وكلامه من هذا القبيل كثير (١)، وهو على النمط المتهافت الذي يلقي الشك والشبهة ويبني عليها الحكم، والناظر في أصول جدليات الكافرين حول الحقائق الدينية يجد أنها تعتمد على:
(١ - الاحتجاج بما كان عليه الآباء وجحود الحقائق والأدلة الظاهرة بالمكابرة.
٢ - الإصرار على اعتبارها من قبيل السحر أو الكذب أو الباطل، أو أساطير الأولين، وظاهر أن مثل هذا ليس بحجة وإنّما هو فرار من الإذعان إلى إطلاق الشتائم، وتكذيب للحقائق بالأوهام.
٣ - الاحتجاج بالاستغراب والاستبعاد دون سند من العقل الصحيح، والاستغراب والاستبعاد حجة مرفوضة؛ لأنها تعتمد على عدم الألف للموضوع أو أنه لم تسبق فيه مشاهدة حسية، وليس شيء ذلك بمقبول منطقيًا، فما كل حقيقة بحب أن تكون مألوفة، أو يجب أن تسبق فيها مشاهدة حسية للناس كلهم أو بعضهم.
٤ - الاحتجاج بامتياز الكافرين على المؤمنين بوسائل الرفاهية والترف في الحياة، واعتبار ذلك دليلًا على فساد عقيدة المؤمنين ومنهجهم؛ لأنهم لو كانوا على حق لأغناهم اللَّه وزادهم رفاهية وترفًا، وهذه حجة ساقطة، وأن أي عاقل يدرك أساس الإيمان وأهداف الحياة الدنيا، يعلم أن الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء، وأن إحدى مواد الإمتحان في هذه الحياة الابتلاء بالغني أو بالفقر، بحسب حال كل إنسان، وإن الابتلاء بالغنى ليس تكريمًا، وأن الابتلاء بالفقر ليس إهانة، حتى إذا انتهت فترة الامتحان وجاء دور الجزاء الأكبر في الآخرة ظهر تمييز المؤمنين على الكافرين، فللمؤمنين دار النعيم الخالد وللكافرين دار الشقاء الأبدي. . . .
٥ - اللجوء إلى عمليات الصد عن استماع الحق والشتائم والهزء والسخرية ونحو ذلك مما يفعله المبطلون حينما تتهاوى حججهم وتتساقط
стр. 1192
أدلتهم وينقطعون فلا يستطيعون مجاراة الفكر بالفكر والحجة بالحجة والبرهان بالبرهان) (١).
• • •
стр. 1193
الفصل الثالث الانحرافات المتعلقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام
الإيمان برسل اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم ركن من أركان الإيمان وأصل من أصول عقائد أهل الإسلام، وفيه عدة قضايا:
الأولى: إن اضطرار العباد إلى الرسل وما جاؤوا به من الحق أعظم من اضطرارهم إلى الماء والهواء؛ فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة إلّا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلّا من جهتهم، ولا ينال رضا اللَّه ألبتة إلّا على أيديهم، فالخير والحق والفضيلة والطيب من الأعمال والأقوال والأخلاق ليس إلّا هديهم وما جاؤوا به.
وأي ضرورة وحاجة فُرضت إلّا وضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير، والرسالة ضرورية للعباد، ولابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟.
والمتأمل في أحوال الدنيا والناس يجد أن الدنيا مظلمة إلّا ما طلعت عليه شمس الرسالة، وكذلك الناس، والفرد من الناس ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات،
стр. 1194
قال اللَّه تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (١)، فهذا وصف المؤمن كان ميتًا في ظلمة الجهل فأحياه اللَّه بروح الرسالة ونور الإيمان وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وأمّا الكافر فميت القلب في الظلمات.
وقد سمى اللَّه رسالته إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام روحًا والروح إذا عدم فقدت الحياة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢).
وضرب اللَّه مثلًا للوحي الذي أنزله حياة للقلوب بالماء الذي ينزله من السماء حياة للأرض وبالنار التي يحصل بها النور، وذلك في قوله -جلَّ وعلا-: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ (٣)، فشبه سبحانه الرسالة وعلم الأنبياء ﵈ بالماء المنزل من السماء؛ لأنه حياة القلوب كما أن بالماء حياة الأبدان، وشبه القلوب بالأودية؛ لأنها محل العلم كما أن الأودية محل الماء.
فالمؤمن هو الذي قبل الهدى والحق والخير الذي جاءت به الرسل من عند اللَّه تعالى فعاش على نور وسعادة بقدر ما أخذ من هذا الهدى، وأمّا الكافر ففي ظلمات الكفر والشرك غير حي إلّا حياة الأجساد التي يشارك فيها الإنسان البهائم.
وقد أرسل اللَّه الرسل وسائط بينه وبين عباده في تعريفهم ما ينفعهم وما يضرهم، وتكميل ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، وبعثوا جميعًا بالدعوة
стр. 1195
إلى اللَّه وتعريف الطريق الموصل إليه، وبيان حالهم بعد الوصول إليه، وتوضيح الأصول التي عليها مدار الخلق والأمر، وهي ثلاثة:
الأول: ويتضمن إثبات الصفات والتوحيد والقدر وذكر أيام اللَّه في أعداء اللَّه وأوليائه وهي القصص التي قصها اللَّه على عباده والأمثال التي ضربها لهم، والأصل الثاني: يتضمن تفصيل الشرائع والأمر والنهي والإباحة وبيان ما يحبه اللَّه وما يكرهه، والأصل الثالث: يتضمن الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار والثواب والعقاب، وعلى هذه الأصول مدار السعادة والفلاح، ولا سبيل إلى معرفتها إلّا من جهة الرسل، فإن العقل لا يهتدي إلى تفاصيلها ومعرفة حقائقها، وإن كان قد يدرك وجه الضرورة من حيث الجملة، كالمريض الذي يدرك الحاجة إلى الطب ومن يداويه ولا يهتدي إلى تفاصيل المرض وتنزيل الدواء عليه.
وهذه الأصول وغيرها مما يترتب عليها من العلوم والأعمال مما جاء به الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام الناس في حاجة إليها أعظم من حاجتهم إلى غيرها من العلوم والأعمال، بل أعظم عن حاجتهم إلى النَّفَس والطعام والشراب؛ لأن غاية ما يقدر في عدم التنفس والطعام والشراب موت البدن وتعطل الروح عنه، وأمّا يقدر عند عدم الشريعة ففساد الروح والقلب جملة، وهلاك الأبد، وشتان بين هذا وهلاك البدن بالموت، فليس الناس قط إلى شيء أحوج منهم إلى معرفة ما جاء به الرسول ﷺ والقيام به والدعوة إليه والصبر عليه وجهاد من خرج عنه حتى يرجع إليه، وليس للعالم صلاح بدون ذلك البتة، ولا سبيل إلى الوصول إلى السعادة والفوز الأكبر إلّا بالعبور على هذا الجسر (١).
الثاني: أن العقل لا يستغني عن الرسالة بحال من الأحوال ولا يُمكن له أن يعرف تفاصيل الحق والخير والسعادة إلّا بهدي اللَّه الذي بعث به رسله الكرام عليهم الصلاة والسلام.
стр. 1196
وقد غرق عالم اليوم في غرور كبير، وفي استكبار عظيم، حين زعم فلاسفته وقادته أنه يُمكن الاستغناء عن الرسل والرسالات بالعقول والتجارب ومعطيات الحس التي هي من وهب اللَّه وعطائه، فوضعوا القوانين والنظم والمناهج التي تحل الحرام وتحرم الحلال، وتجيز الظلم والفاحشة، وتحتال على الحق وتحارب الخير والفضيلة، وتساوي بين البر والفجور والإصلاح والإفساد، والضار والنافع والحسن والقبيح، بل تدعو إلى الفساد وتفتح أبوابه، بل تدعو إلى الفساد وتفتح أبوابه، وتدافع عن الأضرار وتمهد طرقها، وتزين القبيح وتسهل وسائله، ومن تأمل في فلسفات القوم وأخلاقهم وأعمالهم علم كم فيها من الشر والفساد والضلال والانحراف، وكم ترتب عليها من الشقوة والبلاء والارتكاس، وعلم تمام العلم أن القوم وإن زعموا تعلقهم بالمعقول إلّا أنهم قد أتوا بما هو مناقض للفطرة ومخالف للمصلحة، وفي تناقضات أقوالهم وأحوالهم ما يدل على كلال عقولهم وفساد أذهانهم، وما من عقل ينحرف عن منهج اللَّه ويبتعد عن الوحي المعصوم إلّا ويصاب بالتناقض والتهافت والوهن.
