← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وهذا قبرنا أنقاض مئذنة معفرة عليها يكتب اسم محمد واللَّه. . .) (١). ثم يقول: (إله الكعبة الجبار تدرع أمس في ذي قار بدرع من دم النعمان في حافاتها آثار إله محمد وإله آبائي العرب تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوار وفي يافا رآه القوم يبكي في بقايا دار وأبصرناه يهبط أرضنا يومًا من السحب. صريحًا كان في إحيائنا يمشي ويستجدي فلم نضمد له جرحا ولا ضحى له منا يغير الخبز والانعام من عبد! وأصوات المصلين ارتعاش من مراثيه إذا سجدوا ينزُّ دمُ) (٢). ثم يقول وهو ما يخص هذا الفصل: (أليس هو الذي فجأ الحبالى قضاه، فما ولدن سوى رماد؟

стр. 1507

وأنعل بالأهلة في بقايا مآذنها، سنابك من جواد؟ وجاء الشام يسحب في ثراها خطى أسدين جاعا في الفؤاد؟ فأطعم أجوع الأسدين عيسى وبل صداه من ماء العماد وعضى بني مكة. . فالصحارى كل الشرق ينفر للجهاد؟) (١). سبحان ربي العظيم، وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره. وهذه القصيدة الإلحادية النجسة لها منزلة كبيرة عند الحداثيين ومكانة مرموقة. ومن أقوال السياب المستخفة بالقدر قوله: (أود لو عدوت أعضد المكافحين أشد قبضتي ثم أصفع القدر) (٢). وقوله: (كأن صيادًا حزينًا يجمع الشباك ويلعن المياه والقدر) (٣). وأمَّا نازك فإنها قد رتعت في هذا المرتع الوخم كثيرًا ولها أقوال عديدة منها:

стр. 1508

(كيف تمضي إلى الغنا والأناشيـ … ـد وتبقى سخرية الأقدار) (١) ومنها قولها: (نحن أسرى يقودنا القدر الأعـ … ـمى إلى ليل عالَم مجهول) (٢) وقولها: (يا هموم الشباب فيم تكونيـ … ـن أحرَّ الهموم والأحزان أنت يا من يصوغك القدر الظا … لِم على الوجود الفاني) (٣) وقولها: (أذبلت عمرهم يد القدر الجا … ني وكانوا نشيد هذي الحياة) (٤) وقولها: (تاركًا هذه الحياة وما فيـ … ـها من الزيف والأسى والظلم بين كف الرياح والقدر العا … تي ونوح الشيوح والأيتام) (٥) وقولها: (يا لظلم الأقدار وكم ماسةٍ حسـ … ـناء ظلت في ظلمة الأعماق كم زهور زجّ بها القدر القا … سي بعيدًا عن أعين العشاق) (٦) وقولها:

стр. 1509

(تفجرى في الصخر وسجلي مأساة هذه الحياة فوق جبين القدر) (١). وقولها: يارب الحانة، أين الخمر؟ وأين الكأس؟ ناد الغانية الكسلى العاطرة الأنفاس أفدى عينيها بالقرآن وبالأقدار) (٢). هذه الأقوال العديدة، كما هو ملاحظ، غاية في الضلال من جهة ما فيها من ذم وسخرية واستخفاف بالقدر، وإذا نظرنا إلى قائلتها باعتبارها من مؤسس الحداثة الشعرية العربية مع السياب والبياتي تبين لنا مقدار الانحراف الذي بدأت به الحداثة، أمَّا تطوراتها الخبيثة بعد ذلك فإنها قد تجاوزت كل الحدود!!. أمّا المؤسس الثالث للحداثة عبد الوهاب البياتي فمن أمثلة انحرافاته في هذا الوجه قوله: (وخواطري مستنقع ركدت … في قاعه الأعشاب والصور ودم وأنغام وأخيلة … بله العيون كأنها القدر) (٣) وقوله: (قدر كان وراء الغيب يلهو بانطلاقي) (٤). وقوله: (في قاع الآبار

стр. 1510

ما كنت أعري جرحي في الحضرة لو لم أفقد عائشة في كان الأقدار) (١). وقوله: (فإذا احترق الخيام بنار الحب وأصبح في كان الأقدار حجابًا) (٢). وقوله: (أعرفها تلك الصحراء المائية ذات الأثداء وهي تعري سرتها للشمس الحمراء أعرفها وأراها كل مساء في كان الآقدار) (٣). ولتبعيته للفكر الغربي ذي الجذور اليونانية الوثنية؛ يجعل للأقدار ربات، كما في قوله: (ربات الأقدار يرقصن على موسيقى الجاز في صالة رقص الأمطار) (٤). وقوله: (ترسم خارطة لعيون المعبودات وربات الأقدار) (٥). أمَّا صلاح عبد الصبور فإنه يجعل من سيماء الناس في بلاده -وهم مسلمون- السذاجة والبساطة والجهل، ويجعل من علامات ذلك إيمانهم بالقدر!، وذلك في قصيدته الشهيرة "الناس في بلادي" ومنها:

стр. 1511

(الناس في بلادي جارحون كالصقور غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة المطر وضحكهم يئز كاللهيب في الحطب خطاهمو تريد أن تسوخ في التراب ويقتلون، يسرقون، يشربون، يجشأون لكنهم بشر وطيبون حين يملكون قبضتي نقود ومؤمنون بالقدر) (١). ومنها: (ويطرقون يحدقون في السكون في لجة الرعب العميق، والفراغ والسكون "ما غاية الإنسان من أتعابه، ما غاية الحياة يا أيها الإله!! الشمس مجتلاك، والهلاك مفرق الجبين وهذه الجبال الراسيات عرشك المكين وأنت نافذ القضاء أيها الإله كم أنت قاس موحش يا أيها الإله) (٢). قال الأستاذ الدكتور عبد الباسط بدر (٣) في دراسته الرصينة لهذه

