكشفوا له عن حقيقتهم فزال خوفه واستغرابه، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ (٥). ومن صفاتهم أنهم يقومون بعبادة اللَّه وإنفاد أوامره بلا ملل ولا تعب، ولا يدركهم الكل كما يدرك البشر، قال تعالى في وصفهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (٦) أي: لا يضعفون، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٧) أي: لا يملون.

стр. 983

ومنازل الملإئكة ومساكنهم في السماء، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (١)، وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (٢)، وينزلون إلى الأرض وغيرها لتنفيذ أمر اللَّه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ (٣). وعدد الملائكة كثير لا يحصيه إلّا اللَّه، وأخبرنا اللَّه بأسماء بعضهم وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل ومالك ومنكر ونكير وهاروت وماروت. والملائكة يموتون كما أخبر اللَّه العظيم بذلك في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ (٤)، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٥) هذا موتهم عند نفخة الصعق نفخة الصور الأول، أمّا أنهم يموتون قبل هذه النفخة؟ فهذا ما لا نعلمه ولا يصح الخوض فيه لعدم وجود نص يثبت ذلك أو ينفيه. وبما أنهم عباد للَّه مخلوقون من العدم فإن من الشرك باللَّه أن يتوجه إليهم بأي نوع من أنواع العبادة من الدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة، أو أن يعتقد أن لهم من أمر الكون والحياة ما لم يعطهم اللَّه ويأذن لهم به. قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (٦).

стр. 984

وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ (١). وعبادة الملائكة للَّه تعالى لا تقتصر على تسبيحهم وسجودهم وتمجيدهم الدائم للَّه ، بل وتشتمل على تنفيذ أوامره في كل أمر يؤمرون به مما يتعلق بالكون والإنسان وسائر المخلوقات. فإن أمور الكون والحياة والإنسان والسموات والأرض وما فيهن، وكل ما يحدث من حركات إرادية وغير إرادية وقوانين وسنن هم موكلون بها بأمر من اللَّه وإرادة منه -جلَّ وعلا- كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ (٣) والمراد بهم الملائكة الكرام عليهم الصلاة والسلام. وقال- عنهم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، وهم الملائكة ﵈. وهناك أدلة عديدة على اختصاص بعض الملائكة ببعض المخلوقات فمنهم من وكل بالشمس والقمر، ومنهم من وكل بالجبال، وآخرون موكلون بالسحاب، وآخرون بالمطر، وآخرون بأمر النطفة حتى ينفخ فيها الروح، وآخرون بالموت، ولكل عبد من عباد اللَّه ملائكة -من أمر اللَّه- يحفظونه، ووكل بكل مخلوق وكل حادث ملائكة.

стр. 985

وما في الكون من نواميس وسنن وأسباب يرتبط بعضها ببعض هي مخلوقة للَّه تعالى مسخرة بأمره، والملائكة موكلة بها أيضًا، وبرعايتها مثلما ترعى المخلوقات الأخرى. ومن الملائكة ﵈ من وكل بأمور الإنسان الإرادية، من هداية للبشر ودلالة على طريق الخير والسعادة، وإعانة على ذلك، وإبعاد عن طريق الشر والضلال، وأعظم هؤلاء جبريل ﵊ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ (٣). وهؤلاء الموكلون بأمر الإنسان وأعماله الإرادية يصحبونه ويلازمونه لإسعاده وهدايته وإلهامه الحق والخير والدعاء له والاستغفار له، وحضور مجالس الذكر وتشجيع أهل العلم (٤). ومن أعمالهم العظيمة تثبيت العبد على العمل الصالح وخاصة الجهاد في سبيل اللَّه كما أخبر تعالى في قوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ (٥). ومن أعمالهم الكبيرة التي لها أثر على الإنسان في الدنيا والآخرة ما وكل إليهم من كتابة أعمال الإنسان وإحصائها كما أخبر -جلَّ وعلا- في

стр. 986

قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ (٣). ومن أوصافهم إضافة إلى ما ذكر، عظم سرعتهم، ومن أدلة ذلك أن السائل كان يأتي إلى الرسول ﷺ فلا يكاد يفرغ من سؤاله حتى يأتي جبريل ﵇ بالجواب من اللَّه العلي العظيم. والملائكة عندهم علم وفير علمهم اللَّه إياه، وهم منظمون غاية التنظيم في عبادتهم، وقد حثنا نبينا محمد ﷺ على الاقتداء بهم في ذلك فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" قالوا: وكيف يصفون عند ربهم؟ قال: "يكملون الصف الأول فالأول يتراصون في الصف" (٤)، وثبت أنهم يأتون يوم القيامة صفوفًا منتظمة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ (٥). والملائكة مطبوعون على طاعة اللَّه، وليس لهم القدرة على العصيان، فتركهم للمعصية وفعلهم للطاعة جبلة لا يكلفهم أدنى مجاهدة؛ لأنه لا شهوة لهم. ومن عباداتهم التي جاء خبرها في الوحي المعصوم: التسبيح، قال

стр. 987

تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (١)، وكذلك عموم الملائكة تسبح كما أخبر تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (٢)، وتسبيحهم دائم لا ينقطع، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ (٣) ولكثرة تسبيحهم قالوا كما أخبر عنهم اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ (٤). ومن عبادتهم: الصلاة، وقد مرّ حديث الاصطفاف في الصلاة، وفي القرآن قوله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ (٥). ومن عبادتهم: الخوف والخشية من اللَّه تعالى كما أخبر عنهم -جلَّ وعلا-: ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٦). ومن أعمالهم: تبليغ الوحي عن اللَّه تعالى للأنبياء والمرسلين، وليس كل من جاءه ملك فهو رسول أو نبي، فقد جاء جبريل إلى مريم ﵍ وإلى أم إسماعيل ﵉ لما نفد الماء والطعام منها. ومن أعمالهم: إضافة إلى كتابة السيئات والحسنات، أنهم يدعون العباد إلى فعل الخير، وقد يرسل اللَّه بعض ملائكته لابتلاء بني آدم واختبارهم كما في قصة الأبرص والأقرع والأعمى ومجيء الملك إليهم (٧). ومن الملائكة من هو مكلف بنزع روح الإنسان كما قال تعالى: ﴿قُلْ

стр. 988

يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ (١) وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ (٢). وإذا جاء الموت ونزل بالعبد المؤمن فإن الملائكة تنزل وتبشره وتثبته، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾ (٣). كما أنها تنزل على الكفار والمجرمين فتنزع أرواحهم بشدة وتضرب وجوههم وأدبارهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ (٤)، وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾ (٥). ومن أعمالهم: أن منهم من وكل بسؤال الميت في القبر، وينعمون كل مؤمن ويعذبون كل مجرم كافر أو منافق إلى يوم القيامة. وهم يحبون المؤمنين، ويسددون المؤمن الصالح، ويصلون على المؤمنين، أي: يدعون لهم ويستغفرون لهم، وخاصة معلم الناس الخير، والذي يأتي المسجد للصلاة، والذين يصلون في الصف الأول، والذين يمكثون في مصلاهم بعد الصلاة، والذين يسدون الفرج بين الصفوف،

