أمَّا الفيتوري فيستخدم لفظ الإيمان استخدامًا عابثًا بشكل آخر، حيث يقول:
(أنا لا أملك شيئًا غير إيماني بشعبي
وبتاريخ بلادي
وبلادي أرض أفريقيا البعيدة
هذه الأرض التي أحملها ملء دمائي
والتي أنشقها ملء الهواء
والتي أعيدها في كبرياء) (١).
ولدرويش طريقة أخرى، يقول:
(آمنت بالحرف إما ميتًا عدمًا … أو ناصبًا لعدوي حبل مشنقة
آمنت بالحرف نارًا لا يضير إذا … كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي) (٢)
ويخاطب عشيقته:
(يا من أحبك مثل إيماني) (٣).
وما يُدرى أي إيمان يريد؟ أإيمانه يالشيوعية؟ أم إيمانه بالحزب الشيوعي الإسرائيلي "راكاح"؟
ونحو هذا قول البياتي عن عازف القيثار في مدريد ووصفه له بأنه:
(يعيش ثورات عصور البعث والإيمان) (٤).
وقوله عن نفسه:
стр. 1682
(آمنت بالليل الذي لا ينتهي ودفنت في جنح الظلام صباحي) (١)
اعترف هنا اعترافًا يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (٢).
أمَّا الليل الذي آمن به وعصور البعث والإيمان فهي المعنية بقوله:
(المجد للإنسان
لعالم يولد تحت الراية الحمراء
تحت راية العمال
يا رفيقنا تيلمان) (٣).
فلشدة استخفافهم بمصطلح الإيمان نعتوا به الكفر والضلال والإلحاد ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ (٤).
ومن هذا القبيل وصفهم لأنفسهم وأشباههم بأنهم مؤمنون!! بل واهبي الإيمان لغيرهم إ!، ومن ذلك قول المقالح في رثاء ملازم يماني قتل في إحدى الثورات اليمنية:
(يا صانع التاريخ والحياه
يا من وهبت لي
لجيلنا الإيمان والحياه. . .
. . . فلتخرس الأقلام والشفاه
فها هنا ينتصب الإله) (٥).
стр. 1683
وفي افتتاحية العدد الأول من مجلة الأديب ذات التوجه الاشتراكي الماركسي، يكتب رئيس تحريرها النصراني الماركسي عن أهداف هذه المجلة التي (تطمح أن تكون معرضًا للإنتاج الفني والأدبي "العلمي، ومنبرًا للرأي السياسي المنبثق من العقيدة الصادقة والإيمان الخالص. . .) (١).
فهل يريد عقيدته النصرانية أم الحداثية أم الماركسية؟ وهل يريد الإيمان الخالص بهذه أم بغيرها؟
﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
أمَّا الحداثي العلماني يوسف إدريس (٣): (رجل النجاح الكلي والتطرف الكلي) (٤) حسب رأي مؤلفي كتاب رأيهم في الإسلام، والذين زادوا في وصفه بأنه صاحب: (الصدمات التي أحدثها نضاله العلماني فصدع أوصال الإسلام الرجعي) (٥)، يصف هذا الحداثي المتطرف الشعب المصري فيرى أنه لم يفارق الإيمان من عهد الفراعنة حتى اليوم، أي أنه يساوي بين الكفر والإسلام في مسمى الإيمان، وهذا تلويث مقصود، يقول: (. . . إن
стр. 1684
المصريين شعب قديم عرف ديانات عدة تعاقبت منذ "آمون" فالشعب المصري ليس شعبًا متعصبًا بل مؤمنًا، والفرق شاسع، إذ أن المؤمن يبحث عن الحقيقة بينما المتعصب يسير على حافة التحجر.
. . . فرجل كعبد الناصر لَمْ يكن ملحدًا بل مؤمنًا غير متعصب، لذا قاوم حركة الإخوان المسلمين. . .) (١).
أمَّا أدونيس فإنه لا يبخل على نفسه بوصف الإيمان، وهو الذي لم يترك وصفًا كفريًا أعجبه إلا تلبس به، ومع ذلك يصر على تلويث هذا المصطلح العظيم بانتسابه كذبًا وزورًا إليه، يقول:
(لا أنحني
ألا لأحضن موطني
أنا صدر أم مرضع تحنو، وجبهة مؤمن) (٢).
بل هو جبهة وثني علماني حداثي باطني.
• بر الوالدين:
في سياق مناداتهم بهدم النظم الاجتماعية يدعون أولًا إلى هدم بناء الأسرة؛ لأنها تمثل -عندهم- سلطة الأب وسيطرته التي يجب إزاحتها؛ لأن ذلك من الحضارة كما يقول أحدهم: (هدف النقد الحضاري في المرحلة القادمة هو نقد النظام الأبوي وتعريته إيديولوجيًا وتفتيته سياسيًا من الداخل) (٣).
(إن نزعة التغيير الاجتماعي هي في صميمها الإرادة لتغيير النظام الأبوي، أي إلى الحد من سلطة الأب، أو بالإطاحة بها كليًا واستبدالها بنظام آخر، نظام يقوم على الإخوة والمساواة والعلاقات الأفقية) (٤).
стр. 1685
(ويرمي هذا الطرح اتخاذ موقف ضدي إزاء الخطاب الأبوي بأشكاله المختلفة) (١).
أمَّا إحسان عباس فيجعل انهيار سلطة الأب وتفكيك نظام العائلة وتحدي السماء وإشاحة الوجه عن كل ما هو وراء الغيب من سمات الحداثة الشعرية (٢).
ومن أمثلة ذلك قول سميح القاسم:
(رضا الوالدين لنا
والخشوع طويلًا لأضرحة الأولياء
وقسمتنا جنة الأتقياء
وأنت لك النار والكستناء
لماذا إذن تزدرينا
وتقتل فينا
زكاة الرضا
وصلاة العشاء
وصوم العشاء
لماذا؟) (٣).
• تاريخ الإسلام وحضارته، وقرون الهجرة، والسلف الصالح:
استهدف الحداثيون تاريخ المسلمين بالتشويه والتنقص والذم، وخاصة قرون الهجرة الثلاثة الأولى، في الوقت الذي مجدوا وامتدحوا فيه تاريخ الوثنية الإغريقية والفرعونية والآشورية، وتاريخ الشيوعية، والاشتراكية، وتاريخ الإلحاد والإباحية.