стр. 1512

القصيدة: (والصورة التي يقدمها تستخدم التضليل المنطقي، وتتكيء على المفهومات المنتشرة بين الفلاحين، وتخدع الفلاحين بمغالطة عجيبة، فهي تبدأ من إيمانهم بالقدر، ثم تدور دورة قصيرة وتعود لتسلخ هذا الإيمان، وتشوه صورة القدر في أذهانهم. تبدأ هذه الصورة بمناجاة الإله، وبالإقرار الكامل له بالربوبية وملكية الكون ونفاذ القضاء، وحدود الملكية واسعة ترسمها المعالم الطبيعية التي يحس بها كل إنسان، ويحس بها الريفي أكثر مما يحس بها ابن المدنية المكتظة: الشمس الساطعة، والقمر المتألق في سماء صافية، والجبال المطلة على الآفاق. وتوحي هذه المناجاة لأول وهلة بأن صاحبها على درجة عالية من الإيمان (١)، وأنه يقدم بها لقضية إيمانية تنتهي بالأقرار الأعمق بربوبية الإله، وإظهار آثار قضائه، يتناسب مع مقام الألوهة من حكمة ورحمة. ولكن الشاعر يتوجه بالعواطف الإيمانية وجهة معاكسة تمامًا فمن مقولة نفاذ القضاء ينتقل إلى صورة قاسية لهذا القضاء، صورة تجعل المشاهد والسامع يخلع إيمانه ويتهم المقدر بقسوة القدر "حاشاه سبحانه". . .) (٢). وليست هذه المعاني الضلالية وحيدة في كلامه بل لها أشباه ونظائر، ومن ذلك قوله:

стр. 1513

(وفي الليل كنت أنام على حجر أمي وأحلم في غفوتي بالبشر وعسف القدر) (١). وقوله في مسرحية الحلاج: (الشر قديم في الكون الشر أريد بمن في الكون كيف يعرف ربي من ينجو ممن يتردى) (٢). ويقول يوسف الخال: (حبيبتي معي، جسدي معي، إلهي معي، قم أيها القدر وأفسح لي مكانك) (٣). وهذا استخفاف واضح بالقدر، وليس فوق الكفر ذنب. وعلى شاكلته وملته ومنهجه، توفيق صايغ القائل: (عكرت أحلامي وأفسدت عليّ لذتي وأعطيتني قلقًا وندامة وحاسة لأشم أفلا يكفيك هذا إلهي، ألا يكفيك؟ معاقب العاصي

стр. 1514

جعلت معصيتي عقابًا: أفأنال عقابين، أين العادل لدون ما معصية؟ قاضى، لا تصخ سمعك عني واعذر احتبائي الروب وزحزحة القيد عن معصمي: فإن كنت المذنب والمحامي إن لست قاضيّ والغريم؟ "واغفر إلهي ما أقول") (١). وهو نص على ركاكته وسقم تركيبه -كعادة قائله خاصة الحداثيين عمومًا- يطفح بالاعتراض والاستخفاف باللَّه تعالى وقدره، تعالى اللَّه عما يقولون علوًا كبيرًا. وعلى المنوال نفسه في الركاكة والضلال قوله: (هل أندب العالم الذي أضعت؟ هل أشتم القدر الذي اختصر المارد وشوهه؟ هل أكسر القمقم وانفلت؟ أم أقبع فيه راضيًا، كما بقصر؟ هل استغيث بسليمان مستسمحًا أو أنادي: "إلهي ابعث الصياد"؟ أو لن يقول إلهي: "ولماذا تريد الانفلات؟ ") (٢).

стр. 1515

ولنزار قباني مقدرة متميزة على السباب الحداثي، بسبب ما قام في نفسه من شعوبية ومادية وشهوانية، تؤزه إلى ميادين الذم والسخرية والاستخفاف؛ لأنها رأس مال المفلسين في الفكر والأخلاق، فمن أقواله المفلسة مخاطبًا إحدى خديناته: (ماذا أعطيك؟ أجيبيني … قلقي؟ إلحادي، غثياني ماذا أعطيك سوى قدر … يرقص في كف الشيطان) (١) ومثله قوله في استخفاف وتدنيس: (فاتركي أمرك للَّه ونامي إن نهديك يجيئان إلى الدنيا قضاء وقدر ويموتان قضاء وقدر) (٢). ويكرر المعنى في موضع آخر قائلًا: (اشربي القهوة يا سيدتي فالجميلات قضاء وقدر والعيون الخضر والسود قضاء وقدر) (٣). ويقول ساخرًا: (العالم العربي غانية تنام على وسادة ياسمين فالحرب من تقدير رب العالمين

стр. 1516

والجبن من تقدير رب العالمين) (١). ويقول مستخفًا بالقدر: (مشيئة الأقدار لا تردني أنا الذي أغير الأقدار) (٢). ويقول محمود درويش: (المغنى، على طريق المدينة ساحر اللحن كالسهر قال لريح في ضجر: دمريني ما دمت أنت حياتي مثلما يدعي القدر) (٣). ويقول أيضًا: (يخيل لي يا صليب يا بلادي ستحرق يومًا وتصبح ذكري ووشما وحين سينزل عنك رمادي ستضحك عين القدر وتفز: ماتا معًا) (٤). ويقول أيضًا:

стр. 1517

(ورموشي سنابل تشرب الليل والقدر) (١) ويقول: (الحب ممنوع هنا الشرطي والقدر العتيق) (٢). ويقول: (وأضافت كأن القدر يتكسر في صوتها: هل رأيت المدينة تذهب أم كنت أنت الذي يتدحرج من شرفة اللَّه. قافلة من سبايا؟) (٣). وكل هذه الأقوال الردية مليئة -كما هو ملاحظ- بالاستخفاف بقضاء اللَّه وقدره، مما يدل على ما هناك من عقائد فاسدة مناقضة للإسلام تمام المناقضة. ومن الأمثلة على هذا أيضًا قول الشيوعي الفلسطيني معين بسيسو: (العام الموعود العاشر والملكة كإله خائف من ضوء المصباح الراجف تخشى المكتوب ولا دافع أن ترجم في الشهر التاسع

стр. 1518

في العام المرصود العاشر أن ترجم للموت العاقر) (١). وسياق المقطوعة كلها تدل على أن مراده بالمكتوب والقضاء واللوح الاستخفاف والتندر وليس الإثبات، وغير غريب على من اتخذ الشيوعية دينًا أن يكون هذا هو موقفه من القضاء والقدر!!. أمّا عبد العزيز المقالح فيبلغ به الهزال الاعتقادي أن يسمي القدر مهزلة وذلك في قوله: (المح وجه "أسود" دميم يغتصب ابنتي ينزع عن جبينها الصغير هالة الشعر اسمع صوته اللئيم يحفر لاهيا على ظهور أهلنا مهزلة القدر) (٢). ومن أمثلة الاستخفاف قول الفيتوري: (فارتجفت ثم هوت تصرخ في وجه القدر) (٣). ومرّ معنا قوله: (المأساة الأقدار كيف أراها، تلك الأقدار تعذبني) (٤).