وأعظم دليل على ذلك ما نراه من استفحال أمراض الأهواء الفلسفية وتعاظم الأسقام الخلقية، وتكاثر الجراثيم المعرفية، مع قلة إحساس أعضاء هذه المجتمعات بهذه الأمراض التي تفتك في بنيانهم وتوشك أن تودي بهم.
كل ذلك يدل دلالة واضحة على أن العقل لا يستغني عن النبوات، وأنه متى استرشد يهديها اهتدى واستقر واستنار وأنار، ومتى أعرض واستكبر عن الوحي انتكس وانهار وانحرف وضل وأصيب بالعاهات وكدورات الأهواء والرعونات.
الثالث: أن ثبوت النبوة وثبوت الوحي إلى الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من أعظم الحقائق وأظهر الأمور، ودلائله كثيرة منها:
١ - أن كل واحد من الرسل عليهم الصلاة والسلام اتصف بأحسن الصفات وتحلى بأجمل النعوت، فهم أكمل الخلق علمًا وعملًا وأصدقهم وأكملهم خلقًا، وقد اختصوا بفضائل لا يلحقهم فيها أحد، ومن تأمل
стр. 1197
أحوالهم وأعمالهم وسيرهم ﵊ وجدهم جميعًا متصفين بسمو الفطرة وصحة العقل والصدق في القول والأمانة في التعامل، وسلامة الحواس والبدن مما تنبوا عنه الأبصار وتنفر منه الأذواق السليمة، وقوة الروح، والشجاعة المقرونة بالحلم، والعلم والكرم والعفة وحسن الخلق، والترفع عن الدنايا والسلامة من النواقص الخلقية، مع لطف في الخُلُق، وعطف على الخَلْق، ورحمة وتواضع، وزكاء نفوس ورجحان أذهان وبعد عن الظلم والكذب والعدوان، والفواحش والمنكرات وغير ذلك من الأخلاق العظيمة التي اتصفوا بها، وهي تدل غاية الدلالة على صدق أصحابها، وأمانتهم، وصحة ما جاؤوا به.
وإنّما لزمت هذه الصفات الجليلة للرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه لو انحطت أخلاقهم وتضاءلت صفاتهم وضعفت قواهم الخلقية، لما كانوا أهلًا لتلقي الوحي والهدى من اللَّه، ولأصبحوا عاجزين عن تبليغ جميع ما عهد به اللَّه إليهم لتبليغه، بل لما كانوا جديرين بهذا الاختصاص الإلهي الذي يفوق كل اختصاص وهو: اختصاصهم بالوحي والكشف لهم عن أسرار علم اللَّه التي أوحيت إليهم (١).
والناظر في أخلاق وأحوال الأنبياء مقارنة بأحوال وأخلاق غيرهم من الكذابين الذين ادعوا النبوة، أو السحرة والكهان، أو الفلاسفة، أو المنظرين للأخلاق أو المؤصلين للنظم الأرضية؛ يجد الفرق الهائل العظيم بين أخلاقهم وأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولنأخذ أمثلة من كبار فلاسفة وأخلاقيي الحضارة الغربية، فهذا فولتير إمام التنوير -كما يسمونه- عاشر ابنة أخته واستولدها، وروسو إمام آخر للتنوير وصاحب النظريات التربوية أودع أولاده الملجأ، وأندريه جيد معروف بالشذوذ الجنسي، مفعول فيه، ونتشه الذي عاش في نزوات وتخبطات عقلية انتهت به إلى الجنون، وبودلير إمام الحداثة ورافع رايتها مصاب بعقدة أوديب -كما يقولون- أي بعشقه لأمه، وسارتر زعيم الوجودية عاش حياته مع عشيقته الوجودية بوفوار
стр. 1198
حياة سفاح ودعارة، والقارئ لرواية "ضياع في سوهو" (١) أو كتاب "سقوط الحضارة" يجد الشواهد الكثيرة على هذا، أمّا ما كتبه هؤلاء وغيرهم عن معاشراتهم الجنسية ومعاقرتهم للخمر والمخدرات وأنواع المنكرات فأكثر مما يحصى.
٢ - أن الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام قد اتفقت فى عوتهم من أولهم إلى آخرهم في أصل الدين وهو توحيد اللَّه بإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته ونفي ما يضاد ذلك أو ينافي كماله.
واتفقت دعواتهم على الأمر بالصدق والأمانة والصلة والرحمة والإحسان وغيرها من مكارم الأخلاق، والنهي عن الكذب والخيانة والظلم والعدوان وغيرها من رذائل الأخلاق.
ولا يُمكن أن يتواطأ مجموعة من الناس مختلفة أزمانهم وبلدانهم وأحوال أقوامهم على أشياء معينة لا تختلف، إلّا إذا كان المصدر واحدًا ولو كانوا كاذبين -أجلهم اللَّه ورفع قدرهم- لما اتفقوا على هذه الأمور، وها نحن نرى أحوال الفلاسفة الذين يبحثون عن السعادة للإنسان ونقرأ أقوالهم من عهد اليونان إلى الآن، فنجد بينهم من التناقض والتباين والتضاد الشيء الكثير؛ لأنهم يصدرون عن أهواء نفوسهم ويتأثرون بأوضاع مجتمعاتهم، فتأتي أفكارهم متنوعة متباينة.
٣ - أن الرسل عليهم صلوات اللَّه وسلامه كانوا ألزم الناس لما يدعون إليه، وأثبتهم على ما أمروا به غيرهم، من التوحيد ولزوم طاعة اللَّه والفضائل والأخلاق، وظلوا على ذلك إلى آخر أعمارهم في ثبات وصدق ومطابقة بين ما يدعون إليه وما يعملونه، وقد قال اللَّه لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ (٢)، والمتكلف لا يُمكنه الثبات على الخصال التي يدعو إليها طوال عمره.
стр. 1199
فالمطابقة التامة بين القول والفعل من أعظم خصائص الأنبياء ولا يكاد يتفق ذلك لأحد من الخلق، وهذا من دلائل نبوتهم.
٤ - أن المدعي للنبوة لابد أن يظهر صدقه أو كذبه في:
أ - نفس ما يأمر به.
ب - فيما يخبر به.
جـ - فيما يفعله.
فإذا نظرنا في أحوال الرسل الكرام وجدنا أمرهم بالحق والخير والهدى والرشاد والفلاح.
ووجدنا أخبارهم صادقة مطابقة للواقع، سواء أخبار ما مضى أو أخبار ما يأتي بعدهم.
ووجدنا أفعالهم أفعال صلاح ورشد وهدى.
وكل ذلك لأنهم صادقون، والصدق يهدي إلى البر (١).
أمّا غيرهم من مدعي النبوة كذبًا، أو من فلاسفة الأمم وحكمائها فإن نجد في أمرهم من الباطل والفساد والشر ما يدل على سوء مسالكهم وخبث طرائقهم وأحوالهم، ونجد فيما يخبرون به من الكذب والتناقض الشيء الكثير، كما نجد في أفعالهم من الفساد والعدوان والانحراف ما يشهد على ضلالهم، وكل ذلك لأنهم ابتعدوا عن هدى اللَّه فتلبسوا بالكذب، والكذب يهدي إلى الفجور.
وهذه الأمور تدرك بالعقل والملاحظة، حتى أن الناس تميز في الصناعات والمقالات بين الصادق والكاذب المدعي، ويُمكنهم التعرف على أحوال الرجل من حب وبغض وفرح وحزن، ويظهر ذلك على وجهه،
стр. 1200
فكيف تخفى أحوال الرسول الذي يجيء بالعلوم الباهرة والأخبار الخافية، ويقوم بالأعمال الظاهرة للعيان (١)؟.
٥ - أن الرسل ﵈ أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أعدائهم، ثم وقع ذلك حقيقة فنصر اللَّه رسله وأهلك عدوهم كما حصل لفرعون وقوم نوح وقوم صالح (٢) وغيرهم وهذا من دلائل نبوتهم؛ لأنه لا يُمكن أن يتفق ذلك لأحد من البشر مهما كان ذكاؤه، ومهما كانت معارفه.
٦ - أن من عرف ما جاءت به الرسل من الشرائع وتفاصيل أحوالها تبين له أنهم أعلم الخلق، وأنه لا يحصل مثل ذلك من كذاب جاهل، وأن الذي جاؤوا به هو عين المصلحة والرحمة والهدى والخير، وفيه من دلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم؛ ما يبين أنه لا يصدر إلّا عن راحم برٍّ صادق يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق (٣).
