← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

القرآن، وما فيه من عقائد، وتصوره للَّه والرسول. . .) (١). كل ذلك في سياق جحده وإنكاره ومحاولاته الإلحادية في إبطال الدين الإسلام والتشكيك في أصوله، وقد استنسخ أتباعه ومحبوه هذه المضامين الاعتقادية الضالة وساروا على منواله فيها. وقد مرّ معنا كيف استخدم بعض السور والآيات في كلامه على سبيل الاستخفاف والتدنيس، وكيف استعمل اسم الآية والسورة ومطالع بعض السور استعمالًا حداثيًا يستهدف الحط من شأن القرآن، والتقليل من مكانته وقداسته، وليس هذا خاصًا بأدونيس، بل وغيره من أصحاب الملة الحداثية سلكوا هذا المسلك وخاصة في جعل الشعر قرآنًا، وجعل القرآن العظيم شعرًا من خلال تسمية القصائد سورًا والأبيات الشعرية آيات، ومن خلال وصف القرآن بأنه شعر. وهذا دليل على أن الكفر وإن تغيرت أزمانه فإن أصحابه يحاكون بعضهم ويرددون أقوال بعض، ففي هذا اللون من الانحراف نجد أن الكفار الأوائل قالوا عن القرآن بأنه شعر ووصفوا النبي ﷺ بأنه شاعر، مع وجود الفرق الكبير الهائل بين نسق القرآن العظيم، ونظم الشعر، فضلًا عن الفرق العظيم بين المعاني والمضامين القرآنية، وما في الشعر من ضعف وحشو وهزال، ولا جرم أن يكون الفرق بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، إذ الفرق بين كلام اللَّه وكلام البشر كالفرق بين اللَّه -جلَّ وعلا- والبشر. ومن أقوال الكفار الأوائل في وصف القرآن وناقله ﵊ ما حكاه اللَّه عنهم في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ (٢).

стр. 1157

وقوله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ (١). ولذلك رد اللَّه عليهم هذه الدعاوى المتخبطة والمجادلة الباطلة، فقال سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ (٢)، وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ (٣) وأقوال الحداثيين والعلمانيين المعاصرين في إضافة الشعر إلى القرآن، ووصف القرآن بالشعر هي من جنس أقوال أسلافهم الذين ذكرهم اللَّه في القرآن العظيم، وقد مر معنا قول أدونيس القرآن شعر لا كالشعر (٤)، وقد كان جبران خليل جبران يسمي قصائده سورًا، وسمى إحدى قصائده "سورة القدر" وذلك ضمن طموحه العظيم -كما يقول باروت- أن يكون نبيًا (٥). وفي إحدى وثائق الكتاب الدوري قضايا وشهادات جاءوا لأحد أسلافهم بقول فيه: (الشعر يا قوم يا ذوي العيون رسالة ووحي لا شعوذة ولا تدجيل، ومعاذ الرسالة والوحي أن يهبطا إلّا على طهر القلوب. . . جعلت هذه النفحات مقطوعات دعوت كلًا منها "سورة" أو "أغنية") (٦). ونشرت مجلة مواقف مقطوعة لشاعر حداثي بعنوان "آية الرجم" وتقول المجلة أنه عنوان لمجموعة شعرية جديدة تتكون من خمس "سور"، واكتفت

стр. 1158

المجلة بنشر "سورتين" من هذه المجموعة التي يلتزم فيها الشاعر بحرف الجيم في كل سطر (١). وفي قضايا وشهادات ما نصه: (إن رواية حدث أبو هريرة (٢) إن صح التعبير آيات انحلت وانفرطت فأعيد تجميعها وصفها بنسق مغاير، فاحتفظت بخيوط الأصل وإن حاكت منها ثوبًا فنيًا جديدًا. . .، ويخلق المسعدي (٣) الجو القرآني برجوعه إلى أماكن وأسماء ترتبط ذهنيًا بالنبوة والدعوة الإسلامية، فهو يكثر من ذكر آدم وحواء ومكة ويشير إلى أهل الكهف وأبي رغال والكعبة والحجر الأسود وغار حراء، وبالإضافة إلى ذلك فإن المفردات التي تتواتر في نصه قرآنية. . .، وتتراوح فصول الرواية في الطول والقصر كما تتراوح السور في القرآن. . .، وترسيخًا لكل ما سبق من استدعاءات قرآنية فقد استهل المسعدي روايته بما أطلق عليه "الفاتحة" وهي تسبق الفصل الأول، ولكن عوضًا عن أن تكون صلاة لرب العالمين فهي بيت شعر) (٤). وعن هذه الرواية قال مؤلفا رأيهم في الإسلام في سياق ترجمتهم لمؤلف الرواية: (فعمله الأساسي "هكذا تكلم أبو هريرة" يتبع الشكل القرآني والشرعي كما الحديث الشريف، ومن المصادفات أن يكون بطل المسعودي مشكوكًا في وجوده التاريخي الذي ينفيه دارسو الإسلام) (٥).

стр. 1159

وهذا افتراء على الإسلام من جملة افتراءات عديدة حشي به الكتاب، الذي ألف من أجل إعلاء شأن المعادين للإسلام واتخاذهم أدوات لهدمه، وإلّا فمن قال من دارسي الإسلام بأن شخصية الصحابي الجليل أبي هريرة الدوسي ليست حقيقية؟. وقد يظن بأن محمود المسعدي حين قالوا عنه بأنه أخذ من القرآن واهتم بالقرآن أنه لعلم منه بالقرآن أو تقديس منه وتوقير للقرآن، كلا، إن المسألة لا تعدو أن تكون استعمالًا أدبيًا بحتًا للقرآن والحديث على اعتبار أنهما من التراث!!. ولكي نعرف مدى علم المسعدي بالقرآن وبالشرع الإسلامي وضوابطه وأحكامه نقرأ له هذا النص: (فعلى الإنسان أن يعي حالته ووضعه إذا شاء التبصر بالمجتمع والثقافة، فتذكيرًا بآية قرآنية تقول ما معناه: العالم -المجتمع- لا يتبدل طالما الإنسان لا يتغير، والمقصود تغيير نظرة الإنسان للكون، وفي ذلك انطلاقة تجديد) (١). ومن المعلوم أن هذا القول منه في رواية القرآن بالمعنى يعرف تحريمها صغار الطلاب من أبناء المسلمين. وهذا التحريف والاستهانة بالقرآن يذكر بنص آخر لمحمد أركون يقول فيه: (العدو الرئيسي هو عجز المجتمعات الإسلامية عن السيطرة على التحرك الأعمى، داخليًا كان أم خارجيًا الذي يتحكم بمجرى تاريخنا، وهذا ترجمة حالية للآية القرآنية القائلة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾) (٢). ويذكر بنص آخر استشهد فيه أحد الحداثيين -كما يزعم- بآية قال فيها: "كل من على الأرض فان ولا يبقى إلّا وجه ربك ذي الجلال والإكرام"

стр. 1160

البشرية باقية والإنسان زائل حتى ولو ضحى أحيانًا بشيء من حياته الخاصة) (١). ومن المعلوم أن الاستهانة بحقوق الألفاظ والنقول والنصوص هو دأب المغالطين والمعاندين، فإن الآية الأولى التي يشيرون إليها هي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢)، والآية الثانية هي قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ (٣)، ويا للعجب من الحداثة العربية الفكرية والأدبية ما أشد عناية أصحابها بالنصوص، وما أعمق معرفتهم بها وما أقوى صلتهم بمصادرها!!. وكيف لا يكون هذا هو حالهم وقد نزولوا سوق الحداثة القائم على الفوضى وضياع حقوق الألفاظ والنصوص والمعاني والدلالات. أمّا نزار قباني فلا يجد لقصيدة النثر -التي لا يعترف بها كثير من الحداثيين لتهافتها وضعفها وتفكك مبناها- إلّا أن ينسبها إلى القرآن العظيم وإلى سور معينة منه، وإلى التوراة أيضًا، يقول: (احتمالات النثر لا نهائية، ومن هذه الاحتمالات قصيدة النثر التي نجد لها أصولًا في الكتب المقدسة، كما في سورة مريم وسورة الرحمن وفي قصار السور القرآنية، كذلك نجدها في نشيد الإنشاد وفي المزامير) (٤). وعلى ضخامة هذا الاستخفاف بالقرآن العظيم فإن القاريء لما يسمى "قصيدة النثر" في نتاج توفيق صايغ أو أنسي الحاج أو أدونيس، لا يُمكنه -إن كان صاحب ذوق وأدب- إلّا أن يتقزز من كلمات متراكمة وفواصل وعلامات ترقيم وفراغات تدل على فراغ عقول وقلوب أصحابها. ويكفي المتأمل العاقل أن يعلم أن أول من اخترع قصيدة النثر هي

