والإيمان بالغيب حق ثابت وحاجة ضرورية للإنسان وقضية فطرية وميزة أصيلة فيه، وسوف أذكر الأوجه الدالة على هذا الحق وهذه الحاجة ثم أذكر الموقف المادي الحداثي والعلماني من هذا:
أولًا: أن الإنسان مكون -حسب أصل الخلقة التي خلقها اللَّه عليها- من مادة وروح، المادة تتمثل في أصله الطيني وتركيبه الجثماني، والروح تتمثل في عنصر الحياة المبثوث في هذا الجثمان، والسارية فيه سريان الماء في الشجر والشذى في الورد.
وفي القسم المادي الطاقات الحسية، الجسمية العضلية، من سمع وبصر ولمس وشم وذوق ولحم ودم وعضل وعصب وعظم، وفي القسم المعنوي طاقاته الروحية والفكرية والنفسية.
وهذان القسمان والعنصران ممتزجان في كيان موحد، ومنهما معًا تنبع جميع الطاقات الحسية والمعنوية، ولكل منهما غذاؤه وداؤه ودواؤه.
فبأجهزة كالجسم يتحرك الإنسان ويحس ويرى ويسمع ويذوق ويعمل، ويأكل ويشرب وينكح، وهو في جنس هذه الأعمال يشابه الحيوان، وهو منذ أن يولد توجد معه وتنمو بنموه متصلة بالحواس والأعصاب واللحم والدم.
وأجهزة البدن هي العظمية والدموية والعصبية والهضمية والتناسلية، أمّا الطاقة المعنوية فإنها منبثة في هذا الجسم المادي ومتصلة به اتصالًا وثيقًا، ولا يدري أحد على وجه التحديد مكانها وماهيتها ولكنه يدرك عملها وآثارها، وبها يدرك المعاني المجردة والتفكير التصوري، ويدرك الكليات والمعنويات والقيم العليا من العدل والحق والخير والجمال، وغير ذلك من الكليات والتجريديات، وهذه الطاقة المعنوية هي التي تميز بها الإنسان عن الحيوان، الذي ليس له مجال سوى المحسوس، أمّا الإنسان فإن المزية الأساسية له هي القدرة على الإيمان بما لا تدركه الحواس، وذلك تبع لعنصر الروح وما ينبثق عنها من طاقات معنوية.
هذه القضية -قضية خلق اللَّه للإنسان من روح وطين- تعتبر مفرق الطريق بين الدين والمادية الملحدة.
стр. 1542
فالأديان كلها تؤكد أن اللَّه خلق آدم من طين ونفخ فيه من روحه، وهذا ما أكده القرآن العظيم وأثبته في مواضع عديدة، وعلى ذلك فالإنسان مخلوق من عدم، مكرّم عند خالقه الذي أوجد له منهجًا وبين له سبلًا وأوضح له غاية الحياة وغاية وجوده في الحياة، والذي يريد منه أن يتسامى صعودًا إلى مدارج الكمال الاعتقادي والعقلي والنفسي والعملي، في صلة وطيدة بالسماء.
أمَّا المذهب المادي الإلحادي المعاصر فإن أساس عقيدته تقوم على أن الإنسان كائن مستقل بذاته، لا علاقة له بخالق، إذ لا وجود لخالق عندهم أصلًا، بل الطبيعة هي التي تشرف على الحياة في الكون وهي التي تتدخل في عملية النشوء والارتقاء، وهي التي وصلت في نهاية الأمر إلى خلق الإنسان وتكوينه هذا التكوين المتميز وهي التي منحته أعضاء الجسم وغرائز النفس.
وهم بطبيعة هذه المغالطة المضحكة ينكرون أصلًا خلق آدم من روح وطين، ويسمعون إلى إلغاء أي اعتقاد يربط الإنسان بخالقه، وتحطيم أي صلة تصل بين الأرض والسماء، من خلال ما وضعوا من المذاهب والمناهج والنظم التي ترسخ نزع الكرامة الإنسانية وإلغاء النفحة الإلهية عن الإنسان، والسعي بصورة حثيثة في "تحقير" الإنسان، وتصويره في صورة مادية حيوانية، على أساس أنه مجموعة من الغرائز والشهوات لا يُمكن له أن يرتفع عن واقع الأرض المادي، ولا يستطيع أن ينطلق من قيد الغريزة مطلقًا.
لقد بدأت هذه الفرية المادية إثر سلسلة من الصراعات بين الدين النصراني المحرف، والمعطيات العلمية والعقلية انتهت سلسلة هذه الحلقات إلى الباحث الإنجليزي "تشارلزداروين" الذي نشر في عام ١٨٥٩ م/ ١٢٧٥ هـ كتابه "أصل الأنواع" الذي يدور حول فرضية تطور الحياة في الكائنات الحية من دور بسيط إلى دور أرقى ثم أرقى، وتدرجها من العشوائية وعدم الدقة إلى الدقة والتركيب المعقد، كل ذلك تحت إشراف وتوجيه الطبيعة التي فرضت قانون "الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب"!! وأن الكائنات العضوية
стр. 1543
ما زالت تترقى في هذا السلم، تصارع الحياة والآفات والكوارث فالذي لا يصلح تطرحه الطبيعة وتفنيه، والأفضل تهبه الطبيعة عوامل البقاء ومؤهلات الاستمرار، بل وتضيف له عناصر وصفات جديدة تمكنه من الاستمرار ومواصلة البقاء النوعي، وقد أدت هذه العملية -حسب افتراضية داروين- إلى إيجاد أنواع جديدة راقية مثل القرود الذين تسلسل منهم -وفق قانون الانتخاب الطبيعي- الكائن الأرقى وهو الإنسان (١)!!.
هذه نظرية داروين باختصار شديد، وهي نظرية افتراضية قائمة على دراسات بيولوجية، وليست نظرية فلسفية، وإن كانت ذات أثر كبير جدًا على نظريات فلسفية غريبة عديدة، كما أن هذه النظرية أبعد ما تكون عن الحقائق العلمية الثابتة، وقد نقضها وبين عوارها كثير من علماء البيولوجيا "علم الأحياء" وغيرهم (٢)، ومن ذلك قول كريسي موريسون (٣) في كتابه العلم يدعو للإيمان: (إن القائلين بنظرية التطور "النشوء والارتقاء" لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة "الجينات" وقد وقفوا في مكانهم حيث يبدأ التطور حقًا، أعني عند الخلية ذلك الكيان الذي يحتوي الجينات ويحملها) (٤).
стр. 1544
ويقول: (ولا بد للحياة فوق أرضنا هذه من شروط جوهرية عديدة، بحيث يصبح من المحال حسابيًا أن تتوافر كلها بالروابط الواجبة بمجرد المصادفة على أي أرض في أي وقت، لذلك لا بد أن يكون في الطبيعة نوع من التوجيه السديد) (١).
ويقول: (إن وجود الخالق - تدل عليه تنظيمات لا نهاية لها، تكون الحياة بدونها مستحيلة، وأن وجود الإنسان على ظهر الأرض، والمظاهر الفاخرة لذكائه، إنّما هي جزء من برنامج ينفذه بارئ الكون) (٢).
ويقول العالم الطبيعي السويسري "أغاسيز" (٣) في رسالة بعنوان "أصل الإنسان": (إن مذهب داروين خطأ علمي باطل في الواقع وأسلوبه ليس من أساليب العلم بشيء ولا طائل تحته) (٤).
وقال: (إن النشوء لا يتم إلّا وفقًا لخطة إلهية محكمة وإن الاصطفاء الطبيعي إذا ما حل محل الخلق الإلهي فإن الإنسان يكون قد جرد من روحه وغدى آلة صماء) (٥).
وقال: (إن التفسير الحرفي لنظرية داروين يفسح المجال لتأليه - سوبرمان - نيتشه - وتمجيد القوى البدنية على أنها الأساس الوحيد للسلوك بين الناس، وإن ثمة فرقًا واضحًا بين تناسل الأنواع وبين خلق الأنواع فالحيوانات تتناسل فتنتج نوعها، أمَّا اللَّه وحده فقادر على خلق نوع جديد. . . إن الفكرة التي يعتنقها الداروينيون عن تناسل نوع جديد بواسطة نوع سابق ليست إلّا
стр. 1545
افتراضًا اعتباطيًا يتعارض والآراء الفسيولوجي الرصينة) (١).
ويقول أخصائي علم الأحياء والثبات "رسل تشارلزآرتست" (٢): (لقد وضعت نظريات عديدة، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات، ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به، هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بخذلان وفشل ذريعين، ومع ذلك فإن من ينكر وجود اللَّه لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يُمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية، وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده، ولكنه إذ يفعل ذلك فإنّما يسلم بأمر أشد إعجازًا وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود اللَّه الذي خلق هذه الأشياء ودبرها، إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها، وأن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق، ولذلك فإنني أومن بوجود اللَّه إيمانًا راسخًا) (٣).
ويقول أستاذ علم الأحياء الأمريكي "جون وليان كلونس (٤) ": (إن هذا
стр. 1546
العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة، إنه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يُمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة، وهي بذلك تزيد من معرفتنا باللَّه ومن إيماننا بوجوده) (١).
ويقول "ديل سوارتزن دروبر (٢) " أخصائي فيزياء التربة، بعد أن ساق جملة من العجائب العلمية في التربة: (فمما لا شك فيه أن هنالك حكمة وتصميمًا وراء كل شيء سواء في السماء التي فوقنا أو الأرض التي من تحتنا، إن إنكار وجود المصمم والمبدع الأعظم يشبه في تجافيه مع العقل والمنطق ما يحدث عندما يبصر الإنسان حقلًا رائعًا يموج بنباتات القمح الصفراء الجميلة ثم ينكر في نفس الوقت وجود الفلاح الذي زرعه والذي يسكن في البيت الذي يقوم بجوار الحقل) (٣).
