فإنه يجعل الشيوعية الحمراء مئذنة، ويزعم أن الحرية تأتي منها، فيقول:
(من مئذنة الفجر الأحمر
من طين الخندق. . من رأس الخنجر. .
صوت ناري الأنفاس
الحرية!!) (١).
ومثله عبد العزيز المقالح الذي يتحدث عن بكين بوصفها شيوعية متمنيًا أن يمر من تحت قوس النصر في ساحتها الحمراء!!، ويبشر بمئذنة للشيوعية في اليمن، ويدلس وصفها بأنها "مدخنة" تكتب بالدخان بالعرق، وقد رأى أهل جنوب اليمن ماذا صنعت بهم الشيوعية التي تمناها المقالح، وماذا جنوا من ثمارها الشائكة الخبيثة!!، يقول المقالح:
(بكين، رغام البعد بيننا يا واحتي الأثيره
فإننا على لقاء
مشاعل المسيرة الكبيره
في ليلنا الضرير
كانت لنا، للزاحفين الشعلة الرجا
الأمل الكبيره. . .
واليوم في مدينتي تحتضن السحاب
يحتضن الألف
مئذنة شماء
стр. 1822
تكتب بالدخان بالعرق
قصتك الرائعة الرنين
قصة حب لا يضيع، لا يموت يا بكين) (١).
ونحو هذا قوله:
(ألمح وجهه الضاحك في حجارة المسجد في مآذن المصنع) (٢).
وحين يستعير رمز المئذنة للتبشير بالشيوعية، مدنسًا هذا الرمز، لا ينسى أن يلصق بالمآذن أوصاف الظلام والتخلف، وذلك في قوله:
(والمآذن لما تزل تتنهد، في قبضة الليل، تحت مخاوفها
تذكر اللَّه أكبر. . .) (٣).
وشبيه هذا المعنى قول ممدوح عدوان:
(في مئذنة يتململ فيها النور) (٤).
وذلك بعد أن ساق جملة من الأماكن التي يقرنها في سياق واحد مع المآذن بغرض التدنيس:
(في الحانات وفي الحارات وفي المبغى
في أجراس كنيسة حي مهجور
في مئذنة يتململ فيها النور) (٥).
стр. 1823
• المحراب:
وهو رمز للعبادة والصلاة والخضوع للَّه تعالى، يجعله الحداثيون رمزًا للتخلف والبطالة والضياع كما قال أدونيس:
(الأمة استراحت
في عسل الرباب والمحراب
حصنها الخالق مثل خندق
وسده
لا أحد يعرف أين الباب
لا أحد يسأل أين الباب) (١).
وفي موضع آخر يجعل الكلمات الباطنية والعبارات السوريالية والكشوفات الصوفية الإلحادية، يجعلها محرابًا، أي أن لها القداسة والمكانة العبادية، ثم يفتح باب التأويل الحداثي الباطني ويجعله فضاءً مفتوحًا ينسج من خلاله كل ما يريد، بعد أن يبطل بهذا التأويل دلالات اللغة وضوابطها، ومعايير الشريعة وقداستها، يقول بعد أن ذكر جملة من رموز التصوف والسوريالية:
(الكلمات تتشكل محرابًا محرابا
والفضاء ينسج التأويل) (٢).
• المحرم:
هو الممنوع شرعًا، وهو ضد الحلال (٣).
وقد جعل الحداثيون نصب أعينهم العمياء استباحة المحرمات والتحرر
стр. 1824
منها، وإسقاط موازين الحلال والحرام، وانتهاك كل ما هو محرم، وهذا أصل من أصولهم وأساس من أسس فكرتهم وعقيدتهم.
وقد ذكرت في مطلع هذا الفصل تحت عنوان "المدرك الثالث" هذا الأصل، وسردت شواهد عديدة من أقوالهم (١).
• مدن الإسلام:
شغف الحداثيون والعلمانيون بمدن الشرق والغرب، مدن الفكر الذي ينتمون إليه، ويؤمنون به، وتغنوا بمدائحها، وتحرقوا على العيش فيها، واستجدوا مرابعها العطاء والنماء، وبكوا على آثارها بكاء الهائم الولهان، وتفننوا في الإشادة بمعالمها، وتنافسوا في إطراء نواحيها.