стр. 1161

مجلة شعر (١) المعروفة بعمالتها، وأن إرهاصاتها كانت على يد دعاة الشعر المنثور من نصارى العرب (٢)، وإن كان أصحاب التحلل الديني لا يعتبرون ذلك مسبة؛ لأنه قد تساوى عندهم العقائد والملل الحقة والضالة، بل لهذه الأخيرة المقام الأسمى عندهم!!. وحتى يتضح مقدار الكذب الذي ألقاه نزار عن قصيدة النثر وإضافتها إلى القرآن العظيم -شرفه اللَّه- يُمكن لنا أن نقرأ كلام بعض رواد وكتاب ونقاد الأدب العربي المعاصر في موقفهم من الغثاء الذي يطلقون عليه اسم "قصيدة النثر". يقول جهاد فاضل عن هذه العصابة: (إذا كتبوا نثرًا، ونثرًا رديئًا سموه شعرًا) (٣). ويقول: (وهبطت نعمة من السماء تدعى قصيدة النثر تلقفها أول من تلقفها من كان مرفوضًا في الماضي في امتحان الشروط الشكلية، ولكن بدل أن يقنع هذا بحظه في نادي الشعر أصيب بالخيلاء وبات يعتبر أن موسيقى الشعر تحول دون الشعر، وأن الشعر لا يتحقق إلّا بالنثر، وأكثر من ذلك اعتبر أن جذور قصيدة النثر موجودة في التراث العربي، وهي تمتد إلى العصر الجاهلي، فسجع الكهان في الجاهلية قصائد نثر، وآيات القرآن الكريم قصائد نثر، وكذلك خطب الإمام في نهج البلاغة وشطحات المتصوفة. مثل هذا النظر لا يستقيم بالطبع مع الحقائق التاريخية والموضوعية معًا، فقصيدة النثر، إذا أريد معرفة جذورها، فهذه الجذور موجودة في التراث الشعري الأوروبي، لا في التراث الشعري أو الأدبي العربي، إنها موجودة في كتابات رامبو وبودلير ولوتريامون وسواهم، أمّا اللغة العربية فلم تعرف

стр. 1162

في تاريخها مثل هذا النمط من التعبير) (١). (ورغم الحبر الكثير الذي أريق منذ ربع قرن حول علاقة قصيدة النثر بالشعر، فما زالت قصيدة النثر العربية قصيدة عربية غير شرعية وغير مقنعة، إنها صنو العجز ومرادف الخيبة، وما زال مكانها هو النثر لا الشعر) (٢). (لقد رفضنا قصيدة لا لنسبها الأجنبي (٣) بل لأن تاريخها عندنا حافل بقلة الشعر وكثرة النثر الرديء، أنت تقول أنها "نبضة كامنة" نحن نقول إذا كان من كمون في هذه النبضة الهابطة فهو للعجز، وإذا كان من بروز فهو للشهوة الشعرية الخائبة!) (٤). (الأمر الذي ينير الانتباه أن أكثر الذين كتبوا قصيدة النثر أو دافعوا عنها لهم "موقف" من التراث العربي الإسلامي، إنهم هاربون من هذا التراث لا منطلقون منه، أن التراث في ضميرهم مشكلة لا عملية انتماء فخور) (٥). (إني لا أريد أن أقول أن الفكر القابع وراء التنظير لقصيدة النثر هو فكر أقلي، وهناك ألف دليل على ذلك) (٦). (لقد قرأت في الفترة الأخيرة كتبًا في نقد الشعر فوجدتها مصابة بعدوى "قصيدة النثر" فبدلًا من أن تكون لغة النقد لغة علمية باحثة محللة منقبة مقارنة كانت لغة الطبيعة في ليلة من ليالي كانون: غيوم داكنة سوداء مشحونة بما لا يعلم أحد حتى الناقد نفسه، وأفق ضبابي سديمي لا يرى فيه شيء وهكذا وقع الناقد فرية الإبهام والتعمية، اصطاده

стр. 1163

صاحب قصيدة النثر وقذف به في متاهاته، وتحول النقد إلى نوع من قصيدة النثر نفسها) (١). (في خلال السنوات العشرين الماضية جرت أعظم عملية استيطان في الثقافة العربية أريد بموجبها زرع قصيدة النثر في الشعر العربي واعتبارها شكلًا شعريًا شرعيًا) (٢). وليس هذا موقف جهاد فاضل وحده، بل حتى خليل حاوي يهاجم هذه الفوضى المسماة "قصيدة النثر" فيقول عنها: (إنها ظاهرة مرض يسعى إلى إخفاء حقيقته ببهرج الصورة وزخرفها الزائف، ومما يلاحظ في شعر هؤلاء إن الانجذاب إلى صور ملتقطة من النتاج السوريالي تفرض عليهم طبيعة المضمون في شعرهم، لهذا يتكشف للمتبصر في صورهم أنها لا تعبر عن شحنة من تجربة شعورية مكثفة، وأفكار مكتنزة تذوب في وهج الشعور، بل عن تجارب مجتلبة تنطوي على فراغ في فراغ) (٣). والرد على نزار قباني من كلامه أقوى وأشد، فقد تناول الشعر الحديث بأوصاف تنطبق أول ما تنطبق على ما يسمى "قصيدة النثر" وإن كانت تعم كل الشعر الحديث، يقول قباني: (الشعر العربي واقع في أزمة ثقة مع الناس، فقد رمى نفسه من الطابق التاسع والتسعين للقصيدة القديمة، ولا يزال عالقًا بين السماء السابعة والأرض، أفلت رجليه عن حافة الشرفة العتيقة، ولم يجد أي شرفة بديلة يتعلق بها، كل هذا يجري والناس الذين تحت يضحكون يصفرون ويطلقون النكات على هذا المجنون الهابط عليهم من كوكب لا يعرفونه والذي يتكلم بلسان لا يعرفونه. . . نطلب من الشاعر الحديث أن يكون طبيعيًا؛ لأن النتاج الشعري الذي

стр. 1164

نقرأه (١) اليوم هو ضد الطبيعة وضد نفسه وضد النظام الشعري) (٢). ويتحدث سامي مهدي (٣) في كتابه أفق الحداثة عن الصراع بين عصابة شعر وأضدادهم من الحداثيين حول الشعر الحر وقصيدة النثر، ثم يقول: (لكل ما تقدم انجلى الصراع عن النتائج التالية: ١ - لم يجد الشعر الحر مريدين له أو مروجين، ولعله لم يستهو أحدًا من الشباب سوى "رياض نجيب الريس (٤) " الذي أصدر مجموعة يقتفي فيها أثر توفيق صايغ. . . ٢ - وجدت قصيدة النثر أرضًا خصبة لها في صفوف قطاع من الناشئين في لبنان، هم أولئك الذين تعلموا اللغة الفرنسية، ووجدوا في أطروحات مجلة شعر ما يبرر لهم الانقطاع النفسي عن التراث العربي، والانصراف عن دراسته والبحث فيه، وما يزهدهم في علم العروض ويشجعهم على إهماله كاملًا، ونبذ الوزن والاستخفاف بقيمته، واعتبار كل ذلك أمورًا لا غنى فيها ولا أهمية لها. ٣ - أمّا في باقي أقطار الوطن العربي لم تجد قصيدة النثر إلّا عددًا ضئيلًا من المريدين. . .) (٥). (وهكذا استنفذت قصيدة النثر نفسها بعد سنتين أو ثلاث من استيرادها، وانتهى الشعراء الذين اتخذوها شكلًا وحيدًا للتعبير الشعري إلى

