← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

خبط عشواء من تصبه تمته ومن تخطئه يعمر حتى الهرم، وكان لهذه العقائد الكفرية أثرها البعيد على نظام حياتهم ونمط معيشتهم، فكانوا يحكمون بشريعة الجاهلية، وبها يحفون ويحرمون، ويجيزون ويمنعون، وكانت لأصنامهم الحضوة الكبرى والتأله الأكبر بما يقدمونه لها من عبادات وقربات. وكانت هناك -على أساس من عقائدهم- الانحرافات الخلقية من خمر وميسر وفاحشة علنية أو مستترة، ووأد، وظلم متعدد الأوجه والأنواع: ظلم سياسي، وظلم اجتماعي، وظلم اقتصادي، من حمية قبلية وطبقية عنصرية أو مالية، إلى أكل الأموال بالباطل وسفك الدماء وانتهاك الأعراض إلى غير ذلك من أنماط حياتهم المليئة بالشر والفساد والرذيلة والانحراف. ثم جاء الإسلام ليخرج هؤلاء -أولًا- من ضلال الاعتقاد الكفري وفساد التوجه الشركي، جاء الإسلام بمبدأ التوحيد "لا إله إلّا اللَّه" وبقضايا الإيمان الأساسية؛ لأنها هي الأصل الذي ينبني عليه أي تغيير بعد ذلك. وبعد أن أسست عقائد الإيمان وتأسس توحيد اللَّه مكان الأوثان، عالج الإسلام المشكلات الأخرى والانحرافات المتعددة، القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية. وأمر اللَّه تعالى نبيه ﷺ أن يبدأ بالتوحيد يدعو الناس إليه، ويربي من استجاب منهم على مقتضاه أي أن الانحرافات لم تكن خارج الدعوة، أو خارج الاهتمام، ولكنه عالج هذه الانحرافات على أساس أن هذه المعالجة من مقتضيات التوحيد ومن لوازم الإيمان. والمقصود أن الإسلام بعد أن أسس مبدأ التوحيد وقضايا الاعتقاد، شرع الشرائع، ووضح الأحكام، ووضع المنهج والنظام، ليخرج الناس من ظلمات العقائد التي انبنت عليها ظلمات الانحرافات والمفاسد العملية. والجاهلية المعاصرة، على نمط الجاهلية القديمة، اتخذت أصنامًا، واعتنقت عقائد، قادتها إلى مهاوي البلاء والردى وأركستها في أشر ما يُمكن أن يرتكس فيه إنسان.

стр. 1647

عقائد مادية إلحادية، وأرباب باطلة من نظم ومذاهب، وأعراف وأفكار وأشخاص وأسماء ورسوم، تملي عليهم أنماط حياتهم وفلسفة تصوراتهم ومعارفهم وأسس سلوكهم، وأصول أخلاقهم وقواعد سياساتهم واقتصادهم، بل ومفردات وفروع كل ناحية من نواحي حياتهم، وما يُرى ويشاهد ويلمس اليوم في "الدول المتقدمة" "الدول العصرية"!! من أفكار وأعمال وممارسات كلها شواهد على هذه الأنواع العديدة من الانحرافات الاعتقادية والعملية. أمَّا أتباعهم مما يُسمى تلطفًا أو تظرّفًا "دول العالم الثالث" فإنهم على أسوأ وأردى مما عليه أسيادهم وإن بقيت عند بعضهم -خاصة الشعوب المسلمة- بقية من بقايا الدين الحنيف، أو بقايا الفطرة السوية. أمَّا أتباع الغرب في البلاد الإسلامية من المفكرين والمثقفين والإعلاميين والإداريين فإنهم -بلا ريب- قد بلغوا من الانحطاط والتردي درجات لا يكاد يصدقها عقل، وانسحقوا بالكلية تحت أقدام أسيادهم، الذين معهم -مع انحرافهم- عناصر قوة مادية. أمَّا أتباعهم وأولياؤهم فإنهم تركوا القوة الإيمانية بالتبعية الاعتقادية وما يترتب عليها من أنظمة وأنماط حياة وسلوك، ولم يستطيعوا أن يحوزوا القوة المادية التي يتمتع بها الغرب، فصاروا بلا دين ولا دنيا، أمَّا الدين فقد أضاعوه حين اتبعوا المذاهب والأفكار والعقائد المادية، وحين أخذوا معها مقتضياتها العملية من أنظمة وسلوكيات وممارسات حياة عامة أو خاصة، وأمَّا الدنيا فهم في درجة من التبعية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية لا تتيح لهم أن يكونوا أحرارًا في اتخاذ ما يريدون اتخاذه، ولا شك أن هذا لازم من لوازم أتباعهم للعقائد والمذاهب المادية. أمَّا حيازة التقنية والاكتفاء الذاتي في الغذاء والدواء والسلاح فهم أبعد الناس عنه، وإن تحقق لبعضهم شيء من ذلك، فهو كسب ضئيل مرتهن، مغموس في بحور الاستلاب والهزيمة والتبعية. وفي الفصول الآتية سوف نرى من الشواهد والأدلة على هذه القضية الشيء الكثير.

стр. 1648

فإن أتباع الملة الحداثية العلمانية، من أبناء المسلمين أو من أبناء البلدان الإسلامية، اتبعوا الجاهلية الاعتقادية والضلالات الفكرية، والانحرافات الفلسفية، وقد سبق بيان ذلك في الفصول الماضية، وتبع ذلك -ولابد أن يتبعه- جاهليات أخرى، جاهلية في النظم والسياسات، وجاهلية في الاقتصاد، وجاهلية في التوجيه والتعليم، وجاهلية في النفس في ذاتها وسلوكها واجتماعها. وتبع الفساد الاعتقادي والتبعية الاعتقادية -ولابد أن يتبعه- أن أصبحوا حربًا على دينهم وعدوًا لأمتهم. ومن حربهم الموجه ضد دينهم أنهم توجهوا إليه -بدافع من اعتقاداتهم المادية- بالثلب والسب والسخرية والاستخفاف والعبث بمصطلحاته شعائره وأصوله وأركانه وسائر قضاياه. وهذا ما سوف نرى شواهده في الفصول الآتية، وهذه القضايا وإن كانت -في مجملها- قضايا عملية وممارسات فعلية، ليست -أصلًا- من قضايا الاعتقاد التي يهتم البحث بها على وجه الخصوص، ولكنها -كما أسلفت- لا تنفك عن الاعتقاد، إذ هي الصورة التطبيقية للاعتقاد، والممارسة العملية للفكرة المقتنعة، وهي -مع ذلك- المطلب العملي المقصود من الأتباع، والغاية الفعلية المرادة من الذائبين في أحماض المذاهب والعقائد الغربية. نعم يُسرُّ الكفر وأهله بسلخ المسلم عن دينه، وإخراجه من النور إلى الظلمات في أي شكل وعلى أي هيئة ولو في صورة فكرية مجردة، فذلك مكسب للشيطان وحزبه، ولكن سرورهم أعظم وفائدتهم أجزل عندما يتعدى هذا السلخ إلى أن يصبح المسلوخ أداة لهم، وصورة عنهم، ووسيلة من وسائلهم، وامتدادًا عمليًا لهم في واقع المسلمين، إمَّا بنشر الفكرة العلمانية أو الحداثية أو غيرها من الأفكار الغربية، وإمَّا بممارسة العمل في منصب توجيه أو قيادة. ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ

стр. 1649

أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ (١). وهذا هو حال المنافقين قديمًا وحديثًا (فللَّه كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها!، وكم عموا عيون مواره بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟!. . . فلا يزال الإسلام وأهله يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ (٢)، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ (٣) اتفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ (٤)، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (٥)، ولأجل ذلك ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (٦). درست معالم الإيمان في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، وأفلت كواكبه النيرة من قلوبهم فليسوا يحيونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظُلم آرائهم وأفكارهم فليسوا يبصرونها، لم يقبلوا هدى اللَّه الذي أرسل به رسوله، ولم يرفعوا به رأسًا، ولم يروا بالإعراض عنه إلى آرائهم وأفكارهم بأسًا. . . لبسوا ثياب أهل الإيمان على قلوب أهل الزيغ والخسران، والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار (٧)، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين، وقلوبهم قلوب

