← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

تمثالك العذراء) (١). وبشابه هذا التضرع والعبادة الوثنية تضرع البياتي وتبتله العبادي للوثن عشتار إله الخصب عند الفينيقيين، يناديه ويبحث عنه، ويتمناه، ويتضرع إليه أن يخلصه من السماء من الدين وعبادة رب العالمين، ويتمنى أن تنهلّ عشتار كالنجمة مستجبية دعاءه ملبية تضرعه، هذا وهو الماركسي المادي!!. (وتمزقت وناديتك باسم الكلمة باحثًا عن وجهك الحلو الصغير في عصور القتل والإرهاب والسحر وموت الآلهة وتمنيتك في موتي وفي بعثي وقبلت قبور الأولياء وتراب العاشق الأعظم في أعياد موت الفقراء ضارعًا أسأل، لكن السماء مطرت بعد صلاتي الألف ثلجًا ودماء ودمى عمياء من طين وأشباح نساء لم يرين الفجر في قلبي، ولا الليل على وجهي بكاء فمتى تنهل كالنجمة عشتار وتأتي مثلما أقبل في ذات مساء ملك الحب لكي يتلو على الميت سفر الجامعة ويغطي بيد الرحمة وجهي وحياتي الفاجعة) (٢). ولست أريد هنا أن أستعيد ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول، وإنّما ذكرت بعض الشواهد على كون الحداثيين الذين يحاربون الغيبيات الحقيقية التي جاء بها الإسلام، ويجحدونها ويسخرون بها

стр. 1612

وبالمؤمنين الموقنين بما جاء من رب العالمين، والذين ما فتئوا يرددون أن الإيمان بالغيبيات رجعية، هؤلاء بأعيانهم آمنوا بغيبيات باطلة زائفة لا حقيقة لها، غيبيات جاهلية وثنية، وخرافات أسطورية. قال اللَّه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾ (١). ومن مقتضيات الفطرة أن الإنسان لابد أن يؤمن بغيب ولابد أن يتعبد لرب، ولكن الذي نراه من كلام الحداثيين أنهم ينفون الغيب ويجحدون الرب، فما حقيقة ذلك؟. أمَّا الغيب فهم يؤمنون به رغمًا عنهم بمقتضى الفطرة الإنسانية ولكنه -كما سبق- غيب وثني جاهلي مادي منحرف ضال، وأمَّا الرب فإنهم دانوا لأرباب كثيرة من الأشخاص والمناهج والمذاهب تركوا دين الإسلام، نعم، ولكنهم استعاضوا عنه بدين الحداثة، تركوا غيبات الإسلام، نعم، ولكنهم أخذوا بدلًا عنها غيبيات الأوثان وغيبيات الداروينيين وغيبيات الحداثة.

стр. 1613

هذه حقيقة ثابتة، لست أنا وحدي الذي أقولها أو اكتشفتها بل قالها نقاد الحداثة أنفسهم، فها هو محمد جمال باروت يتحدث عن هذه القضية في مثال واحد هو "حركة مجلة شعر" التي عبر عن مقاصدها أحد أعلامها في قوله عن الشعر أنه (ميتافيزيقا الوجود، حينما يصبح الوجود معبرًا عنه في الحياة) (١). ويؤكد باروت على أن الفهم الذي قامت عليه حركة مجلة شعر (قاد إلى أوهام نخوية ومثالية وميتافيزيقية عن طبيعة الشعر ووظيفته، تحول معها الشاعر إلى نمط آخر من الأنبياء والعارفين والرأيين والمتعالين) (٢). وينقل عن أحد نقاد مجلة شعر قوله: (وكل شعر لم يعبر عن صولة هذا القدر وعن الغصة الكيانية التي يقاسيها الإنسان أو عن الفرح الذي ينبثق عن رؤيا الشاعر إذ ينفذ إلى عالم الغيب وراء المرئيات وعن دهشته وتعجبه وافتتانه إذ ينتظر إليه، فليس شعرًا) (٣). أمَّا أدونيس الذي جعل الحديث من الماضي والغيبيات من ظواهر الخلل الفكري عند العرب (٤)، والذي جعل الإيمان الغيبي سببًا لعرقلة الوعي (٥)، والذي وصف الشاعر الثوري بأنه لا يُمكن أن يكون ثوريًا إلّا برفضه لقيم السماء وتعلقه بقيم الأرض (٦)، يقرر مع هذا كله -في تناقض صارخ-: (أن الميتافيزيقية هي الخاصية الرئيسية في نتاجها الشعري الحديث [يقصد مجلة "شعر"] فالكائن العربي المعاصر هو، في شعرنا كائن ميتافيزيقي، يغوص إلى عمق الأعماق ويتضامن مع الآخر، ويحيا مصلوبًا فوق الخيط الذي يصل بين سيزيف والمسيح، بين اليأس ويقين الأمل) (٧).

стр. 1614

نعم قد يبدو هذا متناقضًا مع الأقوال السابقة، ولكن إذا نظرنا إلى الخيط الغيبي الذي يريد أن يصل به الميتافيزيقية الحداثية وجدناه يصل إلى اليونان والنصارى، وهذا المقصد يتفق مع المشروع الحداثي في محاربة الإسلام، سواء جاءت هذه المحاربة تحت راية المادية الإلحادية، أو تحت راية الوثنية اليونانية، أو تحت راية النصرانية أو النصيرية، فالهدف واحد. وفي الوقت الذي يؤكد فيه زعماء العلمنة والحداثة العرب أن الإنجاز ما عاد يقاس بالإنسجام مع مفاهيم غيبية بل بالعقلانية والقيم الجديدة المستبدلة فكرة البشرية بفكرة الألوهية (١)، في الوقت ذاته يجعلون الحداثة دينًا وغيبًا "ميتافيزيقيا" ويؤلهونها ويعبدونها. يقول أحدهم: (الشعر هو الميتافيزيقيا وهو الأسطورة) (٢)، ويؤكد أن (اعتبار الشعر أسطورة أو ميتافيزيقيا تغلغل في المفاهيم النقدية بتأثير الترجمات المتتابعة لكتب الأساطير والأبحاث المتعلقة بها، مثل كتاب أدونيس لجيمس فريزر عام ١٩٥٧ م الذي يقول مترجمه جبرا إبراهيم جبرا أنه كان ذا "أثر عميق في الإبداع الأدبي في أوروبا بما هيأه للشعراء والكتاب من ثورة رمزية وأسطورية نرجو أن يقبل عليها أدباؤنا أيضًا لإغناء أدبنا الحديث" ثم توالت الكتب المترجمة بعد ذلك مثل كتاب "ما قبل الفلسفة" و"الغصن الذهبي" ونشرت عدة دراسات تعارض أو تعزز هذا الاتجاه، ووصل الأمر بدعاة "أسطرة" الشعر إلى القول بأن الشعر، ما هو إلا الميتافيزياء. . .) (٣). ويصف باروت الأسس التي رست سفينة الحداثة في موانئها العديدة المختلفة، وليس من بينها مطلقًا أي ميناء إسلامي فيقول شارحًا أسس الرؤية الحداثية (٤):