٧ - إضافة إلى كل ما سبق من الدلائل والآيات الدالة على صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد أعطاهم اللَّه من المعجزات الباهرات ما يظهر صدقهم ويوضح تأييد اللَّه لهم، ويلجم عدوهم، كعصا موسى ﵇ ويده البيضاء، وصنيع عيسى ﵇ في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وكتحول النار العظيمة المحرقة إلى برد وسلام على إبراهيم ﷺ ، ومثل ناقة صالح، ومثل الإسراء والمعراج للنبي محمد ﷺ ، ونبع الماء من أصابعه وتكثير الطعام، وأعظم من ذلك المعجزة الخالدة: القرآن العظيم الذي تحدى اللَّه به فصحاء العرب، وتحدى كل المخلوقات في القدرة على محوه أو إزالته أو تحريفه.
الرابع: مجمل عقيدة أهل السنة والجماعة في الرسل عليهم الصلاة والسلام:
стр. 1201
١ - الإيمان بأن اللَّه بعث إلى خلقه رسلًا ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١)، وهو أصل من أصول الإيمان والركن الرابع من أركانه.
٢ - الرسل جمع رسول بمعنى مرسل، أي: مبعوث بإبلاغ شيء، والمراد هنا من أوحي إليه من البشر وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، فالرسالة أمر زائد على النبوة فكل رسول نبي ولا عكس، والتفريق الصحيح بين الفئتين الكريمتين: إن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، والنبي هو المبعوث لتقرير شرع من قبله، وقد ذكر النبي ﷺ أن عدة الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي وعدة الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر رسولًا (٢).
٣ - الإيمان بمن سمى اللَّه تعالى في كتابه من الرسل والأنبياء وعدتهم خمسة وعشرون نبيًا ورسولًا وهم: آدم وهود وصالح وشعيب وإسماعيل وإدريس وذو الكفل وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس واليسع ويونس ولوط ونوح ومحمد صلى اللَّه عليهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
والإيمان بأن هناك أنبياء ورسل لم يقصصهم اللَّه علينا، وهؤلاء نؤمن بهم جملة، قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٣)، وقال -جَلَّ ذِكْرُهُ-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ (٤).
ولم تخل أمة من رسول يبعثه اللَّه تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه، أو نبي يوحي إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلِكُلِّ
стр. 1202
أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ (٣).
٤ - لا يجوز إثبات النبوة لأحد إلّا بدليل صحيح، والنبوة منحة من اللَّه تعالى، واصطفاء، ولا تنال بالرغبة أو المجاهدة والرياضة النفسية.
٥ - الكفر برسول واحد كفر بجميع الرسل؛ لأنهم حملة رسالة واحدة ودعاة دين واحد، ومرسلهم واحد، فهم وحدة يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدق المتأخر المتقدم، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا. . .﴾ (٤).
وقال سبحانه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ (٥).
وقد أثنى اللَّه تعالى على رسوله وعلى المؤمنين الذين اتبعوه، لإيمانهم باللَّه ورسله وعدم تفريقهم بين ابرسل، فقال -جلَّ وعلا-: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. . . (٢٨٥)﴾ (٦).
стр. 1203
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ (١).
٦ - الرسل سفراء اللَّه إلى عباده، وحملة وحيه، ومهمتهم الأولى إبلاغ هذه الأمانة التي تحملوها إلى عبادة اللَّه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (٢) والبلاع يكون بتلاوة النصوص التي أوحاها اللَّه من غير نقصان ولا زيادة، فإذا كان الوحي به ليس نصًا يتلى فيكون البلاغ ببيان الأوامر والنواهي والمعاني والعلوم التي أوحاها اللَّه من غير تبديل ولا تغيير، ويكون بيان الرسل بالقول والفعل والإقرار.
ومن وظائفهم الدعوة إلى اللَّه وبذل الجهد في ذلك ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣).
ومن وظائفهم التبشير والإنذار، الدنيوي والأخروي، تبشير بالسعادة في الدنيا للطائعين، وفي الآخرة بالفوز العظيم، وإنذار بالشقاوة في الدنيا للكافرين والفاسقين، وفي الآخرة بنار الجحيم، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٤).
ومن أعمالهم إصلاح النفوس وتزكيتها وتقويم الفكر المنحرف والعقائد الزائغة، وإقامة الحجة على الخلق، وسياسة الأمة وقيادتها في كل شأن من شؤون حياتها.
٧ - والوحي من اللَّه تعالى للرسل يكون بالإعلام الخفي السريع مهما
стр. 1204
اختلفت أسبابه، ويكون بالتكليم من اللَّه تعالى، ويكون بالإلقاء في روع النبي الموحي إليه، ويكون بالرؤيا يراها، ويكون بواسطة الملك.
٨ - والرسل عليهم الصلاة والسلام بشر من البشر، يأكلون ويتزوجون وينامون ويمرضون أمراضًا لا تستبشع ولا تخل بالعقل، وقد يتعرضون للابتلاء كالسجن والمطاردة والقتل وهم أشد الناس بلاء.
٩ - الرسل ليس فيهم شيء من خصائص الربوبية أو الألوهية، وليسوا ملائكة بل بشرًا من أكمل البشر خلقًا وخلقًا، وخير أقوامهم نسبًا وحسبًا، وأصحاب عقول راجحة وذكاء وفصاحة.
١٠ - الرسل أكثر الناس تحقيقًا للعبودية للَّه تعالى وأعظمهم طاعة له.
١١ - ولم يكن الرسل إلّا رجالًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (١) فلم يبعث اللَّه رسولًا من النساء.
وكانت الرسالة في الرجال دون النساء؛ لأن الرسالة تقتضي الاشتهار بالدعوة ومخاطبة الناس ومقابلتهم والتنقل في الأرض، ومواجهة المكذبين ومحاججتهم ومخاصمتهم، والجهاد في سبيل اللَّه وكل هذا من أعمال الرجال دون النساء.
والرسالة تقتضي قوامة الرسول على من يتبعه، ولو كانت الموكلة بذلك المرأة لم يتم لها ذلك على الوجه الأكمل ولا استنكف الرجال أن يكونوا تبعًا لها إضافة إلى ما في الذكورة من كمال وقوة وقدرة، وما في الأنوثة في من ضعف ولين، وما يطرأ على المرأة من حيض ونفاس وحضانة ولد وحقوق زوج، وهذه كلها مانعة من القيام بأعباء الرسالة وتكاليفها.
١٢ - ومع كون الرسل عليهم الصلاة والسلام بشرًا إلّا أنهم تفردوا عن البشر بأمور منها: الوحي، والعصمة، وتنام أعينهم ولا تنام قلوبهم،
стр. 1205
ويخيرون عند الموت بين الدنيا والآخرة، ويقبرون حيث يموتون، ولا تأكل الأرض أجسادهم، وأحياء في قبورهم.
١٣ - عصمة الرسل حق يجب الإيمان به، ويراد بالعصمة ما يلي:
أ- الرسل معصومون في تحمل الرسالة فلا ينسون شيئًا مما أوحاه اللَّه إليهم إلّا شيئًا قد نسخ.
ب - الرسل معصومون في التبليغ فلا يكتمون شيئًا مما أوحاه اللَّه إليهم؛ لأن الكتمان خيانة وهم منزهون عنها.
جـ - الأمور البشرية الجبلية قد تقع من الأنبياء وهي لا تنافي العصمة، فإبراهيم أوجس في نفسه خيفة، وموسى لم يصبر على تصرفات الخضر الغريبة رغم تذكير الخضر له بالصبر الذي قطعه على نفسه، وغضب موسى غضبًا شديدًا وأخذ برأس أخيه ولحيته وألقى الألواح عندما وجد قومه يعبدون العجل، وعهد اللَّه إلى آدم فنسي ونسيت ذريته، وجحد فجحدت ذريته، ونسي النبي ﷺ في صلاة الظهر فصلى ركعتين ثم لما ذكر بذلك أتم ما بقي وسجد للسهو، ثم قال ﷺ : "إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني" (١)، ونسيانه ﵊ في غير البلاغ في غير أمور التشريع.
وقد يجتهد الرسل في أمور تعرض لهم ويحكمون وفق ما يبدو لهم فهم لا يعلمون الغيب، وقد يخطئون في إصابة الحق، ومن ذلك عدم إصابة نبي اللَّه داود في الحكم وإصابة ابنه سليمان في تلك المسألة، ويقول النبي ﷺ : "إنّما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأحسب أنه صادق، فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنّما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها" (٢).
стр. 1206
د- الرسل معصومون من فعل الكبائر والمحرمات وقبائح الذنوب، وقد كذب اليهود والنصارى وافتروا أعظم الفرى إذ نسبوا إلى أنبياء اللَّه الزنى والسرقة والمخادعة والقتل غيلة وصناعة الأصنام وعبادتها، وغير ذلك من افتراءاتهم التي لم تقع، ولا يُمكن أن تقع من أحد من الأنبياء بحال من الأحوال بل هم معصومون من ذلك.
