أي: ليس عندهم حجة ولا برهان ولا حق، بل ما عندهم إلّا الكبر الناشيء عن أوهام اعتقدوها وأباطيل اعتنقوها، وهو كبر يظهر في حالة المقصودين بهذا البحث، في الاستعلاء بالمصطلحات والمذاهب والمناهج التي استنسخوها، فرحين بما لديهم من الباطل، وليس في صدورهم إلّا ظلمات الشبهات والكبر الناشيء عن أوهامهم ولكن هذا الكبر والتعالي الذي يرتدون بأرديته تحت المغالطات: بالتعميم الكاذب، أو التخصيص الجائر، أو بالحذف المقصود، أو بالإضافة الظالمة، أو بالتمويه المخاح، أو بالإيهام الثعلبي، وغير ذلك من طرق الاستكبار على الحق، الناشيء من كبر في صدورهم ما هم ببالغيه لأنهم يستندون إلى هراء، ويتكئون على أوهام، ويجادلون في آيات اللَّه وشرعه بغير سلطان من علم ولا برهان ولا حجة، إلّا ماسولته لهم أنفسهم الخائبة وعقولهم الخاوية، فلا سند من علم صحيح ولا من عقل سليم، بل هم يُصرفون إلى شتى السبل الضالة، ويصرفون إلى الزيغ والباطل، ويتعلقون في جدالهم ومحاولة إدحاض الحق بما هو أوهى من خيط العنكبوت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾ (١).
وإذا تأملنا بإنصاف وعدل وموضوعية ما يكتبه هؤلاء عن اللَّه تعالى، وعن كتابه وعن النبوات وغير ذلك من قضايا الاعتقاد والتشريع الإسلامي وجدنا أنهم يجادلون فيها بغير علم، ويتبعون قادتهم من شياطين الإنس الذين يدلونهم على طرق الغواية، ويرشدونهم إلى أسباب الزيغ والانحراف ويقودونهم إلى عذاب النار وبئس المصير، وهذا ما وضحه اللَّه تعالى في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ (٢).
стр. 1122
وهؤلاء القادة رؤوس الطواغيت هم مثل أتباعهم في الجهل والزيغ وإعتناق الباطل إلّا أنهم يتعالون بموقفهم القيادي، ويعتزون بالأتباع الذين يصفقون لهم، ولكنهم إذا حكت الحجج أقوالهم وكشفت البراهين زيف دعاواهم انثنوا بأعطافهم تكبيرًا واستعلاءً، وانصرفوا إلى باطلهم الذي تعرّى يحاولون ستر سوأته وتغطية عورته بالمكابرة والإصرار، وإطلاق الشتائم، وتكذيب الحقائق وتصديق الأوهام، وهذا بعض مما وصفه اللَّه تعالى من أحوالهم حيث قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ (١).
إنّ المتتبع لآيات القرآن الحكيم بتدبر وإيقان يستطيع أن يفهم نفسيات هؤلاء، ويعرف أصول منطلقاتهم وأهدافهم ومخططاتهم ومشروعاتهم، وليس في الواقع من أعمالهم إلّا تصديق ما جاء في القرآن من أوصافهم، مع فروع كثيرة من ممارساتهم وجزئيات عديدة من أقوالهم، لا تخرج عن تلك الأصول التي قالها اللَّه تعالى في ذكره لأحوالهم فسبحانه من عليم خبير.
وهكذا يبدو لنا محمد أركون وأشباهه من الذين يجادلون في آيات اللَّه بالباطل ليدحضوا به الحق.
وفي محاضرة لأركون في ندوة الإسلام والحداثة يقول تحت عنوان "الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم" حين اعترض عليه أحد الحاضرين وطلب منه احترام المقدسات وخاصة الوحي والتنزيل أجاب أركون: (بالطبع، معك بعض الحق، وقد نبهت منذ البداية إلى أنه ينبغي أن نسير في موضوع الحداثة بتؤدة وبطء فالأرض مزروعة بالألغام، ولكنك تستخدم كلمات كثيفة جدًا ومثقلة بالدلالات التاريخية دون أن تحاول تفكيكها أو تحليلها. . .، كل هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي "كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص" لم نعد التفكير فيها
стр. 1123
الآن، ونحن نستخدمها وكأنها مسلمات وبدهيات ونشر بها كما نشرب الماء العذب، هذا ما تعودنا عليه منذ الصغر ومنذ الأزل، ولكن إذا صممنا على أن ندخل فعليًا في مناخ الحداثة العقلية، فماذا نرى؟ ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص هذه المفردات الضخمة الكثيفة التي تملأ علينا أقطار وعينا؟، ماذا تقول لنا بخصوص هذه المصطلحات الإيمانية المشحونة بالمعاني وظلال المعاني. . . عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لا يعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وإبعاده المخفية، وكل الأخطار المرافقة لاستخدامه، فمثلًا عندما يقول المؤمن التقليدي أن هناك أشياء لا تتغير ولا تتبدل، وعندما يقول هناك المقدس "أو الحرم باللغة الإسلامية الكلاسيكية".
وينبغي عدم التساؤل حوله أو مسه، وعندما يقول: هناك الوحي، وكل هذه الأديان انطلقت من النقطة نفسها: الوحي. . . الخ عندما يقول كل ذلك فإنه يستخدم لغة كثيفة أكثر مما يجب، هكذا تلاحظون أني استخدم صفة كثيفة أو ثقيلة "بمعنى الوزن" الحيادية لكيلا أطلق أي حكم قيمة، ماذا تعني هذه الكلمة؟ إنها تعني أن كواهلنا تنؤ تحت ثقل أكياس هذا المعجم القديم، فهو أثقل من أن نحتمله أو نستطيع حمله بعد الآن،. . . ففي هذه الأكياس "أكياس المعجم التقليدي" أشياء كثيرة لا شيء واحد، وينبغي أن نفتحها لكي نعرف ما فيها، لم نعد نقبل الآن بحملها على أكتافنا وظهورنا دون أي تساؤل عن مضمونها كما حصل طوال القرون الماضية، ماذا تقول لنا الحداثة بخصوص كل واحدة من هذه الكلمات والمصطلحات الثيولوجية القديمة؟، ماذا تقول لنا إذا ما قبلنا أن ندخل فعلًا في مناخ الحداثة ونتنفس هواها الطلق؟) (١).
وهذا الكلام مليء بالدلالات الحداثية في موقفها من الوحي والمصطلحات الإسلامية، ومن الإسلام، وهو واضح تمامًا في تشخيص المشروع الحداثي إزاء كل هذه القضايا، بل إزاء الإسلام جملة وتفصيلًا.
стр. 1124
ثم يسترسل في كلامه ليصل إلى قضية "الوحي" فيقول: (أتمنى هنا عندما تلفظ كلمة الوحي أن تشعر بأنها كلمة شديدة الخطورة والأهمية، وأنه لا يُمكننا استخدامها بسهولة وبمناسبة ودون مناسبة، بمعنى أننا لا نفهمها جيدًا، وإنها بحاجة لأن تخضع لدراسة جديدة دقيقة لا تقدم أي تنازل للتصورات الألفية التي فرضتها العقائد الدوغمائية الراسخة، أتمنى أن ننظف من كل ما علق بها من أوشاب إيديولوجية، وذلك لأن العقائد الدوغمائية الراسخة تحمل في طياتها الكثير من الإيديولوجية. . . إن عملنا يتمثل في عزل، وفرز كل ما أضيف إلى كلمة وحي من أشياء تثقلها وتجعل منها أداة إيديولوجية أو آلة إيديولوجية من أجل الهيمنة والسيطرة، وليس فضاء للمعرفة المنفتحة على الكون، وهذا إشكالي، فنحن لا نعرف بالضبط ما هو الوحي، وأستطيع أن أقول الآن ما يلي: لا توجد حتى هذه اللحظة التي أتكلم فيها أمام أي مكتبة في العالم، ولا أي كتاب في أية لغة من لغات العالم يطرح مشكلة الوحي على طريقة العقلانية الحديثة ومنهجيتها) (١).
ويتضمن هذا القول عدة أمور:
١ - أنه يريد إخضاع الوحي للدراسات المادية التي يعتقدها أركون ويؤمن بها، ومثله في ذلك مثل الماركسي الذي يدرس الوحي والإسلام بناء على الديالكتيك الشيوعي.
٢ - أن الدوغمائية التي يصف بها المؤمنين الملتزمين بالإسلام في مجال التشنيع والسباب والتنفير من عقائدهم، يمارسها هو بنفسه، ويتضح ذلك من خلال هذا النص والذي قبله وغيره من النصوص التي جعل فيها العقلانية والتاريخية والألسنية المعايير الصحيحة القاطعة التي لا تقبل النقاش ولا المؤاخذة، وإن لم يقل ذلك صراحة إلّا أن شدة تعصبه لها وشدة إيقانه بها يدل على دوغمائيته الشديدة.
٣ - إنه يريد أن ينقي الوحي -حسب زعمه من العقائد الدوغمائية
стр. 1125
والإيديولوجية-، وهذا معناه أنه يريد إزالة الثقة المطلقة بالوحي وإحلال الشك مكان اليقين وإزالة الاعتقاد الإيماني بالوحي وهو ما يسميه الإيديولوجيا، وإحلال الاعتقاد الشكي والكفري تحت دعاوى التخلص من الإيديولوجيا، وما محاولة الكفار من قديم الزمن إلّا من أجل الوصول إلى هذا المقصد.