стр. 989

والذين يتسحرون، والذين يصلون على النبي ﷺ ، والذين يعودون المرضى، ويؤمنون على دعاء المؤمنين، ويستغفرون لهم، ويشهدون مجالس العلم وحلق الذكر، ويحفونه أهلها بأجنحتهم، ويسجلون الذين يؤمون الجمع الأول فالأول، ويتنزلون عندما يقرأ المؤمن القرآن، ويبلغون الرسول عن أمته السلام، ويبشرون المؤمنين بالخير والرزق والذرية كما بشروا إبراهيم ﵇، ويقاتلون مع المؤمنين ويثبتونهم في حروبهم، ومنهم من وكل بحماية النبي ﷺ على الخصوص، ومنهم من يشهد جنازة بعض الصالحين، ويظللون الشهيد بأجنحتهم، ومنهم من وكل بحماية مكة والمدينة من الدجال، وينزل مع عيسى ﵇ آخر الزمان ملكان، ويرسلهم اللَّه بعذاب الكفار مثل إهلاك قوم لوط، ويلعنون الكافرين، والمرأة التي لا تستجيب لزوجها، ومن أشار إلى أخيه بحديدة، ومن سبّ أصحاب النبي ﷺ ، ومن يحول دون تنفيذ حد من حدود اللَّه، فكيف بالذي يحول دون تنفيذ الشريعة كلها؟، ويلعنون الذي يؤوي محدثًا. أمّا رؤيتهم على حقيقة خلقتهم التي خلقهم اللَّه عليها فلا يستطيع ذلك الناس، لعجز أبصارهم عن ذلك، وقد رأى النبي ﷺ جبريل ﵇ في صورته التي خلقه اللَّه عليها مرتين. أمّا إذا تمثلت الملائكة في صورة بشر فتمكن رؤيتهم، وقد طلب الكفار رؤية الملائكة في معرض تكذيبهم بالنبي ﷺ ، فأخبرهم اللَّه أن اليوم الذي يرون فيه الملائكة هو يوم عذاب وغم عليهم، وذلك يكون عندما ينزل بهم الموت فينكشف الغطاء ويرون ملائكة العذاب، ويكون عندما يحل بهم العذاب يوم القيامة فتدفعهم الملائكة إلى نار جهنم دفعًا، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ (١).

стр. 990

هذا مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة، أهل الحق والعلم والإيمان، وكل جملة من الجمل التي ذكرتها عليها دليل صحيح (١). والآن إلى موقف أرباب أدب "الحداثة" وفكرها من هذا الركن العظيم: الإيمان بالملائكة الكرام ﵈. والناظر في مؤلفاتهم وإنتاجهم يرى أنهم انحرفوا في هذا الأصل مثلما انحرفوا في غيره من أصول الإيمان، ويتمثل انحرافهم في هذا الأصل في ثلاثة أوجه، هي: ١ - نفي وجود الملائكة. ٢ - وصف الملائكة بما لا يليق بهم، والتهكم والسخرية بهم. ٣ - إلحاق أسماء وأوصاف الملائكة بغيرهم. • • • الوجه الأول: من أوجه انحرافهم في الملائكة: نفي وجود الملائكة عليهم الصلاة والسلام: إن الفكر المادي الذي بث قيحه في عقول وقلوب الحداثيين والعلمانيين العرب، يؤدي إلى عدم الإيمان بالغيبيات والتي منها الإيمان بالملائكة، فقد مات في عقولهم وقلوبهم أي اتجاه نحو الإيمان بالغيب، وقد ذكرت في الفصل الأول من الباب الأول هذه القضية وأسبابها ونتائجها، مع مناقشة موجزة ونقض لهذا الاتجاه. وغير مستغرب على من يجحد وجود اللَّه الذي أدلة وجوده أكثر من عدد المخلوقات، أن يجحد وجود الملائكة ﵈،

стр. 991

إمّا صراحة كما سنرى في هذا الوجه، وإمّا ضمنًا كما سنرى في الأوجه اللاحقة. ومن أظهر الذين جحدوا وجود الملائكة علاء حامد في روايته مسافة في عقل رجل، حيث يجعل الإيمان بالملائكة ثمرة للإيمان باللَّه الذي يرى أن نفيه هو الذي سيؤدي إلى نفي كل ما يترتب عليه من غيبيات، فيقول: (. . . من الأهمية بمكان أن نشذب فكرة وجود اللَّه من أغصانها السرطانية بالالتجاء لقفص العقل، ورفض توارث فكرة وجود اللَّه. . . إن الإيمان بوجود اللَّه من خلال الأديان والتي تطالب الإنسان أيضًا بالإيمان بأمور تتخطى نطاق التفكير وتربط قضية وجود اللَّه بهذه الأمور ارتباط الجنين بالمشيمة والجذر بالتربة، فطالما آمن الإنسان بوجود اللَّه عن طريق الأديان فعليه تقبل كل ما يتصل بوجود هذا الإله من جنة ونار وشياطين وملائكة وجن صالح وجن طالح وإبليس ومعاونيه حتى لا يجرفه الإنكار إلى النار المحرقة) (١). ويتبدى لنا هنا جحده لوجود اللَّه ثم جحده لوجود الملائكة وسخريته بالأمور الغيبية، وهو يورد هذا الإلحاد في سياق روائي، وعلى طريقة تخلو من أي عقل أو منطق، على الرغم من دعاواه العريضة باحترام العقل والمنطق بل بتقديسها، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (٢). وفي موضع آخر من هذه الرواية الإلحادية يسوق كفره وشكه فينكر أولًا الكتب والشرائع ويعتبرها خرافات -ولعمر اللَّه- أن الذي يقوله ويعتقده هو الخرافة. ثم يستنتج من ذلك نتيجة قائلًا: (. . . تحول العقل الإنساني إلى أكلة شهية تلتهمها الخرافات والخزعبلات، فالعالم الخفي الذي يعيش وراء

стр. 992

ظهرانينا والمتمثل في الملائكة والجن والشياطين وملكهم العظيم إبليس لم تقدم لنا الصحائف الدينية دليلًا على صحة وجودهم إلّا ما سطر، ولم يثبت بالعلم أو نظرياته على مدى القرون الطويلة وجود مثل هذه الأشكال الغريبة. ولم يحدثنا أحد عن شكل هذه المخلوقات إلّا ما ورد من أوصاف مادية، فالجن من نار والملائكة من نور، هذه الأوصاف المادية التي وصفت بها هذه المخلوقات تثبت بما لا يدع مجالًا للشك خطل القول بوجودها. . . ثم الملائكة التي هي من النور، وإذا كان السؤال كيف هي؟ نور الشمس أم المصباح الكهربائي أم مصباح الزيت؟! فأين هي الإجابة؟. ثم كيف أشكال هذه المخلوقات النورانية. . طويلة. . مستطيلة، شعاع مفرطح أم طيور؟، وهذا الوصف الأخير هو ما درجت بعض الصحائف على وصفها به، ولماذا على هيئة طيور؟! حتى تتمكن من التحليق في الجو. . لأنه لم يكن أحد ليتصور في العصور المتقدمة أن في قدرة مخلوق التحليق إلّا إذا كان بجناحين. . لذلك فلم يكن أمامهم سوى هذا التصوير المادي الذي صور الملائكة على هيئة طيور بجناحين أو ستمائة جناح مرصعة بالجواهر. . رغم أن زينتها بتلك الجواهر يستلزم معها ماديتها بل ويعوقها عن الطيران، والأدهى من ذلك أن نجد في من يعتنق مثل هذه الأفكار التهويمية بل ويؤمن بها إيمانًا راسخًا كالإيمان بالصاروخ والقمر الصناعي، بل ويزيد عليها القول بأن الشياطين والملائكة لها القدرة على التشكل إلى حيوانات وطيور وأفاعي "بل وتصدر بها أحكام قضائية" محنة وأي محنة أن يعيش الناس مثل هذه الأفكار وأن يتداولها لأنها تعني الموات الفكري. . .) (١). عقدة هذا المعتوه أنه لا يؤمن بشيء غير محسوس، أي: لا يؤمن بشيء غائب عن الحس البشري المحدود، ومن هنا تركبت في دماغه هذه الخرافات التي يعتقد أنها هي الحقيقة والعقل والعلم، ويُمكن الرد عليه بأنه ليس كل