هـ- الرسل ليسوا معصومين من الصغائر، بل يُمكن أن تقع منهم ولكن اللَّه ينبه رسله إلى ما وقع منهم من مخالفات ويوفقهم إلى التوبة منها مباشرة من غير تأخير.
ومن أمثلة ذلك: معصية آدم بأكله من الشجرة، وقال اللَّه فى ذلك: ﴿. . . وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ (١)، ومناشدة نوح ربه في شأن ابنه، ومسارعة داود في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني، وقال اللَّه لنبينا محمد ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ (٢)، وقال له: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ (٣) الآيات، وعاتبه في قبول الفدية في أسرى بدر فقال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ (٤).
وخلاصة القول: إنه قد اتفق سلف الأمة على أن اللَّه عصم أنبياءه من مقارفة كبائر الذنوب، واتفقوا على حفظ اللَّه لهم من الصغائر مما كان طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة.
كما اتفقوا في أنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم
стр. 1207
أيضًا قصد الشيء يريدون به وجه اللَّه تعالى والتقرب به فيقع على خلاف مراد اللَّه الشرعي، إلّا أنه سبحانه لا يقرهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا بل ينبههم على ذلك، وهذا هو معنى ما ورد من النصوص في توبة الأنبياء واستغفارهم وملام اللَّه لهم، وهذا معنى العصمة عند السلف أي إنهم لا يقرون على الذنوب التي تقع من غير قصد، أو تقع خلاف مراد اللَّه وهم يريدون وجه اللَّه تعالى، وقد تاب اللَّه على أنبيائه وغفر لهم، وقبل توبتهم ورفع درجتهم، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها.
١٤ - ولا تكون العصمة لغير الأنبياء والمرسلين مهما كانت الدرجة والمنزلة.
١٥ - ومن الإيمان بالرسل: وجوب تكريمهم وتوقيرهم وإجلالهم جميعًا واعتقاد فضلهم على من سواهم من الصديقين والشهداء والصالحين والأولياء، ونبي واحد خير من جميع الأولياء.
١٦ - والرسل أفضل من الأنبياء، وبعض الرسل أفضل من بعض، وأفضل من الجميع خمسة هم أولو العزم: محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم صلوات اللَّه وسلامه، وأفضلهم جميعًا نبينا محمد ﷺ .
١٧ - ويجب الإيمان بأن محمدًا ﷺ هو أفضل الأنبياء والمرسلين وخاتمهم، وشريعته ناسخة لجميع الشرائع، ودينه هو الدين الذي لا يقبل اللَّه بعد بعثته دينًا سواه، وقد بشر الرسل من قبل بالنبي ﷺ وأخبروا بمجيئه، وهو سيد ولد آدم والشافع يوم القيامة وقد اتخذه اللَّه خليلًا، وخصه اللَّه دون غيره من الأنبياء بخصائص منها أنه أرسل إلى الناس كافة، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا يبعث اللَّه بعده رسولًا، أمّا نزول عيسى آخر الزمان فهو حق وصدق ولكنه لا ينزل ليحكم بشريعة التوراة والإنجيل، بل يحكم بالقرآن، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويؤذن بالصلاة (١).
стр. 1208
وخصه كذلك بأن أمته خير الأمم وأكرمها على اللَّه لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١).
١٨ - من جحد الرسالات أو شكك فيها أو جحد الرسل أو أحدًا منهم أو شكك في ذلك أو في صدقهم فهو كافر مرتد عن الإسلام، وكذلك من أبغضهم أو سخر بهم أو بأعمالهم أو أقوالهم، وكذلك من جعل الرسل والرسالات سببًا للتخلف، أو أن ما جاؤوا به مضاد للعقل والمصلحة، وكذلك من قال فيهم بأقوال المشركين أو الكفار من أهل الديانات المحرفة مما يناقض عصمتهم.
وكذلك من أطلق أسماءهم أو أوصافهم على غيرهم، أو فضل غيرهم عليهم، أو ساوى بينهم وبين غيرهم ولو كان من الصالحين المتقين، فضلًا عن مساواتهم بمدعي النبوة أو بالملاحدة الكافرين، ويكفر كذلك من نازع في عصمتهم، أو شكك في معجزاتهم والآيات التي بعثوا بها أو جحد ذلك.
والآن بعد الذكر الموجز لعقيدة أهل الإيمان في الرسل الكرام ننتقل إلى معرفة موقف أرباب الأدب العربي المعاصر من هذا الركن العظيم.
وقد تمهد معنا في هذا الباب قضيتان يُمكن من خلالهما معرفة أقوال هؤلاء:
القضية الأولى: إنكارهم لوجود اللَّه تعالى ولربوبيته وألوهيته، هي الدعامة الأولى التي ينهض عليها انحرافهم في أركان الإيمان الأخرى، إذ لابد أن تتسلسل الأخطاء بعد هذه الشناعة العظيمة مقتحمة التصور والإفكار والسلوك والأحوال من كل جهة وصوب، فإذا تاه الإنسان عن السلك الذي
стр. 1209
ينتظم كل عقائد الإسلام والإيمان فسوف يتيه في كل ما عدا ذلك، وهذا ما نلمسه حقيقة في عقائد الحداثيين والعلمانيين، المتوغل منهم في الإلحاد، والذي عاش على ضحضاح منه.
وقضية الرسل والرسالات هي إحدى القضايا التي عشيت أبصارهم عن رؤية حقائقها، وصمت آذانهم عن سماع براهينها، وجمدت عقولهم وقلوبهم عن تلقي أدلتها وعلومها، فعاثت بهم الحيرة، ومزقتهم الأهواء الفاسدة واعتلت على هاماتهم الأباطيل.
ولا غرو أن يكونوا بهذه المثابة وقد جحدوا أصل الأصول كلها وقاعدة الإيمان وركنه الركين.
القضية الثانية: مرّ معنا في الفصل السابق موقفهم من الوحي والكتب المنزلة، من تكذيب وتشكيك وسخرية واستهزاء ومضادة ومعاندة.
وما قالوه هناك في الكتب ينطبق على ما قالوه في الرسل الكرام لتلازم ما بين الأمرين في الأصل؛ ولأن الحداثيين تلقوا الانحراف في الرسل والكتب على السواء، باعتبار التلازم الذي بينهما، ثم إن أساتذتهم الذين أخذوا عنهم هذه الانحرافات تعرضوا للكتب والرسل معًا، وكذلك فعل التلاميذ.
إذن فهذا الفصل امتداد تفصيلي للفصل السابق، وفيه سوف نذكر أظهر أوجه انحرافهم في الرسل والرسالات، وهي:
١ - جحد الرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم.
٢ - البغض والاستهانة والسخرية بالرسل وأعمالهم وأقوالهم.
٣ - جعل الرسل والرسالات مناقضة للعقل وسببًا للتخلف.
٤ - القول في الرسل بأقوال الديانات المحرفة.
٥ - إطلاق أسماء وأوصاف وخصائص الرسل على غيرهم.
الوجه الأول من أوجه انحرافاتهم في الرسل الكرام: جحد الرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم:
تكرر في ثنايا هذا المبحث أن الكفر الحديث لا يخرج في أصوله عن
стр. 1210
الكفر القديم الذي ذكره اللَّه في القرآن العظيم، وأعداء الرسل والرسالات قديمًا وحديثًا يبدأون عداوتهم للرسل بتكذيبهم وجحد رسالاتهم والتشكيك فيهم، وإذا تأملنا الجدل الكفري الذي سعى فيه الكفار لرفض الرسل والرسالات نجده النموذج الأول للمعاصرين المعاندين.
حيث لم يأتوا بأي حجة منطقية، بل مجرد العجب والاستغراب والاستبعاد، كما فعل قوم نوح الذين بدأوا ردهم لدعوة نوح ﵊ بالتعجيب، ثم انتقلوا إلى الاحتجاج بأنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الأولين، ليبرروا تعجبهم وليمارسوا احتجاجهم الزائف بالتقليد الأعمى، ثم انتقلوا إلى ميدان الشتم والذم، ثم يدعون إلى التربص والانتظار ليروا كيف تزول دعوته وتذهب رسالته وتنمحي آثاره، كل ذلك حكاه اللَّه تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ (١).
وكذلك قال قوم هود وتقدموا بالجدل الباطل ولم يقدموا دليلًا في جدالهم بل مجرد الاستبعاد والتعجب والتعلل والشتم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾ (٢).
