وتقول: (إن البغاء لا يُمكن أن يحدث أيضًا في مجتمع يساوي بين الجنسين في القيود الجنسية، إن المساواة بين الجنسين سواء في الحرية أو في القيود تمنع حدوث البغاء، إن البغاء لا يحدث إلّا إذا أعطيت الحرية لجنس وفرضت القيود على الجنس الآخر) (١).
وكلامها من هذا القبيل كثير مكرور، يجده من ينظر في رواياتها ومقالاتها وكتبها.
كما أن كلام العلمانيين والحداثيين والإباحيين حول هذه القضية كثير جدًا، وقد نصبوها لسهام شهواتهم وشبهاتهم؛ من أجل تحقيق غاياتهم في التمرد على الدين، والاستمتاع بالعهر والسفور والدعارة تحت مسميات التحرر والتقدم والانفتاح (٢)!!.
• الحجر الأسود:
يقول عنه أدونيس العميل السري للأعداء كما أثبت ذلك كتَّاب الحداثة (٣): (وأعترف:
نيويورك، لك في بلادي الرواق والسرير الكرسي والرأس، وكل شيء
стр. 1717
للبيع: النهار والليل، حجر مكة وماء دجلة) (١).
وما يُدرى أهذا اعتراف ورضوخ أم استنكار ورفض؟ والأول أحرى وأليق به وبمنهجه الفكري ومنشطه العملي؛ ذلك أنه جعل من علامات التخلف عند وارث الرمل -أي: وارث الدين والتراث- حمل الحجر الأسود، وذلك في قوله:
(وارث الرمل
يحمل الحجر الأسود خبزًا
والشمس ظلًا وماء) (٢).
أمّا البياتي فإنه يصور التخلف في اسم "عائشة" التي تطوف حول الحجر الأسود في أكفانها وذلك في قوله:
(عائشة تطوف حول الحجر الأسود في أكفانها
وعندما ناديتها هوت على الأرض رمادًا وأنا هويت
فنثرتنا الريح
وكتبت أسماءنا جنبًا إلى جنب على لافتة الضريح) (٣).
إنه يصور العلاقة الجدلية -حسب اعتقاده- بين تخلف البلاد العربية والإسلامية والدين الإسلامي، وقد استخدم رمز "عائشة" الذي كان أدونيس أول من استخدمه، ثم هجره وأخذه البياتي واستخدمه، ويُمكن من هذا الاسم أن نستشف النزعة الشيعية عند البياتي الرافضي وأدونيس النصيري.
ثم إن البياتي جعل عائشة تطوف حول الحجر الأسود الذي هو -عنده- علامة تخلف وتراثية وأصولية، وتطوف في أكفانها سواء قلت في إحرامها
стр. 1718
أو حجابها أو غير ذلك، فإنه يريد أن يصل إلى أن عائشة والحجر الأسود والطواف والحجاب كلها مرايا تخلف وجمود؛ ولذلك هوت على الأرض رمادًا عندما ناداها!!.
ولَمْ يتذكر البياتي أنه قال في "مس بيجام" (١) من موسكو، وقال في "أمهات جنود ألمانيا الديمقراطية" (٢) ما يدل على أشنع تخلف وأرخص تبعية.
ولَمْ يتذكر أيضًا أنه قال عن برلين وعن الراية الشيوعية:
(أموت من أجلك
تحت الراية الحمراء
يا مدينة الأحلام) (٣).
ما يؤكد مقدار عمق التدين الجاهلي الماركسي في نفسه، وهو القائل تحت عنوان "ميدان ماركس انجلز":
(صوت لينين الأخضر العميق لا يزال
يهدر في العالم
والرايات في الجبال
تسد دروب الشمس
والآلات والأنوال أسمعها تنبض في قلوبكم
يا إخوتي العمال
ألمح وجه العالم الجديد في عيونكم
في أعين الأطفال
стр. 1719
في عبرات أم "فاتزاروف"
في قصائد "بريشت"
وفي أقوال
لينين وهي تلهم الأجيال
وتصنع الرجال
ألمحها في وطني تزلزل الجبال
يا أخوتي العمال) (١).
هكذا تكون العبادة الماركسية والكهنوتية الشيوعية، إلى حد جعل بعض الماركسيين العرب يكتب عن ذلك مفصلًا تحت عنوان "رواسب الدين في تقديس لينين" (٢) وفيه أثبت أصناف التقديس والتعبد الذي يمارسه الماركسيون تجاه الشيوعية ورموزها، وفي ديوان البياتي شواهد كثيرة جدًا على هذا المعنى (٣).
وعلى منوال البياتي قرينه في الشيوعية "معين بسيسو" القائل:
(وجه حزيران هو "الحجر الأسود"
تلمسه، تتحسسه، ونحج إليه) (٤).
رابطًا بين هزيمة حزيران والحجر الأسود، أي أنه يحيل الهزيمة إلى
стр. 1720
استمساك المسلمين بالإسلام!! علمًا أن الإسلام لما يدخل بعد في أي معركة مع اليهود منذ تأسست دولتهم في فلسطين.
أمَّا عزيز العظمة فإنه يجعل الإسلام على تخوم الوثنية في نشأته وفي شعائره، ويستدل على ذلك بالطواف والسعي وتقديس الحجر الأسود حسب قوله النابع من جهله وحقده على الإسلام، وذلك في قوله: (فليس ثمة شأن طبيعي أكثر من أن التوحيد الإسلامي ولو على تخوم الوثنية وغيرها من الأديان. . .، وأنه تعاطى مع الوثنية المكية - الطواف، السعي، تقديس الحجر الأسود، ولا تتمتع الدبلوماسية الدينية التي مارستها عبقرية محمد) (١)، أي أنه ﷺ أخذ هذه الشعائر من الوثنية الجاهلية لتحقيق مآرب سياسية، ووفق خطة دبلوماسية.
• الحق:
من المؤكد والثابت أن من أصول الحداثة إدانة العقل والوعي وقوانين العلم والنظام والمنطق، ومحاربة التقعيد وكل ما هو مقنن، وكل ما تعارف عليه الناس، وكل ما هو مؤسسي (٢).
وعلى هذا الأساس حاربوا معايير الفطرة البشرية ومنها "الحق" الذي عبثوا بمفهومه بعد أن نفوا وجوده، ونفوا أهميته وضرورة وجوده، ومن أمثلة العبث بمصطلح الحق قول الزير نزار قباني:
(كلما سافرت في جسد حبيبتي إني أشف، وأتطهر، وأدخل مملكة
стр. 1721
الخير والحق والضوء، وماذا يكون الشعر الصوفي، سوى محاولة لإعطاء اللَّه مدلولًا جنسيًا؟) (١).
والمتأمل في أقوالهم الموجهة ضد عقائد الإسلام وشرائعه يجد أنهم لم يستبقوا ممكنًا في حربهم وعدائهم وانتهاكهم وعبثهم وسخريتهم به.
ودين الإسلام في عقائده وشرائعه وأعماله وأخباره حق محض، وقد تبين بالأدلة والحقائق أنهم وقفوا ضده وعادوه أشد العداوة، واستخفوا به غاية الاستخفاف، تمشيًا مع عقائدهم الباطلة وأفكارهم الهابطة، ومع جاهليتهم المادية المعاصرة.
