← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

الحداثة، وبقول ينطبق على الحداثيين من الشعراء والقصاص والنقاد والمفكرين، يقول أدونيس: (والحق أن شعراء التجربة في العالم العربي "ضالون" "ساقطون" لأنهم مغايرون وأفذاذ) (١). فعلى الرغم من استخفافه بمضمون الضلال والسقوط إلّا أن هذا القول يعد شهادة واضحة من أستاذ خبير بالحداثة وداعية كبير من دعاة الحداثة، وهو بهذا يصف نفسه وتلامذته وسائر القطيع الحداثي، والحق ما شهد به العدو على نفسه!!. • الطواف: شعيرة من شعائر العبادة في الحج والعمرة، حيث أوجب اللَّه تعالى على مريد البيت بحج أو عمرة أن يطوف بالبيت العتيق سبعة أشواط بنية (٢). وقد مرَّ قولهم في هذه الشعيرة عند الكلام عن السعي (٣)، ومن أبشع الأقوال وأخبثها نقل أدونيس لكلام الزنديق ابن الراوندي الذي (يرى أن الشريعة الإسلامية تتناقض مع العقل، يقول مثلًا: "إن الرسول، أتى بما كان منافرًا للعقول مثل الصلاة وغسل الجنابة ورمي الحجارة، والطواف حول بيت لا يسمع ولا يبصر، والعدو بين حجرين لا ينفعان ولا يضران، وهذا كله مما لا يقتضيه عقل. . .، وما الطواف على البيت إلّا كالطواف على غيره من البيوت) (٤). وليس هنا مجال نقض كلام ابن الراوندي وذيله المعاصر؛ لأن هذه القضية مبنية أصلًا على جحدهما وجود اللَّه تعالى وألوهيته وجحد النبوة

стр. 1787

ولوازمها (١)، وهذه مبارك أهل الشرك والكفر والإلحاد في قديم الزمان وحديثه، وهي مجال المجادلة والرد والنقض. • العبادات: ذكرتُ جملة من العبادات التي عبثوا بمفاهيمها ومعانيها، وهنا أذكر ما يتعلق بمصطلح العبادة، الذي حاولوا اللعب بمضمونه والتدنيس لمعناه، من أجل إسقاط المفهوم المحترم والمحتوى المقدس عند المسلمين، يقول البياتي: (الحب والأمل الوريف عبدته وهمًا هناك وصلاتك العذراء -يا قلبي- تضاعف من أساك) (٢). ويقول محمود درويش: (تنام، فتحلم اليقظة في عيني مع السهر فدائيُّ الربيع أنا، وعبد نعاس عينيها وصوفي الحسى والرمل والحجر سأعبدهم، لتلعب كالملاك، وظل رجليها على الدنيا، صلاة الأرض للمطر) (٣). ويقول: (عيناك يا معبودتي هجرة. . . عيناك يا معبودتي منفى. . . معبودتي! ماذا يقول الصدى

стр. 1788

ماذا تقول الريح للوادي؟ . . . عيناك يا معبودتي عودة من موتنا الضائع تحت الحصار. . . ونحن يا معبودتي أي دور نأخذه في فرحة المهرجان) (١). ويقول ممدوح عدوان، عن الحياة التي يحرص عليها ويؤلهها: (الحياة انسكبت فيضًا وصارت مومسًا كنا نؤاتيها بلا طعم ونحياها كعادة وعرفنا وجهها جوعًا وإدمانًا ذللنا فيه صناه ركعنا في محياه عبادة) (٢). • عقد النكاح: مرّ عند مصطلح الدعاء كلام محمد شكري الذي حكاه عن نفسه حيث عقد بين رجل وامرأة عقد نكاح إباحي، سخر فيه من عقد النكاح ومن طريقته عند المسلمين، ومارس باعترافه دور القواد والمحلل والماجن العابث بالدين والأعراض (٣).

стр. 1789

• العقيدة: يعتبر أركون أن المعجم الاعتقادي عند المسلمين عقدة في طريق انتشار الحداثة، وذلك حين كتب: (الحداثة ومشكلة المعجم الاعتقادي القديم) (١) ونبه الأتباع والمقلدين ودعاة الحداثة بأنه (ينبغي أن نسير في موضوع الحداثة بتؤدة وبطء، فالأرض مزروعة بالألغام، ولكنك تستخدم كلمات كثيفة جدًا ومثقلة بالدلالات التاريخية دون أن تحاول تفكيكها أو تحليلها. . . كل هذه التعابير المصطلحية الأساسية التي ورثناها عن الماضي "كمفردات الإيمان والعقيدة بشكل خاص" لم نعد التفكير فيها حتى الآن، ونحن نستخدمها كأنها مسلمات وبدهيات ونشربها كما نشرب الماء العذب. . . عندما يستخدم المرء بشكل عفوي هذا المعجم الإيماني اللاهوتي القديم لا يعي مدى ثقله وكثافته وشحنته التاريخية وأبعاده المخيفة، وكل الأخطار المرافقة لاستخدامه) (٢). الأصلاء أتباع الحق والهدى يُنتقدون عند هذا وأضرابه لاستخدامهم المصطلحات النقية، ذات المضامين الصادقة والمدلولات الخيرة، أما هم فلم ينتقدوا أنفسهم لاستخدامهم بل لانغماسهم في المصطلحات الضالة ذات المضامين الباطلة والمدلولات الشريرة، والتي من شأنها أن تهبط بالإنسان وتبتعد به عن مراقي السمو والفلاح، ليصبح مجرد شيء من الأشياء، أو حيوان من بهيمة الأنعام، هم لا يصدقون ذلك لأنهم أشربوا في قلوبهم عجل المادية، فإذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض ولا تهبطوا بإنسانية الإنسان قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. ومن عبثهم بمصطلح العقيدة والإيمان، ما كتبه نصراني اشتراكي في افتتاحية العدد الأول من مجلة الأديب، حيث اعتبرها (منبرًا للرأي السياسي المنبثق من العقيدة الصادقة والإيمان الخالص) (٣).

стр. 1790

وإطلاقه للفظ العقيدة الصادقة والإيمان الخالص هنا لا يقال بأنه في مدلوله اللغوي أو في إطلاقه العام، لأن هذين اللفظين أصبحا بالاستعمال الشرعي والتداول العربي الإسلامي يدلان على العقيدة الإسلامية، والإيمان باللَّه ورسوله ودينه، فاستعمالهما في العقيدة الشيوعية الإلحادية تشويه وعبث وتدنيس رخيص. والعقيدة والإيمان التي يتحدث عنها هذا التقدمي!! تتمثل في الماركسية التي يقول بأنه قد اكتشف على عتبتها عالم سحري، وفي أصحابها الذين (يمارسون حياة كفاحية مغلفة بهالة من الغرابة والمخاطرة والأسرار، واكتشفت وجود شيء فكري يطلق عليه اسم النظرية الماركسية، وبلد شاسع اسمه الاتحاد السوفيتي يحاط نظامه الاشتراكي بالغريب العجيب والمدهش. . . واكتشفت وجود نوع مترجم من الأدب الروائي الكفاحي استهواني جدًا، يطلقون عليه أدب الواقعية الاشتراكية وكان مكسيم غوركي في روايته "الأم" تحديدًا هو أول من دفع بي إلى اكتشاف هذه الاكتشافات كلها ووضعني على عتبة ذلك العالم السحري) (١). • علماء الإسلام وشخصياته: في الوقت الذي تسابق أهل الحداثة والعلمنة في إطراء فلاسفة وكتاب ومفكري وأدباء وسياسي الغرب، وامتدحوهم واحتفلوا بهم، وتسابقوا في الثناء عليهم وتعداد مآثرهم وتفصيل أحوالهم، في الوقت ذاته توجهوا إلى علماء الإسلام ودعاته ومفكريه وأدبائه وقادته وخلفائه وسلاطينه بالذم والشتم والقدح والاستخفاف. وهذه القضية نتيجة حتمية للانتماء الاعتقادي والهوية الفكرية!! ولازم من لوازم التغرب العقلي والاستلاب الروحي الذي يعيشه الحداثيون بكافة مذاهبهم وأصنافهم. بل إن بعضهم -من باب إثبات الوجود والقدرة الثقافية والتواصل الثقافي- يورد من أسماء الغربيين وأسماء كتبهم ومصطلحات مذاهبهم، ما يؤكد أن الكاتب أو المتحدث ليس سوى معمل ترجمة وجسر توصيل، وأداة تسويق.