ومثلهم كفار قريش الذين أخبرنا اللَّه عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ
стр. 1211
نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾ (١).
ومن جدلياتهم الباطلة المطالبة بالأشياء المادية الحسية واقتراح أن يكون الرسول ﷺ غنيًا لديه كنوز عظيمة، أو جنة كبيرة من نخيل وعنب وأنهار، أو يفجر من الأرض ينبوعًا يجري في بطاح مكة وأوديتها، أو يكون له بيت مزخرف بالذهب مثل بيوت الملوك والأباطرة، ثم انقلبوا متحدين مستخفين مقترحين أن ينزل عليهم قطعًا من العذاب "كسفًا من السماء" لتوقع الهلاك بهم، وهم في ذلك كله لا يطلبون الحقيقة بل يتعمدون الاستهزاء ويتقصدون المعاندة والمكابرة، التي بلغت أشنع درجاتها حين اقترحوا أن يأتي باللَّه -تعالى وتقدس- وبالملائكة ليقفوا مع الرسول وينصروه إن كان صادقًا.
ثم اقترحوا -استهزاءً- أن يرقي في السماء، ومع ذلك لو حصل الرقي فإنهم لن يؤمنوا به لمجرد رقيه بل لابد أن يأتي بكتاب من السماء يقرأونه.
وإذا تأملنا هذه المطالب المتعنتة وجدناها تنبثق من كبر في صدورهم ومن هوى في نفوسهم (٢)، ومن فساد في ضمائرهم وانحراف في مقاصدهم، وضلال في عقولهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا
стр. 1212
بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ (١).
وهذه المقترحات الجاهلية والاعتراضات المادية هي عينها أصول جدليات الماديين المعاصرين، الذين رتعوا في جاهلية هذه القرون مستخدمين دثار العلم زيفًا ومغالطة، ورداء العقل ادعاء ومكابرة.
وقد تبعهم في هذه السراديب الخربة أبناء المسلمين الذين تلقوا عن الغرب باندهاش، وتلقفوا ما عندهم بتسليم، وقلدوهم ببلادة، وقد نقلنا في مواطن عديدة في الفصول الماضية إقرار الحداثيين والعلمانيين بالتبعية، وعدم تحرجهم مطلقًا من الاعتراف بها، وهي اعترافات ليست شاذة عن المسيرة الفكرية التي يعيشها هؤلاء في الواقع، حيث ينادون قولًا وعملًا وفكرًا واعتقادًا إلى أخذ ما عند الغرب من عقائد ومناهج وأفكار على اعتبار أن ذلك -كما يدعون- من مقتضيات "العصر" ولوازم "التنوير والتطوير"، ومن رفض هذه العقائد والأفكار فهو عندهم "ظلامي" و"متخلف" و"منحط" و"عائش خارج التاريخ" إلى آخر الشتائم الجاهلية العلمانية الحداثية، التي امتلأت بها كتبهم ومجلاتهم وسائر منابرهم الإعلامية.
ولكن هل صحيح أن كل ما في الغرب من فكر هو من مقتضيات العصر بحيث يصبح الذي يرفضه متخلفًا عن ركب عصره؟.
وللإجابة على هذا السؤال لابد من نظرة تحليلية فاحصة لنرى مما يتكون هذا الفكر، ولنعرف أي مكوناته لازم لعصرنا وأيها طارئ عليه.
(إن الحضارة الغربية تتكون على وجه الإجمال مما يلي:
أولًا: حقائق رياضية أو طبيعية أو اجتماعية أو نفسية ثبتت صحتها بالتجربة الحسية أو البرهان العقلي.
стр. 1213
ثانيًا: نظريات علمية عن الطبيعة أو الإنسان فردًا وجماعة وهي ثلاثة أنواع:
أ- نوع نجح في تفسير كثير من الظواهر، ولم نجد ما يدل على بطلانه وإن كنا لا نقطع بصحته.
ب - نوع ما زال في طور التجربة.
جـ - نوع ثبت بطلانه.
ثالثًا: تقنية تكاد تشمل كل جوانب الحياة أدى إليها تطور العلوم الطبيعية والرياضية.
رابعًا: مهارات تقنية وإدارية مبنية على تلك العلوم.
خامسًا: تصورات دينية أو فلسفية للوجود، ومكانة الإنسان فيه، وللقيم الخلقية والجمالية، ولعلاقة الفرد بالمجتمع.
سادسًا: أدب وفن يعبر عن هذه التصورات.
سابعًا: أو ضاع سياسية واقتصادية وعلاقات اجتماعية وعادات وتقاليد تصوغها تلك التصورات) (١).
هذه مكونات ما يسمى بالحضارة الغربية، والناظر في المناهج والفلسفات والعقائد السائدة في الغرب اليوم يجدها خليطًا من الأفكار والتصورات المتناقضة، ومزيجًا من الآراء والأهواء والنظريات المتضادة، وهي مع اتصافها بهذا الوصف تنضوي ضمن إطار أصولي تصوري شامل، بمثل معيار القبول والرفض والخير والشر والحق والباطل والحسن والقبح عندهم، بل ويمثل المحور الذي توضع فيها الحقائق العلمية وتفسّر على ضوئه، وتستنتج منه النتائج التي توافقه.
стр. 1214
وهذا الإطار الفكري الأصولي الغربي الشامل هو "الفكر المادي الإلحادي" وفحوى هذا الفكر هو:
(أ - أن الواقع الموضوعي يتكون في النهاية من لبنات مادية متناهية الصغر في حجمها متحركة في فراغ.
ب - أن كل ما في الوجود فهو إمّا هذه اللبنات، وإمّا أشياء مركبة منها، وإمّا علاقات بينها وما سوى ذلك فلا وجود حقيقي له.
جـ - أن طبيعة هذه المركبات سواء كانت أجسامًا جامدة أو كائنات حية، أو جماعات بشرية تفسرها في النهاية طبيعة اللبنات المكونة لها، هذا على الرأي السائد بين جمهرة المشتغلين بالعلوم الطبيعية، وهنالك رأي لكثير من فلاسفة العلوم يقول: إن المركبات تكتسب بحكم تركيبها طبيعة جديدة لا يُمكن ردها إلى الأجزاء المكونة.
د- أنه ينبغي لذلك أن نلتمس تفسير الظواهر النفسية والاجتماعية والحيوية والفيزيائية في أسباب ضمن هذا الكون المادي، أي أن الكون المادي كون مكتفٍ بنفسه، غير محتاج إلى قوة خارجية تخلقه أو ترسم مساره أو تدبر أمره.
هـ- ولذلك فإن كل عبارة تنطوي على دعوى تخالف في ظاهرها هذا التصور فإمّا أن نحكم ببطلانها وإمّا أن نعيد تفسيرها، بحيث نجد لها مكانًا داخل هذا الإطار الإلحادي المادي.
و- وكل ظاهرة يدعى أنها خارقة لقوانين الطبيعة فهي إمّا كذب أو وهم لا أساس له.
ز- وكل تفسير للظواهر النفسية أو الاجتماعية. . . الخ بأسباب خارج هذا الإطار لا يعتبر تفسيرًا علميًا، أي أن التفسير العلمي هو بالضرورة تفسير إلحادي، حتى أن كلمة العلم أصبحت في العالم كله تقريبًا علمًا على هذا التصور الإلحادي للعلم) (١).
стр. 1215
هذه الفلسفة المادية الإلحادية هي التي تشكل النظرة الكلية للإنسان الغربي والتي من خلالها ينظر إلى الحقائق العلمية والأحداث والمبتكرات والمتغيرات، والأحوال النفسية والاجتماعية، والممارسات السياسية والقانونية والاقتصادية والتربوية.
ويُمكن تصنيف مثقفي الغرب إزاء هذه الفلسفة المادية المكونة لمجمل النظريات والفلسفات الغربية إلى عدة أقسام:
القسم الأول: الملاحدة الصرحاء الذين يأخذون هذه الفلسفة المادية أخذًا كاملًا، ويعلنون كفرهم باللَّه والنبوات والمعاد وبالدين كله جملة وتفصيلًا.
القسم الثاني: منهم من يقبل هذه الفلسفة المادية الإلحادية كمنهج علمي يتخذه إطارًا لفكره وفلسفته وقانونه ومجتمعه، وينتهجه إذا دخل معمله أو كتب أبحاثه، ويتخلى عنه إذا ذهب إلى كنيسته أو بيعته.
القسم الثالث: منهم من يقبله حقيقة ولكنه ينتمي إلى الدين اسمًا؛ لأنه يفسر كل المفاهيم الدينية تفسيرًا ماديًا لا يخرج عن هذا الإطار.