стр. 993

ما غاب عن الحس البشري يسمى خرافة؛ لأن هناك فرقًا بين واقع مغيب، وهي الحقيقة غير المنظورة، والمعدوم الغائب وهو الخرافة التي لن ترى. ومن لم يفرق بين الأمرين وقع في التناقض وتخلت عنه الحقائق. أمّا الواقع الذي له حقيقة موجودة، ولكن غائب عن الحس والوعي البشري في جملته أو عند بعض أفراده، فلا ينكره إلّا من لا عقل له. فليس كل ما غاب عن الحس صح جحده؛ لأن عدم العلم بالشيء لا يدل على العلم بعدمه، واليوم نعيش حقائق ثابتة كانت فيما مضى غير معلومة، بل كانت مغيبة، وأمثلة ذلك كثيرة في الجو وطبقاته والنجوم والأفلاك والأثير والأوزون، وفي الأرض وطبقاتها ومعادنها كالبترول، وفي الأضواء والأشعة ما تحت الحمراء، وما فوق البنفسجي، وفي الذرة، وفي الجراثيم والفيروسات والبكتيريا، وغير ذلك، وما زالت الحقائق المغيبة في مجالات العلوم كثيرة. وهناك مغيبات نرى آثارها فتدلنا الآثار دلالة قطعية على وجودها، وعلى أنها حقائق، فمثلًا طبقة الأثير لا تدركها الحواس ولكن أحزمة البث الإذاعي واللاسلكي السائرة خلالها والمنعكسة منها تدلنا على وجودها، كما يدل أي أثر على المؤثر، مثل عبوسة وجه الإنسان تدلنا على حزن أو غضب مغيب في قلبه، وتدلنا حركة الأشجار على وجود الريح، ويدلنا الدخان على وجود النار، وأثر القدم في الأرض على سائر سار فوقها، وهكذا إلى ما شاء اللَّه من أمثلة هي من ضرورات العقل وحتمياته. والضرورة العقلية هي: كل برهان صحيح في الوجود إذا تأملته وحللته انتهى بك إلى الجزم العقلي القاطع، ومن أمثلة بدائه العقل: استحالة أن يكون الكل أقل من الجزء، وأن يجتمع الضدان في زمان ومكان واحد، وأن يكون فعل بلا فاعل، وهذا برهان عقلي بدهي مباشر، لا يستطيع أي عاقل إنكاره وهناك برهان عقلي بواسطة كأن تقول: ١ - اللَّه تعالى واجب الوجود، ونفي ذلك محال عقلي إذ يستحيل أن يكون الخلق بلا خالق.

стр. 994

٢ - عرفنا بعقولنا أن محمدًا ﷺ مرسل من ربه؛ لأن معجزاته الحسية والمعنوية دلت على صدقه وعلى أنه مرسل من ربه، وهذه المعجزات الكثيرة شهدها جم غفير من الناس ونقلوها كافة عن كافة، وأخذنا ذلك وصدقناه؛ لأنه منقول بالتواتر الذي يحيل العقل كذبه، وصدقناه لأن الأدلة والبراهين قائمة ومستمرة، مثل إخبار النصوص ببعض المغيبات التي سوف تحدث بعد موت المخبر فوقعت، وإخبارها ببعض المغيبات التي كشفت الحقائق العلمية وجودها، وقد أخبر بها النبي الأمي قبل أن يجوس رواد العلم مجاهل الكون، ويكشفوا بعض أسراره. فدلت هذه الدلائل والبراهين على صدقه ﷺ واستحال عقلًا وحسًا التكذيب بدلالة هذه المعجزات. ٣ - عرفنا بعقولنا أن وجود الملائكة حقيقة؛ لأن الكافة نقلوا ذلك عن المخبر الصادق الذي آمن العقل بأنه رسول من عند اللَّه (١). وهذا الملحد وأشباهه من ملاحدة الحداثيين والعلمانيين أبعد الناس عن فهم مثل هذه المحاجات العقلية، وعن معطيات العلم التطبيقية، وأكثرهم مجرد صحفيين وأحلاس جهل وشهوة، لقطوا شبهة من هنا وشبهة من هناك، وخالطوا أشباههم فعزز بعضهم شكوك الآخر بأخلاط من ريب وشكوك أتقنوا امتصاصها فقذفوها قيئًا يؤذون به أمتهم ودينهم. نظروا إلى الغرب بعين المنهزم وهالهم ما رأوا من ابتكارات وقوة مادية فحسبوا أن الإلحاد هو الذي قادهم إلى ذلك وصنع لهم القوة!!، وقصارى حجة الملاحدة في شكهم أو جحدهم "الإنكار" والإنكار نفسه ليس بحجة، وإنّما هو دعوى، والدعوى مهما كانت ما لم يقم صاحبها عليها دليلًا تبقى زعمًا. وواللَّه الذي لا إله إلّا هو أن نص الوحي هو الحق الصراح، وأن كل

стр. 995

فكر بشري يعارضه، لا يُمكن أن يصمد لحجته أو يقاوم براهينه أو يقف أمام أدلته. وإذا تأملنا كلام علاء حامد وجدناه لا يعدو أن يكون تجميعًا لشبهات وفلسفات غيره من الماديين الغربيين والماركسيين على وجه الخصوص، استحياها ونسبها لنفسه، وتقمصها ثم ألقاها مسخًا غريبًا شائهًا لا يقوم على ساق. وكم حاول هو وأضرابه من ملاحدة الشرق تقليد أسيادهم الغربيين الذين كانت لهم في الفلسفات والتجريبيات جولة، ومع ذلك ما أغنت عنهم. أمّا المقلدة من أبناء الشرق فإنهم خليون عن كل ذلك، فلا فلسفة يستندون إليها، ولا علوم تجريبية يستمدون منها، مع أنها لا تغني من الحق شيئًا، وإنّما دأبهم التهويش والتشويش، وترديد شعوذات المستشرقين، وتقليد ألفاظ المرتابين والشاكين، من غير حجة ولا برهان، فيخدعون أمثالهم مثلما انخدعوهم لشياطين الإنس والجن، وفرحوا بالأكاذيب فرح الجعل بالنتن يدفعه بأنفه!!. نقرأ للمرتكس المنتكس علاء حامد كيف يجحد وجود ملك الموت من طريق السخرية والاستهزاء، فبعد أن نفى القدر، ذكر الموت في سياق تندر وهزء، فقال: (والموت صفحة مكتوبة لا تغيير فيها ولا تبديل، فمن أتى أجله يأتيه الموت ولو كان في بروج مشيدة من الصحة والعافية، بلا أسباب ظاهرة أو خفية، يأتيه عزرائيل (١) ويجمعهم حوله، ويلف ويدور، ثم يطعنه هذا الملعون طعنة نجلاء فإذا هو جثة هامدة ترفرف كالطير الذبيح فوق الأرض) (٢). وليس ملك الموت ﵇ ملعونًا، إنّما الملعون من ألحد