وفي كتاب تاريخ الفكر الأوروبي الحديث يقول مؤلفه عن كتاب أصل الأنواع وفرضية داروين، وهو لا يخفي إعجابه بداروين ونظريته: (وقد أثار هذا الكتاب امتعاض الكثيرين، ولم يمتعض منه فقط رجال الاكليروس أو بعض العجائز، إذ وجدوه يدحض ما جاء في سفر التكوين جملة وتفصيلًا بل امتعض منه أيضًا أشد العقول مضاءً في ذلك العصر، وآخرون غيرهم كانوا أبعد ما يكونون عن الورع والتقوى، فلقد كتب جورج برنارد شو يقول: "إذا كان بالإمكان التدليل على أن الكون أنتج بواسطة اصطفاء طبيعي كهذا "البقاء للأصلح" فعندئذٍ لا يستطيع سوى الحمقى "والأنذال احتمال العيش فيه" زد على ذلك أن العالم الألماني فون بير رفضى النظرية التي تجعل الإنسان
стр. 1547
"نتاجًا للمادة" وتهبط به إلى مستوى الحيوان، بينما كتب أستاذ الجيولوجيا في جامعة كمبريدج آدم سيد غويك يقول: "إن التسليم بالداروينية سيهبط بالجنس البشري إلى درك من الانحطاط لا مثيل له في التاريخ الإنساني" وأخذ البعض يتساءل عما إذا لم يكن داروين شوفيهاور (١) آخر، حيث أن نظريته تعلم البشر أن الصدفة وحدها والإرادة العمياء هما اللتان تحكمان العالم. . . فالفكرة المنطوية عليها الداروينية، والقائلة بأن الإنسان ليس ابن اللَّه الفريد (٢) من نوعه، وليس له روح أو نفس، بل إنه متحدر من أيميبة "حيوان وحيد الخلية" وارتقى من خلال سلسلة من حيوانات أخرى، كانت فكرة تبعت أبدًا على الارتياح، وكذلك أيضًا حال الفكرة الموحية بأن الحياة هي صراع مجرد من كل قيمة أخلاقية، وأن الطبيعة دامية الناب والمخلب ومملؤة بالألم والموت، والتضحية بما لا يعد ولا يحصى من الأفراد على مذبح النوع، زد على ذلك إيحاء داروين أن الكون لا يزيد عن كونه صدفةً وحظًا.
ومع أن داروين أو ما في كتابه ببعض إيماءة لتهدئة سخط رجال الدين، غير أنه لم يكن بالإنسان المتدين، كما أن تدينه تناقص شيئًا فشيئًا، مع مرور الزمن، وقد شرح في كتاب "سيرته الذاتية" كيف أنه رفض، قرابة عام ١٨٤٠ م الدين المسيحي ثم تخلى كليًا عن الإيمان بوجود اللَّه، الأمر الذي يبدو جليًا في آخر صفحتين من كتاب أصل الأنواع، ولا ريب أن داروين كان يدين، كنصيره الشهير، توماس هكسلي، باللاأدرية) (٣).
ثم يقول: (. . . إن العالم الطبيعي الأمريكي والأستاذ في جامعة هارفرد لويس أجاسيسز لم يسلم بنظرية داروين وقد كرس بقية عمره لدحض
стр. 1548
لتلك النظرية الفظيعة كما وصفها، زد على ذلك أن المفكر الحر والناقد للدين المسيحي التقليدي العالم الفكتوري صموئيل بتلر الذي بدأ حياته الفكرية معجبًا بداروين ونظريته، سرعان ما ارتد على داروين ونعته بالمخادع الذي عرض على الناس تفاسير مغلوطة) (١).
ولست بصدد جمع جميع أقوال المتخصصين في العلوم التجريبية الذين ردوا على خرافة "النشوء والارتقاء" فهناك كتب تخصصت في ذلك وكشفتا بالتفصيل خطل هذه النظرية وضعفها، ولكن المراد إيراد بعض الشواهد من أقوال علماء الطبيعة الذين بينوا تفاهة هذه النظرية، ومقدار ما فيها من تلبيس وتدليس على البشر، وما تضمنه من إيحاءات مادية جاهلية حيوانية متخلفة.
ومع كل ذلك فإن قصة النشوء الذاتي التي اخترعها "داروين" سادت في الفكر الغربي منذ القرن التاسع عشر الميلادي وحتى الآن، وأضحت شهادة عصرية صارخة على مقدار الانغماس في الخيالات، لقد أصبحت هذه الأسطورة محورًا لفلسفات عديدة، بل أضحت هي الأساس لمجمل الفكر والسلوك الغربي المعاصر.
لقد أدت نظرية داروين إلى رسوخ الإلحاد الذي كان قد نشاء وانتشرت بذروة منذ الثورة الفرنسية المنادية بحرية الاعتقاد، ومع ذلك بقي الإلحاد محدود الانتشار إزاء العقيدة النصرانية التي كانت حتى ذلك الوقت محتفظة بقوتها ومركزها القوي بين عامة الناس وخاصتهم في الجامعات والمعاهد، ولما نشر داروين كتابه أصل الأنواع عام ١٢٧٥ هـ/ ١٨٥٩ م هز بنيان الحياة الغربية المتصدع في أساسه، ونشبت معركة شرسة بين الدين ممثلًا في الكنيسة المزعزعة المريضة الضعيفة، والعلم التجريبي ومدارسه، وانتهت المعركة إلى انهيار العقيدة الدينية جملة وتفصيلًا وانتشار الإلحاد
стр. 1549
بصورة مرضية هائلة شرسة، وتهشمت النصرانية في عقر دارها وتحطمت سيطرتها، واستحال الوضع إلى إلحاد صريح أو شك غامر، أو تحير مضطرب، وقد حف بهذه النظرية من وسائل الدعوة والترويج ما جعل لها شعبية هائلة بين الناس الذين تلقفوها لتكون دينًا جديدًا بدلًا من الدين النصراني المحطم.
وقد دون مؤلف تاريخ الفكر الأرووبي الحديث بعض آثار نظرية داروين في شتى المجالات، ومن ذلك أنها كانت تكذيبًا للدين المسيحي "النصراني" وخاصة في سفر التكوين (١) الذي يتضمن أن البشر تناسلت من آدم ﵇، الذي خلقه اللَّه تعالى من طين.
وذلك أن مهاجمة داروين للدين كانت بعد أن تهيأت له الأرضية القابلة لذلك (إن الضربات التي سددها لايل وداروين للدين، إنّما سدداها إلى جسم رضه المؤرخون الوضعيون والنقاد الدينيون الرض الشديد) (٢).
(الداروينية قد هدمت جميع القيم باستئصالها القصد والغاية في الكون) (٣).
(ويحدثنا الكاتب الفكتوري ونوود زيد في أحد كتبه عن انتحار شاب بسبب تأثره بـ "ملتوس وداروين" وقد جلد ذاك الشاب كتابيهما بجلد كئيب الألوان وسمى كتاب ملتوس "مبحث في السكان" بكتاب الشك، وكتاب "أصل الأنواع" كتاب اليأس) (٤).
ثم يضيف بعد ذلك قائلًا: (تطورت المناظرات حول نظرية النشوء
стр. 1550
والارتقاء وتشعبت إلى عدد لا يحصى من الفروع، وأدلى كل بدلوه) (١).
ويقول في موضع لاحق شارحًا المستوى المادي الذي وصلت إليه النظرية بل المستوى الحيواني: (. . . الداروينية كانت أحدية، وقد وصفها أعداؤها بالمادية، ولم تكن تقبل أبدًا بالتسليم بثنائية من عقل وجسد ولا الفصل بين العالم الطبيعي والعالم الذهني، فالحيوان البشري هو كائن حي كأي كائن متعض (٢) آخر، ويستجيب إلى بيئته، وهو باستجابته هذه يعمل على تشكيل جزء منها، وهكذا أصبح الإنسان بعد داروين جزءًا من النظام الطبيعي البيولوجي، الأمر الذي لم يكن متعارفًا عليه من قبل) (٣).
أي أنه أصبح بهذه النظرية حيوانًا بشريًا -على حد تعبيره- وكيانًا ماديًا بحتًا وكائنًا عضويًا لا روح له ولا معنويات.
ثم يستطرد في ذكر آثار نظرية النشوء والارتقاء ويبين أنها أدت إلى القول بحتمية التطور والتقدم، وهي المقولة التي يرددها جميع الماديين وجميع المتأثرين بالفلسفات المادية، من الحداثيين والعلمانيين.
يقول المؤلف: (أمّا إذا كان البعض قد انتهى من نظرية النشوء والارتقاء إلى استنتاجات مأساوية أو متشائمة، فإن معظم الناس قد جعلوها متكاملة مع الإيمان بالتقدم، فوفقًا لداروين هناك تقدم دائم ومحتوم أنه تقدم نوع أو جنس، حتى ولو كان على حساب أفراد) (٤).
ومن الملاحظ أن نظرية التطور المطلقة التي تبنتها بعد ذلك عدة مذاهب فلسفية واجتماعية وأدبية أخذت أصلًا من داروين، ويُمكن تفصيل أسباب ونتائج هذه القضية وما فيها من أخطاء علمية ومعرفية، وما ترتب عليها من نتائج عملية مأساوية في مجالات الفكر والأخلاق والنظم، لولا أن
стр. 1551
المقام هنا ليس مقام الحديث عن ذلك، وفي كتاب "التطور والثبات في حياة البشر" (١) غنية وكفاية لمن أراد معرفة الحق من الباطل في قضية المتحول والمتحرك والمتطور وقضية الثابت والأصل.
ويصف مؤلف تاريخ الفكر الأوروبي الحديث المدى الواسع الذي امتدت إليه نظرية داروين فيقول: (والحق أن الأفكار التي تنطوي عليها الداروينية أكثر من أن تدون، فالآراء الارتقائية قد نفذت إلى عقلنا نفوذًا عميقًا، وإلى كل ميدان من ميادين حياتنا الفكرية، وأصبحت قاعدة مألوفة لدراسة الظاهرة في مجرى تطورها، زد على ذلك أن الاهتمام بالارتقاء قد خرج من الدوائر الأكاديمية (دخل حتى ميادين التجارة والصناعة. . . نذكر أن جون ديوي في تقويمه الشهير لتأثير داروين في الفلسفة، والوارد في كتابه "أثر داروين في الفلسفية" والصادر عام ١٩٠٩ م وقد عزا إلى داروين تنصيب مبدأ التحول أو الانتقال ملكًا على عرش العلوم) (٢).