• الحلال والحرام:
وعلى أساس من القاعدة الحداثية المذكورة آنفًا أسقطوا معايير الحلال والحرام، وتصدوا بكل عدوانية لهذه المعايير في شريعة الإسلام، على اعتبار أنهم يحاربون أول ما يحاربون دين اللَّه تعالى بكل أصوله وتفاصيله.
ولهم في إسقاط موازين الحلال والحرام طرائق عديدة، مرة بالجحد الكامل لها، ومرة بالفصل بين الأدب والعقيدة، ومرة تحت دعوى أن الشرط الجمالي حر طليق لا يخضع للقاعدة الدينية ولا الأصول الاعتقادية ولا الضوابط الشرعية!!!.
وكل هذه مسوغات علمانية لإلغاء دور الدين والقيم، والتلاعب بالمفاهيم والمضامين والأفكار ورميها في أسواق السمسرة الفكرية.
(وهذا الأدب الحديث بأيدلوجيته أصبح بريدًا من برد الانسلاخ الفكري تحددت هويته من أحمق ظاهرات الجنون البشري من إيغال في الحسبانية والهيبية وتحطيم الثوابت وفرض المحال وتحذير العقل بجنون الخيال واستباحة كل محرم في سبيل إبداع أدب!!. . .، وتسلم قيادة هذا الأدب عملاء الصهيونية والصليبية والعلمانية من جماعة حوار وشعر ومواقف!!، وكل هذه الوجوه الكالحة إمَّا نصرانية وإمَّا طائفية نصيرية أو درزية، أو
стр. 1722
لامنتم صرح بأنه يروث على قيم الشرق، والمؤسسات الأجنبية تبذل في صنع الزعامات الأدبية والترويج لها ما لا تبذله في صنيع الزعامات السياسية!. . . أصبح الأدب الحديث أيديولوجية فكرته موجهة ضد شخصيتنا وحريتنا ومأثورنا. . .) (١).
ولذلك تعمد أصحابه فك ارتباط القول بأي معيار شرعي، وإلغاء أي ضابط يمنعه من العدوان والتخريب، بحجة أن الضوابط والمعايير الفكرية أو الفنية تتنافى مع الإبداع وتتناقض مع التقدم، بل سولت لهم أنفسهم أمرًا فصبر جميل، وجهاد طويل، ونصر من اللَّه وفتح قريب.
ومن نَماذج التلاعب بالحلال والحرام، قول الشهواني الفارغ نزار قباني:
(ما أنت؟ ما نهداك؟ إن قهقهت عواصفي وشهوتي الملجمة
لا يعرف الطوفان في جرفه ما حلل اللَّه وما حرمه) (٢)
وحسبك بهذه الجرأة الوقحة دلالة على ما ثم من سلوك وخلق وما خلفهما من عقائد وأفكار. ومن هذا القبيل قوله أيضًا:
(أشهد أن لا امرأة
قد غيرت شرائع العالم إلّا أنت
وغيرت خريطة الحلال والحرام
إلّا أنت) (٣).
• الخطايا:
والكلام عنها يدخل ضمن الكلام عن مسألة الحلال والحرام.
стр. 1723
ولقرارهم إسقاط موازين الحلال والحرام تفاخروا بالذنوب والخطايا الاعتقادية كالإلحادية والوثنية، والضلال والكفر والشيطنة، وقد سبق ذى أمثلة كثيرة لهذه القضايا في الفصول السابقة، وتفاخروا كذلك بالخطايا العملية كالزنا واللواط وشرب الخمر وتعاطي الحشيش وغير ذلك من الرذائل.
بيد أن المراد هنا ذكر تلاعبهم وعبثهم بلفظ الخطايا، ومن ذلك ما كتبته مجلة الناقد بخط عريض "خطايا تقدس الحياة" (١).
ومن ذلك قول نزار قباني:
(شهوتي سيف حجازي
ونهداك كأرض الروم
من مات على أسوارها
كفر عن كل الخطايا) (٢).
• خطباء الجمعة:
لبغضهم الشديد للصلاة والطاعات أبغضوا أهلها والقائمين بها والداعين إليها، وهذه صبغة كل عدو للحق من قديم الزمان.
يقول نزار قباني:
(لو أعطى السلطة في وطني
لقلعت نهار الجمعة أسنان الخطباء) (٣).
ويقول:
стр. 1724
(قضيت عشرين سنة
مكومًا كرزمة القش على السجادة الحمراء
أجلد كل جمعة بخطبة غراء) (١).
• الخير:
كما سبق في الحديث عن قيمة "الحق" فإنهم تناولوا قيمة "الخير" بالتناول نفسه.
يقول نزار قباني: (كلما سافرت في جسد حبيبتي أني أشف وأتطهر، وأدخل مملكة الخير والحق والضوء) (٢).
ويقول أيضًا: (قيم الخير والشر، نحن اخترعناها، وهي ليست كلامًا نهائيًا مكتوبًا على اللوح الإلهي) (٣).
ويقول: (. . . العمل الفني لا يخضع لمقاييس الخير والشر، سماوية كانت أم أرضية) (٤).
والطيبة نوع من أنواع الخير، ونزار يحاربها ويرفضها، ويقول:
(نرفض أن نكون بعد اليوم طيبين
فالطيبون كلهم أنصاف ميتين) (٥).
قال اللَّه تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾ (٦).
стр. 1725
• دار السلام:
اسم من أسماء الجنة، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ لِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ (١).
وقد أطلق محمد شكري في روايته الشطار التي يتحدث فيها عن حياته اسم "دار السلام" (٢) على بيت الدعارة التي تديره الداعرة "للا الغالية" (٣).
• الدعاء:
عبادة من أجل العبادات، وقربة من أعظم القربات.
وقد تناول الحداثيون الدعاء بالانتهاك العابث والاجتراء الفاسق، وجعلوه محلًا للتندر والسخرية ومجالًا للاستخفاف والتلاعب، ومن أمثلة ذلك قول نزار قباني، الذي يصف فيه أسباب التخلف، ويجعل منها المكث في الجوامع للعبادة، وطلب النصرة من اللَّه تعالى، يقول:
(نقعد في الجوامع
تنابلًا كسالى
نشطر الأبيات أو نؤلف الأمثالا
ونشحذ النصر على عدونا
من عنده تعالى) (٤).
ويقول:
(يا سادتي الكرام
من ربع قرن وأنا
стр. 1726
أمارس الركوع والسجود
أمارس القيام والقعود
أمارس التشخيص خلف حضرة الإمام
يقول: "اللهم امحق دولة اليهود"
أقول: "اللهم امحق دولة اليهود"
يقول: "اللهم شتت شملهم:
أقول: "اللهم شتت شملهم"
يقول: "اللهم اقطع نسلهم"
أقول: "اللهم اقطع نسلهم"
يقول: "اغرق حرثهم وزرعهم"
أقول: "أغرق حرثهم وزرعهم"
وهكذا يا سادتي الكرام
قضيت عشرين سنة
أعيش في حظيرة الأغنام
أعلف كالأغنام
أنام كالأغنام
أبول كالأغنام
أدور كالحبة في مسبحة الإمام
لا عقل لي لا رأس لا أقدام
أستنشق الزكام من لحيته
стр. 1727
والسل في العظام. . .) (١).