стр. 996

وجحد وجود اللَّه والملائكة: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (١). أمّا سخريته بملك الموت فسوف يراه -واللَّه- عيانًا، ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ (٢). ومن سفسطته في هذه الرواية السافلة الحوار الذي أجراه بين أحد الشخصيات والحاسب "الكمبيوتر" فمن شدة انصهاره أمام الغرب وصناعاته ودهشته البليدة إزاء تقنياته، صاغ هذا الحوار الذي يوجه فيه الإنسان أسئلة إلى الحاسب الذي يجيب على أسئلته ومنها سؤال عن: (- التاريخ أجابني: كمادة أم علم. - كمادة. - وقائع حدثت ودونتها الأجيال. - الملائكة. - خيال بشر. - الشياطين والجن. - خرافات. - الجنة والنار. - لا دليل عليها - البعث لحياة أخرى - تنبؤ

стр. 997

- الكتب السماوية - إلهام) (١). وتشابه هذه الرواية الخبيثة الرواية الأخرى المسماة "آيات شيطانية" التي أحدثت ضجيجًا كبيرًا في العالم، ودافع عنها الحداثيون والعلمانيون، وممن دافع عنها الكاتب السوري "عزيز العظمة" (٢) المعروف بعداوته الشديدة لدين الإسلام وأهله، وقد أتى بنماذج من الآيات الشيطانية وشرحها على طريقته الإلحادية الخاصة فقال: (جبريل شخصية أساسية: فهو ملاك ذو علاقة صعبة مع محمد، وهو جبريل فارشتا الممثل الهندي الشهير في الرواية، وهو عقل المؤلف كما هو في الحلم والمخيلة، وهو وسواس أمام هندي أصولي يسكن لندن اليوم، كما هو شيطان أو ملاك متصوفة هندية معاصرة "في الرواية" اسمها عائشة) (٣). وقد ادعى هذا المتردي أن الذين يعارضون هذه الرواية ورواية "أولاد حارتنا" هم المجموعات الغوغائية التي ترى أن لها الحق في إبداء الرأي القاطع في شأن الأدب، يدعون أن للرأي الديني القول الفصل فيما يجب وما لا يجب للأديب وللمفكر أن يقدمه للجمهور من آراء في أمور عامة أو قضايا فكرية، ثم يثني على الرواية ويعتبرها ذات قيمة أدبية عالمية تؤكد -حسب قوله- المساهمة الرائدة للأدب العالم الثالثي. ثم يصف وقفة المسلمين ضد هذه الرواية بالهمجية والعدوان ويقول: (يعتبر الإسلاميون كنظائرهم الصهاينة وغيرهم أن كل قول يتنافى ومذاهبهم

стр. 998

قول معادٍ للإسلام كتهمة معاداة السامية التي يلقيها الصهاينة على كل من ينتقد إسرائيل) (١). ثم يهاجم الإسلام والدعوة إلى اعتباره دين ودنيا وسياسة، ويثنى على مؤلف الرواية المارق ثم يطعن في النبوة وقرون الهجرة الأولى، إلى آخر ما كتب من آراء تدل على عداوته الحقيقية للإسلام ودفاعه عن الكفر والردة، وكأنه في دفاعه عن هذه الرواية يتبنى الدفاع عن نفسه بصورة غير مباشرة (٢). وهذا نموذج من نماذج تولي الكافرين بعضهم لبعض كما أخبر اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ (٣). وأقواله في هذه المقالة، وفي المحاضرة التي ألقاها في الندوة التي عقدتها دار الساقي في لندن بعنوان "الإسلام والحداثة" أقوال تنم عن بغض وحقد شديدين للإسلام وأهله، تخرج به عن دائرة التعقل والتدرج التي يتصف بها كثير من العلمانيين عند إلقاء سموم حقدهم على الإسلام والمسلمين، أمّا هذا فإن فجاجته تشابه فجاجة مؤلف مسافة في عقل رجل. ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٤). وعلى شاكلتهم نطيحة الخنازير الأوروبية نصر حامد أبو زيد، الذي بنى ردوده على الإسلام على شكوك وريب، وإنكار وجحد، في تلبيس كاذب بالأسلوب العلمي والقراءة الهادئة، مع العلم بأن هذه كلها ليست بحجج، إذ من المعلوم أن الملاحدة لا دليل معهم في مهاجمة الإسلام إلّا الإنكار، والإنكار نفسه ليس بحجة مطلقًا، وإنّما هو دعوى، وكذلك الشك

стр. 999

والريب ليس بدليل وإنما هو تعبير عما في نفس صاحبه. ولنصر أبو زيد عدة كتب ومقالات تستهدف النصوص الشرعية بالثلب والتنقص، وإلغاء القداسة عنها وجعلها نصوصًا بشرية خاضعة للتاريخ في نشأتها، ولمعطيات الواقع في فهمها وتنفيذها، وفي الحقيقة أن كل هذا مؤداه جحد الإسلام بالكلية وإنكاره جملة وتفصيلًا، ولكن من بوابة خلفية غير بوابة عزيز العظمة وعلاء حامد. ففي سياق هجومه على نصوص القرآن والسنة يسوق مثالًا يتضح منه ما ذكرناه عنه آنفًا يقول: (وإذا كان الصحابي عبد اللَّه بن عباس الذي استحق ألقاب "ترجمان القرآن" و"حبر الأمة" قد فسر الرعد بأنه ملك يسوق السحاب بمقلاع من فضة، وهو تفسير ينسب إلى الرسول ﵇ في بعض كتب الحديث، فإن المسلمين لم يأخذوا هذا التفسير بوصفه معنى دينيًا مقدسًا مطلقًا يتحتم أن لا يخالفه البحث العلمي، لقد فهم المسلمون أن النصوص الدينية لا تطرح تفسيرًا للظواهر الطبيعية والإنسانية، وأن تفسيرها متروك لفعالية العقل البشري المتطور دائمًا لاكتشاف الآفاق الطبيعية والإنسانية) (١). هذا الكلام مؤداه جحد ما جاءت به النصوص، ولكن في سياق غير مباشر في الهجوم والنقض، أمّا ما نسبه إلى ابن عباس فكذب، وأمّا أن الملائكة تسوق السحاب فقد صح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق ﷺ (٢). والمؤمنون يؤمنون به ولو كره المنافقون والشاكون والمرتابون، كما يؤمنون بأن من الملائكة من يلعن الكفرة، قال تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا

стр. 1000

يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ (١). وعلى كل حال فإن الخطاب العلماني والحداثي مليء بالافتراءات والمناقضات الصريحة لدين اللَّه مما يؤكد أنهم على جهل بملة الإسلام وأكثرهم على معاداتها والتشكيك فيها والبغض لها أو لبعض أحكامها، فإذا علم ذلك واتضح كان كافيًا في التعامل معهم، إمّا على أنهم كفار صرحاء لمن صرح بذلك وأظهر، أو منافقون لمن أبطن وغمغم ولم يفصح مع انتسابه ظاهرًا إلى الإسلام. قال اللَّه العظيم في كتابه الكريم: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾ (٢). وفي كتاب "موسوعة الفلكلور والأساطير العربية" أمور هائلة من الانحراف الاعتقادي، حيث أدخل في الأساطير أمورًا ثابتة في القرآن والسنة، ومن ذلك أنه خصص مبحثًا عن جبريل ﵊ باعتباره أسطورة من الأساطير العربية، فقال: (جبريل في المثيولوجيا (٣) العربية هو رئيس ملائكة الرحمة وأحد الملائكة الثلاثة المصرح بذكرهم في القرآن "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل" والأخير هو إسرافيل، أحد حملة العرش، يصف جبرائيل بقوله: "وهو الذي ينفخ في الصور نفخات ثلاث، أولاهن نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالث نفخة البعث "كما صوره النبي محمد بقوله: "جبريل في صورته وله ستمائة جناح، وكل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه التهاويل" وهو الذي أسرى بالنبي محمد إلى السماء السابعة، وقالوا: "إنه من شدة قوته رفع مدائن قوم لوط وكن سبعًا بمن فيهن من الأمم. . . ويظهر جبريل في أساطير الخلق الثلاثة

стр. 1001

العبرية والعربية وعند الفلاشا، كأحد رسل اللَّه الثلاثة لإحضار الطين المقدس من المياه الفطرية حين أراد اللَّه تشكيل العالم والإنسان) (١). إلى آخر ما جاء في كلامه وهو طويل. وفي النص أكاذيب ومغالطات وتكذيبات عديدة منها: ١ - أنه عد وجود جبريل ﵇ وأعماله من الأساطير، أي: أنه لا حقيقة له، وهذا كفر باللَّه تعالى وتكذيب صريح للقرآن والسنّة، وهو على النمط العلماني الحداثي الادعائي الإنكاري، والدعوى والإنكار ليس بدليل ولا حجة ولا برهان، بل هو في حاجة إلى الدليل والبرهان، ولا يوجد عند الملحد دليل صحيح يُمكن أن يستدل به، إلّا السفسطة والادعاء والمغالطة. ٢ - أنه ذكر كلامًا وعده من القرآن، وهذا دليل الجهل الفاضح والافتراء المكشوف فليس في القرآن "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل" كما زعم بل فيه ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ (٢) ولا شك أن من يجعل وجود جبريل أسطورة يستحق هذا الوصف القرآني. ٣ - قوله: إن إسرافيل أحد حملة العرش، كذب، بل هو ﵇ هو الذي ينفخ في الصور. ٤ - قوله: إن جبريل هو الذي ينفخ في الصور، جهل وافتراء بل الذي ينفخ في الصور هو إسرافيل. وهذا نموذج من نماذج العقلية العلمانية الحداثية الجاهلة في هجومهم على الإسلام وقضاياه، ويكفي ذلك في بيان جهلهم ولد خصومتهم ورداءة المنشأ والمقصد ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (٣).

стр. 1002

أمّا أدونيس فقد أتى في كتابه الثابت والمتحول بألوان التكذيب والجحد، واستعار أقوال أشباهه من الذين عرفوا بالزندقة والاضطراب والضلال ثم جعلها جسرًا لتوصيل وترويج أفكاره ومن الذين فتن بحبهم وأورد كلامهم كثيرًا الزنديق "ابن الراوندي". وقد ساق أدونيس كلام صنوه ابن الراوندي في جحد النبوة وامتدحه وشرح كلامه في ذلك وفي تهكمه بشرع اللَّه ورسوله وبالعبادات والأحكام، ثم يتعرض للمعجزات جاحدًا ساخرًا متهكمًا قال أدونيس: (ثم يرد المعجزات المنسوبة إلى النبي كحديث الميضأة، وشاة أم معبد، وحديث سراقة وكلام الذئب، وكلام الشاة المسمومة، ويسخر من معجزة الملائكة الذين أنزلهم اللَّه يوم وقعة بدر لنصرة النبي، قائلًا إنهم "كانوا مغلولي الشوكة، قليلي البطشة على كثرة عددهم، واجتماع أيديهم وأيدي المسلمين، فلم يقدروا على أن يقتلوا زيادة على سبعين رجلًا" ثم يتساءل: "أين كانت الملائكة في يوم أحد لما توارى النبي ما بين القتلى فزعًا، وما باله لم ينصروه في ذلك المقام؟ " وأين الراوندي هنا لا ينتقد المعجزة بذاتها وحسب، وإنّما ينتقد كذلك المنطق الداخلي المتهافت، الكيفي، لدى القائلين بها، فإذا كانت المعجزة هنا نصرًا من اللَّه يجيء في وقت الحاجة إليه، فإن حدوثها في الحالات الأكثر حرجًا وضيقًا أولى من حدوثها في الحالات الأقل حرجًا وضيقًا، ثم يحاول ابن الراوندي أن ينتقد النبي في الفكر والعمل قاصدًا من وراء ذلك إبطال دعواه النبوة) (١). وهذا كلام جاحد منكر ملحد، اتخذ الدعوى برهانًا، والادعاء دليلًا، وأمثلة السخرية والشك حجة!!، وفرح بها أدونيس وأخرجها من سراديب الإهمال ليبرزها أدلة في كتابه الموضوع لتنظير وتأصيل الحداثة، وهو الكتاب الذي نال به درجة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت؟!.

стр. 1003

وكفاك هذا السند المظلم والدعاوى المتهافتة دليلًا على ما في حشو هذا الكتاب من أباطيل وضلالات، فهو يطرح مقدمات بصيغة كاذبة لينتج قضايا كاذبة، وهذا الذي يسمى في المنطق وعند العقلاء بالمغالطة، وليس العجب في وقاحة أدونيس وجرأته على المغالطة وإنّما العجب من الأذهان المستطرقة التي تنجذب لهذره وهذيانه انجذاب الذباب إلى الروائح الكريهة!!. ولو ذهبنا نتتبع كلام أدونيس واستدلالاته ومقدماته وقضاياه لوجدناها أوهن من بيت العنكبوت، ولو تظاهر معه كل ملاحدة الأرض فإنهم سيقفون أمام صرح الإسلام كالّين ضعفاء؛ لأنهم ما استطاعوا أن يظهروه واستطاعوا له نقبا، وهذه ليست مجرد دعوى، بل نحن نرى أن المقبلين على اعتناق الدين من غير المسلمين من علماء التجربة والدارسين، ما يدل على عظمة هذا الدين وقوة منطقه وحجته وكيف لا يكون كذلك وهو الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ (١). وإن المطلع على أخبار وسير علماء الأحياء والتشريح والذرة والفضاء والطب والنبات والفلك والجيلوجيا يجد أن جمهورهم يؤمن بوجود اللَّه وتدبيره للكون والحياة عن قناعة ويقين وبرهان، ولكن لم ينتفعوا بإيمانهم في حياتهم وسلوكهم لعوارض أخرى، ليس منها الإلحاد، الذي شغف به أدونيس وأتباعه. بل إن هذه الحضارة المادية والتقنية الانتاجية والمكتشفات الحديثة التي قامت على أساس العلوم التطبيقية والتجريبية وغيرها من العلوم البحتة، إنّما قام بها متدينون من اليهود والنصارى أي: أنهم ليسوا ملاحدة. فلم يربط المرتكسون من أبناء الشرق النهضة بالإلحاد والتقدم بمعارضة النبوة والشرع وهم لا تقنية أجادوها ولا علوم أفادوها، بل حتى إلحادهم