القسم الرابع: منهم من ينكر الفلسفة المادية وينتقدها، إمّا على أساس إلحادي آخر، وإمّا على أساس ديني ينتمي أصحابه إلى أديان شركية خرافية محرفة (١).
أمّا بالنسبة لموقف المثقفين في العالم الإسلامي، الذين تأثروا بالغرب، فإننا نجد أنهم على قمسين:
القسم الأول: الملاحدة الذين يقولون بوجوب أخذ كل ما لدى الغرب، وخاصة هذا الإطار الفلسفي الإلحادي؛ لأنه يمثل -عندهم- أساسي التطور والتنوير والتقدم والحضارة، ويرون أن هذا التصور هو الذي يقتضيه العصر، والذي يعتبر متخلفًا عن عصره كل من لا يقول به.
стр. 1216
وعلى ذلك جميع المعتقدين بالشيوعية والوجودية، وعليه كل من أدونيس وأنسي الحاج والبياتي وتوفيق زياد وتوفيق صائغ وجبرا إبراهيم جبرا وجبران خليل جبران وخالدة سعيد وخليل حاوي وسعدي يوسف وسميح القاسم وحسين مروة والطاهر بن جلون والطيب تزيني وعلاء حامد وعادل ظاهر وعزيز العظمة وكاتب ياسين ولويس عوض ومحمد أركون ومعين بسيسو ومحمد بنيس وهاشم صالح ويوسف الخال (١)، وغيرهم.
القسم الثاني: الذين ينتسبون إلى الإسلام صدقًا أو نفاقًا، ويحاولون تفسير الإسلام ضمن هذا الإطار الإلحادي المادي، ويتصورون الوجود ضمنه، وينتجون ويفكرون من خلاله، جاعلين منه أساسًا علميًا لقياس كل شيء عليه، ومحاكمة كل شيء إليه، ابتداءً من وجود اللَّه تعالى وألوهيته حتى النبوات والغيبيات والمعاد وسائر قضايا الاعتقاد، حتى التشريعات والنظم والمناهج، وهم في أحسن أحوالهم -حين نحسن بهم الظن- يريدون أن يبينوا أنه لا تعارض بين الإسلام وهذا الإطار الذي يسمونه المنهج العلمي، ولا بين الإسلام والحياة والمعاصرة، ولذلك فإنهم يعمدون إلى عسف قضايا الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا، لتصبح داخل هذا الإطار تحت شعارات التنوير ومسايرة الإسلام لظروف العصر، وهم في هذا يسلكون منهج كثير من المفكرين النصارى مشابهين لهم أو متشبهين بهم.
فنصوص الوحي لديهم ليست مصدرًا للمعرفة لاستنادها -عندهم- إلى أصل مجهول، وعند بعضهم هي مصدر ثانوي للمعرفة بعد أن يثبت المنهج الفيللوجي أو التاريخي أو اللغوي أو غيرها من المناهج أن هذا النص يُمكن قبوله، ثم يخضعونه بعد ذلك للمنهج الهرمونطيقي أي: التأويلي الاستبطاني، ليرى مدى ملاءمته، وإمكانية اعتماده مصدرًا "ثانويًا" للثقافة، ولبعض الممارسات الحياتية التي لا تعارض مبدأ العلمانية.
وهذا القسم نوعان: منهم من قبل هذا الإطار لا في مجال الثقافة
стр. 1217
والفنون بل في مجال التشريع العملي وفي مجال العقيدة أيضًا، ومنهم من قبل لوازم هذا الإطار في مجال التشريع وإن لم يقبلها في مجال العقيدة أو ظل على الأقل ساكتًا عنها في هذا المجال.
وهذا القسم بنوعيه أخطر وأشد نكاية وأعظم ضررًا من القسم الأول، ذي العداوة السافرة المكشوفة؛ لأن هؤلاء عداوتهم للإسلام وأهله عداوة مستترة ملتبسة على كثير من الناس، وقدرتهم على نقل الإلحاد والكفر وتسويقه أوسع، وتلبيسهم على جماهير المسلمين أيسر.
ولذلك حذر اللَّه من هذا الصنف أشد التحذير، وفصل في ذكره وذكر أوصافه وأحواله أعظم التفصيل، ومن ذلك قوله -جلَّ وعلا-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ
стр. 1218
وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾ (١).
وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾ (٣).
وهذا القسم المنتمي إلى الإسلام اسمًا، والذي يعيش بين ظهراني المسلمين، ويتسمى بأسمائهم وقد يمارس بعض شعائر الإسلام، أو يمتدح بعض التراث "وهم يعتبرون الإسلام كله تراثًا"، هم الأكثرون بين جمهور المنهزمين فكريًا، والتابعين هوية للغرب، وجمهرتهم في ثلاث فئات لها خطر: فئة الإداريين وفئة المثقفين وفئة الإعلاميين، ومن خلالهم جاس العدو في بلدان المسلمين يفعل الأفاعيل التي ما كان يقدر عليها لو كان يحكم بنفسه مباشرة.
ومن هذا القسم السياب وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل والمقالح وحجازي وأمين الخولي ومحمد خلف اللَّه وجابر عصفور وحسن حنفي ونصر أبو زيد وطه حسين والطهطاوي وعبد الرحمن منيف والفيتوري ومحمد عابد الجابري ونجيب محفوظ (٤)، وغيرهم كثير.
وبعد فقد أوردت هذا التفصيل في أحوال هؤلاء لبيان وجه التمايز بينهم وبين بقية المسلمين في هذا الأصل، إذ يتلقى المسلم عن الرسل العلم
стр. 1219
والهدى ويعرف الحق عن طريق الوحي المعصوم، ويعتبر ذلك سبيل فلاحه في الدنيا والآخرة ومصدر معرفته ومعيار أحكامه وأقواله وأعماله.
أمّا الذين مسخوا من أبناء المسلمين فقد تجارت بهم الأهواء المادية تجاري الكَلَب بصاحبه حتى لم يذر عرقًا ولا مفصلًا إلا دخله، وهذه الأهواء هي الداء المبير، والشر المستطير، والفساد الكبير التي أحالت حياة هؤلاء إلى ما يشبه حياة القطيع الذي يسير وقد أعار عقله ولبه لغيره، وقد استحالت أعمالهم وكتاباتهم إلى وسائط لنقل عقائد وأفكار الآخرين كالذي يقوم على خشبة المسرح بأدوار التمثيل التي لقّنه وحفّظه المخرج.
ويحاولون مع ذلك صبغ أعمالهم المستقذرة المنبوذة الكريهة بأصباغ مخادعة كاذبة من دعاوى الدقة والاستيعاب والتمحيص والمهارة والحذق والذكاء والموضوعية، ثم يزداد الأمر بشاعة حين يزعم بعضهم مع اندراجه داخل ذلك الإطار الإلحادي إنه ما زال مسلمًا، ولا يحق لأحد نزع هذه الصفة عنه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ (١).
وأمثال هؤلاء الحداثيين ممن نشأ في لسان أمته، وتعليم بلاده، حتى إذا بلغ عمر التنقل والرحلة ذهب إلى بلاد الغرب وتلقى مناهجهم وعقائدهم، حتى إذا استوى عوده وبلغ أشده أعادوه إلى بلاد المسلمين ليكون لأمته عدوًا وحزنًا، وأمدوه بما يحتاج من دعم مادي ومعنوي، فإذا هو قادر أو مُفترض أنه قادر تمام القدرة على منازلة الأمة في عقيدتها وشريعتها وأخلاقها وقيمها وتاريخها، ومؤهل أو مُفترض أنه مؤهل ليقود معركة بالنيابة عن أساتذته ضد أمته، مفارق كل المفارقة أو بعض المفارقة -وكلا الأمرين سواء- للعقيدة وأصولها والشريعة وأحكامها والأخلاق وضوابطها.
ولا يلبث غير زمن يسير حتى يصبح في وسائل الأعلام المثقف والمفكر والمنهجي والمؤرخ والاجتماعي، والمستشار في قضايا الأمة!!
стр. 1220
فيالها من فواقر عظيمة أصيبت بها الأمة في الصميم من خلال هؤلاء ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).
على ضوء كل ما سبق من وصف الإطار الفكرى الغربي والفلاسفة الغربيين، ثم تلامذتهم في المشرق، يتبين لنا أن موقفهم من النبوة والنبوات سيكون تابعًا لذلك الإطار ولأولئك الفلاسفة، في الأصول والتعريفات.
ومن ذلك الجحد الكامل للرسالات والتشكيك في وجود الرسل وفي صدقهم.