стр. 1650

المحاربين ويقولون ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١). رأس مالهم الخديعة والمكر، وبضاعتهم الكذب والختر، وعندهم في العقل المعيشي: أن الفريقين عنهم راضون، وهم بينهم آمنون ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (٢) قد نهكت أمراض الشبهات والشهوات قلوبهم فأهلكتها، وغلبت القصود السيئة على إرادتهم ونياتهم فأفسدتها، ففسادهم قد ترامى إلى الهلاك، فعجز عنه الأطباء العارفون ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ (٣). من علقت مخالب شكوكهم بأديم إيمانه مزقته كل تمزيق، ومن تعلق شرر فتنتهم بقلبه ألقاه في عذاب الحريق، ومن دخلت شبهات تلبيسهم في مسامعه حال بين قلبه وبين التصديق، ففسادهم في الأرض كثير وأكثر الناس عنه غافلون ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾) (٤) (٥). هذا حال ووصف فئة منهم لا يريدون الظهور بمظهر المعادي الصريح تقية، يتخفون تحتها لإنفاذ ماربهم، ويكثر هؤلاء في البلدان التي يخافون فيها من أحكام الدين أو يأملون بلتبيسهم تحقيق القوة لهم والتمكين، وأكثر ما يكون هؤلاء في أهل التوجيه وأهل الأمر، أمَّا الفئة المعادية صراحة المحاربة جهرة، المضادة علنًا، فيكثرون في البلدان التي يأمنون فيها حيث لا يكون للدين وأهله شوكة، ويبرزون بكثرة من تحت أردية الفئة الأولى، حيث يعبرون بالنيابة عنها عما في قلوبهم، وينالون منها الحماية والرعاية والتأييد.

стр. 1651

الفصل الأول العبث بالمصطلحات والشعائر الإسلامية (الأساليب التي يتبعها المثقفون. . . تختلف عن أساليب الجيل السابق باتباعهم استراتيجية جديدة تقوم على التحليل التفكيكي والهجوم الاستهزائي الذي يكشف عن عورتها الأيديولوجية بطريقة غير مباشرة، ويظهر نفاقها الأخلاقي وتجردها من مشروعيتها الكاذبة. بهذا المعنى، يشكل النص النقدي العلماني الصحيح، إذا قرئ كما يجب أن يقرأ، طعنة مسددة إلى قلب السلطة المهيمنة وإيديولوجيتها) (١). من هذا النص وأمثاله يتضح مدى "العبث الحداثي" الذي امتدت أذرعه السرطانية إلى كل طهر وخير وحق وفضيلة، وتعدت إلى كل مقدس تحاول تدنيسه وتشويهه. متخذة في سبيل ذلك شتى وسائل الهدم والتدمير والانتهاك. وقبل الاسترسال في ذكر بينات هذه القضية من نصوص كلامهم، أرى أنه ينبغي الإشارة إلى المدارك التي من خلالها يتضح المغزى والمراد:

стр. 1652

المدرك الأول: أن العبث بالمفاهم والألفاظ والمصطلحات وتدنيسها بالسخرية والاستهزاء وانتهاكها بالاستخفاف، وتشويشها بالتدليس والتلبيس خطة "جاهلية" يمارسها الجاهليون المعاصرون، كما مارسها أسلافهم الأقدمون. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ (٤). فهذا هو حال أهل الضلال والجاهلية والكفر والانحراف في صراعهم المستديم مع الحق، وفي حربهم المستمرة ضد الهدى والنور، صراع يقوم على محاولة ترسيخ الظلام وتقوية الانحراف، وتأييد الجاهلية وإقامة صروح المادية الحيوانية؛ من أجل هبوط دائم بالإنسان، ومحق مستمر لإنسانيته، وإبادة تامة لكل سبب يُمكن أن يرتقي به على حظوظ الدنيا وحاجات الجسد ومتطلبات الحيوان!!. إن حجة المادي الجاهلي القديم أو الحديث حجة داحضة كما

стр. 1653

وصف اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ (١). وهم قد يلمسون اندحاض حجتهم وزيف باطلهم، ولكنهم يتمسكون بالباطل ويصرون على محاربة الحق، فلا يجدون وسيلة لذلك إلّا العبث والسخرية والاستهزاء لعلهم بذلك يصلون إلى مقاصدهم من خلال هذا اللغو ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ (٢). خطة قديمة حديثة، يمارسها هؤلاء الصغار في فرح وسرور بالخطة الصبيانية، التي طالما علقوا عليها الآمال، وخادعوا بها أنفسهم تحت شعارات ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. لقد سلك أولئك وهؤلاء الطريق نفسه، مسلك الجاهلية الغارقة في الوحول، يحاولون بأسلوب العبث والاستخفاف أن يخدروا ضحاياهم بالكلام الفارغ، وأن يجذبوهم إلى حمأة الشر بزخارف الباطل، وأن يغطوا على عقولهم بهذه الأساليب التي تعمل في العقل الذي يتعاطاها عمل المخدر. ويسير جدًا على القوم أن ينكروا جميع البراهين القاطعة ويجحدوا كل الأدلة الصادقة، في سياق تلاعب بالألفاظ والمفاهيم، وعبث يبعثر ويهدم. وفي الجملة لا يعرف في معارك الصراع بين الحق والباطل، أعنف ولا أبلغ في الإجرام من هذا الاستعمار المادي، والاستعمار الحداثي العلماني، فأي إنسان -سويِّ الإنسانية- يقبل أن يكون كما قال أدونيس (فالحق أننا نعلن فوضانا وخيانتنا في ذلك العالم المحتفظ بالجيف المقدسة، ولا نكتفي بل نقنع الجيوش بالخيانة. . . فنحن هدامون، وكل منا قائد اللوعة والرماد

стр. 1654

كل منا الهلع، الضرب، الوجود حولنا، وجودكم، كريه عدو، لن نتقبله، لن نصادقه. . . هكذا نعلن أنفسنا غواة وخائنين، الهاوية تأتي معنا، تعرف ذلك، سنعمقها سنوسعها، سنضع لها أجنحة من الريح والضوء) (١). ليس في ميسور هؤلاء السماسرة إلّا أن ينهلوا من مستنقع الفوضى والعبث ثم يفاخرون بعد ذلك بعملهم المنحط!!. لقد استقال أتباع هذه العبثية والفوضية من كل قيمة يُمكن أن يركن إليها، من عقيدة أو فكرة أو نظام أو فطرة أو خلق، فعلى أي رأي من الآراء أو قيمة من القيم أو ضابط من الضوابط يُمكن أن يعول عليه دعاة الفوضى والهدم؟. وحاصل هذا المدرك أن العبث بالمفاهيم والألفاظ، والفوضى في المعاني والمصطلحات، من أوسع أبواب تجار الحداثة والعلمنة، يخرجون من هذا الباب ما في طوياتهم من شر وإجرام، وفساد وضلال. المدرك الثاني: أن من أصول الحداثة -باعتراف روادها وأصحابها كما سوف يأتي- الهدم والفوضى والخلخلة للأفكار والمعتقدات الراسخة، والعبث والجنون والتخريب والتخبط والتشويش والعدمية المطلقة. وهي ألفاظ قد تبدو لأول وهلة، ألفاظ فضح لمذهبهم وكشف لعقيدتهم ومسلكهم، من قبل مضاد لهم، ومخالف لمنهجهم. غير أن الحقيقة أن هذه الألفاظ -ذات المضامين والأوصاف- هي ألفاظهم، والمصطلحات هي مصطلحاتهم، والنعوت هي نعوتهم التي أطلقوها على أنفسهم. ولا عيب عندهم في إطلاق هذا على أنفسهم، وقد سبق في المدرك الأول نقل كلام أدونيس عن نفسه وعن الحداثيين بأنهم هدامون، غواة