٤ - إنه يعترف بأنه لا يعرف بالضبط ما هو الوحي، وهذا اعتراف بالجهل فكيف يصح له أن يتكلم عن شيء يجهله أو يحكم على شيء لا يعلمه، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ (١).
٥ - زعمه بأنه لا توجد في العالم كتب تطرح قضية الوحي، والتي يسميها "مشكلة الوحي" طرحًا عقلانيًا حديثًا هذا الزعم كاذب مخالف للواقع، ويتضمن إضافة إلى الكذب الثقافي الاعتزاز والافتخار بالنفس وهو من باب الكبر، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ (٢).
ويتضمن أيضًا نفي التبعية عن نفسه، ونعت منهجه بالاستقلال، وهذا كذب آخر ومكابرة للواقع الذي يعيشه ومناقضة لما في كتبه من دلائل واضحة على تبعيته.
وفي موضع آخر يصف العقل الديني، منطلقًا من عقلي لا ديني، ويعتبره عقلًا تابعًا غير مستقل، ولم يفطن إلى أن العقل الجاهلي اللاديني هو العقل التابع للهوى والشبهة والشهوة والأقوال الضالة والمذاهب الباطلة، ولم يدر بأنه غير مستقل، وأقرب مثال على ذلك عقله هو؛ حيث ارتكس
стр. 1126
في تبعية عمياء للمناهج والفلسفات الغربية فجعلها قبلته واستدبر الحق.
يقول أركون: (العقل الدين. . . يشتغل داخل إطار المعرفة الجاهزة، ويستخرج كل المعرفة الضخمة استنادًا إلى العبارات النصية للكتابات المقدسة "من قرآن وأناجيل" و"توراه" وإذن فالعقل الديني بطبيعته عقل تابع لا مستقل، وبالتالي فهو لا يطرح مشكلة أصل الوحي المعطى، أو معطى الوحي: أي الوحي كظاهرة موضوعية موجودة بغض النظر عن مشاعرنا الذاتية، تمامًا كوجود الظواهر الفيزيائية أو البيولوجية. . .، ومن هنا جاء تقديس الشريعة والقانون الإسلامي واعتباره فوق البشر والتاريخ) (١).
ثم يتحدث أركون عن القرآن ونصوص الوحي عمومًا باعتبارها "أسطورة" كما قال أسلافه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (٢).
ثم يشرح مراده بقوله القرآن خطاب أسطوري، فيفصل تفصيلًا أشنع من الإجمال الذي بدأ به، وعلى كل حال فهو لا يرى في القرآن ولا يعتقد فيه، ما يراه ويعتقده كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا، ويعتبر أن اللغة العربية قد شحنت بدلالات دينية يجب تخليصها منها، وهو أحد المنادين بتفجير اللغة واستخدم كلمة "مخيال" في كتابه الفكرة الإسلامية: قراءة علمية (٣)، وعندما استضافته اليمامة كتبت على غلافها لما اختطفت طائرة كويتية "مخيال الموت"، وفي الداخل إشادة بأركون وبمشروعه التفجيري للغة العربية، وجعلت لفظة المخيال دليل تعانق بين اليمامة التي كان رئيس تحريرها -آنذاك- متخرجًا من السوربون أي أنه ارتضع هو وأركون من ظئر واحدة.
يقول أركون: (لا تزال لغة القرآن، وكانت دائمًا منغرسة ومتجذرة في
стр. 1127
الحقل الدلالى والمعنوي للقرآن. . .، وهذا خلع على المفردات العربية أو المعجم اللغوي العربي شحنة دينية كثيفة، إلى حد أنه يصعب علينا اليوم إعادة اشتغال وبلورة المصطلح العربي بطريقة علمية كما يحصل في اللغات الأخرى. . . .، الصعوبة الأساسية التي تنهض أمامنا اليوم إذا ما أردنا أن نكتب الفكر باللغة العربية، فأي تعبير أو أي صياغة لغوية حديثة قد تبدو انتهاكًا للمقدسات في حين أنها لا تهدف إلى ذلك على الإطلاق، فعندما أقول: القرآن خطاب أسطوري البنية فإن المسلم يولول ويثور وينادي بالثبور وعظائم الأمور في حين أني لم أقل شيئًا خارقًا للعادة أو يسبب أي مشكلة. . .) (١).
ثم يحاول أن يسفسط حول معنى الأسطورة فيقول: (. . . إن معنى التعبير: القرآن خطاب أسطوري البنية هو شيء مختلف تمامًا عن كل ما هو سلبي أو شائن، أنه يعني أن البنية اللغوية أو الأسلوبية للقرآن هي بنية مجازية رمزية في معظمها، فالمجاز والاستعارة والحكاية وضرب الأمثال تخترق كلية الخطاب القرآني من أوله إلى آخره. . . . .) (٢).
وهذا عذر أقبح من فعل كما تقول العرب، وتلاعب بالألفاظ لا يغير من حقيقة المعنى شيئًا، ولا ينفي عن القائل اعتقاده بأن القرآن أسطورة كما كان يعتقد الكفار الأوائل، وعند هذه المسألة يجب التنبيه إلى الأسلوب من أساليب المجادلين في آيات اللَّه بغير علم ولا هدى من الجاهليين الأوائل والمعاصرين، أسلوب يتمثل في الادعاء بأنه "أساطير" من غير حجة على الدعوى ولا برهان، إلّا مجرد الخصومة بالباطل، ومن الطبيعي أنه ليس لديهم ما يقولونه عن القرآن إلّا إلقاء الدعاوى العرية من أي دليل، وهذا يُمكن أن يقوله أي أحد حتى في إنكار ضوء الشمس في ضحى النهار في العراء في اليوم الصحو، ولكن هل مجرد القول يكفي في إثبات الحجة، ولذلك نقل اللَّه أقوالهم هذه ورد عليها، فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ
стр. 1128
هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ (١).
ومن رؤوس أهل الباطل المتصدين لكتاب اللَّه تعالى وللوحي الكريم بالنقد والرد والتشكيك الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد الأستاذ في إحدى الجامعات المصرية، والذي صدر ضده حكم بالردة، وبلزوم طلاق زوجته منه!!، وهي مثله في الضلالة، وقد تبرعت له الحكومة العلمانية بالحماية والرعاية، ثم سعت في إخراجه خوفًا عليه من مصير صنوه الهالك فرج فودة، واستقبلته أسبانيا ودعته هولندا وبريطانيا وفرنسا وأمريكا للإقامة فيها ووعدته بحق اللجوء، في الوقت الذي تطارد فيه الشباب المسلم وتعتقلهم وتحاكمهم، وتحاكم بعض قادة العمل الإسلامي ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (٢)، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ (٣).
وقد تصدى نصر أبو زيد للوحي تصدي العدو المبغض، وتناول القرآن تناول الشانيء المحارب، وتعامل مع العقيدة والشريعة تعامل المستخف المستهين، بأساليب ملتوية من المكر والخديعة، ولو أردنا أن نجمع أقواله في هذا المجال لطال الكلام؛ لأن أكثر كتاباته تدور في مجال التأصيل لمذهبه القائم على التشكيك في صحة القرآن وثبوته، وصحة نقله، وجمعه، وجحد قضاياه الاعتقادية، ولوازمه التشريعية.
ومن كتبه ومقالاته في هذا الصدد: كتاب "مفهوم النص" (٤)، وكتاب
стр. 1129
"إشكاليات القراءة وآليات التأويل"، وكتاب "نقد الخطاب الديني" وكتاب "الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية"، ورسالة الماجستير عنده بعنوان "الاتجاه العقلي في التفسير -دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلة-"، ورسالة الدكتوراه بعنوان "فلسفة التأويل عند محي الدين بن عربي"، وله مقال بعنوان "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع نشره في قضايا وشهادات ٢/ ٣٨٤، ومقال بعنوان "محاولة قراءة المسكوت عنه في خطاب دين عربي"، نشره في مجلة الهلال في مايو ١٩٩٢ م/ ١١/ ١٤١٢ هـ، ومقال بعنوان "قراءة التراث وتراث القراءة"، نشره في مجلة أدب ونقد في نوفمبر ١٩٩٢ م/ ٥/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "مشروع النهضة بين التوفيق والتلفيق"، نشره في مجلة القاهرة في أكتوبر ١٩٩٢ م/ ٤/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "إهدار السياق في تأويلات الخطاب الديني"، نشره في مجلة القاهرة في يناير ١٩٩٣ م/ ٧/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "المرأة البعد المفقود في الخطاب الديني المعاصر"، نشره في مجلة القاهرة في فبراير ١٩٩٣ م/ ٨/ ١٤١٣ هـ، ومقال بعنوان "المرأة في المجتمع: جراح اللغة وجراح الهوية"، نشره في مجلة أدب ونقد في مايو ١٩٩٣ م/ ١١/ ١٤١٣ هـ (١).
وكل هذه الكتب والمقالات تصب في مستنقع العلمانية الآسن، وتفوح منها رائحة الكراهية الشديدة لكل ما يتصل بهذا الدين من أصول وفروع وعقائد وتطبيقات، وكل إناء بالذي فيه ينضح.