стр. 1165

طريق مسدودة وخير مثال على ذلك أنسي الحاج، فإذا كان الرجل قد كابر واستمر ونشر ثلاث مجموعات بعد إيقاف مجلة شعر، فإن هذه المجموعات لتشهد على سقوطه السريع في "النمط" و"التكرار". . .، وهكذا أثبتت التجربة أن قصيدة النثر هي شكل من أشكال التعبير النثري التي تتشبه بالشعر للاستفادة من بعض خصائصه، وليس فيه ما يبرره سوى ذلك) (١). وقد ذكر مؤلف "أسئلة الشعر" مدى الحيرة والاضطراب عند الحداثيين في تفسير مصطلح حداثة، ثم تجربة مجلة شعر واصطدامها بالجدران إثر عبثها باللغة والشعر من خلال طروحاتها، ثم يأتي بنموذج من شعر الانحطاط العربي الحديث، من كلام أنسي الحاج، مقطوعة بعنوان "حديث مع أبي التهوف" تثبت مقدار الانحطاط الحداثي (٢). وفي الحقيقة أن ما ينطبق على قصيدة النثر ينطبق أيضًا على أنماط أخرى من الحداثة، ويصح إطلاقه على مشاريع حداثية عديدة، ولكن المكابرات الحداثية ما تزال تضرب بأطنابها على قلوب الحداثيين. وبعد هذه النصوص العديدة التي تبين مدى تفاهة "قصيدة النثر" وهي شهادات من داخل الاتجاه الحداثي، يُمكن لنا أن نتبين إلى حد بلغ الكذب الفكري والادعاء الحداثي والتدنيس الاعتقادي عند نزار قباني حين يجعل قصيدة النثر تعود في أصولها إلى القرآن. وليست هذه الوحيدة من أوابد هذا الحداثي، بل له أقوال أخرى من قبيل قوله: (ويسألونك عن الشعر قل الشعر من علم ربي) (٣). ويشبه قول نزار قباني الذي يلحق فيه قصيدة النثر بالقرآن قول الحداثي اليمني عبد العزيز المقالح الذي يخلط فيه الأمور خلطًا حداثيًا معهودًا، وذلك في قوله: (المفهوم الحقيقي للشعر عند العرب وعرب الجاهلية بخاصة

стр. 1166

لا يجعل الوزن شرطًا ضروريًا لتكون الكتابة شعرًا ولم يظهر مفهوم الشعر "هو الكلام الموزون المقفى" إلّا في عصور متأخرة، ولو قد كان ذلك المفهوم شائعًا لما كان ذلك الوقف العجيب من القرآن الكريم، هذا الكتاب المقدس الذي ادهشهم بإيقاعه الجميل وببلاغته المنتقاه. . . إن فارقًا كبيرًا بين المعلقات ومعمارها وبين هذا المعمار القرآني العجيب، ومع ذلك فقد اختلط الأمر على عرب ذلك الحين فتوهموه شعرًا، ماذا يعني هذا الموقف؟!) (١). بل نقول: ماذا يعني هذا الكلام؟ وفيه من الكذب والمغالطة وقصد تدنيس القرآن الشيء البين، فما هو الدليل على أن العرب كانوا يجعلون الشعر بلا وزن ولا قافية؟، إن هذا دليل آخر يضاف إلى الأدلة الكثيرة التي تثبت جرأة الحداثيين على الادعاءات الكاذبة من غير حياء ولا تردد. ثم ما هذا الربط المتهافت بين الشعر الوهمي الذي ادعى وجوده، والقرآن العظيم؟، ألم يعلم أن وصف الكفار للقرآن بأنه شعر هو ضمن أوصاف أخرى أرادوا منها التنفير من القرآن والرسول ﷺ والتقليل من شأنهما. وقد قالوا بأنه سحر وأنه قول مجنون، فهل يصح بناء على استنتاج المقالح أن يقال بأن في القرآن تشابهًا مع السحر والكهانة؛ لأن العرب كانت تعرف زمزمة السحرة والكهان؟، ووصفت القرآن بالسحر؟، نعم قد قال ما يشبه هذا نصر أبو زيد في كتاب مفهوم النص (٢). وهل يصح بناء على استنتاج المقالح ونصر أبو زيد أن يقال بأن القرآن قول مجنون كما قال الجاهليون؟، وقد كانوا يعرفون الجنون والمجانين؟. الحقيقة أن الكفار قديمًا وحديثًا يعانون من الوقوع تحت وطأة التناقض بين الحقيقة الناصعة التي يعرضها عليهم الإسلام من غير شوب ولا شك،

стр. 1167

وبين ما اختاروه لأنفسهم من مذاهب باطلة يغلفها عناد أجوف وشبهات عارمة يحاولون بها أن يقذفوا في وجه الحق بأي دعوى ولو كانت صفراء باهتة كالحة كلاحة أفكارهم، ولو كانت متناقضة تناقض عقائدهم. ومن هذا القبيل -أعني إلحاق القرآن بالشعر- قول البياتي: (خرجت من نار الشعر الآيات. ونبيو الثورات فلماذا شاعرنا مات؟ فوق رصيف مهجور، منتحرًا بفقاعات الكلمات) (١). وقبل أن استرسل في ذكر شواهد من الحداثة الأدبية على انحرافاتهم في باب الكتب المنزلة والقرآن خاصة، أود أن أستأنف الحديث كرة أخرى مع الحداثة الفكرية، بعد أن سردت جملة من أقوال فلاسفة الحداثة ونقادها. فها هو أحدهم يهاجم سيد قطب (٢) ﵀ ومنهجه في التركيز على قضية الحكم بما أنزل اللَّه والذي سماه "المشروع القطبي"، وفي هذا السياق يعترض على سيد احتجاره -حسب زعمه- حق فهم القرآن وإدانة كل من يخالفه (٣)، وهو بهذا لا يدين سيد قطب وحده بل يدين كل اتجاه

стр. 1168

قائم على وجوب فهم القرآن وفق الموازين والضوابط والأحكام الشرعية؛ لأنه يريد -وكذلك سائر العلمانيين- أن تمحى هذه المعايير والضوابط في قضية فهم القرآن وتفسيره وتطبيقه ليصبح سهلًا عليهم حينئذٍ أن يدخلوا عليه بأنواع شكوكهم وشبههم وإلحادياتهم، فهذا الكاتب نفسه بعد أن اعترض على سيد قطب ومنهجية الفهم والتفسير للقرآن، يتحدث عن الإنسان الذي يتجه إلى اللَّه تعالى أنه إنّما يفعل ذلك ليتخلص من الحكام المستبدين الظالمين، يقول ذلك ليصل إلى نتيجة علمانية حداثية مفادها أن إقبال الناس في بلاد المسلمين على انتخاب المسلمين المتمسكين بدينهم والدعوة إلى تطبيق شريعة اللَّه إنّما سببه ما يشعرون به من ظلم، فهم يبحثون عن حلول طوباوية -حسب تعبيره- أي أن التدين والإيمان باللَّه تعالى ليست منبعثة من يقين واستسلام ومحبة وخضوع للَّه تعالى بل من حاجة مادية بحتة. يقول: (إن المدجنة الحقيقية التي تفرخ هذه الجماعات هي الأنظمة العسكرية المستبدة، فهذه الأنظمة التي خنقت روح الشعب، وأغرقته بالشعارات والرعب، وفاقمت مشكلاته بالتبعية والنهب، هي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهشمة إلى حلول طوباوية وردود فعل يائسة، وحين يخير إنسان مقموع ومنهوب بين إله أرضي يقمعه وينهبه ويفوض عليه فوف ذلك عبادته، وبين إله ديني يعده بالخلاص والمثوبة، فإن من الطبيعي أن يفر من زنازين الأرض إلى فضاء السماوات) (١). وفي مجلة الناقد يجعل أحد الحداثيين قضية القراءات القرآنية مجرد اختلاق من بني أمية الذين لم يكتفوا -حسب زعمه- بذلك بل سعوا في إيجاد أطنان الأحاديث المنسوبة للنبي في فضائل معاوية وبني مروان ليجري كل ذلك في خط متواز ومتزامن مع إعمال السيف في رقاب من يجرؤ على رفع صوته أمام خليفة اللَّه في خلقه (٢).