стр. 1686
وحربهم لتاريخ الإسلام وماضي المسلمين يتسق مع مبدئهم القائم أصلًا على مضادة ومناقضة الدين القويم، وليس بالإمكان ذكر كل أقوالهم في هذا الصدد، لكثرتها، ولذلك سوف أورد بعض الشواهد على ذلك.
وقد اجتمع على حرب تاريخ الإسلام وحضارته النصراني والشعوبي والعلماني والماسوني لتنفيذ مأرب يهودي صهيوني يطمح إلى اقتلاع الأمة من تاريخها، وتشكيك الأجيال في حضارتها، وتمويه الهوية والانتماء، وإذابة الضوابط، ليقول العلماني ما لا يعصم الدم، ويتحدث الباطني بتراث أجداده الملاحدة، ويهرف الشعوبي بكل ما يذيب وجدان الأمة، وكلهم ليسوا سوى ورقة تائهة في زبالات التلمود، ومن أجل ذلك نرى تصميم الجميع على تحطيم كل قدر ومنزلة للأمة، وتدمير الجذور التاريخية وتشويهها بألوان من العبث العلماني والخواء الحداثي.
يصف البياتي عصر خلفاء الإسلام فيقول تحت عنوان "سقط الزند":
(مجلسهُ كان يعج بدواب الأرض والهوام
من كل صعلوك شويعر، دعي، داعر نمام
كان -إذا ما أنشدوا أشعارهم- ينام
مفلطحًا ومتخمًا
وكلما
أنشد منهم أحد تململا
وقال: لا!
- مولاي هل يخفى القمر
ويغضب الأمير
ويصفع الشاعر، فالقمر
يغيب كل ليلة في صفحة القدر
стр. 1687
كان زمانًا داعرًا، يا سيدي، كان بلا ضفاف
الشعراء غرقوا فيه وما كانوا سوى خراف
وكنت أنت بينهم عراف
وكنت في مأدبة اللئام
شاهد عصر ساده الظلام
قافية الهمزة كانت بغلة عرجاء
يركبها الأمير كل ليلة ليلاء
كل القوافي أصبحت، ياسيدي، كالبغلة العرجاء
كان زمانًا داعرًا، كان بلا حياء) (١).
ويصور ماضي المسلمين وتاريخهم في صورة مزرية كريهة فيقول:
(وشهريار مات
وريث هذا العالم المدفون في أعماقنا يموت
المعدن الخسيس والياقوت
سفينة تغرق في عاصفة، تابوت
يضم عظمين وعنكبوت) (٢).
(وريث هذا العالم المدفون في الأعماق
يلهث مهزومًا على قارعة الطريق
يحمل وجه هالك غريق
ينام في المقهى ككلب جائع أفاق) (٣).
стр. 1688
ويقول عابثًا بتاريخ المسلمين منذ البعثة:
(قدمت أوراقي انتخابي لرسول الرب
وقوسيار الشعب
من أجل أن تشرق شمس اللَّه.
على الغد المسكون بالخوف وبالأشباح
لكنه سلمني لفرق التعذيب والسجون والبوليس
والنفي والتشريد
فالعملة الرديئة
قد طردت في مدن الأزمنة الحديثة
العملة الجيدة الجديدة
وعور "روما" طردوا أشرافها وطردوا
العشاق والثوار
ونصبوا الأحذية المثقوبة
والرمم الصلعاء والأبواق
من أين يأتي الحب يا حبيبتي، ونحن محكومون بالإعدام
ونحن في السيرك وفي حديقة الحيوان
واللغة المومس والتاريخ والأوهام
والعقم واليباب
محاصرون منذ ألفي عام
نحاول الخروج من دوائر الأصفار) (١).
стр. 1689
وبعد هذه الهجيات الحداثية الشيوعية الحاقدة يعقب بذكر عقيدته الشيوعية التي يرمز لها بجبال القفقاس حيث كانت دولة الاتحاد السوفيتي:
(أحمل كل ليلة من جبل "القفقاس" هذي النار) (١).
انفصال كامل عن الأمة عقيدة وتاريخًا، في ضميمة نتنة من إلحاد وإباحية وشيوعية، وتهديم بالمطرقة الماركسية لأروقة الذهب الجميلة.
ويقول في موضع آخر:
(مرتجفًا مقرور
ألفًا من السنين أو تزيد
تحت ركام الورق الميت والجليد) (٢).
ويقول:
(وقضية شعبي العربي الخارج من منفى التاريخ) (٣).
ويقول:
(والتافهون وراء حائطنا … يرنون للموتى بإعجاب
وكلابهم تعوي وعالمنا … يصحو على أصوات حطاب
يا أرض ميدي بالقبور فقد … أطعمت للفيران أعشابي
أمّا الذين وراء حائطنا … يرنون للموتى بإعجاب
فقلوبهم جيف معطرة … للبيع في حانوت قصاب) (٤)
стр. 1690
ويقول:
(من لا مكان
لا وجه، لا تاريخ لي، من لا مكان.
تحت السماء، وفي عويل الريح اسمعها تناديني "تعال"!
. . . مستنقع التاريخ يعبره رجال
عدد الرمال. . .
وأنا وآلاف السنين
متثائب ضجر حزين
من لا مكان. . .
لا شيء ينتظر المسافر غير حاضره الحزين
وحل وطين
وعيون آلاف الجنادب والسنين
وتلوح أسوار المدينة، أي نفع أرتجيه؟
من عالم ما زال والأمس الكريه) (١).
ويقول تحت عنوان "الحريم":
(وعمائم خضر وصيادوا الذباب
يخمسون "قصيدة عصماء!! " في ذم الزمان
وقبور موتاهم وحانات المدينة والقباب
وسحائب الأفيون والشرف القديم
ما زال يلعب بالحصى والرمل
ما زال التنابلة العبيد
стр. 1691
يستنزفون دم المساكين الحزاني الكادحين
على وسائد من عبير
ويزاولون تجارة القول المزيف والرقيق
ما زال "هولاكو" و"هارون الرشيد"
ولم يزل "فقراء مكة" في الطريق
وقوافل التجار والفرسان والدم والحريم
يولدن ثم يمتن عند الفجر في أحضان "هارون الرشيد") (١).
وبعد هذا البيان الشيوعي الهجائي الرخيص، يبشر بشيوعيته التي سوف تهدم الشرق القديم وتهدم تاريخه -حسب آماله الماركسية- وذلك في قوله:
(وثورة الجيل الجديد على القديم. . .