стр. 1791

فإذا أضيف إلى ذلك أن هذا الرأس المستعار والقلم المستأجر والفم الممتلئ بمياه مستنقع الظلمات المادي، أضحى مستعمرة فكرية ومستوطنة اعتقادية، يضج بما تضج به كل المستعمرات والمستوطنات من تخلف وقذارة وتبعية وهوان. إن من أبرز الغارات التخريبية التي تشنها الحداثة والعلمانية على دين المسلمين وتراثهم وتاريخهم تلك المحاولات البائسة التي تتوجه إلى رموز هذا الدين توجه الحاقد الذي يستهدف الطعن والتشويه متخذًا أسلوب تزوير الحقالْق مسلكًا وطريقة طمس المعالم منهجًا، في جهد متواصل لخداع الأمة والتلبيس عليها وزعزعة ثقتها بتاريخها وأمجادها ورجالاتها وحضارتها. وليست هذه الغارات الهدامة مجرد حركة عارضة في تيار الهوج المادي الإلحادي، بل هي خطة مقصودة ومعركة مخطط لها، ها هو أدونيس يعلن بأن السلفية بما فيها من عقائد ومبادئ وقيم وأشخاص هي "ارتدادية تلقينية" (١). أمَّا طيب تزيني الماركسي الملحد فإنه يعلن قائلًا: (نحن العرب أبناء القون العشرين لسنا بحاجة مثلًا، إلى استلهام المسيحية الأولى أو الشعراء الصعاليك أو أبي ذر الغفاري وغيرهم ممن سبقهم وممن خلفهم. . . ولسنا بحاجة إلى امرئ القيس. . . أو إلى معركة ذي قار، أو إلى محمد بن عبد اللَّه وأبي بكر وعمر وغيرهم ممن سبقهم وممن خلفهم، أقول نحق لسنا بحاجة إلى ذلك كله لكي نمنح "مرحلتنا القومية" الناهضة مشروعيتها في أن تكون باتجاه توحيدي. . . . أقول نحن لسنا بحاجة إلى ذلك كله أو إلى غيره من هذا القبيل، لكي نمنح "مرحلتنا القومية" الناهضة مشروعيتها في أن تكون باتجاه عقلي علمي علماني ومادي جدلي) (٢). وهذا القول المظلم يحتوي عدة موبقات منها أنه يقرن النبي ﷺ وصحابته

стр. 1792

مع أهل الكفر والجاهلية، في استفزاز واضح لمشاعر المسلمين، وانتهاك إلحادي جلي. ومنها أنه يناقض عقائد أهل الإسلام بأطروحاته الماركسية، المادية العلمانية، ويصادم أساسيات التقدم والنهوض بإلغائه شخصيات الإسلام العظيمة، واعتبار أنها لا قيمة لها في ميزان النهضة والنماء!! في خلط متعمد بين الحقائق والأوهام، والطهارة والقذارة، وجمع ظالم بين النور والظلام، والهدى والضلال. وهي لغة التزوير العلمانية المعروفة، والخطابية الإلحادية المشهورة. فهو يسقط رموز الخير والفضل والعطاء والنور والنماء، وينفي أن يكون لها أي تأثير في ميدان الفاعلية الإيجابية مع أن العكس هو الصحيح، وشواهد التاريخ ووقائع الأيام، وحديث الحضارات تشهد بذلك، ويشهد به المنصفون من غير أهل هذا الدين. وهو يعلي رموز الشر والباطل والجاهلية والهبوط، ويجعلها من موجبات النهضة والعلو، مع أن العكس هو الصحيح، وشواهد الواقع المعاصر تشهد بأن الإنسان منذ أن ترك الدين وارتقى في براثن المادية الجاهلية لم يزدد إلّا نكوصًا وتعاسة وبلاءً، وأكبر شاهد على ذلك ما حصل في الاتحاد السوفيتي من انهيار تام للنظام الاعتقادي والسياسي والاقتصادي، الذي راهن التزيني وغيره على أنه هو المنقذ للبشرية!! فإذا بأبنائه الذين تربوا على مبادئه وتشربوا عقائده أول من يسعى في هدمه وإزاحة كابوس ظلمه وظلامه عن الناس. غير أن هذا الطرح الذي ذكره التزيني كأساس من أسس العلمانية والحداثة ليس طرحًا خاصًا به أو مقتصرًا عليه، بل هو عام عند جميع الحداثيين، ولكل واحد منهم حظه -قل أو كثر- من هذا الأساس التصوري الذي ينطلقون منه (فهذه الفوضى كانت نزوة أناس مقطوعي الجذور، فتنهم نموذج غربي معين. . .) (١)، كما قال أحد نقاد الحداثة، والذي أضاف بعد

стр. 1793

ذلك بأن سرقة وتقليد الأفكار الغربية لا تقتصر على فكرة أو فكرتين، أو مفهوم أو مفهومين إذًا لهان الأمر، ولكنها تتعلق بشبكة كاملة من المفاهيم (١). وإذا ذهبنا نستعرض أقوالهم في النيل من علماء الإسلام وشخصياته والتهكم بهم والإشادة بالشواذ والمنحرفين في التاريخ من الأسود العنسي إلى علي بن الفضل إلى حمدان قرمط إلى ابن الصبّاح إلى ابن الراوندي وابن سبعين وابن عربي، فإننا نجد ركامًا هائلًا من الأقوال والشواهد، وقد سبقت الإشارة إلى بعض هذا في الفصل الرابع من الباب الأول المعنون بالتصورات المتأثرة بالوثنيات والديانات المحرفة. أمَّا إشادتهم وامتداحهم للشخصيات الغربية من فلاسفة ومفكرين وساسة وذوي مذاهب وفنون، فإنها من الكثرة بحيث يصعب حصرها وجمعها، ومن الوضوح بحيث لا تحتاج إلى شواهد وأدلة، إذ القوم لا ينكرون هذا، بل يذكرونه ويفاخرون به، ويجعلونه من علائم الثقافة الواسعة، والاطلاع العريض. حتى قال بعضهم: (لقد أصبحنا نسبق الغربيين إلى تطبيق مفاهيمهم قبل أن تكتمل عندهم، وقبل أن نحيط نحن بها علمًا) (٢). (وهكذا نجد أن طريقة تعامل الكثيرين من المثقفين العرب مع العلوم الجديدة القادمة من الغرب خلال العقدين الأخيرين كان لها نتائج سلبية خطيرة، من بينها أننا أضعنا حوالي عشرين عامًا في مناخ غامض ملتبس لا يؤدي إلّا إلى البلبلة وسوء الفهم، وقد نتج عن ذلك كم هائل من الكتب الغربية المستعجمة أو المبتسرة التي تزيد الظلام إظلامًا بدلًا من أن تنير شمعة أو توضح فكرة) (٣). إن الحداثة في موقفها من الشخصيات يتكون من مزيج هجومي