وأهم ما كتبه في تصديه للوحي بالنقد والتشكيك كتاب "مفهوم النص"، وقد خصصه لدراسة علوم القرآن وقف منهجه البنيوي، ثم مقاله المعنون باسم "النصوص الدينية بين التاريخ والواقع" والتوجه إليهما لأخذ شواهد منها على انحرافه يعني أن نأخذ كل أو جُلَّ ما فيها، وهذا أمر لا يتسع له المقام هنا؛ ولذلك فسوف أقتصر على بعض الشواهد ذات الدلالات، من خلال إحالات على أهم محاور كتاباته في هذا الشأن، والتي فيها الدلالة
стр. 1130
الواضحة على عقيدته في اللَّه تعالى، وفي كلامه -جلَّ وعلا-، وأهم المحاور الفكرية لنصر أبو زيد في قضية الوحي والقرآن خاصة هي هذه الجمل المنقولة نصًا أو بالمعنى من كتبه:
١ - القرآن نص لغوي يعامل كما يعامل أي نص آخر، وكذلك سائر النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية (١).
٢ - القرآن فعل بشري، وتبنى القول ببشرية النصوص الدينية؛ لأن الإصرار على كون النص القرآني إلهيًا مجرد وهم (٢).
٣ - القرآن منهج ثقافي متأثر بالظروف والمتغيرات التاريخية، والاجتماعية في كل عصر، ومصداقية النص تنبع من دوره في الثقافة وتقبلها له، فما توفضه الثقافة وتنفيه لا يقع في دائوة النصوص وما تتلقاه الثقافة بوصفه نصًا دالًا فهو كذلك (٣).
٤ - المجاز والتأويل ركيزتان ينطلق منهما للتلبيس والتدليس والتشكيك والمجادلة في آيات اللَّه، ومطيتان لتبرير أنواع عديدة من تلاعباته بنصوص الوحي تلقيًا وفهمًا وتطبيقًا (٤).
٥ - البحث عن المفقود في النص، والذي لم يستطع علماء المسلمين الوصول إليه، والسخرية من فهمهم واستنباطهم واستدلالهم (٥).
٦ - من علامات الانطماس والجهل الإيمان بالمصدر الإلهي للنص، والتركيز على مصدر النص وقائله فقط إهدار لطبيعة النص ذاته وإهدار لوظيفته في الواقع (٦).
стр. 1131
٧ - الهجوم الشديد على الخطاب الديني المعاصر المتمثل في الحركات الإسلامية لكون هذا الخطاب يعتمد على السلفية والتراث، وعلى الفكر الرجعي التثبيتي (١).
٨ - الاستدلال بالموضوعات والأكاذيب والأقاويل الشاذة وبدع أهل الكلام، والآراء الضعيفة في كتب علوم القرآن (٢).
٩ - النبي ابن المجتمع ونتاجه، والوحي له أسبقية عند العرب تتمثل في الكهانة والشعر من حيث أن هذه جميعًا فيها اتصال الإنسان بغير الإنسان، وإلغاء الكهانة يؤدي إلى إلغاء الأساس الوجودي والمعرفي لظاهرة النجوة، وظاهرة الوحي استندت إلى مفهوم عميق في الثقافة وهو إمكانية اتصال بين البشر وبين العوالم الأخرى من الملائكة والشياطين (٣).
١٠ - أخذ النبي ﷺ بالحنيفية ودين إبراهيم ﷺ كان ناتجًا عن التأثر ببعض المتحنفين من قريش وغيرها، وقبول العرب للحنيفية والتوحيد كان بتأثير سياسي واجتماعي لمقاومة التفكك الداخلي والخطر الخارجي (٤).
١١ - التشكيك في أمية النبي ﷺ ، والقول بأنه كان حائرًا بعد مجيء الوحي أول مرة إليه، وأنه كان يتشوف إلى ما يطمئنه على صحة قواه العقلية (٥).
١٢ - يزعم أن القول بعدم تعارض الدين الإسلامي مع البحث العلمي العقلي الحر، أو عدم التعارض بين العقيدة الإسلامية والعلوم المعاصرة مجرد دعوى (٦).
стр. 1132
١٣ - قوله بخطورة الدعوة إلى أسلمة الحياة وإلى الحاكمية، وإلى أسلمة الأدب، لأن ذلك يعني تحكيم رجال الدين في كل شؤون الحياة، وإفساح المجال لسيطرة خطاب ديني غاشم يطفي كل المصابيح الإنسانية (١).
١٤ - رفع غطاء القداسة عن الخطاب الديني القديم والحديث على السواء (٢).
١٥ - أخطأ التنويريون العرب حين نظروا إلى النصوص الدينية برؤية لا تاريخية، أي حين اعتبووها نصوصًا مطلقة، وهذا استخدام نفعي ذرائعي أعاقهم عن التقدم، ومكن السلفية من الانقضاض على ما حققته التنويرية (٣).
١٦ - الوعي التاريخي العلمي بالنصوص الدينية يتجاوز أطروحات الفكر الديني قديمًا وحديثًا، ويعتمد على إنجازات العلوم اللغوية خاصة في مجال دراسة النصوص، وإذا كان الفكر الديني يجعل قائل النصوص -اللَّه- محور اهتمامه ونقطة انطلاقه فإننا نجعل المتلقي - الإنسان، بكل ما يحيط به من واقع اجتماعي تاريخي هو نقطة البدء والمعاد (٤).
١٧ - معضلة الفكر الديني أنه يبدأ من تصورات عقائدية مذهبية عن الطبيعة الإلهية والطبيعة الإنسانية وعلاقة كل منها بالأخرى، ثم يتناول النصوص الدينية جاعلًا إياها تنطق بتلك التصورات والعقائد (٥).
١٨ - البنية الفكرية الدينية تطرح رؤية للعالم والطبيعة والإنسان وتضعهم في علاقة مقارنة مباشرة مع اللَّه، ومن الطبيعي أن تؤدي المقارنة إلى تهميش النسبي والجزئي والحادث لحساب المطلق والكلي والقديم (٦).
стр. 1133
١٩ - القول بأزلية الوحي وقدم القرآن (١)، يضفي عليه قداسة يستمدها من الامتداد التراثي وعميق التاريخ موهمًا أنها الإسلام ذاته (٢).
٢٠ - القول بخلق القرآن رؤية حيوية وديناميكية، والذين قالوا بذلك مبدعين، وهم الذين أثروا في مجال المعرفة العلمية للإنجازات التي أفادت منها أوروبا (٣).
٢١ - الذي ندعو إليه هو عدم الوقوف عند معنى النصوص في دلالاتها التاريخية الجزئية، بل لابد من اكتشاف المغزى الذي يُمكن لنا أن نؤسس عليه الوعي العلمي التاريخي، وهنا لابد أن تكون الدلالات مفتوحة وقابلة للتجدد مع تغير آفاق القراءة المرتهن بتطور الواقع اللغوي والثقافي (٤).
٢٢ - العائق دون إخضاع النصوص الدينية للمنهج العقلي والتاريخي واللغوي التحليلي هو توهم إن الكلام الإلهي لابد أن يكون مخالفًا للكلام الإنساني، وهذا التوهم هنا مبني على افتراض أن العلاقة بين الإلهي والإنساني تقوم على الانفصال، بل على التعارض والتضاد (٥).
٢٣ - القرآن كلام اللَّه وكذلك عيسى ﵇ رسول اللَّه وكلمته، وإذا كان القرآن قولًا ألقي إلى محمد ﷺ فإن عيسى بالمثل كلمة اللَّه، والوسيط في الحالتين هو الملك جبريل، وفي الحالتين يُمكن أن يقال أن كلام اللَّه قد تجسد في شكل ملموس في كلتا الديانتين: تجسد في المسيحية في مخلوق بشري هو المسيح، وتجسد في الإسلام نصًا لغويًا في لغة بشرية
стр. 1134
هي اللغة العربية، وفي كلتا الحالتين صار الإلهي بشريًا، أو تأنسن الإلهي (١).
٢٤ - تتحدث كثير من آيات القرآن عن اللَّه بوصفه ملكًا -بكسر اللام- له عرش وكرسي وجنود، وتتحدث عن القلم واللوح والكرسي والعرش -وكلها تساهم- إذا فهمت فهمًا حرفيًا في تشكيل صورة أسطورية عن عالم ما وراء عالمنا المادي المشاهد المحسوس (٢).
٢٥ - الصور التي تطرحها النصوص كانت تنطلق من التصورات الثقافية للجماعة في المرحلة الأولى للنصوص، ومن غير الطبيعي أن يصر الخطاب الديني في بعض اتجاهاته على تثبيت المعنى الديني عند العصر الأول، رغم تجاوز الواقع والثقافة في حركتهما لتلك التصورات ذات الطابع الأسطوري (٣).
٢٦ - الخطاب الديني المعاصر يناقض نفسه حين يعارض التأويل المجازي للنص القرآني؛ لأنه لا ينطلق من فهم علمي للنصوص، وذلك حين يرفض تأويل صورة الملك والمملكة وكل ما يساندها من صور جزئية كالعرش والكرسي، تأويلًا مجازيًا، ويتمسك بدلالالتها الحرفية تمسكًا يكشف عن الطابع الإيديولوجي له (٤).
٢٧ - الدلالات الجزئية للنص القرآني خاصة في مجال الأحكام والتشريع يسقطها تطور الواقع الاجتماعي التاريخي، وتتحول من ثم إلى شواهد دلالية تاريخية (٥)، ومن الدلالات التي أسقطها التطور التاريخي: أخذ الجزية من أهل الكتاب (٦) والرق والعتق (٧)، ومن النصوص التي يجب أن تعتبر دلالتها من قبيل الشواهد التاريخية النصوص الخاصة بالسحر والحسد
стр. 1135
والجن والشياطين، وحكم الربا، والحجاب للمرأة (١)؛ لأنها مجرد مفردات نشأت في بنية ذهنية ترتبط بمرحلة محددة من تطور الوعي الإنساني (٢)، واللغة العربية قد تشير إلى مدلولات ليس لها وجود عيني، مثل كلمة "العنقاء" التي ليس لها مدلول عيني واقعي (٣).