стр. 1004

استعاروه وقلدوه فمثلهم ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١). وقد حاول أدونيس أن يشيع ضلالته من خلال ما يسميه شعرًا، ففي أحد المقاطع يتحدث عن الفكر الحديث ويرمز له بالريح وبالعينين المسنونتين التي من شأنها أن تخرج ظلام الرجعة ويقتل ظلام التراث أو هو الإسلام كما يطمح ويريد، ثم يعبر عن السلف بالمقابر، وعن الوحي بالملائكة الذين يرى سقوطهم وعدمهم كناية عن سقوط الشرع والوحي والدين، فيقول: (كانت الريح عينين مسنونتين تخرقان الظلام وعاداته، تجرحان جسد الليل، تشربان دمه الأسود المصفى حينما تصعد المقابر أو يسقط الملاك كانت الريح جنية والأغاني وجهها واليدين) (٢). وفي موضع آخر يتحدث عن الملائكة في معرض كلامه عن تاريخ المسلمين فيقول: (تاريخ مسقوف بالجثث وبخار الصلاة. . . سكين تكشط الجلد الآدمي، وتصنعه نعلًا لقدمين سماويتين في خريطة تمتد إلخ. . .) (٣).

стр. 1005

ثم يقول: (أجس خاصرة الضوء بجثُّ الصحراء، والكون مربوطًا بحبل من الملائك) (١). وهكذا في تلاعب لفظي يجعل التاريخ الإسلامي وقرون الهجرة الأول جثة وبخار صلاة، ويجعل الملائكة مجرد قدمين سماويتين اتخدت من الآدمي حذاء، وهي كناية باطنية عن الوحي الذي صار الناس على ضوئه عبيدًا للَّه، ثم يتحدث عن فكرته التي يسميها الضوء، وكيف أنها تجتث الصحراء والكون الذي سيصبح خاضعًا لفكرته؛ لأنه لا شيء يقاومه سوى خرافة وجود الملائكة -حسب زعمه-، وهذه سوف يجتثها ويزيلها كما أزال الصحراء التي يرمز بها للدين، في حين يرمز للملائكة بالوحي. أمّا توفيق صايغ عميل المخابرات الأمريكية فقد كان أصرح من زميله في ضلال "شعر وحوار ومواقف" حيث يقول: (الملائكة، لا ملائكة في الأثير قصقص البيض الجناحَ، تعفّرن شخرن الملامح لا يرفرفن ايحلقن بك؟ لا يبشرن لا يمددن أذرع العطف على الصدر ثدي، اقتُص والآخر جف. . . يأتين إن يأتين في ركب الإله ولا إله لا تحدق ترهق العينين لا تطلق الأصابع تلقّط هباء. . . والجناح سحرُ آنٍ كالبكاره

стр. 1006

ما همهن صيّاد الملائك. . . يستصرخ الفم، عيناك والميدان تستجديان ولا ملائكة، لا ملائكة في الأثير يُدركن، تدرك، إن سعيك لهن اختتال. إنك مغمض العينين عنهن، تسري في سبات متحرق الدم، متلهفًا مشقق الأقدام تقتص خطو إله ولا إله) (١). وعلى سقم العبارات وركاكة الأسلوب، وتفاهة التركيب، وانعدام أي لون من الذوق الفني أو الأدبي، على كل هذا فقد ملأ كلامه بالكفر باللَّه تعالى وإنكار الملائكة، ومخاطبتهم ﵈ بنون التأنيث كمادة أهل الكفر والجاهلية. الوجه الثاني: وصف الملائكة بما لا يليق بهم، والتهكم والسخرية بهم: من أساليب أهل الحداثة أنهم يستعيضون عن الإنكار الصريح بالسخرية والتهكم والاستهزاء، وهذا ما فعلوه في كثير من أركان الإيمان. كما أنهم يستخدمون أسلوب الأوصاف الهابطة وغير اللائقة بالشيء الذي يريدون جحده أو التشكيك فيه، تحت شعار "تدنيس المقدس" الذي يعتبرونه أحد أهم إنجازات الحداثة وأهم مشاريعها (٢)، وبناء على ذلك، وما تمهد لديهم من إلحاد باللَّه تعالى وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، انساقوا

стр. 1007

في هجوم مدروس تحت راية الشيطان ضد كل ما يتعلق بهذا الدين الحنيف من عقيدة وشريعة وأخلاق. وفيما يتعلق بالملائكة البررة ﵈، كالوا لهم من ألفاظ السب والشتم والتهكم والسخرية الشيء الكثير، وهذه بعض الشواهد على اعتقاداتهم الشنيعة هذه: يصف النصيري أدونيس الملائكة بالموت وهو يرمز بذلك إلى الدين والوحي، يقول: (قلنا لك الوداع من سنين قلنا لك المرثية التائبه يا هامة الملائك الميتين يا لغة الجرادة الهاربة) (١). يقول: إننا من زمان ودعنا لغة ودين وتراث المسلمين القائم على الوحي، ولا شك أنه وقومه من النصيريين قد تركوا دين المسلمين منذ ألهوا غير اللَّه تعالى، ثم أضاف إلى ذلك إلحاده وكفره المعاصر فكانت ظلمات بعضها فوق بعض. ويقول في سخرية واستخفاف: (سأصير حبيبًا يغامر، أو عاشقًا ملاك سحرته الأميرة) (٢). ويقول: (أيها الجرح يا موتي الأليف في الجرح أبراج وملائكة) (٣).