стр. 1519

وقول الطاهر بن جلون في رواية "ليلة القدر": (أي بنيتي! صلّي معي لكي يكتب اللَّه أو القدر أن أموت في حياتك وأن يمنحني شهرًا أو شهرين من الحياة بعد موت أبيك! أود أن أتمكن من التنفس لبضعة أيام لبضعة أسابيع في غيابه غيابًا مطلقًا) (١). رابعًا: نسبة التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى، وزعم القدرة على تغيير مجرى القدر المكتوب: وهذا من لوازم جحدهم لقدرة اللَّه تعالى، وتأليههم لغير اللَّه سبحانه، وخاصة تأليههم للإنسان، وهي أمشاج من الضلالات وأخلاط من الخرافات، ذلك أن حقيقتهم كما أخبر اللَّه -جلَّ وعلا-: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ (٢). ومن أدل المواقف على أنهم أحق الناس بهذه الأوصاف ما نراه في كلامهم من مثل قول أدونيس في تلمود الحداثة: الثابت والمتحول: (النظرة الجديدة هي الخروج من قدر الطبيعة والدخول في إرادة الإنسان، هي الخروج من الثبات إلى التحول. . . هي الإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير نفسه والعالم معًا، قادر على صنع التاريخ. . .) (٣). فليغير أصحاب النظرة الحديثة ما قضاه اللَّه من تتابع الليل والنهار وتتابع الفصول الأربعة!!، وليبطلوا قوانين الكون والحياة الثابتة ليصلوا إلى مجال التحول والتحديث!! وليغيروا -إن استطاعوا- أقدار اللَّه تعالى في الخلق من إحيائه -سبحانه- لمن يشاء وإماتته لمن يشاء، وإعزازه لمن يشاء، وإذلاله لمن يشاء!!. فإذا استطاعوا فإنهم -حينئذٍ- يستطيعون صنع التاريخ!!.

стр. 1520

وما هم بقادرين على ذلك، بل عجزهم في تغيير نواميس الحياة وقوانين الكون أو تجاوز قضاء اللَّه الكوني فيما قدر وأراد مثل عجز أوليائهم عن خلق ذباب ولو اجتمعوا له، قال ربنا تبارك اسمه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾ (١). وما الظن بقوم يكفرون باللَّه الخالق المدبر، ويؤمنون بالأوثان والأصنام الجاهلية ويجعلونها معيارًا للتقدم والقوة ورمزًا للصراع؟ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ (٢). ولنأخذ على هذا مثالًا فيما نحن بصدده في هذا المبحث: يقول أدونيس: (عائشة جارتنا العجوز يا فينيق، مثل قفص معلق تؤمن بالركام والفراغ والطرر وبالقضاء والقدر) (٣). يورد محمد جمال باروت في كتابه الحداثة الأولى، هذا النص الوثني ثم يعقب عليه قائلًا: (يعطي فينيق فراغ العالم، وحياة الإنسان فيه، معنى بالتزامه الوجودي الكياني بـ "سر مهجته"، وهي هنا في النص "التجدد" والتحرر من الهرم الحضاري للذات القومية - الحضارة، لكأن فينيق الطائر يتحرر باكتشافه سر التجدد والحرية في ذاته من هذا العالم "عائشة العجوز" الذي ليس إلّا "مثل قفص معلق" وبهذا المعنى تغدو سيرورة العلاقة في مرجع النص، قائمة على التمرد والانفصال بين طائر "الفينيق" وبين هذا

стр. 1521

"القفص المعلق" ومثلما يخنق "الإنسان - الجمهور" "الشخص الإنساني" في الوجودية، فإن "القفص المعلق" يخنق الوجود الحر للفرد البطل، الفادي لـ "فينيق"، إن وعي "الشخص" في مثله الجمالية المتعددة هنا، أو في الحقل الدلالي لها هو الذي يقود إلى الاغتراب والنفي عن "الإنسان - الجمهور" الذي يعادل عند أدونيس "الحاضر" أي الراهن والسائد، وكل حرية وجودية تقود إلى النفي. . .) (١). ثم يورد قولًا لزوج أدونيس المسماة خالدة سعيد، ثم بقية أقوال أدونيس في المناجاة العبادية لأدونيس، ثم يقول: (هكذا يندغم المؤثر الوجودي كتجربة كيانية، وليس كمؤثر "دوغماتي" في المثال الجمالي التموزي، حيث يعطي "فينيق" معنى لحريته بفعله الحر والداعي في هذا العالم "الفارغ، القفص، القضاء والقدر" الذي ينفيه ويمحقه) (٢). فهل هناك أصرح وأوضح من هذه الألفاظ الصارخة بالوثنية الجاهلية؟ وهل هناك أي حجة للذين يقولون إن هذه الوثنيات مجرد رموز لها إشعاعات فنية، وليست مرتبطة بعقيدة مّا أو مضمون أو مقصد أو غاية؟. وإن من السذاجة وخبال العقول أن تجد مثل هذه الأقاويل الخادعة منفذًا لها إلى بعض الأناسي الذين لا يعلمون، ولا يعلمون أنهم لا يعلمون!. ها هو أدونيس -بإقرار باروت- يقرر أن فينيق الوثن الجاهلي ينفي العالم وما فيه من قضاء وقدر، ويغيره! فأين تكون الوثنية إن لم تكن هذه؟!. ومن العجائب أن قضايا التفجير والتجديد مرتبطة عند أدونيس، وعند باروت الشارح، وعند أتباع الحداثة، مرتبطة بالوثنية الجاهلية القديمة مثل فينيق وأدونيس وبرومثيوس سارق النار وغيرهم، ومرتبطة بالوثنية الجاهلية الحديثة المتمثلة في مناهج ومذاهب فكرية تدور في التخوم الوثنية وتتلبس بها وتنسجم معها غاية الانسجام!.