стр. 1169

وهذا أيضًا دليل جديد على الجهل والمجادلة بالباطل والدعاوى الكاذبة التي لا رصيد لها في ميزان الحقيقة. وفي العدد نفسه يكتب أحدهم عن مجموعة من الكتب التراثية التي تعرضت لشرح بعض قضايا الجنس، ويستنتج من هذه الكتب وفق عقله المريض قولًا شنيعًا ينقله عن أحد أشباهه من الحداثيين فيقول: (إن قراءة القرآن مهيئة للجماع. . .، إن القرآن إذا هو الكلام الشعائري الفاتح للشهية، إنه وسيلة الجماع) (١). وفي عدد آخر من مجلة "الناقد" الابن غير الشرعي لمجلة شعر وعصابتها، والامتداد المظلم لمشروع يوسف الخال، يتصدى الصادق النيهوم (٢) -كعادته- للإسلام ومصدره الأول القرآن العظيم، ثم للمصدر الثاني السنة المطهرة، فيقول: (ميزة كل كتاب مقدس، إن معلوماته تصبح تلقائية غير قابلة للجدل، وهي ميزة مفيدة -فقط- إذا كانت المعلومات نفسها حقائق نهائية. . .، أسطورة تعلن أن المرأة نفسها مجرد مخلوق جانبي صنعه الرب من ضلع آدم، وهي ترجمة سحرية لحكمة تريد أن تقول: مكان المرأة إلى جانب الرجل. . . . . . وإذا كان الحجاب قد أصبح الآن فريضة إسلامية، يدعو إليها

стр. 1170

الوعاظ علنًا باسم الإسلام، فإن هذه الدعوة ليس مصدرها النص القرآني بل مصدرها أن الواعظ المسلم يتكلم لغة عبرانية من دون أن يدري، فمن مطلع القرن الهجري الأول كان الفقه الإسلامي يتلقى علومه بحماسة كبيرة في مدرسة التوراة، وكان موضوع الطمث قد أعيد إلى خانه "النجاسة" من جديد، فتحولت المرأة المسلمة خلال فترة الطمث إلى امرأة "غير طاهرة" مرة أخرى، وعمد الفقهاء إلى إبطال صلاتها وصيامها طوال أيام المحيض في فتوى، لا تستند إلى نص القرآن بل تستند إلى قول التوراة "كل شيء مقدس لا تمس، وإلى المقدس لا تجيء". . . فحجاب المرأة ليس شريعة من أي نوع بل منهجًا تربويًا مكتوبًا بلغة السحرة، قاعدته النظرية أن "المرأة مخلوق نجس" وقاعدته العملية أن يقنع المرأة نفسها بقبول هذه الشخصية، وهي كارثة تحققها فكرة الحجاب. . .، فالمرأة المحجبة لا تخفي نفسها كالطفل داخل عباءة؛ لأنها امرأة ورعة بل لأنها امرأة مسحورة، تعرضت لحرب نفسية رهيبة، شنها السحرة ضدها طوال ثلاثة آلاف سنة، ضمن خطة تربوية مكتوبة بلسان أكبر ساحر في العالم، وقد نجم عن هذا الضغط الهائل شل عقل المرأة وتدنيس جسدها، وأتاح إدانتها -شرعيًا- بأنها "ناقصة عقل دين" وأحالها إلى مخلوق مريض في حاجة ماسة إلى رحمة اللَّه، إن الحجاب فكرة فظيعة إلى هذا الحد) (١). إن هذا القول يعطينا صورة عن الجهل الكبير الذي يعيشه الحداثيون والعلمانيون، والمغالطات الجلية التي يتخذونها في سبيل مضادة الإسلام والحق والدين، ومن يطلع على هذا القول وأشباهه الكثيرة لهذا "النيهوم" يحمد اللَّه على العقل والسلامة من داء الجهل، ونظرة عجلى من أحد عامة المسلمين لهذا الكلام -فضلًا عن متعلميهم- يدرك مقدار الجهل والعته الفكري والضلال المبين ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا

стр. 1171

الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾ (١). ويفتح أحد الحداثيين باب التأويل لنصوص الشرع، ولكنه ليس التأويل الكلامي الذي كان أهل الكلام يقولونه في ظل إيمانهم بالنص الشرعي جملة وعلى الغيب، ولكنه التأويل الحداثي القائم على المادية وجحد الشرع جملة وتفصيلًا، يقول: (تخطي ظاهر النص والاهتداء بروحه يفتح ولا شك باب التجديد والتطور على مصراعيه لجهة مستلزمات الحياة اليومية. . .، أصحاب الآفات الطبقية يؤثرون التقيد بحرفية النص والالتزام بجزئيات القواعد، وبظاهر التعاليم والشعائر بدل الغوص في بحر التبحر والتأويل الواسع) (٢). من المؤكد أن عدوى الباطنية لم تعد مقصورة على الطوائف الإسماعيلية والنصيرية والدرزية وأشباهها، بل امتدت على نطاق واسع تحت شعار التحديث والعلمانية ولافتات "الإسلام المنفتح المستنير" والجامع بين الاتجاهين تخريب الدين وهدم قاعدة التشريع والتدين. والقول السابق في فتح باب التأويل العلماني للنصوص، نادى به توفيق الحكيم حين سئل (هل يُمكن لدولة عصرية اعتماد الإسلام كنظام حكم؟) فأجاب: (ممكن، ولكن يتعين اعتماد تفسيرات جديدة تتفق والمفاهيم العصرية، والمؤسف تبنى البعض تفسيرات القرون الوسطى للنصوص الدينية) (٣). لقد شرق الحداثيون والعلمانيون بالإسلام الذي صمد أمام هجوم أساتذتهم الغربيين، ثم أمام دسائس أتباعهم اللادينيين من أبناء المسلمين، فما وجدوا وسيلة لتجاوزه وإبطاله إلّا بخلخلته ومحاولة إفساده من الداخل، كما حاول الباطنيون من قبل، وما الدعوات الحداثية التي تنادي بتفسير القرآن تفسيرًا يتفق مع المفاهيم العصرية، أو تأويله تاويلًا يتخطى ظاهر

стр. 1172

النص وحرفية الشعائر والعقائد إلّا أحد الأمثلة على أساليبهم المتعددة في حرب الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ (١). نلتفت قليلًا إلى بهارج الدعايات الحداثية، والتمجيد لرؤوس الطواغيت، لنجد أن الحداثيين يسوقون بضاعتهم المستوردة من خلال احتفاليات ومدائح تتجاوز حدود العقل والمنطق ومن ذلك أنه قد (صرح أحدهم بكامل البلاهة إنه يرى في "مفرد بصيغة الجمع" لأدونيس ثاني اثنين في العربية: القرآن ونهج البلاغة) (٢). هكذا نقل مؤلف كتاب أدونيس منتحلًا، والذي كشف فيه عورات السرقات الأدونيسية، ولكن بنفس حداثي وبعقلية علمانية لادينية، فها هو يسخر باللَّه تعالى وبالوحي الكريم في سياق اعتراضه على أدونيس الذي رد على من اتهمه بالانتحال والسرقة قائلًا: (إن تداخل النصوص أمر قائم حتى في النصوص المقدسة)، وأجابه: (لن نتوقف عند الجانب المضحك من إجابته، إذ يطالب لنفسه بما يجوز في النصوص المقدسة من تناسخ و"انتحال" ولن نرد عليه بالحجة اللاهوتية البسيطة التي ترى في النصوص المقدسة كتبًا لـ "مؤلف" واحد متعال له أن يلعب بنصوصه ما يشاء) (٣). لا يعترض مؤلف أدونيس منتحلًا على أدونيس في فكره وعقيدته، وإنّما يصفي حساباته معه جهة أنه سرق وانتحل وأخذ من غيره ونسبه إلى نفسه، وهذا من تسليط اللَّه بعض الظالمين على بعض، أمّا الملة الحداثية فالناقد والمنقود يجتمعون فيها ويؤمنون بها، وإن اختلفت شعب ضلالهم داخل هذه الملة، ولا أدل على ذلك من النص السابق الذي تتحدر منه المضامين الحداثية الضالة المناقضة للدين القويم، حتى أصبحوا علامة على "اللادينية"