стр. 1655

خائنون فوضويون يسعون لاقناع غيرهم بالهدم والغواية والخيانة والفوضى (١). لقد كان الأوائل من أدوات الغزو الفكري الغربي من العرب والمسلمين، يخجلون من وصفهم بالعملاء، ويدفعون عن أنفسهم وصف المذاهب الهدامة وينفون أن يكونوا آلات غزو فكري، ويتظاهرون بالانضباط والسعي للمصلحة والحرص على الخير والخلق!!. أمَّا أدوات الغزو الفكري المعاصر من حداثيين وعلمانيين فإنهم لا يخجلون من هذه الأوصاف مطلقًا بل يفاخرون بها أعظم المفاخرة!!. لأن هذه المذاهب الهدامة الحديثة تعتبر عند المشتغلين بها والمنافحين عنها تجارة تقاضوا أجرها من أسيادهم سلفًا، وهي تجارة دنيئة كمتاجرة البغايا بأعراضهن!!، تجارة يعمل فيها من انحرفوا بطبيعتهم حتى أضحوا غير صالحين لعمل نافع منظم، فتراهم يندفعون إلى هذه الأفكار الهدامة على قدر ما يطمعون فيه من ربحها المادي أو المعنوي. وهنا لا نرى فكرًا ولا عقلًا ولا أدبًا، بل نرى السخرية، واللجاجة في الشر، والاندفاع في الرذيلة، ونجد متاجرين بالشغب والخراب، مفاخرين بالجرائم الفكرية متجهين إلى الفساد والعفن والانحطاط. هل هذا من باب التجني الذي تقود إليه الخصومة؟ معاذ اللَّه، فإن اللَّه قد أمر بالعدل حتى مع الكافرين، ولكن هذا هو كلامهم عن أنفسهم، وهذا هو اعترافهم عن أعمالهم ومقاصدهم وغاياتهم. يقول أدونيس: (لا يستطيع الشاعر أن يبنى مفهومًا شعريًا جديدًا إلّا إذا عانى أولًا في داخله انهيار المفهومات السابقة، ولا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر، إذا لم يكن عاش التجدد، فصفا من التقليدية، وانفتحت في أعماقه الشقوق والمهاوى التي تتردد فيها نداءات الحياة الجديدة، فمن المستحيل

стр. 1656

الدخول في العالم الآخر، الكامن وراء العالم الذي نثور عليه دون الهبوط في هاوية الفوضى والتصدع والنفي) (١). ويقول أيضًا: (سأحدد المعوقات بطريقة غير مباشرة، فأقول: الفن العربي الحقيقي هو الحرب، والفن لا يحارب إلّا في مجاله: نظام القيم، نظام اللغة والفكر، التراث، والحرب هنا تتضمن حركتين: تهديم البنية الثقافية - الفنية السائدة، وخلق بنية جديدة. آخذ أمثلة: إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي، ليست تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية، ليست تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنّما هي التي تعارض هذه الحياة، أي تصدمه: تخرجه من سباته، تفرغه من موروثه، وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم، كلها بجميع مظاهرها ومؤسساتها، وذلك من أجل تهديمها كلها، أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد، هكذا يلزمنا ثوريًا، مسرح ضد المسرح وشعر ضد الشعر، وقصة ضد القصة: يلزمنا تحطيم الموروث الثابت) (٢). ويقول: (الهدم شرط أولي لكل شعر ثوري، بل لكل شعر حقيقي) (٣). وبعد أن ساق جملة أسماء (٤) من الذين يعتبرهم قدوته في الشك والرفض والهدم والفوضى قال موجهًا كلامه لأتباعه: (ولسوف نكمل ما بدأه هؤلاء، ونشك ونرفض ونغير، إذا استطعنا، إيقاعات الخليل، ونثور ونهدم

стр. 1657

و"نعلن الفوضى" وسنأمل أن نكون أغنى وأعظم مما كانوا) (١). ومن أقواله في هذا الصدد قوله: (ليس الشاعر من يكتب القصائد، الشاعر هو من يخلق فضاءً، لا "اعلّم"، بل أهدم وأحرّض) (٢). وينقل مثل ذلك محمد جمال باروت عن ذوي الوعي النخبوى الليبرالي!! أصحاب قصيدة النثر التي يعتبرها أنسي الحاج "فنًا قدريًا ونهضويًا في آن واحد وفعل عصيان على ألف عام من الضغط والعبودية والجهل والسطحية، إن أنسي يصوغ مشكلة "قصيدة النثر" ببنية وعي، ترى فيها شكلًا من الجنون الرافض اللاعن. . . . في سياق ذلك فإن "التخريب حيوي ومقدس" و"أول الواجبات التدمير" و"الهدم الهدم الهدم" حسب ما يرى أنسي، فشاعر "قصيدة النثر" "يستبيح كل المحرمات ليتحرر") (٣). نعم لقد قال أنسي الحاج ذلك في مقدمة ديوانه المسمى "لن" واعتبر ذلك عند الحداثيين ثورة تقدمية ونهضة ثقافية!!، إلى غير ذلك من نعوت المدائح الحداثية، التي أترعت بها الملاحق والمجلات والكتب والمنابر الأدبية، الموجهة إلى كلمات طلسمية لا يفهمها قائلها، وإلى مضامين مزدكية تستجر أُسارى الشهوات الهابطة. يقول أنسي الحاج في مقدمة ديوانه "لن": (لتكون قصيدة النثر قصيدة نثر. . . وفي كل قصيدة نثر نلتقي معًا دفعة فوضوية هدامة. . . يجب أن أقول أيضًا إن قصيدة النثر -وهذا إيمان شخصي قد يبدو اعتباطيًا- عمل شاعر ملعون، الملعون في جسده ووجدانه، الملعون يضيق بعالم نقي. . . إنه يستبيح كل المحرمات ليتحرر، لكن قصيدة النثر، التي هي نتاج

стр. 1658

ملاعين، لا تنحصر بهم، أهميتها أنها تتسع لجميع الآخرين الجميع يعبرون على ظهر ملعون. . . . والمصابون هم الذين خلقوا عالم الشعر الجديد: حين نقول "رمبو" نشير إلى عائلة من المرضى، قصيدة النثر بنت هذه العائلة، نحن في زمن السرطان، نثرًا وشعرًا وكل شيء، قصيدة النثر خليقة هذا الزمن، حليفته، ومصيره) (١). وليس هذا خاصًا بقصيدة النثر بل هو عام بفكرهم كله ويسلكهم جميعه، ومن أدلة ذلك ما سبق نقله، وما جاء في "البيان الشعري" الذي افتتحت به "مجلة شعر ٦٩" عددها الأول في أيار ١٩٦٩ م الموافق صفر ١٣٨٩ هـ: (. . . إن الشاعر الذي يصل في قصائده إلى النبوة، هو الذي يعرف كل شيء ولا يعرف، وهو الذي يقول ولا يقول، وهو الذي لا يكون في العالم رغم أنه موجود فيه. . . الشاعر وحشي يقف ضد كل شيء، ويهدم حتى نفسه عندما يجد ذلك ضروريًا. . . إن الشاعر لا يُمكن إلّا أن يكون مع المستقبل، لا لأنه كائن يتجاوز حتى نفسه، وإنّما لأنه هادم جبار أيضًا. . . فالشاعر في ضوء مثل هذه الرؤيا، محرض على الثورة والتمرد ومقاتل يحدق بعيني نسر إلى المستقبل الذي لا يراه الآخرون) (٢). والحداثة التي هي عقدة الأفاعي، حسب تعبير أحد نقادهم تعيش: (حيث لا أفق سوى العدمية والاستلاب، بعد إعلان نيتشه موت اللَّه "سبحان اللَّه وتعالى عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا" والجمال معًا، والفن لم يعد يعوض عن الحياة بل يساهم في تعميق الاستيلاب نحوها، فسيموت الفن تاركًا إيانا في العراء، حيث الشمس السوداء للسأم والسوداوية شمس

стр. 1659

الفرح الحمراء، وقمر الكارثة الشاحب. . . إنها وعى المتاهة إذ تغدو المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة. . .) (١). ثم يضيف هذا الناقد الحداثي قائلًا: (إن البلبلة والتشوس سمة مميزة للحداثة التي تريد أن تنطوي على وجود بدون وجود، وعلى نص بدون نص وعلى سؤال بدون سؤال. . . فالحداثة هي اللاذات، اللاأساس، اللاقول اللاذاكرة، حيث بالإمكان تمديد هذه المتوالية من "اللاءات" إلى ما لا نهاية: اللامنطق، اللاعقل، اللاحداثة، وبذلك فإن الكتابة "الحداثية" تغدو ممكن قول أي شيء) (٢). وتقول إحدى الحداثيات في سياق حديثها عن الرواية الحداثية: (إن نشوء الرواية جاء في فترة تاريخية رحبت بالتجديد والتجريب وحتى التخريب والهدم الفني. . . جاءت الثورة. . . ابتداء من القرن الثامن عشر واكتمالًا في القرن التاسع عشر لا لتقلب المعايير فقط، بل لتجعل من قلب المعايير معيارًا في ذاته. . .) (٣). أما محمد بنيس فإنه يتحدث عن الفوضوية والهدم الحداثي بقوله: (لا بداية ولا نهاية للمغامرة، هذه القاعدة الأولى لكل نص يؤسس ويواجه. . . توق إلى اللانهائي واللامحدود يعشق فوضاه وينجذب لشهوتها. . .) (٤). ثم يشرح الهدف من هذه الفوضى فيقول: (يهدف النقد إلى تفكيك المفاهيم والقيم والتصورات، داخل الشعر وخارجه، انطلاقًا من التحليل