ومن معطيات النص الحرفية والتمسك بالدلالات التي تجاوزتها الثقافة وتخطتها حركة الواقع: جعل العلاقة بين اللَّه والإنسان محصورة في بعد "العبودية" والعبودية تستدعي مقولة "الحاكمية" (٤).
٢٨ - لابد من التفريق في نصوص الوحي بين المعنى والمغزى، فالمعنى له طابع تاريخي، ويمثل الدلالة التاريخية للنصوص في سياق تكونها وتشكلها ويتمتع المعنى بقدر من الثبات الملحوظ، أمّا المغزى فله طابع معاصر، بمعنى أنه محصلة لقراءة عصر غير عصر النص، وهو ذو طابع متحرك مع تغير آفاق القراءة، وليس المغزى هو المقاصد كما حددها الفقهاء، بل هو ناتج قياس الحركة التي أحدثها النص في بنية اللغة، ومن ثم في الثقافة والواقع، والقياس المحدد لحركة النص ولاتجاهها مقياس معاصر، ومعنى ذلك أن المغزى ليس محكومًا فقط بضرورة ملابسته للمعنى، بل توجه حركته آفاق الواقع الراهن والعصر؛ لذلك قلنا أن المغزى متحرك بحكم ملابسته لآفاق الحاضر والواقع.
أمّا مبدأ "لا اجتهاد فيما فيه نص" فهو مغالطة دلالية، ولذلك يُمكن تطبيق المغزى في المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث؛ لأنه من الطبيعي أن تكون حركة النص التشريعية غير مصادمة للأعراف والتقاليد والقيم التي تمثل محاور أساسية في النسق الثقافي والاجتماعي (٥).
стр. 1136
٢٩ - الدراسات الحديثة للنصوص تعطي اهتمامًا للمضمر والمسكوت عنه، والمدلول عليه بطريقة ما في الخطاب ذاته.
والمسكوت عنه في الخطاب يمثل أحد آليات النص في التشكيل بما هو جزء من بنيته الدلالية، وقد يكون المسكوت عنه مدلولًا عليه في الخطاب بطريقة ضمنية، وقد يكون مدلولًا عليه بالسياق الخارجي، فالمسكوت عنه المدلول عليه في السياق الخارجي نجده في قضايا المرأة عمومًا وفي مسألة نصيبها في الميراث خصوصًا، أمّا المسكوت عنه المدلول عليه في الخطاب ضمنيًا فنجده في قضية المواريث بشكل عام، فتوريث المرأة نصف ميراث الرجل جاء به النص وله مغزى ودلالة مضمرة وهي تحرير الإنسان -الرجل والمرأة- من أسر الارتهان الاجتماعي والعقلي، لذلك طُرِح العقل نقيضًا للجاهلية، والعدل نقيضًا للظلم والحرية نقيضًا للعبودية، ولم يكن يمكن لتلك القيم إلّا أن تكون مضمرة مدلولًا عليها، فالنص لا يفرض على الواقع ما يتصادم معه كليًا بقدر ما يحركه جزئيًا، ولعل مسار الاجتهاد قد تحدد الآن في مسألة ميراث البنات، بل في كل قضايا المرأة المثارة في واقعنا، والتي يصر الخطاب الديني على التمسك بمناقشتها في حدود معاني النصوص مهدرًا المغزى، حاكمًا على التاريخ بالثبات وعلى دلالة النصوص بالجمود.
ولكن دلالة المسكوت عنه في مسألة الميراث لا تقف عند هذا الحد، بل تتحرك حركة غير مسبوقة في اتجاه العدل وتوزيع الثروة.
إن وقوف الخطاب الديني عند المعاني ينتهي في التحليل الأخير إلى الارتداد بالواقع وتجميد النصوص في نفس الوقت (١).
هذه نصوص كلامه في أكثر الفقرات، وملخص مضموني في بعض الفقرات، وهي كلها تدل على الاتجاه "البنيوي" "التناصي" "التأويلي" "التاريخي" التي تتلخص في ثلاثة مضامين أساسية:
стр. 1137
الأول: التشكيك في ثبوت الوحي كله أو بعضه، وجحد إضافته اللَّه تعالى، بنفي قداسته، وجعله مخلوقًا، وجعله من نتاج الواقع والثقافة والبشر.
الثاني: إزاحة دلالاته الأصلية، وإسقاط طريقة النبي ﷺ وأصحابه والتابعين علماء الحق من المسلمين، في فهم دلالات النصوص، وجعل دلالات نصوص الوحي مشاعة ومفتوحة لأفهام الزنادقة والمنحرفين والجاهليين من الحداثيين والعلمانيين والمستشرقين وتلامذتهم.
الثالث: كل ما سبق تمهيد لإزاحة نصوص الوحي عن الواقع والتصرف فيها -تطبيقًا- وفق أهواء العلمانيين والحداثيين، وكل ذلك على أساس رفض الاستسلام للوحي وترك القبول له، والمجاهرة بالمعارضة الصريحة له.
وهذه المضامين الأساسية التي هي جوهر كلام "نصر أبو زيد" هي عينها، المضامين الحاضرة في كلام الحداثيين عن نصوص الوحي، ولا يُمكن جمع كل ما صدر عنهم في هذا الباب من انحرافات ولكن في الشواهد السابقة، -وما سوف يلحق بعد قليل- يكفي في توضيح ملامح اعتقاداتهم المناقضة للإسلام في هذا الركن العظيم، علمًا بأن ما سبق ذكره من أقوال منظري الحداثة الفكرية والعلمانية اللادينية ينطبق على قضية الوحي التي هي الركن الثالث "الإيمان بالكتب"، وينطبق أيضًا على الركن الرابع "الإيمان بالرسل" حيث لا انفكاك بين هذين الركنين.
ومن شواهد انحرافاتهم في قضية الوحي قول جابر عصفور (١) في ندوة
стр. 1138
الإسلام والحداثة في سياق موضوعه "إسلام النفط والحداثة" والذي خصصه للرد على مواقف أهل الغيرة الإيمانية في هذه البلاد ضد الحداثة (١).
فقد جعل ما أطلق عليه إسلام النفط وإسلام الحنابلة والوهابية إسلامًا يقوم على النقل والاتباع والجبر في حين أن الحداثة تقوم على العقل والإبداع والاختيار (٢) في سياق من التناقض والجهل الذي يتضح مثلًا في خلطه بين الابداع والابتداع والبدعة (٣)، وهو خلط ينم عن جهل باللغة والشرع والواقع، كما ينم عن الدعوى المغرضة التي تنضح بها كتاباته.
стр. 1139
وقد جعل جابر عصفور القرآن نصًا أولًا تبعًا لأدونيس وأركون، وجعل تطبيقات الإسلام نصًا ثانيًا، فقال: (إن علاقة إسلام النفط بالإسلام -النص الأول الو استخدمنا مصطلح أدونيس - أركون) - هي علاقة النص الثاني بأصله الذي يعيد إنتاجه لصالحه الخاص، من حيث هو نص ثانٍ، عبر وسائط يُمكن أن تسقط جوانب من النص الأول أو تضيف إليه، وأن تضخم أو تصغر أو تعيد ترتيب بعض المكونات، أو تركز على بعضها دون بعض. . . الخ، ما ظل النص الأول "حمال أوجه" يُمكن أن يتوافق بعضها - أو كلها، تأويلًا، والغاية النهائية لإعادة إنتاج النص الأول. . . إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقلي "الاتباعي"، الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث، ويؤسس علاقة متميزة بفكر الحنابلة الذي تمثله كتابات ابن الجوزي وابن تيمية بوجه خاص، وهي كتابات لها علاقاتها الأصولية التاريخية بالمذهب الوهابي، أهم المذاهب النقلية السائدة في منطقة الجزيرة العربية. . . إن إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقلي. . .) (١).
ثم يورد جملة من قضايا الاتباع وأدلته ويسخر بها ويجعلها دليلًا له على الاتباعية التي يراها عيبًا إلّا إذا كانت اتباعًا للغرب في "البنيوية" و"التناصية" و"الدال" و"التماهي" و"المتح"، وغير ذلك من العبارات التقليدية المستعارة.
والشاهد المراد في هذا القول أنه تبعًا لأركون وتشبهًا بأبي زيد يجعل القرآن العظيم نصًا أولًا، وما تفرع عنه من فهم وتطبيق نصًا ثانيًا، وهذا هو عين قول نصر أبو زيد، الذي أنكر صدور الوحي عن اللَّه تعالى، وجعله من معطيات الواقع الاجتماعي والثقافي.
ومن فعاليات ندوة الإسلام والحداثة المحاضرة التي ألقاها العلماني المتطرف عادل ظاهر، والتي بعنوان "الإسلام والعلمانية"، وقد حشد
стр. 1140
فيها ألوان حقده على الإسلام ودعاته المعاصرين، خاصة الذين يدعون إلى الإسلام الشمولي المتمثل في أن الإسلام "دين ودولة وعقيدة وشريعة"، وقد أشار في هذه المحاضرة إلى جحد الخالق (١) -، وقال عنه: (هل يُمكن لكائن له طبيعة اللَّه أن يفرض على المؤمنين في كل عصورهم وأممهم ألّا يفصلوا بين دينهم والسياسة) (٢).
وقد امتلأ مقاله بالجهل الفاضيح بالإسلام وأدلته وأقوال علمائه، ثم تصدى للأحكام التشريعية بالجحد والنفي ووجوب الاستبعاد (٣).
