← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وأن قصة موسى في سورة الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة، بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ. وأن القرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب وأهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين. وأن قصة إبليس من نوع الخلق الفني الذي يتشبث فيه القرآن بالواقع. وأن القرآن اختلق صور الجن والملائكة. وأن القصص في القرآن متدرج كما يتدرج أدب كل أديب، فالأديب يلتمس المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض له، وكذلك القرآن، ومن مظاهر ذلك النسخ والتدرج في التشريع (١). وهذه الأقوال كما يرى من له أدنى إلمام بالإسلام تناقض تمام المناقضة عصمة القرآن العظيم، بل قضية واحدة منها تكفي للحكم على قائلها بالردة والكفر (٢)، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٣). وَوَسْمه قصص القرآن بالأساطير هو عين قول الكافرين الأولين: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (٤).

стр. 1087

وقد أخبر اللَّه عنهم وعن أشباههم ووصف حالتهم وصفًا تفصيليًا فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾ (١). نعم إن هذا هو الوصف الحقيقي لحالتهم النفسية والفكرية ومخططاتهم المستقبلية، فمنذ أن فتح طه حسين باب الجحد والتشكيك في القرآن والوحي عمومًا أتى بعده من استطرد وزاد، كما فعل محمد خلف اللَّه، ثم أتى بعدهما من زاد وطم على ضلالاتهم، واسترسل في أبواب الجحد والتشكيك والإلحاد. فها هو عزيز العظمة يتعرض لهذه القضية تحت عنوان "النص والأسطورة والتاريخ" في ندوة عقدتها دار الساقي في لندن عام ١٤١٠ هـ/ ١٩٩٠ م بعنوان "الإسلام والحداثة"، وفيه قرر أن مراده بالنص: النص المقدس؛ لأنه في وضع يتعالى على التاريخ مع أنه في الحقيقة يخضع للتاريخ حسب قوله؛ لأن النصوص المقدسة ولدت في التاريخ وبه انفعلت، وفيه أثرت، فالتاريخ مجالها، وفي التاريخ أسرارها ومكامنها، ومن التاريخ أساطيرها وأسطورتها، كما أن في العلوم التاريخية والإنسانية الحديثة مفاتيحها (٢).

стр. 1088

ثم طالب بعد هذا الخلط قائلًا: (دعونا إذن نعاين كيف نظر علماء المسلمين، من متقدمين ومتأخرين إلى النص ونقارن بين هذه النظرة وما تفرضه علينا الحداثة) (١). وفي هذا التقسيم بين نظرة علماء المسلمين وأزلام الحداثة اعتراف بالفرق بين الطائفتين، وبين المبدأين، وهو اعتراف تؤكده جميع الأحوال والأقوال والاعتقادات لكل من الفريقين، وقد تحدث عن نظرة علماء المسلمين لنصوص الوحي القائمة على التقديس للوحي، وعصمة المبلغ وصحة التبليغ. ثم يقول بعد ذلك في جرأة علمانية حداثية معروفة: (لم يتصد العلماء المسلمون إلى قضية صحة الأخبار والنقول على نحو منهجي منظم متجرد) (٢). وإن تعجب من شيء -أيها القارئ- فاعجب من هذه الدعوى العارية من البرهان، بل المخالفة لكل برهان، فإنه لم يُعرف في تاريخ البشرية جمعاء عناية بالنقل وأسانيده وسائر أحواله مثل عناية المسلمين بذلك، وقد وضعوا لتحري صحة النقل الأصول والقواعد العلمية مما يعتبر مفخرة للبشرية كلها وللمسلمين على وجه الخصوص، وقد اعترف بدقة المناهج الإسلامية، وشدة تحريها في النقل المنصفون من أهل الغرب، الذين يسارع الحداثيون العرب في الحصول على رضاهم. إن عزيز العظمة يتوارد في طريقته هذه مع الرافضة والملاحدة والزنادقة، ويطابقهم مطابقة النعل للنعل، ولا يستبعد ذلك منه ومن أمثاله، ما دام كلا الفريقين أسقط الإيمان من حسابه وتجرد من دينه، وانحاز إلى الضفة الأخرى يرمي بسهام الهدم والتدمير والرفض والتفجير على كل ما له علاقة بالدين، والعبرة كل العبرة في عقائد هؤلاء التي انحرفت عن الهدى وتلقت مناهج الردى، فكان من أثر ذلك ما كان من انسلاخ عن الدين وتقحم في الأكاذيب

стр. 1089

والافتراءات؛ لأن الباطل لايجد أبدًا قوته في ذاته وطبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا تراخت هذه القوة -وهي لا شك متراخية- اضمحل الباطل المستند إليها، أمّا الحق فثابت بطبيعته، قوي بنفسه. وما نراه من دعاوى الحداثيين والعلمانيين وسائر قطيع المستغربين لا يخرج عن هذا قيد أنملة، وكيف لا وقد وصفهم أصدق القائلين بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (١) فالوهن خاصية كل باطل وصلب كل ضلالة، ودليل ذلك من الواقع أننا نرى كل هذا التكالب العلماني الحداثي على الإسلام والقرآن والسنة وسائر قضايا الشريعة والعقيدة، وهو تكالب امتد في الزمان أكثر من قرن ونصف، وعاضدته قوى الكفر وأذيالها كل المعاضدة، ومع ذلك نرى أن الإسلام يقوى وجوده بين المسلمين، ويعود إليه أفراد المسلمين وجماعاتهم، وتتحرك دماء الحمية الإيمانية في عروقهم. ولو أن كيدًا وجه إلى ملة غير المسلمين لانقرضت وزالت من الوجود، وهذه معجزة الهداية الإيمانية التي أثبتت أن اجتثاث الإسلام لا يُمكن ولا يحصل ولا يتحقق مهما فعل الأعداء، وأقرب مثال على ذلك مافعلته دولة الإلحاد الهالكة دولة الاتحاد السوفيتي في المسلمين في بلاد ما وراء النهر أو ما يطلق عليه في العرف السياسي اليوم "الجمهوريات الإسلامية"، فقد سعى الشيوعيون بكل طاقاتهم لتكفير المسلمين وإخراجهم من دينهم، وبعد سبعين سنة انقشعت غمة الإلحاد، ورأى العالم كله كيف أظهرت هذه الشعوب عودتها إلى دينها واستمساكها بعقيدتها. وهذا مقتضى التحدي الإلهي للكافرين في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ (٢).

стр. 1090

وعودة إلى مهازل أبي جهل المعاصر: عزيز العظمة، فبعد أن تكلم عن إخفاق المسلمين في تحري صحة الأخبار، كشف عن جهله، باشتراط الإجماع في السند الحديثي (١). ثم انكشفت عداوته في تشكيكه المكشوف في ثبوت السنة النبوية المطهرة، مع أساليب من التلبيس والمغالطة (٢)، واعتماد الأكاذيب مثل قصة الغرانيق (٣) الموضوعة، والتي قال عنها بأنها اشتهرت في يومنا تحت عنوان "الآيات الشيطانية"، وقال عن حديثها بأنه حديث يجافي الرواية التقليدية، ولو أنه لا يجافي طبائع الأشياء بل يماشيها (٤)!!.

стр. 1091

فتأمل كيف يشكك في السنة النبوية الثابتة، ويثبت قصة الغرانيق الموضوعة وهو مسلك أهل الضلال والهوى على مر العصور والدهور. ثم تكلم عن الإجماع قائلًا: (وما الإجماع إلّا ممارسة سلطانية في ميدان المعرفة وإطلالة سلطانية على التاريخ) (١). وهكذا بالدعوى العرية عن أي برهان، يلغي أصلًا من أصول الفقه الإسلامي، ويزداد العجب حين تعلم أنهم يدعون الموضوعية والعقلانية وتحري الدقة!!. ثم ينتقل بدخان شبهاته إلى كلام ربنا العظيم إلى القرآن المجيد فيقول عنه: (والقرآن نص ذو تاريخية معينة استصلحها العلماء المسلمون في العصور الوسطى، وفي أيامنا هذه استصلاحات شتى لمقاصد شتى، وهي ما نطلق عليها عبارة "أسباب النزول" ولكن علينا الاحتراز من التسرع الفرح والافتراض مع بعض التنورين من الإسلاميين، أن في أسباب النزول نهجًا عقلانيًا وتاريخيًا متكاملًا للنظر إلى النص القرآني) (٢). ثم يجعل النبي ﷺ وأصحابه ﵃ خاضعين للأجواء التي أحاطت بهم، مما أدى إلى استخدام ألفاظٍ أخذوها من محيطهم، أي: أن ألفاظ الشريعة ليست وحيًا من اللَّه، بل مخترعة لا من النبي ﷺ وأصحابه -مع ما في هذه الدعوى من ضلال وكذب- بل من الجو المحيط بهم، فيقول: (لم يكن محمد ولم يكن معاصروه معتزلة ولا كانوا أشاعرة، ولا فلاسفة، ولابد أن المعاني التي تداولوها من محيطهم والتي أسندوها إلى ألفاظ الألوهية والجبروت والغفران واليد والعرش وغيرها من عبارات الذات والصفات الإلهية تتميز تميزًا كبيرًا عما أسندوا إليها لاحقًا في المجتمعات المتمدنة في دمشق وبغداد ونيسابور وقرطبة) (٣).