حتى حملت معي السلاح
سلاح ثورتنا على الشرق القديم
وهدمت أسوار الحريم) (٢).
وأوشاب البياتي من هذا القبيل كثيرة (٣)، وهي لا تدع مجالًا للشك أن الرجل قد انتصب بكل عدائية وبغض لهذه الأمة يحاول هدمها بكل الوسائل وفي شتى الميادين، ويسعى جاهدًا لبناء صروح الإلحاد النخرة!! والتي ليست في فكرها وتاريخها وواقعها سوى أعجاز نخل خاوية!!.
أمَّا عصابة شعر ذات الهوية الأمريكية والسراديب الصهيونية، فإنها قد أسفت في هذا الميدان غاية الإسفاف، ومن ذلك قول يوسف الخال:
(أي ملكٍ كذاك يبنى على القوة
стр. 1692
يبقى، فلا يزول ويبلى
أين مجد العربان بعد ازدهار
حط في قمة الجلال وحلا؟. . .
هكذا يمحي ظلام الليالي
ويضيء الصباح مهما تولى) (١).
وهو صاحب المصطلحات الحداثية المتداولة بعده، فالبحر هو الغرب وهو التقدم، والرمل هو الشرق المسلم المتخلف، والماضي التاريخي للمسلمين هو الرمال الضريرة، كما في قوله:
(. . . يا عجوز الدهر قصي، قصي حكايات أمسي
ما طوتها كف الرمال الضريرة:
ألف جيل يردُ في ألف جيل
ردة الموج في المياه الأسيرة) (٢).
(أبسط ما في الأمر أن يوسف الخال شاعر ملتزم شجاع يحمل بقلب مخلص هموم الأقلية، ويروث على مبادئ مئات الملايين أهل البر والبحر معًا، وليس هذا فحسب، بل سر موهبة هذا الطائفي ونبوغه أنه حجب شعراء الحداثة من شعراء مئات الملايين عن التزام ديني يتغنى به شعر عربي حداثي. . . إن شاعر الحداثة من أبناء مئات الملايين هو الذي يستحيي من الالتزام لقضية الدين والخال هنا مبشر ضائق بالدين الإسلامي وتاريخه سالفًا وحاضرًا) (٣).
ويقول الخال أيضًا: (وألف سنة وأنا أمضغ القات، لألف سنة وأنا
стр. 1693
أركب جوادًا ميتًا، لألف سنة وأنا بلا وجه قناعي لوحة على قبر) (١).
ويقول:
(في بيت أبينا فاقة وجوع، لفصول ألف لم
تمطر، التراب برص على جسد الأرض
هلال آخر ويمضي) (٢).
ثم يتحدث عن أماله الصليبية المتدثرة بالحداثة المفصلة في الغرب لتصلح لكل الأجساد المعادية للحق، يقول الخال بعد الكلام السالف:
(وها أنا أنتظر، منجلي في يدي وساعدي تائق
إلى الفعل. . .
العشب يطلع من جديد، النهر يصل إلى البحر
المسافر يعود إلى خاصته، الحلم يجتاز العتبة
ومع الصبر يجيء الوقت
وإلى أن يجيء، هللي يا دقائق العمر، تعري. . .) (٣).
ولن أستغرق في ذكر شواهد من كلام عصابة شعر على حربهم الشرسة على تاريخ المسلمين.
وأنتقل الآن إلى الشعوبي الخليع "نزار قباني" الذي سلط سياط ألفاظه النتنة على تاردخ المسلمين وأسلافهم الأخيار من عهد الخلفاء الراشدين إلى عصر خلفاء بني عثمان، يقول ساخرًا بالخلفاء الراشدين ﵃، تحت عنوان "إلى صاحبة السمو حبيبتي سابقًا":
(وتزوجت أخيرًا ملكًا
стр. 1694
من ملوك الخلفاء الراشدين
وملكت الدين والدنيا معًا
فاسجدي شكرًا لرب العالمين) (١).
ويقول:
(كنت أريد
أن أنهي عصر البربرية
وأقتل آخر الخلفاء) (٢).
ويقول:
(عندما قررت أن أقتل آخر الخلفاء
وأعلن قيام دولة للحب
تكونين أنت مليكتها) (٣).
ويقول:
(يا أيها الوطن المحاصر
بين أسنان الخلافة، والوراثة والإمارة) (٤).
أمًا قصيدته "الوصية" فهي كلها من أولها إلى آخرها في ذم تاريخ المسلمين ورموزهم وشعارات عباداتهم وحياتهم، وهي تملأ عشر صفحات من ديوانه، أذكر بعضًا منها:
(أفتح صندوق أبي
стр. 1695
أمزق الوصية
أبيع في المزاد ما ورثته:
مجموع المسابح العاجيه
طربوشه التركي والجوارب الصوفيه. . .
أسحب سيفي غاضبًا
وأقطع الرؤوس والمفاصل المرخيهْ
وأهدم الشرق على أصحابه
تكية تكيهْ
افتح صندوق أبي
فلا أرى
إلّا درويش ومولويه. . .
أفتح تاريخ أبي
أرى الذين ليس يرى
أوعية. . مدائح دينيه
أوعية. . حشائش طبيه
أدوية للقدرة الجنسيه
أبحث عن معرفة تنفعني
أبحث عن كتابة تخص هذا العصر أو تخصني
فلا أرى حولي سوى رملٍ وجاهليهْ
أرفض ميراث أبي
وأرفض الثوب الذي ألبسني
стр. 1696
وأرفض العلم الدي علمني
وكل ما أورثني من عقد جنسيهْ. . .
أحرق رسم أسرتي. . أحرق أبجديتي. . .
أدخل مثل البرق من نافذة الخليفه
أراه لا يزال مثلما تركته
منذ قرون سبعه
مضاجعًا جارية روميه
أقرأ آيات من القرآن فوق رأسه
مكتوبة بأحرف كوفيهْ
عن الجهاد في سبيل اللَّه والرسول
والشريعة الحنفيهْ. . .) (١).