стр. 1522

ومن جنس هذه الأقوال التي يزعمون فيها أنهم بالوثنية الحداثية قادرون على نفي القدر وإبعاده بقدر حداثي، يستطيع تغيير مجرى القدر المكتوب، والقضاء الكوني الكائن، قول جابر عصفور السابق نقله في سياق امتداحه لمقطوعة حداثية لأحد أتباع الحداثة المحليين، يقول عصفور: (النص الشعري الذي يحرك الرعب الاجتماعي من الحداثة، وينطق رفض المقولة المضمنة عن الإنسان المجبور، فيفجر صورة الإنسان الخانع، الراضي بما قسم له، ويستبدل بها صورة إنسان آخر، مختار، مريد، قلق، متوهج برغبته في التجاوز متلهب بحلمه في الصعود إلى ما ينفي به جبرية سجنه في طقوس القدر) (١). وفي وقفة سريعة مع هذا الادعاء الضخم الذي طالما تشدق به الحداثيون في مقولاتهم وكرروه حتى الإملال، يُمكن القول بأن زعمه بأن النص الحداثي الشعري يرفض مقولة الإنسان المجبور، وهو يعني بذلك -حسب فهمه الجاهلي- الإيمان بالقضاء والقدر، وتجاوزًا لهذه الفرية، نقول بأن الحداثي قد أدخل نفسه في إطار من الجبرية الفكرية والسلوكية، لا ينفك يردد عباراتها مثل حتمية التطور والتقدم، وحتمية التجديد والتحديث، وحتمية صراع الطبقات، وغير ذلك من الحتميات الجبرية التي التزموا بها وأثرت فيهم غاية التأثير، وأعظم حتمية جبرية أخذتهم إلى مسارات لازمة، قولهم بنفي وجود اللَّه تعالى، أو قولهم بنفي ألوهيته، وهم يظنون بناء على هذه الحتميات أن ذلك هو أساس التقدم والنمو والازدهار!!. وقوله بأن الشعر الحداثي يفجر صورة الإنسان الخانع قول مفترى، إلّا فيما يخص خضوع الإنسان لربه وخالقه وإلهه وهاديه، وهذا هو مراده من هذا القول القبيح وهو مراد أصيل لجميع الحداثيين، بيد أنهم لم ينفكوا عن الخنوع والخضوع، فلقد خنعوا لإفرازات المذاهب الأرضية، وخضعوا للتصورات الجاهلية، وقائل هذا النص من أوضح الأدلة على ذلك، فهو لم يَعْدُ قدْرَه في تقليد ومحاكاة أساتذته العلمانيين والماديين، ولم يتجاوز

стр. 1523

مذاهبهم وآراءهم إلّا بمقدار ما يسمح التابع للمتبوع، ولكن الاستكبار الجاهلي يغطي على عيونهم وبصائرهم، فيحسبون أنهم على شيء وليسوا إلّا على أكوام من الرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (١). أمَّا قوله عن الإنساني الحداثي بأنه مختار مريد قلق متوهج برغبته في التجاوز الفكري فهذا مثال لاختياره ضمن إطار التابع والمتبوع، والغالب والمغلوب، أمَّا أنه مريد، فنعم يريد الشر والرذيلة والجاهلية فهو إذن "مريد" تمرد على الحق والخير والهدى، واستلقى تحت أقدام أسياده متوهج برغبته في التجاوز!!. نعم تجاوز حدود العقل بالفوضوية الفكرية، وحدود المنطق بالعشوائية المنهجية، وحدود الحق بالأباطيل الجاهلية، وحدود الفضيلة بالرذائل الخلقية. قال ربنا -جلَّ وعلا-: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾ (٢). وهل هناك أعظم من الغي الذي يجعل غاية منهجه ومسعاه الصعود إلى ما ينفي به سجنه في طقس القدر؟ -حسب قول جابر عصفور في النص السابق- أو قوله في نص آخر عن الإنسان الجديد الذي سيكون في مواجهة صدامية حتمية مع القدر (٣)؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ (٤).

стр. 1524

هذا المخلوق الضعيف يزعم أنه يصادم القدر، وهذه الآية أوضح تصوير لهذا الذي ينسى أنه كائن صغير لا يستمد وجوده ولا حياته من قوته وذاته، ولكنه حين ينفصل عن منهج اللَّه ودين اللَّه وينقطع اتصاله بالحق المبين والهدى المستبين تراه ينتفخ ويتورم ويتشامخ ويتعالى في كبر وصلف أجوف، مقلدًا أستاذه الأول إبليس الرجيم الذي تكبر على أمر اللَّه فأناله اللَّه خزي الدنيا والآخرة، وترى هذا الكائن الحقير يجادل في آيات اللَّه ويكابر ثم يزعم أنه إنّما يناقش لأنه لم يقتنع، ويجادل لأنه غير مستيقن ولكن ما ثم إلا الكبر، والتطاول إلى ما هو أكبر من حقيقته، والتعالي إلى أخذ مكان ليس له، ولا تؤهله له قدراته، وهو لا يمتلك على ذلك أدنى سلطان من برهان أو دليل من نظر عقلي أو حسي، إنّما هو ذلك الكبر وحده، والانتفاش والتورم الذي يخفي تحته الفراغ والمرض، هؤلاء هم أهل الحداثة الذين يزعمون مصادمة القدر الرباني، ويدعون القدرة على صياغة الإنسان والحياة والأقدار كما يريد ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (١). تعاظمت عندهم أنفسهم فاستكبروا وانتفخوا وطغوا طغيانًا كبيرًا، وتضخمت مشاعرهم نحو ذواتهم حتى شغلهم ذلك عن رؤية الحقيقة وتقديرها، والناظر في كلامهم يجد أنهم بلغوا مرتبة من الاستكبار لم يعودوا يحسون فيها إلّا بأنفسهم الجوفاء، ومذاهبهم الفارغة فراغ عقولهم، حتى ليحسبون أنهم وما يعبدون وصلوا إلى درجة أن يكونوا آلهة من دون اللَّه، فيا لها من مهزلة غرقوا فيها، ويا لها من متاهة جاهلية ضلوا فيها!! فالحمد للَّه على نعمة الإيمان. نأخذ قولًا آخر لجابر عصفور يؤكد هذه القضايا، وذلك في سياق هجومه على عقيدة القضاء والقدر فبعد أن ذكر المتطوعة الإلحادية لعبد العزيز المقالح من ديوانه "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" وهي مقطوعة مليئة بالإلحاد في ديوان يدل اسمه على مضمونه حيث جعله كتابة بسيف المرتد

стр. 1525

الزنديق علي بن الفضل (١)، وهو رمز للإلحاد والإباحية وفي استخدامه أبلغ الدلالة على عقيدة صاحب الديوان ثم على المدافعين عنه، ومنهم جابر عصفور، وصلة النسب الفكرية بين عموم الحداثيين وعلي بن الفضل صلة قوية، غير أن بعضهم يدلي بجهتين مثل المقالح وعصفور وأدونيس، وبعضهم يدلي بجهة واحدة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ (٢). يقول المقالح في مقطوعته من ديوانه "الكتاب بسيف الثائر علي بن الفضل": (كان اللَّه -قديمًا- حبًا كان سحابه كان نهارًا في الليل وأغنية تتمدد فوق جبال الحزن كان سماء تغسل بالأمطار الخضراء تجاعيد الأرض أين ارتحلت سفن اللَّه، الأغنية، الثورة؟

стр. 1526

صار اللَّه رمادًا صمتًا رعبًا في كف الجلادين أرضًا تتورم بالبترول حقلًا تنبت سبحات وعمائم بين الرب الأغنية الثورة والرب القادم من هوليود في أشرطة التسجيل في رزم الدولارات رب القهر الطبقي ماذا تختار؟ أختار اللَّه، الأغنية الثورة) (١). سبحان اللَّه العظيم، وتقدس وتعالى جد ربنا. يدافع جابر عصفور عن المقالح، ويسميه الشاعر الكبير والناقد اللافت (٢) ويقول: (إن دلالة عنوان القصيدة نفسه -الاختيار- لافتة بما تؤكده من تمرد على "الجبر" و"القدر" الملازمين لمفاهيم الإنسان التي ينطوي عليها الخطاب النقلي الاتباعي ويبررها. . .) (٣). وهكذا نرى كيف أراد جابر عصفور أن يغسل الغائط الإلحادي الذي أفرزه عقل المقالح، بغائط مثله!!، وما أصدق الوصف القرآني فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (٤).