стр. 1008

ويقول متهكمًا: (أنتم أيها الملائكة الأطهار المنقذون القواد الحكام. . . إلخ التمس منكم في هذه اللحظة معجزة واحدة أن تعرفوا كيف تقولون: وداعًا، واو دال ألف عين ألف معجزة واحدة: وداعًا) (١). ويقول: (رف حولي جبريل قال - أبشر ومدلي سكرة طعمتها ولم يزل في فمي الطعم) (٢). وفي مقطوعته الإلحادية "السماء الثامنة (٣) " التي يصور فيها قضية الإسراء والمعراج تصويرًا أسطوريًا، ويحشد فيها عقائد الكفر والإلحاد، ومن ذلك أنه جعل نفسه هو الشخصية التي أسري وعرج بها -قاتله اللَّه- ثم يسوق الأكاذيب والقصص المختلقة على اللَّه تعالى وملائكته ﵈، ورسوله ﷺ ، ومن ذلك قوله:

стр. 1009

(ثم رأيت ملكًا لم يبتسم - من هو يا جبريل؟ - عزرائيل، اقترب وسلم سلمت هب واقفًا هنأني سألت: كيف تقبض الأرواح؟ قال: سهل. حين يتم أجل الإنسان أرسل أربعين من ملائكي ينتزعون روحه من العروق حينما تصير في حلقومه أسلها كشعرة تسل من عجين فإن تكن طيبة قبضتها بحربة من نور وإن تكن خبيثة قبضتها بحربة من سخط وبدت الدنيا في يده كدرهم) (١). وفي آخرها يقول: (ولم تزل تنزل. . ها وصلنا ودعني جبريل، قال: حدث بما رأيت واختفى البراق) (٢). وفي إحدى مقاطعه الإلحادية المحشوة بالمعاني الكفرية، في ضميمة معتمة، وارتكاس ظلامي مدلهم، يبدأ بنفي النبوة ثم نفي الألوهية ويصف اللَّه العظيم بأنه مثل شيخ يموت تعالى ربنا ذو الجلال والإكرام، ثم يشير إلى الفكر الحديث الذي يريده ويرمز له بالشمس، ويرفض الدين ويرمز

стр. 1010

لذلك بترك المآذن، وترك الوحي والغيب ويرمز له بترك الملائكة، ويحلم بمدن غير المدينة والكوفة؛ لأنه يريد واشنطن وباريس ولندن وموسكو، ثم ينادي بهدم كل ما سبق، في عبارات رمزية مهترئة مهتوكة اهتراء فكره المعوج، يقول أدونيس: (ها غزال التاريخ يفتح أحشائي، نهر العبيد يهدر لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله نجيء نكتشف الخبز اكتشفنا ضوءًا يقود إلى الأرض اكتشفنا شمسًا تجيء من القبضة، هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك للحاكم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (١). والشاهد هنا رفض الدين والوحي ورفض أن يكون للطفل كتابًا من الدين الذي جاءت به الملائكة. ويقول مقررًا خرافة الملاك والزهرة: (انظر ملاك يهبط من الزهرة) (٢). فهو يكذب بالحق ويجحده، ويؤمن بالكذب ويقرره، وقد رأينا في الفصول الماضية هذه الحقيقة بجلاء، في جحده لوجود اللَّه وربوبيته وألوهيته، وإيمانه بالوثنيات الفينيقية والإغريقية وغيرها، وهذا من أعظم الأدلة على ضلال عقول أهل الكفر والإلحاد ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣). وتبلغ به وقاحته وجرأته على اللَّه تعالى وملائكته حدًا كبيرًا، في تحريض على الكفر والاستخفاف باللَّه تعالى وملائكته، وغزو منتهك لحرمة

стр. 1011

الإسلام، وذلك حين يقول تحت عنوان "فواصل": (١ - كثيرًا حبس الخالق الشمس والقمر تأديبًا وكان حين يتوبان ويستأذنان بالشروق يأتي إليهما ملاك يأخذ بآذانهما ويطلعهما من باب التوبة ٢ - كان الخالق حين يخرج أنثى إلى الأرض يبعث إليها ملاكين يضع الأول يده بين ثدييها يضع الثاني يده في مكان آخر (١) حين يتعب المكان (٢) يحملانها إلى ظل تحت شجرة المحنة) (٣). وما سُمع في تاريخ المسلمين بزنديق يقول مثل هذه الأقوال، ولا تجرأ أحد بمثل ما تجرأ هذا المصنوع على أعين أعداء الدين، كذب على اللَّه ذي الجلال، ووصف للملائكة الكرام البررة بالأوصاف الدنسة، دَنَس عقائده، ولو أنه شعر أن في المسلمين من يوقفه عند حده لما فاه بهذه الفظائع، ولكن ضعف المسلمين أدى إلى هذه الذلة، فما القول فيمن ينشر أخبار هذا الخبيث أو صورته أو كتبه معجبًا مادحًا؟ إنه ليس ببعيد عنه، بل هو مشارك له موالي لعقائده وضلالاته، قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ (٤).

стр. 1012

ومن أقواله المستنقصة للملائكة ﵈: (تنهض من الحطام أزمنة ثانية حيث تتموّج الجموع تمترج السعال بالجنة والخبز بهالة الملائكة) (١). وقوله: (هذا لقاؤها الأخير←(٢) من أنت؟ أخذك حيوانًا ملائكيًا يضع السم في شفة والبلم في شفة) (٣). وقوله: (الملاك أول الحيوان) (٤). وقوله: (أين الصرصار يتقمص وجه الملاك) (٥). وقوله:∞(٦) سلامًا أيها الحيوان

стр. 1013

أنت وحدك الملاك الأبيض) (١). وقوله ساخرًا: (إنه الفقر يمطر فوق الزيتون إنها الحقول تتبرك بثياب الملائكة) (٢). وقوله: (رقعة ثالثة يلحق بالفضاء، يعيش عيشة الغيم. لأيامه رائحة لا يعرفها من ملائكة الجسد غير الطبع) (٣). إلى غير ذلك من الأقوال الخبيثة التي يتخبط في غياهبها هذا المأفون. أمّا السياب فقد وصف ملك الموت ﵇ بوصف دنيء وسماه "ثعلب الموت" وقال عنه: (ثعلب الموت، فارس الموت، عزرائيل يدنو ويشحذ. الفصل. آه منه آهٍ، يصك أسنانه الجوعى ويرنو مهددًا، يا إلهي ليت أن الحياة كانت فناء قبل هذا الفناء، هذي النهاية ليت هذا الختام كان ابتداء واعذاباه، إذ ترى أعين الأطفال هذا المهدِّد المستبيحا صابغًا بالدماء كفيه، في عينيه نار وبين فكيه نار

стр. 1014

كم تلوت أكفهم واستجاروا وهو يدنو، كأنه احتثَّ ريحا مستبيحا مستبيحًا، مهددًا، مستبيحا. من رآها، دجاجة الريف، إذ يمسي عليها المساء في بستانه؟ حين ينسل نحوها الثعلب الفراس، يا للصريف من أسنانه! وهي تختض، شلها الرعب، أبقاها بحيث الردى - كأن الدوربَ استلها مارد، كأن النيوبا سور بغداد موصد الباب لا منجى لديه، ولا خلاصٌ ينال هكذا نحن، حينما يقبل الصياد عزريل: رجفة فاغتيال) (١). فهو يسمي ملك الموت ثعلبًا، ووصفه بأنه لديه نصل يأخذ به الأرواح وهو الوصف نفسه الذي قاله أدونيس وغيره، ويغلب على الظن أنهم تلقوا هذا عن خرافات النصارى أو اليهود ثم يصف ملك الموت بأنه ما جاء لقبض الروح إلّا لأن أسنانه جوعى!!، وأنه مهددٌ للحياة ونظارتها وحلاوتها ومستبيح. والاستباحة للشيء لا تكون إلّا إذا كان محرمًا من قبل، ثم يصفه بأن أكفه مصبوغة بالدماء وفي عينيه نار، ثم يمثله كالثعلب ينسل إلى الدجاج في الحظيرة، وهي أوصاف ملصقة بهذا الملك الموكل من اللَّه تعالى يقبض الأرواح تدل على انحراف القائل وعدم توقيره لما ألزم الشرع بتوقيره.