стр. 1092

وهذا افتراء آخر ووصف للرسول ﷺ وأصحابه بالتخلف. ثم يتحدث عن علاقة القرآن باللغة ويرى وجوب تجاوز تفسير القرآن وفق معهود العرب في لغتهم، ثم يوجب دراسة القرآن وفق مناهج الفهم التاريخي الذي يراد به إلقاء ظلال الريبة على النص القرآن المعصوم تمهيدًا لاقتلاعه، وفي السياق يضرب أمثلة لمناهج الفهم التاريخي التي يريد تطبيقها فيقول: (. . . تعترض دارسي القرآن مشكلات أخرى لا حل لها إلّا بتوسل مناهج الفهم التاريخي، فمع أن في الأخبار المتواترة حول جمع النص القرآني من البساطة والحزم ما يشجع على التصديق بها، إلّا أن البساطة والحزم القاسر -وهما علامة كل الحلول الفردية المتسلطة للقضايا المعقدة- يفيدان بإغلاق باب البحث أكثر من فائدتهما التاريخية، ما هو بالضبط الذي استثنى من مصحف عثمان، وعلى أية أسس تمت الاستثناءات؟. وهل يُمكننا اعتبار الأحاديث القدسية بمثابة استثناءات مقصودة أو غير مقصودة؟، وهل بإمكاننا التدليل على أن خبر الغرانيق ينتمي إلى هذه الاستثناءات؟، وما كانت الأسس العقائدية أو السلطوية أو القبلية التي أسهمت في الشكل الذي اتخذه هذا المصحف؟، وكيف تشكل لدى عرب صدر الإسلام مفهوم الدين المدون؟، وقد أشار إلى هذا الأمر من منظور مختلف، إسماعيل مظهر (١) عندما كتب: "ليس في السير القديمة ما يدلنا على أن النبي قد أمر بمثل هذا الجمع ومثل هذا الترتيب، على أن مجهودات عثمان أمير المؤمنين في هذا الصدد غير محمودة، فلدينا في

стр. 1093

القرآن بضعة أوامر ونواهٍ، ولم تكن الفكرة أن تجمع هذه الأشياء في صورة كتاب محبوك الطرفين، ولقد أغفل جامعوا القرآن هذه الحقيقة، فإن كل أمر من أوامر القرآن كان ذا علاقة بحالة من حالات ذلك العصر". . .، ثم ما شأن فواتح السور؟ هل هي ذات ارتباط بالحياة الدينية في جزيرة العرب، أم ترتبط بتقنية الكتابة في صدر الإسلام؟ وماذا كانت طبيعة المجهود التحقيقي إن شئت؟ وكيف نعلل التأكيد على خلق اللَّه السموات قبل الأرض في آية وخلق الأرض قبل السموات في آية أخرى؟، ولماذا لم ترتبط هذه الآيات المتناقضة بروابط الناسخ والمنسوخ) (١). هذه الأسئلة المرتابة التي يطرحها العظمة هي دليل آخر على نمط التفكير الحداثي العلماني في طرح الدعوى بلا دليل، وقذف أسئلة الشك والريبة بلا مستند، وهي عملية هزيلة يستطيع أن يقوم بها أضعف الناس عقلًا. ولولا ضعف هذه "العظمة" المهشمة وقلة العلم ورسوخ الجهل عنده لما فاه بأقوال تدل على جهله المركب، فهو لا يعرف الحدود العلمية الفاصلة بين القرآن والحديث القدسي والحديث الصحيح والحديث الموضوع مثل حديث الغرانيق، وهو لا يعرف أنه استعان بجاهل مثله وهو إسماعيل مظهر الذي جعل جهد عثمان ﵁ في جمع المصحف غير محمود؛ لأنه بذلك أغلق على الزنادقة والمرتابين أبوابًا كانوا سيتمتعون بالخوض فيها، كعادتهم في ترك الحقائق والفرح بالمشتبهات والموضوعات ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ (٢). مع أن هذه المسألة التي تعرض لها العظمة ومظهر من المحكمات الواضحات، وما فعله عثمان قد سبقه إليه النبي ﷺ في أصل الكتابة ثم الصديق ﵁ في جمعه بين دفتين، وكل ذلك في سياق الوعد

стр. 1094

الرباني القاطع والإرادة الكونية الكائنة، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (١). ولولا ضعف عقل العظمة ومظهر لما استسلموا بسذاجة لتقليد الزنادقة وبعض المستشرقين الذين لا يوثق برأيهم ولا بفهمهم ولا بمعرفتهم للغة العربية، فضلًا عن أنه لا يوثق بمقاصدهم، كما أنه لا يوثق بمقاصد الذين قلدوهم. وبعد تشكيكه في القرآن، والزعم بأن القرآن متناقض، يصل إلى مذهبه الباطل ليجعل منه المعيار للقبول والرد، ثم يذكر أسوته من الغربيين في اعتراف بالتبعية، واعتراف بانفصال الحداثة عن الذات ذات العقيدة والأمة والتاريخ والحضارة، وهذا الانفصال -عندهم- هو الذي يجعل منها المعيار القادر على الكشف العلمي عن حقيقة نصوص الوحي، فيقول: (. . . إن معرفة الذات لا تتم بالتطابق مع الذات بل بأخذ مسافة من الذات، وليس هذا بالممكن بالنسبة للحضارات إلّا باعتبار الزمان، وانصرام الذات المعروفة، ومعرفتها من قبل لاحق يُدرجها في سياق هو آخر، وهو بالتالي قابل للمعرفة. إن الآخر المتأخر الذي نشير إليه ليس إلّا الحداثة، والحداثة تعني تحديدًا: وعي التحول وواقع الصفة النوعية لانسياب الزمن، لن نستعيد هنا الحداثة الفيلولوجية (٢) والتاريخية في مجال النصوص المقدسة التي ابتدأت بريشار سيمون (٣)، وتوصلت إلى إحدى ذراها عند سبينوزا (٤) في دراسة للعهد القديم، والتي ترجمها الدكتور حسن حنفي إلى العربية، ثم استمر

стр. 1095

تصاعدها في الدقة التاريخية واللغوية في القرنين التاسع عشر والعشرين. . .) (١). وهكذا نرى الإغراق في استعارة الكفر والإلحاد والشك، والالتصاق باليهودي سبينوزا مدحًا وتمجيدًا، وبالمنهج الفيلولوجي والتاريخي إشادة بالدقة المزعومة له، في الوقت الذي يكذب فيه النبي ﷺ وأصحابه، ويشكك في مناهج المسلمين من أصول ومصطلح ومناهج الضبط المعرفية في الإسلام. وما بين هؤلاء وأعداء الإسلام من الغربيين الأمثل ما بين الشخص وظله، ثم تسمع -ويا للعجب- دعاوى التحرر الفكري والاستقلال المعرفي!!، وهم أرقاء للفكر الغربي ومناهجه وأساتذته، عيال على أدب أوروبا وعلمها وفلسفتها، وكلهم مقلد، وكلهم سارق ناقل جاهل، ولا أدل على ذلك من عزيز العظمة هذا الذي نحن بصدد الحديث عن زيغه وسفسطاته. فمن جهله قوله: (. . . شرّع المعتزلة لأنفسهم تاريخيًا، بإرجاع مذهبهم إلى الحسن والحسين وابن عباس وأبي بكر، أو كما رأى الأشاعرة في الأقوال المنسوبة إلى الرسول إنباءً عن أبي الحسن الأشعري) (٢) (٣).

стр. 1096

فتأمل الجهل بتراث المسلمين والكذب المكشوف في شأن المعتزلة ثم في شان الأشاعرة حيث جعلهم منتسبين إلى أقوال نقلها أبو الحسن الأشعري عن النبي، فيا له من جهل فاضح!!. وفي المقابل نرى الالتحاق بالغرب والنقل عنه، فبعد أن ذكر سبينوزا اليهودي وأشاد به في دراسته الشكية للتوراة عاد مرة أخرى قائلًا: (نعود إلى سبينوزا وإلى فهم التاريخ الذي أسسه: فقد أسس سبينوزا ومن سار في مسارات موازية له، التاريخ بما هو معرفة لتاريخية الأمور: تاريخية النص، تاريخية وأسطورة محتوى النص. وجاءت هذه المعرفة على صورة مغايرة للمعرفة قبل التاريخية للتاريخ والبنى الأسطورية للعلم التاريخي في العصور الوسطى الإسلامية: جاءت وعيًا للتحرر من سلطة الأسطورة ومن أسطورة السلطة، يعني أن المجهود السبينوزي -ونرمز به للجهود الموازية التي ما اكتملت إلّا في القرنين التاليين على سبينوزا- قضى على أسبقية المعنى على التفسير التاريخي، ذلك أن التعليلات التاريخية للنصوص المقدسة -إسلامية ومسيحية ويهودية- السابقة على سبينوزا كانت تفترض معاني نصوصها في ضوء واقعها اللاحق، ولم تكن جهودها الفيلولوجية موضوعية بل مرتبطة بمقاصد عقيدية أو عملية معينة، وقد افترضت هذه المقاصد أن ثمة "حقيقة" ناصعة تكمن في النصوص، وأن الجهد التفسيري يجب أن ينصب على استكناه الحقيقة هذه، أمّا الفيلولوجية السبينوزية فقد رامت استعادة موضوعية المعنى وحقيقة المعنى، لا البحث عن معنى الحقيقة،. . . وهدفت إلى إرجاع الحقائق والمعاني إلى نصابها المتعين زمانًا ومكانًا. من نافل القول: إن انتباه النابهين منا في أواخر القرن الماضي وفي الربع الأول من هذا القرن إلى التاريخ كنمط ممارسة الحداثة في كل مجتمع متحول -مجتمعاتنا شأن المجتمعات الأوربية المتحولة في عصر العلمانية- لم يكن ناتجًا ببساطة عن لقاح الغرب، أو عداوة أو غزوه الثقافي كما يحلو للبعض أن يقول، نتج هذا الانتباه عن التحولات الكبيرة والانقطاعات