من هنا نرى أنه ليس من التجاوز وصف الحياة الغربية في شتى صورها وانحائها بأنها ثمرة من ثمار النظرية المادية الحيوانية المسماة نظرية النشوء والارتقاء، والناظر في النتاج والنشاط الغربي اليوم يجد هذه الحقيقة شاخصة، ولاسيما في النتاج الفكري والأدبي والفني، وفي الحياة النفسية والمسيرة الاجتماعية، بل ويظهر ذلك جليًا في السياسات الغربية خاصة إزاء غيرهم من الشعوب.
إذا كان الغرب ينظر إلى العقل على أساس من نظرية داروين، فماذا يُرجى يعد ذلك من هؤلاء البشر؟ يقول مؤلف كتاب تاريخ الفكر الأوروبي: (أمَّا من الناحية الفلسفية فلقد عملت الداروينية على إضعاف الثقة بالمذهب المثالي أو العقلي، ففلاسفة شباب كـ"جون ديوي" هجروا هيجل إلى فلسفة فيها المزيد من النظرة الطبيعية فلقد بدا لهم أن من المتوجب أن يكون العقل نتاجًا للارتقاء والأفكار حصادًا للاصطفاء الطبيعي. . . فالغريزة أو الإرادة أو
стр. 1552
قوة الحياة قد تنبض في الكون، ولكن الذهن هو أداتها والعقل هو ملمح البقاء وسيماؤه، وقد وردت على لسان أحد أبطال مسرحية جورج برناردشو النظرية الحديثية القائلة: "أنا موجود ولذلك أفكر، وليس أنا أفكر ولذلك أنا موجود" وهنا ظهر سبب جديد لإساءة الظن في العقل، فالعقل هو ثمرة من ثمار الطبيعية وهو يعني الفهم، فأمّا إذا كنت أؤمن باللَّه، أو أقول أن الكون كون منتظم، فالسبب في ذلك يعود إلى تنازع البقاء الذي أوجد هذه الملامح لعقلي، أما إذا جنح بي الهوى إلى الزعم بأن إيماني هذا هو مطلق في حقيقته، فعندئذٍ سأتذكر أن عقلي بالذات هو من نتاج الارتقاء، لذلك فهو في جوهره أداة بقاء، شأنه في ذلك شأن ذيل القرد أو رقبة الزرافة، تلك هي بعض الأفكار التي تنطوي عليها الداروينية) (١).
هذا توصيف من رجل لا يُمكن أن يوصف بأنه عدو للداروينية، وبه يتبين لنا أين وصلت الداروينية بالإنسان حين جعلت ميزته الأساسية مجرد نتاج للطبيعة كذيل القرد وعنق الزرافة سواء بسواء.
وقد استطرد المؤلف في ذكر آثار الداروينية على علم الاجتماع في الغرب تحت عنوان "الداروينية الاجتماعية" (٢) وبين المدى البعيد الذي تغلغلت فيه الداروينية في المجتمعات الغربية، إلى حد أنها أنتجت أنواعًا من السياسات العنصرية مثل النازية (٣).
وخلاصة القول: أن نظرية داروين نزعت الكرامة الإنسانية عن الإنسان، بعد نفي النفحة الإلهية عن خلقه ونشأته، وبذلك انهارت جميع الضوابط والتقاليد والأصول التي كانت أوروبا تعيش عليها حقبًا طويلة من الزمن، بغض النظر عن صواب، أو خطأ تلك التقاليد والضوابط، إلّا أنها كانت في النهاية معقلًا ومثابة تمنع الفوضى وتبقى للإنسان شيئًا من إنسانيته، وأقرب هذه الأمور أن التصور النصراني -على انحرافه وضلاله- كان يقول
стр. 1553
أن هناك إلهًا هو الذي خلق الكون والحياة وخلق الإنسان، وأن للإنسان خاصة دوره الكبير في هذه الحياة، وأن اللَّه خلقه وكرمه وفضله على كل كائنات الأرض، وأعطاه صفات وميزات ليست لغيره من المخلوقات منها النطق والتفكير والتأمل والروح وسائر المعنويات، وكانت هذه القضية ثابتة عندهم، رغم ما في فروعها من ضلالات وخرافات جاءت من التحريف لدين المسيح ﵇.
وعلى الرغم الصراع الطويل والبغضاء المتزايدة بين العلم والكنيسة إلّا أن جماهير الناس كانوا في صف الدين والكنيسة والأخلاق والتقاليد، فلما جاء داروين وكان جسد الكنيسة مرضوضًا قد نالت من قواه سهام الحروب الطويلة، جاء داروين ونشر نظريته فزلزل العقيدة النصرانية المبنية على خرافات عديدة، وضعضع الأفكار من أساسها، ومزق القيم والأخلاق، ووجدت الجماهير أن هذه النظرية تفكها من أسر الكنيسة ورجال الدين وتخلصهم من نيرها المرهق وسلطانها الجائر، وأيًا كانت طبيعة هذا الصراع ودوافعه، فإنه يعتبر تحولًا كبيرًا في حياة الغرب، الذي أصبح له الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على غيره، مما أدى إلى انتشار نظرية داروين ومقتضياتها وإيحائتها في العالم كله، وتركت في حياة الناس نتائج خطيرة بالغة الخطورة، وكان أظهر نتائجها:
١ - زعزعة الإيمان باللَّه تعالى وجودًا وألوهية.
٢ - نفي خلق اللَّه تعالى للكون والإنسان.
٣ - نفي قضية الغاية والقصد من وجود الخلق عامة والإنسان خاصة.
٤ - نفي إنسانية الإنسان ورفعته وسموه وروحانيته والقول بأنه حيوان كسائر الحيوانات.
٥ - نفي ثبات أي عقيدة أو فكرة أو نظام أو خلق، والقول بالتطور المطلق والصيرورة الدائمة.
٦ - زعزعة كل شيء كان راكزًا من قبل وتحطيم كل ما كان راسخًا مكينًا.
стр. 1554
وبهذا تزلزلت فكرة الدين والأخلاق ومعايير العدل والخير والحق، وخاصة تلك الشفافية الروحانية التي ترفع الإنسان عن مستوى الحيوان البهيم، إذ أصبح عندهم مجرد حيوان لا كرامة له ولا رفعة فيه ولا روحانية، ولا مجال في كيانه ووعيه لشيء وراء الطاقات الحسية.
ولئن كان للغرب ظروفه الخاصة به في صراعه مع الكنيسة وخروجه على استبدادها وفظاظتها ووحشيتها وخرافتها، فما العذر لأبناء المسلمين في قبول هذه الخرافة؟.
الواقع يقول أن السبب هو وقوعهم في دائرة العبودية للغرب المنتصر ماديًا، وفي إطار تقليد المغلوب للغالب.
مع أننا معشر المسلمين نملك عقيدة خاصة يدل على صحتها ما لا يحصى من أدلة العقل والحس والفطرة، ولدينا تاريخنا الخاص وحضارتنا التي لم تكن يومًا ما ضد العلم والتطور والتقدم، بل كانت معه من حيث التصور ومن حيث التطبيق والممارسة.
وواضح تمام الوضوح أن الحداثيين والعلمانيين قد أخذوا عن الغرب خرافة النشوء والارتقاء وطبقوها في ممارساتهم الأدبية والسياسية والفكرية، وتبنوا في محاكاة عمياء مقتضيات هذه الفرضية الباطلة، ومن ذلك نفيهم للغيبيات وسخريتهم بأخبارها الثابتة في الوحي المعصوم واستهزاؤهم بمن يؤمن بها إلى غير ذلك من أنواع الضلال والانحراف.
وفي الجملة فإن نظرية داروين وإيحاءتها ومقتضياتها وفروعها تعتبر أصلًا من أصول الحداثة والعلمانية وأساسًا لأفكار وأعمال أصحابها، الذين أفنوا حياتهم في تقديس الغرب وعبادته من دون اللَّه الملك الحق المبين (١).
ثانيًا: بناء على أصل الخلقة الربانية للإنسان من حيث كونه جسدًا وروحًا، فإن فيه جانبًا حسيًا وآخر معنويًا.
стр. 1555
فالجانب الحسي مرتبط بالجسد وحاجاته ومقوماته من حواس وأعصاب، وبه ينال رغباته من طعام وشراب ونكاح ولباس، ومن خلاله يشاهد ويسمع ويمشي ويبطش ويذوق.
والجانب المعنوي مرتبط بالروح التي لا يدري أحد على وجه التحديد مكانها أو ماهيتها، وهذا الجانب المعنوي هو الذي تفرد به الإنسان عن الحيوان الذي لا يستطيع إدراك الكليات والمعنويات والأمور التجريدية، ولا يستطيع إدراك القيم العليا كالعدل والحق والخير والجمال، بل هذه خصيصة من خصائص الإنسان.
وحيث أن قسطًا كبيرًا من هذا الجانب ينضوي تحت إطار الغيبيات، فقد جنحت الجاهلية الحديثة إلى إهمال هذا الجانب في الإنسان وإعلاء الجانب الحسي المشترك بين الإنسان والحيوان، جريًا على نظرية داروين.
إن الجانب المعنوي في الإنسان هو الذي يغطي ميادين الاعتقاد والفكر والفن والقيسم، ويشتمل على أرفع جوانب الإنسان وأخصها به من بين سائر المخلوقات.
وإذا نظرنا إلى هذه الميادين وماذا عملت فيها الجاهلية المعاصرة وجدنا أن: العقيدة وما يتفرع عنها من أعمال عبادية وفضائل سلوكية وأخلاق عملية قد هوجمت من قبل الماديين، وأضحت مجالًا للتندر والسخرية، بل أصبح لزامًا على كل من أراد البحث العلمي الدقيق أن يتخلص من كل إيمان باللَّه تعالى، على حد تعليمات داروين الذي قرر فيها: إن أي تفسير لشأن من شؤون الحياة يعتمد على وجود خالق له إرادة في الخلق يكون ذلك بمثابة إدخال عنصر خارق للطبيعة في وضع ميكانيكي بحت (١).
أمَّا الفن الذي شاع في العالم الحديث وسخرت له الإمكانيات الضخمة فقد انحدر إلى الحسية المادية بدعوى "الواقعية" واقعية المادة
стр. 1556
وواقعية الحيوان، وأفقد الإنسان تحليقه وشفافيته وروحانيته ونشدانه للجمال المعنوي والآفاق الرفيعة الرقراقة.