لم يعد نزار قباني داعية المجون والخلاعة والدعارة والإباحية فحسب، بل أصبح داعية الردة والمروق، في مزيج من انتكاسات الروح وحيوانية الجسد وعفونة الفكر، تخفف في قلوب الشباب والشابات ندوبًا من الشك والاستخفاف بالدين والدعاء والإله العظيم، إن لم تودي بعقائدهم جملة وتفصيلًا.
ومن أقواله الرديئة البذيئة جعله الدعاء سرابًا في قوله:
(نركب أحصنة من خشب
ونقاتل أشباحًا. . .
وسراب. .
وننادي:
يارب الأرباب
نحن الضعفاء وأنت المنتصر الغلاب
نحن الفقراء وأنت الرزاق الوهاب
نحن الجبناء وأنت الغفار التواب
شعراء الأرض المحتلة
ما عاد لأعصابي أعصاب) (٢).
فهو يجعل الدعاء محض سراب، وعلامة على الضياع والتخلف والهوان، والصيغ الدعائية التي أوردها ليست لسوى التندر والعبث، والمقطوعة كلها تدل على هذا المعنى الأرعن.
стр. 1728
ومثله وأخبث منه الباطني النصيري أدونيس الذي يجعل السنوات مكسورة، والحياة متخشية والبلاد ساقطة لما آمن الناس برب يدعونه ويرجونه، ويأتي بالدعاء على صيغة ما كان يدعى به أيام الدولة العثمانية ليربط معاني النفرة من الدين بكل هذه القضايا، فتاريخ المسلم مكور وساقط ومتخشب والدعاء سببه، والنظام الحاكم الذي كان يحكم بالإسلام قوامه، ولذلك توجه بالذم والشتم إلى هذه القضايا مبشرًا برجال وراء التخوم يسكن فيهم البرق، من هم؟ إنهم رجال الحداثة وأتباع الباطنية والوثنية القديمة والحديثة!!.
يقول أدونيس: (اعبري يا سنواتنا مكسورة الجناح، التصقي بجباهنا
خشبة، السقوط بلادنا، و"لتنصر اللهم السلطان ابن السلطان
مالك البرين والبحرين"
أنتم أيها الشيوخ ابحثوا لنا عن رجال وراء تخومنا
رجال يسكن فيهم البرق، باسمهم نضرب نقودنا، باسمهم
ترقد نساؤنا فوق وسائد الزئبق) (١).
أمّا التقدمي!! الماركسي محمود درويش فيسأل بعد انسلاخه عن تراثه وأصالته وهويته، وانتمائه إلى "راكاح" والماركسية، يسأل سؤال التوبيخ والتقريع على حالات التخلف التي يعيشها الفنسطنيون الذين لم يؤمنوا بالشيوعية دينًا!!.
(سمعت في المذياع
تحية المشردين للمشردين
قال الجميع: كلنا بخير
لا أحد حزين،
стр. 1729
فكيف حال والدي؟
ألم يزل كعهده، يحب ذكر اللَّه.
والأبناء والزيتون؟. . .
وكيف حال جدتي
ألم تزل كعهدها تقعد عند الباب؟
تدعو لنا
بالخير والشباب والثواب!) (١).
والتقدمي الآخر!! سميح القاسم يقول عابثًا ساخرًا جاهلًا:
(ما الذي تجديكم الآن أناشيد الكرامه؟
صوبوا كل التعاويذ بوجه الطائرات!
ألبوا اللَّه عليها
واقذفوها بالوصايا العشر
والجفر، وآيات السماء البينات
كنت طفلًا آنذاك
علموني أن مجرى الأرض، في كف السماء
علموني أنه، سبحانه، يحيي ويفني ما يشاء
علموني أن أطيع الأولياء
دون أسأل من كانوا؟
وماذا صنعوا للتعساء؟:!
علموني الدجل، والرقص على الحبل
стр. 1730
وإذلال النساء
علموني السحر والإيمان بالأشباح
والرقية والتعزيم
والخوف إذا جاء المساء
علموني ما يشاؤون ولم يستنبئوني ما أشاء
فرس الخضر كفيل بي
وحسبي الفقهاء!!
يا أبي المهزوم، يا أمي الذليله
إنني أقذف للشيطان ما أورثتماني
من تعاليم القبيله!
إنني أرفضها تلك الطقوس الهمجيه
إنني أجتثها من جذرها
تلك المراسيم الغبيه
إنني أبصق أحقادي وعاري
في وجوه الأولياء الصالحين
إنني أركل قاذورات ذلي وانكساري
للتكايا والدراويش
وأقزام الكراسي النابحين!
إنني أصرخ من قعر جحيمي:
يا وحولًا لصقت في نعل تاريخي العظيم
إنني أحكم بالصوت عليك
стр. 1731
فأعدي كفنًا من جلد أنصاف الرجال!
وإذا شئت نقوشًا، وصليبًا، ونجومًا، وهلال
ووصايا وابتهال
طرزيها بيديك!!) (١).
ولا يحتاج المسلم -لكي يعرف دخيلة القوم- أكثر من هذا الكلام السخيف الهابط، وأحمد اللَّه على نعمة الإسلام والعقل، وقل لهواة الغواية ودعاتها: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (٢).
واعلم بأن هذه القاموس الهجائي ظاهرة مشهودة تفسر عمق استكبار القوم عن منهج اللَّه تعالى، وبغضهم لدينه القويم، وغارتهم العنيفة -المدفوعة الأجر- على هوية هذه الأمة ومقومات نهضتها وحياتها.
وثالث شعراء الأرض المحتلة بعد درويش وسميح، توفيق زياد الدرزي الماركسي، يتحدث بنفس مقتبس من كتاب "رأس المال" فيقول:
(ومن أين تأتي النقود
وهذي السموات رغم الدعاء
ورغم الصلاة صباح ومساء
أبت أن تجود ولو بالقليل
من الذهب المفتدى
لنملاء منه اليدين) (٣).
стр. 1732
ولك أن تتصور درزيًا يدعو أو يصلي فكيف إذا أضاف الماركسية إلى درزيته؟!.
أمَّا عبد العزيز المقالح فإن طريقته في العبث بالدعاء لها كيفية أخرى، وذلك في خطابه للقاهرة قائلًا:
(يا أم النور "مدد"
يا مئذنة السارين "مدد"
لم يبق أحد
ما عاد على درب القادمين أحد) (١).
أمَّا أمل دنقل فيقول:
(يا بقايا المومياء
نحن أسبلنا العيون الرمدة
حين أنكرناك قبل الفجر
"والفجر إلى اللحظة لم يأت"
وجاء
بدلًا منه: الوباء. . .