стр. 1527

ويقول أنسي الحاج: (. . . الحب هو القوة الوحيدة القادرة على تغيير مجرى القدر. . .) (١). ويقول: (اضيئي وظللي في رأسي أيتها الملكة الماجنة احكمي قدري والعالم أنت القدر وعالمي) (٢). وفي دعاية باردة وتبجيل هابط للشعر الحداثي الذي لا يصح أكثره أن ينسب إلى كلام العقلاء من عامة الناس فضلًا عن تسميته شعرًا!!، يجعل منه أنسي الحاج مغيرًا للأقدار، وتاللَّه إنهم ومن وراءهم ولو ظاهرهم الإنس والجن لا يستطيعون تغيير قدر واحد في شأن أصغر المخلوقات، فكيف بالهراء الحداثي المسمى شعرًا؟!. يقول أنسي الحاج: (ما أريده للشعر هو أن يغير الأقدار لا أن يحاكي إيقاع الحالات) (٣). أمَّا السياب فيقول: (يا أمة تصنع الأقدار من دمها لا تيأسي، إن سيف الدولة القدر) (٤) ويقول البياتي نازعًا إلى عقيدته الشيوعية وناسبًا التقدير إلى الطبيعية في قوله: (فهذه الطبيعة الحسناء قدرت الموت على البشر واستأثرت بالشعلة الحية في تعاقب الفصول) (٥). ويقول ممتدحًا صنوه في الشيوعية "جيفارًا" (٦) مادًا جذوره الفكرية إلى

стр. 1528

الوثنية الإغريقية، ثم واصفًا الثورة الشيوعية بالحتمية اللازمة والقدر المحتوم!!: (لا تجريا فرات حتى أكمل النشيد كقدر الإغريق كالموت كالطاعون كالحريق محتومة تظهر في السماء علامة الثورة فوق السم والشرور) (١). ثم يقول عن جيفارا والثورة الشيوعية: (أيتها العلامة يا قدر التاريخ والمصير للوجود) (٢). ثم يخاطب جيفارا قائلًا: (يا قدري المحتوم) (٣). وهي عبارات معهودة من الشيوعيين الذين طالما ناضلوا عن خرافة الحتمية الماركسية، فأراهم اللَّه تعالى موت الشيوعية ودمار الماركسية وفناء الحتميات المادية، ولكن الجهل الضارب بأرسانه في عقول العلمانيين والحداثيين يأبى أن تزول الغشاوة الضاربة بظلامها على أذهانهم!!. فها هو البياتي يتجاوب مع الشيوعية منذ أول تجاربها في فرنسا عام ١٨٧١ م/ ١٢٨٧ هـ وهو ما يعرف بكومونة باريس (٤)، ويمتدح رجال الثورة

стр. 1529

العمالية التي حدثت هناك، وذلك تحت عنوان "من كتابات بعض المحكومين بالإعدام بعد سقوط كومونة باريس" وهذا من أوضح الأدلة على عمق تأثير العقائد في أصحابها، تأثيرًا يجعل من الإنسان المتأثر يعيش وجدانًا وفكرًا، وتاريخًا وواقعًا وفق العقيدة التي يؤمن بها، فالبياتي يذكر كيف أنه ولد "مأخوذًا" للفكرة الشيوعية والمطرقة الحمراء التي هي الأقدار أو صانعة الأقدار، وذلك في قوله: (احفر في قصائدي نفق إلى سماء قريتي الزرقاء مهاجرًا مع الطيور ولغات كتب الثوار ولدت مأخوذًا، وكانت قدمي الريح، وقلبي في يد الأقدار مطرقة حمراء) (١). وعندما يحاول أن يبحث له عن جذور فكرية أو تاريخية فإنه لا يجد سوى وثنيات قديمة وجاهليات غابرة، مثل الآشورية التي يجعل من بعض شخصياتها فأسًا في يد الأقدار (٢). ونحو من ذلك وأصرح منه قوله: (ملكية هذا العشق الداهم صاعقة كالقدر الإغريقي الأعمى لا مهرب منه) (٣). ويقول صلاح عبد الصبور: (علقت أقداري على خيط رفيع من ضياء) (٤).

стр. 1530

ويزعم أمل دنقل قدرته على مراغمة القدر فيقول: (لكنني حين رأيت الآن صورة لها في مهجري أيقنت أن ماسنا ما زال حي الجوهر وأننا سنلتقي رغم رياح القدر) (١). أمَّا نزار فيعلن أنه سيثور على قدره ويغالبه، فيقول: (أثور أنا على قدري على صدأي على عفني) (٢). ويطيش به كبره وانتفاخه الأجوف إلى حد القول: (لو لم تكوني أنت في لوح القدر لكنت كونتك يا حبيبتي بصورة من الصور) (٣). ومن أراد مثالًا تطبيقًا لما قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ (٤) فليقرأ لنزار قوله: (مشيئة الأقدار لا تردني أنا الذي أغير الأقدار) (٥).

стр. 1531

وقوله: (أبا تمام: إن الشعر في أعماقه سفر وإبحار إلى الآتي وكشف ليس ينتظر ولكنا جعلنا منه شيئًا يشبه الزفه وإيقاعًا نحاسيًا يدق كأنه القدر) (١). ومن يطلع على أقوال الحداثيين يجد أنهم أكثروا وبصورة مكرورة مملة من أمثال هذه الدعايات التجارية للشعر الحديث، والعبارات التبجيلية التسويقية لهذه البضاعة المقلدة المستوردة، ذات الأحرف العربية والمضامين الغربية!!. أمَّا توفيق زياد الشيوعي الفلسطيني فقد أثبت بقصيدة له بعنوان "أمام ضريح لينين" كيف يكون الحج الوثني والعبادة الماركسية، والتذلل الشيوعي، والقبورية المادية!! حيث يقول: (أمامه وقفت خافض الجبين ضريحك الذي يعيش في القلوب يا لينين أحسست أنني أنا المعذب الشقي المعدم الذي تصيبه من الحياة كوخ طين أملك كل شيء أقوى من الزمان والقضاء وأنني أقدر أن أقتحم السماء) (٢).