ثم يتعرض لقاعدة "لا اجتهاد مع النص" ومنها ينطلق إلى نصوص القرآن والسنة مشككًا في ثبوتها ثم في مدلولاتها، فيقول عن المسلمين: (المهم أن هناك في نظرهم نصوصًا ثابتة ثبوتًا يقينيًا لا يأتيه الشك مطلقًا، وأن القواعد والأحكام الشرعية التي تنطوي عليها هذه النصوص هي قواعد وأحكام مطلقة بسبب الثبوت اليقيني المطلق لهذه النصوص، فإذا كان هناك -مثلًا- نص من هذا النوع يقول بوضوح أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن هذا ملزم لنا بحرفيته في نظرهم، في كل الظروف والحالات، فلا يجوز أن تضعه موضع اجتهاد فنقول -مثلًا- إن الظروف اليوم غير ما كانت عليه ولا تسوّغ الأخذ بالقاعدة الشرعية المذكورة بحرفيتها. . . الخطأ الفلسفي. . . يتعلق بمقدمتهم القائلة إن هناك نصوصًا ثابتة ثبوتًا يقينيًا لا شك فيه. . . .
إن ثبوت النصوص وإن لم يكن أمرًا مشكوكًا فيه فعليًا، لا يعني أنه ليس أمرًا مشكوكًا فيه من حيث المبدأ، فإن الأدلة على ثبوتها قد تكون من القوة بمكان تجعل من غير المسوغ لنا الشك في ثبوتها، إلّا أن هذه الأدلة مهما كانت قوية لا يُمكن أن تكون أدلة مطلقة على
стр. 1141
ثبوتها، من هنا يتضح أن عدم وجود أي سبب لدينا للشك في ثبوتها لا يُمكن أن يعني أنه لا يُمكن أن يوجد سبب للشك في ثبوتها، بمعنى آخر أن يمتنع لدينا عمليًا أو واقعيًا الشك في ثبوتها لا يعني امتناع الشك في هذا حتى من حيث المبدأ. . .، وإذا كان ممكنًا لكتاب ديني كالتوراة أن يكون موضوع عبث وتحريف، كما يصر عدد كبير من منظري الصحوة أنه يصدق فعلًا على التوراة، فما الذي يمنع من حيث المبدأ أن يصدق الشيء ذاته على أي كتاب ديني سواه؟. . .، وإذا صح تحليلنا إذن فلا مسوغ للقول بثبوت النصوص المعنية على نحو مطلق، وإذا كان الطابع المطلق للأحكام والقواعد الشرعية التي تشكل مدار نقاشنا مستمدًا من الثبوت المزعوم للنصوص المعنية على نحو مطلق، إذن لم يبق ثمة أساس لإسناد طابع مطلق لهذه الأحكام والقواعد) (١).
في هذا النص الصريح جحد ثبوت القرآن والسنة وإنكار ما يترتب عليها، وفيه الدلالة الواضحة على الموقف الحداثي والعلماني من الإسلام عقيدة وتطبيقًا، فقد بين أصول نظرته العلمانية في الإسلام وفي مصادر التشريع، ثم طرد ذلك على قضايا التطبيق في الواقع سعيًا إلى إثبات الاتجاه العلماني من خلال المحاولة الشبيهة ببيت العنكبوت لإزاحة الإسلام -العدو الأكبر للعلمانية- من الطريق، وإفساح المجال لفلسفات الإلحاد والعلمانية، أن تحل محل القرآن والسنة، وأن تكون لها القداسة في قلوب الناس مثل القداسة التي للوحي المعصوم، وهيهات هيهات دون ذلك أهوال!!.
ويعتبر عادل ظاهر أحد أبرز الرؤوس الرجيمة في تبني العلمانية والدفاع عنها وتسويق فكرتها بين المسلمين، ومحاربة خصمها الشديد القوي المتماسك "الإسلام" الذي هدم الوثنيات الجاهلية السابقة، ويستطيع هدم الوثنيات الجاهلية المعاصرة واللاحقة ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ
стр. 1142
رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (١).
ومن أبرز محاولاته كتابه المسمى "الأسس الفلسفية للعلمانية" وهو كتاب مليء بالإلحاد والمناقضة الكاملة للإسلام، والمحاولة الدائبة لتزييف حقائقه الاعتقادية والتشريعية بدءًا من جحد وجود اللَّه تعالى، إلى السخرية والاستخفاف بأسمائه وصفاته -جلَّ وعلا-، أمّا النبوات والوحي فإنه ينالها على طريقته الحداثية بالأسئلة الشكية الموصلة إلى النفي الكامل والجحد، وهو من نوع كلامه الذي سبق نقله، ليكون ممثلًا للعلمانية الصلبة ونموذجًا للعلماني الصلب الذي أطنب في توصيفه في كتابه، في مقابل نقده للعلمانية اللينة والعلماني اللين (٢).
أمّا أدونيس فإنه يدعم مواقفه الاعتقادية السابقة المنحرفة، بموقف آخر مضاد للوحي بالجحد له والسخرية منه والتدنيس له، وقد ملأ كتبه بذلك، وهو ما يتوافق مع عقيدته الباطنية، وأفكاره الإلحادية، التي بات واضحًا أنه لا يترك فرصة إلّا اهتبلها في شبيل مناقضة الإسلام، وترويج الكفر والإلحاد، في إصرار وعناد، وغلو وتطرف منقطع النظير.
ففي تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" يستخرج من التاريخ القديم كل شاذ، ويتلقى أعفن ما فيه ويتلقف أقوال الزنادقة والملحدين ويجعل منها تكأة في انطلاقه لتثبيت معتقده فها هو يعتمد في جحد النبوة والوحي على أقوال الملحد الزنديق أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (٣)، الذي يقول عنه:
стр. 1143
(يقوم نقد الرازي للنبوة على أساسين، عقلي وتاريخي، ومقدمة الأساس الأول أن العقل مصدر المعرفة، ولذلك يجب أن يكون متبوعًا لا تابعًا) (١).
وبعد أن ينقل نصوصًا من كلام صنوه الرازي يقول: (ثم ينتقل الرازي بعد نفي النبوة كمبدأ إلى انتقادها كظاهرة) (٢).
وبعد ذكر كلامه المتهافت يقول أدونيس: (والرازي هنا يقول أنه ليس هناك في ظاهرة النبوة ما يوجب عقليًا حدوثها في قوم دون قوم، ذلك أن مثل هذا الاختصاص تفضيل لبعض على بعض، وجعل بعض هداة لبعض، وهو ما يأباه العقل ولا يقره (٣)، خصوصًا أن هذا الاختصاص يؤدي إلى الشقاق بين الناس. . .) (٤).
وفي استتارٍ خلف أقوال الرازي الملحد يقول: (. . . أمّا عن الأنبياء أنفسهم فيقول الرازي: "زعم عيسى أنه ابن اللَّه، وزعم موسى أنه لا ابن له، وزعم محمد أنه مخلوق كسائر الناس. . .، ومحمد زعم أن المسيح لم يقتل، واليهود والنصارى تنكر ذلك وتزعم أنه قتل وصلب"، وهذا تناقض واضح بين الأنبياء أنفسهم، مما يدل، في رأي الرازي، على بطلان النبوة، ذلك أن النبوة تقوم على الوحي الذي ينزله اللَّه، ولما كان اللَّه واحدًا، فإن مصدر النبوة واحد، ولهذا يجب أن يكون الوحي واحدًا، وبما أن اللَّه لا يُمكن أن يتناقض، فإن الأنبياء هم الذين يتناقضون، ومن هنا بطلان النبوة؛ لأن تناقضهم دليل على أنهم غير صادقين) (٥).
وعلى الرغم من محاولة أدونيس الاستتار خلف أقوال الملحد الرازي إلّا أنه لم يستطع ذلك في كل المواقف، فصرح بهذه الأقوال الدالة على مقدار انحرافه.
стр. 1144
أمّا أقواله التي بناها على أقوال الرازي فهي من التهافت والهزال بمكان، حيث أنهما -أعني الرازي وأدونيس- لم يفرقا بين الوحي الصحيح الثابت، والأقوال المكذوبة المنسوبة زورًا وكذبًا إلى اللَّه تعالى وإلى أنبيائه، فعيسى ﵊ لم يقل أبدًا أنه ابن اللَّه، بل قال بأنه عبد اللَّه، وأقوال اليهود والنصارى في قتل المسيح ليست حجة على الوحي الصحيح، ولكن الذين في قلوبهم زيغ الشرك والجهل لا يعقلون.
ويقول أدونيس: (وإذا كان الرازي قد أبطل الأساس وهو النبوة، فقد كان طبيعيًا أن يبطل الأديان. . .) (١).
وهذا أمر معلوم، فإنه ما من أحد يجحد النبوات أو يشكك في الوحي إلّا وهو يهدف إلى إبطال الدين والمنزل من عند اللَّه، تمهيدًا للدين المختلق من عقول الكافرين، فإنه لابد أن يدين الإنسان لشيء مّا، ولابد أن يعتقد عقيدة مّا، وهؤلاء بسعيهم إلى إبطال الدين الحق، ينطوون -عمليًا- على تثبيت عقائد الإلحاد التي يؤمنون بها، ودعوة الناس إلى اتباعها، وهذا من البديهيات التي يشهد لها واقع الملاحدة والكفار والمشركين قديمًا وحديثًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾ (٢).