стр. 1173

في أبشع وأقذر صورها وتطبيقاتها، من غير إحساس بأدنى حرج من جهلهم المطبق وتناقضاتهم الهائلة. خذ -مثلًا- هذا الناقد لأدونيس الذي كشف عواره في انتحالاته وسرقاته من كتب ومجلات الغربيين، لكنه نفسه لم يسلم من الانتحال، فها هو يردد ألفاظ الغربيين، فيما يتعلق بالوحي من أمثال "الحجة اللاهوتية" و"المؤلف المتعالي" و"النص المتعالي"، كل هذا من العقائد والأفكار المنتحلة التي ليست من تراث الأمة ولا من مصطلحاتها، فما الفرق إذن بين الاثنين؟. بل ما الفرق بين هذين وسواهم من الحداثيين والعلمانيين؟ الذين لا يخرجون من دائرة الانتحال والاستعارة مهما حاولوا التشبث بالتراث واللغة، ومهما ادعوا التحرر الفكري والاستقلال الثقافي؟ لأن القاعدة الفكرية التي ينطلقون منها ليست سوى أفكار الغربيين حشوا بها أدمغتهم وملأوا بها أوعيتهم ثم فاضت قلوبهم وألسنتهم وأعمالهم بما يؤكد أنهم دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها، وهم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، واللَّه غالب على أمره. ولأستاذ الحداثة وسادنها الأكبر يوسف الخال أقوال في هذا الصدد من خلال أسئلة شكية يلقيها في قلوب الاتباع فتورثهم ريبًا، ومن خلال تحليلات نصرانية حداثية تقود إلى الجحد وتوصل إلى الزعزعة التي هي من مقاصده الكبرى: فهو يصف طبيعة الوحي أو نظرية الوحي -حسب قوله- والفرق بين اللاتينية والعربية، فالمسلم يؤمن بأن الوحي منزل بالحرف والمسيحية ترى أن الوحي منزل بالمعنى، ثم يقول إذا كنت أشعر شعورًا مسيحيًا فليس هذا أنني ضد التراث العربي (١). أمّا كون الوحي منزل بالحرف، فهذا هو حال جميع الكتب المنزلة على الأنبياء، وأمّا النظرة النصرانية التي وصفها فهي تبرير كنسي للاختلاقات

стр. 1174

والاختلافات التي أضافوها على التوراة والانجيل. غير أن الخال يوضح في موضع آخر مراده بهذا الطرح، ويطرح استفهامًا شكيًا يوصل إلى التشكيك في كون القرآن موحى به لفظًا ومعنى من اللَّه تعالى، فيقول: (هل أن أحكام الشريعة إلهية أم من صنع البشر وبالتالي تحتمل التطوير؟. وفي معرض هذا الاستفهام تستوقفنا مسألة أخرى: هل القرآن منزل حرفيًا أم أوحي به معنى وروحًا، كما هي الحال بالنسبة للدين المسيحي) (١). والخال الذي يقول: (أنني شاعر مسيحي، والمسيحية جزء من تراثي إن لم تكن في جوهره وصميمه) (٢) يبدو متفقًا مع ديانته حتى وهو في قمة الحداثة، التي كان من شأنها سلخ أبناء المسلمين عن دينهم، ففي معرض حديثه عن النصرانية والإسلام يرى أن من حسن حظ النصرانية إن جوهرها هو المسيح ذاته ﵊، وأن الذين شرحوها هم من صميم الحضارة، وأمّا الإسلام فإن جوهره القرآن وإن الذين فسروا واجتهدوا فيه لم يكونوا من صميم الحضارة، وهذا -حسب قوله- من سوء حظ الإسلام، يقول: (ينطلق كل دين من الدعوة إلى حياة أفضل ومصير أفضل، وبما أن المسيح لم يضع كتابًا، فإن جوهر المسيحية هو شخص المسيح لا ما روي عن لسانه وعن سيرة حياته، أمّا الإسلام فإن جوهره القرآن، ومن حسن حظ المسيحية أن الذين فسروا حياة المسيح وأقواله وشرحوها ولوهتوها هم من صميم الحضارة الإنسانية النامية في حوض البحر المتوسط، هذه الحضارة التي قلنا -فيما سبق- إنها مركزت الجهد الإنساني العقلي والروحي، وهكذا جاءت المسيحية من ضمن هذه الحضارة الإنسانية فتفاعلت معها وأغنتها، بل غيرتها وطبعتها بطابعها، ومن سوء حظ الإسلام

стр. 1175

أن الذين فسروه واجتهدوا فيه لم يكونوا من صميم هذه الحضارة، بل كانوا على هامشها. . .) (١). ولا عجب في أن يقف نصراني ضد الإسلام ويدافع عن ملته، بل العجب من الإمعات من أبناء المسلمين الذين يتخذون هذا إمامًا وأسوة!!، ويرددون معه قوله: (انبح فينا صوت الألوهية) (٢). ويعتبرون ذلك هو بداية التحرر والانطلاق والنهضة!!. ومن الاستخفاف بالقرآن قول نازك: (يارب الحانة، أين الخمر؟ وأين الكاس نادا الغانية الكسلي العاطرة الأنفاس افدى عينيها بالقرآن وبالأقدار) (٣). ولبلديها مظفر النواب الشاعر الرافضي الحداثي البذي أقوال عديدة، فيها تدنيس واستهانة بالقرآن وآياته كقوله يخاطب أحد الفدائيين في فلسطين: (اهبط عليهم فإنك قرآننا قل هي البندقية أنت ومالك من كفؤ أحد) (٤). ويقول في مقطع بعنوان "آر-بي- جي" واصفًا التسلل الفدائي بين خطوط العدو: (ويدلف بين مدرعتين كأن بدايات الآيات المكية) (٥).

стр. 1176

ويقول: (فإذا ما بسملت شاحنة بالحزن والبارود سجلت على حاشية القرآن اسما، شاحنات للذين استضعفوا أهدافها شتى) (١). ومن هذا القبيل في الاستهانة قول أمل دنقل في مدح أو رثاء أحد رفاقه: (وكأن وجهه النبيل مصحفًا عليه يقسم الجياع) (٢). ويضمن بعض الآيات القرآنية على النهج ذاته فيقول: (اركضي أو قفي الآن أيتها الخيل: لست المغيرات صبحًا ولا العاديات -كما قيل- ضبحًا) (٣). ويتضح مقدار الاستهانة بالقرآن وقائله في إضافة عبارة "كما قيل" الموحية بالضعف والشك. أمّا نزار قباني فإنه قد خطا في ميدان التسفه على القرآن والوحي خطوات واسعة، في كلامه النثري والشعري، وقد سبق نقل وصفه لقصيدة النثر بأنها مثل القرآن، ومن كلامه المملوء بالانحراف إلى أقصى درجة يمكن أن يصل إليها ضال أو ملحد، قوله: (إنني على الورق، امتلك حرية إله، وأتصرف كإله، وهذا الإله نفسه هو الذي يخرج بعد ذلك إلى الناس ليقرأ ما كتب، ويتلذذ باصطدام حروفه بهم، إن الكتب المقدسة جميعًا

стр. 1177

ليست سوى تعبير عن هذه الرغبة الإلهية في التواصل، وإلّا حكم اللَّه على نفسه بالعزلة، ولعل تجربة اللَّه في ميدان النشر والإعلام وحرصه على توصيل كلامه المكتوب إلى البشر، هي من أطرف التجارب التي تعلمنا أن القصيدة التي لا تخرج للناس هي سمكة ميتة أو زهرة من حجر) (١). ليس بإمكان زنديق في الماضي أو الحاضر أن يتفوه عن اللَّه تعالى وعن كتبه المطهرة بأكثر مما تفوه به نزار قباني في هذا النص. أمّا أمثلة الانحراف في شعره فكثيرة منها قوله: (وكتبت شعرًا لا يشابه سحره إلا كلام اللَّه في التوراة) (٢) وقوله عن الحب: (يمد عباءته تحت رأسي ويقرأ لي ما تيسر من سورة الصابرين) (٣). ويصر الحداثيون على أن الكتب السماوية المنزلة من "تأليف اللَّه" وهي عبارة مقصودة تدل على غاية الاستهانة باللَّه وبكتبه، وذلك حين يصفون اللَّه بأنه مؤلف -تعالى وتقدس- ويجعلون الكتب مؤلفات، أي: مجموعة من أماكن شتى، ومن مصادر عدة كما يفعل البشر في الكتب التي يؤلفونها، ونزار قباني يصف الكتاب بهذا الوصف، ويستخف بها وبمنزلها ، وذلك في قوله: (حين وزع اللَّه النساء على الرجال وأعطاني إياك، شعرت إنه انحاز بصورة مكشوفة إلي وخالف كل الكتب السماوية التي ألفها) (٤).