ودعونا اللَّه أن يكشف عنا الغمة المنعقدة:
أعطنا ليلة حب واحدة
أعطنا ليلة صدق واحدة
وتنسمنا صدى الدعوة، غربلنا الهواء
لم يكن إلّا الوباء
стр. 1733
جربًا تحت الجلود:
الظفر لا يجدي ولا يجدي الدواء
جرب أوغل حتى الأفئدة) (١).
أمَّا محمد شكري فإنه يسوق في روايته "الشطار" قصته مع عقد نكاح أجراه وهو الذي لا يؤمن بشريعة ولا دين!! أجراه وكتبه لأنه حسب قوله: (لم تحضرني أية شريعة تمنع ما سأقوم به، إن الفقر فوق القانون) (٢).
وبعد أن كتب للرجل والمرأة كتاب عقد النكاح قال: (سلمت للرجل نسخة وأمّنت الأخرى عند السي عبد اللَّه، جاءنا بالشاي مرة أخرى ودعا بالبركة، رفعنا أنا والسي عبد اللَّه أيدينا وشرعت أقرأ دعاء الخير والسي عبد اللَّه يردد آمين، ثم أخذت أتمتم بصوت خفيض قصيدة مهيار الديلمي التي أحفظها عن ظهر قلب:
أعجبت بي بين نادى قومها أم سعد فمضت تسأل بي
مد لي الرجل أوراقًا ملفوفة رفضها قائلًا:
أبدًا لا، إنه على خير. . .
انصرف الزوجان فقال لي السي عبد اللَّه:
هذا أعظم عمل خير تقوم به في حياتك، سيكون لك مستقبل عظيم إن شاء اللَّه) (٣).
قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
стр. 1734
وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ (١).
ونحو هذا العبث الإلحادي الخاسر عبث بن جلون في مقطع من روايته "ليلة القدر" حيث قال على لسان فتاة الرواية: (كنت أسير وأنا أحث الخطى، كانت تفصلنا أمتار قليلة، وكنت أسمعه يتمتم ببضع كلمات، في ما يشبه الصلاة، لم يعد يتكلم عن الوحش ممزقًا جسد فتاة شابة بل عن اللَّه ونبيه، وكان يردد هذا التعزيم: بسم اللَّه الرحمان الرحيم، وصلى اللَّه وسلم على آخر الأنبياء، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، باسم اللَّه الأعلى، الحمد للَّه الذي جعل المتعة العارمة للرجل تكمن في الداخل الدافئ للمرأة، الحمد للَّه الذي جعل في طريقي هذا الجسد البالغ الذي يتقدم وفق ما تبتغي شهوتي، هذا دليل على نعمته ووجوده، ورحمته، الحمد للَّه، الحمد لك يا أختي أنت التي تسبقيني لكي أشم عطرك. . . يا مجهولتي التي أرسلها القدر لكي تشهد بعظمة اللَّه على الرجل والمرأة الذين سيقترنان عند حلول الليل، أحمد اللَّه وأنا عبده، عبدكِ أنا، فلا تغفي، أن الشمس تغيب تدريجيًا ومعها يسقط كبريائي مهشمًا، باسم اللَّه الرحمان) (٢).
أمَّا نوال السعداوي فإنها تصوغ صورة تهكمية بالغة السوء كصاحبتها عن الآخرة والجنة، وذلك في روايتها "سقوط الإمام" حيث تتحدث على لسان الإمام الشخصية الرئيسية في الرواية: (. . . أنا وحدي ولا أحد معي ومن حولي أرض كالصحراء، والنهر على مدى البصر تطل من ورائه هضبة خضراء، قلت أنا في العالم الآخر، وهذه هي الجنة تلوح من بعيد، حلقي جاف منذ الطفولة، والظمأِ شديد، وثقتي في دخول الجنة مائة في المائة مثل ثقتي باللَّه، في جيبي توصية من النبي وبعض صكوك التوبة من بنك الإيمان أخرجتها كلها من جيبي لحارس الباب رضوان ﵇، كان أميًا لا يقرأ الحروف المكتوب، قلت له أنا الإمام وألقيت عليه إحدى خطبي
стр. 1735
المعروفة، لم يفهم شيئًا فهو لا يتكلم اللغة العربية انتظرت طويلًا تحت شمس حارقة ورأسي عاريًا سألته ما بالك لا تحتفل بخطبي وكان يحفل بها الناس في كل أنحاء العالم؟ وهز رأسه علامة عدم الفهم، ثم لمحت وجه امرأة يقترب من بعيد. . . كانت زوجتي القديمة، توسلت إليها أن تتوسط لي لدى رضوان قالت لن تشفع لك إلّا زوجتك الجديدة. . . رأيت المنادي ينادي: يا أهل الآخرة غضوا أبصاركم حتى تمر زوجة الإمام. . . فسلمت عليها وقلت لها: لقد كتبت في الدنيا خطبًا كثيرة كنت أبدؤها باسم اللَّه وأختمها بالصلاة على النبي فحق لي بذلك دخول الجنة. . . وأشارت إلى أن أتبعها فتعلقت بذيل فرستها، لم تكن الفرسة تمشي على الأرض لشدة الزحام وكثرة إشارات المرور، رأيتها تطير في الجو أجنحة من الفولاذ، ورأس صغير مدبب كرأس صاروخ من آخر طراز، قلت: ما هذا؟ قالت: أنعم اللَّه عليك بطائرة جديدة بدل الفرسة القديمة، وركبت في مقعدي في الصف الأول وإلى جواري ريس الأمين، ومن شق الباب لمحت وجه قائد الطائرة. . . وعند الإقلاع جاءنا صوته من سقف الطائرة يتلو آيات القرآن ويدعو اللَّه أن يحمي الطائرة من السقوط، أقلعت الطائرة بعون اللَّه. . . واهتزت الطائرة فربطنا الأحزمة على البطون وعاد الصوت من السقف يقرأ القرآن ويدعو اللَّه أن يحمي الطائرة من السقوط أثناء الهبوط، وانزلقت عجلات الطائرة فوق أرض خضراء ملساء ناعمة كالسندس وقلت وصلنا الجنة؟ وقالت زوجتي الشرعية: ليس بعد ولن تدخل الجنة قبل أن يشفع لك المسيح، وتسدد ديونك في الدنيا. . .) (١).
هذا نموذج آخر -وليس الأخير- للعبث الحداثي، والفوضوية العلمانية الموجهة قصدًا وعمدًا إلى ديننا وعقيدتنا، نموذج يجمع دمامة الفكر وانحطاطه مع دمامة الأسلوب والتركيب، في منهج يراد له أن يكون الوسيلة السريعة لتشويش الأفكار وتحطيم العقائد والمثل، وتهديم قواعد الإيمان.
стр. 1736
﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾ (١).
• الدين:
في أكثر فصول البحث شواهد وأدلة على عبثهم بالدين عقيدة وشريعة.
• الذنوب:
استخف الحداثيون بالذنوب لاعتقادهم أنه لا يوجد شيء اسمه "ذنوب"، وهذا مبني على عقيدتهم في جحد الربوبية والألوهية والنبوات والمعاد، ولذلك قالوا كما قال أسلافهم ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ (٢).