ويقول في مقطع آخر:
(فاعذروني أيها السادة
إن حطمت صندوق العجائب
وتقيأت على وجه أمير المؤمنين) (٢)
ويقول:
(فنحن محبوسون في محطة التاريخ كالخرفان) (٣)
ويقول:
стр. 1697
(نسطو على متاحف التاريخ في الظلام
ونسرق الخيول والدروع والأعلام
نسرق سيف خالد، نسرق ديوان أبي تمام
ونسرق المجد الذي يخصهم، ونسرق الأيام
خير لنا أن ندفن السذاجة
ونترك التاريخ في الثلاجة) (١).
أمّا الماركسي الفلسطيني معين بسيسو فله أسلوبه في السخرية بتاريخ المسلمين ورموزهم وشخصياتهم وخاصة في مقطوعته البذيئة "مقامة إلى بديع الزمان" التي يقول فيها مبتدأ بالسخرية بالسند الحديثي:
(حدثني وراق في الكوفة
عن خمار في البصرة، عن قاض في بغدان
عن سائس خيل السلطان
عن جارية، عن أحد الخصيان
عن قمر الدولة، حدثني قال:
كنا في مجلس مولانا
في شمس الرابع من رمضان
مولانا أنطقه اللَّه فصاح
من يقعى خلف الأبواب
من الفقهاء، من الشراح
- مولانا في بابك عبدك وأواء النطاح
стр. 1698
وهنالك عبدك، خفاش بن غراب
والشيخ الواثق باللَّه، ابن مضيق
صاحب ألف طريق وطريق
تسلكه الزنديقة والزنديق
مولانا عطس ثلاثًا يرحمه اللَّه
وانتصبت أذناه
- إلى وأواء النطاح
وانزلق الشيخ من الباب
وبرك أمام السلطان
مولانا كفًا في كف ضرب
وهمهم يا وأواء
أقسمت ثلاثًا للجارية الرومية وطفاء
أن أطرق مخدعها
ضلت قدمي، واختلطت في عيني الأبواب
وصحوت مع الديك، فإذا بي
أتمدد في ذنبي
في حجرة أحد الغلمان
وتنحنح، بسمل، حوقل،
وأواء النطاخ، وصاح:
ليس على مولانا السلطان جناح
فالقسمة غلبت والعبرة في النية
стр. 1699
لا أين تسير القدمان
وسواء في المخدع أنس أو حبان
والذنب على الجارية
فلو وضعت في باب المخدع مصباح
ما ضلت قدما مولانا
واللَّه أعلم والسلطان
وخازن بيت المال) (١).
أي تشويه لتاريخ المسلمين أبشع من هذا؟!، إنها الطبيعة الذبابية المريضة التي لا تلتقط إلّا الأسوأ والأخبث، كما الذباب الذي يترك الجسم السليم ولا يقع إلا على الجروح والقروح.
ويقول شاعر الأرض المحتلة!! محمود درويش:
(من يشتري تاريخ أجدادي
من يشتري نار الجروح التي
تصهر أصفادي؟. . .
من يشتري تاريخ أجدادي
بيوم حرية) (٢).
ويقول:
(متى نشتري صيدلية
بجرح الحسين ومجد أمية) (٣).
стр. 1700
ويقول زميلهما سميح القاسم:
(أطفالنا ملّوا البطولات المكررة القديمة
سئموا سروجًا كالحات
صار فارسها المغيار
عافوا سيوفًا لاكها الزنجار، والذكرى القسيمة) (١).
ويقول مازجًا بين ذم التاريخ وذم الألوهية بل جحدها:
(أي قنين خرافي الألوهه
سمل الأعين في تاريخنا، أدمى وجوهه!!) (٢).
وأقواله من هذا القبيل عديدة (٣)، ولذلك اعتبره إحسان عباس مناديًا يقتل التاريخ (٤).
أمَّا أدونيس فإنه من أشد الحداثيين حربًا على تاريخ المسلمين وأكثرهم حقدًا عليه حتى قال عنه إحسان عباس: (وأمّا أدونيس فإنه يطيل الوقوف عند الجوانب السلبية في تاريخنا، حتى لتبدو لهجته رفضًا كليًا. . .، ولا ريب في أن نظرة أدونيس إلى الماضي متصلة بمبدأي الرفض والتحول المتلازمين. . .) (٥).
وأمامي الآن كمية كبيرة من الشواهد على بغض أدونيس وعبثه وسخريته وانتهاكه لتاريخ المسلمين والسلف وقرون الهجرة، وتشويه الرموز التاريخية الإسلامية، وتلميع الرموز المنحرفة التي ذكرت في التاريخ، وتسمية حضارة المسلمين بالحضارة الذبيحة، ووصف تاريخ المسلمين بأنه ركام
стр. 1701
ومشلول وسكران وقذر، وضيقه من كون التاريخ يدوَّن بميلاد نبي وهجرة نبي، ومناداته بقطع الجذور مع الماضي وافتخاره بأن ذلك مهامه وأعماله الكبيرة، ودعوته لتفجير التاريخ ومحو تاريخ الأسلاف والخروج من ملكوت الآباء، وغير ذلك من المعاني والمضامين الياطنية النصيرية، والعلمانية الحداثية، وغير مستغرب على طائفي حاقد أن يكون كذلك؛ لأنه قد نشأ في جو التشيع الغالي المارق، وتشبع ببغض المسلمين وتاريخهم ورمورهم، وأكتفي هنا بالإحالة على مواضع هذه القضايا التي ذكرت (١)، وقد بلغت من استخفاف الحداثيين بتاريخ المسلمين أن زعم بعضهم أنه لا وجود حضاري للمسلمين وإنّما هو وجود وهمي (٢)، ولخص إحسان عباس نظرتهم للتاريخ في تسع نقاط دالة على مقدار ما استبطنته قلوبهم المريضة من عداء وبغضاء، يقول إحسان عباس:
(. . . والتاريخ في رأي بعضهم قد يكون:
- بقية الرطوبة الأولى التي جفت، وصار ما تبقى منها إلى ملوحة أو إلى مرارة
- أو هو خلاصة الزرنيخ بعد مزجه بالرماد أو التراب والحجارة
- أو هو حجر يرشح منه الماء.
- أو هو حجر فيه ماء تمتصه الشمس وتحيله بخارًا ثم يعود حجرًا
- أو هو دوامة: يغرف من ماء النهر ليعود ويصبه فيه
стр. 1702
- أو هو أمواج تشتد حين تدخل الشمس في السنبلة أو برج الحوت أو القوس
- أو هو مجال للمحار والقصب واللؤلؤ والعنبر المدور الأزرق
- أو هو كرسي من الزجاج فيه مركب ملتصق بالشمس أو سرطان،
أو طائر منبسط في جسد الإنسان يصدح أو يطير أو يعيش في القبور
- أو هو غول جبار يقضي على الموجود ويملأ العمار والخراب) (١).