стр. 1615

(١ - تشويش الوعي، ضمن المنظور الصوفي لعالم الداخل، والذي هو بالدرجة الأولى منظور كشفي، فالشعر لديه هو ما تلتقطه "عدسة الغيبوبة" في اكتشافها واستقصائها لـ "ساحة ما وراء الطبيعة" وهو ما "يفيض له اللاشعور المستعر ويخنس الوعي". . . ٢ - الربط بين مفهوم "الرؤيا" الشعرية "اللاشعورية" إلى الحد الذي يترادفان فيه، ويصبح فيهما الشعر حالة من "السكر" و"الإشراق" تعطي الأولوية للبحث الميتافيزيقي عن المطلق) (١). وهذا النص يعيدنا إلى ما سبق ذكره في الفصل الرابع من الباب الأول من تأثر الحداثة بالفرق المنتسبة إلى الإسلام مثل الفرق الشيعية، الرافضة، والباطنية بفرقها العديدة، والصوفية الفلسفية، التي يعتبر تراثها -المدنس بالشركيات والخرافات- معينًا لشعراء الحداثة، بجامع المجانسة بين كلا الاتجاهين في الإيمان بغيبيات ضالة خرافية وجحد الغيبيات التي ثبتت بالوحي الصحيح. وهذا جانب آخر من جوانب الغيبيات الحداثية، يضاف إلى الجوانب السالفة الذكر. وفي الكتاب الذي قرر فيه أدونيس أن الإيمان بالغيب ظلام ورجعية ووسبب لعرقلة الوعي (٢)، يقرر فيه أيضًا أن الحداثي يكشف الغيب ويعلم به، ويشبهه بالأنبياء شرفهم اللَّه وأعزهم عن هذا التدنيس، كل ذلك تحت عبارات مموهة خادعة هي "الرؤيا" و"الرؤيا الإشراقية" و"الحلم" و"الكشف" و"الخيال" والتي تصب كلها في أن الشاعر الحداثي يعلم الغيب ويتجاوز حدود المحسوس والمعقول إلى آفاق يتحد فيها مع الحقيقة بالكشف الصوفي والاتحاد الصوفي، والاستبطان الصوفي، ولم يقل الباطني، مع أن العقيدة الباطنية أقرب إلى هذه المفاهيم من عقائد فلاسفة التصوف الذين شاركوا الباطنية في مفاهيمهم الضالة هذه.

стр. 1616

يقول أدونيس بعد أن وصف جبران خليل جبران بالنبوة وفصل حيثيات هذا النعت بأنها نبوة مفرغة من دلالتها الإلهية، وأن جبران بموقفه النبوي -حسب تعبير أدونيس- وبطموحه النبوي صار (يرى الخفي المحجوب ويلبي نداءه، ويسمع أسرار الغيب، ويعلنها، والمعلوم عنده ليس إلّا مطية إلى المجهول) (١). بعد هذه الأوصاف يتحدث أدونيس قائلًا: (يصح في هذا الضوء، أن نسمي جبران كاتبًا رؤيويًا، والرؤيا في دلالتها الأصلية، وسيلة الكشف عن الغيب، أو هي العلم بالغيب، ولا تحدث الرؤيا إلّا في حالة انفصال عن عالم المحسوسات. . . وتتفاوت الرؤيا عمقًا وشمولًا، بتفاوت الرائين، فمنهم ممن يكون في الدرجة العالية من السمو، من يرى الشيء على حقيقته، ومنهم من يراه ملتبسًا، وذلك بحسب استعداده، وأحيانًا يرى الرائي في حلمه، وأحيانًا يرى في قلبه وبقدر ما يكون الرائي بقلبه مستعدًا لاختراق عالم الحس أو حجاب الحس تكون رؤياه صادقة. . . فالرؤيا إذن نوع من الاتحاد بالغيب بخلق صورة جديدة للعالم، أو بخلق العالم من جديد. . . والرؤيا إذن تعني ببكارة العالم، ويعني الرائي بأن يظل العالم له جديدًا، كأنه يخلق ابتداء، باستمرار. ومن هنا ضيقه بالعالم المحسوس لأنه عالم الكثافة، أي عالم الرتابة والعادة، وانشغاله بعالم الغيب الذي هو مكان التجدد المستمر، من حيث أنه احتمال دائم. ومن هنا كذلك يرفض الرائي عالم المنطق والعقل، فالرؤيا لا تجيء وفقًا لمقولة السبب والنتيجة، وإنّما تجئ بلا سبب في شكل خاطف مفاجيء، أو تجيء إشراقًا. والرؤيا إذن كشف، إنها ضربة تزيح كل حاجز، أو هي نظرة تخترق الواقع إلى ما وراءه. . .

стр. 1617

والرؤيا هنا تتجاوز الزمان والمكان، أعني أن الرائي تتجلى له أشياء الغيب خارج الترتيب أو التسلسل الزماني وخارج المكان المحدود وامتداده. . . والرؤيا إذن إبداع، ويُمكن تعريف المبدع، على صعيد الرؤيا، بأنه من يبدع في نفسه صورة خيالية أو مثالًا، ويبرزه إلى الوجود الخارجي" وكل شخص لا ينطلق من هذا الإبداع في نفسه لا يسمى مبدعًا. . .) (١). أدونيس هنا يقر بعالم الغيب ويؤكده بل ويجعله مجال الإبداع وأفق الرؤيا، وهناك -في الكتاب نفسه- ينفي الغيبيات ويجحدها ويجعل الإيمان بها من علائم التخلف، لماذا؟. الغيبيات التي يسعى أدونيس -وسائر الحداثيين- في اطراحها هي الغيبيات التي أثبتها الإسلام وجاء بخبرها القرآن وصحيح السنة، والغيبيات التي يثبتها هنا هي غيبيات الحداثة من الوثنيات والأساطير اليونانية، حتى السوريالية، ومن غيبيات داروين وماركس وفرويد، حتى غيبيات الباطنية والصوفية، المهم في ذلك كله ألا تكون هذه الغيبيات مما جاء به الإسلام، فهل من إباء في نفوس المسلمين يبعث حمية الإسلام في قلوب تحب اللَّه ورسوله ودينه، فتدفع غائلة هذا الجور الحداثي والظلم الإلحادي الذي انفسحت له صدور المنتديات والملاحق الأدبية والمكتبات: (إذا المرءُ لم يدفع يد الجور إن سطت … عليه فلا يأسف إذا ضاع مجده وأقتل داء رؤية المرء ظالمًا … يسيء ويتلى في المحافل حمده علام يعيش المرء في الدهر خاملًا؟ … أيفرح في الدنيا بيوم يعده؟ يرى الضيم يغشاه فيلتذ وقعه … كذي جرب يلتذ بالحك جلده) (٢)

стр. 1618

ومن نوافذ أدونيس على الغيب -غير ما سبق ذكره- قوله: (فينيق خل بصري عليك، خل بصري ألمح خلال نارك الغيب الذي يختبيء - الذي يلف جرحنا وألمح الركام والرمال والدجى واللَّه في قماطه، اللَّه الذي تلبسه إيامنا حرائقًا غصصًا وجدُرا تلبسه ولا ترى) (١). هذا هو التجديد الحداثي!!، وهذه هي الغيبيات التي يرى من خلالها أهل الحداثة!!، تقديس لفينيق في مقابل الاستخفاف باللَّه -جلَّ وعلا-، إعلاء لشأن الأوثان، وتهوين لجلال الرحمن إعادة بنيان الوثنية المندثر، ومهاولة لهدم بنيان التوحيد، وتقويض دعائم ملة الإسلام، هذا ملخص مراد الحداثة والحداثيين، وفي النص الأدونيسي السابق وما قبله خير برهان على هذا، ولكن الإمعات لا يفقهون!!. ويشرح أدونيس خطته الحداثية التي تبدأ من بيارق الرفض -وكل باطني رافضي- وتنزل إلى معركة يحارب فيها القمر والهلال رمز المسلمين، ويقاتل الدين الذي يصفه بأنه عنقاء خرافية، عنقاء مشعوذة، وينحني لصداقة البرق والرعد: الحداثة والغرب وفروعها، ثم يجعل العقرب -شبيهه في الفسق والأذى- وطنًا، ويصبغ هذا الوطن بالحلم الغيبي الوثني الحداثي، مجد يكتبه الكاهن سطيح والرخ الطائر الخرافي، فيقول: (تحت بيارق الرفض أسرج كلماتي - في مخضون وجهي عرس آخر والأرض بين يدي امرأة أحارب لحمي الممزق، انحنى لصداقة البرق، وبالرعد