стр. 1660

العلمي للوقائع والمعطيات، والعودة بالإنسان إلى بعده الواقعي، ماحيًا كل المتعاليات التي تسلب منه قدرته على الفعل. . .) (١). وتحدث محمد بنيس عن الشعر فيقول عنه: (بالنسبة لي هو حالة التدمير، فلا يُمكن أن نكون في هذا العصر إلّا أبناء عاقين لسلطة استبدادية وقاسية وعنيدة تراكمت عبر العصور. . .) (٢). (. . . هكذا يكون الشعر انغراسًا في تفكيك قواعد الكلام واجتياح الطاعة المعممة، واختراق أنساق الهدنة والتواطؤ. . .) (٣). وفي مقابلة مع أدونيس يقول عن شخصية مهيار التي اتخذها قناعًا باطنيًا لأفكاره وعقائده: (فمهيار يدعو إلى ما أسميت في مكان آخر الهدم الجميل، الهدم الكامل لإعادة البناء. . .) (٤). (. . . فمهيار نقيض كل نظام قائم على نصوص أصيلة. . .) (٥). ويتحدث عن القصيدة الحداثية قائلًا في لهجة أستاذ معلم!: (. . . والقصيدة يجب أن تكون مثل هذا المشهد الفوضوي. . . إنه غياب القانون، إنه الفوضى الكونية، إنه زمن ما قبل العالم) (٦). ويتحدث في كتابه الصوفية والسوريالية عن أحد أساتذته الذين قلدهم وهو السوريالي "بريتون" (٧) يقول: (ومن هنا يعيد "بريتون" للعبث والعصاب والجنون الأهلية والاعتبار، بوصفها وسائل أعطيت لنا لكي نحقق بها أصالة الحياة النفسية الشخصية) (٨).

стр. 1661

فلتهنأ الحداثة بأساتذتها الذين يرون الجنون والعبث أصالة للحياة النفسية!! ولتغتسل الحداثة بالبول على أنه الطهر، والنظافة ولتأكل من كل قمامة على أنها أشهى الطيبات وأحسن الموائد، فإن ذلك كله من الإبداع!!!. وفي مقابلة مع أنسي الحاج يقول واصفًا الإبداع: (إنها الشهوة، شهوة الوصول. . . شهوة الذوبان، الإفلات، التبذير، الانتقام، شهوة القول، شهوة التسلية الشهوة الجنسية. . . شهوة الانتهاك. . .) (١). ولما سئل عن آخر صرعة من صرعات الحداثة "قصيدة البياض" قال: (لم أدرس جيدًا ولا قرأت من هذه القصائد، بالفرنسية أو بالعربية، ما يسمح لي أن أبدي رأيا في هذا النوع كنوع، الآن بين القصائد التي تسنت لي قراءتها ما يقوم على لعبة تستهويني، لعبة عبثية يشتغل فيها العقل، بمنتهى الدقة والتقشف، لحساب هاوية تناديه. . . أنا مع التجارب كلما كانت نابعة من حاجة ذاتية، من الرفق الخلاق، مع التجارب حتى النهاية مع تجارب لا حدود لها، أنا ضد الشعوذة، ضد الزيف، ضد التقليد، ولكني مع المغامرة، مع التجرؤ، مع اللعب، مع التغيير، مع الصدم، بل أنا مع الفضيحة. . .) (٢). وفي كتاب "خواتم" يقول: (. . . إن الكتابة عبث، فلماذا لا تكون، فور ذاك، تمريغًا لعبث الوجود بعبثها، ولمحدودية الخلق بلا محدودية جنونها وهدمها. . .) (٣). ويقول: (الكتابة هي دائمًا فعل تخريبي. . . الكاتب التخريبي لا يتقصد أن يكون كاتبًا تخريبيًا، إنه لقاء الفطرة ونداء الأشياء. . . إنه قدر الضالين سواء السبيل المعبد للعبيد، ومهما سالم الكاتب التخريبي سيظل "يصيب"،

стр. 1662

ومهما سربله الحب سيظل يشعل الحرائق، ومهما انحط سيظل أعلى من عصره ومن ناصحيه) (١). ويقول قباني في مقابلة أجراها معه جهاد فاضل: (أنا مع الشعر الجديد في مغامراته وهلوسته وهذيانه. . .) (٢). وفي مقدمة كتبها سعيد عقل لما يسمى شعرًا لتوفيق صايغ يقول: (إنه كل شيء سوى اللاشيء، هذا الذي جاء آخر الزمن، في عصر يتنفس العدم تنفسًا، في الفلسفة والشعر وفي الفن جميعًا) (٣). إنهم يشعرون بعدميتهم الذاتية فيمارسون ذلك عبثًا وفوضى في كلامهم، إنهم يعبرون بكل هذا الذي نقلناه عنهم؛ يعبرون عن ذواتهم، عن عقولهم المريضة، ونفسياتهم المنحرفة، وسلوكياتهم المنحطة، إنهم كما قال غالي شكري عنهم وعن شعرهم: (إن الشعر الحديث هو، بشكل ما، صورة عن حياتنا المعاصرة، في عبثها وخللها) (٤). المدرك الثالث: من أصولهم "تدنيس المقدس" واستباحة المحرم، والتحرر من المنع وإسقاط موازين الحلال والحرام، وهم يعتبرون ذلك أحد أهم إنجازات الحداثة وأهم مشروعاتها، ويفاخرون بذلك، ويروونه كثيرًا في كلامهم. وتدنيس المقدس نتيجة حتمية للفوضى والعبث الذي يمارسونه ويحتفلون به ويؤصلونه منهجًا لفكرهم وأدبهم وحياتهم وسلوكهم، فبئس الورد المورود!!. عجماوات في إهاب إنسان ينطق، بل لعمر اللَّه إن العجماوات أرفع

стр. 1663

منهم درجة وأعلى منهم شأنًا؛ لأنها لم تخرج عن فطرتها ولم تتجاوز مقتضيات خلقها التي خلقت عليها. أما هؤلاء فقد انحدروا حتى ضج منهم الإنحدار، وهبطوا في دركات الحيوانية حتى انحطوا عن درجة الحيوان ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ (١)، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢). تقول قرينة أدونيس، ومروجة أفكاره: خالدة سعيد، عن الأعمال التي يقوم بها المبدع والحداثي والمجدد!! وأنها تقوم أصلًا على (زعزعة النموذج وإسقاط صفة الأصلية فيه، أو صفته المطلقة ورده إلى حدود الموروث التاريخي، فكانت هذه الأعمال توكيدًا على أن الإنسان يملك موروثه ولا يملكه هذا الموروث، ويملك أن يحيله إلى موضوع للبحث العلمي والنظر، كما يملك حق إعادة النظر فيما اكتسب صفة القداسة، وحق نزع الأسطورة عن المقدس. . .) (٣). وتقول أيضًا: (وإذا كانت الحداثة حركة تصدعات وانزياحات معرفية - قيمية، فإن واحدًا من أهم الانزياحات وأبلغها هو نقل حقل المقدس والأسراري من مجالات العلاقات والقيم الدينية والماضوية إلى مجال الإنسان والتجربة والمعيش. . . إن ديوان "أغاني مهيار الدمشقي" قد شكل أول انقلاب بين العالمين ونقل المقدس إلى الحقل الإنساني، ولابد من القول في هذا المجال أن ديوان "لن" لأنسي الحاج قد أسهم في تجريح المقدس، ورفع لواء العصيان البشري، وإقامة لغة التجديف (٤)، غير أن مهيار يصوغ التجديف بلغة تبني الدينية الضدية، وترسم إله الدمار والتفكك

стр. 1664

وتؤسس لانقلاب القيم ومواقع المقدس) (١). وتصف ناقدة حداثية أخرى هذا الأصل الحداثي وكيف نشأ عنه ما يسمونه "الحركة الإنسانية" التي تقدس الإنسان وتعلي شأنه من جهة أنه كيان مادي بحت، أي "حيواني محض"، تقول هذه الحداثية: (أصبح الإنسان مع نزع هالة التقديس والألوهة عن الكون ومدبره، أصبح يقع في مركز الكون ويشكل مبدأ القيم والغايات، وعندئذٍ ترسخت الحركة الإنسانوية. . . توقف الإنسان عن الدوران حول المقدس، وحلت مشرعية إنسانية جديدة محل المشروعية الدينية السابقة، ونتج عن ذلك أخلاق جديدة وقوانين جديدة تنطبق على البشر دون استثناء) (٢). فهذا هو أصلهم ومنزع عقيدتهم في تأليه الإنسان وجحد ألوهية اللَّه تعالى وربوبيته، إلحاد قاحل، يقوم على أوهام مادية باطلة ومرض عقلي يتظاهر أصحابه بتمام العقل والإدراك: (ولو ظهرت عقيدة بين البهائم العجماء لما كانت أقل من هذه العقيدة "الوسخة" لا في المقاصد ولا في الأصول) (٣). يقول عبد الرحمن منيف، واصفًا أهم ألسس ومضامين الحداثة: (. . . إن إحدى مهمات الحداثة وأيضًا إحدى صفاتها، نزع القداسة عن الأشياء، والتحرر من القيود واللجوء إلى السخرية) (٤). ويقول أحد النقاد الحداثيين: (فكر الحداثة داس كافة المحرمات لاعتقاده بأن الوجود خلو من كل سر. . .) (٥).