стр. 1178

وتبلغ وقاحته غايتها حين يخاطب الخامس من حزيران قائلًا: (سوف ننسيك فلسطين ونستأصل من عينيك أشجار الدموع وسنلغي سورة الرحمن والفتح ونغتال يسوع) (١). وفي سياق رفضه للأمة والتراث والتاريخ والحضارة وكل ما يتصل بهذه القضايا من رموز يقول في مقطوعة بعنوان "أبي": (افتح صندوق أبي امزق الوصية أبيع في المزاد ما ورثته: مجموعة المسابح العاجية. . . وأهدم الشرق على أصحابه تكية تكية افتح صندوق أبي فلا أرى إلّا دراويش ومولوية. . . اسحب سيفًا غاضبًا وأقتل المعلقات العشر والألفية. . . افتح تاريخ أبي

стр. 1179

افتح أيام أبي أرى الذي ليس يُرى أدعية مدائحٌ دينية. . . ابحث عن كتابة تخص هذا العصر أو تخصني فلا أرى حولي سوى رمل وجاهلية أرفض ميراث أبي وأرفض الثوب الذي ألبسني وأرفض العلم الذي علمني. . . أحرق رسم أسرتي أحرف أبجديتي. . . أدخل مثل البرق من نافذة الخليفة أراه لا يزال مثلما تركته منذ قرون سبعة مضاجعًا جارية رومية اقرأ آيات من القرآن فوق رأسه مكتوبة بأحرف كوفية عن الجهاد في سبيل اللَّه والرسول والشريعة الحنفية) (١). هذه المقطوعة هي لسان حال الحداثيين ومنطق فعالهم، وهي تصوير واقعي وحقيقي لانفصالهم عن هذه الأمة وعداوتهم المتأصلة لها، وحقدهم الشديد عليها، على قرآنها وتاريخها وخلفائها وشرائع دينها وعلومها

стр. 1180

وحضارتها، وإن أصح وصف يُمكن أن يوصفوا به هو قول اللَّه تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ (١). أمّا شاعر الأرض المحتلة عضو الحزب الشيوعي الإسرائيلي "محمود درويش" فيقول: (أنا الحجر الذي مسته زلزلة رأيت الأنبياء يؤجرون صليبهم واستأجرتني آية الكرسي دهرًا، ثم صرت بطاقة للتهنئات) (٢). ويقول: (وتناسل فينا الغزاة تكاثر فينا الطغاة، دم كالمياه وليس تجففه غير سورة عمَّ، وقبعة الشرطي وخادمه الأسيوي، وكان يقيس الزمان بأغلاله) (٣). ويقول: (ونمت على وتر المعجزات ارتدتني يداك نشيدًا إذا أنزلوه على جبل، كان سورة ينتصرون) (٤). ويصف كغيره من الحداثيين الأمة ودينها بالرمل رمزًا للتخلف والرجعية: (والرمل هو الرمل أرى عصرًا من الرمل يغطينا ويرمينا من الأيام. . . والرمل جسم الشجر الآتي

стр. 1181

غيوم تشبه البلدان لون واحد للبحر والنوم وللعشاق وجه واحد وسنعتاد على القرآن في تفسير ما يجري سنرى ألف نهر في مجاري الماء والماضي هو الماضي، سيأتي في انتخابات المرايا سيد الأيام والنخلة أم اللغة الفصحى أرى فيما أرى مملكة الرمل على الرمل) (١). وهذه النصوص كلها من كلام درويش تدل على مقدار السفه الحداثي الذي يتخذ من القرآن العظيم وسوره غرضًا للسخرية، ورمزًا للضياع والتخلف والانحطاط، وتاللَّه ما أصيبت الأمة بما أصيبت به من هوان ومذلة إلّا عندما تركت القرآن ونهجه ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٢). وليس هذا مجرد قول ينبع من عاطفة إيمانية دينية -كما يحلوا للحداثيين أن يقولوا- ولكنها شواهد التاريخ والواقع تدل على ذلك أبلغ دلالة، أمّا التاريخ فيعرف العالم كيف كانت أمة الإسلام سيدة الأمم وماحية الظلم لما كانت مستمسكه بهدى اللَّه تعالى. وأمّا الواقع فيكفي أن نرى اليوم ونلمس ونشاهد التآلب العالمي الهائل والكبير على دعاة الإسلام وعلمائه الذين يدعون إلى تطبيق الإسلام تطبيقًا شاملًا، والخوف اليهودي من نمو وازدهار الحركات والدعوات الإسلامية في

стр. 1182

البلدان، في الوقت الذي يمدون فيه أيديهم بالدعم المادي والمعنوي لكل القوى والأحزاب والمنظمات والمنظومات التي لا تتخذ الإسلام الأصيل منهجًا لها، أو تلك التي تتنكر للإسلام وتعاديه. فإذا كان الغرب يرى أن الإسلام والقرآن هو مصدر تخلفنا كما يقول ذلك تلامذة الغرب من أبناء المسلمين، فلماذا لا يتركنا الغرب نأخذ من إسلامنا وقرآننا مناهج حياتنا؟. ألأنهم حريصون على تقدمنا وازدهارنا؟ أم لأنهم يعلمون أن المعركة مع الإسلام ليست كالمعركة مع الأنظمة التي غرسها الغرب ورعاها، من قومية وعلمانية واشتراكية وليبرالية وغيرها؟. لقد رأى الغرب بعينيه كيف كان الإسلام المحرك القوي الشديد لجهاد الأفغان ومن ناصرهم من المسلمين، وكيف أدى ذلك إلى تحطيم الاتحاد السوفيتي، ولقد رأى الغرب كيف يكون المسلم الصادق في إسلامه، كيف يتغلب على محاولات الترويض والابتزاز والعمالة، ويستقل بسيادته وإرادته وفكره وعمله عن التبعية، كل ذلك يعطي دروسًا من الواقع على أن الإسلام والقرآن والسنة والجهاد والشريعة هي مقومات الحياة العزيز القوية السعيدة، وما عداها ليس إلّا السراب والخواء والضياع والذيلية والتدجين. وقد مر معنا أمثلة لتسمية الكلام والفعل البشري سورًا وآيات، ومن ذلك قول معين بسيسو: (تسافرين في كتاب الماء سورة اقرأ ترجعين في كتاب النار سورة اكتب تكتبين سورة المقاومة والأرض قادمة) (١).

стр. 1183

وقد يقول قائل عن هذا المثال والأمثلة التي سلفت من جنسه، ما المانع أن نستعمل لفظ مصحف وآية وسورة؟. والجواب على ذلك أن لكل لفظ من هذه الألفاظ دلالته الخاصة والمقدسة عند المسلمين فامتهانه وإنزاله من درجة قداسته إلى درجة وصف كلام البشر به، دلالة على عدم توقير مضامين هذه الأسماء الشريفة. ولو أن أحدًا أخذ لفظ حداثة أو إبداع التي لها عندهم المقام العالي، ثم وصف به الغائط أو المخاط أو أي شيء قذر، لرأيت حملات الدفاع والهجوم والمقاومة تنهال من كل صوب!!، ولا يُمكن أن يقول أحد منهم حتى الداعين إلى تفجير اللغة بأن ذلك سائغ ومقبول، وهذا دليل على أن الألفاظ لها دلالالتها الخاصة والأسماء لها مضامينها التي تخصها. أمّا سميح القاسم فإنه يصف نفسه ويضفي عليها مدائح "لا دينية" من قبيل قوله: (أنا لم أحفظ عن اللَّه كتابا أنا لم ابن لقديس قبابا أنا ما صليت وما صمت وما رهبت نفسي لدى الحشر عقابا والدم المسفوك من قافيتي لم يراود من يدي عدنٍ ثوابا) (١) فإذا كان المؤمن باللَّه تعالى وبدينه يفرح ويعتز بأنه يحفظ كلام اللَّه ويصلي ويصوم ويخاف عقاب الآخرة ويرجو ثوابها، فإن الحداثي الماركسي يفتخر بأنه على عكس ذلك كله، فهو لم يحفظ عن اللَّه كتابًا، ولا بعض كتاب، ولا يريد ذلك ولا يحبه؛ لأنه قد تمهد عنده بناء على عقيدته الماركسية أن الدين خرافة، وأن الحياة مادة، وأنه لا شيء بعد هذه الحياة الدنيا، ومنطقهم اليوم هو منطقهم بالأمس ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٢)، وقد وصفهم الباري أدق وصف

