الدين والفلسفة رغم نقصهما الظاهر في القيم العملية (١) بجاذبيتها للبشرية) (٢).
ومن هذا الكلام وأشباهه يُمكن القول بأن ظلام المادية الملحدة آذن بالانقشاع؛ لأنه بُني على شفا جرف هار؛ ولأنه حارب أو تجاهل أهم الخصائص الفطرية للنفس الإنسانية، الروح، والإيمان بإله خالق، والإيماق بغيبٍ وراء العالم المحسوس.
وغير بعيد ما ذكره مترجم "تاريخ الفكر الأوروبي الحديث" الأستاذ أحمد الشيباني (٣) ﵀ حين ذكر في مقدمة ترجمته لهذا الكتاب أن مكتشفات جديدة في الفيزياء الحديثة على يد علماء من الغرب هدمت الحتمية المادية نظرية وأقنومًا أساسيًا من أقانيم الفلسفة المادية، وخاصة نظرية "هينبرغ" في اللاحتمية التي تعد بمثابة الإعلان الرسمي عن انهيار الحضارة الأوروبية العلمية فلسفة وعلومًا وأنظمة) (٤).
وعلى الرغم من علائم تراجع المد الإلحادي في الغرب، ومحاولة البحث عن إنسانية الإنسان بعيدًا عن معطيات المادة؛ فإن أتباع الحداثة والعلمانية ما زالوا يعيشون في دائرة الخضوع والملق والمداهنة لمذاهب ومناهج المادية الإلحادية الغربية، والنصوص السابقة التي نقلتها والتي ينفي
стр. 1577
فيها الحداثيون العرب الغيبيات ويجعلون الإيمان بها من علامات التخلف!!.
نعم إن الأصوات المنادية بالعودة إلى شيء من الفطرة الإنسانية وشيء من ضروريات الكرامة الإنسانية؛ ليست هي البارزة أو القوية أمام الموجات العارمة من دعوات الحيوانية والمادية والإلحاد، ومقتضياتها في الحياة العامة والخاصة للناس، والتي خضعت لها أعناق الحداثيين في مهانة فكرية صارخة وفي ترديد ببغائي بليد، ها هي مجلة "مواقف" تعلن -كما أعلن أدونيس من قبل- أن الإنسان العربي لا يُمكن أن يكون "ثوريًا!! " ألا بتخليه عن الإيمان بالغيب، وأول ذلك -عندهم- التخلي عن الإيمان باللَّه تعالى، تقول "مواقف": (هل يُمكن العربي أن يحقق الثورة ما دام يحيا ويفكر في إطار من القيم الموروثة المطلقة الثابتة؟ كيف يستطيع العربي، بتعبير آخر، أن يعيش ثورة تغير لحظة يعيش مطلقًا غيبيًا ينفي التغير؟ هل يُمكنه أن يغير وضعه، أعني ذاته، إذا لم يغير المطلق الثابت؟ هل يعني ذلك أن العربي لا يكون ثوريًا إلّا إذا تخلى عن إيمانه بالمطلق الغيبي؟ تعني الثورة، فيما تعني، نظرة جديدة، هذه النظرة تتضمن بالضرورة، نقدًا لما سبقها، سواء كان دينيًا أو غير ديني، وتتضمن، بالضرورة، تجاوزًا لما سبقها.
إن المضمون الإنساني التقدمي المنفتح على آفاق المستقبل هو ما يهم هذه المجلة في المقام الأول) (١).
وهكذا نلمس كيف يتجبر ويتكبر ذو العاهة ليشعر الناس أنه قوي سليم، وأن عاهته الفكرية لم تنقصه عن البشر العاديين فضلًا عن البشر الفائقين!!.
ولأن النقص المادي، والعاهة الحيوانية توجع بقايا الفطرة لديه، فإنه يغطي على ذلك بوصوله إلى التطرف المريض كما في النص السابق، وكما في نص آخر لعلماني عربي شهير يقول فيه: (ما عاد الإنجاز يقاس بالانسجام مع مفاهيم غيبية، بل مع عمل يتجه صوب أهداف موضوعية عقلانيًا. . . فالإنسانية إذًا هي خالدة وحدها دون سواها، مستبدلًا بفكرة
стр. 1578
الألوهية فكرة البشرية كما فعل كونت) (١).
ومن أراد المزيد من أمثلة الهذيان والكره العميق للدين، والانحراف المتزمت، فليقرأ هذه الأسطر التي تنبيء عن حجم التفاهة العقلية التي تردى إليها بعض أبناء البلاد الإسلامية، ففي مقال في مجلة الناقد للكاذب الليبي المسمى "الصادق النيهوم" بعنوان لغة الموتى يتحدث عن "عالم الغيب" ومما قاله: (. . . كلمة "العالم الآخر" التي نحتها الكثهة من لغة الناس، لم تكن كلمة، بل كانت "عالمًا آخر مجهولًا بأكمله" له ثلاث صفات جديدة مجهزة عمدًا على مقاس السحرة:
الصفة الأولى: أنه عالم غائب عن عيون الناس، لا يعرف أسراره أحد، سوى الكاهن الذي يتكهن بأسرار الغيب، وهي مغالطة شفوية بحتة لكنها ضمنت للكهنة، أن يحتكروا تفسير الشرائع حتى الآن.
الصفة الثانية: إنه عالم حي، لكن بوابته الوحيدة تقع وراء الموت، مما يخي عمليًا أن مستقبل الأحياء يبدأ -فقط- بعد أن يموتوا.
الصفة الثالثة: أنه عالم خارج عن سنن الطبيعة، تنطق فيه الأصنام وترتاده التنانين المجنحة، لكنه هو العالم الحقيقي؛ لأنه أزلي وخالد، وهي صياغة تريد أن تقول -فقط- إن عالم الناس والأحياء ليس عالمًا حقيقيًا) (٢).
ثم يستمر في هذيانه ليصل إلى ما أسماه لغة الدين الذي أسس حسب زعمه لغة جديدة ومفهومًا جديدًا هي لغة الإنسان الحي (فكلمة "عالم الغيب" في لغة الإنسان الحي، تعني -حرفيًا- عالم المستقبل؛ لأن المستقبل هو العالم الوحيد الغائب، الذي يعرفه الناس الأحياء، ويوقنون بوجوده، دون أن يروه، ويعلمون أنه آت ويتحملون مسئوليته شرعًا، وقد التزم الدين بهذا التفسير الحي، ورفض كل تفسير سواه وجعله شريعة إلهية،
стр. 1579
وسماه مقدسًا لكي يميزه عن تفسير السحرة. . .) (١).
وبعد هذا الخلط المتعمد، يصل إلى التفسير المادي لعالم الغيب الذي جاء به الدين، والذي سبق أن مهد له بنفي اليوم الآخر والبعث وخلود الإنسان بعده، باعتبار أن ذلك من لغة السحرة والكهان، جاء ليفسر عالم الغيب تفسيرًا دنيويًا ماديًا بحتًا فيقول: (. . . إن العالم الذي قلبه الكهنة يستعيد توازنه فجأة في ثلاثة مواقع رئيسية:
في الموقع الأول: لم يعد عالم الغيب غائبًا عن عيون الناس بل صار اسمه المستقبل، وصار بوسع الناس أن يعرفوا مستقبلهم سلفًا، بقليل من المنطق وعلم الحساب.
في الموقع الثاني: لم يعد عالم الغيب، رهنًا بما يقوله الكهنة؛ لأن المستقبل الوحيد الذي يعرفه الإنسان الحي، مستقبل لا يضمنه القول، بل يضمنه الفعل.
في الموقع الثالث: لم يعده عالم الغيب خارجًا عن سنن الطبيعة، بل صار طبيعيًا، وصاو قابلًا للتفسير العلمي، حتى إذا نطقت فيه الأصنام وارتادته التنانين المجنحة، فمستقبل الإنسان عالم مدهش -مثل عالم السحرةالغائب - لكنه لا يحتاج إلى لغة الأساطير.
هذا التفسير المديني لكلمة "عالم الغيب" رفضه الكهنة في جميع العصور بحجة أنه تفسير إلحادي قائم على إنكار البعث بعد الموت) (٢).
لعل هذا الكاتب لم يجد في نفسه الجرأة أن يهاجم قضية الغيب بصراحة، فراح يتستر وراء مهاجمة "أفكار الكهنة" أو "السحرة" ومن هناك يهاجم كل المفاهيم الدينية ليأمن من تهمة الإلحاد والمروق، وفي الحقيقة أن غاية كلامه ومنتهى عجاراته أنه لا وجود لعالم الغيب، وإذا كان له وجود في اللغة الدينية -حسب تعبيره- فإنه وجود مادي أرضي حيواني، جريًا
стр. 1580
على التفسيرات المادية الإلحادية التي أخذ بها الغرب منذ داروين وحتى ماركس وسائر الملاحدة والوجوديين.