أمّا القيم فقد داسوها تحت أقدام الراقصات ودفنوها في البارات وبيوت الدعارة، وقضوا عليها بالفلسفات النفعية، والأفكار المادية القائلة بنسبية الأخلاق وعدم ثباتها.
وهكذا نرى أن الجانب المعنوي والطاقة المعنوية التي تميز الإنسان عن الحيوان طمست في هذه الجاهلية المعاصرة، التي حصرت الإنسان في محيط ما تدركه الحواس، والتي قررت بشتى مذاهبها ومدارسها المادية: إن حقيقة العالم تنحصر في ماديته، وهكذا وقف الغرب ومقلدوه عند الحواس ومدركاتها وأنكر الروح والغيب، وأنكر قبل ذلك وجود اللَّه تعالى وكل ما يترتب على الإيمان به سبحانه، لقد وصلوا إلى درك سحيق من الارتكاس والهوان والحيوانية في كل شيء، في الأخلاق وفي السياسة وفي كل مناشط ومناحي الحياة (١).
نعم يسلم الماديون بامتياز الإنسان بالعقل على الحيوان، ولكنهم لا يسلمون مطلقًا بامتيازه بالروح، ومع تسليمهم بتميز الإنسان العقلي إلّا أنهم يرون أن العقل في حد ذاته (ثمرة من ثمار الطبيعة، ونتاج لعملية الارتقاء شأنه في ذلك شأن ذيل القرد أو رقبة الزرافة) (٢).
وقد تلقى المقلدون من أبناء المسلمين هذا الاتجاه المادي الذي ينفي أو يتناسى الجانب المعنوي في الإنسان وسلكوا مسالك أساتذتهم في تطبيق ذلك في مجال الأدب والفكر والفن، وفي مجال الحياة العامة في الأخلاق والعلاقات الاجتماعية والتطبيقات السياسية، وفي مجال الدراسات النفسية والاجتماعية، وأصبحوا بذلك رسل هذه الجاهلية
стр. 1557
الرعناء، وسدنة هذه الأوثان الخرقاء، ولكن تحت مظلات من حرية الفكر والمثاقفة وتوسيع المدارك، والحوار الحضاري والعقلانية وغير ذلك من الشعارات البراقة الواهنة وهن بيت العنكبوت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ (١).
ثالثًا: الواقع والخيال، حقيقتان فطريتان في داخل نفس الإنسان متصلتان بقضية الروح والجسد وقضية الحسي والمعنوي.
فطاقة الواقع في الإنسان مرتبطة بالجانب الحسي المرتبط أصلًا بالجسد، وتتصل بواقع الحياة المحسوس فتعمل فيه وتحقق إنتاجًا واقعيًا ملموسًا.
وطاقة الخيال ذات اتصال وثيق بالجانب المعنوي والغيبي في الإنسان، ومجال الخيال يعمل في تصور ما وراء الحواس، ويقوم على التفكير التصوري التجريدي، وبين الواقع والخيال تواصل وتشابك داخل النفس الإنسانية بصورة لا يدركها أحد إلّا اللَّه تعالى.
وترتبط طاقة الخيال بالجانب العاطفي الشاعري الوجداني وتتصل بالقيم والعواطف والأحاسيس ولكنها لا تنفصل تمام الانفصال عن الواقع (٢).
وإذا نظرنا إلى المذاهب الأرضية المعاصرة وموقفها من قضية الخيال والواقع، وجدنا أنها جنحت إما إلى خيالية مفرطة هائمة في الأوهام والأحلام، وإمّا إلى واقعية جافة حيوانية مادية حسية.
وأظهر الأمثلة على هذين الانحرافين: "المذهب الرومانسي، والمذهب الواقعي"، فالرومانسية أو الرومانتيكية تقوم على التمرد على الواقع وضوابط
стр. 1558
العقل، ورفض ربط الأدب بالمبادئ الخلقية وربطه بالعاطفة والوجدان وإعلاء المشاعر الذاتية والذوق الفردي، وتعظيم شأن الخيال وإطلاق حريته في ارتياد الآفاق التي يريدها، والهروب من الواقع ومشكلاته، والافتتان بالعوالم الغريبة والأحلام والتعلق بالحزن والتلذذ بالألم ونشر الإحساس بالكآبة، وغير ذلك من أصناف الجنوح الفكري والعاطفي (١) القائم على إهمال واقع الحياة والناس والهيام في الأحلام والأوهام.
أمَّا الواقعية فإنها مرتبطة منذ نشأتها بالفلسفات الوضعية والتجريبية والمادية الجدلية، التي تشترك جميعها في رفض الغيبيات والاقتصار على ظواهر العالم المحسوسة، وجعل الطبيعة إلهًا وجعل الوجود الحقيقي هو الوجود المادي وليس وراءه أي وجود آخر.
والواقعية تتنكب الأحلام عمدًا، وتلتصق بالواقع المادي الصغير المحدود الذي تدركه الحواس، ويرفض معتنقوها أية تصورات ترتبط بالعقائد السماوية؛ لأنهم يرفضون العقائد السماوية ذاتها، ويعتبرونها تخلفًا ورجعية، ويجعلون الإلحاد والمادية تقدمًا وتنورًا.
وينشرون هذه المضامين الجاهلية في قصصهم وقصائدهم ومسرحياتهم وسائر كتاباتهم.
وأظهر المدارس الواقعية تطبيقًا لهذه المعاني "الواقعية الاشتراكية" (٢).
وإن كانت المدارس الواقعية الأخرى لم تخل من هذه الضلالات المادية باعتبار نشأتها في ظل الفلسفات المادية الوضعية والتجريبية والجدلية، وباعتبار نشأة روادها في الجو المادي المحموم الذي أشاعته نظرية داروين.
ومن أشهر هذه المدارس "الواقعية الانتقادية" (٣) التي تقوم على
стр. 1559
الاهتمام بقضايا المجتمع ومشكلاته وتركز على جوانب الفساد والشر والجريمة ولكن من منظور مادي و"الواقعية الطبيعية" (١) التي توافق الانتقادية في جميع مبادئها وتزيد عليها في تأثرها الشديد بالفرضيات المسماة بالنظريات العلمية، ودعوتها إلى تطبيقها في المجالات الإنسانية وإظهارها في العمل الأدبي، وتنظر هذه الواقعية إلى الإنسان باعتباره حيوانًا تسيره غرائزه وحاجاته العضوية، وترى أن سلوكه وفكره ومشاعره هي نتيجة حتمية لبنيته العضوية وحالته الجسمية (٢).
وصفوة القول: إن (العالم اليوم يعاني موجة من "الواقعية" البغيضة وقد جاءت بعد موجة مغالية في "الرومانتيكية" المغرقة في الخيال! كلاهما انحراف! كانت الرومانتيكية تهمل واقع الأرض وتهتم في الأحلام، والواقعية اليوم تتنكب الأحلام عمدًا وتجنح إلى الواقع الصغير المحدود الذي تدركه الحواس، ويمارسه الناس وهم واقعون تحت ضغط الضرورة، لا منفلتين منها ولا مترفعين عليها. . واقع المادة وواقع الحيوان!.
إن الواقع الصغير الذي رسمت حدوده الداروينية القديمة لينتهي بالحياة عند المطالب القريبة التي تحتمها الضرورة، ولا يرتفع عن ذلك ولا يحلم بما هو أجمل أو أكمل أو أفضل، ومن ثم يظل مستواه يهبط، ويظل محيطه يضيق، حتى يصل في النهاية إلى جعل الإنسان آلة حيوانية، يتصرف كما تتصرف الآلة، وينطلق كما ينطلق الحيوان؛ لأنه يعيش بجناح واحد. . . جناح الواقع، ويقص جناحه الآخر. . . جناح الخيال) (٣).
لقد غرق الماديون المعاصرون في الواقعية، بل في أخبث أو حال
стр. 1560
الواقعية من شذوذ وجنس وصراع حيواني ونهم وجشع دنيوي هابط، وهربوا من الخيال المحلق والروح الرقراقة، والأطياف الشفافة التي تميز الإنسان عن الحيوان لقد أصبحوا واقعيين، نعم، ولكن على مستوى الحيوان، وكان بإمكانهم أن يكون واقعيين على مستوى الإنسان، ولكن فرارهم من كل ماله علاقة بالغيب والروح والطاقات المعنوية المنبثقة من النفس جعلهم يرتكسون في هذا الخوض الآسن.
(الواقع حقيقة ما في ذلك شك، ولكن الارتفاع فوق الواقع حقيقة كذلك. . . إنه حقيقة "الإنسانية") (١).
(وقد كانت أوروبا غبية بلهاء وهي تنحي من حسابها تلك المشاعر الصافية والومضات النفسية الوضيئة بحجة "الواقعية"! أو قل -إن شئت- أنها كانت تتحدث عن واقعها هي لا عن واقع البشرية!.
إن الواقعية لا تكون واقعة حقة وهي تغفل من الحساب جزءًا من الواقع وتنظر إليه كانه غير موجود. . . أوروبا التي تسيطر اليوم على العالم تأبى إلّا أن تغفل الواقع الأكبر لتعيش في حدود الواقع الصغير.
في ظل هذه الواقعية المشوهة التي تنكر قدرة الإنسان على الارتفاع فوق الواقع نبتت نظريات داروين وماركس وفرويد والبراجماتزم) (٢).
(والفنون الحديثة تنحو هذا المنحى الأحمق، لكي تكون فنونًا واقعية! الفنانون والنقاد المحدثون يسخرون من الفنون القديمة التي كانت تبرز الجانب الأبيض من الإنسان كأنما كله فضيلة! ويدعون في مقابل ذلك إلى تسجيل الإنسان بحسب واقعه، يعني تسجيل الجانب الأسود من طبيعته وكأنّما كله رذيلة!. . . وفي ظل هذه العقيدة راح الفنانون الغربيون يمزقون الإنسان مزقًا ويمرغونها في الوحل، نزوات الجسد، نوازع الفطرة، صراع الحيوان، خسة الطبع، التواء المشاعر، هذه هي الدراسة الحديثة للإنسان
стр. 1561
كما ينعكس من كثير من ألوان الفن الحديث. . .) (١).