стр. 1184

وأوضحه في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١). وفي موضع آخر يجعل الحروف التي تخرج من شفة محبوبته في منزلة عظيمة بحيث يخضع لها الوحي ويسجد لها، وذلك في قوله: (وحروف يسجد الوحي لها لسوى عاطفتي لم تسجد) (٢) مع أنه ماركسي لا يؤمن بالوحي، ولكنها الأساليب الحداثية والعلمانية التي تحاول طرد المفاهيم والألفاظ الإسلامية وتحطيمها مرة بالجحد ومرة بالسخرية ومرة بالتدليس، والمؤدى واحد. ومن هذا القبيل -أيضًا- قول سميح القاسم في سخرية فجة ومادية وقحة: (صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات ألبوا اللَّه عليها واقذفوها بالوصايا العشر والجفر وآيات السماء البينات) (٣). مع أن الإسلام لم يدخل حقيقة في المعركة المعاصرة حتى الآن، والذي ناب عن الشعوب الإسلامية في المعركة مع إليهود ومع سندهم الغربي، هي الأنظمة والأحزاب العلمانية والقومية والاشتراكية والماركسية والوطنية، فلماذا تعلق الهزائم على الإسلام وعلى أهله؟. ثم من الذي قال من المسلمين أن مقابلة الطائرات والقذائف تكون بالتعاويذ والدعاء فقط؟ ولماذا تلصق المفاهيم الخرافية بالإسلام؟ إن المسلم

стр. 1185

يعتقد أن اللَّه بيده النصر والهزيمة، وهو الذي شرع الجهاد القائم على فعل الأسباب المادية والاعتماد قلبيًا على رب الأسباب، ومع فعل الأسباب يعوذ باللَّه ويدعو اللَّه ويقرأ آيات الكتاب المبين، وهذه أيضًا من الأسباب العظيمة للنصر، ولكن الماديين لا يفقهون ذلك، فقد عششت خرافات المادية الجدلية في أدمغتهم وعملت فيها عمل المخدرات، وصدق من سمى المادية "مذهب ذوي العاهات" (١) ومن أطلق عليها وصف "الخمور الفكرية" (٢). أمّا عبد العزيز المقالح فإنه يجعل القرآن موضعًا للأساطير، فيتمنى أن نعيش في القرآن أسطورة جميلة، مثل سبأ وسد مأرب، وهذا تكذيب بالقرآن وترديد لقول الكافرين السالفين ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (٣). يقول المقالح: (لكم تمنيت لو أننا توقفنا عن الحياة من زمان لو ارتضينا أن نعيش في "القرآن" أسطورة جميلة قصة سد حوله تقوم جنتان عن اليمين والشمال لكان أحنى بالحجارة البادية الوجوم، بالرمال) (٤). وهذا كلام في غاية الخبث والفضاعة حيث جعل القرآن مثوى التخلف والجمود والركود، وموئل الأساطير والخرافات والحكايات الكاذبة، ويضرب

стр. 1186

لذلك مثلًا لقصة مأرب التى ذكرها اللَّه في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾ (١). ومن العجائب الحداثية أن هؤلاء يجحدون الحقائق ويجعلونها أساطير، ويؤمنون بالأساطير والأكاذيب المعاصرة ويجعلونها حقائق، نقرأ لهذا الجاحد قصائد امتداح وتمجيد للشيوعية الماركسية تحت عناوين مثل "نشيد الذئاب الحمر" (٢) و"قبلة إلى بكين" (٣) و"البرجوازي" (٤) وغيرها كثير. ولما يمت المقالح بعد، وقد رأى بعينيه سقوط هذه الخرافات المادية، وتهاوى هذه الأساطير الماركسية من عدن إلى موسكو. أمّا ممدوح عدوان فيصور الزمن الحاضر بأنه غير ما جاء في كتب اللَّه، وغير ما أنذر الأنبياء به، ثم يقرن هذه المعاني الجليلة في مساواة تدنيسية بكتب الماركسيين، فيقول: (أنت مازلت تحلم أن تستعيد لدمعتك الكبرياء تبتغي أن تطال السماء إنه زمن غير ما علموك وغير الذي جاء في كتب اللَّه. أو كتب الماركسيين غير الذي أنذر الأنبياء به) (٥).

стр. 1187

أمّا أحمد دحبور فإنه يسمى الوحي صوت اللَّه ويجعله حجرًا، وذلك في قوله: (يا أم: عدت، تعثر الدم فيّ: ناقة عمري الخضراء. . . اترابي، وصوت اللَّه. . . أحجار تهر عن الجبين) (١). وفي رثائية حداثية لأحد الفلسطينيين الماركسيين يذكر آية الكرسي علامة على الرأسماليين العرب، ويجعل التمسك بها وصفًا ملازمًا للطمع والجشع فيقول: (ستأتي الريح بالبياع والشاري وبالمتمسكين بآية الكرسي، ماع لعابهم نفطًا على الصحراء سيطلب لحمنا لوليمة الجزار والضاري. . . كذلك علمتنا سورة الموت) (٢). أمّا في مجال الرواية فنجد أن عبد الرحمن منيف في مدن الملح ينسب كلامًا عاديًا إلى اللَّه سبحانه إمّا جهلًا، وإمّا استخفافًا واستهانة، يقول على لسان أحد الشخصيات: (اللَّه جلت قدرته، فتح أبواب السماء على هذا الشعب الطيب الفقير، فبعد انتظار طويل، أطول من انتظار يعقوب لابنه يوسف، بعد أن كان الناس يأكلون الجراد والتمر وخبز الشعير ويموتون من سوء التغذية والطواعين قال لهم الكريم: كفاكم جوعًا وعذابًا يا عبادي الصابرين فقد رأفت بكم وأنا حين أرأف وأجود أفعل ذلك بلا حدود، وإذ كنت قد بلوتكم فيما مضى من الزمان بالجوع والحكام الظالمين، فإني اليوم

стр. 1188

أرفع عنكم الكرب وعذاب الدنيا لأحاسبكم في الآخرة، امنحكم اليوم سلطانًا ليس كالسلاطين وافتح لكم خزائن الأرض أجمعين) (١). أمّا ابن جلون فإنه يصف القرآن بأنه ليس فيه شيء إلّا الوهم، وذلك في سياق قوله: (الموتى أو مرتلوا الآيات القرآنية المحفوظة بشكل سيء، المرتلة بشكل سيء، أو المرتلة بيقين جسد جائع يتمايل لكي يوهم بأن الرسالة في الطريق القويم) (٢). ويجعل إحدى الشخصيات يعلم القرآن للصغار مثل الشعر ثم يطرح أسئلة شكية في الأديان على لسان الأطفال، فيقول: (لابد أن أذهب، فالأطفال رهيبون، إنني أحاول تعليمهم القرآن مثلما كنت سأفعل بشعر رائع، لكنهم يطرحون أسئلة مربكة من قبيل "هل حقًا سيدخل جميع النصارى النار؟ " أو "بما أن الإسلام هو أفضل الديانات فلماذا انتظر اللَّه طويلًا لكي ينشره؟ " وكجواب أردد السؤال رافعًا عيني إلى السقف: "لماذا وصل الإسلام متأخرًا جدًّا؟ ") (٣). قد يقال بأن هذا توصيف لحالات معينة يسوقها الروائي على سبيل المعالجة، ولكن القارئ لهذه الرواية كلها يعلم أن هذه الأقوال والشكوك هي عقائد المؤلف يصوغها على شكل روائي، وقد أجاب على الأسئلة الشكية السابقة بشك آخر مثله ثم أضاف (لقد سبق أن فكرت في هذا ولكن كما ترى أنا مثلك أحب القرآن كشعر رائع وأمقت الذين يستغلونه في تشويشات ويحدون من حرية الفكر إنهم منافقون) (٤). أمّا الرواية النجسة المسماة "مسافة في عقل رجل" فقد امتلأت بأوقح وأدنس العبارات ضد الوحي والكتب المنزلة وضد اللَّه العلي العظيم، ومن ذلك قوله: (إذا كانت الأديان قد اعتبرت بعض الكتب معجزة وبعض