стр. 1015

وفي موضع آخر يصف ملك الموت بأنه قد مات، وهذا كذب ومخالفة للحقيقة فإنه لا يموت في هذه الحياة الدنيا، والذي ثبت أنه يؤتى بالموت -وليس ملك الموت- يوم القيامة على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار (١)، قال السياب على لسان حفار القبور: (لا يهلكون علام تنعب؟ إن: عزرائيل مات! وغدًا أموتُ غدًا أموت) (٢). أمّا صلاح عبد الصبور فإنه يذكر ملك الموت في صورة أخرى من التهكم والاستخفاف قائلًا: (وفي مساء واهن الأصداء جاءه عزريل يحمل بين أصبعين دفترًا صغير ومد عزريل عصاه بسر حرفي "كن" بسر لفظ "كان" وفي الجحيم دُحرجت روح فلان يا أيها الإله كم أنت قاس موحش يا أيها الإله) (٣). وهذا مقطع من قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" والمترعة بالاعتراض على اللَّه والسخرية به تعالى، وبالقدر وبالنبي ﷺ ، وها هو هنا يسخر من ملك الموت ويصوره في الصورة الهزلية (٤)!!.

стр. 1016

وهناك صورة أخرى، يصف فيها ملكًا، تبدو صورة جميلة، لكنها محتوية على وصف لا يليق بملك كريم، يقول صلاح: (وحين يأفل الزمان يا حبيبتي يدركنا الأفول وينطفي غرامنا الطويل بانطفائنا يبعثنا الإله في مسارب الجنان درتين بين حصى كثير وقد يرانا ملك إذ يعبر السبيل فينحني، حين نشد عينه إلى صفائنا يلقطنا، يمسحنا في ريشه، يعجبه بريقنا يرشقنا في المفرق الطهور) (١). وهذه أعمال لا يُمكن أن تحدث من ملك لمجرد أنه رأى هذا وحبيبته، وفي وصفه للملك بهذه الأوصاف إلحاق ما لا يليق بملائكة اللَّه تعالى، وهو ضرب من ضروب الانحراف الاعتقادي. وفي مسرحية الحلاج يقول صلاح على لسان أحد المتصوفة: (. . . وطريقنا أن تنظر للنور الباطن ولذا، فأنا أرخي أجفاني في قلبي وأحدق فيه فأسعد وأرى في قلبي أشجارًا وثمارًا

стр. 1017

وملائكة ومصلين وأقمارًا) (١). وإذا عرجنا إلى نصارى الحداثة لنرى ما لديهم من انحراف في شأن الملائكة نجد أن يوسف الخال يعبر عن سخافة معتقده في اللَّه والملائكة بقوله: (واهدم سياج الوعد والأمان فاللَّه قد يمسح ذات يوم معالم الوجوه لأن واحدًا من الملائكة أصيب وهو ساجد بمثل عارض الجنون هو البقاء راقص على حبال الليل والنهار) (٢). ونجد جبرا يمج تفاهاته على هذا النحو: (في هذه العظيمات المكورة المتآزرة المتآمرة إثر الملائكة محومة إثر الذباب مهمومة تحلل الحب والموت إلى معانٍ كالنقيق) (٣).

стр. 1018

ويصف الملائكة المسبحة بحمد اللَّه بلا فتور، بأنها تغني من ذرى فلسطين، وأن ملك الموت يرقص الدبكة، فيقول: (أمن ذراك غنت الملائك للرعاة أنشودة السلام والمسرة للبشر لم يضحك سوى الموت إذ رأى بين أمعاء الدواب أضلع البشر وخلال قهقة الرصاص راح يرقص دبكة على رؤوس الباكيات) (١). ويقول: (وعلى قدميك تراب قدسه دم المصلوب وبعض شذى من زهور سُقيت في الليل أغاني الملائكة) (٢). وتاللَّه أن الملائكة لا تغني بل كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ (٣). وقد نقلنا في الوجه الأول من كلام توفيق صايغ ما يدل على وصفه الملائكة بالأنوثة، ومنه قوله: (الملائكة، لا ملائكة في الأثير

стр. 1019

قصقص البيضُ الجناحَ، تصفرن شحرن. . . لا يرفرفن. . . لا يمدون من أذرع العطف . . . يأتين إن يأتين في ركب إله. - ولا إله) (١). إلى آخر كلامه الركيك الذي يثير الغثيان، والشفقة على نفوس تستعذبه وترى فيه إبداعًا وفنًا!!. ونجد عند أنسي الحاج من ضمن أوشامه وأخلاطه الإلحادية الكثيرة، سخرية وتهكمًا بالملائكة الكرام، ومن ذلك قوله: (في الفاصل ما بين الفصل الخائب والبركة، يحكم ببروده الخبيث ملاك الحياد النزيه البغيض) (٢). وقوله: (نوبة طهارة، ونوبة خطيئة، سرير واحد للروح القدس والشيطان، والرفاق بات يصعب عليهم السير مع هذا المحير) (٣). هذه بعض أقوال نصارى الحداثة، أمّا غيرهم فنجد عندهم أيضًا انحرافات كثيرة، منها قول أمل دنقل يتحدث عن موت أمه: (نائمًا كنت جانبها، ورأيت ملاك القدس ينحني، ويربت وجنتها وسارت يقلبني قشعريرة الصمت) (٤). وقد يظن متعجل أن الحداثيين يؤمنون بوجود الملائكة، "وهذا أمر قد تحدثنا عنه في الوجه الأول" والحقيقة أنهم يستعملون اسم الملائكة وأعمال الملائكة التي ينسبونها إليهم على أساس أنها ضرب من

стр. 1020

الأساطير، وقد ذكر ذلك مؤلف "موسوعة الفلكلور والأساطير الشعبية" وهو حداثي شهير، أضف إلى ذلك أنهم يلحقون بالملائكة أوصافًا هابطة وأعمالًا غير لائقة في تجنٍ وتهكم مقصودين، خذ مثلًا أقوال نزار عن الملائكة، والتي منها قوله: (أمّا الحديث عن عودة مصر إلى العرب أو عودة العرب إلى مصر فهو مثل الحديث عن جنس الملائكة سفسطة لا لزوم لها) (١). ومن أبشع ما قيل أو يقال في هذا الوجه من الانحراف قول هذا الخبيث، وأستغفر اللَّه العظيم من إيراد هذا القول: (لأنني أحبك يحدث شيء غير عادي في تقاليد السماء يصبح الملائكة أحرارًا في ممارسة الحب ويتزوج اللَّه حبيبته) (٢). سبحانك ربي سبحانك ما أعظم شأنك، سبحانك لا إله إلّا أنت الواحد الأحد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا. ويقصد بممارسة الحب: العملية الجنسية، إذ تعارف أهل الدعارة على تسمية دعارتهم حبًا وكتب هذا الداعر مليئة بمثل هذا إن أراد التلميح عن الجنس، أمّا إذا مارس دعارته بالمكشوف كما هي عادته، فإن عباراته عن الجنس تكون فاضحة صريحة. ويقول عن خدينته: (ربما كنت راضية عني لأنني جعلتك كالأميرات في كتب الأطفال
следующие страницы →