• التسبيح:
وهو عبادة قولية، من أجلّ أنواع ذكر اللَّه تعالى، وفيه تنزيه اللَّه -جلَّ وعلا- وتقديسه.
ومن عبث الحداثيين بالتسبيح قول محمود درويش عن وطنه:
(وطني عيونك أم غيوم ذوبت أوتار قلبي في جراح إله!
هل تأخذن يدي؟ فسبحان الذي يحمي غريبًا من مذلة آه) (٢)
• التوبة:
عبادة من العبادات، وحقيقتها: إقلاع العاصي عن الذنب مع الندم والعزم على عدم العودة قبل أن تغرغر الروح أو تطلع الشمس من مغربها.
ومن العبث الحداثي بهذا المصطلح قول أدونيس يصف نفسه وحداثته:
стр. 1703
(أصعد أتفجر
ألبس الهدير والتهدج
أتموج بالرعب
أتحرر من التوبة، العظة، العودة
أتحرر من الصبر
من دمي والتاريخ الراقد فيه
اتجزأ وأعرى وأوسوس نفسي ضد نفسي
أضح نفسي خارج كل شيء، وأقول للجنون الرشيق أن يسرق أهدابي كنسيم غربي
أنقطع أنفصل، أنفصم
اختبيء تحت شفتيّ) (١).
هنيئًا للحداثيين برائدهم المفاخر بالجنون، وبالكلام التافه الذي لا معنى له ولا قيمة، وبالفوضى التي يُلعقهم غبارها!!.
• التوحيد:
وقد مر الحديث عنه في الباب الأول مفصلًا (٢).
• التلاوة:
يقول صلاح عبد الصبور في مسرحية الحلاج عابثًا بالمفاهيم الشرعية ومستخفًا بالصلاة وتلاوة القرآن والحج والصوم على لسان قدوته الحلاج الذي كان هو بدوره مستخفًا بهذه العبادات تحت شعار الحقيقة والغناء والذوق والعشق الإلهي:
(نصلي. . . نقرأ القرآن
نقصد بيته، ونصوم في رمضان
стр. 1704
نعم، لكن هذي أول الخطوات نحو اللَّه.
خطى تصنعها الأبدان
وربي قصده القلب
ولا يرضى بغير الحب
تأمل: إن عشقت ألست تبغي أن تكون شيبة محبوبك) (١).
أمَّا نزار قباني فإنه يعلن رفضه للمسلمين وأعمالهم، ويصورهم في صورة تخلف، يخلط فيها أمور الجاهلية والضلال بأمور الإسلام والحق، ليخرج بمزيج غير متجانس يرفعه شعارًا للرفض والتمرد على الإسلام الذي يعلن الحرب على التخلف والخرافة القديمة أو الحديثة، يقول قباني:
(أرفضكم أرفضكم
يا من صنعتم ربكم من عجوة
لكل مجذوب بنيتم قبة
وكل دجال أقمتم حوله مزار
حاولت أن أنقذكم
من ساعة الرمل التي تبلعكم
في الليل والنهار
من الحجابات على صدوركم
من القرآن التي تتلى على قبوركم
من حلقات الذكر
من قراءة الكف
ورقص الزار) (٢).
стр. 1705
• جبل عرفات:
يقول أحدهم: (بعضهم يفكر جديًا في شراء سور الصين، وجلب جبل جليد من القطب الشمالي لتحويل جبل عرفات إلى ملعب للتزلج. هؤلاء العرب البراميل أحفاد أولئك الذين اخترعوا الإبل والشعر والشعر والنساء والفتوحات حتى وصلوا إلى الصفر) (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ (٢).
وهؤلاء قد انغمسوا في رذائل الباطل والضلال حتى عظموا الأصنام والأوثان والمذاهب الجاهلية، المادية الإلحادية، وعظموا أصحابها، ولا يُمكن أن يجتمع هذا التعظيم الجاهلي مع تعظيم شعائر اللَّه التي هي من صفات المؤمنين.
• الجمعة:
يقول نزار قباني على سبيل التهكم والازدراء:
(وأنبياء اللَّه يعرفونني
عليهم الصلاة والسلام
الصلوات الخمس لا أقطعها
يا سادتي الكرام
وخطبة الجمعة لا تفوتني
يا سادتي الكرام
стр. 1706
من ربع قرن وأنا
أمارس الركوع والسجود
أمارس القيام والقعود
أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام. . .
وهكذا يا سادتي الكرام
قضيت عشرين سنة
أعيش في حظيرة الأغنام
أعلف كالأغنام
أنام كالأغنام
أبول كالأغنام
أدور كالحبة في مسبحة الإمام
لا عقل لي، لا رأس، لا أقدام
استنشق الزكام من لحيته
والسل في العظام
قضيت عشرين سنة
مكومًا كرمزة القش على السجادة الحمراء
أجلد كل جمعة بخطبة غراء
أبتلع البيان والبديع والقصائد العصماء
أبتلع الهراء
عشرين عامًا وأنا يا سادتي
أسكن في طاحونة
стр. 1707
ما طحنت قط سوى الهواء) (١).
وبعد هذا الشتائم الهابطة يقرر موقفه من إمام الصلاة وخطيب الجمعة، وهما يرمزان للدين كله فيقول:
(يا سادتي
بخنجري هذا الذي ترونه
طعنته في صدره والرقبه
طعنته في عقله المنحوز مثل الخشبه
طعنته باسمي أنا
واسم الملايين من الأغنام
يا سادتي:
أعرف أن تهمتي
عقابها الأعدام
لكنني، قتلت إذ قتلته
كل الصراصير التي تنشد في الظلام
والمستريحين على أرصفة الأحلام) (٢).