стр. 1097

الجوهرية في البنى الثقافية والاجتماعية لدينا، خصوصًا التحولات التي طرأت على سوسيولوجيا (١) المثقفين والثقافة، وخروج هذه وهؤلاء عن الإطار التربوي والعقلي للثقافة الإسلامية، وتحول أهل هذه الأخيرة إلى أقلية هامشية، أدى ذلك إلى تزعزع سلطة الأسطورة بتزعزع مكانة أصحابها، وصار لزامًا على المدافعين عن هذه الأسطورة اتخاذ الحس التاريخي عنوانًا على حداثة أسطورتهم) (٢). ونستنتج من هذا الكلام عدة أمور: ١ - أن حملات الجحد والتشكيك الحداثي والعلمانية الموجهة ضد نصوص الوحي وخاصة القرآن والسنة أخذوها عن اليهودي سبينوزا، وكل ما يقال من الدراسة التاريخية للنصوص، والتأويل المعاصر لها تحت تأثير العلوم الاجتماعية، وإخضاع النصوص لفظًا ومعنى للدراسات النقدية "الفيلولوجيا"، ودعواهم أنها تأثرت بالإنسان فأصبحت نصوصًا بشرية، والتحدث عن الوحي باعتباره نصًا متعاليًا لابد من إخضاعه، ونصًا لغويًا بحتًا، وإخضاع نصوص الوحي لنظريات وقوانين التجربة والدراسات التطبيقية، والمناهج التحليلية والتفكيكية، وضرب النصوص بعضها ببعض، كل هذا يندرج تحت هذه المدرسة، وكله مأخوذ من الغربيين وخاصة من أستاذهم اليهودي سبينوزا، فما ظنك بقوم هذا سندهم وتلك مضامين عقيدتهم، وذلك موقفهم من نصوص الوحي؟. ٢ - المفردات التي ذكرتها في النقطة السابقة هي محور الهجوم التشكيكي والجاحد على نصوص الوحي، وهي مجرد شعارات لا تقوم على أساس، بل إن أساسها المعرفي متهالك من أصوله، والمقصود هنا أن جُلَّ كلام الحداثيين، عن الوحي -وهم مجرد مسخ غريب- يدور حول هذه

стр. 1098

العبارات المستعارة، التي يجدون فيها العذر السوفسطائي لجهلهم ومحاكاتهم ومروقهم من الدين وعداوتهم له. ٣ - بالنظر إلى هذا الكلام الذي قاله عزيز العظمة يتضح أن العظمة وحسن حنفي ونصر أبو زيد وعادل ظاهر وجابر عصفور ومحمد خلف اللَّه وهم أشهر من تكلم عن نصوص الوحي، وخاصة نصر أبو زيد، هؤلاء جميعًا يرددون تلك المفردات، ويكررون بصيغ مختلفة تلك الشعارات المأخوذة أصلًا عن سبينوزا اليهودي، ولانجد لهم أي خروج عن هذا المضمون إلّا بمقدار ما تتسع طاقتهم على الشرح والتفصيل، والتحشية والتهميش على المتون السيبونوزية والبنيوية والتشريحية!!. ٤ - إن ما يسمى "تاريخية النص" و"التفسير التاريخي للنص" ينطوي في الحقيقة على عدة مضامين هي: أ- نفي حقيقة الوحي. ب - جعل الوحي أسطورة من الأساطير. جـ - التحرر من سلطة الوحي وأحكامه. د - إلغاء أسبقية المعنى، وهذا يعني القضاء على النص تمامًا. هـ - أنه لا حقيقة ثابتة للنص، بل إن كان فيه حقيقة فهي نسبية، زمنية. و- نفي القداسة عن النص، ونقله إلى حقل المناقشة والنقد الهادم، والدراسات اللغوية البنيوية والاجتماعية المادية المختلفة. ز- القول ببشرية النص وأنه ليس من وحي اللَّه تعالى، فلا عصمة له، ولا حقيقة لعصمة المبلِّغ. هذه مضامين فكر العظمة ونصر أبو زيد في دراساتهم للوحي والقرآن خاصة. ٥ - أمّا قول عزيز العظمة بأن النابهين منهم -أي: من الحداثيين والعلمانيين- اتجهوا لهذا النوع من الدراسة، ليس تحت تأثير اللقاح الغربي، أو الغزو الثقافي، بل هو نتيجة الانقطاعات الجوهرية في البنى الثقافية والاجتماعية والخروج على الإطار التربوي والعقلي للثقافة الإسلامية التي تحولت -حسب

стр. 1099

زعمه- إلى هامش، وتزعزعت بناء على ذلك سلطة الأسطورة ومكانة أصحابها ويقصد سلطة نصوص الوحي و"القرآن والسنة" خاصة. وهذا القول فيه حق وباطل: أمّا الحق فهو أن الحداثيين والعلمانيين انغمسوا فيما أسماه "الانقطاعات الجوهرية" عن الثقافة والمجتمع، وهذا صحيح تمامًا، فإنهم قد عبروا البحر المتوسط ليكونوا جنودًا في القسم الثقافي والفكري لحلف الأطلسي، وانقطعوا جوهريًا عن هذه الأمة في العقيدة والتاريخ والسلوك، وصاروا جزءًا من الأعداء. وأمّا الباطل فزعمه أن الحداثيين والعلمانيين لم يتأثروا بالغرب في هجومهم على نصوص الوحي، وأول ما يدل على بطلان قوله في السياق نفسه بالتحولات الكبرى والانقطاعات الجوهرية، فإلى أي شيء كانت تحولاتهم، وعن أي شيء كانت انقطاعاتهم؟. لقد انقطعوا عن الإسلام وتاريخه، وتحولوا إلى الغرب وفلسفاته ومادياته وخرافاته المعاصرة. وأكبر دليل على ذلك المنهج السبينوزي الذي تبناه عزيز العظمة في المقال نفسه، في سياق هجومه على نصوص القرآن والسنة. أمّا اعترافات الحداثيين أنفسهم بالتبعية، والخضوع للتلقيح الغربي فكثيرة جدًا منها قول أحد النقاد مصورًا أنماط التبعية للغرب قائلًا: (. . . تكون التبعية الثقافية في جوهرها تبعية حضارية، باعتبار أن الحضارة مفهوم يشمل كل ما قام به الجنس البشري من إنجازات مادية ومعنوية، أمّا الثقافية فتعبر عن الجانب المعنوي من الحضارة. . . بضم الجانب الثقافي من الحضارة الذهنيات والمعارف والآداب والفنون والأعراف والأخلاقيات والسلوكيات الاجتماعية. . .) (١).

стр. 1100

وتحت عنوان "عصر الرجال الأطفال" كتب أحدهم عن العلل التي أصيبت بها الأمة وأن سببها التبعية فقال: (إن كل ما يذكرونه من علل ومعلولات ما هي إلّا أعراض ومضاعفات لحالة تاريخية مزمنة اسمها "التبعية". . . .) (١). ثم يقول: (إن التبعية ليست حالة عربية، بل هي علة تشمل ما أطلق عليه "العالم الثالث" حيث تسيطر عليه سيطرة مطلقة) (٢). ويتحدث عبد الرحمن منيف عن استعارة العرب للحداثة فيقول: (وإذا كان مفهوم الحداثة قد جاءنا من الغرب، وأخذ معنى أو معاني ولّدتها ظروف ذلك الغرب وتطوره، وإذا كان المفهوم ذاته قد تغير تبعًا للمراحل، أو زاوية الرؤية، فإن ما وصل إلينا هو الصدى وبعض صور الحداثة) (٣). ويقرر غالي شكري المعنى نفسه في قوله: (نحن لا ننقل سوى المصطلح في صيغته النهائية، ولا علاقة لنا بالتاريخ الاجتماعي والعلمي لهذا المصطلح، ولم نشارك في أية مرحلة من مراحل صنعه، أي إننا في الحقيقة "نركب" المصطلح كما نركب الطائرة. . . والفرق هو أننا "نستخدم الطائرة، أمّا المصطلح في العلوم الإنسانية، فإننا نستخدمه ويستخدمنا في وقت واحد، إنه يقول ليصبح جزءًا من العدسة التي نرى بها الأشياء، أي جزءًا من رؤيتنا، أو من قدرتنا على الرؤية) (٤). وهذه توصيف دقيق وحقيقي لحال كل الحداثيين بلا استثناء، حتى الذين يدعون أخذهم من التراث واعتمادهم على التراث، فإنّما يأخذون وينظرون بعيون الغرب. وفي مجال الكلام عن نصوص الوحي يُمكن أن نطبق ما قاله غالي

стр. 1101

شكري على ما قاله عزيز العظمة في شأن الوحي وما يقوله نصر أبو زيد، فنجد النتيجة أنهم جميعًا تحولوا إلى آنية يلقي فيها الغرب ما شاء من أفكاره وفلسفاته وضلالاته، ثم تفيض هذه الآنية بما ألقي فيها. ويواصل عزيز العظمة في نيله من نصوص الوحي فيجعل الطيور الأبابيل التي ورد ذكرها في سورة الفيل أسطورة من الأساطير (١)، ثم يتكيء على سلفه في هذا الدرب المعتم: طه حسين، ويقتبس نصوصه التي نقلناها آنفًا من كتابه "في الشعر الجاهلي" ويثني على هذا الاتجاه، وعلى العقلانية والتاريخية التي يتمتع بها طه حسين (٢)، ثم يتجه بالتقديس الكهنوتي إلى المنهج التاريخي الذي يتبناه والمعرفة العقلية التي يزعمها، وأنه لا شأن لها بالنتائج الاعتقادية المترتبة عليها، أي: أنهم لا يبالون بأي حكم اعتقادي إسلامي، فيقول: (خضوع هذه التاريخية للعقل وللمعرفة العقلية التي لا شأن لها بالنتائج العقائدية لهذه المعرفة) (٣). ثم ينافح عن طه حسين مطبقأ مبدأ عدم الاهتمام بالأحكام الاعتقادية الإسلامية فيقول: (إن الردة التي جاء طه حسين بها قامت على أساس إعادة الاعتبار للأسطورة، وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية على التاريخ المؤسسة له في الحياة، ورفض إمكانية المساءلة، ووسمها بالخروج) (٤). ويُمكن مقابلة الدعوى بالدعوى وتزييف القول بالقول، وعلى هذا النمط يُمكن أن نقول بأن المنهجية التاريخية التي يقدسها عزيز العظمة وطه حسين ليست إلّا هراءً وأساطير متعالية يراد إخضاع غيرها لها، ومن لم يخضع لها فهو عندهم محكوم بردته وتخلفه ورجعيته وانعدام المنهج العلمي والعقلي عنده.