وفي تتبع أدونيس لخطوات الرازي يقول: (وينتقل الرازي من إبطال النبوة والأديان إلى نقد الكتب المقدسة، وإبطالها، ويرتكز نقده، هنا، في المقام الأول، على تشبيه اللَّه وتجسيمه، وعلى ما في هذه الكتب من التضارب، وكان للقرآن بشكل خاص النصيب الأوفى والأشمل من النقد الذي وجهه الرازي إلى هذه الكتب، وهو ينقد القرآن، من الناحيتين: ناحية المعنى، وناحية الشكل، يقول: "قد واللَّه تعجبنا من قولكم القرآن هو معجز وهو مملوء من التناقض، وهو أساطير الأولين وهي خرافات"، ويقول: "إنكم تدعون أن المعجزة قائمة موجودة، وهي القرآن، وتقولون: من أنكر
стр. 1145
ذلك فليأت بمثله. . . إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام فعلينا أن نأتيكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء، وما هو أطلق منه ألفاظًا وأشد اختصارًا في المعاني، وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعًا، فإن لم ترضوا بذلك، فإنا نطالبكم بالمثل الذي تطالبوننا به"، وهذا النقد يتناول القرآن من حيث ألفاظه وتراكيبه وفصاحته وموسيقاه اللفظية، ويرى أن هناك نتاجًا أعلى، في هذا كله، من القرآن ويتناوله من حيث معناه، فيرى أنه أسطوري خرافي "من غير أن تكون فيه فائدة أو بينة على شيء". . .، وعلى هذا ينكر الرازي أن يكون القرآن معجزة أو حجة، أو أن تكون الكتب الدينية الأخرى معجزة أو حجة، ويرى أن الإعجاز والحجية يتمثلان في الكتب العلمية والفلسفية، يقول: "لو وجب أن يكون كتاب حجة، لكانت كتب أصول الهندسة والمجسطي الذي يؤدي إلى معرفة حركات الأفلاك والكواكب، ونحو كتب المنطق وكتب الطب الذي فيه علوم مصلحة الأبدان، أولى بالحجة، مما لا يفيد نفعًا ولا ضرًا ولا يكشف مستورًا"، وهكذا يرى الرازي أن الفعل هو وحده مصدر المعرفة وأصلها وأن النبوة باطلة، وهو لذلك يرى أن العقل هو الذي يهدي الإنسان، وأن النبوة هي التي تضله، ولقد كان من الخير والحكمة ألا يكون هناك أنبياء ولا أديان، إذ "لولا ما انعقد بين الناس من أسباب الديانات لسقطت المجاذبات والمحاربات والبلايا") (١).
وهكذا يسلك أدونيس نفسه في هذا المسلك الإلحادي ولكن تحت ستار الرازي الملحد، وبذلك يؤسس للحداثة العربية والعلمانية العربية الأساس الاعتقادي الذي تنطلق منه، والأصل الفكري الذي تنبثق عنه، وهذا ما حصل فعلًا على مستويات عديدة عند الحداثيين، حتى الذين لا يتبعون مدرسة أدونيس، فإن كثرة إدمانهم قراءة كتب الملاحدة القدماء والمحدثين، وشدة تعمقهم في الاطلاع على نتاجهم أوصلهم إلى دركات الإلحاد والجحد، وأمثلهم طريقة هو من لم يجرؤ على المجاهرة بالجحد الصريح،
стр. 1146
ولكنه ينطوي على شكوك كثيرة، ورِيَب عديدة، تجعله ينظر إلى الدين والوحي والنبوات وكل ما يترتب عليهًا نظرة الشك، ويكون بذلك من "اللاأدرية"، وهذا في حد ذاته كفر وضلال.
وفي ختام بحثه عن "تأصيل الأصول" يمتدح أدونيس منهج الرازي وهو في الحقيقة "منهش" بالشين المعجمة وليس منهجًا؛ لأن الإلحاد والكفر وإن تزيا بأزياء التفلسف والتعالم وغيرها، يبقى في حقيقة أمره تخلفًا وعتها فكريًا، وارتدادًا إلى حياة العجموات بل إلى ما هو أقل من ذلك، وما من ملحد أو مشرك أو شاك إلّا وهو حليف الباطل ومستلزماته من الكذب والكبر وغيرها، ويشهد لذلك ما في جدلياتهم من تشغيب وتكذيب وادعا وسفسطة وجهل وتناقض ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾ (١).
قال أدونيس: (لقد نقد الرازي النبوة والوحي وأبطلهما، وكان في ذلك متقدمًا جدًا على نقد النصوص الدينية في أوروبا القرن السابع عشر، إن موقفه العقلي نفي للتدين الإيماني، ودعوة إلى إلحاد يقيم الطبيعة والمحسوس مقام الغيب، ويرى في تأملهما ودراستها الشروط الأولى للمعرفة، وحلول الطبيعة محل الوحي جعل العالم مفتوحًا أمام العقل: فإذا كان للوحي بداية ونهاية فليس للطبيعة بداية ولا نهاية، إنها إذن خارج الماضي والحاضر: إنها المستقبل أبدًا) (٢).
أمّا أن الرازي نقد النبوة والوحي فليس بأولٍ في هذا فقد سبقه فرعون وقوم نوح وقوم صالح وكفار قريش وغيرهم، وهو في الحقيقة ليس نقدًا بل هو تهويش معهود من ملل الكفر وطواغيته، أمّا إبطال الوحي والنبوة فليس ذلك في مستطاعه ولو كان ظهيره كل أهل الأرض، ذلك أن حقائق النبوة والوحي في أصل ثبوتها، وفي دلائل صدقها في ذاتها وفي مقتضياتها وفي أخبارها الغيبية وموافقتها العلمية للتجارب البشرية الثابتة، يدل غاية الدلالة
стр. 1147
على أن براهين الحق وأدلته الحقيقة تفرض نفسها ولو كره الكافرون.
غير أنه يُمكن لنا هنا أن نلمس جانبًا من التفكير الحداثي والعلماني في سياق مواجهتهم وحربهم لدين الإسلام، فما أن يجدوا زنديقًا يقذف بشتائمه ودعاواه الباطلة إلّا اتحدوا معه وفرحوا به وأشادوا به، ورفعوا من شأنه، واستعاروا مواقفه وأقواله، في خضم عماوة غبية وجهالة ضلالية، وخذ مثالًا على ذلك أقوال أدونيس السابقة في مدح نظيره الرازي الملحد، وجعل عقيدته في الطبيعة هي المستقبل أبدًا، وما أصدق الوصف القرآني فيهم ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ (١).
والمقصود أن أدونيس بتقريره وشرحه لكلام الرازي الملحد وثنائه عليه، يعطي صورة عن مذهبه الإلحادي القائم على جحد النبوات والوحي، وهو أستاذ من أكبر أساتذة الحداثة في العالم العربي، فما ظنك بتلامذته والمحاكين له والمعجبين به؟.
لقد أسس أدونيس لأتباعه أسسًا اعتقادية من خلال الدعوة إلى الحداثة والإبداع، وأنشأ جيلًا من المثقفين والأدباء لا توقير عندهم للَّه تعالى، ولا منزلة للدين لديهم، فهم بين جاحد ومرتاب.
ولنأخذ شيئًا من تلقيناته التي يبثها فيهم ضد نصوص الوحي، وما يترتب على ذلك من لوازم ومقتضيات في الواقع، يقول:
(في الشرق حروب مسعرة تحت راية نص ديني أصيل، والإنسان العربي يقاتل دفاعًا عن مبادئ لا يؤمن بها، فهو جندي في خدمة الأوهام، يستميت لتوطيد قيوده.
وهذه الدعوات للتقيد بحرفية النصوص قد تعنف، وتتعاظم خاصة أن الشعوب عامة تزداد تقبلًا للطروحات العقائدية والتصورات الخرافية أو ما شابه.
стр. 1148
أوليست هذه النصوص أسسًا ودعائمًا لدولة إسرائيل؟
وللنصوص العربية دور مماثل.
ما النص الأصيل؟:
حسب التفسير الشائع -في الدين اليهودي والمسيحي والإسلامي- النص عالم تزول من الإرادة الإنسانية أمام إرادة اللَّه، فأي معنى يبقى لعالم فقد إنسانه واحتفظ باللَّه والنص؟ إذ أن جوهر الإنسان في غده وليس في ماضيه.
فجذوره مهيار في خطواته، والإنسان لم يجد هويته يوم صاغ لغته فحسب (١)، وإنّما وجد أصله، فمهيار نقيض كل نظام قائم على نصوص أصيلة، اتخذ الحرية مقرًا، والديمقراطية الاشتراكية عقيدة لا يقبل بأصل غير الإنسان) (٢).
يصح أن نطلق على هذا النص أنه من ملخصات "الإبداع الحداثي" الذي يضج القوم بالدعوة إليه إلى حد التقديس، فلا إبداع مع نصوص الوحي، مع الإسلام خاصة؛ لأن الكلام هنا موجه إلى العرب المسلمين، وهم ميدان المعركة التي يخوضها المستغربون ضد العقيدة والدين.
أي أن الإبداع لا يُمكن أن يلتقي مع "النص الأصيل" وهذه حقيقة من حيث واقع الحداثيين، أمّا من حيث التصور والإمكان فهذا مجرد وهم وادعاء، ووسيلة لجذب الأغرار إلى حمأة الإلحاد والكفر من خلال التغرير بهم والمخادعة لهم، بمثل هذه الكلمات الجوفاء و"لا إبداع مع النص" "النص ضد الإبداع" فتنشأ في نفوسهم البغضاء للنصوص الشرعية وما ينبثق منها، ثم تنشق "إبداعاتهم" عن ثمرات مرة نتنة من الشكوك والريب والإعراض والرد والاستكبار على دين اللَّه ومنهجه.