يقول أحدهم عن الدين وتعاليمه:
(خدعتنا تعاليم هذي الكتب
عن وصايا الشريط الطويل
وعن أغنيات الخشب. . .
خدعتنا مقاعدنا المدرسية
لم تعد النار نارًا وتلك الجنان جنانًا
سوى في الكتب. . .
سأدخل مع روحي الآن حربْ
وألقي بها في مهب الذنوب
المعدة للصالحين هناك
ويرتع فيها هنا جنرال
ويرتع رب
стр. 1737
سأحي ذنوبي هنا كلها
وأخوّض في جنّتي الأرض
مثل حريق عجول
سيبتديء الآن فصل اللعب
وأركض عبر الشوارع أصرخ:
يا محسنين:
للَّه ذنب!
للَّه ذنب!) (١).
فهذا القول المجتريء على اللَّه تعالى، يقوله من لم يؤمن بالجنة ونعيمها والنار وسعيرها؛ لأنه خارج عن تعاليم الكتب السماوية، وواقع تحت هيمنة الاستيلاء الأوروبي الروحي والمادي، وخاضع لتعاليم المادية الحداثية.
أمَّا أنسي الحاج فإنه يصف الكاتب التخريبي الذي يحتفل به غاية الاحتفال ويحتفي بفساده وعبثه وفوضوية وهدمه؛ يصفه بأوصاف عديدة منها قوله: (مهما سالم الكاتب التخريبي سيظل "يصيب" ومهما أحب سيظل يشعل الحرائق، ومهما انحط أخلاقيًا سيظل أعلى من عصره. . . ينبعث في المعاصي، يفسد، مع أنه نقي وبرئ. . .) (٢).
• الربوبية:
سبق الحديث عن هذه القضية مفصلًا في الفصل الأول من الباب الأول (٣).
стр. 1738
• الردة:
بحكم أنهم لا يرون أن هناك ما هو حق وباطل أو حلال وحرام أو خير وشر أو إيمان وضلال، فإنهم لا يرون أن هناك ردة عن الدين، لكونهم -بكل وضوح- ينفون الدين كله.
ومع أن أقوالهم وأعمالهم وعقائدهم التي أذاعوها توجب الحكم عليهم بالردة وترفع عصمة الدم عنهم إلّا أنهم في الأجواء السياسية العلمانية المستوردة من الغرب، أذاعوا كل ما في صدورهم العفنة من كفر وإلحاد، في مراغمة ومعاندة للدين وأحكامه وشرائعه وعلمائه ودعاته!!.
وتناولوا قضية الردة -على طريقتهم الهوجاء- بالشتم والمحاربة والاستنقاص والسخرية، واعتبروا أن إطلاق حكم الردة على صرحاء الكفر والإلحاد من التخلف المديني والتزمت والتطرف الأصولي، واعتبروه كذلك من عوائق التحرر والانطلاق!!.
كتب المقالح مقدمة لديوان أمل دنقل، ومن عناوينها "تمجيد التمرد في زمن الخضوع" (١) ذكر تحت هذا العنوان أن صديقه أمل دنقل (عانى بالإضافة إلى محنة الفقر والتشرد وإلى محنة القمع والارهاب محنة التكفير، نعم محنة التكفير، وكانت قصيدته "كلمات سبارتاكوس الأخيرة" واحدة من القصائد التي وضعها "زعماء محاكم التفتيش" على مشرحة التكفير، والقصيدة تدعو إلى التمرد ضد الطغيان وتمجد دور العبد سبارتاكوس الذي امتشق السيف في وجه العبودية وفي وجه روما العابثة بإنسانية الإنسان ومطلع القصيدة وهو الأكثر إثارة يقول:
المجد للشيطان معبود الرياح
من قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"
من علم الإنسان تمزيق العدم
стр. 1739
من قال: "لا" فلم يمت
وظل روحًا أبدية الألم
. . . وقد فهم صغار العقول في محاكم التفتيش المعاصرة أن الشاعر يمجد إبليس وأنه بذلك قد كفر، وأن دمه قد صار حلالًا. . . كان الشاعر متهمًا منذ كان متنبي القبيلة وصوت أحزانها، ورجال الدين يتهمونه بالتجديف والإلحاد. . .) (١).
ومن العجب أن ترى وتسمع وتقرأ الكفر الصريح ثم يتباكون بعد ذلك على حظهم، ويندبون نصيبهم؛ لأنهم وقعوا فريسة رجال الدين، أو رجال محاكم التفتيش!!.
(يشتمني ويدعي أن سكوتي معلن عن ضعفه!
يلطمني، ويدعي أن فمي قام بلطم كفه!
يطعنني، ويدعي أن دمي لوث حد سيفه) (٢).
هب أن ما يقوله المقالح في دفاعه عن دنقل صحيحًا، وأنه لم يرد تمجيد إبليس بل أراد سبارتاكوس العبد الشجاع الذي وقف في وجه القيصر (٣).
هب أن هذا التأويل والتبرير كان صحيحًا، فماذا يقول المحامي المقالح في قوله:
(وعيناك: فيروزتان تضيئان
في خاتم اللَّه كالأعين) (٤).
وقوله:
стр. 1740
(خصومة قلبي مع اللَّه ليس سواه) (١).
وقوله:
(فهل نزل اللَّه عن سهمه الذهبي لمن يستهين به
هل تكون مكان أصابعه. بصمات الخطاه؟) (٢).
هل يقول المقالح أن هذا القول ليس كفرًا وليس ردة؟ وأن رجال محاكم التفتيش هم الذين يريدون تحميل أمل دنقل جريمة لم يقترفها، ويقولونه قولًا لم يقله؟.
وهذا الدفاع الذي دافع به المقالح عن دنقل، نال المقالح مثله من جابر عصفور في مقطوعته المسماة "الاختيار" من ديوانه "الكتابة بسيف الثائر علي بن الفضل" والتي قال فيها:
(كان اللَّه قديمًا حبًا، كان سحابه
كان نهارًا في الليل. . .
صار اللَّه رمادًا
صمتًا
رعبًا في كف الجلادين
أرضًا تتورم بالبترول
حقلًا ينبت سبحات وعمائم
بين الرب الأغنية الثورة
والرب القادم من هوليود
في أشرطة التسجيل
стр. 1741
في رزم الدولارات
رب القهر الطبقي
ماذا تختار؟
أختار اللَّه، الأغنية الثورة) (١).
بعد هذا الإلحاد الصريح والاستهانة الوقحة باللَّه الجليل العظيم، يتصدى جابر عصفور للدفاع الطويل المستميت عن المقالح (٢) كما تصدى المقالح للدفاع عن أمل دنقل.
وصدق اللَّه العظيم القائل: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ (٣).
والقاسم المشترك بين دفاع كل من المقالح وجابر عصفور أنهم يحاولون إسقاط وصف الردة والكفر عن هذه الأقوال النجسة، ويسعون في إسقاطها بتأويلات وشروح حداثية، وحسبك بالشروح الحداثية انتفاخًا وورمًا ومطاطية!!.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٤) وتاللَّه لقد عرفوا في لحن القول وفي صريحه، وفي غامضه وواضحه؛ أنهم أصحاب انحراف وأحلاس تخلف وردة، ولكن الذي يحرق قلب المؤمن أنها "ردة ولا أبا بكر لها" (٥).