стр. 1102

وهم حقيقة يفعلون ذلك، ومن ذلك الكتاب الذي ألفه الطيب تزيني (١) عن روجيه جارودي (٢) لما ترك الماركسية ودخل في الإسلام، فجعل ذلك ردة، وسمى الكتاب "روجيه غارودي بعد الصمت حول فلسفة الردة عند غارودي، وآفاقها في الوطن العربي". بيد أن عزيز العظمة يلخص رأيه عن الإسلام بأنه يجب حل (عقدة أساطير التأسيس التي لم تقتصر على ميدان الدين بل تقدسه إلى التاريخ القومي وإلى التواريخ القطرية والسياسية) (٣). ويصرح علانية بامتناع وقوع الوحي، وهو خلاصة كل سفسطاته وأقواله السابقة، حيث يقول: (إننا نهتم بمضمون النص، فإننا نسلم بأن نزول النص غير قابل للنقاش، أنا لا أريد أن أتجنب التساؤل حول هذا الأمر؛ لأن الأمر محسوم بالنسبة لي؛ لأنني لا أعتقد بإمكانية التواصل بين القوى خفية وبين البشر، فالقضية محسومة ولا أعتقد أنها بحاجة إلى نقاش أو إلى نقاش زائد أو حتى إلى الإشارة، لأنها بالنسبة لي بديهية) (٤). وهذا اعتراف صريح بالكفر وإلحاد واضح وتكذيب اللَّه تعالى ولرسوله ومناقضة كاملة لكل الإسلام. أيُمكن بعد ذلك أن يقال بأنه يُمكن الجمع بين الإسلام وهذا المنهج

стр. 1103

الفكري الحداثي القائم على حرب اللَّه ورسوله ودينه ووحيه، كما يقول بذلك بعض المغفلين الجاهلين من أبناء المسلمين؟. ويختم العظمة مقاله بخلاصة مهمة لمن أراد أن يعرف حقيقة الحداثة والعلمانية فيقول: (. . . إن عنوان الحداثة العلمانية في يومنا هذا هتك أساطير البداية) (١). وكل مؤمن موحد يقول ما قاله اللَّه تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (٢). وما أجمل وأرقى ما قاله أديب العربية، وعميد الأدب العربي بصدق وحق: مصطفى صادق الرافعي عن القرآن: آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هي منها كواكب، بل الجند الإلهي قد نشر له من الفضيلة علم وانضوت إليه من الأروح مواكب، أغلقت دونه القلوب فاقتحم أقفالها، وامتنعت عليه "أعراف" الضمائر فابتز "أنفالها"، وكم صدوا عن سبيله صدًا، ومن ذا يدافع السيل إذا هدر؟، واعترضوه بالألسنة ردًا، ولعمري من يرد على اللَّه القدر؟ وتخاطروا له بسفهائهم كما تخاطر الفحول بأذناب، وفتحوا عليه من الحوادث كل شدق فيه من كل داهية ناب، فما كان إلّا نور الشمس: لا يزال الجاهل يطمع في سرابه ثم لا يضع منه قطرة في سقائه، ويلقي الصبي غطاءه ليخفيه بحجابه، ثم لايزال النور ينبسط على غطائه، وهو القرآن كم ظنوا -مما انطوى تحت ألسنتهم وانتشر- كل ظن في الحقيقة آثم، بل كل ظن بالحقيقة كافر، وحسبوه أمرًا هينًا؛ لأنه أنزل في الأرض على بشر، كما يحسب الأحمق في هذا السماء أرضًا ذات دواب نورانية؛ لأن هلالها

стр. 1104

كأنما سقط من حافر، وكم أبرقوا وأرعدوا حتى سال بهم وبصاحبهم السيل، وأثاروا من الباطل في بيضاء ليلها كنهارها ليجعلوا نهارها كالليل، فما كان لهم إلّا ما قال اللَّه ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ﴾ (١) ألفاظ إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة، تذكر الدنيا فمنها عمادها ونظامها، وتصف الآخرة فمنها جنتها وصرامها، ومتى وعدت من كرم اللَّه جعلت الثغور تضحك في وجوده الغيوب، وإن أوعدت بعذاب اللَّه جعلت الألسنة ترعد من حمى القلوب. . .، يقولون مجنون بعض آلهتنا اعتراه، وأساطير الأولين اكتتبها أم يقولون افتراه، بلى إن العقل الكبير في كماله ليتمثل في العقول الصغيرة كأنه جنون، وإن النجم المنير فوق هلاله ليظهر في العيون القصيرة كأنه نقطة فوق نون، وهل رأوا إلّا كلامًا تضيء ألفاظه كالمصابيح، فعصفوا عليه بأفواههم كما تعصف الريح، يريدون أن يطفئوا نور اللَّه، وأين سراج النجم من نفخة ترتفع إليه كأنما تذهب تطفيه، ونور القمر من كف يحسب صاحبها أنها في حجمه فيرفعها كأنما يخفيه!، وهيهات هيهات دون ذلك درْجُ الشمس وهي أم الحياة في كفن، وإنزالها بالأيدي وهي روح النار في قبر من كهوف الزمن. لا جرم أن القرآن سر السماء، فهو نور اللَّه في أفق الدنيا حتى تزول، ومعنى الخلود في دولة الأرض إلى أن تدول، وكذلك تمادى العرب في طغيانهم يعمهون، وظلت آياته تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون) (٢). رحم اللَّه الرافعي وأجزل مثوبته، وهذا القول وإن خاطب به عرب الجاهلية الأولى، فإنه جدير أن يقال لعرب الجاهلية المعاصرة. ومن أعلام هذه الجاهلية ممن سلك سراديب سبينوزا الكاتب

стр. 1105

المصري: حسن حنفي القائل عن نفسه وعقيدته: (إيماني يكفرني) (١) و (أنا ماركسي شاب) (٢)، ويقول: (أنا وضعي منهجي. . . إن كل ما يخرج عن نطاق الحس والمادة والتحليل أضعه بين قوسين) (٣). هذا المتردي في شعاب الضلال يعقب على عزيز العظمة في مقاله السابق والذي ألقاه في ندوة الساقي "الإسلام والحداثة" فيقول: (أبدأ أولًا بتحية الأخوة المتكلمين في هذه الجلسة لما تميز به خطاباهما معًا من علمية وجدية ودراسة لظواهر موجودة فعلًا، وهذه شيمة العلماء بالفعل، وتخلى الخطابان تقريبًا عن أحكام إيديولوجية مسبقة، وأنا أحي فيهما هذه الروح العلمية التي جعلتنا فعلًا نفكر معهما ونستوضح ونستفيد) (٤). ثم يلخص رأي عزيز العظمة في محاضرته المذكورة فيقول: (. . . إن النص يتراوح بين قطبين: الأسطورة من ناحية، والتاريخ من ناحية، فإما أن يذهب النص إلى الأسطورة، وفي هذا تذهب التاريخية، وإمّا أن يذهب إلى التاريخ وبالتالي نبتعد عن الأسطورة، وهذا يعني طبعًا أنه كلما كان النص أقرب إلى التاريخية يبدأ العلم هنا، ويبدأ النقد. . . الخ كنموذج طه حسين والمعتزلة، وأمّا إذا ابتعد النص عن التاريخ ووقع في الأسطورة، فهنا عكس البداية الأولى، وكأن التاريخ وبالتالي النص هو باستمرار جدل بين الخير والشر، بين الوهم والعقل، بين الخيال والواقع) (٥). ثم يطرح سؤالًا عن المخرج من ذلك؛ لأنه قد تقرر عنده أن نصوص الوحي لابد أن تخضع لأحد هذين القرارين الإلحاديين، التاريخية -بمضامينها المذكورة آنفًا- أو الأسطورية بما تعنيه هذه اللفظة من تكذيب للوحي ونسبته إلى الوهم والخرافة، وإن حاولوا أن يفلسفوا لفظ