وكلامهم في هذا الصدد متنوع ومتعدد، بيد أن من أوائل من فتح لهم هذا الباب هو طه حسين الذي اصطنع الشك بل استنسخ الشك من ديكارت، ليسلطه على الحقائق الدينية والتاريخية، بل حتى على بعض المسائل الاعتقادية كما هو الشأن في هذه القضية التي نحن بصددها، وذلك حين ادعى أن القرآن والتوراة لا يكفيان حين يتحدثان عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام لإثبات وجودهما التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تتحدث عن هجرة إسماعيل إلى مكة، والنتيجة المترتبة على ذلك من انتساب العرب المستعربة إلى إسماعيل، وادعى أن هذه القصص منتحلة وضعها اليهود الذين يستوطنون شمالي البلاد العربية، وأن القرآن إنّما اصطنع هذه القصص احتيالًا لإثبات الصلة بين الإسلام واليهودية أو بين القرآن والتوراة والعرب واليهود (٢).
وقد كتبت لجنة العلماء في مصر تقريرًا مفصلًا عن كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي ذكر فيه القول الشنيع عن إبراهيم وإسماعيل ﵉، وقد قررت اللجنة أن الكتاب (كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين مبثوثة فيه لا يجوز بحال أن تلقى إلى تلامذة لم يكن
стр. 1221
عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل المفسد لعقائدهم) (١).
ويبنوا (أنه إذا لم تكافح هذه الروح الإلحادية في التعليم ويقتلع هذا الشر من أصله وتطهر دور التعليم من اللادينية التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام تحت شعار حرية الرأي، اختل النظام وفشت الفوضى واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام.
والكتاب وضع في ظاهره لإنكار الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلًا يجده دعامة من دعائم الكفر ومعولًا لهدم الأديان، وكأنه ما وضع إلّا ليأتي عليها من أصولها وبخاصة الدين الإسلامي) (٢).
وهذا الاستنتاج الذي وصلت إليه لجنة العلماء هو عين ما ذكرته آنفًا من دوران المفكرين المستغربين في داخل الإطار الإلحادي المادي.
وحتى لا يكون الكلام مجرد نقل عن الناقدين لطه حسين فإنه لابد أن نذكر قوله بنصه لتبيان حقيقة قوله الذي أصبح فاتحة شرّ لما هو أعظم من ذلك فيما بعد.
يقول طه حسين: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة) (٣).
ثم يقول طه حسين: (نحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعًا من الحيلة لإثبات الصلة الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى) (٤).
стр. 1222
ثم يضيف: (وقد كانت قريش مستعدة كل الاستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة في القرن السابع للمسيح) (١) إلى أن قال: (إذًا فليس ما يمنع قريش من أن تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما أنها متصلة بإينياس بن بريام صاحب طراودة، أمر هذه القصة إذًا واضح، فهي حديثة العهد قبيل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب ديني، وقبلتها مكة لسبب ديني وسياسي أيضًا، وإذا فيستطيع التاريخ والأدبي واللغوي الا يحفل بها عندما يريد أن يتعرف أصل اللغة العربية الفصحى) (٢).
ولا شك أن هذه الأقوال تتضمن إلحادًا مكشوفًا ومعارضة صريحة للقرآن العظيم وكفرًا باللَّه وآياته ورسله، وتكذيب للنصوص القاطعة وللرسول ﷺ الذي أوحي إليه من ربه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (٣)، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ (٤).
ورد صريح لخبر اللَّه في القرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ (٥).
وهذا الذي قاله طه حسين عن القرآن هو عين الذي قاله المشركون في القرآن من قبل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ
стр. 1223
آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ (١).
لقد كان طه حسين طليعة المجترئين على حرب الوحي والرسل والرسالات، وما زال يعد عند الحداثيين والعلمانيين صاحب طريقة يجب أن تطاع وأن تسلك، فها هو الحداثي عزيز العظمة يستشهد بكلام طه حسين، ويجعله منطلقًا لرفض وصاية أهواء الماضي، واعتبره برنامج عمل للفاعلية العقلانية التاريخية (٢)، وقائد الريادة للممارسة الفكرية المستقلة عن الماضي، واعتبر أن الذين ردوا على طه حسين في تلك النصوص الكافرة يمارسون الردة ويعملون إلى إرجاع الأسطورة وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية ورفض المساءلة، ثم ينتقد العظمة الذين أحجموا عن القيام بمثل ما قام به طه حسين (٣).
ثم ختم مقاله بقوله: (إن عنوان الحداثة العلمانية فى يومنا هذا هتك أساطير البداية، ووعي التاريخ والتأسيس فيه ومن سياقه العالمي، وإعادة الوصل مع كونية طه حسين مع مواضع أخرى حيث تعطل الوصل بيننا وبين الترقي الثقافي والعقلي الكفيل بإعادة الاعتبار للشرط اللازم للرقي في معانيه الأعم) (٤).
وهذا ما ترسخ فعلًا في مشروعات أهل الحداثة والعلمانية فقد وجدوا أن الإلتحاق بهذه المفاهيم هو أقرب الطرق لهدم الإسلام من خلال هدم أصوله ومصادره، ويثني النصراني المصري غالي شكري على كتاب صدر بعنوان "الكتابة السوداء" (٥)، والذي قام أصحابه بنشر الفصل الذي تحدث فيه طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي عن إبراهيم وإسماعيل عليها الصلاة
стр. 1224
والسلام كما في النص المنقول آنفًا ثم عقب على ذلك قائلًا: (إن نشر تراث الحداثة على هذا النحو إنّما يجدد نيران الشهوة في تغيير العالم بردم الهوة بين النخبة وبقية الناس) (١).
وقد مرّ معنا في الفصل السابق كيف حاول أدونيس من خلال "تلمود الحداثة" كتاب "الثابت والمتحول" أن يرسخ مبدأ الإلحاد كأساس أولي لجحد الدين والتشكيك في الرسل والرسالات والتكذيب الصريح للوحي من خلال نقله نصوصًا لأشباهه السالفين الذين استخرجهم من قعر نجاسات التاريخ مثل ابن الراوندي والرازي الملحد وابن المقفع، ثم ليبني على هذه الأقوال مذهبه الإلحادي الذي يُعده ليكون أساسًا للحداثة العربية، ولا ينسى أن يربط مفاهم الإبداع والحداثة التي ينشدها بأوتار من رماد الإلحاد، وذلك حين يجعل مجيء الإسلام بداية للتخلف وذلك في سياق مقابلة اصطنعها على سبيل الادعاء بين التقدم والتخلف، جاعلًا من الإسلام وقضاياه وأدوات فهمه والتعبير عنه في قائمة التخلف وعكس ذلك في قائمة التقدم.
فقائمة التخلف عنده مستندة إلى نبوة النبي محمد ﷺ وأميته وأمية العرب والفطرة العربية والمشافهة، ثم يسرد على هذه الدعوى الكاذبة أوصافًا يعدها أساسًا للتخلف ويريد بها الإسلام ورسالة النبي محمد ﷺ القائمة حسب دعواه على: الخطابة والبداوة والأمية والفطرة والشفوية، والوضوح والإفهام والبيان والارتجال والتأثير والنفع والتحسين، ومطابقة الحق، والحق الثابت والواضح، والمضاهاة للسابق ومشابهته، وفصل اللفظ عن المعنى وجعل المعنى دينيًا أخلاقيًا، وفرض المعايير.
هذه عنده هي قائمة التخلف والرجعية، وأضدادها هي التقدم والتطور، وقد بدأ الصراع -حسب رأيه- بين الشفوية والكتابة والبداوة والحضارة والأمية والثقافة منذ أن بعث الرسول ﷺ (٢).
стр. 1225
وغني عن الإعادة أن هذه الأقوال المطلقة من أي دليل أو مستند، هي مجرد دعوى، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يريد فرض مفاهيمه عن التقدم والتخلف كمسلمات وحقائق ثابتة لا نقاش حولها، ولذلك نجد الإمعات من أتباع الحداثة يأخذون هذه على بساط التسليم والمتابعة، رغم ادعائهم استخدام العقل والمنطق والدراسات الموضوعية!!.
وفي سياق تمرير أدونيس لعقائده من خلال شخصيات أخرى تشابه في المنزع والغاية يأتي بجبران خليل جبران فيجعل من دراساته مثلًا لـ "الثورة على الشريعة" (١) و"الثورة على الأسباب العميقة التي تكمن وراءها" (٢) و"الثورة على الماضي" (٣) و"التحرر من التقاليد" (٤).