стр. 1665

ويقول أنسي الحاج: (الحاجة اليوم أراها إلى كتابة تمزق حجابها بعدما تمزق وجدانها، إلى كتابة تقول المحرم والممنوع والمخيف والمهول والرائع والمدهش والمذهل والساحر والرهيب، ولو لعنت ورجمت واضطهد أصحابها حتى الموت. . . الحاجة إلى كتابة العري، عري الذات والفكر والدخلاء والحلم والكابوس والنظر والبصيرة والشوق والاستيهام والنوايا، عري المنطق، عري الاقتناع، أي الشك، عري الإيمان، عري المحاكمة الذاتية والموضوعية، عري الخطايا، عري الضعف والانحلال، عري الجنون، عري السقوط، عري الصلاة العارية، والهرطقة (١) العارية والعربدة العارية) (٢). وأنسي الحاج هو الذي وصف شاعر قصيدة النثر بأنه (يستبيح كل المحرمات ليتحرر) (٣). ويكتب أحد كتاب مجلة الناقد بمناسبة الذكرى الثانية لرحيل يوسف الخال مستلهمًا من الخال: (شيطانية الرغاب) (٤) و (أبدية الخرافية الفاسقة) (٥)، ثم يقول: (علينا الإطاحة بأصنام اللغة، بتوابيت القداسة، بالقواميس المقابر، علينا تسجيل الجسد وترشيده. . .) (٦). ثم يصف مجلة شعر ويغدق عليها مدائحه الحداثية الإلحادية فيقول: (. . . الدخول إلى مجلة شعر كالعبور إلى ملكوت رحمي أسر، أو إلى شرك كالح دابق أرض ممرغة ببوار، ولزوجة مبتراة من وميض الخلايا. . .) (٧). ثم يخاطب يوسف الخال: (كيف انبثقت؟ ولماذا لم تصرف عنا هذي

стр. 1666

الكأس، يا نصف إله محتضر، يا شيطانًا ما زال لنا؟) (١). وما يدري العاقل من أي شيء يعجب، أمن هذه الصنمية الحداثية؟ أم من هذا الاعتراف الصريح بالإلحاد والشرك الكالح؟ أم من المدائح الحداثية التي تجعل الجعل وطعامه في درجة النحل وشهده؟!. ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٢). وفي مجلة الناقد أيضًا كتب أحدهم أهم ملامح الحداثة العربية، تحت عنوان "مقاربة الحداثة" فيقول عن السمة التي سماها الخروج من الجمعية إلى الفردانية: (. . . الفردانية محاولة تحرر ومشروع توكيد الذات، ولدلك تعمد إلى خرق المألوف واجتراح التراث ومناوشة الأعراف والتقاليد، فلا غرابة إذا اعتبرت الروح الفردية العمود الفقري لحركة الحداثة) (٣). (. . . والحداثة هي فعل شمولي كوني تحترق المألوف والمعتاد سعيًا وراء تحقيق مقاربة أفضل للقانون الأمثل. . .) (٤). ثم يتحدث عن التعددية الوثنية الإغريقية ويجعلها المجال الواسع الذي تتحرك فيه الإبداعات، ويجعلها كذلك الأصل للحداثة الراهنة والمدد الفكري للتعددية المذهبية والحرية المعاصرة، يتحدث عن التوحيد ويشير إليه على أنه التخلف والجمود والسبب الأكبر للركود الإنساني!!، ويستطرد في وصف الوحدانية قائلًا: (من أهم مفرزات الوحدانية التقديس والتدنيس والتحليل والتحريم، وهي مفرزات إيمانية أن تحول التقديس إلى عصمة وتحول التدنيس إلى إدانة) (٥). ثم يضيف: (الواحدانية تتناقض كل التناقض مع الحرية، إن وحدانيتها

стр. 1667

تحول دون تحقيق وعودها، فلا حرية مع الوحدانية. . . لذلك نجد النهضة الأوروبية حاولت إعادة الصيغة الوثنية التعددية، فقد وجدت فيها التعبير الأكمل لحرية الإنسان فكرًا وجسدًا، وهنا تبدأ الحداثة الثانية. . . وقد كانت الدعوة إلى الصيغة الوثنية واضحة كل الوضوح لدى رجال النهضة. . . إن الظروف الصناعية عدلت الكثير من الصيغة الوثنية للحداثة الزراعية، ولكنها أبقت على نواتها الأساسية، أمّا النواة الأساسية التي أبقت عليها فهي إسقاط القداسة عن كل شيء، لم يعد هناك شيء خالد قدسي أبدي لا في عالم الفكر ولا في عالم المادة) (١). ثم يضيف: (ولا تزال مهمة الخلاص من الوحدانيات قائمة. . . وعلى هذا يُمكن القول إن الحداثة الصناعية أو الحداثة المعاصرة هي محاولة استعادة الصيغة الوثنية للحداثة الزراعية، في ظروف جديدة، أهم ما يميزها الصخب والسرعة والاكتظاظ، وهذه الصفات تقف تمامًا في الضفة المقابلة لصفات ظروف الحداثة الزراعية، أمَّا القاسم المشترك فهو إسقاط القداسة عن كل شيء، فلا العروض ولا القوافي، ولا الأوزان والإيقاعات والكلمات والتصريحات، ولا العقائد والأفكار والمذاهب والآراء، ولا العادات والتقاليد والطقوس والممارسات، ولا الأحزاب والكتل والفئات والمجموعات والأفراد، ولا الأنظمة والقوانين والدساتير، ولا المكان والزمان والشهور والأيام تحظى بأي قدسية) (٢). أمّا المتفرنس محمد أركون فقد ناقش قضية المقدس والحرام وقرر بأن (المقدس متحول ومتحرك وليس ثابتًا أو ساكنًا كما قد نتوهم، يضاف إلى ذلك أن المقدس يتعرض باستمرار للتلاعب به من قبل الفاعلين الاجتماعيين أي البشر. . .، ويُمكنني أن أقول: إن المقدس الذي نعيش عليه أو معه اليوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس السائد أيام النبي، لأن أشياء كثيرة تغيرت منذ ذلك الوقت في

стр. 1668

ساحة المجتمعات الإسلامية والعربية، وإذن فينبغي أن ننظر للمقدس كشيء متحرك وفي الوقت ذاته جبار ومستمر، بمعنى أنه موجود دائمًا ولكن بأشكال متنوعة شديدة الاختلاف) (١). ومؤدى هذا القول إسقاط القداسة وإزاحتها مثل القول السابق (٢)، إلّا أن الكاتب السابق كان أصرح وأوضح في طرح فكرته، أمّا أركون فإنه كأسلوبه دائمًا ملتوٍ معقد، وغاية قوله هذا أن المقدس في العهد الأول من الإسلام يُمكن أن يتحول إلى مدنس، والمدنس يتحول إلى مقدس، أي: -وحسب النص الذي قبله- يتحول التوحيد إلى تخلف ورجعية وركود وجمود، وتتحول الوثنية إلى تقدم وتجدد وتعددية وانفتاح!!. ولعل أركون بهذا القول يبرر لنفسه وأتباعه غرقهم في تقديس الغرب وخاصة فرنسا، وتقديس محاضن العلوم الإنسانية الغربية وخاصة السوريون الذي يعمل فيه، وتقديس المناهج وخاصة المنهج المادي العلماني، وتقديس أعلام الفلسفة الغربية وخاصة ماركس ونيتشه (٣). أمّا محمد بنيس فإنه يتحدث في سياق "تدنيس المقدس" بصورة أكثر جرأة ووقاحة، حين يتحدث عن الإسلام وأركانه والإيمان وأركانه تحت عبارة "المتعاليات" ويقصد بها أولًا: اللَّه -جلَّ وعلا- وثانيًا سائر أركان وقواعد الإسلام العلمية والعملية، يقول بنيس: (أول ما يجب أن يتجه إليه النقد هو المتعاليات بمختلف تجلياتها، ليس الغائب الذي يخلق الحاضر والمستقبل بل الإنسان هو خالق حاضره ومستقبله. لا تستصغروا المتعاليات إنها المتحكمة في وعينا ولا وعينا. . . إن المتعاليات كمجال معرفي، تعتمد قناعة أساسًا، وهي أن الإنسان موجود