стр. 1149
وإذا كان أدونيس يعلم أن دولة اليهود قامت على نصوص التوراة المحرفة والتلمود الماكر، فلم يستكبر ويعرض بجانبه ويثني عطفه إذا نادى مسلم بإقامة المجتمع والدولة على أساس الإسلام؟.
بل إن أدونيس وهو يحارب النص باعتباره عالم تزول فيه الإرادة الإنسانية -حسب قوله- يمارس ذلك أبشع ممارسة حين يستعيد النص النصيري الباطني، ويسعى في إحيائه وترسيخه وبثه (١)، بل إنه يستعير النص الغربي بطريقة انتحالية فجة، ويستنسخ أقوال الغربيين ونصوصهم ويترجمها إلى اللغة العربية، ناسبًا النص المستنسخ إلى نفسه.
وقد تراكمت انتحالاته للنصوص الغربية وغيرها إلى حد جعل بعض الحداثيين يؤلف في ذلك كتابًا بعنوان "أدونيس منتحلًا" أثبت فيه المؤلف بالوثائق والشواهد انتحالات أدونيس "عميد الحداثة العربية"، وقال عنه: (ثمة نادرة بصدد أدونيس شائعة لدى المهتمين بالشعر العربي مفادها أن الرجل طالما "يعيد طبخ" ما لغيره، تلخص هذه الصيغة بالطبع ما يقعون عليه في شعره هنا وهناك من أصداء لأعمال الآخرين، يعيد هو "معالجتها" أو يذيبها في نسيج لغته، بحسب التحديد العلمي الذي سنعود إليه، تدخل هذه الأصداء في عداد السرقة، لكن هناك في أذهان الكثيرين منها أيضًا جملًا كاملة مأخوذة عن الآخرين بالحرف الواحد أي: منحولة هذه الجملة، التي يقدم لك كل واحد من متتبعي الشاعر عددًا منها، هي الخيط الموصل إلى انتحالات أدونيس الكبرى) (٢).
ومن ضمن الشواهد التي ساقها المؤلف لإثبات سرقات أدونيس مقال له عن الوحي نشره في مجلة مواقف العدد ٤٣ خريف ١٩٨١ م/ ١٤٠١ هـ يذكر فيه أن الوحي مجرد وهم، ولكنه وهم يفعل في نفوس المؤمنين به
стр. 1150
وعقولهم كأنه الحقيقة الوحيدة الأولى والأخيرة، وذكر المؤلف أنه سرق ذلك عن محمد أركون (١).
أمّا في نتاجه المسمى شعرًا فقد نال من الوحي وتهكم به في هجائية حداثية ورمزية إحداثية، تحتوي على معاني عديدة من الانحراف الذي تشبعت نفسه به.
ومن ذلك قوله قاصدًا الوحي، وكلمات النصوص الشرعية:
(كلمات بلا قمر تعبر نحونا، غيمة عابسة تحمل ثلج البلاد
ابتعد أيها المجوسي الضيف قبل الأوان تدخل تخومنا
وجهنا أمير على الفراغ وتاريخنا زبد
ابتعد ابتعد
الوحل يطرح شباكه علينا
الوحل بلغنا بنسيجه) (٢).
ويشير إلى القرآن باسم صوت اللَّه -تعالى اللَّه وتقدس- ناسبًا إليه الفساد والتخلف والجمود، يقول:
(أغير الحياة: شكل سيرها
وآدميًا موثقًا يخبزه
يغض بالهواء - يبقى اللَّه في حلقومه معلقًا؛
ولا يزال صوته
يجتاحني، وفمه حجارة:
خطاي لا أريدها) (٣).
стр. 1151
ويعبر عن ماديته وإلحاده ومضادته للوحي في قوله:
(أطلق سراح الأرض، وأسجن السماء. . .) (١).
ويسوق ألفاظ الهجاء الحداثي العلماني المعتادة ضد الدين والوحي وما ينبثق منها، فيصفها بالسلاسل والمسامير والقضبان، وهي رموز للتخلف والإرهاب الفكري، ثم يسخر بالمصطلحات الإسلامية الاعتقادية كالتقديس للوحي والتصديق به، والتسليم له، والإمساك عن ما أمسك عنه، وترك البدع والمحدثات، يقول:
(ثمة سلاسل، مسامير، قضبان
بشر بأقدام أربع تصهل وعلى اللجام أحلام وعطور
التقديس التصديق والعجز
السكوت، الإمساك الكف التسليم التسليم
ثمة أصوات تتعالى
البدعة البدعة! المحدث المحدث!
نبطل سنة قديمة
نرد للإنسان اسمه، ونبدأ
اقرع أيها الزمن اقرع) (٢).
وهذه ألفاظ لا تحمل معنى ألفاظ الهجاء الجاهلي القديم الذي كان يوجهه كفار العرب الأوائل ضد النبي ﷺ وضد القرآن وقصارى أمر هذه الكلمات الألفاظ أنها كلمات شائهة هرمة لا وزن لها في ميدان النظر والحجاج.
стр. 1152
ويحلم أدونيس بالطائر المخلبي والرمح، وهي رموز ثناء لفكرته الإلحادية "الحُلُم" التي يرى أنها سوف تغطي على القرآن "الحروف المقدسة" ولكنها أوهام وأمنيات أولياء العنكبوت، وأكوام الرماد الذي اشتدت به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون مما كسبوا أو تمنوا على شيء؛ لأن اللَّه حافظ كتابه ودينه ولو كره الكافرون، يقول أدونيس:
(الحلم طائر مليء المخالب يعشعش في سقف الأيام.
رمح يخرق الفارس والدرع
يجلس فوق الغنيمة ويشرب النجيع كالخمر
نجيع اللؤلؤ والكتاتيب
الحروف المقدسة وأسرار الموائد والكراسي) (١).
وغير ممكن تتبع كل أقواله التي من هذا النوع، ويُمكن القول إجمالًا بأنه يصف القرآن بالغبار ويجعله رمزًا للتخلف (٢)، ويقول عنه بأنه الورق الميت في كتاب قديم (٣)، وأنه كلام السماء وشجر النوم (٤)، ويدعى زوال الوحي ويقول بأن الوحي مات (٥)، ويسعى في خطة حداثية معروفة لما يسميه "محو نص الرمل" (٦) أي: محو القرآن وإبعاده؛ لأنه مادي ابن الأرض، والأرض حضورها غياب للسماء للوحي (٧).
أمّا السخرية والتدنيس للوحي وأسماء الكتب المنزلة فكثير في كلامه (٨)،
стр. 1153
فمرة يجعل جسد الحبيبة إنجيل من الحبر (١)، ومرة يقول: (خريطتي أرض بلا خالق والرفض إنجيلي) (٢)، وحينًا يجعل حداثته دينًا ويقول: (أبدع إنجيلي) (٣)، وحينًا آخر يقول: (إنجيل الفضاء) (٤)، ويقول: (سكنت إنجيل الرضاعة) (٥).
أمّا سخرياته واستخفافه بالقرآن العظيم فكثيرة منها استشهاده بقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (٦) في بداية مقطوعة جنسية فاضحة بعنوان "تحولات العاشق" (٧) حيث يوظف هذه الآية الكريمة توظيفًا جنسيًا في استهانة واضحة مقصودة، ومن ذلك وصفه للحداثة بأنها فضاء يؤرخ وشهب تؤسس الفضاء ثم يورد آيات من القرآن جاعلًا الحداثة هي الكتاب من غير ريب، فيقول:
(السلام للفضاء الذي يؤرخ لنا
السلام للشهب التي تؤسس الفضاء
ألف لام ميم
ذلك الكتاب
لا ريب لا ريب) (٨).
стр. 1154
ويدنس اسم الآية والكتاب الكريم حين يستخدمها في ثنائه على توجهه وعقيدته في قوله:
(جامح احتضن الأرض كأنثى
وأنام، موقظًا حبي فيها
لهبًا يفتح، يستنزل فيها
آية
اني كتاب
ودمي حبر
وأعضائي كلام) (١).
أما إنه آية زيغ وضلال وكتاب غواية وانحراف.
ويستخدم مطالع بعض سور القرآن المجيد في شعره في تقصد للتدنيس والاستخفاف فيقول:
(حم، آلم
حيث أفرغ قلبي من أخبار الغير
أمحو الحدود. . .
وتكون أشيائي مرموزة
ولست أنا من ينطق بها
بل
حم، آلم
ولست أنا من يكتب) (٢).
стр. 1155
وقد يظن بعض الأغرار بأن ذلك اعتراف من أدونيس بالقرآن، غير عالم بأن الحداثيين وعميدهم أدونيس يرون أن القرآن مجرد تراث فلكلوري (١) يُمكن استخدام رموزه في سياق حداثي تدنيس.
بل لقد صرح أدونيس بأن القرآن شعر لا كالشعر (٢)، وإنه جاء توكيدًا لحاجة عضوية نشأت في وسط اجتماعي أمي، ولذلك كان فنًا قوليًا وخطابيًا، وأن خطابية القرآن للتعليم والتحريض والتأثير وإذكاء الحماسة، وهذه صفات الخطابة وليست صفات العقل والفلسفة، ولذلك أوجد القرآن كما يفهم من كلامه عقليات متخلفة وجماهير استمالها هذا النص الخطابي (٣)، وبذلك يرى أن القرآن العظيم قد أثر سلبًا في الذوق الأدبي العربي (٤).