стр. 1794

تخريبي شامل هو يتمثل في: (الطعن في شخصيات الإسلام، وإحياء أسماء الزنادقة والملاحدة والطائفين، والإشادة بالشخصيات الغربية). هذا المزيج الخبيث تكمن وراءه قضايا أساسية في هذا الاتجاه لها أفق عدائي محدد، يتلخص في محاولة هدم الإسلام وإزاحته وإبعاده عن الواقع، نعم، هم لا يستترون أو يدارون في هذا الهدف، اللهم إلّا فئة منهم ترى أن من أسباب نجاح خطتهم التخفي والاستتار والتلبيس والتدليس والمحاورة والمداورة. ولهم في النيل من شخصيات الإسلام وعلمائه أسلوبان: أحدهما عام، والثاني خاص، فأمَّا العام فقد ذكرنا بعضًا منه في كلام التزيني وأدونيس، ويعتمد هذا الأسلوب على الإسقاط الجملي للشخصيات والتاريخ الإسلامي، وقد سبق شواهد على ذلك عند مصطلح "تاريخ الإسلام" في هذا الفصل. ومن رمزياتهم في هذا الباب إطلاق ألفاظ الخفافيش والرمل والأعشاب اليابسة، والموتى في كهوف الزمان، والطمي والترسبات والجثث والاجترار، وغير ذلك، يقول أدونيس: (ثمة وارثون خفاف كالريش، يحملون الطمي والترسبات) (١). (ينتظرني خوان الفتوى باقات الكتب. . . وتحت الخوان يجثم النهم وطعام الأمعاء ويتكوم الفضاء جثة تسكر حولها مناقير الجوع والعودة إلى أول الدائرة وراء الاجترار وخطوطه عرضًا وطولًا وإلى أسفل سافلين) (٢).

стр. 1795

أمَّا محمود درويش فيلخص الشخصيات الإسلامية في شخص الخليفة ويقول: (دمعتي في الحلق يا أخت وفي عيني نار وتحررت من الشكوى على باب الخليفه) (١). ويلخصها البياتي في العمائم الخضر، وبعض شخصيات التاريخ الإسلامي فيقول: (وعمائم خضر وصيادو الذئاب يخمسون "قصيدة عصماء" في ذم الزمان وقبور موتاهم وحانات المدينة والقباب وسحائب الأفيون والشرق القديم ما زال يعلب بالحصى والرمل ما زال التنابلة العبيد يستنزفون دم المساكين الحزانى الكادحين. . . ما زال "هولاكو" و"هارون الرشيد" ولم يزل "فقراء مكة" في الطريق وقوافل التجار والفرسان والدم، والحريم يولدن ثم يمتن عنده الفجر في "أحضان هارون الرشيد") (٢). ماذا يريد البياتي أن يصل إليه من هذه الأسماء "عمائم، قبور، حانات، قباب، مزج بين هولاكو وهارون الرشيد، والعبيد والحريم والخليفة

стр. 1796

والدم"؟ كلها تصب في الغاية الحداثية المذكورة آنفًا. وأمَّا الأسلوب الثاني وهو تخصيص شخصيات من علماء الإسلام ودعاته للطعن والتجريح فيهم، فهو الأسلوب الشائع المنتشر بينهم، وأقوالهم كثيرة في هذا الغرض، لا تخص في سياقهم المظلم، شتيمة أو استنقاص الشخص المعين فحسب، بل تتعدى إلى مجمل دين المسلمين وتاريخهم وقيمهم ونظام حياتهم وحضارتهم، ونكتفي هنا ببعض الشواهد: منها مقطوعة أدونيس السيئة التي سماها "السماء الثامنة، رحيل في مدائن الغزالي" والتي حشد فيها ألفاظ هجومه وسبابه وشتائمه الحداثية على الغزالي ﵀ لكونه من علماء الإسلام، وقد بدأ هذه المقطوعة بقوله: (قافلة كالناي والنخيل مراكب تغرق في بحيرة الأجفان قافلة مذنب طويل من حجر الأحزان أهاتها جرار مملؤة باللَّه والرمال هذا هو الغزالي) (١). وفيها يقول: (يبتديء السقوط في مدائن الغزالي) (٢). (أهدم كل لحظة مدائن الغزالي

стр. 1797

أدحرج الأفلاك فيها أطفيء السماء) (١). وهي مقطوعة طويلة مليئة بهذا الضرب من الأقوال النجسة، والتي لا يريد بها الغزالي في شخصه، بل يريد بها الإسلام كله: (وأي بارقة أمل في شبيبة ترتاح لمجمل هذا الأدب، أو بالأحرى لأخص خصائص قبحه؟. وأمنية كل عربي اليوم أن يكون له وجود معتبر، هوية مستقلة تحوي مميزات الأمم ولا تذوب في خثارة من نبذتهم الأمم الحضارية من أصحاب المقاهي والنار جيلة والحشيش والهيبة!!. إله يغرق في الرمال. . كلمة كافرة مفلسة يؤنس شبيبتنا بها طائفي، ويراد منه أن يكون رائدًا وموجهًا ومعلمًا لأدبنا الحديث!!. . . وهذا الطائفي الذي خرج من وراء الكواليس ليكون من قدر أمتنا الخائب أن يكون هو وأضرابه من معالم الأدب الحديث: افترى على الحضارة ما ليس فيها وليس عنده بديل صحيح. . إنه يتكلم بأسلوب البحث العلمي تارة، وبهيبية الأدب الحديث تارة عن ميتافيزيقيات طائفية هي منتهى الخرافة والرجعية، يبشر بهذه الكهانة الوثنية بعد تعتيم شديد، ويصب اهتمامه على تحطيم الثوابت الحضارية في أمتنا. . إن وثنيهم الكبير يصوغ قصيدة الغبار ليمزج شبيبتنا بالريح) (٢). (. . . لاحظوا أن "مدينة الغزالي" تساوي "الإسلام" في سياق الشاعر، وتعني كل ماض عربي يحتمل أن يعيش في الحاضر) (٣). وهذا نزار قباني يخاطب إحدى عشيقاته وقد هجرته إلى مخادنة أمير من أمراء النفط حسب قوله، فيقول لها: (طالما كنت تريدين أميرا