إن هذا القول يوضح لنا تمام الوضوح فضاعة اللوثة المادية التي خيمت على بعض العقول المريضة فأفقدتها القدرة على رؤية الأمور في نصابها الحقيقي، فهي في تخبط دائم وفي اضطراب هائم ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (١).
وفي مجلة الناقد مقال فيه دراسة عن وضح اليهود في فلسطين بعنوان "بعيدًا عن ضباب الغيبيات" (٢) نفى فيه الأخبار التي جاء بها الوحي في التوراة وفي القرآن، والمهم في هذا المقال أنه جعل الغيبيات ضبابًا، وذلك على وفق العقائد العلمانية الحداثية ذات الجذور المادية.
ويعبر البياتي عن تطوره نحو الماركسية!! بضمور الغيبيات عنده، والتي عبر عنها بالباعث الميتافيزيقي، فيقول: (وهنا كان لابد من ضمور الباعث الميتافيزيقي في نفسي، ونمو الدافع الاجتماعي والسياسي) (٣).
ولكنه لم يعلم بأنه قد اعتنق الغيبيات الماركسية من حتمية مادية، وصراع طبقي، وجدلية ديالكتيكية!!، بل هو يعلم أنه قد اعتنق الوثنيات الجاهلية البائدة مثل "عشتار" و"تموز" و"فينيق" وغيرها!!.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (٤).
ومن رمزيات البياتي التي ينفي فيها الغيبيات ويرسخ المادية الجسدية قوله:
(بوابة الأبد
стр. 1581
مغلقة ليس هنا أحد
يضحك من أعماقه الجسد) (١).
ويشبه هذه الرمزيات قول أحمد دحبور:
(مركب الغيب يعاني رمد الرؤيا يميد) (٢).
وقوله:
(لا صوت ينبع من عروق الغيب
يفصلنا عن الصوت الإله جدار نار
هل تخرق النار العصبية؟ تفتدي السر الكبير من الديار؟
"السر وجه الأرض جسر النبض،
أصوات تدوي في القرار"
هل تفتدي؟ والناقة العمياء، باب الخصب، ينهبها
الحصار. .
لا شيء غير النوم فوق الرمل نم
وسع كوى الذكرى. . انطفئ كالآخرين) (٣).
أمّا الرواية الإلحادية "مسافة في عقل رجل" فإن محورها: "نفي كل ما وراء الحس، وتقديس المحسوس" ومن أجل ذلك تجده يصف البعث الجديد للإنسان وللعقل البشري بأنه الذي يعتمد على نفي الغيبيات: الجنة والنار والبعث والقيامة والملائكة والشياطين والجن، ويعد بجنة على الأرض لا في السماء. . . إلى آخر هرطقاته (٤).
стр. 1582
ثم يصف حال المؤمنين بالغيب قائلًا: (. . . حال كثير من الناس يعتنقون الخرافات، يؤمنون بالغيبيات، يقاتلون من أجل الوهم أشرس من قتال الآخرين للوصول للحقيقة) (١).
وأقواله في نفي الغيب وجحد الغيبيات كثيرة، بل كل روايته تدور على ذلك (٢).
ومن أقواله الشنيعة الساقطة: (. . . الغيبيات التي مرغت العقل الإنساني في الوحل دهورًا طويلة وتوارثها الفكر حتى بانت إحدى سماته، وارتبطت هذه الخرافات بقضية وجود اللَّه، فأحاطتها بالشكوك، وطوقتها بالتمرد لذلك كان من الأهمية بمكان أن تشذب فكرة وجود اللَّه من أغصانها السرطانية بالالتحاء لقفص العقل ورفض توارث فكرة وجود اللَّه) (٣).
ويورد غالي شكري في كتابه "شعرنا الحديث إلى أين" مقطعًا من "نهر الرماد" لخليل حاوي يتضمن المطالبة بالانتفاضة على التاريخ والغيب والأمس، وذلك في قوله:
(إن يكن، رباه، لا يحيى عروق الميتينا
غير نار تلد العنقاء
نار تتغذى من رماد الموت فينا
فلنعان من جحيم النار
ما يمنحنا البعث اليقينا:
أممًا تنفض عنها التاريخ
واللغة والغيب الحزينا
стр. 1583
تنقض الأمس الحزينا
ثم تحيا حرة خضراء في الفجر الجديد) (١).
ويشرح صاحب الكتاب التبجيلي المسمى "مع خليل حاوي" في مواضع عديدة مقطوعة "نهر الرماد" ومما قاله عنها أن خليل حاوي (كان قد هدم "بنهر الرماد" الإيمان بالأساطير والتعاويذ والغيبيات) (٢)، وإن يكن قد فعل خليل حاوي هذا في نهر الرماد فإنه قد هدم الغيبيات من قلبه، وأخلد إلى الأرض كسائر الحداثيين، أمَّا الغيبيات في ذاتها فغير قادر هو وأهل الأرض جميعًا على هدمها؛ لأن حقائقها ثابتة، ودلائلها واضحة.
وقد نال خليل حاوي ثمرة هدمه للغيبيات من نفسه حين ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه فانتحر ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ (٣) وقد دون الحداثيون هذا المجد!! في كتب وملاحق ومجلات وندوات (٤).
أمَّا نزار قباني فإنه كتب في رسالة بخط يده إلى جهاد فاضل، ونشرها هذا الأخير في كتابه فتافيت مشاعر، ومما قاله قباني في هذه الرسالة: (أنا شاعر لا أؤمن بالغيبيات وضرب المنادل، وقراءة فناجين القهوة، فلكي أؤسس وطنًا معافى، لا بد لي من جرف كل هذا الخراب أولًا) (٥).
وفي "موسوعة الفلكلور والأساطير العربية" يقرر المؤلف أن الذهن الغيبي والجبري القدري آفات تقع في مواجهة العلم التجريبي، فيقول في مقدمة: (راعيت الاهتمام بالموروثات الروحية الانزيمية الطقسية، وما تقتضيه
стр. 1584
من ذهن غيبي أو جبري يفضي بدوره إلى آفات القدرية والسلفية، والاعتماد على البركة، وتوابعها، في مواجهة العلم التجريبي) (١).
وتاللَّه لقد انفلت هؤلاء من كل ممسك فلا دين حفظوه، ولا عقل احترموه، ولا علم تجريبي حذقوه أو نقلوه، وقصارى ما قاموا به أن جعلوا عقولهم وأذهانهم مستعبدة للمذاهب الغربية المادية، وقاموا بدور الوسيط الذي ينقل الجراثيم والأمراض!!.
تقرأ لهم فإذا هم يتباكون على العقل، وعقولهم مستطرقة للغرب والشرق وللخرافات والوثنيات القديمة والحديثة.
ويندبون حرية الفكر، وهم قد استأسروا في مهانة ذليلة للمذاهب والمناهج والنظم الغربية.
ويتغنون بالحريات الشخصية وهم أشد الناس استبدادًا وظلمًا للمسلمين، الذين يريدون مقارعة الحجة بالحجة والعقل بالعقل، فإذا كانت لهم وسيلة إعلام فهي لزمرتهم وليس للآخرين شيء، وإذا كان لهم حكم وسلطة فدعاة الإسلام في السجون والمعتقلات، وتحت الأحكام الحرفية والعسكرية، ثم يقولون الحريات الشخصية!!.
ويطالبون بالعلوم التجريبية ومناهجها وطرائقها، وهم في بعثاتهم لم يعودوا بشيء من ذلك بل عادوا بمحاربة الإيمان والعقائد والأخلاق، وأمثلهم طريقة من عاد وهو مرتاب في عقيدته وحضارته وأمته، وفي الوجه المقابل نرى أن الملتزمين بدينهم من أبناء الإسلام كانوا أبر بأمتهم وأحنى عليها حين تعلموا العلوم التجريبية وأسالوا أنهارها -حسب استطاعتهم- في أودية المسلمين.
أمَّا الهدَّامون والرجعيون الماديون من أتباع الحداثة والعلمنة فإنهم جلبوا أنجس وأخبث وأنتن ما في الغرب، وقاموا ببثه ونشره وإشاعته والدعوة إليه وإكراه الناس عليه، وجعلوه المنطلق لكل ثقافة وعمل وممارسة
стр. 1585
على حد تعبير أحدهم في قوله: (فلتكن نقطة الانطلاق، التخلص من شوائب ومقومات الذهن الغيبي التهويمي المنتكس في كل حالاته) (١).