(. . . الواقعية الأوروبية تقول لك: دع عنك أحلام الخيال والمثل العليا، ولنكن واقعيين، أين التضحية التي ترسمها قصص البطولة وترويها الأساطير؟ أين الشجاعة المثالية والوفاء النبيل؟ أين مغالبة الأهواء، والارتفاع على الضرورة؟ أليست هذه كلها أساطير "استغفلتنا" بها الأجيال السابقة في قصص أبطالها وأنبيائها؟ فلنكن نحن واقعيين، فلنأخذ الإنسان بحقيقته الواقعة، خليط من النوازع الفطرية والنزوات الجائحة، والحياة كلها صراع هذه النزوات وارتطامها بعضها ببعض، يغلب الأقوى ويسقط الأضعف، لا عبرة بصاحب الحق، فالحق هو القوة.
تعال إلى هؤلاء الأنبياء والقديسين والأبطال والمصلحين، هلم نمرق نفوسهم على المشرحة، وننظر خلالها في "الميكروسكوب" ها هو ذا العفن الذي كانت تخفيه الأساطير، انظر إلى هذه النفس البيضاء السامقة التي يشع منها النور، تفحصها جيدًا، ألا ترى نقطة "الضعف البشري" الكامنة فيها؟، ألا ترى هذا التصرف المنحرف من تصرفاتها؟ ثبت نظرك هناك، وسلط هناك كل ما تملك من أنوار!.
وهكذا يعيدون دراسة الشخصيات التاريخية بهذا الهدف وتحت هذا الضوء! يبرزون ما فيها من نقط الضعف ويجسمون ما فيها من البقع تحت "الميكرسكوب" ويغفلون -عامدين أو غير عامدين- كل ما فيها من بياض وخير، في سبيل نقطة أو نقط ليست لامعة البياض.
إنها الواقعية. . . الحمقاء!.
أي كسب للبشرية في تجريح عظمائها وتلويثهم وتشويه صورهم بحجة الواقعية؟ إنها -فيما أرى- لوثة هذا الجيل، عجز عن الرفعة فراح يحطم المثل الرفيعة من بني الإنسان، وينزلهم إلى الوحل الذي غرق فيه هذا الجيل.
стр. 1562
إن وجود النظافة حجة على القذرين، ووجود المرتفعين حجة على الهابطين، فليهبط الجميع وليتسخ الجميع، حتى يتساوى هؤلاء وهؤلاء، وتبطل التهمة ويبرأ المتهمون!. . . فهذه الواقعية الحمقاء إذن لا نتيجة لها إلّا الهبوط الدائم إلى عالم الضرورة، وتضييق دائرة "الواقع" حتى يصبح واقع الحيوان) (١).
وهكذا رأينا من خلال الأوجة الثلاثة: جسد الإنسان وروحه أولًا، وما ترتب على ذلك ثانيًا وثالثًا من اشتماله على جانب حسي وآخر معنوي وعلى طاقة واقعية وأخرى خيالية، رأينا أن الإيمان بالغيب طاقة موجودة داخل الكيان البشري، طاقة فطرية في كل إنسان، وإن حاولت المادية الغربية أن تجحد ذلك أو تتناساه.
الواقع ليس كذلك، فكل إنسان عنده غيب لابد أن يؤمن به، وقد يهتدي في إيمانه بالغيب وقد يضل، وقد يزيد إيمانه بالغيب الحقيقي أو الوهمي وقد ينقص، فليست طاقة الإيمان بالغيب مترتبة على وجود دلائل الإيمان الحسية أو غير الحسية؛ لأنها طاقة أصيلة في كيان الإنسان، تجعله يؤمن بأشياء لا تدركها حواسه، ولا يدركها عقله كذلك إلّا في حدود.
ولنأخذ على ذلك مثالًا بداروين الذي بنى نظريته على الانتخاب الطبيعي وهو انتخاب تقوم به الطبيعة -حسب خرافته-، ثم قرر بأن الطبيعة تقفز قفزات مفاجئة وأن الاصفطاء الطبيعي فعل يقع ويقوم بدور من الأدوار (٢).
فما الطبيعة التي تغفل هذه الأفعال الدقيقة، وتقوم بهذه الأدوار المحكمة؟ لقد هرب داروين وأتباعه من الإيمان باللَّه إلى الإيمان بالطبيعة، نسوا في غمرة فرضيتهم أن الطبيعة ذاتها غيب، وإلّا فما هي على وجه التحديد؟ وكيف تعمل؟ وكيف تنتخب وتصطفي؟ وما كنه الطاقة التي تشتمل
стр. 1563
عليها هذه الطبيعة؟ وما كنه القوانين الطبيعية؟ وكيف نشأت؟ وكيف استطاعت أن تسيطر على الكون والحياة والإنسان وتصل إلى هذه النتائج المبهرة؟.
كل ذلك غيب آمن به داروين وأتباعه، غيب يرون أن له قوة التأثير والفاعلية والاصطفاء والتغيير، بل زعموا أن له قوة الاستمرار والقدرة الدائمة على التطوير والتغيير والصيرورة الدائمة المستمرة!!.
كل ذلك غيب، ولكنه غيب منحرف، غيب لا يدركون حقيقته ولكن يدركون -أو يتوهمون- إدراك آثاره.
هربوا -بزعمهم- من الغيبيات فوقعوا في غيبيات أخرى؛ لأنه لا يُمكن للإنسان الانفكاك مطلقًا عن الإيمان بغيبٍ مَّا (١).
وهذه الماركسية الإلحادية التي لا تعترف برب ولا دين ولا روح، يقرر أصحابها ما قرره غيرهم من تأثير الطبيعة وفاعليتها بل ويزيدون على ذلك قضية صراع الطبقات، والتفسير المادي للتاريخ، وهو تفسير يجعل للقوى المادية والاقتصادية السلطان الأكبر على نشاط الإنسان ومسيرة الإنسانية.
لقد اخترعوا آلهة جديدة يدينون لها ويخضعون لسلطانها ويعتقدون في قدرتها الحاسمة وإرادتها الخارقة، وفعلها الذي لا يرد، من خلال ما يسمونه بالحتميات المادية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
(وهكذا تظن أوروبا أنها تهرب من "الغيبيات" فتلاحقها الغيبيات في مهربها، ولكن في صورة ضالة تناسب ما هي عليه من ضلال وانحراف) (٢)؛ لأن قضية الإيمان بالغيب قضية فطرية راسخة في نفس الإنسان.
وبهذه الطاقة الفطرية يؤمن المسلم بوجود اللَّه وربوبيته ويعبده ويتبع أمره ويصدق خبره، ويوقن بأن ما جاء عنه من أخبار غائبة عن الحواس هي
стр. 1564
أخبار صدق سواء ما مضى منها أو ما هو قائم الآن أو ما سوف يأتي، ويحصل ذلك -فقط- حين تتفتح بصيرة الإنسان للإيمان باللَّه تعالى.
(ويصرف النظر عن الاتجاه المادي الحالي في الغرب، الذي يريد أن يقصر الإنسان على ما تدركه حواسه فحسب -أي على الجانب المادي الحيواني منه- فإن البشرية في أعصرها كلها قد آمنت بوجود كائنات خفية لا تدركها الحواس، وتصوَّرَتْها في صور شتى بما تملي لها طاقة الخيال.
ويكفي أن نثبت أن هذا الاتجاه المادي ذاته لم يستطع أن يقتلع من كيان الإنسان إيمانه بما لا تدركه الحواس، فقد لجأ إلى بين من ألوان الغيب يسد به الفراغ الناشيء من الإيمان باللَّه (١)، حين آمن بالطبيعة أو غيرها من القوى الغيبية التي تحكم الكون) (٢).
أمّا البلة المقلدون للغرب فإنهم لا في العير ولا في النفير، إنّما سمعوا قولًا قاله أسيادهم فرددوه وأشربت قلوهم أهواء وشبهات سرت إليهم في غفلة منهم عن دينهم، وغيبوبة من عقولهم، فأذعنوا وانقادوا واتبعوا أمر إله الغرب المادي، وما أمره برشيد!!.
وسوف نرى في بقية هذا الفصل خطوات التقليد والمحاكاة التي مارسها أتباع الأدب الحداثي في كتاباتهم المستنسخة من الغرب، في هذه القضية الكبيرة: قضية الغيبيات.
وتتجلى انحرافاتهم في هذه القضية في عدة أوجه:
الأول: جحد الغيبيات الحقيقية الثابتة التي جاء بها الإسلام.
الثاني: جعل الإيمان بالغيبيات الحقيقية تخلفًا ورجعية.
الثالث: السخرية بالغيبيات الحقيقة وبالمؤمنين بها.
стр. 1565
الرابع: الإيمان بغيبيات تناسب أهواءهم وضلالاتهم.
• • •
الوجه الأول: جحد الغيبيات الحقيقية الثابتة التي جاء بها الإسلام:
كل ما أخبر به الوحي فهو حق ثابت لا مرية فيه، هذه قاعدة ثابتة عند كل من رضي باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًا.
ولكنها عند الملاحدة والمرتابين ليست بشيء، وذلك من مقتضيات كفرهم وضلالهم، ومن لوازم انحرافهم وجاهليتهم، ومن توابع ماديتهم وحيوانيتهم.
وقد مرّ معنا في ثنايا هذا البحث نماذج عديدة من جحدهم للغيبيات، فقد جحدوا وجود اللَّه تعالى، وأنكروا كونه خالقًا مدبرًا إلهًا معبودًا.
وجحدوا وجود الملائكة الكرام ﵈، وجحدوا وجود الرسل وصدقهم، والوحي الموحى به إليهم، وجحدوا اليوم الآخر وكل ما فيه، والقدر وكل مراتبه وأركانه، وجحدهم لهذه القضايا -بل لجزئية واحدة من إحدى هذه القضايا- يجعلهم في ضفة غير ضفة الإسلام، فكيف وقد جمعوا الشر من أقطاره، واحتقبوا الباطل بأنواعه، وتلبسوا بألوان الضلالات، بل بأعظم أنواعها؟.