ولا غرابة في ذلك فإن من انتمى إلى عقيدة أحب أهلها وأحب الديار التي نشأت أو شاعت فيها هذه العقيدة.
فكما نجد المسلم يحب مكة والمدينة والقدس ويشد إلى مساجدها المباركة الرحال، فإننا نجد أن الحداثي والعلماني يهيم حبًا بواشنطن وموسكو وباريس ولندن وبرلين وبكين وغيرها، ويشد إليها الرحال، ويعود مثقلًا بالآثام والأوزار، وجراثيم الأمراض الاعتقادية والخلقية.
ولم يكتفوا بالإشادة ببلاد الكفر ومدن الطغيان بل توجهوا إلى مدن الإسلام شامتين هازئين ليكون ذلك دليلًا آخر من أدلة انفصالهم عن هذه الأمة، وبرهانًا آخر على عداوتهم لها.
تقول نوال السعداوي التي خرجت في مظاهرة في أمريكا لتأييد الشذوذ الجنسي، (حين سافرت إلى مكة وقرأت الإعلانات فوق الجدران أهلًا بضيوف الرحمن، ومن وراء الجدار أرى الرجل والبنت كالغلام وثالثهما الشيطان) (٢).
стр. 1825
تدنيس مقصود، وكذب واضح، وادعاء يكذبه العقل والواقع، ولكنها أشربت حب الرذيلة كما أشربت بغض الإسلام، فقادها ذلك إلى الافتراء الصريح والانتهاك البغيض من غير حجة ولا بينة، إلّا مجرد الحقد الأعمى الذي جعلها ترى ما لا يرى لو كان الأمر واقعًا على الحقيقة!!.
أمَّا الماركسي سعدي يوسف فإنه ينتهك اسم مكة بقوله:
(لم يروا منك يا وطني غير أوراقهم ونساء المعارض
أنت لهم مكة السائح الأجنبي
وكحل العيون التي لا ترى) (١).
أمَّا المقالح فيقول:
(وتنطفي كل مساء لذة الشيطان والسجائر
بغداد في صمت ومثلها الجزائر
انتحرت في مكة المنائر) (٢).
أمَّا بكين فإن المقالح يتمنى أن يمشي تحت قوسها في الساحة الحمراء (٣).
أمَّا أدونيس فإنه يحشد مجموعة من أسماء مدن بلاد الإسلام ويجعلها مقابر ومشانق، وذلك في قوله:
(دمشق القاهرة بغداد مكة
الطريق ترفض الطريق
وأقدامنا لا تتبعنا
стр. 1826
نعرف هذه المقابر الأليفة
هذه المشانق التي تتدلى بعدد الأيام) (١).
ويُمكن هنا مقارنة أقواله هنا بما قاله عن البحر "الغرب" ومدنه، والفكرة المتوسطية، وعلاقة سوريا الكبرى بأوروبا، مما سبق ذكره وشرحه في الباب الأول عند الكلام عن التأثر بالديانات المحرفة.
أمَّا المدينة النبوية الشريفة المنورة فإنه يخصها بمقطوعة عنوانها "مدينة الأنصار" يصفها بالتخلف والاضطهاد والقسوة، وأنها ترد "مهيار"
وترجمة بالحجار، ومهيار يقصد به نفسه، وفكرته الحداثية، وفئته جنود المسيح الدجال الذين حرم اللَّه عليهم دخول مكة والمدينة، يقول أدونيس:
(لاقيه يا مدينة الأنصار
بالشوك، أو لاقيه بالحجار
وعلقي يديه
قوسًا يمر القبر
من تحتها، وتوجي صدغيه
بالوشم أو بالجمر
وليحترق مهيار) (٢).
أحرق اللَّه مهيار وأتباعه وجعل سعيهم في تباب، وكيدهم في ذهاب.
أمَّا محمود درويش "شاعر الأرض المحتلة" كما يحلو لهم أن يصفوه،
стр. 1827
فإنه يصف القدس بأوصاف مزرية، وذلك في قوله:
(ترسم القدس:
إله يتعرى فوق خط داكن الخضرة، أشباه عصافير تهاجر
وصليب واقف في الشارع الخلفي، شيء يشبه البرقوق
والدهشة من خلف القناطر
وفضاء واسع يمتد من عورة جندي إلى تاريخ مشاعر) (١).