стр. 1669

بغيره لا بنفسه، شبح عابر في دنياه، صورة لمثال، مصيره فوقه لا بين يديه، تغطيه السماء بحنينها مرة، وتحتفظ له الظلمات بالودع، هنا أو هناك) (١). واضح تمام الوضوح أنه يقصد بالمتعاليات أركان الإيمان عند المسلمين: الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. وهذا كافي في الدلالة على مراده من نقد المتعاليات الذي يعبرون عنه أحيانًا بـ "تدنيس المقدس". وقد شرح بنيس مراده بكلمة "نقد" فقال: (يهدف النقد إلى تفكيك المفاهيم والقيم والتصورات، داخل الشعر وخارجه، انطلاقًا من التحليل العلمي للوقائع والمعطيات، والعودة بالإنسان إلى بعده الواقعي، ماحيًا كل المتعاليات التي تسلب منه قدرته على الفعل، وتنسب لذاتها كتابة مصير الكون على جباهنا العارية) (٢). هذا النقد الذي يشرحه بنيس في هذا النص يتفق مع صفقات التجارة الحداثية القائمة على "العبث" والانتهاك من أجل إسقاط دين الإسلام أصولًا وفروعًا، على أساس أن هذا العبث والانتهاك والسخرية والاستخفاف "عمل إبداعي" يستحق الإشادة والتشجيع!!. ويقول جبرا إبراهيم جبرا: (الإبداع من صفته أن يكون غير متوقع، كلمة "الإبداع" هي أصلًا من البدعة، شيء جديد، أحيانًا تكفر صاحبه، وأحيانًا تمجد صاحبه، الإبداع يجب أن يكون فيه هذا العنصر غير المتوقع. . . الإبداع يجب أن يبقى شيئًا غير مألوف أصلًا، سيبقى الإبداع ميزة المتفردين القلائل، في كل الحضارات الأمر كذلك، لكن الصفة هي الجرأة في رؤية المستقبل أو الماضي، الجرأة في تناول المحرمات. . . كل شيء

стр. 1670

قيل لك إنه محرم، حاول أن تفهمه، وحاول أن تمسه، اخترقه) (١). كل شيء يُمكن أن تدعيه هذه المخلوقات الممسوخة، ولن تستنكف هذه اللمامة انبشرية من أي وصف يُمكن أن يلصق بها؛ لأنه ليس في موازينهم التخريبية أي تحرج من أي وصف سخيف أو ساقط أو ضال أو باطل، قل إن شئت: عميل، مستغرب، عابث، ماجن جاهل، مخرب، مفسد، منحرف، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا ينفونها عن أنفسهم، بل ويفتخرون بالاتصاف بها، لا ضير لديهم فالخراب عندهم تعمير، والفساد صلاح ونماء، والانحراف حرية واختيار، والكفر جرأة ورؤبة، والضلال تقدم وتجديد، والعبث إبداع وتحديث!!، ومن هذه المنطلقات وأشباهها، توجهوا بالعبث والتخريب إلى المصطلحات الشرعية والشعائر الإسلامية، واستهدفوا من ذلك هدم دين الإسلام وتقويض مبانيه، وأنى لهم ذلك؟. وبعد ذكر هذه المدارك الموضحة لأسس هذا العبث، نذكر هنا شواهد وأمثلة على عبثهم ببعض المصطلحات والشعائر، لا على سبيل الاستقصاء فإن ذلك متعذر، ولكن على سبيل التمثيل، وسوف أذكر جملة من المصطلحات والألفاظ والشعائر مرتبة حسب حروف المعجم ثم اذكر ما توفر لي من شواهد على عبثهم وانتهاكم وسخريتهم: • الآية: وهي الجملة من القرآن العظيم الدالة على حكم أو خبر (٢)، وقد استخف الحداثيون بهذه الكلمة الدالة على مضمون شريف عظيم، ومن ذلك قول نزار قباني: (في سفر إلى الأعلى. . وتأخذني خطوط العرض أمام تقاطع الفخذين والطرقات

стр. 1671

وأستلقي على ظهري وتنزل فوقي الآيات) (١). ويقول أنسي الحاج: (وأَكره النكتة، كذلك لأنها معلبة، موجهة لتوليد ضحك السهرات الأكثر سخافة، وأمَّا النكتة الجنسية فلأنها، فوق ذلك، تهرج في موضوع مقدس، مهيب، ككل آية، هو الجنس) (٢). ووضع يوسف الخال لمقطوعة من مقطوعات ديوانه عنوانًا هو "الآية الأخيرة" (٣)، وفيها قال: (في مواني الرخام أحتمي أحمل في قرارة البقاء آية أخيرة) (٤). إلى أن قال في آخر المقطوعة: (لا نور لا ظلام لا إله) (٥). أمَّا أدونيس فإنه يفاخر بنفسه بصورة دائمة مملة، ويمتدح ذاته وفكرته الحداثية بتكرارية فاضحة ومن ذلك قوله: (جامح أحتضن الأرض كأنثى وأنام موقظًا حبي فيها لهبًا يفتح، يستنزل فيها آية

стр. 1672

إني كتاب، ودمي حبر، وأعضائي كلام) (١). ويقول تحت عنوان افتخاري: (هذا هو اسمي): (ماحيًا كل حكمة هذه ناري لم تبق آية - دمي الآية هذا بدْئي) (٢). وفي مقطوعة جنسية قذرة يقول: (أطلب إلى زماني مهلة لأكون آية تنطق بما سيكون الحب) (٣). فكل النصوص السابقة تدل على مدى العبث بمصطلح "آية". • الأذان: وهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ ورد بها الشرع (٤). ومن أمثلة عبثهم بهذه الشعيرة قول أحدهم في مقطوعة نشرها في الناقد بعنوان "أربع قصائد في المقاربات": (يؤذن مغرب فتحط عائفة إزارًا فوق أبيضها الرهيق وتنحني في الماء ترمق شكلها شهبًا وأعشابًا. . . . . . من منائرها يؤذن مغرب فألم أوراقي من المقهى وأحلم بالنجيل يحيط حمّصةً بمائدة تشيل إزار عاشقة

стр. 1673

ترامت فوق كف الغائبين مدى. . . . . . كأن المغرب الفضاح أذن فانتشلت قصيدتي ملموسة بمسيرها كانت عشيقتنا تلملم نثرها خلف المكان) (١). ويقول جبرا إبراهيم جبرا مصورًا التخلف والرجعية: (لا مجد بعد اليوم ولا مسرة إنّما طين آسن وحرف موات للبشر فليرتفع صوت المؤذن في الخرائب ولينزف العود لحنًا ميتًا لمدينة جدرانها تنز بغضًا والحجر) (٢). ويقول معين بسيسو مفاخرًا بشيوعيته وإرثه للكفر الجاهلي القديم: (ورثت عن أبي لهب وزوجه، حمالة الحطب ورثت جمرة وحبلًا من مسد الحبل في أيديكمو والجمر في يدي كان بلال يؤذن في جرَّهْ كان العبد المؤمن يملك فمه. . .) (٣).