ولا غرو أن يكون هذا موقفه وقد مضى معنا كيف أثنى على الرازي الملحد جحده للنبوة وسخريته بالكتب المنزلة وخاصة القرآن، وسعيه لإبطال القرآن العظيم والتهكم بمعجزاته، وجعله كتب الفلسفة والحساب والطب هي الحجة (٥).
وأثنى أيضًا على الزنديق ابن الراوندي في اعتراضه ورده لإعجاز القرآن، وقوله بأن المعنى في القرآن متناقض، وتهكمه بالكتاب العظيم (٦).
وامتدح عبد اللَّه بن المقفع قائلًا: (كان ابن المقفع من أوائل الذين وقفوا من الدين موقفًا عقليًا، فانتقد الدين بعامة وخص الإسلام، فانتقد
стр. 1156
القرآن، وما فيه من عقائد، وتصوره للَّه والرسول. . .) (١).
كل ذلك في سياق جحده وإنكاره ومحاولاته الإلحادية في إبطال الدين الإسلام والتشكيك في أصوله، وقد استنسخ أتباعه ومحبوه هذه المضامين الاعتقادية الضالة وساروا على منواله فيها.
وقد مرّ معنا كيف استخدم بعض السور والآيات في كلامه على سبيل الاستخفاف والتدنيس، وكيف استعمل اسم الآية والسورة ومطالع بعض السور استعمالًا حداثيًا يستهدف الحط من شأن القرآن، والتقليل من مكانته وقداسته، وليس هذا خاصًا بأدونيس، بل وغيره من أصحاب الملة الحداثية سلكوا هذا المسلك وخاصة في جعل الشعر قرآنًا، وجعل القرآن العظيم شعرًا من خلال تسمية القصائد سورًا والأبيات الشعرية آيات، ومن خلال وصف القرآن بأنه شعر.
وهذا دليل على أن الكفر وإن تغيرت أزمانه فإن أصحابه يحاكون بعضهم ويرددون أقوال بعض، ففي هذا اللون من الانحراف نجد أن الكفار الأوائل قالوا عن القرآن بأنه شعر ووصفوا النبي ﷺ بأنه شاعر، مع وجود الفرق الكبير الهائل بين نسق القرآن العظيم، ونظم الشعر، فضلًا عن الفرق العظيم بين المعاني والمضامين القرآنية، وما في الشعر من ضعف وحشو وهزال، ولا جرم أن يكون الفرق بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، إذ الفرق بين كلام اللَّه وكلام البشر كالفرق بين اللَّه -جلَّ وعلا- والبشر.
ومن أقوال الكفار الأوائل في وصف القرآن وناقله ﵊ ما حكاه اللَّه عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ (٢).
стр. 1157
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (١).
ولذلك رد اللَّه عليهم هذه الدعاوى المتخبطة والمجادلة الباطلة، فقال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (٢)، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ (٣)
وأقوال الحداثيين والعلمانيين المعاصرين في إضافة الشعر إلى القرآن، ووصف القرآن بالشعر هي من جنس أقوال أسلافهم الذين ذكرهم اللَّه في القرآن العظيم، وقد مر معنا قول أدونيس القرآن شعر لا كالشعر (٤)، وقد كان جبران خليل جبران يسمي قصائده سورًا، وسمى إحدى قصائده "سورة القدر" وذلك ضمن طموحه العظيم -كما يقول باروت- أن يكون نبيًا (٥).
وفي إحدى وثائق الكتاب الدوري قضايا وشهادات جاءوا لأحد أسلافهم بقول فيه: (الشعر يا قوم يا ذوي العيون رسالة ووحي لا شعوذة ولا تدجيل، ومعاذ الرسالة والوحي أن يهبطا إلّا على طهر القلوب. . . جعلت هذه النفحات مقطوعات دعوت كلًا منها "سورة" أو "أغنية") (٦).
ونشرت مجلة مواقف مقطوعة لشاعر حداثي بعنوان "آية الرجم" وتقول المجلة أنه عنوان لمجموعة شعرية جديدة تتكون من خمس "سور"، واكتفت
стр. 1158
المجلة بنشر "سورتين" من هذه المجموعة التي يلتزم فيها الشاعر بحرف الجيم في كل سطر (١).
وفي قضايا وشهادات ما نصه: (إن رواية حدث أبو هريرة (٢) إن صح التعبير آيات انحلت وانفرطت فأعيد تجميعها وصفها بنسق مغاير، فاحتفظت بخيوط الأصل وإن حاكت منها ثوبًا فنيًا جديدًا. . .، ويخلق المسعدي (٣) الجو القرآني برجوعه إلى أماكن وأسماء ترتبط ذهنيًا بالنبوة والدعوة الإسلامية، فهو يكثر من ذكر آدم وحواء ومكة ويشير إلى أهل الكهف وأبي رغال والكعبة والحجر الأسود وغار حراء، وبالإضافة إلى ذلك فإن المفردات التي تتواتر في نصه قرآنية. . .، وتتراوح فصول الرواية في الطول والقصر كما تتراوح السور في القرآن. . .، وترسيخًا لكل ما سبق من استدعاءات قرآنية فقد استهل المسعدي روايته بما أطلق عليه "الفاتحة" وهي تسبق الفصل الأول، ولكن عوضًا عن أن تكون صلاة لرب العالمين فهي بيت شعر) (٤).
وعن هذه الرواية قال مؤلفا رأيهم في الإسلام في سياق ترجمتهم لمؤلف الرواية: (فعمله الأساسي "هكذا تكلم أبو هريرة" يتبع الشكل القرآني والشرعي كما الحديث الشريف، ومن المصادفات أن يكون بطل المسعودي مشكوكًا في وجوده التاريخي الذي ينفيه دارسو الإسلام) (٥).
стр. 1159
وهذا افتراء على الإسلام من جملة افتراءات عديدة حشي به الكتاب، الذي ألف من أجل إعلاء شأن المعادين للإسلام واتخاذهم أدوات لهدمه، وإلّا فمن قال من دارسي الإسلام بأن شخصية الصحابي الجليل أبي هريرة الدوسي ليست حقيقية؟.
وقد يظن بأن محمود المسعدي حين قالوا عنه بأنه أخذ من القرآن واهتم بالقرآن أنه لعلم منه بالقرآن أو تقديس منه وتوقير للقرآن، كلا، إن المسألة لا تعدو أن تكون استعمالًا أدبيًا بحتًا للقرآن والحديث على اعتبار أنهما من التراث!!.
ولكي نعرف مدى علم المسعدي بالقرآن وبالشرع الإسلامي وضوابطه وأحكامه نقرأ له هذا النص: (فعلى الإنسان أن يعي حالته ووضعه إذا شاء التبصر بالمجتمع والثقافة، فتذكيرًا بآية قرآنية تقول ما معناه: العالم -المجتمع- لا يتبدل طالما الإنسان لا يتغير، والمقصود تغيير نظرة الإنسان للكون، وفي ذلك انطلاقة تجديد) (١).
ومن المعلوم أن هذا القول منه في رواية القرآن بالمعنى يعرف تحريمها صغار الطلاب من أبناء المسلمين.
وهذا التحريف والاستهانة بالقرآن يذكر بنص آخر لمحمد أركون يقول فيه: (العدو الرئيسي هو عجز المجتمعات الإسلامية عن السيطرة على التحرك الأعمى، داخليًا كان أم خارجيًا الذي يتحكم بمجرى تاريخنا، وهذا ترجمة حالية للآية القرآنية القائلة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾) (٢).
ويذكر بنص آخر استشهد فيه أحد الحداثيين -كما يزعم- بآية قال فيها: "كل من على الأرض فان ولا يبقى إلّا وجه ربك ذي الجلال والإكرام"
стр. 1160
البشرية باقية والإنسان زائل حتى ولو ضحى أحيانًا بشيء من حياته الخاصة) (١).
ومن المعلوم أن الاستهانة بحقوق الألفاظ والنقول والنصوص هو دأب المغالطين والمعاندين، فإن الآية الأولى التي يشيرون إليها هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، والآية الثانية هي قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٣)، ويا للعجب من الحداثة العربية الفكرية والأدبية ما أشد عناية أصحابها بالنصوص، وما أعمق معرفتهم بها وما أقوى صلتهم بمصادرها!!.
وكيف لا يكون هذا هو حالهم وقد نزولوا سوق الحداثة القائم على الفوضى وضياع حقوق الألفاظ والنصوص والمعاني والدلالات.
أمّا نزار قباني فلا يجد لقصيدة النثر -التي لا يعترف بها كثير من الحداثيين لتهافتها وضعفها وتفكك مبناها- إلّا أن ينسبها إلى القرآن العظيم وإلى سور معينة منه، وإلى التوراة أيضًا، يقول: (احتمالات النثر لا نهائية، ومن هذه الاحتمالات قصيدة النثر التي نجد لها أصولًا في الكتب المقدسة، كما في سورة مريم وسورة الرحمن وفي قصار السور القرآنية، كذلك نجدها في نشيد الإنشاد وفي المزامير) (٤).
وعلى ضخامة هذا الاستخفاف بالقرآن العظيم فإن القاريء لما يسمى "قصيدة النثر" في نتاج توفيق صايغ أو أنسي الحاج أو أدونيس، لا يُمكنه -إن كان صاحب ذوق وأدب- إلّا أن يتقزز من كلمات متراكمة وفواصل وعلامات ترقيم وفراغات تدل على فراغ عقول وقلوب أصحابها.
ويكفي المتأمل العاقل أن يعلم أن أول من اخترع قصيدة النثر هي