أمَّا المقالح فإنه يصف صنعاء بأوصاف متناقضة هازئة متهالكة، عكس ما وصف به بكين أو موسكو، يقول:
(صنعاء
يا امرأة لا تفتأ حبلى
تزني أحيانًا
وأحايين تصلي، تتبتل
حينًا ترفض أزواجًا تأكلهم
وأحايين كثيرات تؤكل) (٢).
أمَّا بكين فيرسل إليها قبلة ويقول عنها:
(متى أمر تحت قوس النصر في ساحتك الحمراء
أرسم قبلة على الجبين
جبينك الأخضر يا بكين
стр. 1828
أطلق باسم اليمن الخضراء
حمامة بيضاء
متى أسير لو أمتار
في الدرب حيث سارت رحلة النهار
رحلة "ماو" والرجال والأنصار
رحلة كل الطيبين، متى؟
متى أراك يا بكين؟
منذ قرأت أول الحروف
وبي إليك يا أماه
حنين طفل تاه
أضاع أمه على طريق الوحشة المخوف
وبعدها أباه
ولم يعد، ما زال تائها تسحقه الظروف
حتى تراك مرة عيناه
بكين، رغم البعد بيننا يا واحتي الأثيرة
فإننا على لقاء
مشاعل المسيرة الكبيرة
في ليلنا الضرير
كانت لنا للزاحفين الشعلة الرجاء
стр. 1829
الأمل الكبير) (١).
ترى ماذا يُمكن أن يحكم عاقل على هذا الكلام والذي قبله؟ فصنعاء بلد الإسلام زانية، أمَّا بكين بلاد الشيوعية المادية فهي النهار والأم الحنون والواحة الأثيرة!!، أليس هذا دليلًا آخر على مقدار الانفصام والانفصال عن هذه الأمة المسلمة؟ ودليل الضلالة والعمالة؟.
• المسجد:
وهو المكان الذي أعد للصلاة فيه على الدوام (٢)، وهو أشرف البقاع في الأرض وأحبها إلى اللَّه تعالى.
وقد مرّ معنا في هذا الفصل موقفهم من الصلاة والركوع والسجود والمآذن لارتباطها جميعًا بالركن الثاني من أركان الإسلام، وكذلك كان موقفهم من المسجد.
فها هو أدونيس يعبر عن أمنياته الحداثية، في صيغة حديث عن تاريخ طاغية من الطغاة فيقول:
(وزلزل المكان
واهتزت البلاد مثل شجره
وسقط المسجد مثل ثمره
وسقط الزمان) (٣).
وفي مقطوعة أخرى يحشد جملة من أسئلة الشك والرفض لهدم الإسلام، وإشاعة الريبة فيه وفي تاريخه ورموزه ومنها سؤاله المتعلق:
(بوطن يعيش فوق الأرض، لكن خارج الفصول
стр. 1830
بالرفض بالسؤال
بالمسجد المهدوم، بالحجاج وهو يصلب المدينه
بعابد تجتره التكيه
بالخوف، بالتقيه
بقبة تجثم كالوطواط أو تهتز كالسفينة) (١).
ثم يعلن حربه لكل رموز الإسلام وشخصياته، وعلمائه، ويجعل المسلمين مجرد مقابر وأشباح وطقوس، ويتهكم بالكتب المسلمة والمساجد ويجعلها كنائس، في لهجة سباب وحقد طافح، يقول:
(لكوكب الغزالي
لهذه المقابر المبثوثة الأشباح والطقوس
في نفق الهواء والتاريخ، في الأقدام والرؤوس
لهذه الجدران
للكتب المدهونة الأوراق والرفوف
بالبطن والشهوة والأسنان
لهذه الأنصاب والأعلام والسيوف
لهذه المساجد الكنائس الدانية القطوف
لهذه الدروب، مرصوفة بالليل للتكايا
علامة الأسرار والغيوب
لكل هذا الزمن المكدس المشحون
بالرسل والسعار والطاعون) (٢).
стр. 1831
وهكذا تتضح حقيقة هذا الاتجاه، في موقفه من الإسلام وكل ما يمثله من عقائد وأفكار وأشخاص وأشياء، وإن ذلك ليعني بكل وضوح وجلاء أن القضية ليست قضية تجديد وتحديث بقدر ما هي قضية تهديم وتخريب.