стр. 1798

تتسلين به وقتًا قصيرا يتسلى بك -يا سيدتي- وقتا قصيرا ويمد الأرض من تحتك وردًا وحريرا فاشربي نفطًا، وسبحان الذي جعل البترول مسكًا وعبيرا وتزوجت أخيرًا ملكًا من ملوك الخلفاء الراشدين وملكت الدين والدنيا معًا فاسجدي شكرًا لرب العالمين رزاق الطير على أشكالها مسقط الغيث، ملاذ التائهين باعث الأموات من أكفانهم بارئي المرضى، وكافي المعدمين واهب النفط لمن يختارهم من بنيه الصالحين) (١). ويقول: (وما زلنا نطقطق عظم أرجلنا ونقعد في بيوت اللَّه ننتظر بأن يأتي الإمام علي. . أو يأتي لنا عمر ولن يأتوا ولن يأتوا

стр. 1799

فلا أحد بسيف سواه ينتصر) (١). ويقول عن جمال عبد الناصر: (رفيق صلاح الدين هل لك عودة فإن جيوش الروم تنهى وتأمر) (٢) وهذا الإقران تدنيس لشخصية مجاهد وقائد من قواد المسلمين العظام، وقد قال في مدح عبد الناصر ما هو أعظم وأشنع، قال: (قتلناك يا آخر الأنبياء) (٣). وقوله مشبهًا له بموسى ﵊: (تركناك في شمس سيناء وحدك تكلم ربك في الطور وحدك) (٤). ومن التدنيس تلقيب زوجته "ريما" العراقية بلقب "بلقيس" (٥) وتدنيس اسم هذه الصالحة حين أطلق اسمها على ديوان في رثاء زوجته بعد أن قتلت، وكان مما قاله فيها من قبل: (أيقظتني بلقيس في زرقة الفجر وغنت من العراق مقاما) (٦) ومن التدنيس المقصود لأسماء الصالحين والصالحات إطلاق عصابة الفجور والسفور في مصر على إصداراتها اسم "هاجر" حيث قالوا في

стр. 1800

المقدمة (لم يكن اختيارنا "هاجر" اسمًا لكتاب المرأة من قبيل الصدفة أو محاولة للبحث عن الغرابة والاختلاف، لكن هل يوجد من هو أكثر من "هاجر" تعبيرًا عنا، فهاجر أم العرب جميعًا، والدة الأنبياء، أشهر جارية في التاريخ، أول مصرية تتغرب عن الوطن، هي الحالة الأولى، الأعمق على دور المرأة المكرس منذ أزمنة سحيقة: أن تكون وعاءً للنسل والإنجاب، وهي أعظم قصة حفظتها لنا الذاكرة الإنسانية عن معاناة المرأة ونضالها في سبيل البقاء، المرأة التي هُجرت فهاجرت وسعت في الأرض سعيًا مكبدًا في سبيل حياتها وحياة وليدها الطريد. باختصار: إن هاجر هي التجلي الأول للمسألة النسائية وإشكاليتها في التاريخ البشري المعروف وهي أسطورة المرأة/ البشر، لا المرأة/ الآلهة، وأخيرًا فإن هاجر هي أول حالة تمييز عنصري عرفتها الإنسانية) (١). نحن أمام نموذج من نماذج التلاعب الخبيث بالمفاهيم والحقائق، إلى حد جعل المرأة الصالحة التقية "هاجر" (٢) وسيلة لتسويق آراء أهل العهر ومشاريع الساقطين والساقطات من أهل الإباحية والسفور والفسوق، وفي القول الآنف من الكذب العلمي والتاريخي والافتراء وما يناسب العقائد العلمانية وأهلها، وفيه استنباطات ضالة مرتكزة على خلفية أضل وقاعدة أعمى وأغوى من كل عمى وغواية. وبالمنظور العلماني الحداثي نفسه عن "هاجر" يقول محمود درويش:

стр. 1801

(وكان يُلحقون حياتها بدموع هاجر كانت الصحراء جالسة على جلدي وأول دمعة في الأرض كانت دمعة عربية هل تذكرون دموع هاجر - أول امرأة بكت في هجرة لا تنتهي؟ يا هاجر، احتفلي بهجرتي الجديدة من ضلوع القبر حتى الكون انهضُ) (١). وهاجر ليست عربية، ولكنها مسلمة قانتة طائعة لربها تعالى ولرسوله الخليل ﵊. وهجرتها ليست مأساة وظلمًا وانتهاكًا بل كانت طاعة منها للَّه ولنبيه، وكانت أساسًا لعز وخير وهدى وإيمان وصلاح وتقوى، ونبوة جاءت بعد ذلك في ذريتها. أمَّا درويش وعصابة السفور في مصر فإنهم يصورون رحيلها مع زوجها وابنها إلى البلد الحرام على أنها هجرة أسى وظلم وقسوة وحرمان، وليس ذا بغريب على من يتلقى ضلالاته من الكتب المحرفة، ويستنبط أباطيله على ضوء المناهج المادية الهائمة في سديم الفوضى والخراب والعمى. • الغيبيات: وقد خصصت فصلًا كاملًا عنها في الباب الثالث (٢). • الفاتحة: سورة من القرآن هي السبع المثاني، وأعظم سورة فيه.

стр. 1802

يقرن أدونيس الفاتحة بالصليب قائلًا: (الشارع أمرأه تقرأ، حين تحزن، الفاتحة أو ترسم الصليب والليل تحت نهديها محدب غريب) (١). • الفرقة الناجية: وهم أهل السنة والجماعة الذين نجوا من التفرق والهلاك في النار، وقد مرّ معنا كلام أركون عن ذلك عند مصطلح أهل السنة (٢)، أمَّا جابر عصفور، وله في عقله من اسمه نصيب، كما قال الشاعر: وقلما أبصرت عيناك ذا لقب … إلّا ومعناه إن فكرت في لقبه (٣) فإنه يتحدث في هجومه على علماء الإسلام ودعاته ويرمي بسهام حقده على الإسلام تحت مسمى أنه يهاجم "إسلام النفط" وهي جُنة يتخذها ليصد عن سبيل اللَّه، كما اتخذ أسلافه أيمانَهم جُنة. يتحدث "عصفور العقل" أن الإسلام في هذه البلاد يقوم على مقولة تعتمد على ثلاثية النقل والاتباع والتقليد، ثم يفسر ذلك وفق هواه العلماني، ثم يقول: (وإذ تبرر هذه المقولة حتمية الوصاية وتؤكده، فالإنسان الخطّأ بطبعه لن ينجو من الضلالة إلّا بإرادة متعالية عليه، هذه الإرادة يسبق في حال مقدورها إيقاع الضلالة على البعض وإيقاع الهداية على البعض المقابل. . . ولكن لأن الضلالة كالنجاة، مقدورة سلفًا، فإن خطاب الفرقة الناجية ينطق ما هو مقدور عليها ولها، فهو خطاب ينفرد بالمعرفة دون غيره،