стр. 1532

إلى آخر هذه المقطوعة التي تمثل نموذجًا صارخًا ومثالًا واضحًا للتعبد والخضوع والخشوع، على رغم ادّعائهم المادية والجدلية والديالكتيكية، وأنهم ضد التدين وضد الغيبيات وضد العبادات، ولكننا نراهم في شقاء وثني يرتكسون وفي انحطاط جاهلي يتقلبون، وذلك من أظهر الأدلة على أن الأوثان والأصنام ليست محدودة بزمن ما قبل البعثة النبوية في جاهلية العرب الأولى، بل إنها تتمثل في نظم ومناهج ومذاهب وأشخاص وأضرحة!! والكفر ملة واحدة والطاغوت جنس واحد وإن تنوعت الأسماء وتعددت الألقاب ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. . .﴾ (١) فكيف إذا كان الأنداد المتخذون من دون اللَّه، يحبون من دون اللَّه ويؤلهون ويقدسون؟ فكيف إذا كان مع ذلك كله البغض للَّه ولدينه وأنبيائه؟. وهذه هي أحوال أهل الحداثة والعلمنة ممن انقلبوا على أعقابهم خاسرين وارتدوا في حمأة الجاهلية داخرين، عياذًا باللَّه من الضلال وسبله وأهله. ومن نسبتهم التقدير والقدر إلى غير اللَّه تعالى قول المقالح عن أبرهة الأشرم: (اسمع صوت اللئيم يحفر لاهيا على ظهور أهلنا مهزلة القدر) (٢). وهكذا يتضح أن المذهب المادي الذي خرجت الحداثة من تحت ردائه، ينفي قدرة اللَّه تعالى، ويجحد وجود القضاء والقدر جملة وتفصيلًا، ولكنه يؤمن في الوقت نفسه بحتمية جبرية، وقدرية دنيوية، من صنع الإنسان أو من صنع الطبيعة -حسب رأيهم- أو من صنع الأحوال والظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولا أدل على ذلك من الحتمية الجدلية الماركسية

стр. 1533

المتمثلة في الجبرية الاقتصادية التي يزعمون معها أنه لا اختيار للإنسان أمامها ولا فكاك له من تأثيرها عليه، وكذلك الحتمية التطورية التي يقول بها جميع الماديين وجميع المتأثرين بهم من حداثيين وعلمانيين، حيث يجعلون التطور والتحول والصيرورة قوة جبرية تخضع الإنسان وأعماله لسلطانها القاهر، وتؤثر في فكره ونفسه ومشاعره وعقيدته وفنه وسائر مناشطه. وهم مع ذلك يقولون بأن مذهبهم يقوم على التحرر من كل مؤثر خارج الإنسان، ويزعمون أنهم يؤمنون بالإنسان على أساس أنه القوة الفاعلة في هذا الوجود، وبالإنسانية في صورها الرفيعة النبيلة!!. ثم لا يردهم هذا التناقض الصريح وهذه المغالطة الواضحة من التشدق بادعاءات كبيرة، ومزاعم ضخمة، منها إجلال الإنسان والإنسانية، علمًا بأن إيمانهم بالإنسان لا يؤدي إلى تكريمه كما يظهر من هذه الدعوى، بل إيمانهم به قائم على أساس أنه "مادة" وهذه غاية الإهانة له، ثم هم يرمون من وراء ذلك إلى نفي وجود اللَّه الخالق المدبر، وهذه إهانة أخرى للإنسان وللإنسانية جمعاء، وهذا كله وغيره من الأباطيل يؤكد أن المذهب المادي والذي تخرجت الحداثة في مدرسته: عدو للإنسان والإنسانية. خامسًا: نسبتهم الشر إلى اللَّه تعالى: مرّ معنا في مطلع هذا الفصل أن الشر لا ينسب إلى اللَّه تعالى لقوله ﷺ : "والشر ليس إليك" (١) لكمال علمه ورحمته ، وقد قال وفد الجن الذين أسلموا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ (٢)، فمن أدبهم مع اللَّه وحسن اعتقادهم لم ينسبوا الشر إليه -جلَّ وعلا-، بل نسبوا الخير إليه. أمَّا الحداثيون فلشدة تهوكهم وطيشهم وكثرة ظلمات عقولهم وقلوبهم لم يتورعوا عن نسبة الشر إلى اللَّه تعالى، ولم يستحيوا من اللَّه تعالى،

стр. 1534

وكيف يرجى ممن يجحد وجود اللَّه أو يجحد حقه في العبادة والتشريع أن يعظمه أو يستحيي منه؟. ومن أمثلة ذلك قول أنسي الحاج: (عفوك يا اللَّه أصوغ السؤال ثم أخاف، ولكن إن لم أصغه اختنق، إذا كنت أنت الخير فستأخذ غضبي بحلمك، وإذا كنت الشر فلن تجد شري بأسوأ من شرك، من أنت يا اللَّه؟) (١). سادسًا: تبرير الرذائل والانحرافات بالقدر: سبق في أول الفصل بيان أنه لا حجة للعاصي والكافر في القدر، وكيف رد اللَّه على المشركين الذين احتجوا بالقدر، تعللًا وخداعًا على شركهم، كما أخبر عنهم ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). ومن جنس هذا الاحتجاج احتجاج العاصي والمنافق حين يحيل فعل الرذيلة إلى مشيئة اللَّه تعالى، ويبرر ممارسته لها بالقدر. ومن أمثلة ذلك قول السياب في قصيدته "المومس العمياء": (ومن الذي جعل النساء دون الرجال، فلا سبيل إلى الرغيف سوى البغاء؟ اللَّه شاء ألا يكنّ سوى بغايا أو حواضن أو إماء أو خادمات يستبيح عفافهن المترفون

стр. 1535

أو سائلاتٍ يشتهيهن الرجال المحسنون!!) (١). سابعًا: نسبة الأعمال الإرادية إلى القدر مثل قول بعضهم: شاء القدر أو شاءت الأقدار: وهذا وأمثاله من الأقوال المنكرة؛ لأن القدر لا مشيئة له، وإنّما تكون المشيئة لمن يشاء والإرادة لمريد، والقضاء والقدر أوصاف ولا مشيئة لها ولا إرادة، وإنّما المشيئة والإرادة للموصوف، وهو اللَّه تعالى الذي قضى وقدر وخلق كل شيء فقدره تقديرًا، وقدر فهدى. ومن أمثلة هذا الاستعمال المنكر في أقوالهم قول نازك الملائكة: (هكذا ما يريده القدر المحـ … ـتوم لا ما تريده آمالي) (٢) وقولها: (هكذا شاءت المقادير للعا … لَم إثم وشقوة وحروب) (٣) وقولها: (نبئيني أهكذا الأمر يا أقـ … ـدار أم قد ضللت في أفكاري) (٤) فهي تخاطب الأقدار وكأن لها فعلًا إراديًا ومشيئة اختيارية!!. وقولها: (اتركي الزورق الكليل تسيّر … هـ أكف الأقدار كيف تشاء) (٥)