إن المتأمل في حال هؤلاء القوم يجد أنهم في فرارهم من الإسلام وانحدارهم إلى عدم الإيمان باللَّه تعالى يظنون أنهم قد تحرروا، وهم في الحقيقة قد هبطوا بأنفسهم من الإيمان الحق في شموخه ورحابته وسماحته، إلى الإيمان بمذاهب ضيقة متزمتة!!.
ولن أعرض هنا جحودهم لأركان الإيمان التي سبق الحديث عنها، بل لبعض الغيبيات الأخرى التي لا تندرج تحت أحدٍ من هذه الأركان.
وقد بينت في مواضع عديدة بعض الدوافع التي حدت بهؤلاء إلى الوقوف من قضايا الإسلام وعقائده هذا الموقف، وبينت الأساس الفكري والمذهبي الذي بنوا عليه عقائدهم المناقضة للإسلام، وناقشت في مواضع
стр. 1566
عديدة بعض مواقفهم وشكوكهم وشبهاتهم، فأغنى كل ذلك عن إعادته هنا، وفي عرض عقائدهم من الغيبيات تحقيق لجزء كبير من مقصد هذا البحث، ألا وهو بيان البون الشاسع بين عقائد أهل الحداثة والعلمنة، وعقائد أهل الإسلام.
لقد أسس طواغيت الحداثة لأتباعهم أسسًا ضالة اقتفى أثرها المحاكون أو تأثروا بها، فهم بين تقليد محض لأساتذتهم الذين ينفون الدين جملة وتفصيلًا، وتقليد جزئي يتمثل في أنهم وإن لم يصلوا إلى النفي الكامل والإلحاد المحض فإنهم قد رتعوا في مراتع الشك والريب، وتزعزع إيمانهم باللَّه تعالى وبعقائد الإسلام، فإذا هم في حالة من التذبذب والاضطراب لا تسمح لهم أن يكونوا من صرحاء الإيمان ولا صرحاء الكفر وإن كانوا في نهاية الأمر -عقيدة وعملًا- يقفون في الصف المقابل لصف الإيمان ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (١).
إن طاغوتًا حداثيًا مثل أدونيس حينما يأخذ من تاريخ الإسلام المليء بالوضاءة والشموخ، وضاءة الإيمان وشموخ الاعتزاز بالإسلام، يأخذ الشذاذ والزنادقة فيجعل منهم سلفًا للحداثة الفكرية والأدبية المعاصرة، يهدف من وراء ذلك -في جملة ما يهدف- إلى إيجاد أسلاف يتحدث من خلالهم، ويقول لأتباعه المغفلين لستم وحدكم في ميدان الإلحاد والخروج على الدين، بل قد كان قبلكم أناس من أمثال محمد بن زكريا الرازي الملحد (٢) وابن الراوندي والشلمغاني (٣) والقرامطة والنصيرية وغيرهم من حثالات المنحرفين والضالين، الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان، ولكنهم في تاريخ الإسلام مثل الزبالة المحتقرة الملقاة في زاوية رواق ذهبي!!.
لقد حاول أدونيس أن يبث في قطعية ادعائية معاني الضلال والانحراف
стр. 1567
والمضادة للدين، فهو يعتبر الوعي الغيبي سببًا للتخلف والرجعية!! ويجعل من مهام الطليعة "الطليعة الحداثية والعلمانية واللادينية" أن تحارب الوعي الغيبي، وما ينبني عليها من ثقافة وممارسة، وليس وراء هذا القول من مقصد سوى "الإسلام" الذي انشغل أدونيس بمحاربته ومعاداته أشد الانشغال، يقول في توجيهاته لأتباعه: (لابد للطليعة من أن تنقد أشكال الوعي الغيبي الذي يعرقل نمو الوعي من جهة، ويشارك من جهة ثانية في ترسيخ الثقافة الماضوية واستمرارها) (١).
وقد سبق له في كتابه هذا وقبل هذه الأوامر الحداثية أن بين أن من ظواهر التخلف في المجتمع العربي الحديث عن الماضي والغائب والإيمان بالغيب (. . . إن الكلام في المجتمع يتناول أشياء إمّا إنها غائبة "أشياء الماضي" وإمّا أنها لا تتحقق أو غير موجودة في الواقع "الانفصال بين القول والفعل") (٢).
ومهد قبل هذا كله بذكر معروف الرصافي (٣) الذي يعده أدونيس مثالًا للتجديد؟ لأن الرصافي يرى (أن الأديان ليست موحاة، وإنّما هي وضع قام به أشخاص أذكياء، وإذ ينكر الوحي، ينكر بالضرورة النبوة، وينكر وجود الأنبياء والنتيجة الطبيعة لإنكار الدين، وحيًا ونبوة، هي إنكار التعاليم أو المعتقدات التي جاء بها) (٤).
ثم إن الرصافي عند أدونيس من رموز الحداثة العربية؛ لأنه (. . . ينكر خلود الروح، ويقول: إنها ليست من جوهر سماوي كما يعلم الدين. . . لذلك لا يؤمن بفكرة الحشر أو البعث، الجنة أو النار، ثم إن السماء التي تشير إليها التعاليم الدينية على أساس أنها "مكان" الخلود والنعيم، ليست أكثر من فضاء طبيعي تسبح فيه الأرض.
стр. 1568
وهو إذن يرفض فكرة الثواب والعقاب، ويرفض تبعًا لذلك أن يصلي أو يصوم، شأن الآخرين طمعًا في الجنة وحورها العين. . .) (١).
هذه مؤهلات التميز التي جعلت أدونيس يخصص مباحث من كتابه تلمود الحداثة "الثابت والمتحول" للحديث عن الرصافي وكل يميل إلى شكله كأنس الخنافس بالعقرب!.
ثم يخلص في تعليماته الجاهلية لأتباعه الجاهلين -ولا أستثني أحدًا من الحداثيين- فيشرح لهم قضية محاربة "السائد" ومقاومة "الصورة السائدة" وهي عبارات لا تكاد تنفك عن أي حداثي.
يقول أدونيس: (أعني بالصورة السائدة، المفهومات والأحكام التي تتبناها المؤسسة، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو ثقافية، وتحافظ عليها وتدافع عنها، ويدخل في تكون هذه الصورة عاملان أساسيان: غيبي وهو الدين وتاريخي. . .) (٢).
ويصف في ديوانه حالة متخلف -حسب نظرية المادية- ويعلق تلك الحالة بإيمانه بالغيب فيقول:
(ماش على أجفانه سادرًا
يجر مديد آهاته
تلطمه الحيرة أنى مشى
كأنها سكنى لخطواته
علق بالغيب فأجفانه
رملية الأفق
كأنما من بأسه شمسه
стр. 1569
تغيب في الشرق) (١).
وفي مقطوعته الصارخة الإلحاد التي سماها "رحيل في مدائن الغزالي" تحت عنوان أكبر هو "السماء الثامنة" لم يبق في كنانة حقده سهمًا إلّا صوبه للإسلام، ومن ذلك أن يصف المسلمين بالموتى لأنهم يدخلون في نفق أخضر، يريد به الإسلام، وفي كتاب، يريد به القرآن، ويصور أن الشمس -أي المعرفة- مستضعفة عندهم؛ لأنهم متعلقون بالغيب، ثم يتبجح بأنه لا يبالي بطرح هذه الأقوال ولا غيرها، ولا يأبه بالوعيد الشرعي والتخويف بالعذاب والنار؛ لأنها -عنده- مجرد خيمة كسر فيها كل ما يتعلق بها من أحكام ووعد ووعيد، وكسر كل المخاوف، وأنه يعرف خلجات التوعد في الجسم العتيق المريض -يريد الإسلام- أنها ليست بشيء، ثم يخاطب المسلمين بأن يجتنبوا هذا الطريق لأنها لا توصل إلى شيء، ويصفها بأنها طريق نصبتها الأنصاب والأشباح، هذه معاني بعض هذه المقطوعة الآسنة النتنة والتي يقول فيها:
(أهدم كل لحظة
مدائن الغزالي
أدحرج الأفلاك فيها، أطفيء السماء. . .
ويدخل الموتى ويخرجون
من نفق أخضر - في مدائن الغزالي
يأتون في كلام
يئن، في دروب كالملح، في كتاب
يموت، دفتاه
رقص وصافنات
стр. 1570
ويدخل الموتى ويخرجون
والشمس في ثيابهم
جارية صفراء
مدهونة الثديين بالمقلوب
بالحجر الأحمر بالكبريتِ والغيوب
تسقط كله ليلة في نشوة الإسراء
تلتهم السيوف والسنينا
تطرح كل لحظة جنينا
ويدخل الموتى ويخرجون
توعدي يا فرس النبي في مدائن الغزالي
توعدي خطاي والطريق
عذابك الكبير مثل خيمة
كسرت فيها خاتم الزواج والكوثر الرحيق
توعدي أعرف كل خلجة
في جسمك العتيق
أعرف ما يقوله عذابك الكبير - في مدائن الغزالي
مسافرون. . . أين تذهبون؟
لن تصلوا، فهذه الطريق لا تمر في دمشق والصَّباح
ترسمه الأنصاب والأشباح) (١).
стр. 1571
فلننظر بعد هذه الأقوال إلى بعض الشروخ الهائلة الموجودة في بنيانها:
أولًا: يقصد أدونيس بكلامه، هذا كله الدين، ودين الإسلام على الخصوص، باعتباره من الغيبيات التي تجب محاربتها؛ لأنها عنده من أسباب للتخلف، وباعتبارها هي السائدة والمسيطرة على الثقافة والسلوك الاجتماعي.
وحربه لدين الإسلام مبني على تزمت إلحادي، وضغائن طائفية نصيرية نشأ عليها، وعمالة لجهات أجنبية ما زالت ترعاه وتحوطه بالدعم والدعاية، ومن كان هذا شأنه فلا ريب أن يكون حديثه عن الإسلام حديث الباغض الحاقد!!.
ثانيا: يقتنص أدونيس أقوال أضرابه وأشباهه ليقوي بها جانبه ويلبس بأقوالهم على أتباعه، وأقوالهم لا تبعد عن المنطلق الحاقد الجاهل الذي انطلق منه أدونيس.