стр. 1803

ويمتلك اليقين دون سواه، فيتسم بنبرة تسلطية، قطعية، قمعية، على نحو لا يُمكن أن يتصف معه هذا الخطاب بأنه خطاب حواري. . . بل يصبح خطابًا أحاديّ الاتجاه، تعاليميًا، أمريًا، مخايلًا، يقوم على وهم احتكار الحقيقة نقلًا، وإيهام الهداية اتباعًا، وضرورة التصديق بها تقليدًا) (١). وغير خاف على من له أدنى بصيرة ومعرفة بالدين الإسلامي وبمنهج أهل السنة والجماعة "الفرقة الناجية" أن هذا القول مليء بالمغالطات والشبهات والألاعيب اللفظية، فكلامه عن القدر وإرادة اللَّه تعالى ليست عند أهل السنة بهذا المفهوم الفج الضال، وقد سبق بيان منهج أهل السنة في ذلك عند الحديث عن القدر. أمَّا أن أهل السنة يعتقدون اليقين والقطعية في اعتقادهم، فهذا لا ريب فيه، وهو يقين يقوم على الدليل والبرهان وليس على التشهي والهوى. أمَّا أن خطابهم يتسم بالتسلط والقمعية، فإن كان مراده بذلك أنهم يحكمون بشريعة اللَّه ويوقرون أحكامه ويتبعون أوامره وينتهون عن نواهيه، ويقفون عند حدوده، ويطبقون ذلك كله، فهم يعملون ذلك وفق عقيدتهم وإيمانهم باللَّه تعالى، ولا يرد المسلم عن ذلك أية ألفاظ هجائية أو شتائم علمانية، فمن آمن باللَّه وبكتابه ورسوله وجب عليه أن يقوم بمقتضى ذلك، رضي بذلك من رضي وغضب من غضب. غير أن من الجدير تأمله في هذا الصدد أن العلمانيين اللادنيين الذين أخذوا هذه الضلالات عن أساتذتهم الغربيين اعتنقوها بيقين وقطعية، مع أنها لا تقوم إلّا على أوهام بشرية، وحماقات عقول بهيمية، وخطابهم وحالهم يتسم -فعلًا- بالتسلط والقمعية، فها هي سجون الأنظمة العلمانية في بعض بلاد المسلمين تضج بالظلم والقهر لأولياء اللَّه تعالى الذين يطالبون بتحكيم شريعته في الأرض، وها هي مؤتمراتهم ومؤامراتهم مع دول الغرب والشرق

стр. 1804

ومع دولة اليهود لمحاربة دعاة الإسلام، تحت مسمى محاربة الإرهاب ومقاومة التطرف كما حدث في شوال سنة ١٤١٦ هـ في المؤتمر المسمى "مؤتمر شرم الشيخ" لمحاربة التطرف!!. ومن قبل كم علق على مشانق الأنظمة العلمانية من شيخ وداعية، وكم ملئت المحتشدات الصحراوية من صالح وصالحة، وكم هُجِّر من بلده وبيته وأهله من مؤمن تقي، ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ (١)، أمَّا تسلط أصحاب الأعلام والتعليم والمجامع الثقافية العلمانية، فحدث عن عصابات احترفت الإجرام باسم الثقافة، والرذائل باسم الفن والتسلط باسم الحرية، ومع ذلك يزعمون أنهم أصحاب الحوار والديموقراطية والحرية الفكرية!! بلى إنهم في الظلم راسخون، وللقمع والتسلط محترفون، ولمعاداة المسلمين ودعاة الدين قائمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!!. • القدر: وقد خصصت فصلًا كاملًا عنه في الباب الثالث من هذا الكتاب (٢). • القرآن: وسبق الحديث عن موقفهم منه في الكلام عن الكتب المنزلة في الباب الثاني (٣). • القيامة: وسبق الحديث عن ذلك عند الكلام عن اليوم الآخر في الفصل الأول من الباب الثالث (٤).

стр. 1805

• الكتب المنزلة: وقد خصصت فصلًا كاملًا عنه في الباب الثاني (١) • الكعبة: هي بيت اللَّه العتيق. وقد مرّ معنا ذكر موقف طه حسين من هذه القضية، في حديثه عن إبراهيم وإسماعيل وبناء البيت العظيم، ومن أوقح أقواله في هذا الصدد قوله في شأن الكعبة: (ليس ما يمنع قريشًا من تقبل هذه الأسطورة التي تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإيناس ابن بريام صاحب طروادة) (٢). أمَّا السياب فإنه يحشد في قصيدته "في المغرب العربي" ألوانًا شتى من ألفاظ الكفر والسخرية باللَّه تعالى ورسوله ﷺ منها قوله: (فنحن جميعًا أموات أنا ومحمد واللَّه. وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة عليها يكتب اسم محمدٍ واللَّه. على كسرة مبعثرة من الآجر والفخار فيا قبر الإله، على النهار ظل لألف حربة، وفيل

стр. 1806

ولون أبرهة وما عكسته منه يد الدليل والكعبة المحزونة المشوهة) (١). ويقول البياتي: (إذا كان البعض يحج إلى كعبته كل عام فأنا أحج إلى كعبتي في كل كلمة أكتبها) (٢). ويقول سعدي يوسف عن قريته: (وكعبة أسرى إليها الصبا ونام فيها الطير لما عبر) (٣) ويقول الفيتوري: (والطلاسم في تعاريج المرافيء والرجال أسود يحتضرون حول الكعبة السوداء والصور التي تنهار فوق قواعد الصلبان) (٤). • الكفر: وهو ضد الإيمان، ونقيض الإسلام. وقد أعجب الحداثيون بألفاظ الشرك والكفر والضلال ووصفوا أنفسهم بأوصافها، مجاهرين مفاخرين، كما سبق بيانه عند مصطلح الضلال، وذلك من مقتضيات "التحرر الحديث" الذي يسلتزم عند أتباعه أن يكونوا في الصف المقابل للإيمان والهدى والخير والحق والعدل والتقوى والصلاح. ذلك أنهم قد تلقوا من شياطين المذاهب الغربية التي أشربوا حبها، أن

стр. 1807

الوقوف ضد هذه الأوصاف يعني الحرية والانطلاق والتقدم والنهوض!! ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (١). ولا شك أن عقولًا استساغت أن تهجر الهدى وتعتنق الهوى والفكر والردى لهي عقول استولى عليها الخبال والضلال، والتحقت بصفوف الأعداء الغزاة، الذين ما فتئوا يكيدون لهذا الدين من بداية ظهوره. إن استهانتهم بلفظ الكفر ووصفه، وامتهانهم اللفظي له يندرج ضمن لعبة العبث الحداثية التي يراد لها أن تكون جسرًا لإبطال أحكام الشرع وتكذيب أخباره، ها هو أحدهم يدرس نصوص الوحي على أنها أسطورة تاريخية ثم يتحدث عن نظيره وسلفه في هذا الأمر طه حسين ويخلص إلى أن حكم الردة الذي وجه إليه بسبب تكذيبه للقرآن العظيم، ليس سوى إعادة اعتبار للأسطورة، وإرجاع النص أي الوحي، إلى مكانته المتعالية ثم يقول: (واستندت هذه الردة. . . بتكفير من يكذب وجود إبراهيم وإسماعيل إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الكفر والردة في عصرٍ هما ممجوجتين فيه) (٢). ولا ريب أن هذا المادي العلماني يعبر عن وجهة نظر الردة الجديدة التي اجتاحت العالم، واكتسحت العالم الإسلام في هذا العصر (وهي ردة جاءت مع زحف أوروبا السياسي، والحضاري على الشرق الإسلامي، وإنها أعظم ردة حدثت في التاريخ الإسلامي من عهد النبوة إلى عصرنا هذا، إنها "ديانة" اللادينية والإلحاد التي أثرت على ما لا يحصى من أفراد الطبقة المثقفة من المسلمين، ولكن بالعكس من حركات الردة وتياراتها الماضية؛ إن من يقع في أسرها، وينكر بديهيات الدين وحقائقه لا يذهب إلى معبد أو كنيسة، ولا يعلن تغييرًا لديانته، ولا يتنبه مجتمعه الإسلامى إلى خطره، ولا يحسب له أي حساب، ولا يعامل بالمقاطعة والفصل من المجتمع كما