стр. 1536

وقولها: (عبثًا تصوغًا التوسل في الدجى … قلب القضاء قضى بألا تنعما) (١) وقولها: (يا آدم لا تسأل حواؤك مطوية في زاوية من قلبك حيرى منسية ذلك ما شاءته أقدار مقضية آدم مثل الثلج وحواءٌ ناريه) (٢). • • •

стр. 1537

الإنحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها «دراسة نقدية شرعية» تأليف الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي [المجلد الثالث]

стр. 1538

الفصل الثالث الانحرافات المتعلقة بالغيبيات الأخرى الغيبيات هي القضايا الاعتقادية التي وردت أخبارها عن طريق السمع، والتي ثبتت بالوحي المعصوم؛ ولذلك تسمى "السمعيات". وكل ما ثبت مجيء الخبر به عن طريق الشرع من كتاب اللَّه تعالى أو من سنة نبيه محمد ﷺ فإنه يجب تصديقه والإيمان به سواء أدركناه بحواسنا وعقولنا أم لم ندركه، وسواء كان من الأخبار الماضية مثل بدء الخلق وأخبار الأنبياء والأمم الهالكة، أو من الأخبار القائمة الآن مثل وجود إبليس والجن والملائكة، أو من الأخبار الآتية مثل اليوم الآخر وما فيه، والعلامات الكبرى للقيامة، وانتصار الإسلام على سائر الملل، ونزول عيسى وخروج الدجال ويأجوج ومأجوج والدابة والمهدي وغير ذلك. فهذه وغيرها من الغيبيات الثابتة بالسمع يجب الإيمان به جملة وتفصيلًا، وقد جعل اللَّه الإيمان بها من علامات المؤمنين المتقين حيث قال سبحانه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (١) الآية. وقال -جلَّ وعلا-: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ (٢).

стр. 1539

وقال : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢). وقال -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ (٥). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ (٦). وغير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تدل كلها على أن الإيمان بالغيب قاعدة عظيمة من قواعد الإيمان لا يُمكن للمكلف أن يدخل في دين

стр. 1540

الإسلام ما لم يؤمن بها ويقر بكل قضاياها الثابتة. والإيمان بالغيب باب واسع يدخل تحت عنوان مسائل جليلة ومسائل دقيقة. فالإيمان باللَّه تعالى ربًا وخالقًا وإلهًا له الصفات الحسنى غيب، بل هو أعظم وأجل قضايا الغيب وكذلك الإيمان بالملائكة، والإيمان بالرسل الذين أخبرنا الوحي بأخبارهم وأخبار أممهم والرسل الذين لم يخبرنا بهم، والإيمان بالوحي ونزوله على الأنبياء سواء في الكتب المنزلة أو غيرها غيب، واليوم الآخر وكل قضاياه غيب، والقدر المكتوب في اللوح المحفوظ غيب، ولا يعرف هذا الغيب إلّا إذا وقع القدر في الواقع، فها هي أركان الإيمان العظيمة تدخل في هذا الباب الواسع الكبير، ولذلك جعل اللَّه الإيمان بالغيب قاعدة للإيمان كله، وأول صفة في صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ (١). ولكن الإيمان بالغيب لا يقتصر على هذه القضايا الجليلة التي هي قواعد الاعتقاد وأساس الديانة، بل أخبرنا اللَّه تعالى عن أمور غيبية عديدة فصل بشأن بعضها ولم يفصل في شأن البعض الآخر. ومن أمثلة القضايا الغيبية التي أخبرنا اللَّه تعالى بها: الشيطان والجن، وما يتبع ذلك من قضايا السحر والكهانة والتنجيم، وأخبار عن أمور وقعت في القديم مثل بدء خلق السموات والأرض وبداية الخليقة وكيف تناسلوا وماذا حدث من بعض أبناء آدم، وأخبار ذي القرنين والخضر وأهل الكهف. وأخبار عن أمور سوف تقع في المستقبل، مثل يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، وخروج المهدي، والملحمة الكبرى بين المسلمين وعباد الصليب، وانتصار المسلمين على اليهود، وأشراط الساعة، وغير ذلك.

стр. 1541

والإيمان بالغيب حق ثابت وحاجة ضرورية للإنسان وقضية فطرية وميزة أصيلة فيه، وسوف أذكر الأوجه الدالة على هذا الحق وهذه الحاجة ثم أذكر الموقف المادي الحداثي والعلماني من هذا: أولًا: أن الإنسان مكون -حسب أصل الخلقة التي خلقها اللَّه عليها- من مادة وروح، المادة تتمثل في أصله الطيني وتركيبه الجثماني، والروح تتمثل في عنصر الحياة المبثوث في هذا الجثمان، والسارية فيه سريان الماء في الشجر والشذى في الورد. وفي القسم المادي الطاقات الحسية، الجسمية العضلية، من سمع وبصر ولمس وشم وذوق ولحم ودم وعضل وعصب وعظم، وفي القسم المعنوي طاقاته الروحية والفكرية والنفسية. وهذان القسمان والعنصران ممتزجان في كيان موحد، ومنهما معًا تنبع جميع الطاقات الحسية والمعنوية، ولكل منهما غذاؤه وداؤه ودواؤه. فبأجهزة كالجسم يتحرك الإنسان ويحس ويرى ويسمع ويذوق ويعمل، ويأكل ويشرب وينكح، وهو في جنس هذه الأعمال يشابه الحيوان، وهو منذ أن يولد توجد معه وتنمو بنموه متصلة بالحواس والأعصاب واللحم والدم. وأجهزة البدن هي العظمية والدموية والعصبية والهضمية والتناسلية، أمّا الطاقة المعنوية فإنها منبثة في هذا الجسم المادي ومتصلة به اتصالًا وثيقًا، ولا يدري أحد على وجه التحديد مكانها وماهيتها ولكنه يدرك عملها وآثارها، وبها يدرك المعاني المجردة والتفكير التصوري، ويدرك الكليات والمعنويات والقيم العليا من العدل والحق والخير والجمال، وغير ذلك من الكليات والتجريديات، وهذه الطاقة المعنوية هي التي تميز بها الإنسان عن الحيوان، الذي ليس له مجال سوى المحسوس، أمّا الإنسان فإن المزية الأساسية له هي القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس، وذلك تبع لعنصر الروح وما ينبثق عنها من طاقات معنوية. هذه القضية -قضية خلق اللَّه للإنسان من روح وطين- تعتبر مفرق الطريق بين الدين والمادية الملحدة.