وفي مقال للصادق النيهوم، بعنوان "سيعيش عبد المولى في بيت مولاه" يناقش دور الجمعة السياسي، ويطالب بجعله منبرًا للحوار السياسي، ثم يقترح إلغاء نظام الجامع، يقول: (مرة، كل أسبوع، يجتمع جميع العرب في يوم اسمه يوم الجمعة، داخل مكان اسمه الجامع، في اجتماع دوري عام على مستوى الأمة، لكن المواضيع التي تطرح أسبوعًا أمام هذا المؤثر، تبدو دائمًا جانبية جدًا ومفتعلة جدًا وجوفاء، وغير ضرورية، ولا تحتاج إلى
стр. 1708
عناء الاجتماع أصلًا، مصدر هذه المفارقة، أن المواطن المسلم يتنازل عن صوته في لقاء الجمعة، من قبل أن يولد، ويتعلم أن يجلس صامتًا مطأ طيء في حضرة واعظ يقرعه على ذنوبه من فوق المنبر، وفي مشهد مقلوب إلى هذا الحد، يكون من البديهي أن يقف كل شيء على رأسه، حتى يتكلم أهل السماء ويسكت أهل الأرض، ولكن المشهد له وجه آخر، عندما يستعيد وضعه الحقيقي:
فيوم الجمعة الذي يتحدث عنه القرآن، يوم مخصص للحوار السياسي، وليس للصلاة فقط. . . فالإصرار على إلغاء نظام الجامع، فكرة سياسية، لها مبرر سياسي قوي. . .) (١).
• الجنة:
وقد سبق الحديث عن عبثهم وسخريتهم بالجنة وما فيها (٢).
• الحج:
الركن الخامس من أركان الإسلام.
وقد انتهكوا حرمة هذه الشعيرة العظيمة بأنواع عديدة من الانتهاك، وقد ترد بعض الألفاظ عندهم بمعناها اللغوي. غير أن الاستعمال الشرعي لهذا اللفظ هو الأكثر والأشهر فينصرف إليه المراد، ومن ذلك قول حسن حنفي تحت عنوان "الوحي والواقع، ودراسة في أسباب النزول": (. . . فشعائر الحج والطواف ورمي الجموات والسعي بين الصفا والمروة والتكبير، كلها كانت شعائر جاهلية دخلت في بيت إبراهيم) (٣).
وقول صلاح عبد الصبور عن القاهرة بعد شهر من التجوال:
(لقاك يا مدينتي حجي ومبكايا) (٤).
стр. 1709
ونحوه قول توفيق صايغ:
(في موطني إلى موطني أحج) (١).
وقوله:
(جئتك أحج فأعدتني
شوقي نفور، وإيماني هباء) (٢).
وقول أمل دنقل يخاطب عشيقته:
(وعيناك فيروزتان تضيئان
في خاتم اللَّه كالأعين. . .
وكانت لنا خلوة، إن غدا
لهما الخوف أصبح في مأمن
مقاعدها ما تزال النجوم
تحج إلى صمتها المؤمن) (٣).
وقول معين بسيسو:
(وجه حزيران هو الحجر الأسودُ
نلمسه نتحسه، ونحج إليه) (٤).
وقول سميح القاسم:
(ليلًا أحج إليك يا حبي القديم. . .
стр. 1710
والجرح رحماني الرحيم) (١).
• الحجاب والشرف:
وهو حشمة للمرأة وصيانة لها، وعفاف، وطاعة لأمر اللَّه تعالى.
وقد استهدف ملاحدة هذا العصر وإباحيوه هذه القضية غاية الاستهداف، وشنوا عليها وعلى أصحابها أشرس أنواع الهجوم والذم، وأقبح أنواع الحرب بالدعاية المضلة، والكتابة والخطابة الضالة، وبالسياسيات الجائرة المستبدة، التي حتمت على المسلمات خلع حجابهن، اقتداء بالغربيات الداعرات.
وكلام الحداثيين والعلمانيين في هذه القضية كثير لا يتسع له هذا المقام، ولكن نورد بعض الأمثلة، ومنها قول نزار قباني تحت عنوان "الخرافة":
(حقنونا بسخيف القول ليلًا ونهارًا
درسونا
"ركبة المرأة عورة"
"ضحكة المرأة عورة"
"صوتها من خلف ثقب الباب عورة"
صوروا الجنس لنا غولًا بأنياب كبيرة
يخنق الأطفال يقتات العذارى
خوفونا من عذاب اللَّه إن نحن عشقنا
هددونا بالسكاكين إذا نحن حلمنا
فنشأنا كنباتات الصحارى
стр. 1711
نلعق الملح ونستاف الغبارا) (١).
وهناك مقطوعة للبياتي بعنوان "الحريم" حشد فيها اعتراضاته الماركسية على الحجاب والشريعة وتاريخ المسلمين، ثم يبشر في آخرها بالثورة الشيوعية التي سوف تجتاح كل شيء، يقول مخاطبًا المرأة:
(شفتاك جرح لا يزال دمًا يسيل
على وسادتنا طوال الليل، يا عصفورتي جرح يسيل
ويظل فارسها يغني تحت شرفتها طوال الليل آلاف
الحريم
يولدن ثم يمتن عند الفجر إلّا أنت يا حلمي الجميل
وعمائم خضر وصيادوا الذباب
يخمسون "قصيدة عصماء! " في ذم الزمان
وقبور موتاهم وحانات المدينة والقباب
وسحائب الأفيون والشرق القديم
ما زال يلعب بالحصى والرمل
ما زال التنابلة العبيد
يستنزفون دم المساكين الحزاني الكادحين. . .
وقوافل التجار والفرسان والدم والحريم
يولدن ثم يمتن عند الفجر في أحضان هارون الرشيد. . .
وثورة الجيل الجديد على القديم. . .
سلاح ثورتنا على الشرق القديم
стр. 1712
وهدمت أسوار الحريم) (١).
وقد وسّعت نوال السعداوي مفهوم رفع الحجاب، واتخذت قضية رفع الحجاب شعارًا بطريقة توهم أن هذا المشروع العلماني المرفوع ضد عفة المرأة وطهارتها ليس مقصورًا على الحجاب بل هو أعم من ذلك وأشمل حين زعمت بأنها لا تطالب برفع الحجاب عن وجه المرأة فقط بل مشروعها يتضمن "رفع الحجاب عن العقل" وهي مغالطة علمانية، وعبث من أصحاب المادية الحيوانية، ليفهموا الناس أنهم مع العقل والمنطق ولصالح العقلانية والإنسانية!! في حين أن الأمر عكس ذلك تمامًا، ففي أغلفة مجلة "نون" الصادرة عن جمعية تضامن المرأة العربية والتي يرأس تحريرها سيئة الذكر "نوال السعداوي" كتبوا تحت عنوان "من نحن" وذكروا عشر نقاط تعرف بمشروعهم التغريبي ومنها (وشعارنا رفع الحجاب عن العقل) وتشرح نوال السعداوي هذا الشعار في العدد الثالث من مجلة نون، وتسهب في تباكيها على العقل العربي، عقل الرجل وعقل المرأة، ثم تذكر أنها حاربت (النساء اللاتي يرتدين الحجاب أو الطرحة حول رؤوسهن ثم يضعن المساحيق والزينة والرموش الصناعية واللؤلؤ ويرتدين فساتين طويلة لامعة. . . حاربنا الفساد والتستر وراء الحجاب والشعارات الدينية. . .) (٢).