стр. 1742
وفي قضية الردة يتحدث عزيز العظمة -الذي لا يواري سوأة إلحاده- عن طه حسين وكلامه الذي كذّب فيه وجود إبراهيم وإسماعيل ﵉ وبناء الكعبة، فيقول: (خلاصة القول أن الردة التي جوبه طه حسين بها، قامت على أساس إعادة الاعتبار للأسطورة، وإرجاع النص إلى مكانته المتعالية على التاريخ المؤسسة له في الخيال ورفض إمكانية المساءلة ووسمها بالخروج، واستندت هذه الردة. . . بتكفير من يكذب وجود إبراهيم وإسماعيل، إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الكفر والردة في عصير هما ممجوجتان فيه) (١).
واستقر الفكر الحداثي والأدب الحداثي على هذا المنظور، تبعًا لأساتذتهم في المادية.
وتخدرت أحاسيسهم تحت وطأة هذا الأفيون القاتل فراحوا يعيثون في الأرض فسادًا، فقد سقط في حسهم وفكرهم أي معنى لقضية إيمان وكفر، وإسلام وردة، فانطلقوا يعبثون بكل شيء تحت حماية أمثالهم من الحكام العلمانيين الذين ملأوا السجون بعلماء الإسلام ودعاته الذين يطالبون بتحكيم شرع اللَّه في كل شأن، بدلًا من تحكيم أهواء البشر وزبالات أفكار البشر.
وهذا معين بسيسو له مقطوعة بعنوان "المرتد" يخاطب فيه نظيره، ويطالبه بقوله:
(اركع للورقة
اغرس قلمك. . .) (٢).
ثم يقول في آخرها معتزًا بشيوعيته ومفاخرًا بطاغوتها لينين:
(المهرب أين المهرب
لم تقهر أطفال لينين ولم تغلب
стр. 1743
قد كذب المخلب. . .) (١).
ويقول ممدوح عدوان:
(أنا الذي ما وصلت إلى جذوري الفراسة
أواجه المرأة كالغريب
أذوب في الردة والإسلام والسياسة) (٢).
ويقول:
(ميت في صفوف الجهاد وفي الردة الناكرة) (٣).
هذا هو الأدب الحديث بمدارسه ومذاهبه أصبح بريدًا من برد الانسلاخ الفكري، تحدد هويته هذه العبثيات اللاهثة، وهذه الظواهر الرعناء من الأقوال والمواقف، وجوه كالحة، وأفكار ساقطة وعقائد أنجس من روث الخنزير!!.
ومن عجائبهم والعجائب جمة في سوق الحداثة!! إنهم قد يطلقون على المهتدي بعد كفر وضلال لفظ "الردة" كما فعل الخبيث المسمى "الطيب تيزبني" في كتابه المسمى "روجيه غارودي بعد الصمت، حول فلسفة الردة عند غارودي وآفاقها في الوطن العربي" فقد اعتبر هذا الأفاك الأشر إعلان جارودي دخوله في الإسلام وتركه للشيوعية والاشتراكية "ردة"!!.
فسبحان اللَّه كيف يقلبون الموازين ويعبثون بالمصطلحات ويخادعون بالمفاهيم المغلوطة!!، فما أجدرهم بقول القائل:
(وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة وقعرها رعونة
стр. 1744
صفق إببيس لها مندهشًا وباعكم فنونه
وقال إني راحل ما عاد لي دور هنا
دوري أنا أنتم ستلعبونه!) (١).
• الرسل والرسالات:
مضى الحديث عن هذه المصطلحات في الفصل الثالث من الباب الثاني (٢).
• الركوع:
عبادة من العبادات العظيمة، ومن جحد وجوبها أو صرفها لغير اللَّه أو سخر بها فقد خرج من الإسلام.
وللحداثيين في العبث بهذه الشعيرة العظيمة أساليب منها قول البياتي عن الحلاج:
(الحلاج كان بقميص الدم مشبوحًا على القاموس
في عيونه: مدينة أصابها الطاعون
ركعتان في العشق
تعالي
حامل القربان ألقى وردة في النهر) (٣).
(ماذا أضاف الدم للقاموس؟
ركعتان في العشق) (٤).
стр. 1745
وقوله عن الشاعر الحداثي: (رجل بالموت مضاء، قلق، تحسبه أعمدة ووهاد وجسور، يركع في منتصف الليل أمام العنقاء، هنالك عاصفة تعوي وتزمجر عبر البار الإغريقي) (١).
وقول نزار قباني في تصوير أسباب التردي والضياع -حسب عقيدته الشهوانية المادية-:
(يا سادتي الكرام
من ربع قرن وأنا
أمارس الركوع والسجود
أمارس القيام والقعود. . .
وهكذا يا سادتي الكرام
قضيت عشرين سنه
أعيش في حظيرة الأغنام) (٢).
وقوله:
(مر عامان والمآذن تبكي والنواقيس كلها خرساء
أيها الراكعون في معبد الحرف كفانا الدوار والإغماء
مزقوا جبة الدراويش عنكم واخلعوا الصوف أيها الأتقياء) (٣)
ويقول سميح القاسم:
(ووحدي كنت، في القمة وحدي
راكعًا أبكي أصلي أتطهر) (٤).
стр. 1746
وليس هذا اعترافًا منه بالركوع والسجو والصلاة أو احترامًا لها، بل رأى ذلك -وفق شيوعيته- نزولًا وهزيمة وحزنًا، وذلك في قوله بعد المقطعين السابقين:
(نازلًا كنت: على سلم أحزان الهزيمه
نازلًا يمتصني موت بطيء
صارخًا في وجه أحزاني القديمه:
أحرقيني احرقيني لأضيء!
لم أكن وحدي
وحدي كنت في العتمة وحدي
راكعًا أبكي أصلي أتطهر
جبهتي قطعة شمع فوق زندي
وفمي ناي مكسر
كان صدري ردهة
كانت ملايين مئه
سجدًا في ردهتي
كانت عيونًا مطفأه!) (١).
وممدوح عدوان يعبث بلفظ الركوع بأسلوب آخر حيث يقول:
(الحياة انسكبت فيضًا
وصارت مومسًا
كنا نؤاتيها بلا طعم
ونحياها كعادهْ
стр. 1747
وعرفنا وجهها جوعًا وإدمانًا
ذُللنا فيه، صنّاه
ركعنا في محياه عباده) (١).
قال اللَّه تعالى واصفًا أهل الهلاك: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (٢) الآية.
أمَّا أحمد دحبور فيقول:
(الأشبال الثلاثة والزهرة ففروا من جديد:
أركع: اقبليني اقبليني
ها أنا لا أبتعد، ها أنا لا أتقدم) (٣).
• الزكاة: الركن الثالث من أركان الإسلام .