стр. 1674

ويقول ممدوح عدوان: (وآلاف الحناجر كل يوم تتخم الدنيا تؤذن للصلاح وللفلاح. . ولا يمر الصوتُ في الصحراء ينبه غافلًا يقضي. . ولا يدري بأن الفقر، أن الغدر في الملأ وأن النار في الدهماء ويأبى أن يمر الصوت في الصحراء. . . جميع رجالنا ماتوا وهم يتولون آيات من الإسراء) (١). ويقول: (سوق النخاسة تفتح عند الأذان بصوت بلا المؤلب "اللَّه أكبر حي على الثأر من فقراء البلاد") (٢). وقد يشتمون المؤذن ويسخرون منه، ويتضايقون من صوته، كما هي حال الشياطين عند سماع الأذان، ومن ذلك قول الفوضوي العابث محمد شكري في روايته الشطار التي تتحدث عن سيرة حياته: (أبقى في القهوة حتى تغلق بعد منتصف الليل أهيم في الشوارع منتظرًا باب اللَّه "المسجد الكبير" أن يفتح عند صلاة الفجر، أنام في أحد أركانه، على حصير تفوح منه رائحة الرطوبة البشرية، الحارس الخفاشي الدائم، أو أي نعّاق مسجدي عابر، يأتي فيزعزعني في سباتي ويطردني. . .) (٣).

стр. 1675

ونحو هذا القول يقول بن جلون في روايته ليلة القدر عند سماعه للمؤذن: (أسدلي الستائر، قد ينخفض صوت هذا الغبي الذي ينهق، يجب أن يعاش الدين في صمت وتأمل، وليس في هذه الجلبة التي تكدر صفو ملائكة القدر) (١). ولهم في هذا أقوال عديدة (٢). • أسماء اللَّه وصفاته -جلَّ وعلا -: وهذه قد خاضوا فيها أشد الخوض وسخروا منها أعظم السخرية، وعبثوا بألفاظها ومعانيها أخبث العبث، وقد سبق ذكر ذلك في الفصل الثالث من الباب الأول (٣). • الألوهية: وهي أعظم قضايا التوحيد وأساس كل شيء في هذا الدين، وقد سبق ذكر أقوالهم الخبيثة التي فيها العبث والسخرية بلفظ الألوهية وبمضامينها العظيمة، وذلك في الفصل الثاني من الباب الأول (٤). • أهل الحق: وهم: المسلمون وأهل السنة والجماعة على وجه الخصوص، وذلك لالتزامهم بالحق يهدون به، وبه يعدلون. وبما أن أهل الحداثة لا يؤمنون بالحق ولا يعترفون بالخير والعدل والفضيلة فإنهم يحاربون هذه المفاهيم ويعبثون بمدلولها، كقول المتفرنس محمد أركون وهو يتحدث عن كتاب الرد على المنطقيين لشيخ الإسلام -

стр. 1676

رحمه اللَّه-، ويعتبر ما فيه معبرًا عن منطق: (العقل الإسلامي الأرثوذكسي) (١)، وأن هذا الكتاب (يتخذ أهمية كبيرة بالنسبة للتيار الإسلامي الراهن الذي يدافع عن خط الأرثوذكسية أي الإسلام الصحيح، أو ما يعتبرون أنه الصحيح، ذلك أن مشكلة الأرثوذكسية بهذا المعنى واسعة جدًا، فالمعنى. . . الأصلي لها يعني الخط المستقيم، أو الصحيح، والمعنى المصطلحي الديني يعني أن هناك إسلامًا وحيدًا مستقيمًا صحيحًا هو إسلام أهل السنة والجماعة بحسب السنيين، أو إسلام أهل العصمة والعدالة بحسب الشيعيين، أو إسلام المحكمة أو الشراة بحسب الخوارج. . .) (٢). فتأمل كيف يعبث بهذا المصطلح الشرعي القويم، ويدخل عليه اللفظ النصراني "أرثوذكسي" ويخلط بين الحق والباطل، بل يعتبر أن افتقار المعاجم اللغوية إلى لفظ "أرثوذكس" يدل على قصرها وضعفها، ويطالب باختراع واشتقاق ألفاظ مصطلحات جديدة توافق الحياة الجديدة (٣). وبالطبع هو يعني الحياة الغربية بكل حاضرها، وماضيها من وثنية إغريقية إلى نصرانية محرفة، إلى مادية حيوانية جاهلية معاصرة، ولذلك لا مجال عنده لمفهوم أهل الحق أو المنهج الصحيح؛ لأنه قد تلقى عن أساتذته أنه لا يوجد حق مطلق، ولا صواب محقق ولا ثوابت لازمة، ولا أصول راسخة. • أهل السنة والجماعة: وهم الذين ساروا على نهج رسول اللَّه ﷺ وأصحابه في الأقوال والأعمال والاعتقادات. وقد مرّ معنا في مصطلح أهل الحق كيف تعدى أركون بالعبث الكلامي السوربوني الفرنسي النصراني على هذا المصطلح.

стр. 1677

ومن جنس هذا التعدي ما كتبه العلماني المصري والحداثي المغالي "جابر عصفور" تحت عنوان "إسلام النفط والحداثة" حين تحدث عن كتاب الشيخ عوض القرني "الإسلام في ميزان الحداثة" ومقدمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز لهذا الكتاب، وتناول عصفور المنهج الاعتقادي الذي يسير عليه علماء وأهل هذه البلاد وهو منهج أهل السنة والجماعة، فقال في عبث وسخرية: (إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقلي "الاتباعي" الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث. . .) (١). (إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقلي) (٢). ويقول: (وأقل ما يُمكن أن يفعله المتبع لهذا الخطاب، في حالة تصديقه، والخطاب ينبني لإيقاع التصديق، هو المسارعة إلى حضيرة "الاتباع"، والبحث عن السلامة في "التقليد") (٣). والمقال كله مليء بالمغالطات والهجوم الشرس على المضامين الاعتقادية والمنهجية لأهل السنة والجماعة، ولا غرابة في ذلك، فإن من يرى أن الدين وصاية ورجعية وهيمنة على قدرات الإنسان، فلا شك أنه سيصل إلى هذه المنحدرات الهابطة ولو كان تحت رايات الثقافة والعلم والعقلانية، فالدعاوى يسيرة، يستطيعها أي جاهل أخرق، ولكن الواقع يكذب ما يقول. • الأولياء: هم: المؤمنون باللَّه تعالى الذين قاموا بما أمرهم اللَّه به ظاهرًا وباطنًا وتقربوا إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض وتركوا ما لا بأس به حذرًا مما به بأس (٤).

стр. 1678

قال اللَّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ (١). ومن أمثلة عبث الحداثيين بمصطلح الأولياء، قول نزار قباني مخاطبًا عشيقته: (اقتليني كاسيًا أو عاريًا فلقد يجعلني القتل وليًا مثل كل الأولياء) (٢). وفي قصيدة بعنوان "إفادة في محكمة الشعر" يقول: (أيها الراكعون في معبد الحرف كفانا الدوار والإغماءُ مزقوا جبة الدراويش عنكم واخلعوا الصوف أيها الأتقياء اتركوا أولياءنا بسلام أي أرض أعادها الأولياء؟) (٣) أمَّا أدونيس فإنه يحشد ألفاظ سبابه لعالم المسلمين في عبارات رمزية يقصد بها الدين الإسلامي وأهله وبلاده: "الرمل، العظام، الرخم، الجيف" وذلك في قوله: (وبلادي امرأة من الحمى، جسر للملذات يعبره القراصنة وتصفق لهم حشود الرمل، ومن شرفاتها البعيدة تلمح عيوننا أشياء الناس - أضاحي لقبور الأطفال، مجامر للأولياء، شواهد من الحجر الأسود، والحقول مليئة بالعظام والرخم وتماثيل البطولة جيف ناعمة) (٤).

стр. 1679

• الإيمان: هو الإيقان بأن اللَّه تعالى هو الإله المستحق للعبادة دون غيره، وأنه هو الخالق المالك المتصرف له الأسماء الحسنى والصفات العليا، وبأن الملائكة والأنبياء والكتب واليوم الآخر حق، وبأن القدر حق، والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح. وقد تعدى الحداثيون على هذا المصطلح العظيم ونالوه بالسخرية والاستخفاف أعظم النيل وأشنعه، وقد مرّ معنا في الأبواب السابقة أمثلة على محاولتهم العبث بمصطلح "الإيمان" الذي يضادونه تمام المضادة، ويناقضونه المناقضة الكاملة: يقول حسن حنفي: (وسأل أحدهم: هل الإيمان وهم، وكيف يوهم النص بالإيمان الخ؟ في حقيقة الأمر أنا أبدأ مما يؤمن به الناس، ومهمتي -حتى ولو آمنوا بالشيطان أو بأي شيء آخر- هي أن أستفيد من إيمانهم كطاقة وأستغله لتغيير الواقع مؤقتًا، حتى أقضي على الأمية وحتى أعيد تنظيم المجتمع، وأسلم المجتمع الذي نقلته من مرحلة إلى مرحلة، إلى الإخوة العلمانيين، وإنهم سيشكرونني على ما فعلت) (١). أمَّا محمد أركون فإنه يعالج من وجهة نظر فرنسية سوربونية ما يسميه "الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم" وتحت هذا العنوان يقول: (هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص، لم نعد التفكير فيها حتى الآن ونحن نستخدمها وكأنها مسلمات وبدهيات ونشربها كما نشرب الماء العذب. . . عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لا يعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وأبعاده المخيفة، وكل الأخطار المرافاتة لاستخدامه. . .) (٢).