ومن عناوين مجلة "نون" أو قل مجلة نوال السعداوي لا فرق: (لماذا تسعد المرأة بالحب وتشقى بالزواج) (٣).
(أريد الأمومة ولا أريد الرجل) (٤).
(أيتها النساء تفلسفن) (٥).
стр. 1713
(الحجاب والختان والإسلام) (١).
وفيه أكاذيب وتلفيقات ومغالطات كثيرة، وهجوم وقح على الحجاب والإسلام، وعبث وتلاعب بالألفاظ والمفاهيم، ونحو ذلك تحت عنوان "حجاب المرأة كشف الرجل" (٢) وفيه: (كيف يُمكن أن نفهم أن المرأة في المجتمعات العربية بالرغم من بعض المؤشرات الإيجابية ما زالت لم تتحرر من الأقنعة ومن مختلف أشكال الحجاب التي ألصقتها عليها كجسد وككيان) (٣).
أمَّا كتاب المرأة المسمى "هاجر" والذي تولى إصداره مجموعة من العلمانيين (٤) من الناشر "سيناء للنشر" المعروفة بالتوجه العلمانى المتطرف ضد تطبيق الإسلام، وضد نظمه وأحكامه، هذا الكتاب مليء بالمضامين العلمانية العابثة بالمفاهيم والأخلاق والمعاني والمصطلحات وخاصة في المقالات الآتية:
"ثنائية الجنس أم ثنائية الفكر" (٥) لحسن حنفي.
و"المرأة: البعد المفقود في الخطاب المديني المعاصر" (٦) لنصر أبو زيد، وفيه صب حثالة حقده على الإسلام ونظمه ومبادئه، باسم مهاجمة الخطاب المديني المعاصر، أو محاربة الأصولية، أو مناقشة التطرف.
أمَّا أبشع أنواع التطرف العلماني فيمكن الاطلاع على نوع منه في المقال المعنون بـ "المرأة منطقة محرمات، قراءة في أعمال قاسم أمين" (٧)
стр. 1714
حيث ناقشت الكاتبة قاسم أمين (١) أول من دعا إلى التبرج والسفور ومشابهة الغربيات، ومع ذلك فإن الكاتبة تعتبره سلفيًا تراثيًا محافظًا جامدًا، لم يصل إلى التحرر المطلوب ولم يدع إلى إنسانية المرأة بل دافع عن الشريعة الإسلامية، والتزم أحكامها فيما يتعلق بحقوق المرأة وواجباتها!! إلى آخر ما هنالك من عبارات تدل بجلاء على الخطوات العلمانية الظلامية، وفضاعة التطرف العلماني وجرأته.
أمَّا الفصل المخصص لدراسة "مفهوم الشرف" (٢) فقد توجهت سهام التلاعب والعبث العلماني إلى مفاهيم الشرف والعفة والحجاب والطهارة والحشمة، بصورة غير معقولة إلى حد أن إحداهن جعلت لفظ "الشرف" نوع من "دعارة الكلمة" ثم أضافت: (دعارة الرأي والكلمة في مجتمعي تصيبني بالغثيان، وهي في رأي أخطر من دعارة الجسد) (٣)!!!.
وآخر جعل كلمة "الشرف" ومضمونها ناتجة عن هيمنة الرجل الاقتصادية فقال: (ولأن الرجل كان في مختلف عصور التاريخ ولا يزال أقوى اقتصاديًا من المرأة بسبب كونه أكثر تحررًا من عبء الأولاد، فرض الرجل على المرأة على مر العصور معنى للشرف يناسبه ويحقق مصلحته) (٤).
أمَّا زعيمة التحرر الجاهلي العلماني نوال السعداوي فإنها قصرت الشرف على قضية البكارة والمحافظة عليها وقالت: (منذ أكثر من ثلاثين عامًا وأنا أكشف عن المفهوم الهزيل للشرف في بلادنا، فكيف يُمكن أن
стр. 1715
يرتكز هو "المفهوم على خلايا هزيلة في النصف الأسفل من جسم المرأة؟!) (١).
ثم هاجمت الحجاب من خلال قصة ذكرتها أو اختلقتها عن فتاة متحجبة، وبما أنها هاجمت المفهوم الهزيل للشرف فإنها تحدثت في الأخير عن المفهوم السمين للشرف!! حيث قصرته على (أن لشرف هو الصدق. . .) (٢).
وما هو الصدق عندها؟ لم تشرح ذلك، ولكن الذي يظهر أنها تريد أن تكون النساء مثلها في السفور والتبرج والاختلاط، بل في الدفاع عن البغاء الجماعي، الذي خرجت من أجل تأييده في مظاهرة في أمريكا تضم أكثر من ثلاثمائة ألف شاذ يطالبون بمزيد من الحرية للشواذ (٣).
والصدق عند نوال السعدي هو أن يعلن البغاء بحرية؛ لكي يقضي على البغاء السري والدعارة الخفية!!.
تقول نوال السعداوي: (إن البغاء لا يحدث إلّا إذا أعطيت الحرية لجنس (٤) وحرمت على الجنس الآخر (٥)، وإن المرأة تستحق ما يمارسه الرجل من حرية جنسية، فهي لا ينبغي أن تكبل نفسها بقيود رجل واحد، بل يجب أن تتمتع كما تشاء) (٦).
وتقول: (إن البغاء لم يظهر في المجتمعات البدائية لأن الحرية الجنسية كانت ممنوحة للشباب من الجنسين) (٧).