يقول سميح ساخرًا مستخفًا بالمعاني والشعائر الإسلامية ومدنسًا لمضامينها الشرعية، وذلك تحت عنوانٍ إبداعي مبتكو!! (سيبويه - ٥ - ص):
(رضا الوالدين لنا
والخشوع طويلًا لأضرحة الأولياء
وقسمتنا جثة الأتقياء
وأنت لك النار. . . والكستناء
لماذا إذن تزدرينا
وتقتل فينا
стр. 1748
زكاة الرضا
وصلاة العشاء
وصوم العشاء
لماذا؟) (١).
• السجود:
عبادة من أجل العبادات ولا يجوز صرفها لغير اللَّه ومن جحد وجوبها أو صرفها لغير اللَّه أو سخر بها فليس له في الإسلام نصيب.
وبما أن السجود عبادة أهل الإسلام فقد تناوشها أهل الحداثة بالأقوال الخبيثة انتهاكًا وسخرية وعبثًا بهذه الشعيرة العظيمة، ومن ذلك كلام أدونيس في مقطوعته الجنسية الداعرة المسماة "تحولات العاشق" والتي هي مزيج من الوزن والنثر مع غلبة النثر كما وصفها (٢)، يقول في هذه المقطوعة واصفًا فرج امرأة!!:
(أيها الجرح يا جحيمًا يضيئني
أيها الجرح يا موتي الأليف
في الجرح أبراج وملائكة
نهر يغلق أبوابه وأعشاب تمشي
رجل يتعرى
يفتت ريحانًا يابسًا ويهلل
ثم يسجد ويغيب) (٣).
ويقول البياتي:
стр. 1749
(يا روح عناصر هذا العالم، يا أضواء الليل الفضية والزرقاء
ها أنذا أسجد في الحضرة سكران
ضيفًا لمليكة هذا الليل المسكون بروح الصهباء
أهذي والخمر معي تهذي، قيثار العشق، أعريك أمامي
في الحان) (١).
ومر معنا في الحديث عن "الركوع" كلام نزار قباني الذي يصف أنه في حظيرة الأغنام من عشرين سنة؛ لأنه يمارس الركوع والسجود والصلاة والدعاء (٢)، ونحوه كلام سميح القاسم السابق ذكره (٣).
ولمحمود درويش مقطوعة بعنوان "شهيد الأغنية"!! يقول فيها:
(يا أنت!
قال نباح وحش:
أعطيك دربك لو سجدت
أمام عرشي سجدتين!
ولثمت كفي في حياء مرتين
أو. . تعتلي خشب الصليب
شهيد أغنية وشمس) (٤).
هذا شاعر الأرض المحتلة!! وكلامه مشحون بهذه الألفاظ والمصطلحات والمعاني الجاهلية الدالة على مقدار سراديب الظلمات الحداثية، وهذا هو الشاعر الثاني في الأرض المحتلة!! سميح القاسم يقول:
стр. 1750
(يا بيتنا الباقي
يا بيتنا المعبد
يا من على عتباته أسجد
وأشم طيب حذاء من شيد!) (١).
ويقول المقالح هازئًا بالساجدين والدين كله:
(لمن أخا الأوهام والخيال
تقدم السجود؟
ما كل ما تريده يكون
وأي شيء قد أردته فكان؟
تاريخك الجديد والقديم
مقبرة للخزي والهوان
وحيثما ذهبت بائعًا وراكعًا تهون
تسخر منك الكلمات في اللسان) (٢).
ومن نَماذج الجهل بالدين والاستخفاف به في الوقت نفسه، وصف ابن جلون لصلاة الجنازة، التي تؤم الناس فيها امرأة، ولعل ذلك من مقتضيات المساواة العلمانية بين الرجل والمرأة!، يقول بن جلون: (وفي الجامع الكبير عُينت طبعًا لأؤم صلاة الجنازة، قمت بذلك بغبطة داخلية، ومتعة قريبة من التستر، كانت إحدى النساء تأخذ تدريجيًا بثأرها من مجتمع رجالي بلا حزم يذكر، على أية حال، كان ذلك صحيحًا بالنسبة لرجال عائلتي، وعندما كنت ساجدة لم أتمكن من منع نفسي من التفكير في الرغبة الحيوانية التي كان جسدي البارز بذلك الوضع، سيثيرها لدى أولئك الرجال
стр. 1751
لو علموا بأنهم يصلون خلف امرأة، لن أتكلم عن الذين يجسون أعضاءهم بمجرد رؤيتهم لعجزهم مقدم على هذا النحو، سواء كان عجز امرأة أو عجز رجل، استسمحكم على هذه الملاحظة، فهي تطابق الواقع ويا للأسف!) (١).
هذا القول صورة من الاستخفاف والجهل بالدين، فصلاة الجنازة ليس فيها سجود، ولكنه يصورها كذلك، ويجعل الإمام امرأة ثم يجعل منظر السجود منظرًا مثيرًا للرغبة الجنسية، وكل إناء بالذي فيه ينضح!!.
وقد سجل مشاعره نحو الشذوذ الجنسي، وتعاطفه مع أصحابه وتسويغه لفاحشة اللواط في كتابه "أقصى درجات العزلة" والتى يظهر فيه فى سربال طبيب معالج وخبير نفسي ممارس (٢).
• السعي:
شعيرة من شعائر الحج والعمرة، يؤديها المسلم عبادة اللَّه تعالى.
وقد تناولها الجاهليون المعاصرون بالتنقص والانتهاك ونسبتها إلى الجاهلية القديمة، كما في قول حسن حنفي: (. . . فشعائر الحج، الطواف، ورمي الجمرات، والسعي بين الصفا والمروة والتكبير، كلها كانت شعائر جاهلية دخلت في بيت إبراهيم، جاء الوحي لإعادة توظيفها في أصلي العدل والتوحيد) (٣).
أي أن هذه الشعائر العظيمة ليست من شرع اللَّه الحكيم العليم، بل هي مجرد تأثر بالجو الجاهلي الذي كان سائدًا قبل مجيء الإسلام، بل هي مجرد توظيف أو إعادة توظيف، وكأن الإسلام لم يأت إلّا ليقوم بأدوار تلفيقية وانتهازيات سياسية!، بئسما سولت لهم أنفسهم، ثم يضيف هذا الجاهلي المتعدي أن الوحي جاء لإعادة توظيفها في أصلي العدل والتوحيد، وهي يجري في هذه التسميات على درب المعتزلة ولكن في التسمية فقط،
стр. 1752
أمَّا في المضمون فإن هذا الذي شرحه حسن حنفي في كلامه يوصل إلى مستنقع الحداثة والعلمانية.
وهذا القول الذي قاله حسن حنفي عن الطواف والسعي هو عين ما قاله عزيز العظمة في دفاعه عن نظيره سلمان رشدي في آياته الشيطانية، حيث يتضامن هذا مع ذاك في حرب وثنية معاصرة ضد الإسلام وقضاياه، حرب مدفوعة التكاليف، مدعومة الاتجاه، محمية من الصليبية والصهيونية العالميتين، ولكن هذه المرة تحت شعارات التحرر الفكري الذي ينادي به الغرب المنحاز ضد الإسلام، انحيازًا له جذوره العميقة في نسيج المجتمعات الغربية، وينفذه بعض أبناء البلدان المسلمة الذين صنعوا على أعين الغرب، فاذا بنا نراهم وهم لا يضمرون للإسلام إلّا شرًا، ولا لدعاته إلا عداوة ولا لشريعته إلّا تنكرًا، عادوه لأنه ضد شهواتهم المحرمة، وعقائدهم المظلمة، ومظالمهم المفترسة، ومصالحهم الآثمة ومطامعهم الفاجرة.