ثم يورد مقطوعة من كلامه ليصل من خلالها إلى المقصد من كل هذه المقدمات قائلًا: (في هذه المقطوعة يسمي اللَّه والأنبياء والفضيلة والآخرة ألفاظًا رتبتها الأجيال الغابرة وهي قائمة بقوة الاستمرار لا بقوة الحقيقة،. . . والتمسك بهذه التقاليد موت والمتمسكون بها أموات، وعلى كل من يريد التحرر منها أن يتحول إلى حفار قبور، لكي يدفن أولًا هذه التقاليد، كمقدمة ضرورية لتحرره) (٥).
وهذا القول منه ليس سوى تعبير جديد لمضمون قديم قاله أعداء الرسل والرسالات، كما أخبر اللَّه سبحانه في كتابه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠)﴾ (٦).
وليس معهم سوى مجرد الشتم والادعاء قديمًا وحديثًا، وفي سياق تشبث أدونيس بأي شاهد يساعده في تثبيت إلحاده وكفره بالرسل والرسالات
стр. 1226
يلقى حباله على متن معروف الرصافي (١)، ويجعل منه طليعة للحداثة كما جعل من جبران، وسبب هذا الاعتبار -كما هو ملاحظ- ارتكاس هذين في مفاهيم إلحادية ومجاهرتهما بما يناقض دين الإسلام، وفي هذا دلالة واضحة على أن الحداثة عند أدونيس مرتبطة بالكفر والإلحاد ومضادة الإسلام، فمن كان كذلك فهو حداثي مبدع ولو كان يكتب بالأسلوب القديم أو بما يسمونه الشعر العمودي، وكل من ليس كذلك فهو تراثي متخثر حتى ولو كتب بالأسلوب الحديث، وهذا برهان على أن الحداثة تعني عندهم الكفر أولًا والمضمون الإلحادي قبل أي شيء.
والناظر في حيثيات اعتبار أدونيس للرصافي مجددًا يجدها تتمحور حول إنكار الدين والوحي والنبوة وجحد الغيبيات ورفض مبدأ الثواب والعقاب وقضية العبادة من صلاة وصوم، ورفض التشريعات الإسلامية، وكذلك العادات والتقاليد الاجتماعية التي قامت على أساس وتصور ديني، ومحاربة الماضي وأمجاده، ورمي التاريخ بالكذب والتضليل، والدعوة إلى الحياة الراهنة والحرية والعلم ومنجزاته (٢).
وهذه الحيثيات هي نفسها أصول وأسس الحداثة العربية، ولكل واحد من الحداثيين نصيبه من هذا الميراث الشيطاني قل ذلك أو كثر، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣)، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
стр. 1227
يصف أدونيس مواقف الرصافي -وفي وصفه تعبير عن اعتقاده هو وموقفه من الدين- فيقول: (الأديان بالنسبة إليه ليست موحاة، وإنّما هي وضع قام به أشخاص أذكياء، وإذ ينكر الوحي ينكر بالضرورة النبوة، وينكر وجود الأنبياء والنتيجة الطبيعية لإنكار الدين، وحيًا ونبوة، هي إنكار التعاليم أو المعتقدات التي جاء بها) (١).
ويلتفت أدونيس من الجحد الكامل للنبوة، إلى استخدام التدنيس والاستخفاف بابًا آخر للجحد والإنكار، وذلك حين يجعل نبوة محمد ﷺ بديلًا عن ثقافة الجاهليين المتمثلة في الشعر، أي أن النبوة حلت مكان الشعر وأزاحته ليس لأنها حق ووحي من اللَّه، ولكن لأنها "حدس معرفي" لا أقل ولا أكثر، يقول: (الشعر في الجاهلية فاعلية أولى في مستوى العمل والحلم والدين، أي في مستوى الطبيعة والغريزة، فهو حدس أساسي في المعرفة، بل هو الحدس الأكمل، غير أن النبوة في الإسلام هو الحدس الوحيد، والمعرفة كلها تصدر عن هذا الحدس، وهكذا حلت النبوة محل الشعر، وتراجع الشعر إلى مستوى الفاعلية الثانية) (٢).
وإذا كان هذا تأصيله في تلمود الحداثة، فإنه يمارس ذلك أيضا فيما يطلق عليه "شعر الحداثة" وفي ذلك يقول كاذبًا على لسان آدم ﵊:
(وشوشني آدم
بغصة الآه
بالصمت بالأنَّه:
"لست أبا العالم
لم ألمح الجنة
стр. 1228
خذني إلى اللَّه") (١).
كذب على النبي، وجحد لخلق اللَّه للناس، وإقرار ضمني بنظرية دارون، وفي موضع آخر يعلن جحده للَّه تعالى للأنبياء بتعبير آخر حيث يقول:
(دماء، لا عاصمٌ، والنبيون ماتوا) (٢).
وفي تلاعب آخر بالألفاظ بجعل المعراج صعودًا نحو كوكب مجهول، وهذا يتضمن إنكار وجود اللَّه وتكذيب النبي ﷺ فيقول:
(تصعد نحو كوكب المجهول كالمعراج) (٣).
وله مقطوعة طويلة يتحدث فيها عن الإسراء والمعراج باعتباره أسطورة وكذبًا، ويضيف إليها من أكاذيبه وسخرياته وعباراته الإلحادية الشيء الكثير (٤).
وهو في كل ذلك يريد أن يقول بأن القضية كلها ليست سوى أسطورة وكذبًا، والرسالة المبنية على ذلك كذلك، وعندما يشرح مشروعاته المستهدفة خدمة الملة الحداثية يبين أنه يسعى إلى إزالة النبوة وآثارها وأصدائها والبلاد التي تتبع نهجها، فيقول:
(مثلما تنضج الأبجدية
لا لكي ألأم الجراح
لا لكي أبعث المومياء
بل لكي أبعث الفروق. . الدماء
نجمع الورد والغراب، لكي أقطع الجسور
стр. 1229
ولكي أغسل الوجوه الحزينة
بنزيف العصور
وكتبت المدينة
مثلما يذهب النبي إلى الموت، أعني بلادي
وبلادي الصدى والصدى والصدى) (١).
أي أن النبي نهايته الموت والانقراض وكذلك هي نهاية البلاد التي تتبعه.
والمعنى بنفسه يكرره في موضع آخر قائلًا:
(ها غزال التاريخ يفتح احشائي، نهر العبيد
يهدر، لم يبق نبي إلّا تصعلك، لم يبق إله. . .
هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت
نفتح للشمس طريقًا غير المآذن، للطفل كتابًا غير الملائك
للحالم عينًا غير المدينة والكوفة هاتوا فؤوسكم) (٢).
في هذا المقطع اختصار مهم لعقائد الحداثة ومشاريعها وآمالها، وفيه دلالة على أنها -ليست فقط- لا دين لها بل هي تتدين بهدم دين الإسلام ومناقضة وهدم أصوله ومحاربته بكل الوسائل الدنسة الخبيثة، إنها امتداد لا ريب فيه للجاهلية الأولى، ولكن بأسلوب حديث، ودليل هذا الامتداد دفاعه عن قوم ثمود الذين عارضوا نبيهم وكذبوه واستحبوا العمى على الهدى، يقول:
(شقاء
стр. 1230
إن تتفتح، أو أن تكبر، أو أن تهجم نحو الضوء، وموت أن تبدع أو أن تحيا في أحوال ثمود
ولهذا، اعذر وجه ثمودٍ
أعني المجذوبين إليه
الطافين عليه
وأقول عليهم، باسم الملعونين الخلاقين من الشعراء:
ما أقسى أن نعرف أو أن نفهم كل الأشياء
ولهذا، لا يتركني رفضي) (١).
إنه يصطنع مقارنة تبجيلية هجائية، يبجل الحداثة والكفر والرفض ويجعلها تفتحًا ونموًا وتنويرًا وإبداعًا وحياة ومعرفة لكل الأشياء، ويجعل الرسالة التي يشير إليها برفض قوم ثمود لها عكس ذلك كله، وهو في كل ذلك لم يتجاوز قدر سلفه فرعون القائل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ (٢)، وليس في الادعاء دليل عقل أو تقدم، ولكن الكارثة أن تجد أن هذه المعاني الاتحادية تتسرب إلى قلوب المعجبين، فتتشربها وتقوم باستقاءتها كرة أخرى على صفحات ديوان أو كتاب أو صحيفة.
وكما تشبث بالراوندي والرازي الملحد وابن المقفع والرصافي في كتابه "الثابت والمتحول" فإنه يتشبث في ديوانه بأبي العلاء المعري فيقول: (كيف اقنع المعرة بأبي العلاء؟ سهول الفرات بالفرات؟ كيف أبدل الخوذة بالسنبلة؟.
"لابد من الجرأة لطرح أسئلة أخرى على النبي والمصحف" أقول وألمح غيمة تتقلد النار، أقول وألمح بشرًا يسيلون كالدمع) (٣).