стр. 1619

أمسح جراحي قاتل القمر أنا، قاتل العنقاء المشعوذة، أركب صهوة السمندل واتنشق الجمر العقرب يرتسم وطنًا، الضفدع يلبس قناع التاريخ، المجد يكتبه سطيح والرخ - لكن صراخي سيبقى: آه يا قفا العالم آه يا عذوبة الأشياء المنكرة) (١). ولا يستنكف أدونيس من وصف نفسه وكلامه بالغيبي، فقد لقن أتباعه ما يكفي لنفي الغيب الحقيقي، ولينشيء لنفسه عالمًا من الهالات الغيبية لتتبعه العقول الغبية (٢)، يقول: (وأنا الصاعق الحدود، أنا الرحم الأولية ويقولون: هذا غموض ويقولون: غيب غيبي كلماتي غيبي خطواتي واجمحي وخذيني أيها الشهوة الملكية) (٣). وبعد هذا الاستعلاء الزعامي الإبليسي تسمع هتاف المصفقين من الأتباع المخذولين، وترى مكاءهم التبجيلي على صفحات الملاحق الثقافية وفي المنتديات: (مثلما تخبط الرياح الرياح … ادبروا، اقبلوا، أصاحوا، وصاحوا

стр. 1620

مثلما تكمن الأفاعي تخفّوا … وكما تحرق المحاطيب لاحوا وكما يبرد النحاس ويحمي … أشهروا، أغمدوا، أغذوا، أراحوا) (١) ومع أن فحيح الحداثة لا ينقطع في كتابات أدونيس إلّا أنه يمزجه بفحيح آخر مستجلب من الأصقاع الباطنية، بل إنه لا ينفك يردد مضامين باطنيته في كل فرصة تتاح له، ومن أمثلته قوله: (وقال القرمطي: الجسد صورة الغيب وحمل الأرض في كتفي ناقة وأعلن أنا الداعية والحجة) (٢). ثم يعقب على هذا مباشرة بخطاب يوجهه للقرمطي يدعوه أن يستغويه!! ليتوافقا ويتناصرا، وصولًا إلى الإباحية: (استغونا أيها السيد استدرجنا قل لنا من كذب ومخرق مَن البلية من خدع الجسد بنواميسه؟ استغونا استدرجنا نتوافق نتناصر ننصب الدعوة وندخل في تميمة الإباحة) (٣).

стр. 1621

﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١)، هنا ندرك مظاهر التآمر الآثم، والخبث المتراكم والهدم المتعمد، والتوجه القاصد نحو كل دسيسة نجسة. وقد تبحر أدونيس في ظلمات الغيبيات الوثنية والمادية والباطنية، ولم يقتصر على ذلك بل امتد إلى غيبيات ثابتة في أصلها، جاء الخبر عنها في الوحي المعصوم في الكتاب والسنة مثل: الشيطان والجن والسحر والكهانة والعرافة وأشباهها، غير أنه تحدث عنها بأسلوبه الحداثي الباطني، حيث سخرها في رمزية أسطورية لتحقيق مآرب حداثية، ومقاصد باطنية، فمن ذلك وصف نفسه ومن على منواله ومنهجه بالساحر والكاهن والعراف الشيطان؛ لأن هؤلاء -في تصوره- أصحاب قدرات غيبية خارقة وأفعال باهرة، ومناقضة واضحة للدين، فهو يضعهم في منصب الأسوة، ويجعلهم نماذج للاقتداء!!. انظر إلى قرناء المرء تعرفه … بهم وإن أنت لم تكشفه عن خبر (٢). يقول أدونيس عن "العهد الجديد" عهد الحداثة: (يجهل إن يتكلم هذا الكلام يجهل صوت البراري إنه كاهن حجري النعاس إنه مثقل باللغات البعيدة هوذا يتقدم تحت الركام في مناخ الحروف الجديدة) (٣). ويتواصل مع صنوه الشيطان تواصلًا حقيقيًا، فمرة يعد نفسه يرى كل

стр. 1622

شيء من الخطوة الأولى على وفق دعواه الإلحادية بنبوة الشاعر الحداثي، ولكنه يحيل قدرته المزعومة هذه إلى كونه غنّى في عرس الشيطان وحضر وليمة الخرافة، وقد صدق وهو كذوب فإنه تلقى عن الشيطان وشرب من رجسه، وحضر ولائم خرافاته ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (١). يقول أدونيس: (قلت لكم أصغيت للبحار تقرأ لي أشعارها، أصغيت للجرس النائم في المحار قلت لكم غنيت في عرس الشيطان في وليمة الخرافة قلت لكم رأيت في مطر التاريخ، في توهج المسافة جنية وبيت وأنني أبحر في عينيّ قلت لكم رأيت كل شيّ في الخطوة الأولى من المسافة) (٢). أي أنه يرى الغيب ويكشف المغيبات، ويرى ما لا يُرى، ويعرف كل شيء، ويتوقع ما يُمكن أن يحدث، وهي دعاوى دأب أدونيس على تكرارها ليطبع في أذهان اتباعه القدرة الخارقة له فتذعن له عقولهم وقلوبهم، وهذا ما حصل فعلًا!!.

стр. 1623

وفي موضع آخر يدعو قرينه الشيطان قائلًا: (أيها الشيطان يا مركبتي فوق النجوم. . . أهجرُ الأحلام في أهدابك المرتجفة وابْقَ في حنجرتي أيها الشيطان يا مركبتي تحت النجوم) (١). ولا يكتفي بشيطان واحد يقترن به بل يخترع شياطين أخرى ويدخل معهم في سياق، وهم أتباعه وأشباهه من الحداثيين، يقور: (أبتكر ماءً لا يرويني، كالهواء أنا ولا شرائع لي - أخلق مناخًا تتقاطع فيه الجحيم والجنة، أخترع شياطين أخرى وأدخل معها في سباق وفي رهان) (٢). وفي حوار أجراه بين امرأة ورجل، ويريد نفسه بذلك، جعل نفسه من سلالة الشيطان، وهذه حقيقة من جهة عقيدته وأفكاره، وفي قوله هذا تمجيد للشيطان، وإجلال وتعظيم، وقد أوضحت آنفًا مراده بهذا، يقول أدونيس على لسان المرأة التي تسأل: (- من أنتَ؟ - بهلول بلا مكان من حجر الفضاء من سلالة الشيطان) (٣). وهكذا -بعيدًا عن أي التباس أو توضيح- يرسم أدونيس لنفسه وللحداثيين شجرة النسب غير الزكية، ويوضح موقعهم من هذه الشجرة: إنهم من سلالة الشيطان. وهو إذ يكشف هذه الحقيقة لا يزيد القضية إلّا تأكيدًا فمن اطلع على