وفعلًا فقد كانت نقطة الانطلاق لهم، تكذيب خبر اللَّه تعالى، وجحد الغيبيات الحقيقية الثابتة التي جاء بها الإسلام، وأمثلة ذلك كثيرة منها:
- نفي خلق اللَّه لحواء من ضلع آدم ﵉ (٢).
- نفي قصة أهل الكهف وجعلها مجرد أسطورة من الأساطير (٣).
- نفي وجود الشياطين والجن، واعتبارها مجرد خرافة (٤).
- نفي قضية قبض الروح وملك الموت (٥).
стр. 1586
- إنكار وجود إبليس نعوذ باللَّه منه ومن حزبه (١).
- جعل إرم ذات العماد وما حصل لهم أسطورة من الأساطير (٢).
- نفي وجود السحر وحصول الحسد من العائن (٣).
- نفي ما حصل لقوم لوط في سدوم بسبب غضب اللَّه عليهم لما عصوا أمره (٤).
- اتخاذ قصة عزير التي وردت في سورة البقرة معبرًا لنفي الغيب جملة، ولنفي البعث (٥).
- التكذيب والجحد والتشكيك في أشراط الساعة التي أثبت الوحي حصولها مثل: الخسف والزلزلة والريح الحمراء وخروج الدجال وقوله للخربة أن تخرج كنوزها، ونزول مطر من السماء بعد يأجوج ومأجوج فتخرج الأرض خيواتها (٦).
- التكذيب بخروج يأجوج ومأجوج، واعتبار ذلك محض خرافة وأسطورة (٧).
стр. 1587
والأمثلة على ذلك في كلامهم كثيرة، ويكفيك من شر سماعه!!.
الوجه الثاني من أوجه انحرافاتهم في الغيبيات: جعلهم الإيمان بالغيبيات الحقيقية تخلفًا ورجعية:
وقد سبق في مطلع هذا الفصل ذكر أساس منزعهم في هذا، وبيان أن التخلف والرجعية أليق بالمادي الأرضي الحيواني، الذي تردى إلى سفوح الكفر والضلال والمادية، وعجز عن التحقق بأوصاف الإنسان الحقيقي؛ حين ألغى من حساباته الروح والجانب المعنوي وأبى إلّا الإيمان بالمحسوس كما تؤمن الحيوانات، وإن كان بصورة أكثر تطورًا، ولا غرو أن يكون المادي الملحد كذلك، فقد سنّ لهم أستاذهم "داروين" سنن هذا الاعتقاد الضال حين أرجع أصولهم إلى القردة.
ولعمر اللَّه أنهم أشبه بالقردة من أي شيء آخر لاسيما في تقليدهم ومحاكاتهم لعقائد الغرب الضالة وانطراحهم أمام شبهاته المادية، وتأنثهم في التلقي عنه!!.
مرّ معنا في الوجه الأول وصف أدونيس للإيمان بالغيب عند المسلمين بأنه ظاهرة تخلف (١)، وهو من هذا المنطلق الادعائي يمهد لأوليائه طريق الإلحاد وجحد الدين كله، ولكن من خلال الالتفات حول مفاهيم التخلف والتقدم والماضي والحاضر والغائب والراهن إلى غير ذلك من الأساليب المعهودة في الحركات الباطنية من قديم، وهذه الطروحات الملتوية أحيانًا هي البقية الباقية من عقائد النصيرية التي نشاء ودرج عليها أدونيس، وإن يكن قد خرج هو وقومه من المداراة والاختفاء خلف الألفاظ منذ أن سعى الاستعمار الفرنسي -أيام احتلاله لسوريا- في إخراج النصيرين من قواقعهم، وإنزالهم من جبالهم ليصبحوا بعد ذلك من المتحكمين في أعناق المسلمين وإعلامهم وثقافتهم، بعد أن أمن لهم الغرب الأوضاع، وأذاب مبادئ الولاء والبراء، وأحكام الكفر والإيمان والردة، فاجترأوا على اللَّه تعالى وعلى دينه وعلى رسله الكرام.
стр. 1588
ومن أمثلة هذا الاجتراء قول أدونيس: (لابد للطليعية من أن تنقد أشكال الوعي الغيبي الذي يعرقل نمو الوعي من جهة، ويشارك، من جهة ثانية، في ترسيخ الثقافة الماضوية واستمرارها) (١).
وسبق في الوجه الأول -أيضًا- نقل مقطوعته الإلحادية من "رحيل في مدائن الغزالي" التي تهكم فيها بالدين كله عقيدة وشريعة ورموزًا وتاريخًا وخص الغيبيات بقوله عن المسلمين:
(والشمس في ثيابهم
جارية صفراء
مدهونة الثديين بالمقلوب
بالحجر الأحمر بالكبريب بالغيوب
تسقط كل ليلة
في نشوة الإسراء) (٢).
فالشمس -رمز المعرفة والتقدم- مستضعفة مسجونة مستعبدة كالجارية، ودهنت بأشياء متخلفة أو مستحيلة، ومنها الغيب الذي يراه أدونيس في هذا المقطع وغيره سببًا من أكبر أسباب التخلف والرجعية، ثم أضاف بأن المعرفة والتقدم يسقطها المسلمون في نشوة الأسرار، أي النبوة، التي لا يعتبرها نبوة بل مجرد نشوة شخص.
هذه هي الحداثة في أبشع صورها ورموزها وطلاسمها.
وفي آخر المقطع يشرح أدونيس مشروعه الحداثي في سياق حربه وحقده على الإسلام القوة الوحيدة التي تتحطم على صخرتها الراسخة كل
стр. 1589
محاولات الحداثيين والعلمانيين، ولا ينسى أن يكرر أقواله في ذكر علامات التخلف عند المسلمين، التي عبد منها المساجد والدروب المرصوفة بالليل أي جميع ما ينبثق عن الإسلام، والتكايا ويرمز بها -في شتيمة واضحة- إلى العبادة والعباد، ثم يذكر الغيوب في جملة ما يذكره من علامات التخلف -حسب نظرته الحداثية- كل ذلك في سياق توضيحه لمشروعه الرجس، الذي يلخصه في ثورة يدخل بها من جديد:
(لكوكب الغزالي
لهذه المقابر المبثوثة الأشباح والطقوس
في نفق الهواء والتاريخ، في الأقدام والرؤوس
لهذه الجدران
للكتب المدهونة الأوراق والرفوف
بالبطن والشهوة والأسنان
لهذه الأنصاب والأعلام والسيوف
لهذه المساجد الكنائس الدانية القطوف
لهذه الدروب
مرصوفة بالليل
للتكايا
علّامة الأسرار والغيوب
لكل هذا الزمن المكدس المشحون
بالرمل والسعار والطاعون) (١).
وفي فورةٍ من الحقد الباطني والحداثي، يصف أدونيس بلاد المسلمين
стр. 1590
التي ينسبها إلى نفسه تحت عنوان "أرضي"، ويظهر أنه سوف يسعى لاجتثاثها من أصولها التي يسميها العروق الرجمية، ثم يصف هذه الأرض بأنها تعيش في الخرافة والتخلف فهي عرافة وتميمة، وهي رموز تخلف ويشير بها إلى الغيبيات في تشبيه ذميم من قلب سقيم، يقول أدونيس:
(لأرضي أجرح هذه العروق الرجيمة
لأرضي خبأت بين جراحي
غدي ورياحي
وأرضي عرافة وتميمة
وأرضي مخمورة - كتفاها
أميران من لؤلؤ، وجريمة) (١).
ومثله الماركسي الفلسطيني سميح القاسم الذي يقدم أوراق اعتماده للشيوعيين الروس من خلال هجائه الإلحادي للمسلمين وتعاليمهم، ومن خلال الكذب والافتراء عليهم، وذلك في قوله:
(كنت طفلًا آنذاك. .
علموني أن مجرى الأرض، في كف السماء
علموني أنه سبحانه، يحيي ويفني ما يشاء
علموني أن أطيع الأولياء
دون أن أسأل: من كانوا؟
وماذا صنعوا للتعساء؟!.
علموني الدجل، والرقص على الحبل
وإذلال النساء
стр. 1591
علموني السحر والإيمان بالأشباح
والرقية والتعزيم
والخوف إذا جاء المساء
علموني ما يشاؤون، ولم يستنبئوني ما أشاء
فرس الخضر. . كفيل بي
وحسبي الفقهاء!!