стр. 1106

الأسطورة، ويشرحونه شرحًا لا يزيدهم إلّا وبالًا. ولحسن حنفي أقوال أخرى من هذا القبيل، لاسيما أنه من المعجبين بسبينوزا إلى حد القيام بترجمة كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة" الذي قام فيه بدراسة التوراة وقضية الوحي دراسة تقوم على إلغاء أسبقية المعنى، وإقحام التعليلات التاريخية التي تجعل الوحي تحت هيمنة التغيرات، وتلغي حقيقة أن الوحي الثابت نسبته إلى اللَّه يحتوي على الحق والحقيقة، وقد أسس سبينوزا في كتابه هذا ما يسمى "تاريخية النص" و"أسطورة محتوى النص" ودعى إلى التحرر من سلطة النص تحت دعوى التحرر من سلطة الأسطورة (١). وهو أستاذ كل من جاء بعده في محاولة هدم الوحي وتحطيم حرمته وقداسته، وخاصة من أبناء المسلمين الذين أبوا واستكبروا على هداية خالقهم ومولاهم، وتشبثوا بكلام الطغام من اليهود والنصارى، وتربعوا على عروش من هواه صاغتها لهم أهواؤهم وتبعيتهم. ويُمكن للمستبصر في قضايا "الصراع والتبعية" أن يلحظ عدة ظواهر تكاد تكون عامة: أولها: أن الباطل إذا عجز عن المقاومة العلنية الظاهرة، استخدم القوة لفرض نفسه، أو استخدم الحيل السرية الخفية، كإظهار بعض اليهود والنصارى الإسلام؛ لإفساده من الداخل، أو أخذ بعض أبناء المسلمين ومسخ قلوبهم وعقولهم وإمدادهم بالقوى الحامية، وبثهم بين المسلمين ليقوموا بالدور المرسوم، وهذه ميزة الباطل قديمًا وحديثًا. ثانيًا: لا يوجد في تاريخ المسلمين القديم والحديث أن مسلمًا حقيقيًا تظاهر باليهودية أو النصوانية لإفساد أديان اليهود أو النصارى، ولا استعمل

стр. 1107

المسلمون الجمعيات السرية التي تحاول نشر الإسلام بالدسائس والمؤامرات الخفية والمراوغات، ولا استجلبوا أبناء الملل الأخرى ليعيدوهم إلى أقوامهم هادمين للغات وتراث وآداب أقوامهم. بل كان المسلمون يظهرون دينهم علانية ويدعون إليه جهرة ويخاطبون العقل والوجدان في إثبات التوحيد ومقتضياته، وتزيف الشرك والوثنية والإلحاد، في سطوع ووضوح بدون غمغمة ولا استتار ولا ثعلبية، وهذه ميزة الحق قديمًا وحديثًا. ثالثًا: إن المتأمل في أحوال الملقنين من أبناء المسلمين يجد أنهم يدلّون ويفتخرون ويشمخون بامتطاء المذاهب والمناهج والفلسفات التي لُقنوها، أعظم من إدلال وشموخ أساتذتهم الذين ابتدعوا هذه المناهج والفلسفات، وهذه ميزة الأتباع والمقلدين والمحاكمين. وفي باب الوحي والنقل استن حسن حنفي سنة أستاذه اليهودي سبينوزا، واختط منهجه في انتحال واضح، فها هو يتحدث عن الرواية الكفرية "آيات شيطانية" فيقول: (وما ورد بخصوص "الآيات الشيطانية" صحيح، ومن يبين أسباب النزول هو أن النبي محمدًا كان يحمل هم الوحدة الوطنية للقبائل العربية، وتكوين دولة في الجزيرة العربية، وكانت له مشاكل مع اليهود ومع النصارى "مع اليهود بصورة خاصة" ومع المشركين أيضًا، فجاء المشركون بعرض جيد -وأنا أتكلم عن الرسول كرجل سياسي وليس كنبي- وقالوا له: نعم، أيها الأخ ما المانع إن تذكر اللات والعزى لمدة سنة، وقل إنهم ليسوا بآلهة، ولكن لهم دور في الشفاعة عند اللَّه، وهكذا نأتي معك وتعمل ما تشاء من تغيير النظام في الجزيرة العربية، وكان هوى الرسول مع هذا العرض؛ لأنه يحل له قضية المشركين وتقسيم العائلة والأسرة والعشيرة إلى فريقين، فقال بينه وبين نفسه: إن هذا العرض يشكل بالنسبة لي كزعيم سياسي شيئًا جيدًا لأنه يحقق لي مصالحة مؤقتة مع العدو، وماذا يعني لو أنني ذكرت اللات والعزى لمدة سنة واحدة ثم أغير بعدئذٍ؟ ثم إن الوحي يتغير طبقًا للظروف. . .، فعندما نزلت الآية ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ

стр. 1108

وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ (١) قال القدماء: بأن الشيطان قد همس في قلب النبي "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" (٢)، وبالنسبة لنا فإن الشيطان يعني عند المحدثين، هوى النفس، وبما أن العرض قد لقي هوى في نفس الرسول، فقد خرج على لسانه ما كان يتمناه، ثم صححه الوحي، وقالوا: لا، إنّما وحينا نحن يتوقف على هذا، أمّا الزائد فلا نتبناه، وأنا أقول: إن هذا صحيح، وهو ما يذكره كل المفسرين في أسباب النزول. متى دخلت في روع الرسول هاتان الآيتان؟ إنهم يسمونها من الشيطان ونحن نقول من هوى النفس على أساس هذا العرض، فهي قضية صحيحة وبالتالي فسلمان رشدي (٣) لم يقل شيئًا، أنا لا أتعرض لهذه الرواية -رواية سلمان رشدي- والأديب حر في أن يكتب كما يشاء، وحتى لو مؤرخًا أو كاتبًا للسيرة، فلا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، أمّا أنه كافر وخرج، فهذا لا وجود له على الإطلاق هذا جزء من الحداثة. .) (٤). وفي هذا النص من التلبيسات الحداثية والجهالات العلمانية الكثير منها: ١ - جعله النبي مجرد سياسي يتلاعب بالدين، وهذه من مقتضيات

стр. 1109

المنهج التاريخي لدراسة الوحي وفق مذهب سبينوزا. ٢ - ينكر العلمانيون بشدة أن يكون في الإسلام سياسة، وحسن حنفي أحد مشاهيرهم، وهو هنا يقول بأن النبي ﷺ يتكلم كرجل سياسي، وهذا من تناقضاتهم الظاهرة المغرضة، ففي مجال إثبات الشرك المعاصر "العلمانية" ينفون أي صفة سياسية للنبي ﷺ ، وأي مفهوم للدولة في الإسلام، وفي مجال التشكيك في الوحي وعصمته وعصمة المبلغ ﵊ يضفون على قصة الغرانيق المختلقة تحليلًا سياسيًا كما فعل حسن حنفي هنا. ٣ - يقول حسن حنفي بأن هوى الرسول كان مع العرض الجيد الذي تقدم به المشركون -حسب ما في قصة الغرانيق المختلقة- وهذا نفي لعصمة النبي ﷺ واتهام له بالهوى ومناقضة لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ (١). ٤ - أنه بتبنيه قصة الغرانيق الموضوعة يؤكد النفسية المغرضة للحداثيين والعلمانيين تجاه الإسلام، فهم ينكرون النصوص الثابتة في القرآن والسنة، وينفون مدلولاتها ويحاربون مقتضياتها، وفي الوقت نفسه يثبتون الروايات الضعيفة والموضوعة، ويتخذونها أساسًا ومنطلقًا لباطلهم، مما يدل على الهوى المتأصل في هذه النفوس الزائغة. ٥ - الدفاع عن الزائغ سلمان رشدي، من جنس الدفاع عن الذات. ٦ - القول بأن الأديب حر، ولا ينتقد إلّا بالمقاييس الأدبية في النقد الأدبي، دعوة صريحة إلى تهميش المقاييس الاعتقادية، وتقديس النقد والأدب وتقديم معاييرها على أي شيء آخر، وهذا هو أساس الصراع بين الإسلام والحداثة في هذا الزمان، وهو جوهر هذا البحث ومغزاه. ومن أقوال حسن حنفي في هذا المجال -وهي نتيجة لمقدمات التشكيك التي فاه بها- قوله: (في قضية الفقر والغنى، هل أنت محتاج إلى

стр. 1110

نص قرآني أو حديث نبوي لكي تعرف أو تجد حلًا لقضايا الفقر والغنى، وقضايا الوحدة والتجزئة، قضايا الهوية والاختلاف؟) (١). والجواب عند كل مسلم يؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا أنه في حاجة إلى نصوص الوحي في هذه القضايا وفي غيرها؛ لأنه يؤمن بقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢)، وبقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (٣). وفي استطراده مع منهج سبينوزا، ومسلك الجحد والتشكيك والاستهانة بالوحي عامة وبالقرآن خاصة يقرر بأن أي قول يقوله الشخص يُمكن أن يصبح قرآنًا، فيقول: (قلت أنت: قال اللَّه في كتابه الكريم: يا شباب الحجارة ويا أطفال الحجارة استمروا ويكون كلامك صحيحًا. . . أي: أنك عبرت عن الواقع بصيغة لو كان الوحي هنا لعبر عن الواقع نفسه ربّما بصياغة بلاغية أجمل. . . إن المسلم يجوز له أن يطبع نصًا يعبر به عن مقصد في الواقع ويكون مصدرًا للحكم) (٤). لقد بلغت حربهم للإسلام وعدواتهم له أبلغ مما كان يخططه الصليبيون، لقد تحول العلمانيون والحداثيون من كونهم أدوات غبية في أيدي الأعداء المستخفين إلى أعداء حقيقيين، تغلي قلوبهم بالحقد على الإسلام أشد من غليان الحقد في قلوبهم معلميهم، على حد قول أحد أشباههم: وكنت امرءًا من جند إبليس فاعتلى … بي الأمر حتى صار إبليس من جندي (٥)