стр. 1624

قليل من كتاباتهم علم أنهم ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾ (١). وأيقن أنهم قد أزتهم الشياطين وأخذت بأعناقهم في مستنقعات الزيف والضلال والعمالة ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ (٢)، فهاهم باعترافهم الكامل ينتسبون إلى الشيطان بكل اعتزاز، لا جرم أن لهم هذه النسبة بأوسع معانيها ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ (٣). وليس هذا الانتساب للشيطان والتمجيد له مما اختص به أدونيس بل غيره على منواله، ومن ذلك قول أنسي الحاج: (أفضل ما في الشيطان أنه على عكس أهل التعصب لا يدعي امتلاك الحقيقة) (٤). ولا ريب أنه أخذ خبث الشيطان وقذارته، إلى الحد الذي جعل أدونيس يخاطبه قائلًا: (أحييك يا أنسي، أيتها القصيدة المارقة، أيها الشيطان الأصغر يا صديقي يا أخي) (٥) في رسالة يؤكد فيها أدونيس أوصافًا شيطانية لا تليق إلّا بهم منها قوله: (نحن هداميون، وكل منا قائد اللوعة والرماد، كل منا الهلع والضرب، الوجود حد لنا، وجودكم كريه، كريه عدو، لن نتقبله لن نصادقه. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا، نعرف ذلك، سنعمقها، سنوسعها، سنصنع لها أجنحة من الريح والضوء) (٦). لو وصف إبليس نفسه وأعماله وطموحاته التخريبية بوصف ما أخاله

стр. 1625

يزيد على هذه الأوصاف ولو تتبعنا وصف اللَّه تعالى لخطوات الشيطان لوجدنا أكثرها في هذا الوصف الذي أطلقه أدونيس على نفسه وصاحبه وسائر أتباع مذهبه. ومن الانتساب للشيطان قول توفيق زياد: (ألف شيطان يغني، في فؤادي ويهني إنها فرحة عمري. . فرحة أكبر مني من أزاميلي وأحلامي وما يصنع فني) (١). فهذا شهد على نفسه، وصدق، وهو الماركسي الكذوب، أن الشياطين في فؤاده تغني، ولكن العجيب في أمرهم أنهم يفرحون ويفتخرون بذلك "فرح الجعل بدحروجته". (وإذا الفاحش لاقى فاحشًا … فهناكم وافق الشن الطبق) (٢) ولذلك تجد الثناء على الشيطان وعلى مواقفه!! وخاصة في معصية للَّه ومعارضته لأمره، ويعتبرونه بهذا الموقف رمزًا لهم في الرفض والتجاوز، والإثم والعصيان والمخالفة للسائد، والرد على اللَّه تعالى، والمناؤة لشريعته والتكذيب لخبره، وفي ذلك يقول أمل دنقل: (المجد للشيطان. . معبود الرياح من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم" من علم الإنسان تمزيق العدم من قال "لا" فلم يمت وظل روحًا أبدية الألم) (٣).

стр. 1626

وكذب الحداثيون وصدق اللَّه ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (١). وفي مواضع أخرى يصف أدونيس نفسه بأنه عزاف، ويمارس العرافة، وهي صورة مكررة لوصفه نفسه بالكهانة، يقول أدونيس: (وانشق الرغيف كأنه أفق النبي وأنا العرافة ودخلت في لهب المسافة أتزوج النار البعيدة فيّ، اقتلع الزمن كالعشب) (٢). ويقول: (وأنا اليوم نكهة كوكبية أتمرأى، وأصهر الدهر مرآة انخطاف لوجهي العراف للنهار المسنون كالقلب، للفتح لسحر الأبعاد والأطراف) (٣). ويقول في المقطوعة نفسها: (فأنا عاشق غريب تيممتها، والعرافة كوكبي، يا بريد المسافة

стр. 1627

رافقتني الرياح وأحجارها النبوية) (١). وفي ميدان الكهانة والعرافة يركض إلى السحر والجن راسمًا لنفسه هالات من القدرة على اكتناه الغيب -مع أنه ينكر الغيب- ولكنها طقوس الحداثة ولوازم الترؤس على الأتباع الأغمار حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام. يقول أدونيس: (ساحر أنا واسمها البخور والجرن ساحر أنا وهي مجاميري وهيكلي في بدايات الجمر أتطاول في كثافة الدخان راسمًا إشارات السحر ساحرا جرحها) (٢). ويقول عن مهيار، وهو الرمز الباطني والقناع الذي يختفي خلفه أدونيس: (مهيار جسر إلى الهبوط حتى السحر والشقاء في الجسد الأرض أو في جسد السماء جسدي هنا، جسدي هنا لك ساحر صوت يئن بلا صدى يرتاد يفتح المدى هو والمدى) (٣). وفي المقطع نفسه يقول قبل النص السابق:

стр. 1628

(كنت أغامر في الغابات أركض خلف الجنيات أحلم أن الجنيات خبز) (١). ولا ينسى أن يستدعي عقيدته الشيعية في قضية السحر، فيتحدث عن كتاب "الجفر" (٢) كتاب السحر المزعوم الذي ينسبه الشيعة إلى بعض أئمتهم!!، يقول أدونيس: (وجهي صخب طائر تقاسمه الصوت اسأليني أجب تكلم جفر رصدتني خيوله انطفاء الهمس. . .) (٣). وفي هذا الاتجاه خاض البياتي كثيرًا، خاصة في قضية السحر والساحر، مع كونه يعتقد الماركسية ويدين بدين الشيوعية المادية، إلّا أنه يردد هذه الغيبيات على المنوال الذي سبق ذكره عند أدونيس يقول البياتي عن الشاعر الحداثي: (يرتدي الشاعر ثوب الساحر الميت يخفى وجهه تحت القناع ويعاني في حضور الكلمات وحشة النبذ بأرض النوم والسحر وآلام المخاض حبه أعمى وشحاذ لنور الكائنات يتبع الشمس التي مدت وراء القبر للموتى ذراع وعلى أرصفة الليل يغني الساحرات) (٤).

стр. 1629

وفي آخر هذه التهويمة الكهنوتية التي يحاول أن يصف فيها شعراء الحداثة بالتقدم واستشراف الغيب، يتحدث عن الأمة وتاريخها فيقول: (وأنا منتظر وحدي، هنا، من ألف عام دون أن يفتح باب في الظلام) (١). وفي مقطوعة أخرى يجعل "وضاح اليمن" (٢) قناعًا للشاعر الحداثي فيقول عنه: (يصعد من مدائن السحر من كهوفها وضاح متوجًا بقمر الموت ونار نيزك يسقط في الصحراء تحمله إلى الشآم عندليبًا برتقاليًا مع القوافل السعلاة وريشة حمراء ينفخها الساحر في الهواء يكتب فيها رقية لسيدات مدن الرياح) (٣). هنا يقر بالسحر وبالسعالي، وإن اتخذها رمزًا لغرض مّا، وفي موضع آخر من كتبه يفتخر بأنه قد ضمر عنده الباعث الميتافيزيقي ونما الواقع الاجتماعي والسياسي (٤)، أي الشيوعي الماركسي، ويريد بالباعث الميتافيزيقي، الباعث الغيبي عمومًا والدين الإسلامي على وجه الخصوص، ودليل ذلك ما قرره قبل هذا الكلام من أن الكتب الدينية ليست سوى فخ كبير نصب للبشر ليقعوا فيه (٥).