стр. 1680

وهو بهذه الدعوة العابثة يدعو إلى تمزيق مفاهيم الإسلام، وتثبيت مفاهيم الإلحاد والحداثة والعلمنة؛ لأن هذه الأخيرة هي التي سوف يحتكم إليها ويقيس عليها، ويعبث بالمصطلحات والمفاهيم بناء على معطياتها الجاهلية، متأسيًا في ذلك بأساتذته الغربيين، وقد أشار إلى هذا المعنى حين ذكر وجوب تفكيك المصطلحات الإسلامية فقال: (انظروا بهذا الصدد تفكيك جاك دريدا (١) لكل الجهاز المفهومي للميتافيزيقا الكلاسيكية) (٢). وعلى الرغم من كثرة استخفاف وعبث الحداثيين بلفظ الإيمان ومعانيه ومقتضياته إلّا أن محمد أركون ما يزال يرى أنه يجب أن يفعلوا ما هو أكثر لإبعاد ثقله وكثافته وشحنته التاريخية!!، وأي شيء أكثر وأبشع وأخطر مما فعلوه؟!. ها هو نزار قباني يقول: (من بعد موت اللَّه مشنوقًا على باب المدينة لم تبق للصلوات قيمة لم يبق للإيمان أو للكفر قيمة) (٣). وها هي نوال السعداوي تقول في روايتها "سقوط الإمام": (همس رجل في أذن جاره: أيدخل الإيمان قلوب الكلاب؟ رد الرجل: ولم لا؟ قال الجار: إذا عرفت الكلاب الوفاء فلماذا لا تعرف الإيمان، وهذا الكلب من أجود الأنواع، مستورد من وراء البحار كشف اللَّه عنه الحجاب، ويعرف المذنب من البرئ ويأكل كبد الحوت ويبتسم في الصورة. . .) (٤).

стр. 1681

أمَّا الفيتوري فيستخدم لفظ الإيمان استخدامًا عابثًا بشكل آخر، حيث يقول: (أنا لا أملك شيئًا غير إيماني بشعبي وبتاريخ بلادي وبلادي أرض أفريقيا البعيدة هذه الأرض التي أحملها ملء دمائي والتي أنشقها ملء الهواء والتي أعيدها في كبرياء) (١). ولدرويش طريقة أخرى، يقول: (آمنت بالحرف إما ميتًا عدمًا … أو ناصبًا لعدوي حبل مشنقة آمنت بالحرف نارًا لا يضير إذا … كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي) (٢) ويخاطب عشيقته: (يا من أحبك مثل إيماني) (٣). وما يُدرى أي إيمان يريد؟ أإيمانه يالشيوعية؟ أم إيمانه بالحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"؟ ونحو هذا قول البياتي عن عازف القيثار في مدريد ووصفه له بأنه: (يعيش ثورات عصور البعث والإيمان) (٤). وقوله عن نفسه:

стр. 1682

(آمنت بالليل الذي لا ينتهي ودفنت في جنح الظلام صباحي) (١) اعترف هنا اعترافًا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (٢). أمَّا الليل الذي آمن به وعصور البعث والإيمان فهي المعنية بقوله: (المجد للإنسان لعالم يولد تحت الراية الحمراء تحت راية العمال يا رفيقنا تيلمان) (٣). فلشدة استخفافهم بمصطلح الإيمان نعتوا به الكفر والضلال والإلحاد ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (٤). ومن هذا القبيل وصفهم لأنفسهم وأشباههم بأنهم مؤمنون!! بل واهبي الإيمان لغيرهم إ!، ومن ذلك قول المقالح في رثاء ملازم يماني قتل في إحدى الثورات اليمنية: (يا صانع التاريخ والحياه يا من وهبت لي لجيلنا الإيمان والحياه. . . . . . فلتخرس الأقلام والشفاه فها هنا ينتصب الإله) (٥).

стр. 1683

وفي افتتاحية العدد الأول من مجلة الأديب ذات التوجه الاشتراكي الماركسي، يكتب رئيس تحريرها النصراني الماركسي عن أهداف هذه المجلة التي (تطمح أن تكون معرضًا للإنتاج الفني والأدبي "العلمي، ومنبرًا للرأي السياسي المنبثق من العقيدة الصادقة والإيمان الخالص. . .) (١). فهل يريد عقيدته النصرانية أم الحداثية أم الماركسية؟ وهل يريد الإيمان الخالص بهذه أم بغيرها؟ ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢). أمَّا الحداثي العلماني يوسف إدريس (٣): (رجل النجاح الكلي والتطرف الكلي) (٤) حسب رأي مؤلفي كتاب رأيهم في الإسلام، والذين زادوا في وصفه بأنه صاحب: (الصدمات التي أحدثها نضاله العلماني فصدع أوصال الإسلام الرجعي) (٥)، يصف هذا الحداثي المتطرف الشعب المصري فيرى أنه لم يفارق الإيمان من عهد الفراعنة حتى اليوم، أي أنه يساوي بين الكفر والإسلام في مسمى الإيمان، وهذا تلويث مقصود، يقول: (. . . إن

стр. 1684

المصريين شعب قديم عرف ديانات عدة تعاقبت منذ "آمون" فالشعب المصري ليس شعبًا متعصبًا بل مؤمنًا، والفرق شاسع، إذ أن المؤمن يبحث عن الحقيقة بينما المتعصب يسير على حافة التحجر. . . . فرجل كعبد الناصر لَمْ يكن ملحدًا بل مؤمنًا غير متعصب، لذا قاوم حركة الإخوان المسلمين. . .) (١). أمَّا أدونيس فإنه لا يبخل على نفسه بوصف الإيمان، وهو الذي لم يترك وصفًا كفريًا أعجبه إلا تلبس به، ومع ذلك يصر على تلويث هذا المصطلح العظيم بانتسابه كذبًا وزورًا إليه، يقول: (لا أنحني ألا لأحضن موطني أنا صدر أم مرضع تحنو، وجبهة مؤمن) (٢). بل هو جبهة وثني علماني حداثي باطني. • بر الوالدين: في سياق مناداتهم بهدم النظم الاجتماعية يدعون أولًا إلى هدم بناء الأسرة؛ لأنها تمثل -عندهم- سلطة الأب وسيطرته التي يجب إزاحتها؛ لأن ذلك من الحضارة كما يقول أحدهم: (هدف النقد الحضاري في المرحلة القادمة هو نقد النظام الأبوي وتعريته إيديولوجيًا وتفتيته سياسيًا من الداخل) (٣). (إن نزعة التغيير الاجتماعي هي في صميمها الإرادة لتغيير النظام الأبوي، أي إلى الحد من سلطة الأب، أو بالإطاحة بها كليًا واستبدالها بنظام آخر، نظام يقوم على الإخوة والمساواة والعلاقات الأفقية) (٤).

стр. 1685

(ويرمي هذا الطرح اتخاذ موقف ضدي إزاء الخطاب الأبوي بأشكاله المختلفة) (١). أمَّا إحسان عباس فيجعل انهيار سلطة الأب وتفكيك نظام العائلة وتحدي السماء وإشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب من سمات الحداثة الشعرية (٢). ومن أمثلة ذلك قول سميح القاسم: (رضا الوالدين لنا والخشوع طويلًا لأضرحة الأولياء وقسمتنا جنة الأتقياء وأنت لك النار والكستناء لماذا إذن تزدرينا وتقتل فينا زكاة الرضا وصلاة العشاء وصوم العشاء لماذا؟) (٣). • تاريخ الإسلام وحضارته، وقرون الهجرة، والسلف الصالح: استهدف الحداثيون تاريخ المسلمين بالتشويه والتنقص والذم، وخاصة قرون الهجرة الثلاثة الأولى، في الوقت الذي مجدوا وامتدحوا فيه تاريخ الوثنية الإغريقية والفرعونية والآشورية، وتاريخ الشيوعية، والاشتراكية، وتاريخ الإلحاد والإباحية.
следующие страницы →