يا أبي المهزوم. . يا أمي الذليلة!
إنني أقذف للشيطان ما أورثتماني
من تعاليم القبيلة
إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجية
إنني أجتثها من جذرها
تلك المراسيم الغبية
إنني أبصق أحقادي وعاري
في وجوه الأولياء الصالحين
إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري
للتكايا والدراويش
وأقزام الكراسي النابحين) (١).
عندما كتب سميح القاسم هذا السباب الحداثي كانت الشيوعية التي يتملق رضاها في أوج قوتها، ترى ماذا سيقول الآن في تملق رضا الليبرالية الأمريكية أو الصهيونية اليهودية التي تهاوت عند أعتابها رؤوس كثيرة وتيجان؟.
إن هذا المقطع وأشباهه ليدلنا بوضوح على تآمر جماعة المرتزقة من كتاب الحداثة والعلمانية، تآمر على عقيدة الأمة وشريعتها وحضارتها وتاريخها، تآمر تخرج أصحابه في المحاضن الخاصة ليكونوا علامات خزي وعار على أمتهم
стр. 1592
وليكونوا لها عدوًا وحزنًا، ولكن كرامة اللَّه لهذه الأمة بنصرها وحفظ دينها وكبت عدوها؛ معلومة معتبرة، ومأمولة منتظرة ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١).
وفي تلك الحقبة البائدة التي شاعت فيها مبادئ الشيوعية وعم طوفان العلمانية والاشتراكية، كان محمد الفيتوري -الذي أرجو أن يكون ما قيل اليوم عن أوبته صحيحًا- قد انغمس في هذا التيار الجاهلي الحاقد، فكان من ثمرات ذلك ديوانه المترع بالضلالات الاعتقادية، ومنها منادته بـ (انتقال الإنسان العربي، من واقعه القديم إلى واقعه الجديد، من واقع الركود الاجتماعي، والاستسلام الغيبي، الذي تتحكم فيه إرادة التقاليد، إلى واقع التناقضات الفكرية، والاضطرابات الاجتماعية، الذي تحركه إرادة التحول والتغيير) (٢).
وفي تلك الحقبة يكتب نقاد "الواقعية الاجتماعية" التي تعني أصحاب الانتماء اليساري، والماركسي خاصة، يكتبون كتبًا كثيرة، ويصدرون مجلات منها "مجلة الثقافة الجديدة" ومن الكتسب ذات الهوى الشيوعي الماركسي البحت كتاب "دراسات في الشعر العربي الحديث، وفق المنهج النقدي الديالكتيكي" الذي يقول فيه صاحبه: (إن التزام الشعر بالواقع والوجود لا يعني كونه خطابات سياسية مرتجلة بقدر ما لا يعني كونه تصورات غيبية سوداوية فوقية، وإن شاعرًا كالسياب الذي طرح مشاكله الذاتية والوجودية الكبرى "مشكلة الموت والجنس مثلًا" من خلال التجربة الثورية العربية التي التزمها، وهي مشكلة موضوعية على وجه التحديد استطاع أن يكون شاعرًا ملتزمًا على مستوى الواقع والوجود عندما لم تتحول أشعاره إلى خطابات سياسية مرتجلة أو رؤى وهمية ربوبية كاذبة) (٣).
والكتاب في مجمله دراسة مادية ماركسية لمجموعة من شعراء الحداثة العربية أبرز من خلالها المضامين المادية الجاحدة للغيب، في إخلاد واضح إلى الأرض والجسد والشهوات الحيوانية، وسقوط في ثلج باريس وغلايين
стр. 1593
الإنكليز في سوهو، واعطاف الداعرات في هوليود، وانعطاف المنجل الشيوعي في موسكو أو بكين.
وفي تلك الغمرة اليسارية تنافس الماديون اليساريون في الانغماس في بحيرة الشيطان الماركسي، ومن ذلك قول أحد نقادهم في مقدمة كتبها لديوان الشيوعي العراقي سعدي يوسف: (كان الشعب بقواه الوطنية وجماهيره وأدبائه، يخوض نضالًا مريرًا ضد الاستعمار والحكومات الرجعية العميلة، والاقطاع والتخلف الثقافي، وسيطرة الفكر اليميني والغيبي، يوم بدأ سعدي يكتب الشعر، أو يحسب أنه يكتب الشعر. . .) (١).
وفي تلك الفورة الماركسية اليسارية (عقدت "رابطة الكتاب السوريين" يوم الخميس ١ تموز ١٩٥٤ م اجتماعًا عامًا بمناسبة مرور ثلاث سنوات على تأسيسها، وفي هذا الاجتماع، قررت الرابطة الدعوة لمؤتمر للكتاب العرب يعقد في دمشق، وقد انعقد المؤتمر في مقر "الجمعية السورية للفنون من ٩ - ١١ أيلول ١٩٥٤ م وانبثقت عنه "رابطة الكتاب العرب" التي كانت من أهم الأحداث الثقافية في الخمسينات وقد كان "للثقافة الوطنية" دور رئيسي في التمهيد للمؤتمر، والدعوة إليه والمشاركة فيه، وتصف "الثقافة الوطنية" (٢) بحوث المؤتمر بأنها لم تكن "مستمدة من الغيب. . . " لا ولم تكن أيضًا تنضح بالقلق والنزعات الغربية، والتفجع على مصير الإنسان في هذا العصر الآلي العجيب، الثقافة الوطنية العدد ١٥ تشرين أول ١٩٥٤ م) (٣).
ويعبر أحمد دحبور عن عقيدته في اعتبار الإيمان بالغيب تخلفًا بقوله:
(ركب الغيب يعاني رمد الرؤيا. . يميد) (٤).
وبقوله:
(لا صوت ينبع من عروق الغيب) (٥).
стр. 1594
أمَّا علاء حامد فإنه يعتبر إن الغيبيات التي جاء بها الإسلام قد مرغت عقل الإنسان في الوحل (١)، ويعتبرها علامة موات فكري وخزعبلات يعتنقها الناس لإهدار دم الحقيقة الرابضة على مدخل التحليل العلمي (٢).
وبعد هذه الأمثلة يتبين لنا فظاعة الجرم الحداثي ومقدار جنايته على الأمة في عقيدتها ودينها، ولكن مع ذلك نجد من يقول بأن الحداثة لا تعني الكفر، بل من يدعو إلى الجمع بينها وبين الإسلام، على طريقة القائلين: إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا!!
الوجه الثالث من أوجه انحرافاتهم في الغيبيات: السخرية بالغيبيات الحقيقية، وبالمؤمنين بها:
الاستهزاء بالدين وأهله من دأب أعدائه -دائمًا- من أقدم العصور إلى اليوم، وقد مر في مواطن من هذا البحث ذكر نماذج من استهزائهم بدين اللَّه وبالمؤمنين به، وبيان أن هذا الأسلوب من أساليب أسلافهم القدماء من كفار ومنافقي العصور الخالية، فهو إذن أسلوب رجعي، وطريقة ارتدادية يمارسها هؤلاء اليوم ولكن بتسمية كاذبة وادعاء أجوف، تحت عناوين التقدم والتحديث والتطور، فيا لها من مفارقات عجيبة!!.
ومن أمثلة السخرية بالغيبيات قول أدونيس في الخضر ﵇:
(ثم رأيتني مع الخضر
يده حول عنقي
يدي حول خاصرته
ورأيتني افترق عنه
بغتة
وأمشى على الهواء) (٣).
стр. 1595
ومن أبرز ألوان سخريته ما أورده في مقطوعة "رحيل في مدائن الغزالي" من أحداث عن حادثة الإسراء والمعراج، حيث جعل نفسه هو الذي أسري وعرج له، وأتى بشيء من أحداث الإسراء والمعراج وأضاف إليها من خرافات باطنيته، وسخريات ماديته في تهكم واستخفاف واضحين (١).
وفي سَوْرة من سورات التشاؤم والغضب بعد المرض الذي أصاب السياب، وبعد أن أهمله أصحابه من الشيوعيين والقوميين والتموزيين، يود أن يمشي على قدميه بدلًا من العكازين ولو كان مشيه إلى القبر أو إلى جهنم، وهنا يستخف بالعذاب وبالموكلين به، ويظهر في هيئة الساخر الذي لا يبالي بهذه الأهوال العظيمة، يقول السياب:
(. . . وأسير أسير على قدمي!!