стр. 1630

وفي مرثية قالها في "اخناتون" الرمز الفرعوني يحشد البياتي عبارات التبجيل والاحتفال. ويسوق أخبار السحر وشعائره، والسحرة وأعمالهم، ويسهب في ذكر قدراتهم الخارقة وأفعالهم المبهرة - حسب ما يصوره له جهله وضلاله (١) على النمط الذي سبق شرحه في تأثرهم بالأساطير واهتمامهم بها. وإن كان البياتي يؤمن بالطبيعة ربًا على وفق عقيدته الماركسية إلّا أنه يرى أن ساحرًا آشوريًا أحيا جسد ربته الطبيعة: (وكان ضوء القمر الأحمر في آشور يصبغ وجهي ويدي ويغمر الضريح فدبت الحمرة في خدي ودب الدم في العروق بكلمات سحره الأسود أحيا جسد الطبيعة الميت والجذور وفجر السحاب والبروق فأرعدت وأبرقت وأمطرت سماء ليل العالم الزهور) (٢). ويقول عن عشتار التي طالما أعلن عن طاعته وعبوديته لها: (حبي أغنية كتبتها ساحرة فوق معابد عشتار) (٣). وينتسب إلى الإغريق وينتمي إليهم تعلمًا، وإلى السحرة والمنجمين والحلاج وحركته الزنج انتسابًا، من خلال مدحه أو رثائه -لا فرق- لأستاذه وقرينه في العقيدة "بابلو نيرودا" (٤) قدوة الحداثيين العرب، ومهبط مدائحهم وبكائياتهم!!.

стр. 1631

يقول البياتي: (قاتلت مع الإغريق في مجاهل الشرق دفعت وأنا أمارس السحر أسيرًا فتعلمت من الأنهار كيف حمل النار إلى زماننا هذا وأصطاد لك الفراشة - الوعل - الغزال - القمر المنجمون احتشدوا في مدن الطفولة الحلاج كان بقميص الدم مصلوبًا وكان قائد "الزنج" على الفرات ينهي لعبة الخليفة) (١). أمَّا الكهانة والعرافة والتنجيم فإن لرواجها في سوق الحداثيين عدة أسباب من أهمها أن طلائع هذا الاتجاه كالسياب والبياتي حملوا على عواتق شعرهم هذه المضامين ورسخوها وسنّوها سنة سيئة عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وأنهم أرادوا تقليد الغربيين في عودتهم إلى الجذور الوثنية اليونانية والغيبيات الإغريقية. وللبياتي مقطوعة بعنوان "الكاهنة" مترعة بالمعاني الخرافية وأهمها أنه جعل فكرته الحداثية بمثابة الكاهنة ولكنها تحت شفتيه، وقد صدق في هذا، إذ بين الحداثيين والكهان قواسم مشتركة عديدة منها الكفر باللَّه تعالى والكذب وخبث الطوية وسوء الفعال ونتن الخصال، يقول البياتي عن فكرته: (وأنت تحت شفتي كاهنة تبوح بالأسرار) (٢). ولا ينسى أن يذكر العرافة وأقوالها وأفعالها وهو المادي الذي لا يؤمن

стр. 1632

بما وراء المادة، ويذكرها أيضًا في سياق احتفاله بذكر صنوه الشيوعي "غيفارا" (١) فيا لها من مفارقة غريبة (٢)!!، ومثلها حديثه عن قارئة الكف (٣) وعن المنجمين (٤). ولا يشعر الحداثيون بأي حرج عقلي أو ثقافي في عدم التطابق بين مذاهبهم المادية التي تؤكد على الإلتزام بالمحسوس، والكفر بما وراء الحس مع إيمانهم -في الوقت ذاته- بغيبيات. وليس هذا هو التناقض الوحيد في هذه الملة المليئة بالضلالات والخرافات والتناقضات. لقد قرروا إدانة العقل والوعي (٥)، واعتبار هذه الإدانة أصلًا من أصولهم. يقول إحسان عباس: (. . . ارتباط جانب من هذا الشعر بالرفض المطلق فيه تحد للعلم والعقل والنظام. . .) (٦). ويقول ناقد حداثي آخر: (إن البلبلة والتشوش سمة مميزة للحداثة التي تريد أن تنطوي على وجود بدون وجود، وعلى نص بدون نص، وعلى سؤال بدون سؤال. . . فالحداثة هي اللاذات، اللاأساس، اللاقول، اللاذاكرة حيث بالإمكان تمديد هذه المتوالية من اللاءات إلى ما لا نهاية: اللامنطق، اللاعقل، اللاحداثة، وبذلك فإن الكتابة "الحداثية" تغدو ممكن قول أي شيء. . . إذا كان للضرورة من معنى في هذا السياق "الحداثي" هي حرية التحرر

стр. 1633

من العقل) (١). لا أريد هنا أن أذكر كل ما لدي من أقوالهم التي من هذا القبيل، فهي كئيرة، ولكن المراد بيان بعض جوانب الإجابة على السؤال: كيف يؤمن الحداثيون بغيبيات مّا، وهم ماديون يجحدون ما وراء الطبيعة وما خلف الحس؟. هذا سعدي يوسف الشيوعي العراقي يتخذ اسمًا لنفسه "الأخضر بن يوسف" (٢)، ويسهب في الحديث عنه وتلقى الحديث منه، فيفسر إحسان عباس ذلك بأنه (تعبير دقيق عما يسميه بعض الدارسين "القرين" حيث يصور فيها انفصام القرين عن ذاته، مع المشاركة بينهما في المسكن وشرب القهوة والحليب والملابس، بل حتى في مرافقة محبوبة واحدة. . . وللمقارنة أقول: إن موضوع "القرين" هذا قد عالجه خليل حاوي من قبل في المقطع السادس من قصيدته ووجوه السندباد. . .) (٣). ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ (٤). ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ (٥). وهذا عبد الرحمن منيف البعثي العتيق، واللبرالي الجديد!! يملأ روايته مدن الملح بذكر الكهان والعرافين والمنجمين وقارئة الفنجان وقارئة الكف وفاتح الرمل ودعاء الجن وغير ذلك (٦).

стр. 1634

أمَّا كتاب الصوفية والسوريالية للطاغوت الحداثي أدونيس فهو مليء بالغيبيات السوريالية والصوفية الباطنية، ولا يُمكن ذكر الشواهد منه، إذ الكتاب كله برمته شواهد على هذه القضية. وقد رأينا فيما سبق أمثلة لغيبيات يقول بها ماركسيون عرب مثل سميح القاسم والبياتي، ولكن أعجب منهم في هذا الماركسي الفلسطيني "توفيق زياد" الذي رثى أحد زملائه الماركسيين (١) بقوله: (يا أيها الغافي على صدر الخلود) (٢). (وعلات مشنقة الطغاة بهامة تستطلع الأسرار في الأبد الأبيد) (٣). أي خلود وأي أسرار وأي أبد عند شيوعي مادي ملحد؟. أمَّا قصيدته المسماة "أمام ضريح لينين" فإنها تذكر بصوفي قبوري، أو بسادن وثني بوذي أو هندوكي، حيث يقول: (أمامه وقفت خافض الجبين ضريحك الذي يعيش في القلوب يا لينين أحسست أنني أنا المعذب الشقي المعدم الذي نصيبه من الحياة كوخ طين أملك كل شيء. . . أمامه وقفت حابس الأنفاس