стр. 1808

كان يعامل المرتدون السابقون) (١)، بل أضحى -في ظل الدولة العلمانية- كل مارق معارض للدين محل الصدارة والحماية والتمكين، وكل مدافع عنه، داع إليه، مجاهد في سبيله محل القتل والتشريد والإيذاء والتشريد، واللَّه غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وإذا كان أهل الحداثة والعلمنة ينظرون إلى الدين الإسلامي نظرة الغربيين إلى الدين النصراني، فإنهم -حتمًا- سيصبحون، وقد أصبحوا بالفعل، يقاومونه ويناقضونه ويردونه على اعتبارات عديدة من أهمها أنهم ينظرون إليه -حسب نظراتهم الإلحادية- أنه دين أساطير، وهذا ما دعى أحد منظريهم إلى التصريح بأن (عنوان الحداثة العلمانية في يومنا هذا هتك أساطير البداية) (٢). وعلى ذلك فإنهم لا يستحيون من الانتماء الكفري أيًا كان لونه أو عنوانه، فما أكثر الذين ينادون اليوم بالعلمانية، أو ينتسبون للماركسية أو ينتمون إلى الوجودية، أو يجاهرون بالانضمام إلى أي فكرة أو مذهب أو مجموعة كفرية. حتى لقد بلغ بأحد رواد الحداثة الفكرية أن اعترف صراحة بأنه مؤمن!! ولكنه إيمانه يكفره أي يؤدي به إلى الكفر، وقائل ذلك هو حسن حنفي الذي يجيب على مناقشة أحدهم حين وصفه بأنه مؤمن، وأنه يخشى عليه من الاتصاف بوصف الإيمان!! أجاب حسن حنفي (أنت تعني الإيمان السلفي التاريخي المتوارث عبر التاريخ، وهو الشيء الذي تخافه علي، لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا) (٣). وقال أيضًا: (نحن منذ فجر النهضة العربية الحديثة وحتى الآن نحاول أن نخرج من الإيمان السلفي) (٤).

стр. 1809

وقال: (أنا ماركسي شاب) (١). وقال: (أنا مفكر وضعي، أقصد أنا وضعي منهجي ولست وضعيًا مذهبيًا، إن كل ما يخرج عن نطاق الحس المادي والتحليل أضعه بين قوسين) (٢). ومع ذلك يُعد عند الحداثيين من أصحاب التيار الإسلامي اليساري أو ما يسمونه التيار الإسلامي المستنير!!، فإذا كان هذا هو الإسلام!! فأي دين بقي وأي كفر اتقي؟. أمَّا أدونيس فيسخر من الوعيد بالكافرين، وذلك في قوله: (عائشة جارتنا العجوز مثل قفص معلق تؤمن بالركام والفراغ والطرر وبالقضاء والقدر. . . تقول إن عمرنا سحابة بلا مطر تقول إن الأرض أبشع الأكر صورها الإله تحت عرشه ومن عل دحرجها خطيئة كأنها البشر: يا ويل من كفر ويل من كفر يا سعده من اعتبر. . . عائشة جارتنا تقية حياتها جلودُ صوفٍ وخراف ورع

стр. 1810

وحكمة تعود بالأرض إلى سديمها تحتجز الحياة في تكية من ورق الرمال وطحلب الليالي) (١). صورة كالحة دبقة من صور الاجتراء الإلحادي والتهكم الحداثي بالدين التراث، وبالمصطلحات الشرعية والأحكام الإسلامية. أمَّا توفيق صايغ فيقول: (من فضة براك فتنة باجمان، ويا أزاهير اكفري) (٢). أمَّا نزار قباني فإنه أكثر من تلاعبه بلفظ الكفر كإكثاره التلاعب بأعراض النساء، يقول: (من يعص قلب امرأة يكفر) (٣). ويقول: (وابقى أحبك رغم يقيني بأن التلفظ باسمك كفر) (٤). ويخاطب إحدى عشيقاته أو معشوقيه!! قائلًا: (إن كنت نبيًا خلصني من هذا السحر

стр. 1811

من هذا الكفر حبك كالكفر فطهرني من هذا الكفر) (١). ويقول: (أرجوك بالأوثان يا سيدتي إن كنت تؤمنين في عبادة الأوثان) (٢). ويقول: (فعلنا الحب تكرارًا وتكرارًا صرخنا مثل وحشين، نزفنا مثل وحشين وأمطرنا وأرعدنا وتبنا وكفرنا وركضنا في براري الحب أحرارًا) (٣). ويقول: (أعطيني الفرصة كي أكتشف الحد الفاصل بين يقين الحب وبين الكفر) (٤). (أعطيني الفرصة حتى أقنع، حتى أؤمن، حتى أكفر) (٥).

стр. 1812

ويقول: (يا بيروت الجوع الكافر والشبع الكافر) (١). ويقول: (أردت أن أنقل الثورة إلى مرتفعات نهديك ففشلت أردت أن أعلمك الغضب والكفر والحرية ففشلت) (٢). ويقول: (فاعذروني أيها السادة إن كنت كفرت وصفوا لي صبر أيوب دواءً فشربت) (٣). ويقول -تعالى اللَّه عما يقول-: (من بعد موت اللَّه مشنوقًا على باب المدينة لم تبق للصلوات قيمه لم يبق للإيمان أو للكفر قيمه) (٤). ويقول: (يثير حزيرانٌ جنوني ونقمتي

стр. 1813

فأغتال أوثاني وأبكي وأكفر) (١). وهكذا نجد أن المجاهرة بالكفر والانتماء إليه أضحى من أسهل الأمور، وأيسرها على لسان شاعر الحداثة، ونرى أن التلاعب بلفظ الكفر ومضمونه يهيء الفرصة لللاعبين في هذا الحقل أن يفاخر الواحد منهم بانتسابه إلى الكفر والضلال من غير مراعاة لأي ضابط أو احتياط من أي نقد أو خوف من أي حكم!!، واستتبع انتماءهم الفكري للكفر وافتخارهم الشعري به، انتماء لأمم أخرى، لا رابط بينهم وبين العرب إلّا الرباط الجاهلي الذي جعل كفار مكة يفرحون بانتصار الفرس على الروم، لكون الفرس مثلهم في عبادة الأوثان. ها هو توفيق زياد يفتخر بأسياده الروس، ويسخر بإطلاق لفظ الكفر عليهم: (في هذه النشره الروس الكفار يطولون الزهره. . . موسكو هذه المره كسر الروس الكفار الجره يكتشف الأسرار إلى الزهره وتقول مصادر موثوقه إن الإنسان، الإنسان هناك العامل والفلاح هناك أقسم أن تشرق راية أكتوبر وترفرف في كل سماء) (٢).