стр. 1542

فالأديان كلها تؤكد أن اللَّه خلق آدم من طين ونفخ فيه من روحه، وهذا ما أكده القرآن العظيم وأثبته في مواضع عديدة، وعلى ذلك فالإنسان مخلوق من عدم، مكرّم عند خالقه الذي أوجد له منهجًا وبين له سبلًا وأوضح له غاية الحياة وغاية وجوده في الحياة، والذي يريد منه أن يتسامى صعودًا إلى مدارج الكمال الاعتقادي والعقلي والنفسي والعملي، في صلة وطيدة بالسماء. أمَّا المذهب المادي الإلحادي المعاصر فإن أساس عقيدته تقوم على أن الإنسان كائن مستقل بذاته، لا علاقة له بخالق، إذ لا وجود لخالق عندهم أصلًا، بل الطبيعة هي التي تشرف على الحياة في الكون وهي التي تتدخل في عملية النشوء والارتقاء، وهي التي وصلت في نهاية الأمر إلى خلق الإنسان وتكوينه هذا التكوين المتميز وهي التي منحته أعضاء الجسم وغرائز النفس. وهم بطبيعة هذه المغالطة المضحكة ينكرون أصلًا خلق آدم من روح وطين، ويسمعون إلى إلغاء أي اعتقاد يربط الإنسان بخالقه، وتحطيم أي صلة تصل بين الأرض والسماء، من خلال ما وضعوا من المذاهب والمناهج والنظم التي ترسخ نزع الكرامة الإنسانية وإلغاء النفحة الإلهية عن الإنسان، والسعي بصورة حثيثة في "تحقير" الإنسان، وتصويره في صورة مادية حيوانية، على أساس أنه مجموعة من الغرائز والشهوات لا يُمكن له أن يرتفع عن واقع الأرض المادي، ولا يستطيع أن ينطلق من قيد الغريزة مطلقًا. لقد بدأت هذه الفرية المادية إثر سلسلة من الصراعات بين الدين النصراني المحرف، والمعطيات العلمية والعقلية انتهت سلسلة هذه الحلقات إلى الباحث الإنجليزي "تشارلزداروين" الذي نشر في عام ١٨٥٩ م/ ١٢٧٥ هـ كتابه "أصل الأنواع" الذي يدور حول فرضية تطور الحياة في الكائنات الحية من دور بسيط إلى دور أرقى ثم أرقى، وتدرجها من العشوائية وعدم الدقة إلى الدقة والتركيب المعقد، كل ذلك تحت إشراف وتوجيه الطبيعة التي فرضت قانون "الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب"!! وأن الكائنات العضوية

стр. 1543

ما زالت تترقى في هذا السلم، تصارع الحياة والآفات والكوارث فالذي لا يصلح تطرحه الطبيعة وتفنيه، والأفضل تهبه الطبيعة عوامل البقاء ومؤهلات الاستمرار، بل وتضيف له عناصر وصفات جديدة تمكنه من الاستمرار ومواصلة البقاء النوعي، وقد أدت هذه العملية -حسب افتراضية داروين- إلى إيجاد أنواع جديدة راقية مثل القرود الذين تسلسل منهم -وفق قانون الانتخاب الطبيعي- الكائن الأرقى وهو الإنسان (١)!!. هذه نظرية داروين باختصار شديد، وهي نظرية افتراضية قائمة على دراسات بيولوجية، وليست نظرية فلسفية، وإن كانت ذات أثر كبير جدًا على نظريات فلسفية غريبة عديدة، كما أن هذه النظرية أبعد ما تكون عن الحقائق العلمية الثابتة، وقد نقضها وبين عوارها كثير من علماء البيولوجيا "علم الأحياء" وغيرهم (٢)، ومن ذلك قول كريسي موريسون (٣) في كتابه العلم يدعو للإيمان: (إن القائلين بنظرية التطور "النشوء والارتقاء" لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة "الجينات" وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقًا، أعني عند الخلية ذلك الكيان الذي يحتوي الجينات ويحملها) (٤).

стр. 1544

ويقول: (ولا بد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابيًا أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت، لذلك لا بد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد) (١). ويقول: (إن وجود الخالق - تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وأن وجود الإنسان على ظهر الأرض، والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنّما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون) (٢). ويقول العالم الطبيعي السويسري "أغاسيز" (٣) في رسالة بعنوان "أصل الإنسان": (إن مذهب داروين خطأ علمي باطل في الواقع وأسلوبه ليس من أساليب العلم بشيء ولا طائل تحته) (٤). وقال: (إن النشوء لا يتم إلّا وفقًا لخطة إلهية محكمة وإن الاصطفاء الطبيعي إذا ما حل محل الخلق الإلهي فإن الإنسان يكون قد جرد من روحه وغدى آلة صماء) (٥). وقال: (إن التفسير الحرفي لنظرية داروين يفسح المجال لتأليه - سوبرمان - نيتشه - وتمجيد القوى البدنية على أنها الأساس الوحيد للسلوك بين الناس، وإن ثمة فرقًا واضحًا بين تناسل الأنواع وبين خلق الأنواع فالحيوانات تتناسل فتنتج نوعها، أمَّا اللَّه وحده فقادر على خلق نوع جديد. . . إن الفكرة التي يعتنقها الداروينيون عن تناسل نوع جديد بواسطة نوع سابق ليست إلّا

стр. 1545

افتراضًا اعتباطيًا يتعارض والآراء الفسيولوجي الرصينة) (١). ويقول أخصائي علم الأحياء والثبات "رسل تشارلزآرتست" (٢): (لقد وضعت نظريات عديدة، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات، ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به، هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بخذلان وفشل ذريعين، ومع ذلك فإن من ينكر وجود اللَّه لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يُمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده، ولكنه إذ يفعل ذلك فإنّما يسلم بأمر أشد إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود اللَّه الذي خلق هذه الأشياء ودبرها، إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها، وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق، ولذلك فإنني أومن بوجود اللَّه إيمانًا راسخًا) (٣). ويقول أستاذ علم الأحياء الأمريكي "جون وليان كلونس (٤) ": (إن هذا
следующие страницы →