стр. 1111

وفي سياف استخدامه لأسباب النزول وخاصة الضعيف والموضوع منها، يشكك في نزول الوحي وفي النقل الحديثي (١)، وذلك فى سياق محاضراته التي ألقاها في ندوة "الإسلام والحداثة" في لندن بعنوان (الوحي والواقع - دراسة في أسباب النزول) بل يصرح في هذه المحاضرة بأن كلام اللَّه وكلام البشر قد تداخلت، وذلك في قوله فى الرد على علماء المسلمين الذين ميزوا بين الوحي وكلام البشر: (. . . والحقيقة غير ذلك، فقد تداخل كلام اللَّه وكلام البشر في أصل الوحي في القرآن) (٢). وهذا القول الادعائي هو عين قول الكفار من قبل، كما ذكر اللَّه ذلك في كتابه الكريم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾ (٤). وقد أوضح القرآن طريقة تفكير أسلاف هؤلاء الجاهليين المعاصرين،

стр. 1112

ثم النتيجة التي وصلوا إليها بعد تفكيرهم وتقديرهم، وهو وصف ينطبق تمام المطابقة على رؤساء وزعماء رهط الحداثة، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ (١). إنه الوصف الدقيق لأحوالهم، فقد خلقهم اللَّه ضعفاء لا يملكون قوة ولا عقلًا، ثم جعل اللَّه لهم القوة والإمكانات فاستكبروا بها على خالقهم كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ (٢)، وهي نقلة كبيرة هائلة بين مرحلة النطفة القذرة ومرحلة الاستكبار على اللَّه ومخاصمته بالقول أو الفعل، وهذه النقلة تبين للإنسان أصله ونشأته ومصيره ومقدار فداحة الجرم بمخاصمته واستكباره وإعراضه، وقد مهد اللَّه له تمهيدًا بالقوة والمال والبنين والعقل والسمع والبصر ويطمح في الزيادة من كل ذلك رغم معاندته للَّه والآيات وجحده وشكا وتكبره، وقد وعده اللَّه بالإرهاق والتعب في الدنيا والآخرة، وتاللَّه إن المتأمل في أحوال المنحرفين الضالين في هذا الزمان من حداثيين وعلمانيين يجد أنهم يعيشون الضنك والألم والحيرة والشتات والتمزق، وبعضهم يعترف بذلك، وبعضهم يغطيه بأنواع المتع المحرمة من خمور ونساء ومخدرات. ثم يصف اللَّه المنهجية التي يسير عليها الجاهليون القدماء والمعاصرون، وطريقة التفكير وأسلوب النظر مما يسمونه فلسفة، ومناهج عقلانية ودراسات تاريخية، وتحليلات منهجية، وأفكار تحررية، ونتائج موضوعية، إلى آخر ما لديهم من شعارات يزينون بها باطلهم؛ إنها في

стр. 1113

الحقيقة من هذا الباب الذي وصفه خالق الإنسان والعالم بكل خفاياه ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣)﴾ (١). هذه هي طريقة التفكير الحداثية والعلمانية وسائر أصناف المذاهب المادية الإلحادية. ومن أعلام هذا المنهج: الجزائري الفرنسي السوربوني محمد أركون الذي تصدى لدراسة الإسلام ومناهجه وأصوله وفق المناهج الغربية والمذاهب الفلسفية المادية. ومن الأمور التي تعرض لها أركون في دراساته "السوربونية" دراسة الوحي ونصوصه على ضوء عقيدة خاصة، ليست عقيدة الإسلام، قال عنه مؤلفا كتاب "رأيهم في الإسلام": (صاحب عقيدة واثق من صلابة تفكيره وصواب رأيه، ووضوح مواقفه. . .، يحافظ على اتصال دائم مع التطور الغربي، مخاصمًا مسلمين كثر، فوجئوا وصدموا باستعماله، في خواطره وأبحاثه التاريخية، نظريات استوحاها من حياة القرن العشرين، وأوروبا، وعلم اللغات وتحاليل اجتماعية وأصول تنظيمية، همه الأوحد تطهير رؤى هؤلاء لإسلامهم من الخرافات والأوهام والشوائب التي تشوبها. . .، فإعادة النظر بمجموع التقاليد الإسلامية لتوحيدها وكشف الرواسب المتراكمة التي عثَّرتها منذ الدعوة القرآنية، هي موضع اهتمام محمد أركون كما المصلحين المحدثين، مصدرها سلطان النص المطلق، وشرعية هذا السلطان الذي لا يخلو من تعصب نظري، فينبغي أن تؤدي الثقة العارمة بالنص إلى التقليل من أهمية التجدد في النظرة -أكانت شرقية أم غربية- إلى الإسلام، التي تواكب عمل أبرز أخصائي مسلم بالدين، ولا ريب، لغته فرنسية) (٢). ففي هذا التوصيف لأعمال أركون والإشادة بأعماله من قبل غربيين

стр. 1114

دليل على نوعية الكتابات الاحتفالية التي يحظى بها هؤلاء ليقوموا بالدور الذي مدحوا بسببه، فيجتهدون في إثبات الجدوى وتوفير أسباب الغزو بأدوات عربية الأسهم أجنبية العقيدة والولاء. وقد نظرت في بعض مؤلفات هذا الهائم فوجدت أن كلامه يتميز بما يلي: ١ - العجمة الواضحة في الفكرة والأسلوب والتناول (١). ٢ - امتلاء كلامه بالألفاظ والمصطلحات الغربية، وخاصة الفرنسية، والتي توهم بأن هناك دلالات عظمى ينطوي عليها كلامه والمصطلحات المستخدمة فيه، وهي لا تدل على شيء، وهذا حال أكثر الحداثيين. ٣ - انطماس الغائية في كتاباته وضياع المفاهيم، حتى يكاد ينتهي إلى لا شيء أو إلى الآلية المطلقة، بل يجد القارئ لكتبه أنه يبدأ بالكتابة وهو لا يدري ماذا يقول ولا إلى ماذا يهدف، اللهم إلّا غرس الشكوك وتوطين الريب من خلال ما يسميه منهجية ومشروعية "التساؤل" التي ينطوي تحتها تزييف الحق، وإحقاق الباطل، من خلال الغموض والتشويش. ومن أهم كتب أركون التي تعرض فيها للوحي، بل للقرآن على وجه الخصوص كتابه المسمى "الفكر الإسلامي، قراءة علمية"، وقد شرح أهمية هذا الكتاب ومنهجيته الفكرية: الوكيل المعتمد لترويج فكر وكتب محمد أركون المدعو هاشم صالح (٢)، فقال بعد إشادة مطولة بأركون وجهوده ودرسه الأسبوعي الذي يلقيه في السوربون على طلاب الدراسات العليا عن الإسلام والحداثة!!.

стр. 1115

قال: (. . . ثم أحس بعدئذٍ بالحاجة للعودة في الزمن إلى الوراء فوصل إلى مرحلة "التجربة التأسيسية" والنص القرآني، وشغل لسنوات عديدة أيضًا بدراسة القرآن بشكل مختلف جذريًا عن المنهجية الإسلامية التقليدية السائدة لدى كافة المذاهب دون أن يهمل مكتسباتها، ومختلف أيضًا عن المنهجية الاستشراقية الفللوجية (١) بعد أن هضم كل إيجابياتها ومعطياتها، ونتج عن كل ذلك كتابه المعروف "قراءات في القرآن" المرتكز أولًا على المنهجية الألسنية، التي تشكل تقدمًا بالقياس إلى المنهجية الفللوجية، ثم يحل المنهجيات الانتربولوجية (٢) والتاريخية وعلم الأديان المقارن، وقد تمت إضاءة النص القرآني يشكل لم يسبق له مثيل من قبل، وقد نقلنا إلى العربية بعض فصول هذا الكتاب الذي صدر مؤخرًا بعنوان "الفكر الإسلامي: قراءة علمية") (٣). وسوف نرى من بعض النقولات التي ننقلها من الكتاب المشار إليه أي إضاءة استطاع أركون "المظلم في عقيدته" أن يضيء بها النص القرآني بشكل لم يسبق له مثيل من قبل كما يقول: "الذائب في أحماضه" هاشم صالح؟!. يتحدث أركون عن التاريخية والهرمنيوطيقيا التي يدرس على ضوئها ثبوت القرآن وسيادته، ويتحدث أن سلطته جاءت من الدولة الأموية التي جعلته مصدر السلطة العليا فيقول: (. . . إنه عائد إلى الدولة الرسمية التي وضعت منذ الأمويين بمنأى عن كل دراسة نقدية، لأنها أرادت أن تجعل منه مصدرًا للسيادة العليا والمشروعية المثلى التي لا تناقش ولا تمس، لقد فرضت هذه الوظيفة السياسية للقرآن نفسها منذ أن تم تشكيل المصحف) (٤). وواضح أنه لا يرى للقرآن قداسة ولا أحقية في السيادة، وأنه لم