стр. 1814

وهنيئًا للشيوعيين بهذا الفتح المبين!!، وبهذه الخرافة العظيمة!!، وقد عاش زياد الدرزي حتى رأى بأم عينيه وسمع بأذنيه، ماذا حصل لثورة أكتوبر من دمار وبوار واندحار، وما هي عن الرأسمالية ببعيد!. والشاهد هنا ربطه بين وصف الروس بالكفار والمكتشفات الحديثة، وهي حجة حداثية واهية تقوم على مبدأ أن من ابتكر أكثر واكتشف أكثر وصنع أكثر وتغلب وقهر فهو بالضرورة صاحب الفكرة الصحيحة والعقيدة القويمة والخلق الحسن!!، وفي هذه المساواة الباطلة التي تنطق بها كتبهم ومؤلفاتهم، والتي ينادون بناء عليها بأن ناخذ الأفكار والعقائد والثقافات والفلسفات والمذاهب والقيم مثلما أخذنا التقنية، وأن نستورد العلوم الإنسانية مثلما استوردنا المنتجات والمصنوعات (١). ومن التلاعب بلفظ الكفر قول المقالح في بيانه اليساري الاشتراكي!!: (يا فقراء شعبنا يا أيها الجياع السائرين في انكسار لا تكفروا بالكلمات بالأشعار فربما غدًا، بعد غد ستهدم الأسوار تزرع النجوم في ظلامكم ستزرع الثوار) (٢). ويقول الفيتوري عن الشاعر: (قصة الشاعر العظيم. . العظيم الحلم واليقظة

стр. 1815

العظيم الصفات حين غنى لقومه خير ما غنته شبابة من الصلوات فتناسوه كافرين بما غنّى) (١). فهو يعبث هنا بشعيرة الصلاة وبلفظ الكفر. ويقول أحمد دحبور: (وتنزوي الشموس في معابدي ويعول الفراغ فيّ يعولُ ويكفر الصدى سيرحلُ، سيرحل المدى) (٢). ويقول: (باسم جوع يقتل الأطفال. . كافر أعبر النهر المجاور) (٣). • ليلة القدر: وهي ليلة من أوتار العشر الأواخر من رمضان خير من ألف شهر. تعتبر رواية الطاهر بن جلون "ليلة القدر" أوضح شاهد على العبث بمعاني ومقاصد ومضامين هذه الليلة الكريمة. • المئذنة: كما تصدى هؤلاء للصلاة والأذان فإنهم تصدوا للمئذنة ساخرين

стр. 1816

هازئين؛ لأنها تمثل في شموخها وبنائها المرتفع شموخ الإسلام وظهوره وانتشاره، وهذا يبعث في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ويثير كوامن الأحقاد العدائية في قلوبهم المولعة ببغض كل ما يمت إلى دين الإسلام بصلة، ولو كان مجرد شعار أو رمز أو بناء. يقول أدونيس: (بكت المئذنة حين جاء الغريب - اشتراها وبنى فوقها مدخنة) (١). ويقول: (هاتوا فؤوسكم نحمل اللَّه كشيخ يموت نفتح للشمس طريقًا غير المآذن) (٢). تعالى اللَّه وتقدس عما يقول الملاحدة علوًا كبيرًا. ويقول: (قدست رائحة الفوضى، ليأت الوقت الحزين لتستيقظ شعوب اللهب والرفض صحرائي تنمو، أحببت صفصافة تحتار، برجًا يتيه، مئذنة تهرم) (٣). ويتحدث عن شخصه ممتثلًا في اسمه الأصلي "علي أحمد سعيد" فيقول: (ورأيت اللَّه كالشحاذ في أرض علي

стр. 1817

وأكلت الشمس في أرض علي وخبزت المئذنة ورأيت البحر يأتي في ضباب المدخنة) (١). جلّ اللَّه وتقدس وتنزه وتعالى عما يقول الباطني الملحد، الذي يرى الإيمان والدين والصلاة تخلفًا، ويزعم أنها لا بد أن تنمحي بسبب وجوده الطاغوتي الحداثي، أو أنه سوف يحيل المئذنة إلى خبز ينتهي بالأكل، ويأتي بالبحر رمز الغرب والمتوسطية والفينيقية، يأتي به لتكون مداخن مصانعه بديلًا عن المآذن، هكذا سولت له نفسه، وسولت له عقيدته ومذهبه الشائن، كما سولت للكفار من قبل ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢). وفي كلمات أخرى يجعل المئذنة خمرًا والأذان نشوة سكر فيقول: (هل تتمايل الفضة سكرًا بالمئذنة وهل يترنم الذهب انتشاءً بالأذان؟ في امتداد برقش التعاشيب يتنسم ترابًا يتنسم اللَّه) (٣). وفي موضع آخر يجعل المآذن مجرد مستودعات صوتية فيقول على لسان المجانين أشباهه حيث يقول المجنون الأول سائلًا: (والمآذن المجنون الثالث: "مقاطعًا" هي للصوت مخازن) (٤).

стр. 1818

أمَّا السياب فقد سبق نقل مقاطع من قصيدته الإلحادية "في المغرب العربي" ومنها قوله عن إنسان يرى قبره: (كمئذنة معفرة كمقبرة كمجد زال كمئذنة تردد فوقها اسم اللَّه. وخط اسم له فيها. . . فنحن جميعنا أموات أنا ومحمد واللَّه. وهذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفرة عليها يكتب اسم محمد واللَّه) (١). ويتحدث عن اللَّه جلّ وتعالى وتقدس: (أليس هو الذي فجأ الحبالى قضاه، فما ولدن سوى رماد؟ وأنعل، بالأهلة في بقايا مآذنها، سنابك من جواد؟) (٢). أمَّا توفيق صايغ فيتحدث عن الخيل التي يقول عنها: (وما فتحت فاها لقضم وفتحته لصهيل كترنيم مآذن) (٣).

стр. 1819

أمَّا الشيوعي العراقي سعدي يوسف فيجعل المآذن -وما تحويه من دلالات ومعاني- تسكن الظلام، فيقول: (اللَّه كل الليل يهبط، والمآذن تسكن العتمات) (١). أمَّا نزار قباني فيقول عن محبوبته: (عندما يبدأ الليل، احتفال الصوت والضوء بعينيك. . وتمشي فرحًا كل المآذن يبدأ العرس الخرافي الذي ما قبله عرس) (٢). ويصف المآذن بقوله: (والمآذن المقلوبة) (٣). أمَّا محمود درويش فيقول: (أأسرق عمري لأحيا دقائق أخرى، دقائق بين السراديب والمئذنة لأشهد طقس القيامة في حفلة الكهنة) (٤). ويقول: (ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا ونرقص بين شهيدين، نرفع مئذنة للبنفسج بينهما أو نخيلا) (٥). أمَّا معين بسيسو فإنه يخاطب صنوه وزميله في الشيوعية "محمود