стр. 1635

صوتك يحويني كما رج من نار يصهرني يصقلني كالصليب كالألماس) (١). وهي إلى آخرها من هذا القبيل. وبعد فهذه هي الحداثة في أوضح صور تناقضها، وهي بشهادة أحد كتابها (لا أفق سوى العدمية والاستلاب. . .) (٢). إذ إن أهم مميزاتها (تناقضاتها وثقتت رؤيتها لذاتها وللعالم. . .) (٣). (إنها وعي المتاهة إذ تغدو المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة. . .) (٤). وهي الحداثة التي تحدث أنسي الحاج إلى أنها الاحتجاج المتمثل في صفاتها ومقوماتها ومميزاتها حيث يقول: (والحاجة اليوم أراها إلى كتابة تمزق حجابها بعدما تمزق وجدانها، إلى كتابة تقول: "المحرم والممنوع والمخيف والمهول والرائع والمدهش والمذهل والساحر والرهيب، ولو لعنت ورجمت واضطهد أصحابها حتى الموت. تقول البسيط والمرعب، القريب والأقصى، ضمن نظامها الخاص الذي هو حتمًا، مهما انحرفت، نظام الإغراء، أي الفتنة الإلهية. الحاجة إلى كتابة العري، عري الذات والفكر والدخيلاء والحلم والكابوس، والنظر والبصيرة والشوق والاستيهام والنوايا، عري المنطق،

стр. 1636

عري الاقتناع، أي الشك، عري الإيمان، عري المحاكمة الذاتية والموضوعية، عري الخطايا عري الضعف والانحلال، عري الجنون، عري السقوط، عري الصلاة العارية، والهرطقة العارية والعربدة العارية) (١). هذه هي الحداثة في أوضح صورها، في حيوانيتها وإلحادها وانحطاطها، فالحمد للَّه الذي عافانا وكرمنا على كثير ممن خلق تفضيلًا. • • •

стр. 1637

الباب الرابع الانحرافات المتعلقة بالأحكام والسلوك ونظام الحياة ويشمل الآتي: توطئة: الفصل الأول: العبث بالمصطلحات الشرعية والشعائر الإسلامية. الفصل الثاني: محاربة الحكم الإسلامي والدعوة إلى تحكيم غيره. الفصل الثالث: السخرية من الأخلاق الإسلامية والدعوة إلى الانحلال والفوضى الخلقية. الفصل الرابع: الانحرافات في القضايا الاجتماعية والنفسية. الفصل الخامس: الانحرافات في القضايا السياسية والاقتصادية.

стр. 1638

توطئة: لا يُمكن بحال من الأحوال فصل هذه القضايا عن الأسس الاعتقادية، والقواعد الفكرية. بل هي، وإن بدت في هيئة خطوط متقابلة: "عقيدة وشريعة، فكرة ونظام، تصور وسلوك" إلّا أنها في حقيقة الأمر متداخلة متمازجة. فالعقيدة والتصور الفكري قاعدة، والتطبيقات الحكمية والسلوكية فروع عن تلك القاعدة. ومهما كان الاعتقاد موغلًا في الرمزية أو التجريدية أو المثالية أو حتى الأسطورية الخرافية، فإنه لابد أن يؤثر في سلوك وعمل معتقده. الوثنيون الإغريق أو الفراعنة أو عرب الجاهلية، ظهرت آثار عقائدهم في أعمالهم وأخلاقهم، في نظمهم، وعلاقاتهم، في أحكام ومناشط حياتهم. والجاهليون المعاصرون من ماركسيين ووجوديين وليبراليين وعلمانيين وحداثيين، قادتهم عقائدهم وتصوراتهم إلى اتخاذ مواقف، واعتناق مبادئ والسير على نظم، والمضي في سلوك، والمشي على أخلاق معينة. هذه حقيقة ثابتة وإن تفلسف في نفيها بعض المتفلسفين في سفسطة كاذبة!!. خذ مثلًا مذهب "اللامنتمي" الذي يخص (الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واهٍ، والذي يشعر بأن الاضطراب

стр. 1639

والفوضوية هما أعمق تجذرًا من النظام الذي يؤمن به قومه) (١). يقول مؤلف كتاب "اللامنتمي" بعد أن كتبه بسنوات عدة في مذكراته التي سماها "رحلة نحو البداية": (حينما كنت أكتب اللامنتمي كنت أشعر بإحساس من الإثارة الهائلة والقلق، كان الكتاب ينصب من داخلي كما تنصب الحمم المنصهرة الخارجية من بركان، وكنت أعرف أنه كتاب جيد، كنت أكتب عن نفسي. . . كان موضوع الكتاب هم العاجزين عن التكيف في الحضارة الحديثة، الرجال الخلاقين الذين يشعرون أن لا مكان لهم في سباق الفئران، ولكنني عنيت بأن أقرر أن اللامنتمي قد لا يكون خلاقًا. إن افتقاره إلى فهم نفسه قد يكون كاملًا إلى درجة أنه لا يبدأ في إنجاز مهمة التطهير من خلال الخلق، لقد تحول فان جوخ ونيتشه إلى شعلة متوهجة من اللاانتمائية، ولكن أكثر اللامنتمين لا يتحولون إلى أكثر من جمرة خابية، فلا ينتجون إلّا بعض الدخان الأسود يلطخهم ويلطخ من حولهم، وقد كان لي أن أتبين جانبًا كبيرًا من هذه الظاهرة بين الجيل الأصغر في أمريكا بعدما يقرب من عشر سنوات. . .) (٢). ويقول في كتاب "ما بعد اللامنتمي": (حين كتبت اللامنتمي عام ١٩٥٥ م كان الهدف منه هو أن أبين أن الوجودية قد انحرف عن طريقها الحقيقي، الذاتية، وأن بعض الفلاسفة الوجوديين حاولوا إلباس تعصبهم وفشلهم الشخصيين لغة مؤثرة ومجردة ولا معقولة، فأغرقوا في تعقيد الأمور، مما يجعلني أشعر أن مقاومتي للمشكلة الرئيسية، مع إصراري العنيف على الذاتية، ما هو إلّا مساهمة متواضعة لكنها جديرة بالاهتمام في التفكير الوجودي) (٣). يتضح من هذا أن "اللامنتمي" هو في الحقيقة "منتمي" أي صاحب

стр. 1640

عقيدة ومذهب، وله غاية وهدف، وله أسلوب ومنهج، وله سلوك وطريقة يعبر بها عن عقيدته ومنهجه، سواء سميت ذلك المنهج "اللامنتمي" أو "الوجودية الجديدة" أو أي تسمية أخرى فإنها في النهاية انتماء، أي اعتناق لعقيدة ذات أثر تطبيقي ومسلكي في الواقع. إذن العقيدة هي المحضن الأساسي لأي عمل يقوم به الإنسان، وذلك على مقتضى طبعه الذي خلقه اللَّه عليه، كما أخبر بذلك الصادق المعصوم ﷺ : "أصدق الأسماء حارث وهمام" (١). (فكل أحد حارث وهمام، له عمل ونية) (٢)، (إذ كل إنسان لابد له من حرث، وهو كسبه وعمله، ولابد له من هم هو مبدأ إرادته. . .) (٣). فالإنسان مفطور على هذه القضية، ومجبول في كل أعماله الحسية والمعنوية على هذا الأمر، فهو إذا توجه لعمل فلابد لهذا التوجه من إرادة وقصد ونية وعقيدة وفكرة تسبق هذا العمل. فكل إنسان يهم ثم يعمل، وكل إنسان له حرث وحركة وهو العمل والنشاط والممارسة، وله قبل ذلك هم وإرادة وقصد. والنفس بطبعها متحولة متحركة ما دامت حية، والإرادة والحركة الإرادية من لوازم الحياة. والإنسان المختار - مهما بلغت درجة انحطاطه الفكري والاعتقادي لا يتصرف كيفما اتفق ولا دونما أسباب، ولا من غير دوافع. والإرادة تنبعث في الإنسان من عقل مختار، له رؤية معينة "عقيدة، فكرة، مثل أعلى" منها ينطلق العزم على فعل أمر مّا أو تركه.