стр. 1116

يمتلك هذه الأحقية لكونه كتاب اللَّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كما يعتقد كل مؤمن، بل يرى أن هذه السيادة والأحقية نالها القرآن بالفرض السياسي منذ أن تم جمع المصحف. ويتحدث أركون في موضع آخر من كتابه عن ما يسميه "ظاهرة التقديس" للقرآن العظيم، فيرى أنها من ممارسة (الذين يستمتعون في اجترار نفس الكلام بسبب الكسل أو الجهل) (١)، ويرى أن المشروع الأسمى هو أن (نجمد كالاقنوم عامل التقديس الموجود في القرآن والأناجيل والتوراة) (٢)، وأنه لابد من (بلورة نظرية مُرضية لظاهرة التقديس، أو لانبثاق ظاهرة التقديس ومنشئها ومسارها داخل الوعي، ودعاماتها المتغيرة في الوجود البشري، فإننا عندئذٍ نكتشف أن مشاكل الصحة والموثوقية أو الاختراع والتحريف الذي لحق بالنصوص المتلقاة على أنها مقدسة، أقول: نكتشف بأن هذه المشاكل ثانوية في الحقيقة، أن منطق الثالث المرفوع "منطق الصحة أو اللاصحة" يبدو عندئذٍ تافهًا لا أهمية له لأننا نكتشف قارات أخرى من الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية للإنسان، كانت هذه القارات قد طمرت أو طمست وأزيحت من ساحة البحث والتفكير عن طريق ثيولوجيا (٣) من نوع منطقي - مركزي. . . .) (٤). إن اطراح أركون لقضية الصحة والموثوقية لنصوص الوحي واعتبارها قضية تافهة لا أهمية لها، مجرد دعوى يغطي بها مقصده من منهجيته القائمة على دراسة "التقديس" أو تجميد التقديس من خلال ما يسميه الحقيقة النفسية واللغوية والتاريخية بعيدًا عن أي نظرة دينية أو حسب تعبيره ثيولوجية، إن هذه الالتفافة البعيدة سوف يصل من خلالها إلى إسقاط صحة وموثوقية النص القرآني المقصود بدراسته، وهذا ما يحاول فعله حقيقة تحت أردية الألسنة والتاريخية؛ لأن إسقاط القداسة أو تجميد القداسة سوف يؤدي إلى جعل القرآن مثل أي كلام بشري، فلا حرمة له ولا مكانة، ويُمكن مناقشته

стр. 1117

بنيوبيًا كما يدعو نصر أبو زيد أو ألسنيًا كما يدعو أركون، وبذلك ينزلونه في سوق تلاعباتهم الفكرية التي لا تصلح لدراسة كلام شاعر أو أديب لما فيها من التناقض والفوضوية، فضلًا عن دراسة كلام اللَّه العزيز الحميد. وفي موضع آخر يتكلم عن صحة القرآن وثبوته باعتباره مجرد فرضية (١). ثم يتكلم عن أن الخطاب الإسلامي لم يستطع التوصل إلى التمييز في القرآن ونصوص الوحي بين الأسطورة والتاريخ، وأنه أي الخطاب الإسلامي المعاصر: (لا يزال بعيدًا جدًا عن تاريخانية القرن التاسع عشر الأوروبية التي توصلت إلى تهميش العامل الديني والروحي المتعالي وحتى طرده نهائيًا من ساحة المجتمع، واعتباره يمثل إحدى سمات المجتمعات البدائية) (٢). وهذا دليل ساطع على الانتماء الاعتقادي القوي للغرب ومذاهبه، والعداء الشديد المتأصل للإسلام وأهله، إضافة إلى الجهل الضارب بأطنابه، والنفسية المغرضة التي يتناول من خلالها الإسلام ومقتضياته، والقرآن ومستلزماته الواقعية، بل وصل به الحد في هذا المضمار أنه هاجم الكتب التي كتبها غربيون يثبتون فيه صحة القرآن وسلامته من التحريف، وصحة الإسلام وثبات مناهجه وقوة حقيقته ووصفها بأنها كتب تبجيلية هزيلة، لا لشيء إلّا لقيام مؤلفيها بتوضيح الحقيقة بطرق علمية في أحدها وفلسفية اجتماعية في الثاني (٣)، فهل من دليل أكبر من هذا الدليل على مقدار ما ينطوي عليه "أركون" من عداء للإسلام وانتماء لأعدائه؟. ويصف أركون قصة أصحاب الكهف بأنها أساطير (٤).

стр. 1118

ويعيد الكلام عن الخطاب الإسلامي المعاصر فيصفه بأنه (الذي يزعم أنه يحرك التاريخ المعاصر ويحد له من جديد ديكتاتورية الغاية المثلى على طريقة الإسلام البدائي، هذا الخطاب هو خطاب إيديولوجي، مغلق على البعد الأسطوري والرمزي ذي الأهمية الحاسمة جدًا في القرآن) (١). وفي سياق حديثه عن الإسلام الذي يريد أن يجعله في موازين مذهبه "التاريخي" بل مذهب أساتذته الفرنسيين يقول بعد إيراد قول اللَّه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣) ثم أورد قولًا لأحد أساتذته "التاريخيين" ثم قال بعد ذلك: (تحدد هذه الاستشهادات الثلاثة، بشكل ممتاز، مجال التفحص الذي سنقوم به، لدينا من جهة دين اسمه الإسلام، الذي يقدم نفسه، استثناءً على كل الأديان الأخرى، بصفته الدين الحقيقي، لأنه كان محلًا للوحي النهائي والأخير المعطي من قبل اللَّه لكل البشر، ولدينا من جهة أخرى التاريخ المتولد عن الفعل البشري، الذي تزيد في تسارعة "انتفاضة الحياة" التي لا تقاوم، إلى حد أن الإنسان يعيد اليوم من جديد صنع التجربة التراجيدية كما حصل في زمن الإغريق القدماء) (٤). ثم يعلل أخذه بهذا المنهج قائلًا: (لكي تحلل وتدرس وضع الإسلام الراهن في مواجهة الحداثة بشكل صحيح، فإنه من الضروري أن نوسع من مجال التحري والبحث لكي يشمل، ليس فقط الفكر الإسلامي الكلاسيكي، وإنّما القرآن نفسه أيضًا إن المهمة تبدو مرعبة لأسباب معروفة جيدًا، سوف

стр. 1119

نرى، مع ذلك، لماذا هي شيء لابد منه، إذا ما أردنا أن نعالج بشكل دقيق المكان الذي أتيح للتاريخية أن تحتله في الإسلام) (١). وهكذا يتبدى لنا أركون في أوضح صورة من صور استهانته بالإسلام والقرآن، وتقديسه للمنهج التاريخي، واستخدامه له على أساس اعتقادي ديني يزن به أمور الإسلام والقرآن ويجعل منه الميزان للحكم والقبول والرد، وللماضي والحاضر والمستقبل. وفي موضع آخر يتحدث بصورة تشكيكية عن ثبوت القرآن، ويؤكد أن القطع بذلك إنما هو من قبل الروح "الدوغمائية (٢) " أي المنغلقة القاطعة بانفرادها بالحقيقة. ثم يتحدث عن جمع أمير المؤمنين عثمان ﵁ للمصحف وتوحيد المصاحف عليه بأن ذلك من قبل الهيجان السياسي الديني، الذي قام بفرض نسخة رسمية واحدة، وأن المسلمين يثنون بدوغمائية على هذا الموقف، ثم يقرر في الصفحة نفسها بأن (الفكر الإيجابي "الواقعي" هو فكر تاريخي) (٣). فتأمل "الدغومائية" التاريخية التي غرق فيها، والرمي بالظنون والتهم على أعظم وأهم مصدر من مصادر الدين الإسلامي، والتشكيك في ثبوته. إنه القطع والجزم بصحة الأوهام والافتراضات، في سبيل وصم الحقيقة الثابتة بالشك، وإلحاقها بالأوهام. وهذا النوع من الجدل واللدد في الخصومة أسلوب قديم من أساليب الكافرين، حيث تقوم معاداتهم للحق على أساس الجدال بالباطل والتي هي

стр. 1120

إحدى صفات الكافرين الكبرى، وهم لا يقتصرون على الجدال بالباطل، بل يضيفون إليه ممارسات الاستهزاء والسخرية لتغطية ضعفهم وزيف حجتهم، لتمرير عقيدتهم على الإغرار البسطاء الجهلة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾ (٢). هذه هي طبيعة الكفر والكافرين يصفها العليم الخبير، الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه. إنهم دائمًا يريدون دعم آرائهم الباطلة ومذاهبهم الضالة بأي أسلوب، وحيث أن بينهم وبين الحق تباعدًا، فإنهم لابد أن يلجأوا للباطل يزخرفونه ويجادلون به، ليدحضوا به الحق الثابت. ومن طبائع أعداء الحق أنهم يظهرون في صورة استكبار وتجبر واستعلاء وانتفاش بالباطل، فهم متكبرون على الحق لا يعترفون به، حتى ولو اتضح له، وهم ملتزمون جانب الباطل بتأثير أهوائهم، يجادلون عنه بالزخرف من القول، وبالدعاوى المنتفشة الخاوية، وبالأدلة المزركشة الواهية، وهذا ما ذكره اللَّه تعالى عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (٣). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ (٤).

стр. 1121

أي: ليس عندهم حجة ولا برهان ولا حق، بل ما عندهم إلّا الكبر الناشيء عن أوهام اعتقدوها وأباطيل اعتنقوها، وهو كبر يظهر في حالة المقصودين بهذا البحث، في الاستعلاء بالمصطلحات والمذاهب والمناهج التي استنسخوها، فرحين بما لديهم من الباطل، وليس في صدورهم إلّا ظلمات الشبهات والكبر الناشيء عن أوهامهم ولكن هذا الكبر والتعالي الذي يرتدون بأرديته تحت المغالطات: بالتعميم الكاذب، أو التخصيص الجائر، أو بالحذف المقصود، أو بالإضافة الظالمة، أو بالتمويه المخاح، أو بالإيهام الثعلبي، وغير ذلك من طرق الاستكبار على الحق، الناشيء من كبر في صدورهم ما هم ببالغيه لأنهم يستندون إلى هراء، ويتكئون على أوهام، ويجادلون في آيات اللَّه وشرعه بغير سلطان من علم ولا برهان ولا حجة، إلّا ماسولته لهم أنفسهم الخائبة وعقولهم الخاوية، فلا سند من علم صحيح ولا من عقل سليم، بل هم يُصرفون إلى شتى السبل الضالة، ويصرفون إلى الزيغ والباطل، ويتعلقون في جدالهم ومحاولة إدحاض الحق بما هو أوهى من خيط العنكبوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ (١). وإذا تأملنا بإنصاف وعدل وموضوعية ما يكتبه هؤلاء عن اللَّه تعالى، وعن كتابه وعن النبوات وغير ذلك من قضايا الاعتقاد والتشريع الإسلامي وجدنا أنهم يجادلون فيها بغير علم، ويتبعون قادتهم من شياطين الإنس الذين يدلونهم على طرق الغواية، ويرشدونهم إلى أسباب الزيغ والانحراف ويقودونهم إلى عذاب النار وبئس المصير، وهذا ما وضحه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ (٢).