стр. 1820

درويش" ويذكره بقول نظيرهم الجزائري الشعوبي البربري الملحد "كاتب ياسين" وذلك في تهكمه بالمآذن واعتباره لها أنها من علائم التخلف، إذ يصفها ساخرًا بأنها صواريخ ثابتة!!، ولا يقتنع بسيسو بهذا الوصف بل يسعى في مضمار الإلحاد إلى أبعد من ذلك حين يعتبر اللَّه -جَلَّ وَتَقَدَّسَ وَتَعَالَى- مثل المآذن في الدلالة على الجمود والتخلف، بل أكبر، فيقول: ("كاتب ياسين" صديقي المسكين قال بأن "مآذننا" يا محمود "صواريخ" ثابتة في الأرض لا تنطلق، ولا تصعد أبدًا. أكبر من كل مآذننا يا محمود اللَّه) (١). ويجعل سميح القاسم الكتاب والمئذنة وبلال مجرد هراء، وذلك في قوله: (سألوني عن التي أنا منها وهي مني، ربابة ومغني عندليب وسوسنه وكتاب وبلال ومئذنة وانطلاق من هراء البيداء، والخيل والليل) (٢). أمَّا توفيق زياد الذي ينضح بالشيوعية في كلماته ومقطوعاته الحداثية

стр. 1821

فإنه يجعل الشيوعية الحمراء مئذنة، ويزعم أن الحرية تأتي منها، فيقول: (من مئذنة الفجر الأحمر من طين الخندق. . من رأس الخنجر. . صوت ناري الأنفاس الحرية!!) (١). ومثله عبد العزيز المقالح الذي يتحدث عن بكين بوصفها شيوعية متمنيًا أن يمر من تحت قوس النصر في ساحتها الحمراء!!، ويبشر بمئذنة للشيوعية في اليمن، ويدلس وصفها بأنها "مدخنة" تكتب بالدخان بالعرق، وقد رأى أهل جنوب اليمن ماذا صنعت بهم الشيوعية التي تمناها المقالح، وماذا جنوا من ثمارها الشائكة الخبيثة!!، يقول المقالح: (بكين، رغام البعد بيننا يا واحتي الأثيره فإننا على لقاء مشاعل المسيرة الكبيره في ليلنا الضرير كانت لنا، للزاحفين الشعلة الرجا الأمل الكبيره. . . واليوم في مدينتي تحتضن السحاب يحتضن الألف مئذنة شماء

стр. 1822

تكتب بالدخان بالعرق قصتك الرائعة الرنين قصة حب لا يضيع، لا يموت يا بكين) (١). ونحو هذا قوله: (ألمح وجهه الضاحك في حجارة المسجد في مآذن المصنع) (٢). وحين يستعير رمز المئذنة للتبشير بالشيوعية، مدنسًا هذا الرمز، لا ينسى أن يلصق بالمآذن أوصاف الظلام والتخلف، وذلك في قوله: (والمآذن لما تزل تتنهد، في قبضة الليل، تحت مخاوفها تذكر اللَّه أكبر. . .) (٣). وشبيه هذا المعنى قول ممدوح عدوان: (في مئذنة يتململ فيها النور) (٤). وذلك بعد أن ساق جملة من الأماكن التي يقرنها في سياق واحد مع المآذن بغرض التدنيس: (في الحانات وفي الحارات وفي المبغى في أجراس كنيسة حي مهجور في مئذنة يتململ فيها النور) (٥).

стр. 1823

• المحراب: وهو رمز للعبادة والصلاة والخضوع للَّه تعالى، يجعله الحداثيون رمزًا للتخلف والبطالة والضياع كما قال أدونيس: (الأمة استراحت في عسل الرباب والمحراب حصنها الخالق مثل خندق وسده لا أحد يعرف أين الباب لا أحد يسأل أين الباب) (١). وفي موضع آخر يجعل الكلمات الباطنية والعبارات السوريالية والكشوفات الصوفية الإلحادية، يجعلها محرابًا، أي أن لها القداسة والمكانة العبادية، ثم يفتح باب التأويل الحداثي الباطني ويجعله فضاءً مفتوحًا ينسج من خلاله كل ما يريد، بعد أن يبطل بهذا التأويل دلالات اللغة وضوابطها، ومعايير الشريعة وقداستها، يقول بعد أن ذكر جملة من رموز التصوف والسوريالية: (الكلمات تتشكل محرابًا محرابا والفضاء ينسج التأويل) (٢). • المحرم: هو الممنوع شرعًا، وهو ضد الحلال (٣). وقد جعل الحداثيون نصب أعينهم العمياء استباحة المحرمات والتحرر

стр. 1824

منها، وإسقاط موازين الحلال والحرام، وانتهاك كل ما هو محرم، وهذا أصل من أصولهم وأساس من أسس فكرتهم وعقيدتهم. وقد ذكرت في مطلع هذا الفصل تحت عنوان "المدرك الثالث" هذا الأصل، وسردت شواهد عديدة من أقوالهم (١). • مدن الإسلام: شغف الحداثيون والعلمانيون بمدن الشرق والغرب، مدن الفكر الذي ينتمون إليه، ويؤمنون به، وتغنوا بمدائحها، وتحرقوا على العيش فيها، واستجدوا مرابعها العطاء والنماء، وبكوا على آثارها بكاء الهائم الولهان، وتفننوا في الإشادة بمعالمها، وتنافسوا في إطراء نواحيها. ولا غرابة في ذلك فإن من انتمى إلى عقيدة أحب أهلها وأحب الديار التي نشأت أو شاعت فيها هذه العقيدة. فكما نجد المسلم يحب مكة والمدينة والقدس ويشد إلى مساجدها المباركة الرحال، فإننا نجد أن الحداثي والعلماني يهيم حبًا بواشنطن وموسكو وباريس ولندن وبرلين وبكين وغيرها، ويشد إليها الرحال، ويعود مثقلًا بالآثام والأوزار، وجراثيم الأمراض الاعتقادية والخلقية. ولم يكتفوا بالإشادة ببلاد الكفر ومدن الطغيان بل توجهوا إلى مدن الإسلام شامتين هازئين ليكون ذلك دليلًا آخر من أدلة انفصالهم عن هذه الأمة، وبرهانًا آخر على عداوتهم لها. تقول نوال السعداوي التي خرجت في مظاهرة في أمريكا لتأييد الشذوذ الجنسي، (حين سافرت إلى مكة وقرأت الإعلانات فوق الجدران أهلًا بضيوف الرحمن، ومن وراء الجدار أرى الرجل والبنت كالغلام وثالثهما الشيطان) (٢).

стр. 1825

تدنيس مقصود، وكذب واضح، وادعاء يكذبه العقل والواقع، ولكنها أشربت حب الرذيلة كما أشربت بغض الإسلام، فقادها ذلك إلى الافتراء الصريح والانتهاك البغيض من غير حجة ولا بينة، إلّا مجرد الحقد الأعمى الذي جعلها ترى ما لا يرى لو كان الأمر واقعًا على الحقيقة!!. أمَّا الماركسي سعدي يوسف فإنه ينتهك اسم مكة بقوله: (لم يروا منك يا وطني غير أوراقهم ونساء المعارض أنت لهم مكة السائح الأجنبي وكحل العيون التي لا ترى) (١). أمَّا المقالح فيقول: (وتنطفي كل مساء لذة الشيطان والسجائر بغداد في صمت ومثلها الجزائر انتحرت في مكة المنائر) (٢). أمَّا بكين فإن المقالح يتمنى أن يمشي تحت قوسها في الساحة الحمراء (٣). أمَّا أدونيس فإنه يحشد مجموعة من أسماء مدن بلاد الإسلام ويجعلها مقابر ومشانق، وذلك في قوله: (دمشق القاهرة بغداد مكة الطريق ترفض الطريق وأقدامنا لا تتبعنا
следующие страницы →