لو كان الدرب إلى القبر
الظلمة والدود والفراس بألف فم
يمتد أمامي في أقصى أركان الدنيا. . في نحر
أو واد أظلم أو جبل عال
لسعيت إليه على رأسي أو هدبي أو ظهري
وشققت إلى سقر دربي ودحوت الأبواب السودا
وصرخت بوجه موكلّها
لم تترك بابك مسدودًا؟؟
ولتدعُ شياطين النار
تقتص من الجسد الهاري
تقتص من الجرح العاري) (٢).
стр. 1596
وعلى نمط السياب يقف صلاح عبد الصبور، الذي يصف غيبيات الجنة باستخفاف ساخر في قوله:
(من نام فشف فمات
مات شهيدًا، وتحول في أعطاف الجنة مصطبة يتكيء
عليها رضوان) (١).
أمَّا أنسي الحاج فإن سخريته بالغيبيات تأتي في بين آخر، وذلك في قوله: (أفضل ما في الشيطان أنه على عكس أهل التعصب لا يدعي امتلاك الحقيقة) (٢).
أمَّا نزار قباني فإنه يستعرض -كعادته- قائمة شتائمه وسخرياته الموجه إلى هذه الأمة وكل ما يتعلق بكيانها ومقوماتها، ومن ذلك قوله لإحدى داعراته في قحّة لئيمة ينال من خلالها من الخضر ﵇، يقول:
(أعطيني الفرصة
كي ألتقط السمك السابح تحت مياه الخضر
قدماك على وبر السجادة. . حالة شعر
ويداك على البطن المتحمس للأطفال
قصيدة شعر
أعطيني الفرصة
كي اكتشف الحد الفاصل بين يقين الحب
وبين الكفر
أعطيني الفرصة
حتى أقنع أني قد شاهدت النجم
стр. 1597
وكلمني سيدنا الخضر) (١).
ومن أقواله الساخرة المستخفة، الموجهة نحو الغيبيات، حديثه عن الموت سواء كان مراده الموت ذاته أو ملك الموت، يقول قباني:
(لو كان للموت طفل لأدرك ما هو موت البنين
لو كان للموت عقل
سألناه كيف يفسر موت البلابل والياسمين
لو كان للموت قلب. . تردد في ذبح أولادنا الطيبين) (٢).
ويصف رجلًا اسمه "غودو" تحت عنوان "بانتظار غودو" بأنه من أولياء اللَّه في تهكم واضح بالولاية والأولياء، بل يصفه بأنه اللَّه تعالى وتقدس عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا، يقول قباني عن "غودو":
(لم نره
لكن من رأوه فوق الشاشة الصغيرة
يبتلع الزجاج
أو يسير كالهنود فوق النار
ويخرج الأرانب البيضاء من جيوبه
ويقلب الفحم إلى نضار
يؤكدون أنه
من أولياء اللَّه، جلّ شأنه
وأن نور وجهه يحير الأبصار. . .
. . . لم نره
стр. 1598
ولم نقبل يده
لكن من تبركوا يومًا به
قالوا بأن صوته
يحرك الأحجار
وأنه وأنه هو العزيز الواحد القهار) (١).
وفي سياق حقده "الشيوعي العمالي" على بلاد النفط يقول محمود درويش ساخرًا بالجنة وبالوعد الحسن من اللَّه للمؤذن وللشهيد:
(ومدينة البترول تحجز مقعدًا في جنة الرحمن - قلتم لي
وطوبى للممول والمؤذن. . والشهيد!) (٢).
أمَّا زميله في الكفاح "الشيوعي"! سميح القاسم فإنه يتحدث عن ضياع البشر ويسوق أخبار الغيب في تهكم بآدم وحواء ﵉، وخروجهما من الجنة، ويذكر قصة قابيل وهابيل في سياق أساطير أخرى مثل الإله الفرعوني "راع" و"خوفو" والوثن العربي "اللات"، ثم يختم ذلك بالسخرية من إيمان المؤمنين باللَّه وبقدرته المطلقة، كل ذلك في مقطوعة بعنوان "الخطيئة والوثن"، ومما جاء فيها:
(دوري مع الإعصار! يا قطعان! ضيعك الرعاة!
وابكي ربيعًا مات. . مات!
وتهيأي للمسلخ المشؤوم تهدر فيه زاكية الدماء
من القرون الخاليات!
من يوم أنشب آدم المغدور في حواء نابًا
стр. 1599
يغتذي من لحمه المغبون ينهل من دماه!
ويظل يؤمن أن في صلب الخطيئة هادر
ينبوع أسرار الحياة
ويهز صوت اللَّه أركان الوجود:
- اليوم تفقد جنتي! فاخرج يرافقك الشقاء
مدى رحيلك في يباب الأرض
خلفك موصدعدني، وأمسك لن يعود!!
- دوري مع الإعصار! يا قطعان! ضيعك الرعاة!
وابكي ربيعًا مات. . مات!
من يوم شاء اللَّه أن تهوي يدا قابيل،
قاتلتين، غائصتين في الدم، في الحياة
ويروح يصرخ من وراء السدل
في عسف الطغاة. . الأغبياء من الطغاة
- قابيل! يا قابيل! أين مضت بهابيل خطاه؟!
إذهب يرافقك الشقاء. . جزاء فعلتك الحرام!
قدر عليك السهد المبرح والسقام
وتند عن أرض الخلود العاهرة
صرخات بُقيا اللحم والدم والعظام!. . .
- الرب "راع" (١)!
ما زال يرمقه الملايين الرعاع
стр. 1600
يتعبدون ويرفعون له الذبائح والقرابين البريئة
يسجدون الليل. . حتى منتهاه
- ماذا وراء الصمت تكتم يا إله؟!
ويضج إعصار الحقيقة بين أغلال
تصفده بها الأوهام، غادرة الجموح، غبية التيار
نادمة المصير!
- لاسر في صمت الإله!!
لا شيء غير الجوع والحرمان والطوفان. . .
والرب "راع"
ما زال يعبده الملايين الرعاع
والمؤمنون الآبقون، وجوههم للات ترنو
في خنوع أبله، قطعانهم في الرمل تزحف
هاربين من الضياع إلى الضياع. . .
. . . واستسلموا للريح أن هدت عرائشكم
وقصفت الكروم الخضر
إن اللَّه يرزقكم غدًا من عنده الخير الكثير!
وإذا استباح الداء آلافًا من الأطفال
فاستلقوا على أعتاب برجكم العتيد
وعزّموا، تحمل نساؤكم توائم
إن ربكموا على كلٍ قدير!!) (١).
стр. 1601
أمَّا ممدوح عدوان فإنه يسجل سخريته بالجنة والطريق التي توصل إليها في قوله:
(حينما نادى علي:
"طل باب تتوخاه إلى الجنة
قد يفضي إلى باب جهنم
إن سر الدين باق
فتعلم. . كيف تبقى عنده الآن وتسلم! ". . .
وذووا. . ماتوا اختناقًا
لم أجد فيهم شهيدًا
وعلي أغلق الجنة باب إثر باب وتعمم
وأنا ما عدت أعلم
فيم أهرقنا دمانا
ووقفنا في الطريق!؟
وتركنا نسوة الحي على الدرب رقيق. . .) (١).
أمّا علاء حامد فيبلغ به حقده على دين الإسلام أنه وصف المؤمنين بالغيبيات بالمرضى النفسيين الذين يحتاجون إلى مصحات نفسية، وحقيقة الأمر كما جاء في المثل العربي "رمتني بدائها وانسلت" (٢)!!.
• • •
стр. 1602
الوجه الرابع من أوجه انحرافاتهم في الغيبيات: الإيمان بغيبيات تناسب أهواءهم وضلالهم:
كما سبق في بداية هذا الفصل أن الإيمان بما وراء الحس أمر فطري في الإنسان، الذي يتكون من طين وروح، فالطين هو الجسد المادي وطاقاته الحسية المتصلة بالحواس والأعصاب واللحم والدم وغيرها من أجهزة الجسم.
والروح قوام حياة الجسد، وهي منبثة فيه بكيفية لا يعلمها إلَّا اللَّه، انبثاث الماء في الشجر الأخضر، أو الزيت في ثمر الزيتون، وفيها الطاقة المعنوية التي بها يكون التفكير التصوري التجريدي الذي يدرك الكليات والمعنويات والتجريديات، ويدرك القيم العليا كالعدل والحق والخير، والجمال، ويحلم ويتخيل وغير ذلك من أعمال النفس وطاقات الروح.
والروح والجسد التي تنبني عليها هذه المناشط هي -رغم هذا التقسيم- تشكل كيانًا موحدًا، وطاقة متكاملة، هذا الكيان هو "الإنسان".