стр. 1189

القدرات كشفاء المرضى وإتيان بعض الخوارق معجزة. . .، فهذا لا يعني مع افتراضها كذلك أن اللَّه قد اتصل بهؤلاء البشر ليلهمهم إياها. . .، مثل هذا القول يؤدي بنا إلى طريق تحفه الحيرة والغموض والأشواك. . .، فماذا لو ادعى أحد العلماء أن اختراعه ملهمة ألهمه اللَّه إياها، وماذا لو سار في الطريق لنهايته وادعى النبوة طالبًا من الغير أن يأتي بمثلها، وماذا لو عجز هذا الغير!! هل نعترف بمثل هذا العالم نبيًا مرسلًا؟! مثل هذه الاستنتاجات تجرنا في النهاية لمتاهات تضيع فيها ومضة العقل البشري ليتحول إلى قطعة من الصفيح الصديء. . .، ويتوه داخل اللامعقول، لذلك فيجب للثبت من صدق الادعاء لقيام مثل هذه الصلة المفترضة باللَّه أن يثبت بدءا (١) ذي بدء حقيقة هذه الصلة وصحة وجودها، لا أن يفرض على الإنسان الإيمان بها متحاجًا في ذلك بالمعجزة المتمثلة في الاختراع أو الاكتشاف أو إبراء الأكمه أو كلمات منظومة، بل ويذهب إلى أبعد من ذلك فيفرض على الإنسان الولاء والإيمان بأمور أخرى هلامية لا يفهمها العقل ولا يستسيغها المنطق) (٢). ثم يطرح سؤالًا إلحاديًا يمهد به لشكوكه وخرافاته التافهة: (هل الكتب السماوية من عند اللَّه؟) (٣). ثم يقول بعد ذلك: (إذا كانت الإجابة بالإيجاب فكل ما جاء بالكتب السماوية من تأليف اللَّه هو المؤلف العظيم، وما الأنبياء إلّا مستقبلين؛ ولأن اللَّه كامل لا يخطيء، إذن فكل ما جاء بالأديان من أحكام واجبة الطاعة، والطاعة العمياء، ومن ثم لا يصح ولا يجوز نقاشها، ويجب الأخذ بها في كل التشريعات الوضعية، كل صغيرة وكبيرة، ومنكرها متمرد على قانون اللَّه وجب عقابه وسحقه، هذه الأحكام كل لا يتجزأ وحدة واحدة، وإذا كان هذا كذلك، وإذا كان ما ورد بها من أحكام ليست سوى قوانين أملاها اللَّه على البشر فيمتنع حيالها أن يفسرها دون الخروج على نصها،

стр. 1190

ومن ثم فيحظر على العقل البشري نفي تنزيل الكتب السماوية. . .) (١). (. . . يصبح الإنسان بهذا المعنى مجرد وسيلة، قطعة شطرنج على لوح الأديان) (٢). (. . . أحكام الأديان ليست سوى قطع شطرنج على مربع الحياة يُمكن في أي وقت من الأوقات استبدالها بصيغة أكثر نضجًا واتساقًا مع العصر) (٣). (. . . إذا كان النص الوارد في الكتب السماوية وسيلة لإسعاد البشر من أجل حياة أفضل، أوليس للإنسان وهو حقل تجارب مثل هذا النص أن يدرس ويحلل معانيه ومنطوقه وحيثياته ليعرف جدواه وصلاحيته للتطبيق حتى ولو أدى الأمر لرفضه) (٤). (. . . لا يتحصن أي نص مهما بلغت قداسته بمقولة انه سماوي) (٥). (. . . إن مناقشة قضية تنزيل الكتب السماوية بالتحليل والرأي الدارس باتت ملحة بعد أن أغلقت على العقل الجماعي النوافذ وأوصدت دونه الأبواب ولم يعد ثمة وسيلة لتنقية الهواء الفاسد سوى ثغرة تطل منها على الحقيقة خلف جدار الخوف. . .، إن فتح تلك الثغرة بمعول الجدل والنقاش من شأنه أن يثري الحركة الفكرية برأيان متعارضان (٦) يطرقان الحديد وهو ساخن، يطرحان أبعاد القضية وأدق تفاصيلها على بساط البحث يشرحان جسدهما المنهوك، لنتبين في النهاية أساس الداء، ولنبتر بمبضع الحقيقة الآفة الشريرة، فمن المرض إلى الشفاء، ومن الشك إلى اليقين، سواء كان هذا اليقين مع أو ضد الرأي القائل بالتنزيل، وننتهي بهذا إلى ثورة فكرية، ريح صرصر عاتي تسقط كثيرًا من أوراق الخريف المتمثلة في الخرافات التي عاشت قرونًا تلوث طهارة العقل الجماعي) (٧).

стр. 1191

وكلامه من هذا القبيل كثير (١)، وهو على النمط المتهافت الذي يلقي الشك والشبهة ويبني عليها الحكم، والناظر في أصول جدليات الكافرين حول الحقائق الدينية يجد أنها تعتمد على: (١ - الاحتجاج بما كان عليه الآباء وجحود الحقائق والأدلة الظاهرة بالمكابرة. ٢ - الإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل، أو أساطير الأولين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة وإنّما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق الشتائم، وتكذيب للحقائق بالأوهام. ٣ - الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد دون سند من العقل الصحيح، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة؛ لأنها تعتمد على عدم الألف للموضوع أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية، وليس شيء ذلك بمقبول منطقيًا، فما كل حقيقة بحب أن تكون مألوفة، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس كلهم أو بعضهم. ٤ - الاحتجاج بامتياز الكافرين على المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة، واعتبار ذلك دليلًا على فساد عقيدة المؤمنين ومنهجهم؛ لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم اللَّه وزادهم رفاهية وترفًا، وهذه حجة ساقطة، وأن أي عاقل يدرك أساس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا، يعلم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وأن إحدى مواد الإمتحان في هذه الحياة الابتلاء بالغني أو بالفقر، بحسب حال كل إنسان، وإن الابتلاء بالغنى ليس تكريمًا، وأن الابتلاء بالفقر ليس إهانة، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور الجزاء الأكبر في الآخرة ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين، فللمؤمنين دار النعيم الخالد وللكافرين دار الشقاء الأبدي. . . . ٥ - اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق والشتائم والهزء والسخرية ونحو ذلك مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم وتتساقط

стр. 1192

أدلتهم وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر والحجة بالحجة والبرهان بالبرهان) (١). • • •

стр. 1193

الفصل الثالث الانحرافات المتعلقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام الإيمان برسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول عقائد أهل الإسلام، وفيه عدة قضايا: الأولى: إن اضطرار العباد إلى الرسل وما جاؤوا به من الحق أعظم من اضطرارهم إلى الماء والهواء؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلّا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلّا من جهتهم، ولا ينال رضا اللَّه ألبتة إلّا على أيديهم، فالخير والحق والفضيلة والطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلّا هديهم وما جاؤوا به. وأي ضرورة وحاجة فُرضت إلّا وضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، والرسالة ضرورية للعباد، ولابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟. والمتأمل في أحوال الدنيا والناس يجد أن الدنيا مظلمة إلّا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك الناس، والفرد من الناس ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات،

стр. 1194

قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١)، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه اللَّه بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات. وقد سمى اللَّه رسالته إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢). وضرب اللَّه مثلًا للوحي الذي أنزله حياة للقلوب بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التي يحصل بها النور، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ (٣)، فشبه سبحانه الرسالة وعلم الأنبياء ﵈ بالماء المنزل من السماء؛ لأنه حياة القلوب كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية؛ لأنها محل العلم كما أن الأودية محل الماء. فالمؤمن هو الذي قبل الهدى والحق والخير الذي جاءت به الرسل من عند اللَّه تعالى فعاش على نور وسعادة بقدر ما أخذ من هذا الهدى، وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حي إلّا حياة الأجساد التي يشارك فيها الإنسان البهائم. وقد أرسل اللَّه الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة

стр. 1195

إلى اللَّه وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه، وتوضيح الأصول التي عليها مدار الخلق والأمر، وهي ثلاثة: الأول: ويتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام اللَّه في أعداء اللَّه وأوليائه وهي القصص التي قصها اللَّه على عباده والأمثال التي ضربها لهم، والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه اللَّه وما يكرهه، والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب، وعلى هذه الأصول مدار السعادة والفلاح، ولا سبيل إلى معرفتها إلّا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه. وهذه الأصول وغيرها مما يترتب عليها من العلوم والأعمال مما جاء به الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام الناس في حاجة إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم والأعمال، بل أعظم عن حاجتهم إلى النَّفَس والطعام والشراب؛ لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه، وأمّا يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلّا بالعبور على هذا الجسر (١). الثاني: أن العقل لا يستغني عن الرسالة بحال من الأحوال ولا يُمكن له أن يعرف تفاصيل الحق والخير والسعادة إلّا بهدي اللَّه الذي بعث به رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.
следующие страницы →