стр. 1122

وهؤلاء القادة رؤوس الطواغيت هم مثل أتباعهم في الجهل والزيغ وإعتناق الباطل إلّا أنهم يتعالون بموقفهم القيادي، ويعتزون بالأتباع الذين يصفقون لهم، ولكنهم إذا حكت الحجج أقوالهم وكشفت البراهين زيف دعاواهم انثنوا بأعطافهم تكبيرًا واستعلاءً، وانصرفوا إلى باطلهم الذي تعرّى يحاولون ستر سوأته وتغطية عورته بالمكابرة والإصرار، وإطلاق الشتائم، وتكذيب الحقائق وتصديق الأوهام، وهذا بعض مما وصفه اللَّه تعالى من أحوالهم حيث قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ (١). إنّ المتتبع لآيات القرآن الحكيم بتدبر وإيقان يستطيع أن يفهم نفسيات هؤلاء، ويعرف أصول منطلقاتهم وأهدافهم ومخططاتهم ومشروعاتهم، وليس في الواقع من أعمالهم إلّا تصديق ما جاء في القرآن من أوصافهم، مع فروع كثيرة من ممارساتهم وجزئيات عديدة من أقوالهم، لا تخرج عن تلك الأصول التي قالها اللَّه تعالى في ذكره لأحوالهم فسبحانه من عليم خبير. وهكذا يبدو لنا محمد أركون وأشباهه من الذين يجادلون في آيات اللَّه بالباطل ليدحضوا به الحق. وفي محاضرة لأركون في ندوة الإسلام والحداثة يقول تحت عنوان "الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم" حين اعترض عليه أحد الحاضرين وطلب منه احترام المقدسات وخاصة الوحي والتنزيل أجاب أركون: (بالطبع، معك بعض الحق، وقد نبهت منذ البداية إلى أنه ينبغي أن نسير في موضوع الحداثة بتؤدة وبطء فالأرض مزروعة بالألغام، ولكنك تستخدم كلمات كثيفة جدًا ومثقلة بالدلالات التاريخية دون أن تحاول تفكيكها أو تحليلها. . .، كل هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي "كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص" لم نعد التفكير فيها

стр. 1123

الآن، ونحن نستخدمها وكأنها مسلمات وبدهيات ونشر بها كما نشرب الماء العذب، هذا ما تعودنا عليه منذ الصغر ومنذ الأزل، ولكن إذا صممنا على أن ندخل فعليًا في مناخ الحداثة العقلية، فماذا نرى؟ ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص هذه المفردات الضخمة الكثيفة التي تملأ علينا أقطار وعينا؟، ماذا تقول لنا بخصوص هذه المصطلحات الإيمانية المشحونة بالمعاني وظلال المعاني. . . عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لا يعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وإبعاده المخفية، وكل الأخطار المرافقة لاستخدامه، فمثلًا عندما يقول المؤمن التقليدي أن هناك أشياء لا تتغير ولا تتبدل، وعندما يقول هناك المقدس "أو الحرم باللغة الإسلامية الكلاسيكية". وينبغي عدم التساؤل حوله أو مسه، وعندما يقول: هناك الوحي، وكل هذه الأديان انطلقت من النقطة نفسها: الوحي. . . الخ عندما يقول كل ذلك فإنه يستخدم لغة كثيفة أكثر مما يجب، هكذا تلاحظون أني استخدم صفة كثيفة أو ثقيلة "بمعنى الوزن" الحيادية لكيلا أطلق أي حكم قيمة، ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها تعني أن كواهلنا تنؤ تحت ثقل أكياس هذا المعجم القديم، فهو أثقل من أن نحتمله أو نستطيع حمله بعد الآن،. . . ففي هذه الأكياس "أكياس المعجم التقليدي" أشياء كثيرة لا شيء واحد، وينبغي أن نفتحها لكي نعرف ما فيها، لم نعد نقبل الآن بحملها على أكتافنا وظهورنا دون أي تساؤل عن مضمونها كما حصل طوال القرون الماضية، ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص كل واحدة من هذه الكلمات والمصطلحات الثيولوجية القديمة؟، ماذا تقول لنا إذا ما قبلنا أن ندخل فعلًا في مناخ الحداثة ونتنفس هواها الطلق؟) (١). وهذا الكلام مليء بالدلالات الحداثية في موقفها من الوحي والمصطلحات الإسلامية، ومن الإسلام، وهو واضح تمامًا في تشخيص المشروع الحداثي إزاء كل هذه القضايا، بل إزاء الإسلام جملة وتفصيلًا.

стр. 1124

ثم يسترسل في كلامه ليصل إلى قضية "الوحي" فيقول: (أتمنى هنا عندما تلفظ كلمة الوحي أن تشعر بأنها كلمة شديدة الخطورة والأهمية، وأنه لا يُمكننا استخدامها بسهولة وبمناسبة ودون مناسبة، بمعنى أننا لا نفهمها جيدًا، وإنها بحاجة لأن تخضع لدراسة جديدة دقيقة لا تقدم أي تنازل للتصورات الألفية التي فرضتها العقائد الدوغمائية الراسخة، أتمنى أن ننظف من كل ما علق بها من أوشاب إيديولوجية، وذلك لأن العقائد الدوغمائية الراسخة تحمل في طياتها الكثير من الإيديولوجية. . . إن عملنا يتمثل في عزل، وفرز كل ما أضيف إلى كلمة وحي من أشياء تثقلها وتجعل منها أداة إيديولوجية أو آلة إيديولوجية من أجل الهيمنة والسيطرة، وليس فضاء للمعرفة المنفتحة على الكون، وهذا إشكالي، فنحن لا نعرف بالضبط ما هو الوحي، وأستطيع أن أقول الآن ما يلي: لا توجد حتى هذه اللحظة التي أتكلم فيها أمام أي مكتبة في العالم، ولا أي كتاب في أية لغة من لغات العالم يطرح مشكلة الوحي على طريقة العقلانية الحديثة ومنهجيتها) (١). ويتضمن هذا القول عدة أمور: ١ - أنه يريد إخضاع الوحي للدراسات المادية التي يعتقدها أركون ويؤمن بها، ومثله في ذلك مثل الماركسي الذي يدرس الوحي والإسلام بناء على الديالكتيك الشيوعي. ٢ - أن الدوغمائية التي يصف بها المؤمنين الملتزمين بالإسلام في مجال التشنيع والسباب والتنفير من عقائدهم، يمارسها هو بنفسه، ويتضح ذلك من خلال هذا النص والذي قبله وغيره من النصوص التي جعل فيها العقلانية والتاريخية والألسنية المعايير الصحيحة القاطعة التي لا تقبل النقاش ولا المؤاخذة، وإن لم يقل ذلك صراحة إلّا أن شدة تعصبه لها وشدة إيقانه بها يدل على دوغمائيته الشديدة. ٣ - إنه يريد أن ينقي الوحي -حسب زعمه من العقائد الدوغمائية

стр. 1125

والإيديولوجية-، وهذا معناه أنه يريد إزالة الثقة المطلقة بالوحي وإحلال الشك مكان اليقين وإزالة الاعتقاد الإيماني بالوحي وهو ما يسميه الإيديولوجيا، وإحلال الاعتقاد الشكي والكفري تحت دعاوى التخلص من الإيديولوجيا، وما محاولة الكفار من قديم الزمن إلّا من أجل الوصول إلى هذا المقصد. ٤ - إنه يعترف بأنه لا يعرف بالضبط ما هو الوحي، وهذا اعتراف بالجهل فكيف يصح له أن يتكلم عن شيء يجهله أو يحكم على شيء لا يعلمه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ (١). ٥ - زعمه بأنه لا توجد في العالم كتب تطرح قضية الوحي، والتي يسميها "مشكلة الوحي" طرحًا عقلانيًا حديثًا هذا الزعم كاذب مخالف للواقع، ويتضمن إضافة إلى الكذب الثقافي الاعتزاز والافتخار بالنفس وهو من باب الكبر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (٢). ويتضمن أيضًا نفي التبعية عن نفسه، ونعت منهجه بالاستقلال، وهذا كذب آخر ومكابرة للواقع الذي يعيشه ومناقضة لما في كتبه من دلائل واضحة على تبعيته. وفي موضع آخر يصف العقل الديني، منطلقًا من عقلي لا ديني، ويعتبره عقلًا تابعًا غير مستقل، ولم يفطن إلى أن العقل الجاهلي اللاديني هو العقل التابع للهوى والشبهة والشهوة والأقوال الضالة والمذاهب الباطلة، ولم يدر بأنه غير مستقل، وأقرب مثال على ذلك عقله هو؛ حيث ارتكس
следующие страницы →