стр. 1716
وتقول: (إن البغاء لا يُمكن أن يحدث أيضًا في مجتمع يساوي بين الجنسين في القيود الجنسية، إن المساواة بين الجنسين سواء في الحرية أو في القيود تمنع حدوث البغاء، إن البغاء لا يحدث إلّا إذا أعطيت الحرية لجنس وفرضت القيود على الجنس الآخر) (١).
وكلامها من هذا القبيل كثير مكرور، يجده من ينظر في رواياتها ومقالاتها وكتبها.
كما أن كلام العلمانيين والحداثيين والإباحيين حول هذه القضية كثير جدًا، وقد نصبوها لسهام شهواتهم وشبهاتهم؛ من أجل تحقيق غاياتهم في التمرد على الدين، والاستمتاع بالعهر والسفور والدعارة تحت مسميات التحرر والتقدم والانفتاح (٢)!!.
• الحجر الأسود:
يقول عنه أدونيس العميل السري للأعداء كما أثبت ذلك كتَّاب الحداثة (٣): (وأعترف:
نيويورك، لك في بلادي الرواق والسرير الكرسي والرأس، وكل شيء
стр. 1717
للبيع: النهار والليل، حجر مكة وماء دجلة) (١).
وما يُدرى أهذا اعتراف ورضوخ أم استنكار ورفض؟ والأول أحرى وأليق به وبمنهجه الفكري ومنشطه العملي؛ ذلك أنه جعل من علامات التخلف عند وارث الرمل -أي: وارث الدين والتراث- حمل الحجر الأسود، وذلك في قوله:
(وارث الرمل
يحمل الحجر الأسود خبزًا
والشمس ظلًا وماء) (٢).
أمّا البياتي فإنه يصور التخلف في اسم "عائشة" التي تطوف حول الحجر الأسود في أكفانها وذلك في قوله:
(عائشة تطوف حول الحجر الأسود في أكفانها
وعندما ناديتها هوت على الأرض رمادًا وأنا هويت
فنثرتنا الريح
وكتبت أسماءنا جنبًا إلى جنب على لافتة الضريح) (٣).
إنه يصور العلاقة الجدلية -حسب اعتقاده- بين تخلف البلاد العربية والإسلامية والدين الإسلامي، وقد استخدم رمز "عائشة" الذي كان أدونيس أول من استخدمه، ثم هجره وأخذه البياتي واستخدمه، ويُمكن من هذا الاسم أن نستشف النزعة الشيعية عند البياتي الرافضي وأدونيس النصيري.
ثم إن البياتي جعل عائشة تطوف حول الحجر الأسود الذي هو -عنده- علامة تخلف وتراثية وأصولية، وتطوف في أكفانها سواء قلت في إحرامها
стр. 1718
أو حجابها أو غير ذلك، فإنه يريد أن يصل إلى أن عائشة والحجر الأسود والطواف والحجاب كلها مرايا تخلف وجمود؛ ولذلك هوت على الأرض رمادًا عندما ناداها!!.
ولَمْ يتذكر البياتي أنه قال في "مس بيجام" (١) من موسكو، وقال في "أمهات جنود ألمانيا الديمقراطية" (٢) ما يدل على أشنع تخلف وأرخص تبعية.
ولَمْ يتذكر أيضًا أنه قال عن برلين وعن الراية الشيوعية:
(أموت من أجلك
تحت الراية الحمراء
يا مدينة الأحلام) (٣).
ما يؤكد مقدار عمق التدين الجاهلي الماركسي في نفسه، وهو القائل تحت عنوان "ميدان ماركس انجلز":
(صوت لينين الأخضر العميق لا يزال
يهدر في العالم
والرايات في الجبال
تسد دروب الشمس
والآلات والأنوال أسمعها تنبض في قلوبكم
يا إخوتي العمال
ألمح وجه العالم الجديد في عيونكم
في أعين الأطفال
стр. 1719
في عبرات أم "فاتزاروف"
في قصائد "بريشت"
وفي أقوال
لينين وهي تلهم الأجيال
وتصنع الرجال
ألمحها في وطني تزلزل الجبال
يا أخوتي العمال) (١).
هكذا تكون العبادة الماركسية والكهنوتية الشيوعية، إلى حد جعل بعض الماركسيين العرب يكتب عن ذلك مفصلًا تحت عنوان "رواسب الدين في تقديس لينين" (٢) وفيه أثبت أصناف التقديس والتعبد الذي يمارسه الماركسيون تجاه الشيوعية ورموزها، وفي ديوان البياتي شواهد كثيرة جدًا على هذا المعنى (٣).
وعلى منوال البياتي قرينه في الشيوعية "معين بسيسو" القائل:
(وجه حزيران هو "الحجر الأسود"
تلمسه، تتحسسه، ونحج إليه) (٤).
رابطًا بين هزيمة حزيران والحجر الأسود، أي أنه يحيل الهزيمة إلى
стр. 1720
استمساك المسلمين بالإسلام!! علمًا أن الإسلام لما يدخل بعد في أي معركة مع اليهود منذ تأسست دولتهم في فلسطين.
أمَّا عزيز العظمة فإنه يجعل الإسلام على تخوم الوثنية في نشأته وفي شعائره، ويستدل على ذلك بالطواف والسعي وتقديس الحجر الأسود حسب قوله النابع من جهله وحقده على الإسلام، وذلك في قوله: (فليس ثمة شأن طبيعي أكثر من أن التوحيد الإسلامي ولو على تخوم الوثنية وغيرها من الأديان. . .، وأنه تعاطى مع الوثنية المكية - الطواف، السعي، تقديس الحجر الأسود، ولا تتمتع الدبلوماسية الدينية التي مارستها عبقرية محمد) (١)، أي أنه ﷺ أخذ هذه الشعائر من الوثنية الجاهلية لتحقيق مآرب سياسية، ووفق خطة دبلوماسية.
• الحق:
من المؤكد والثابت أن من أصول الحداثة إدانة العقل والوعي وقوانين العلم والنظام والمنطق، ومحاربة التقعيد وكل ما هو مقنن، وكل ما تعارف عليه الناس، وكل ما هو مؤسسي (٢).
وعلى هذا الأساس حاربوا معايير الفطرة البشرية ومنها "الحق" الذي عبثوا بمفهومه بعد أن نفوا وجوده، ونفوا أهميته وضرورة وجوده، ومن أمثلة العبث بمصطلح الحق قول الزير نزار قباني:
(كلما سافرت في جسد حبيبتي إني أشف، وأتطهر، وأدخل مملكة