وقد عبثت الفلسفات المادية الحديثة بهذه المفاهيم غاية العبث، خاصة بعد ظهور خرافة داروين المسماة "النشوء والارتقاء"، فقد نحت هذه الخرافة بالإنسان منحًى ماديًا صرفًا، إذ جعلته مجرد مادة، مجرد جسد يأكل ويشرب ويسكن ويتناسل، أي أنه يولد ويموت جسدًا خالصًا، أو حيوانًا خالصًا، وحتى العقل الذي هو ميزة الإنسان الظاهرة الجلية أعادتها نظرية داروين إلى الطبيعية وإلى الاصطفاء الطبيعي!!.
وإذا كانت نظرية داروين هي الأساس الذي بني عليه الماديون الملاحدة أبحاثهم وفلسفاتهم الإلحادية وما تفرع عنها من علوم اجتماعية ونفسية وأدبية وسياسية، فإنه لابد من النظر في أصل هذه النظرية من جهة أنها تنفي الغيب ولا تؤمن إلّا بالمحسوس، واتباع هذه النظرية والمتأثرون بها هم كذلك لا يؤمنون بالغيب إذا جاء على لسان رسول أو في وحي معصوم.
стр. 1603
ولكن إذا جاء الغيب عن داروين أو غيره من فلاسفة المادية فإنهم يسلمون به، ويؤمنون به.
بل إنهم في معرض دفاعهم وجدالهم عن فرضية النشوء والارتقاء لا يترددون في اختراع عالم غيبي خاص بهم، يحيلون إليه ثغرات وسلبيات هذه الفرضية.
نأخذ النظرية في أصلها، فقد قامت على فرضيتين مسلمتين عند الداروينيين:
الأولى: أن العضويات الصغيرة في كل جيل من الأجيال تنزع دائمًا إلى أن تختلف اختلافات طفيفة عن آبائها في جميع الاتجاهات الممكنة.
الثانية: أن التغيرات المفيدة تنتقل إلى الأجيال التالية وتتراكم حتى ينتج عنها تغييرات جسمية عضوية (١).
هاتان المسلمتان التي تنبني عليها نظرية التطور هي في حقيقتها "غيبية" فالفرضية الأولى مجرد تخمين غيبي خاطئ لا يدل عليه أي دليل حسي أو عقلي، والفرضية الثانية كذلك، إذ لا دليل من المشاهد أو المحسوس أو المعقول على أن التغييرات تتوارث وتتراكم عبر الأجيال.
ولو افترضنا أنهم قالوا رأينا آثار التغيرات والتطورات في المتحجرات، كان هذا دليلًا على غيبيتهم من وجه آخر، فإنهم استدلوا بالأثر على المؤثر، وهذا استدلال بالحاضر على الغائب وبالمشاهد على غير الشاهد، وهذه غيبية محضة.
ثم إن هذه الفوضية لا تبرهن على صحة نظرية التطور، وإنّما تفترض منذ البداية أن نظرية التطور صحيحة، ثم جاءت الفرضية لشرح هذه النظرية، وهذه "مصادرة على المطلوب" بل التسليم بأن المخلوقات التي نراها الآن
стр. 1604
خلقت على هذه الخلقة وإن لم تتماثل أفراد النوع الواحد منها أقرب إلى المعقول من افتراض التطور ابتداءً، وهذه حقيقة لم تستطع المتحجرات أن تنفيها (١).
ومن المسلمات المادية التي انبنى عليها هيكل المادية القول بأزلية المادة، وأنها "لا تفني ولا تستحدث من العدم" وعليها بنوا الزعم بأزلية الكون إلى حد جعل "برتراندراسل" يعتبره أمرًا لا يقبل الجدل (٢)، بل ويعتبر حتى مجرد السؤال عن علة أو سبب وجود هذا الكون من الأمور غير المنطقية!!.
أليست هذه المسلمة المادية اعتقاد غيبي محض؟ ثم أليس الحتم والقطع فيها واعتقاد ثباتها بصورة جازمة من المسلمات الغيبية؟.
بلى هذه غيبية ضرورية، ولكنها غيبية ضالة منحرفة.
ومن المسلمات المادية إرجاع جميع الكائنات الحية إلى خلية أولية تفرعت منها سائر الأنواع التي ترى اليوم، وخاصة الإنسان الذي يرونه تطور في إحدى مراحله من القرد!!.
وهذه غيبية مادية إلحادية، لا برهان عليها من حس ولا عقل (٣)، ومع ذلك سلمت بها عقول تحسب أنها على شيء من تجربة أو عقل أو حس ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (٤).
ولأجل ذلك كله اضطرب داروين نفسه عند وصوله إلى هذه المضايق كما اعترف هو في كتابه "أصل الأنواع" حيث قال: (لا يبلغ القارئ الخبير إلى هذا الموطن من البحث حتى تعتريه صعاب شتى ومشكلات عديدة تزعزع من ثقته في صحة مذهبي، ولا جرم أن بعضًا من تلك المشكلات
стр. 1605
في الغاية القصوى من الشأن حتى إني ما فكرت فيها إلّا وداخلني شك وحفت بي ريب، غير أن العدد الأوفر من تلك المشكلات ظاهر، لا مناقضة فيه لحقيقة مذهبي والبقية الباقية على فرض صحتها لا تقوض دعائم المذهب ولا تنفيه جملة على ما أدري.
ولنعدد هنا تلك المشكلات لنتخذها للبحث أساسًا:
١ - إذا كانت الأنواع قد تدرجت متسلسلة عن أنواع غيرها، متحولة في خطى دقيقة من النشوء، فلم لا ترى في شعب النظام العضوي تلك الصور الوسطى التي تربط بين بعضها وبعض؟ ولماذا لا تُرى الطبيعة في تهوش وتخالط يقتضيها تسلسل الصور، بل نرى الأنواع صحيحة لا خلل في نظامها ولا التباس.
٢ - هل من المستطاع أن حيوانًا له تركيب الخفاش وعاداته مثلًا قد يستحدث بالتهذيب وتغاير الصفات من حيوان آخر مختلف عنه اختلافًا بعيدًا في العادات والتركيب العضوي؟ وهل نقوى على الاعتقاد بأن الانتخاب الطبيعي في مستطاعه أن ينتج من جهة عضوًا في الغاية الأخيرة في اتضاع المكان كذنب الزرافة الذي تستخدمه لدفع الهوام عنها، وأن يحدث من جهة أخرى عضوًا غريب التركيب دقيق التكوين متعدد المنافع كالعين مثلًا؟.
٣ - هل من المستطاع كسب الغرائز وتهذيبها بالانتخاب الطبيعي؟ وماذا تقول عن تلك الغريزة العجيبة التي تسوق النحلة إلى بناء خلياتها على صورة من الإتقان برزت بالسبق إليها مستكشفات عظماء الرياضيين وأهل الرأي منهم خاصة؟.
٤ - بم نعلل عقم الأنواع لدى تلاقحها، وانتاجها إنسالًا عقيمة لا تلد؟ بينما يزيد التلاقح من صبوة التنوعات ويضاعف من قوة الإنتاج فيها!) (١).
هذه الأسئلة الجذرية التي تنسف نظرية داروين من أساسها يتجاوزها
стр. 1606
داروين ويعتبرها إشكالات ظاهرية لا تناقض مذهبه!!.
ومع كونها من أعمق المعوقات لفرضية مثل هذه الفرضية إلّا أنه تخطاها في تسليم غيبي للمقدمات والافتراضات التي وضعها، ولم يتمكن من الإتيان بإجابة صحيحة مقنعة لاعتراضات علمية وعقلية أوردها علماء في عصوه وفي غير عصوه وحتى اليوم (١).
والمقصود من كل هذا الإيراد أن داروين رغم ماديته المحضة ورغم إلحاده الذي اعترف في مذكراته أنه وصل إليه أخيرًا، لا ينفك عن إيمان بغيبٍ ما.
والماركسية المنطلقة في المادية إلى أبعد مدى لا يستطيع أصحابها الانفكاك من "غيبية" مّا، وإن كانت غيبية منحرفة ضالة (٢).