ثالثًا: يهاجم أدونيس الغيبيات الإسلامية ويؤمن بغيبيات وثنية جاهلية، ويقدس أصنامًا ويظل لها عاكفًا، وقد مر معنا في الفصل الرابع من الباب الأول شواهد كثيرة على إيمانه وتقديسه للأوثان الفينيقية، وأظهر الأدلة على خضوعه وإيمانه بالأوثان الجاهلية تسميته نفسه باسم الوثن "أدونيس".
ثم هو لم يكتف بالإيمان بغيبيات وثنية سابقة بل أضاف إلى ذلك إيمانه بغيبيات جاهلة محدثة وكتابه "الصوفية والسوريالية" مليء بهذه القضايا فهو يؤمن بأن الشاعر له غيب ويستشرف الغيب بل ويصنع الغيب!!.
ثم هو مع ذلك كله لم يتباعد عن عقيدته الباطنية النصيرية بما فيها من غيبيات باطلة وضلالات قاحلة، وقد سبق بيان ذلك في الفصل الرابع من الباب الأول، وسيأتي بعض من ذلك في الوجه الرابع من انحرافاتهم في هذا الفصل.
فإذا كان أدونيس يؤمن بغيبيات ماضية وحاضرة، ويقدس مذاهب
стр. 1572
ومناهج ويعتقد أن لها القدرة على التغيير والتأثير المستمر -وكل ذلك غيب- فلماذا يهاجم الغيبيات الإسلامية؟.
الجواب الوحيد لهذا: أن أدونيس يحمل ضغينة على الإسلام كضغينة أهل الشرك والكفر والصليبية واليهودية، وهؤلاء جميعًا لا يتوقع منهم إلّا أن يسعوا بكل قراهم في سبيل زعزعة هذا الدين وإخراج الناس من ضيائه إلى ظلمات الكفر والنفاق.
ومن كان شعاره الحقد، ومساره الشبهات، وغايته الهدم، فلا يُمكن أن يحاكم إلى عقل أو نظر أو برهان.
وهذه الحالة المرضية التي سقطت في سقمها سائر الحداثيين منتشرة بينهم بنسب متفاوتة، أدناها يحتوي على أصناف من الحالات الجاهلية التي لا تقترب إلى الحالة السوية لعقل إنسان يحترم عقله، أو دين مسلم يقدس ربه الحكيم العليم.
ها هو أحدهم يصب جام سخطه على اللغة العربية في ألفاظها ودلالالتها ويطلق على معجمها "تابوت القاموس" وفي الوقت ذاته يهاجم عقيدة الإيمان بالغيب ويعتبرها طقسًا فارغًا، فيقول في سياق حديثه عن دلالات اللغة وأستخدامها من قبل الأديب الأصيل: (. . . ويظهر ويكرر الدلالات الميتة كبديل دائم، وهذا هو الطقس الفارغ الذي يمارسه الكاتب العربي، حتى وهو يعتقد أنه يمارس شيئًا ذا أهمية، وهو نفس الطقس الفارغ الذي يمارسه أصحاب المعتقدات الغيبية وهم يعتقدون أنهم يمارسون حياتهم) (١).
وهو القائل في موضع آخر من كتاب "بحثًا عن الحداثة": (وفي الخرافة ثاني أساسيات الثقافة العربية بوصفه تفسيرًا للفاعلية وتعليقًا لها على وجود آخر غير منظور، وتنتشر تمثلات الخرافة تحت شتى المسميات فهي القدر مرة، وهي الشيطان أو الكائنات الأسطورية مرة أخرى) (٢).
стр. 1573
وقد لخص إحسان عباس مقاصد الثورة الحداثية في أربعة أغراض:
١ - انهيار سلطة الأب.
٢ - تفكيك العائلة.
٣ - تحدي السماء.
٤ - الإعراض عن كل ما وراء الغيب.
ثم يتساءل: هل يعتبر الحداثي بعد هذا كله من حزب الشيطان، ويجيب -في دفاع زائف- بأن الحداثي لا يعتبر مع هذا كله إلّا في حزب الإنسان!!.
يقول إحسان عباس: (. . . الثورة حين تعتمد التحطيم ترتبط بالإخافة لمن لا يقدرون على تصور كل نتائجها، وهؤلاء يخشون إلى درجة الرعب انهيار سلطة الأب، وتفكيك نظام العائلة، وبالتالي تقشعر نفوسهم من التحدي للسماء، ذلك أن إنسانية الإنسان -دون أي شيء آخر- تعنى فيما تعنيه إشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب، وهذه سمة بارزة في الشعر الحديث، ولا يخفف من وقعها أن تحتال لها بالتفسيرات والتوجيهات، هل الشاعر الحديث من حزب الشيطان؟ لو كان الأمر كذلك لكان يدخل حربًا خاسرة، ولكنه من حزب الإنسان، وهذا يعني أن الإنسان هو القيمة الوحيدة في هذا الكون، وهو لا يحاول أن يدخل حربًا بين طرفين وإنّما يكتفي بالجحود) (١).
وأيُّ إنسانية لإنسان يعتقد بالمادية، ويؤمن بالحيوانية أصلًا ومنشأً؟ وأي إنسانية لمخلوق يبت نفسه عن عناصر إنسانيته المتمثلة في روحه وآفاقها، ومعنوياته وطاقاتها؟.
لقد وصل إلى بعض هذا المعنى جملة من كتاب وفلاسفة الغرب بعد
стр. 1574
أن رأوا فضاعة الانحدار التي وصلت إليها الحياة الغربية، ومنهم على سبيل المثال "رينيه دوبو" (١) الذي قال في كتابه "إنسانية الإنسان": (أنا أشك أن في استطاعة البشرية تحمل أسلوب حياتنا السخيف لمدة أطول دون أن نفقد أفضل ما في الإنسانية، وعلى الرجل الغربي أن يختار مجتمعًا جديدًا، وإلّا فإن المجتمع الحديث سيفنيه. . . هناك عناصر في الموقف الحاضر يُمكن إيجاد أجوبة لها في التكنولوجيا، ولكن هناك عناصر أخرى لا يُمكن للتكنولوجيا أن تجيب عليها وهي تتعلق إلى حد ما بموضوع نظرتنا الفلسفية الأساسية بالنسبة للإنسان وما يعني تطبيقها. . . والتطلع إلى موقف إنساني غير خاضع لأوامر التكنولوجيا، ليس رجعية ولا انهزامية بل هو موقف نقدي وجهد بطولي. . .) (٢).
(وستعاني مجتمعاتنا، لا محالة، من كوارث بيولوجية ونفسية ما لم تنمّ بيئات تكنولوجية وحضرية تتناسب حقًا وحاجات الإنسان، فأمراض المدنية وتمرد الشباب هي إنذارات بأن العافية البدنية والصحة العقلية والرضى العاطفي كلها تحتاج لأكثر من الغنى المادي وإنتاج الأشياء ومعرفة أسرار الذرة) (٣).
ويصف مقدار العطش الروحي الذي يعانى منها الغرب بسبب انتشار الإلحاد، ويحاول أن يتشبث ببقايا ما في الوجدان الغربي من آثار باقية من دين، وهو بذلك يحاول أن يضع الإنسان في أرضية الإنسانية التي سلبها منه الإلحاد، يقول رينيه دوبو: (والقبول الواسع لمواقف لا دينية في المجتمعات المعاصرة وضع إنسانها الملحد في موقف صعب، فرغمًا عن تطرفه الشديد في اندفاعه لإزالة القداسة عن كل شيء لم يستطع أن يحرر نفسه تمامًا من الماضي، فطبيعته الدينية القديمة باقية دائمًا في أعماق كيانه مستعدة لأن
стр. 1575
تنشط؛ لأنه ملاحق دائمًا بنفس الحقائق التي يحاول إنكارها) (١).
نعجب من هذا التصريح الذي يقوله عالم من علماء الغرب، ويزداد العجب إذا علمنا بأن هذا العالم المادي دارويني الاعتقاد والمنهج!!، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يتجاوز حقائق الواقع في محدودية العلم، وحاجة الإنسان إلى الإيمان والدين، بل وحاجته الشديدة إلى غيب يؤمن به، ومن هذا القبيل قوله: (ومع التنور الذي حدث في القرن الثامن عشر برزت تدريجيًا مكانة "التعليل العلمي" ليصبح الإيمان الجامع للناس، إلّا أنه أيضًا بدأ مرحلة ضعانه منذ بضعة عقود؛ لأن محدوديته الفكرية والتطبيقية ظهرت بأسلوب جلي، قليل من الناس من يشك في أن العلم هو أعظم القوى في العالم المعاصر، ولكن لم يبق إلّا عدد قليل جدًا من الناس -بخاصة المتعمقين منهم- على اعتقاده أن العلم قادر على تفسير معضلات الكون أو أنه قادر، لوحده، أن يعطي للحياة الإنسانية وجهة ومعنى. . . وتواجهنا العلوم المادية بتناقضات لا حلول لها عند ما نحاول فهم حدود الفضاء أو بدايات الزمن، أضف إلى ذلك أن الإنجازات العلمية تثير، بصورة عامة، مسائل أخلاقية يعتبرها كثير من العلماء خارج نطاق كفاءاتهم، ويشيرون إلى أن العلم والتكنولوجيا أدوات ووسائل ليس لها أخلاق، ويُمكن استعمالها لخير البشرية أو لدمارها. والاعتقاد بأن العلم قادر على حل أكثر المشاكل العلمية أمر يكذبه الوعي المتزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشاكل جديدة في محاولاتها لحل المشكلات القديمة. . . وقد تأتي صعوبة البحث في مشكلة "معنى للحياة" من حقيقة أننا نثير أسئلة خاطئة، ونسيء تفسير النجاحات التي أحرزتها البشرية في فترات وجود الإيمان الموحد.
. . . لقد أخذ الإيمان أشكالًا عدة عبر التاريخ وسواء كان الاعتقاد بإله أو بفلسفة غير مادية، فإنه يحوي دائمًا نظرة إلى الإنسان وامتداده لما وراء الزمن الحاضر، وكلما اتسعت الصلة كبر المعنى؛ ولهذا احتفظ
стр. 1576
الدين والفلسفة رغم نقصهما الظاهر في القيم العملية (١) بجاذبيتها للبشرية) (٢).