стр. 1641

فإذا وجدت الإرادة الجازمة، والقدرة التامة، وارتفعت الموانع وحصلت الشروط، وجد الفعل عندئذٍ. وحاصل القول أنه لا يتصور انفكاك الإنسان عن إرادة تحركها عقيدة أو فكرة مّا، تتحول بعد ذلك إلى ممارسة وتطبيق. ومن أوضح الأدلة ما ذكرناه في ثنايا هذا البحث من حقائق حول قضية الصراع بين الإسلام والمادية المتمثلة -في هذا البحث- في قضية الصراع بين الإسلام من جهة والعلمانية والحداثة من جهة أخرى. فالمؤمن باللَّه ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وبالقرآن والسنة منهجًا يعتقد ذلك يقينًا قاطعًا، ويوقن أن التدين للَّه تعالى لا يتم بالصورة الصحيحة المقبولة إلّا إذا كانت الحياة -كل الحياة- خاضعة -كل الخضوع- للَّه تعالى في كل شأن من شؤونها، وأن هذا المعنى الكامل الشامل الوحيد هو مقتضى كلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه". وقد حاول بعض جهلة المسلمين، وبعض ذوي الأهواء من أبناء المسلمين أن يحرفوا هذا المعنى، وأن يقصروا الإسلام على أنه مجرد عقيدة وقيم خلقية!!. والعلمانيون من أبناء المسلمين، من يعتقد منهم بأن الإسلام دينُ حقٍ من عند اللَّه تعالى، يدورون على هذا المفهوم الظالم الخاطئ الضال. أمَّا الملاحدة منهم الذين لا يؤمنون برب ولا إله ولا دين ولا رسول ولا كتاب، فقد تمادوا في الغي إلى أبعد مدى، وجحدوا كل أنواع الهدى، وركبوا ظلمات الخرافات والجهالات المادية المعاصرة. والفريق الأول من العلمانيين أشد خطورة، وأنكى في حرب المسلمين؛ ذلك لأنهم يتظاهرون بأنهم أهل دين وإسلام، وأنهم لا يرفضون الدين ولا يردونه يقولون -على زعمهم- أنهم إنّما يرفضون التطرف المديني، والتزمت الديني!!، ويرددون بأنهم لا يريدون سوى الإسلام الصحيح! الإسلام الذي يتوافق مع الحضارة، ومع التقدم، ويساير الحضارة الغربية!!.

стр. 1642

ومع ضغط الصحوة الإسلامية المتزايدة، وانتشار الالتزام بالإسلام في أرجاء الأرض وفي أصناف المسلمين، بل وفي غير المسلمين، تظهر دعواتهم العلمانية تحت عناوين عديدة خادعة منها: "الإسلام المستنير" "العقلانية الإسلامية" "تجديد الفكر المديني" "استلهام جوهر الإسلام النقي" "الإسلام الحضاري" "مقاومة الجمود المديني" ومقاومة الإرهاب الفكري "الإسلام الديموقراطي" "حرية الاعتقاد والفتنة الطائفية" "النصوصية الجامدة" "السلفية الجامدة" "التمسك بروح الشريعة" "التحلي بروح الدين" "مراعاة المقاصد العامة للإسلام" "تنزيه الإسلام عن الألاعيب السياسية والواقع الاجتماعي الدنس" "الفرق الحضاري بين القرون الهجرية الأولى والواقع المعاصر" "التمييز بين الدين والدولة" "الفرق بين السلطة الدينية والسلطة المدنية الزمنية" "المصلحة أساس الشرع" "الحركات الإسلامية الشمولية تسعى إلى ردنا إلى الوراء مئات السنين" "الحركات الإسلامية تابعة لقوى خارجية" "وهي المسؤولة عن هزيمتنا الحضارية والعسكرية" "أخذ روح التشريع لا نصه" "تقديم المصلحة على النص" "أخذ لباب الإسلام وترك قشوره" "التحلل من قيود الخطاب السلفي" "تجريد القرآن من التفسير الأصولي السلفي" "وجوب إعادة تفسير القرآن حسبما يقتضيه العصر" "النص الشرعي وليد أوضاع اجتماعية وتاريخية معينة تغيرت الآن" "الإسلام مجرد عقيدة سمحة، وقيم أخلاقية" (١).

стр. 1643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1644

إلى غير ذلك من الأحاييل اللفظية، المبنية على عبارات مفخخة

стр. 1645

ومصطلحات مولدة من السفاح الثقافي الغربي، يحاولون النفاذ بها إلى عقول المسلمين من خلال مصطلحات وألفاظ الخداع والتلبيس (١)، في محاولة دائبة لطمس حقائق الإسلام ومعالمه الصحيحة تحت سيل من الآراء الباطلة والشبهات الضالة المستوردة من أوروبا لتسويقها ونشرها وإذاعتها؛ ليكونوا بذلك رأس رمح في الغارة الجديدة على الإسلام وأهله، هذه هي حقيقتهم رغم كل محاولات الاستتار والتخفي!!. وهكذا نرى العقائد الجاهلية المعاصرة "عقيدة العلمنة" أو "عقيدة الحداثة" تفعل في أصحابها عند الممارسة ما كانت تفعله الأوثان القديمة بل أشد وأنكى. كان الجاهلي القديم يذبح للصنم ويستقسم بالزلم، ويتبع أربابًا شرعوا له الأعراف الجاهلية، والعقائد الضلالية، ووضعوا له القيم والأخلاق وأنماط السلوك التي يعيش عليها. لقد كانت الجاهلية الأولى تقوم على عقائد الكفر والشرك باللَّه تعالى، واعتقاد ألوهية الأصنام والأوثان وأعراف القبيلة، واعتقاد أنوثة الملائكة ﵈، ونفي إرسال اللَّه أحدًا من البشر أو إنزاله على أحد منهم -ممن اصطفاهم- من شيء، وجحد الآخرة، واعتقاد أنهم إنّما يعيشون ويموتون وما يهلكهم إلّا الدهر، وجحد القدر، واعتقاد أن المنايا -مثلًا-

стр. 1646

خبط عشواء من تصبه تمته ومن تخطئه يعمر حتى الهرم، وكان لهذه العقائد الكفرية أثرها البعيد على نظام حياتهم ونمط معيشتهم، فكانوا يحكمون بشريعة الجاهلية، وبها يحفون ويحرمون، ويجيزون ويمنعون، وكانت لأصنامهم الحضوة الكبرى والتأله الأكبر بما يقدمونه لها من عبادات وقربات. وكانت هناك -على أساس من عقائدهم- الانحرافات الخلقية من خمر وميسر وفاحشة علنية أو مستترة، ووأد، وظلم متعدد الأوجه والأنواع: ظلم سياسي، وظلم اجتماعي، وظلم اقتصادي، من حمية قبلية وطبقية عنصرية أو مالية، إلى أكل الأموال بالباطل وسفك الدماء وانتهاك الأعراض إلى غير ذلك من أنماط حياتهم المليئة بالشر والفساد والرذيلة والانحراف. ثم جاء الإسلام ليخرج هؤلاء -أولًا- من ضلال الاعتقاد الكفري وفساد التوجه الشركي، جاء الإسلام بمبدأ التوحيد "لا إله إلّا اللَّه" وبقضايا الإيمان الأساسية؛ لأنها هي الأصل الذي ينبني عليه أي تغيير بعد ذلك. وبعد أن أسست عقائد الإيمان وتأسس توحيد اللَّه مكان الأوثان، عالج الإسلام المشكلات الأخرى والانحرافات المتعددة، القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية. وأمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يبدأ بالتوحيد يدعو الناس إليه، ويربي من استجاب منهم على مقتضاه أي أن الانحرافات لم تكن خارج الدعوة، أو خارج الاهتمام، ولكنه عالج هذه الانحرافات على أساس أن هذه المعالجة من مقتضيات التوحيد ومن لوازم الإيمان. والمقصود أن الإسلام بعد أن أسس مبدأ التوحيد وقضايا الاعتقاد، شرع الشرائع، ووضح الأحكام، ووضع المنهج والنظام، ليخرج الناس من ظلمات العقائد التي انبنت عليها ظلمات الانحرافات والمفاسد العملية. والجاهلية المعاصرة، على نمط الجاهلية القديمة، اتخذت أصنامًا، واعتنقت عقائد، قادتها إلى مهاوي البلاء والردى وأركستها في أشر ما يُمكن أن يرتكس فيه إنسان.