فماركس أخذ من نظرية النشوء والارتقاء التي قالها داروين ونقلها إلى علم الاقتصاد وعلم الاجتماع، أخذ القول بالطبيعة الفاعلة الخالقة المؤثرة بدلًا من اللَّه تعالى، وهذه غيبية وعبادة للطبيعة من دون اللَّه، وأخذ القول بأن الكائنات تتطور تطورًا حتميًا تحت ضغط البيئة المادية الخارجية، وفي أثناء عملية الشطور تنقرض كائنات وأعضاء معينة لأنها لم تعد تلائم البيئة وينمو بدلًا منها أعضاء ووظائف جديدة أكثر تعقيدًا، وهذا التطور والتغير يحصل على الكائنات الحية رغمًا عنها، فلا إرادة لها ولا قصد، وإنّما هو مفروض عليها من الخارج أرادت أم لم ترد، ولا تملك هذه الكائنات أن تبطيء أو تسرع أو تتحول عن هذا الطريق التطوري التصاعدي، فالأمر في ذلك كله متروك "للطبيعة"!!، وقد طبق ماركس هذه الفرضيات الخرافية تطبيقًا كاملًا على التطور الاقتصادي والاجتماعي (٣)، وهذه الفرضيات جميعها
стр. 1607
"غيبيات" ولكنها منحرفة تائهة في أودية الخرافة والتخمين، وكذلك ما انبنى عليها عند الماركسيين من صراع الطبقات، والجدلية المادية الديالكتيكية، وتأثير العالم الخارجي على العقل، وتأثير أساليب الإنتاج وغير ذلك من الأمور التي لا تخضع لقياس ولا تجربة ليست في حقيقتها سوى مسلمات غيبية مادية ضالة خضعت لها أعناق هؤلاء فاقتفوا أثرها، في تسليم كامل وتبعية عبادية وثنية خالصة!!.
أمَّا عبيد الغرب من الحداثيين والعلمانيين فهم أقل من هذا الشأن وأذل، إذ غاية ثقافتهم ومبلغ علمهم وآفاق طموحهم أن يتبعوا المذاهب الغربية المادية ولا يبتدعوا!! وإن يسيروا في ذيل قوافلهم مذعنين إذعان العبيد في أيدي النخاسين، أقول ذلك بعد طول تبصر ونظر في أقوالهم ومؤلفاتهم ومجلاتهم ومنتدياتهم، وإن اجتهد بعض منهم ليخرج بجديد من الأفكار والتصورات النتنة، فلا تجده يخرج عن أصول ومتون أساتذته الذين تلقى عنهم وأشرب حبهم في قلبه، فما أحرى هؤلاء بقول الشاعر:
(العبد لا تفضل أخلاقه … عن فرجه المنتن أو ضرسه
لا ينجز الميعاد في يومه … ولا يعي ما قال في أمسه
فلا ترجِّ الخير عند امرئ … مرت يد النخاس في رأسه
وإن عراك الشك في نفسه … بحاله فانظر إلى جنسه
فقلما يلؤم في ثوبه … إلّا الذي يلؤم في غِرْسِه) (١)
وخاصة إذا قرأت أفكارهم المادية، وعبثياتهم الحيوانية وفوضوياتهم الخلقية، وقرنتها بأصول الفكر الغربي اتضح لك صدق هذه الأبيات في حقهم!!.
وأصدق منها وأدق وأكمل وأشمل قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ
стр. 1608
آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ (١).
وقد مرّ بنا في ثنايا البحث في مواضع عديدة كيف أنهم انخلعوا من الإيمان الحق والعقيدة القويمة والدين الصحيح، ليستقروا في قاع الحوض الآسن، خوض المادية والوثنية.
وفي الفصل الرابع من الباب الأول "التصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة" أدلة عديدة على مقدار انغماس الحداثيين في الإيمان بوثنيات جاهلية من وثنيات اليونان والبابليين والفراعنة والهنداكة والبوذيين والمشركين العرب.
ولا غرو أن يكون الحداثيون العرب بهذه المثابة في التعلق بهذه الوثنيات، فقد تلقوا هذا عن الغرب واستوردوا هذه المضامين مع ما استوردوه من مادية وعلمانية وحداثة، ولقد عبر بدر شاكر السياب عن الاتجاه نحو الخرافات والأساطير الغربية بقوله: (إن اللجوء إلى الخرافة والأسطورة وإلى الرموز من مظاهر الشعر الحديث المهمة. . . نحن نعيش في عالم لا شعر فيه أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح، إذن فالتعبير عن المباشر عن اللاشعر لن يكون شعرًا فماذا يفعل الشاعر إذن؟ يلجأ إلى الخرافات والأساطير التي لا تزال تحتفظ بحرارتها؛ ولأنها ليست جزءًا من هذا العالم) (٢).
هذه العبارات الواضحة الدلالة على ما نحن بصدده في إثبات إيمان الحداثيين بغيبيات وثنية وتعلقهم بأصنام جاهلية، ليس لها قيمة إلّا كما لأوثان الجاهليين العرب: "هبل واللات ومناة والعزى" غير أن الميزة الوحيدة للأوثان والأساطير والخرافات التي تعلق بها الحداثيون وآمنوا بها وجعلوها رموزًا للانبعاث والتقدم والتجدد أنها مستوردة من الغرب!!.
стр. 1609
ولذلك تبنى الغرب هذا الاتجاه من خلال مؤسساته الثقافية الاستخبارية مثل مؤسسة "فرانكلين" وحرية الثقافة (١) ومؤسسة "فلبرايت" ومؤسسة "فورد" ومؤسسة "روكفلر" (٢).
لقد قامت هذه المؤسسات بأدوار كثيرة في مواجهة الإسلام، في دعم العلمانية والأنماط الثقافية والسلوكية الغربية، وتجنيد العملاء المتدثرين بدثار الثقافة والأعلام، إلى غير ذلك من الأدوار والأعمال المشبوهة.
وكان العنصر الوثني والأسطوري -الآتي من الغرب أساسًا- من أهم العناصر الذي دعمته هذه المؤسسات؛ ليقوم بدور داعم للثقافة الغربية التي تريد أمريكا ودولة اليهود خاصة بثه ونشره في المنطقة (٣).
ومن أقرب البراهين على تبني الوثنيات البائدة تسمي مجموعة من شعراء الحداثة بالشعراء التموزيين (٤)، وتسمى النصيري علي أحمد سعيد باسم الوثن "أدونيس" وفي خرافات هذين الوثنين المنطلق الاعتقادي والعملي لهؤلاء الحداثيين، ولمن جاء بعدهم ممن تأثر بهم "ولا يخلو حداثي مهما صغر من التأثر بهم".
ومن خلال هذا الانتماء الوثني ترسخت علاقاتهم بالوثنيات على أوسع قاعدة، وحاولوا أن يفلسفوا التجديد والتحديث والانبعاث من خلال أساطير تموز وأدونيس فلسفة توافق طموحاتهم الحداثية القائمة على هدم كيان هذه الأمة وتحطيم مقوماتها.
ولقد وجد جبرا والثلة التموزية الذين معه في إحياء الرموز الوثنية وإشاعتها خير مدخل إلى السوق الثقافي العالمي -الغربي بطبيعة الحال- وأبشع مخرج عن الأمة وتاريخها وحضارتها ودينها وقيمها، وقد عبر جبرا
стр. 1610
عن هذا بقوله: (لقد نبهتنا نكبتنا الكبرى إلى حقيقة الذبول الذي أصاب شعبًا كبيرًا قرونًا عديدة، إلى حقيقة العتة الروحية التي ماعدنا نستطيع تحملًا لها، فوجد شاعر كيوسف الخال في الأسطورة البابلية خير رمز لمعاناتنا) (١).
ويعني هذا القول أنهم وجدوا المبتغى الروحي الذي يريدون في هذه الوثنيات والأساطير، التي أنقذتهم من "العنّة الروحية" حسب تعبير جبرا.
ولا يقتصر اعتقادهم في هذه الأوثان على مجرد استلهام مضامينها الخرافية -على ما في ذلك من وثنية وانحراف وضلال- بل توجهوا إليها بالعبادة والدعاء واعتقاد الخصيب والإحسان وطلب السقيا، شأنهم شأن أي جاهلي كان يركع للانصاب والأزلام، يقول السياب عن الوثن "عشتار":
(عشتار، أم الخصب، والحب والإحسان، تلك الربة الوالهة) (٢).
وينادي تموز متضرعًا:
(يا رب، تمثالك
فلتسق كل العراق
فلتسق فلاحيك، عمالك) (٣).
ويقول أيضًا في دعاء وثني ضارع، واصفًا الوثن بالربوبية:
(يارب تمثالك
فاسمع صلاة الرفاق
ولترع فلاحيك عمالك
تمثالك البعل
تمثالك الطفل
стр. 1611
تمثالك العذراء) (١).
وبشابه هذا التضرع والعبادة الوثنية تضرع البياتي وتبتله العبادي للوثن عشتار إله الخصب عند الفينيقيين، يناديه ويبحث عنه، ويتمناه، ويتضرع إليه أن يخلصه من السماء من الدين وعبادة رب العالمين، ويتمنى أن تنهلّ عشتار كالنجمة مستجبية دعاءه ملبية تضرعه، هذا وهو الماركسي المادي!!.