ومن هذا الكلام وأشباهه يُمكن القول بأن ظلام المادية الملحدة آذن بالانقشاع؛ لأنه بُني على شفا جرف هار؛ ولأنه حارب أو تجاهل أهم الخصائص الفطرية للنفس الإنسانية، الروح، والإيمان بإله خالق، والإيماق بغيبٍ وراء العالم المحسوس.
وغير بعيد ما ذكره مترجم "تاريخ الفكر الأوروبي الحديث" الأستاذ أحمد الشيباني (٣) ﵀ حين ذكر في مقدمة ترجمته لهذا الكتاب أن مكتشفات جديدة في الفيزياء الحديثة على يد علماء من الغرب هدمت الحتمية المادية نظرية وأقنومًا أساسيًا من أقانيم الفلسفة المادية، وخاصة نظرية "هينبرغ" في اللاحتمية التي تعد بمثابة الإعلان الرسمي عن انهيار الحضارة الأوروبية العلمية فلسفة وعلومًا وأنظمة) (٤).
وعلى الرغم من علائم تراجع المد الإلحادي في الغرب، ومحاولة البحث عن إنسانية الإنسان بعيدًا عن معطيات المادة؛ فإن أتباع الحداثة والعلمانية ما زالوا يعيشون في دائرة الخضوع والملق والمداهنة لمذاهب ومناهج المادية الإلحادية الغربية، والنصوص السابقة التي نقلتها والتي ينفي
стр. 1577
فيها الحداثيون العرب الغيبيات ويجعلون الإيمان بها من علامات التخلف!!.
نعم إن الأصوات المنادية بالعودة إلى شيء من الفطرة الإنسانية وشيء من ضروريات الكرامة الإنسانية؛ ليست هي البارزة أو القوية أمام الموجات العارمة من دعوات الحيوانية والمادية والإلحاد، ومقتضياتها في الحياة العامة والخاصة للناس، والتي خضعت لها أعناق الحداثيين في مهانة فكرية صارخة وفي ترديد ببغائي بليد، ها هي مجلة "مواقف" تعلن -كما أعلن أدونيس من قبل- أن الإنسان العربي لا يُمكن أن يكون "ثوريًا!! " ألا بتخليه عن الإيمان بالغيب، وأول ذلك -عندهم- التخلي عن الإيمان باللَّه تعالى، تقول "مواقف": (هل يُمكن العربي أن يحقق الثورة ما دام يحيا ويفكر في إطار من القيم الموروثة المطلقة الثابتة؟ كيف يستطيع العربي، بتعبير آخر، أن يعيش ثورة تغير لحظة يعيش مطلقًا غيبيًا ينفي التغير؟ هل يُمكنه أن يغير وضعه، أعني ذاته، إذا لم يغير المطلق الثابت؟ هل يعني ذلك أن العربي لا يكون ثوريًا إلّا إذا تخلى عن إيمانه بالمطلق الغيبي؟ تعني الثورة، فيما تعني، نظرة جديدة، هذه النظرة تتضمن بالضرورة، نقدًا لما سبقها، سواء كان دينيًا أو غير ديني، وتتضمن، بالضرورة، تجاوزًا لما سبقها.
إن المضمون الإنساني التقدمي المنفتح على آفاق المستقبل هو ما يهم هذه المجلة في المقام الأول) (١).
وهكذا نلمس كيف يتجبر ويتكبر ذو العاهة ليشعر الناس أنه قوي سليم، وأن عاهته الفكرية لم تنقصه عن البشر العاديين فضلًا عن البشر الفائقين!!.
ولأن النقص المادي، والعاهة الحيوانية توجع بقايا الفطرة لديه، فإنه يغطي على ذلك بوصوله إلى التطرف المريض كما في النص السابق، وكما في نص آخر لعلماني عربي شهير يقول فيه: (ما عاد الإنجاز يقاس بالانسجام مع مفاهيم غيبية، بل مع عمل يتجه صوب أهداف موضوعية عقلانيًا. . . فالإنسانية إذًا هي خالدة وحدها دون سواها، مستبدلًا بفكرة
стр. 1578
الألوهية فكرة البشرية كما فعل كونت) (١).
ومن أراد المزيد من أمثلة الهذيان والكره العميق للدين، والانحراف المتزمت، فليقرأ هذه الأسطر التي تنبيء عن حجم التفاهة العقلية التي تردى إليها بعض أبناء البلاد الإسلامية، ففي مقال في مجلة الناقد للكاذب الليبي المسمى "الصادق النيهوم" بعنوان لغة الموتى يتحدث عن "عالم الغيب" ومما قاله: (. . . كلمة "العالم الآخر" التي نحتها الكثهة من لغة الناس، لم تكن كلمة، بل كانت "عالمًا آخر مجهولًا بأكمله" له ثلاث صفات جديدة مجهزة عمدًا على مقاس السحرة:
الصفة الأولى: أنه عالم غائب عن عيون الناس، لا يعرف أسراره أحد، سوى الكاهن الذي يتكهن بأسرار الغيب، وهي مغالطة شفوية بحتة لكنها ضمنت للكهنة، أن يحتكروا تفسير الشرائع حتى الآن.
الصفة الثانية: إنه عالم حي، لكن بوابته الوحيدة تقع وراء الموت، مما يخي عمليًا أن مستقبل الأحياء يبدأ -فقط- بعد أن يموتوا.
الصفة الثالثة: أنه عالم خارج عن سنن الطبيعة، تنطق فيه الأصنام وترتاده التنانين المجنحة، لكنه هو العالم الحقيقي؛ لأنه أزلي وخالد، وهي صياغة تريد أن تقول -فقط- إن عالم الناس والأحياء ليس عالمًا حقيقيًا) (٢).
ثم يستمر في هذيانه ليصل إلى ما أسماه لغة الدين الذي أسس حسب زعمه لغة جديدة ومفهومًا جديدًا هي لغة الإنسان الحي (فكلمة "عالم الغيب" في لغة الإنسان الحي، تعني -حرفيًا- عالم المستقبل؛ لأن المستقبل هو العالم الوحيد الغائب، الذي يعرفه الناس الأحياء، ويوقنون بوجوده، دون أن يروه، ويعلمون أنه آت ويتحملون مسئوليته شرعًا، وقد التزم الدين بهذا التفسير الحي، ورفض كل تفسير سواه وجعله شريعة إلهية،
стр. 1579
وسماه مقدسًا لكي يميزه عن تفسير السحرة. . .) (١).
وبعد هذا الخلط المتعمد، يصل إلى التفسير المادي لعالم الغيب الذي جاء به الدين، والذي سبق أن مهد له بنفي اليوم الآخر والبعث وخلود الإنسان بعده، باعتبار أن ذلك من لغة السحرة والكهان، جاء ليفسر عالم الغيب تفسيرًا دنيويًا ماديًا بحتًا فيقول: (. . . إن العالم الذي قلبه الكهنة يستعيد توازنه فجأة في ثلاثة مواقع رئيسية:
في الموقع الأول: لم يعد عالم الغيب غائبًا عن عيون الناس بل صار اسمه المستقبل، وصار بوسع الناس أن يعرفوا مستقبلهم سلفًا، بقليل من المنطق وعلم الحساب.
في الموقع الثاني: لم يعد عالم الغيب، رهنًا بما يقوله الكهنة؛ لأن المستقبل الوحيد الذي يعرفه الإنسان الحي، مستقبل لا يضمنه القول، بل يضمنه الفعل.
في الموقع الثالث: لم يعده عالم الغيب خارجًا عن سنن الطبيعة، بل صار طبيعيًا، وصاو قابلًا للتفسير العلمي، حتى إذا نطقت فيه الأصنام وارتادته التنانين المجنحة، فمستقبل الإنسان عالم مدهش -مثل عالم السحرةالغائب - لكنه لا يحتاج إلى لغة الأساطير.
هذا التفسير المديني لكلمة "عالم الغيب" رفضه الكهنة في جميع العصور بحجة أنه تفسير إلحادي قائم على إنكار البعث بعد الموت) (٢).
لعل هذا الكاتب لم يجد في نفسه الجرأة أن يهاجم قضية الغيب بصراحة، فراح يتستر وراء مهاجمة "أفكار الكهنة" أو "السحرة" ومن هناك يهاجم كل المفاهيم الدينية ليأمن من تهمة الإلحاد والمروق، وفي الحقيقة أن غاية كلامه ومنتهى عجاراته أنه لا وجود لعالم الغيب، وإذا كان له وجود في اللغة الدينية -حسب تعبيره- فإنه وجود مادي أرضي حيواني، جريًا
стр. 1580
على التفسيرات المادية الإلحادية التي أخذ بها الغرب منذ داروين وحتى ماركس وسائر الملاحدة والوجوديين.
إن هذا القول يوضح لنا تمام الوضوح فضاعة اللوثة المادية التي خيمت على بعض العقول المريضة فأفقدتها القدرة على رؤية الأمور في نصابها الحقيقي، فهي في تخبط دائم وفي اضطراب هائم ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (١).
وفي مجلة الناقد مقال فيه دراسة عن وضح اليهود في فلسطين بعنوان "بعيدًا عن ضباب الغيبيات" (٢) نفى فيه الأخبار التي جاء بها الوحي في التوراة وفي القرآن، والمهم في هذا المقال أنه جعل الغيبيات ضبابًا، وذلك على وفق العقائد العلمانية الحداثية ذات الجذور المادية.
ويعبر البياتي عن تطوره نحو الماركسية!! بضمور الغيبيات عنده، والتي عبر عنها بالباعث الميتافيزيقي، فيقول: (وهنا كان لابد من ضمور الباعث الميتافيزيقي في نفسي، ونمو الدافع الاجتماعي والسياسي) (٣).
ولكنه لم يعلم بأنه قد اعتنق الغيبيات الماركسية من حتمية مادية، وصراع طبقي، وجدلية ديالكتيكية!!، بل هو يعلم أنه قد اعتنق الوثنيات الجاهلية البائدة مثل "عشتار" و"تموز" و"فينيق" وغيرها!!.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (٤).
ومن رمزيات البياتي التي ينفي فيها الغيبيات ويرسخ المادية الجسدية قوله:
(بوابة الأبد