стр. 1647

عقائد مادية إلحادية، وأرباب باطلة من نظم ومذاهب، وأعراف وأفكار وأشخاص وأسماء ورسوم، تملي عليهم أنماط حياتهم وفلسفة تصوراتهم ومعارفهم وأسس سلوكهم، وأصول أخلاقهم وقواعد سياساتهم واقتصادهم، بل ومفردات وفروع كل ناحية من نواحي حياتهم، وما يُرى ويشاهد ويلمس اليوم في "الدول المتقدمة" "الدول العصرية"!! من أفكار وأعمال وممارسات كلها شواهد على هذه الأنواع العديدة من الانحرافات الاعتقادية والعملية. أمَّا أتباعهم مما يُسمى تلطفًا أو تظرّفًا "دول العالم الثالث" فإنهم على أسوأ وأردى مما عليه أسيادهم وإن بقيت عند بعضهم -خاصة الشعوب المسلمة- بقية من بقايا الدين الحنيف، أو بقايا الفطرة السوية. أمَّا أتباع الغرب في البلاد الإسلامية من المفكرين والمثقفين والإعلاميين والإداريين فإنهم -بلا ريب- قد بلغوا من الانحطاط والتردي درجات لا يكاد يصدقها عقل، وانسحقوا بالكلية تحت أقدام أسيادهم، الذين معهم -مع انحرافهم- عناصر قوة مادية. أمَّا أتباعهم وأولياؤهم فإنهم تركوا القوة الإيمانية بالتبعية الاعتقادية وما يترتب عليها من أنظمة وأنماط حياة وسلوك، ولم يستطيعوا أن يحوزوا القوة المادية التي يتمتع بها الغرب، فصاروا بلا دين ولا دنيا، أمَّا الدين فقد أضاعوه حين اتبعوا المذاهب والأفكار والعقائد المادية، وحين أخذوا معها مقتضياتها العملية من أنظمة وسلوكيات وممارسات حياة عامة أو خاصة، وأمَّا الدنيا فهم في درجة من التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية لا تتيح لهم أن يكونوا أحرارًا في اتخاذ ما يريدون اتخاذه، ولا شك أن هذا لازم من لوازم أتباعهم للعقائد والمذاهب المادية. أمَّا حيازة التقنية والاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والسلاح فهم أبعد الناس عنه، وإن تحقق لبعضهم شيء من ذلك، فهو كسب ضئيل مرتهن، مغموس في بحور الاستلاب والهزيمة والتبعية. وفي الفصول الآتية سوف نرى من الشواهد والأدلة على هذه القضية الشيء الكثير.

стр. 1648

فإن أتباع الملة الحداثية العلمانية، من أبناء المسلمين أو من أبناء البلدان الإسلامية، اتبعوا الجاهلية الاعتقادية والضلالات الفكرية، والانحرافات الفلسفية، وقد سبق بيان ذلك في الفصول الماضية، وتبع ذلك -ولابد أن يتبعه- جاهليات أخرى، جاهلية في النظم والسياسات، وجاهلية في الاقتصاد، وجاهلية في التوجيه والتعليم، وجاهلية في النفس في ذاتها وسلوكها واجتماعها. وتبع الفساد الاعتقادي والتبعية الاعتقادية -ولابد أن يتبعه- أن أصبحوا حربًا على دينهم وعدوًا لأمتهم. ومن حربهم الموجه ضد دينهم أنهم توجهوا إليه -بدافع من اعتقاداتهم المادية- بالثلب والسب والسخرية والاستخفاف والعبث بمصطلحاته شعائره وأصوله وأركانه وسائر قضاياه. وهذا ما سوف نرى شواهده في الفصول الآتية، وهذه القضايا وإن كانت -في مجملها- قضايا عملية وممارسات فعلية، ليست -أصلًا- من قضايا الاعتقاد التي يهتم البحث بها على وجه الخصوص، ولكنها -كما أسلفت- لا تنفك عن الاعتقاد، إذ هي الصورة التطبيقية للاعتقاد، والممارسة العملية للفكرة المقتنعة، وهي -مع ذلك- المطلب العملي المقصود من الأتباع، والغاية الفعلية المرادة من الذائبين في أحماض المذاهب والعقائد الغربية. نعم يُسرُّ الكفر وأهله بسلخ المسلم عن دينه، وإخراجه من النور إلى الظلمات في أي شكل وعلى أي هيئة ولو في صورة فكرية مجردة، فذلك مكسب للشيطان وحزبه، ولكن سرورهم أعظم وفائدتهم أجزل عندما يتعدى هذا السلخ إلى أن يصبح المسلوخ أداة لهم، وصورة عنهم، ووسيلة من وسائلهم، وامتدادًا عمليًا لهم في واقع المسلمين، إمَّا بنشر الفكرة العلمانية أو الحداثية أو غيرها من الأفكار الغربية، وإمَّا بممارسة العمل في منصب توجيه أو قيادة. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ

стр. 1649

أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (١). وهذا هو حال المنافقين قديمًا وحديثًا (فللَّه كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها!، وكم عموا عيون مواره بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟!. . . فلا يزال الإسلام وأهله يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (٢)، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (٣) اتفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ (٤)، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٥)، ولأجل ذلك ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٦). درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظُلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هدى اللَّه الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به رأسًا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسًا. . . لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران، والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار (٧)، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب

стр. 1650

المحاربين ويقولون ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١). رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم في العقل المعيشي: أن الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (٢) قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجز عنه الأطباء العارفون ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ (٣). من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق، ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾) (٤) (٥). هذا حال ووصف فئة منهم لا يريدون الظهور بمظهر المعادي الصريح تقية، يتخفون تحتها لإنفاذ ماربهم، ويكثر هؤلاء في البلدان التي يخافون فيها من أحكام الدين أو يأملون بلتبيسهم تحقيق القوة لهم والتمكين، وأكثر ما يكون هؤلاء في أهل التوجيه وأهل الأمر، أمَّا الفئة المعادية صراحة المحاربة جهرة، المضادة علنًا، فيكثرون في البلدان التي يأمنون فيها حيث لا يكون للدين وأهله شوكة، ويبرزون بكثرة من تحت أردية الفئة الأولى، حيث يعبرون بالنيابة عنها عما في قلوبهم، وينالون منها الحماية والرعاية والتأييد.
следующие страницы →