(وتمزقت وناديتك باسم الكلمة
باحثًا عن وجهك الحلو الصغير
في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة
وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء
وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراء
ضارعًا أسأل، لكن السماء
مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء
ودمى عمياء من طين وأشباح نساء
لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء
فمتى تنهل كالنجمة عشتار وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء
ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة
ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة) (٢).
ولست أريد هنا أن أستعيد ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول، وإنّما ذكرت بعض الشواهد على كون الحداثيين الذين يحاربون الغيبيات الحقيقية التي جاء بها الإسلام، ويجحدونها ويسخرون بها
стр. 1612
وبالمؤمنين الموقنين بما جاء من رب العالمين، والذين ما فتئوا يرددون أن الإيمان بالغيبيات رجعية، هؤلاء بأعيانهم آمنوا بغيبيات باطلة زائفة لا حقيقة لها، غيبيات جاهلية وثنية، وخرافات أسطورية.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾ (١).
ومن مقتضيات الفطرة أن الإنسان لابد أن يؤمن بغيب ولابد أن يتعبد لرب، ولكن الذي نراه من كلام الحداثيين أنهم ينفون الغيب ويجحدون الرب، فما حقيقة ذلك؟.
أمَّا الغيب فهم يؤمنون به رغمًا عنهم بمقتضى الفطرة الإنسانية ولكنه -كما سبق- غيب وثني جاهلي مادي منحرف ضال، وأمَّا الرب فإنهم دانوا لأرباب كثيرة من الأشخاص والمناهج والمذاهب تركوا دين الإسلام، نعم، ولكنهم استعاضوا عنه بدين الحداثة، تركوا غيبات الإسلام، نعم، ولكنهم أخذوا بدلًا عنها غيبيات الأوثان وغيبيات الداروينيين وغيبيات الحداثة.
стр. 1613
هذه حقيقة ثابتة، لست أنا وحدي الذي أقولها أو اكتشفتها بل قالها نقاد الحداثة أنفسهم، فها هو محمد جمال باروت يتحدث عن هذه القضية في مثال واحد هو "حركة مجلة شعر" التي عبر عن مقاصدها أحد أعلامها في قوله عن الشعر أنه (ميتافيزيقا الوجود، حينما يصبح الوجود معبرًا عنه في الحياة) (١).
ويؤكد باروت على أن الفهم الذي قامت عليه حركة مجلة شعر (قاد إلى أوهام نخوية ومثالية وميتافيزيقية عن طبيعة الشعر ووظيفته، تحول معها الشاعر إلى نمط آخر من الأنبياء والعارفين والرأيين والمتعالين) (٢).
وينقل عن أحد نقاد مجلة شعر قوله: (وكل شعر لم يعبر عن صولة هذا القدر وعن الغصة الكيانية التي يقاسيها الإنسان أو عن الفرح الذي ينبثق عن رؤيا الشاعر إذ ينفذ إلى عالم الغيب وراء المرئيات وعن دهشته وتعجبه وافتتانه إذ ينتظر إليه، فليس شعرًا) (٣).
أمَّا أدونيس الذي جعل الحديث من الماضي والغيبيات من ظواهر الخلل الفكري عند العرب (٤)، والذي جعل الإيمان الغيبي سببًا لعرقلة الوعي (٥)، والذي وصف الشاعر الثوري بأنه لا يُمكن أن يكون ثوريًا إلّا برفضه لقيم السماء وتعلقه بقيم الأرض (٦)، يقرر مع هذا كله -في تناقض صارخ-: (أن الميتافيزيقية هي الخاصية الرئيسية في نتاجها الشعري الحديث [يقصد مجلة "شعر"] فالكائن العربي المعاصر هو، في شعرنا كائن ميتافيزيقي، يغوص إلى عمق الأعماق ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل بين سيزيف والمسيح، بين اليأس ويقين الأمل) (٧).
стр. 1614
نعم قد يبدو هذا متناقضًا مع الأقوال السابقة، ولكن إذا نظرنا إلى الخيط الغيبي الذي يريد أن يصل به الميتافيزيقية الحداثية وجدناه يصل إلى اليونان والنصارى، وهذا المقصد يتفق مع المشروع الحداثي في محاربة الإسلام، سواء جاءت هذه المحاربة تحت راية المادية الإلحادية، أو تحت راية الوثنية اليونانية، أو تحت راية النصرانية أو النصيرية، فالهدف واحد.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه زعماء العلمنة والحداثة العرب أن الإنجاز ما عاد يقاس بالإنسجام مع مفاهيم غيبية بل بالعقلانية والقيم الجديدة المستبدلة فكرة البشرية بفكرة الألوهية (١)، في الوقت ذاته يجعلون الحداثة دينًا وغيبًا "ميتافيزيقيا" ويؤلهونها ويعبدونها.
يقول أحدهم: (الشعر هو الميتافيزيقيا وهو الأسطورة) (٢)، ويؤكد أن (اعتبار الشعر أسطورة أو ميتافيزيقيا تغلغل في المفاهيم النقدية بتأثير الترجمات المتتابعة لكتب الأساطير والأبحاث المتعلقة بها، مثل كتاب أدونيس لجيمس فريزر عام ١٩٥٧ م الذي يقول مترجمه جبرا إبراهيم جبرا أنه كان ذا "أثر عميق في الإبداع الأدبي في أوروبا بما هيأه للشعراء والكتاب من ثورة رمزية وأسطورية نرجو أن يقبل عليها أدباؤنا أيضًا لإغناء أدبنا الحديث" ثم توالت الكتب المترجمة بعد ذلك مثل كتاب "ما قبل الفلسفة" و"الغصن الذهبي" ونشرت عدة دراسات تعارض أو تعزز هذا الاتجاه، ووصل الأمر بدعاة "أسطرة" الشعر إلى القول بأن الشعر، ما هو إلا الميتافيزياء. . .) (٣).
ويصف باروت الأسس التي رست سفينة الحداثة في موانئها العديدة المختلفة، وليس من بينها مطلقًا أي ميناء إسلامي فيقول شارحًا أسس الرؤية الحداثية (٤):
стр. 1615
(١ - تشويش الوعي، ضمن المنظور الصوفي لعالم الداخل، والذي هو بالدرجة الأولى منظور كشفي، فالشعر لديه هو ما تلتقطه "عدسة الغيبوبة" في اكتشافها واستقصائها لـ "ساحة ما وراء الطبيعة" وهو ما "يفيض له اللاشعور المستعر ويخنس الوعي". . .
٢ - الربط بين مفهوم "الرؤيا" الشعرية "اللاشعورية" إلى الحد الذي يترادفان فيه، ويصبح فيهما الشعر حالة من "السكر" و"الإشراق" تعطي الأولوية للبحث الميتافيزيقي عن المطلق) (١).
وهذا النص يعيدنا إلى ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول من تأثر الحداثة بالفرق المنتسبة إلى الإسلام مثل الفرق الشيعية، الرافضة، والباطنية بفرقها العديدة، والصوفية الفلسفية، التي يعتبر تراثها -المدنس بالشركيات والخرافات- معينًا لشعراء الحداثة، بجامع المجانسة بين كلا الاتجاهين في الإيمان بغيبيات ضالة خرافية وجحد الغيبيات التي ثبتت بالوحي الصحيح.
وهذا جانب آخر من جوانب الغيبيات الحداثية، يضاف إلى الجوانب السالفة الذكر.
وفي الكتاب الذي قرر فيه أدونيس أن الإيمان بالغيب ظلام ورجعية ووسبب لعرقلة الوعي (٢)، يقرر فيه أيضًا أن الحداثي يكشف الغيب ويعلم به، ويشبهه بالأنبياء شرفهم اللَّه وأعزهم عن هذا التدنيس، كل ذلك تحت عبارات مموهة خادعة هي "الرؤيا" و"الرؤيا الإشراقية" و"الحلم" و"الكشف" و"الخيال" والتي تصب كلها في أن الشاعر الحداثي يعلم الغيب ويتجاوز حدود المحسوس والمعقول إلى آفاق يتحد فيها مع الحقيقة بالكشف الصوفي والاتحاد الصوفي، والاستبطان الصوفي، ولم يقل الباطني، مع أن العقيدة الباطنية أقرب إلى هذه المفاهيم من عقائد فلاسفة التصوف الذين شاركوا الباطنية في مفاهيمهم الضالة هذه.