يقول عزيز العظمة مهاجمًا مغالطًا كاذبًا: (إن التوحيد الإسلامي ولد على تخوم الوثنية وغيرها من الأديان،. . . إنه تعاطى مع الوثنية المكية، الطواف، السعي، تقديس الحجر الأسود، ولا تمتنع الدبلوماسية الدينية التي مارستها عبقرية محمد) (١).
وقد نقل أدونيس في تلمود الثابت والمتحول كلام الزنديق ابن الراوندي في جحده للنبوة وهو يشبه كلام حسن حنفي وعزيز العظمة، وأيد ذلك على أساس الانتصار للعقل حسب زعمه (٢).
إن العقول الكليلة لا تعرف الحقيقة على وجهها، وأنى لها أن تعرفها وقد غطت المادية وإباحيتها وظلاميتها وحيوانيتها على عقولهم فأصبحوا يمارسون العنصرية الفكرية في عداء عنيف، وليس هناك أشد من عداء
стр. 1753
المرتدين، وفي حقد مخيف، وليس هناك أخبث من حقد الناكصين!!.
إنهم يريدون -في أحسن أحوالهم- إسلامًا بلا عقيدة ولا شريعة، وديانة بلا عمل ولا بذل ولا جهاد، وملة بغير دولة ولا نظام، واتباعًا أعمى للغرب شبرًا بشبر وذراعًا بذراع!!.
• السماء:
ويريدون بالسماء -عند إطلاقهم ألفاظ الشتائم والسباب- اللَّه -جلَّ وعلا-، والوحي والدين والشريعة والعقيدة والنبوات، ولهم في استعمال لفظ "السماء" بهذه المعاني طرائق عبث عديدة تفضي في حسبانهم إلى تدمير الدين وسحقه، حسب ما في خبيئتهم الحداثية والعلمانية النجسة.
وقد سبق ذكر أوجه وأمثلة ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول، في المظهر الثامن من مظاهر الانحراف في توحيد الألوهية (١).
• السنة والبدعة:
من جهلهم المركب أنهم جعلوا ما يسمونه الإبداع قرين البدعة، وجعلوا محاربة البدعة نظير محاربة الإبداع.
وهم يجهلون أو يتجاهلون أن لكل من البدعة والإبداع معنى يخصه، اللهم إلّا إذا أرادوا أن الإبداع هو الإلحاد والكفر والشك والريب والعهر والفوضوية -كما هو حال الحداثة وأهلها- فإن محاربة هذا من أعظم الجهاد في سبيل اللَّه، ليس لأنه بدعة في الدين، وإنّما لأنه ضلال وكفر وفسوق وانحراف، يوصل البشرية إلى الهلاك والدمار، ويقودها إلى الحيوانية المرتكسة والشهوانية الهابطة.
ومن أدلة هذا الجهل المركب مناقشة أبي جهل الحداثي المسمى جابر عصفور للكتاب النادر "الحداثة في ميزان الإسلام" حيث تعرض في هذه المناقشة المتهالكة لما يطلق عليه إسلام النفط، الذي يقول عنه: (إن إسلام
стр. 1754
النفط يمتح من المخزون "النقلي والاتباعي" الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث. . . إن إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقلي. . .) (١).
ثم يورد حملة من الأحاديث والآثار التي تأمر بالالتزام بالإسلام والاعتصام بالسنة والبعد عن البدعة، والاستمساك بالجماعة وترك التفرق والمحدثات، وبعد ذلك يقول: (هذه الدوال تشير إلى أصول نقلية يتم تأويلها في الممارسة الإيديولوجية فتتحول إلى مخايلات تقترن التقليد بسلامة الدين وتصل أعمال العقل بالبدعة، وتربط البدعة بالضلالة المفضية إلى النار، وفي الوقت نفسه، تتسع بمفهوم البدعة لتجعل منها قرينة كل فعل إنساني يسعى إلى اكتشاف أفق مغاير. . .) (٢).
ومن هذا القول يُمكن التيقن بمدى عمق جهلهم بدين الإسلام، وعمق البغض له أيضًا.
وعلى هذه المقدمة الجاهلية الباطلة وضع النتيجة القائلة بأن الإبداع يعني البدعة والحداثة تعني الإحداث، وحيث إن الإسلام أمر بالسنة ونهى عن البدع والمحدثات فلابد حينئذٍ من الصراع بين الإسلام أو ما يسميه إسلام النفط والحداثة.
وعلى الرغم من المقارنة الباطلة، والمقدمة والنتيجة الخاطئة، فإنه ينبغي أن نبين أن الإسلام عندما يواجه الحداثة ويناقضها لا على أساس أنها بدعة أو محدثة، فالبدع والمحدثات إنّما تكون في الدين ويقصد بها القربة إلى اللَّه رب العالمين، بل يحاربها على أساس أنها ضد الدين جملة وتفصيلًا، ومحاولة جابر عصفور هذه محاولة ضمن المحاولات العلمانية المغالطة، التي تحاول أن تصور أن الحداثة ما زالت ضمن الإطار العام للإسلام!! ولكن أصحاب المخزون النقلي والنصوصية
стр. 1755
الاتباعية يأبون ذلك ويحاربونه!! ثم هو لا يقول بأن ذلك هو موقف الإسلام الصحيح من الحداثة، وإنّما يلبس تلبيسًا آخر حين يصور أن هذا الموقف هو موقف فئة يُسمى إسلامها "إسلام النفط" أو "الإسلام النقلي" أو "الإسلام الاتباعي".
(ومن الطبيعي أن يمثل خطاب الحداثة نقيضًا صارمًا لكل ما ينطوي عليه خطاب إسلام النفط من دلالات، فالحداثة تعني الإبداع الذي هو نقيض الاتباع والعقل الذي هو نقيض النقل) (١).
ولا يدري هذا الجاهل أنه بهذا القول ينقص كل حججه، ويكشف كل مراوغاته، ويصم نفسه بالمروق والفسوق، من حيث ظن أنه يُمكنه الاتصاف بالحداثة والإسلام!!، وما أسر ابن آدم سريرة إلّا أظهرها اللَّه على فلتات لسانه ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ (٢).
(يضحكني العميان
حين يقاضون الألوان
وينادون بشمس تجريديه
تضحكني الأوثان
حين تنادي الناس إلى الإيمان
وتسب عهود الوثنية، يضحكني العريان
حين يباهي بالأصواف الأوروبية!) (٣).
ومن هذا القبيل الذي ذكره جابر عصفور عن الإبداع والبدعة والأحداث والحداثة، ومحاربة السنة والاتباع والتسليم للوحي، قول أدونيس