وإن عاقلًا لا ينتظر من قوم هذه عقائدهم إلّا ما ينتظر من الطوفان الجارف والعاصفة المدمرة، والطاعون الوبيء.
ويعود -كلما حانت فرصة لهواه- إلى مهيار الدمشقي "ذاته وعقيدته" ويتمدّح بقدرته على الإحراق والهدم والتدمير، ثم يصف الجامع بالوقوف والتحير والجمود، في حين أن الطبيعة التي يعبدها من دون اللَّه تسافر وتتحرك وتتقدم، يقول:
(والجامع الواقف كي تسافر الطبيعه) (١).
وفي مكان آخر من هرائه المسمى ديوانًا، خرق لنفسه وأتباعه طقوسًا للافتراس، ومنها المسجد ويحذر منها قائلًا:
(تهيأي أيتها الملل، استيقظي يا قبائل!
هو ذا طقس الافتراس
هو ذا خاتم الطقوس:
جامع، سلطان، ديوان، مرآة، صورة
هيروغليفية مماثلة. . .
سراطين ضبان
زواحف من كل نوع تقتحم الأرض والإنسان يصطاد
السماء
إنه اللَّه.
стр. 1832
يتقدم
في جنس
حيواني
يتخلف) (١).
سبحان اللَّه وبحمده، سبحان اللَّه العظيم.
أمَّا الملحد الجزائري رشيد بو جدرة، والذي قال عن نفسه بصراحة: (أنا الملحد) (٢)، ونظيره البربري المعادي للإسلام والعربية كاتب ياسين والذي يتمنى أن اسمه كاتب لينين (٣)، ويرى أن هذه التسمية شرف له (٤)؛ فإنهما يريان أن تشييد المساجد وبناء الجوامع القائم على قدم وساق في الجزائر -حسب قولهم- هو دليل تخلف وانحسار ورجعية (٥)، بل هو نفق صغير يعسر الخروج منه حسب تعبير كاتب ياسين (٦).
أمَّا الماركسي الآخر، والرائد الثاني من رواد الحداثة "عبد الوهاب البياتي" فإن استخفافه بالمسجد يجيء على نحو آخر وذلك في قوله:
(المسجد المهجور، والليل الموشح بالنجوم
تتثاءب الأشباح في أبعاده، ويحوم بوم
طلل وبوم) (٧).
ونحو هذا القول قول سعدي يوسف:
стр. 1833
(من مساجد تلك القرى وهي تنهار في ليلها المطمئن) (١).
أمَّا صلاح عبد الصبور فإنه يصف أحدهم بأنه يدعو، ولكن من المدعو؟ إنه إله النعمة الأمين، وهي تسمية تهكمية واضحة المغزى، وبم يدعو؟ أن يرعاه حتى يصلي ويزكي ويبني مسجدًا وكنيسة وخانًا، في مزيج تدنيسي استهزائي جلي المقصد والمعنى (٢).
أمَّا النصراني يوسف الخال فإنه يمت إلى بني ملته في الغرب بكل صلة، إلى حد أنه جعل لفكرهم المادي، ومذاهبهم الهدامة في كل جارحة مصلى، لم يستطع من فرط شغفة وحبه لأهل عقيدته أن يخفي مشاعره الفياضة، في الوقت الذي هاجم فيه أبناء المسلمين وبلادهم وديارهم ومساجدهم وامتدح الصلبان والأوثان والجاهلية المعاصرة، يقول الخال:
(شعاع الغرب أي شعاع خير له في كل جارحة مصلى
مددت يدًا نصافحها وفاءً فأنت أحق من يوفي وأولى) (٣)
ويقول محمد الماغوط واصفًا الوحل الذي ينقله القطار العائد من الحرب:
(ينقل في ذيله سوقًا كاملًا
من الوحل والثياب المهلهلة
ذلك الوحل الذي يغمر الزنزانات
والمساجد الكئيبة في الشمال) (٤).
ولماذا لم يقل أنه يغمر الحانات والمراقص والمجالس النيابية العلمانية؟؛ لأن هذه المواخير الخلقية أو السياسية أغلى عنده وأعز من
стр. 1834
المساجد التي يلوثها بهذا الوحل ويصفها بالكآبة، وكما يصف بن جلون المساجد بأنها مجال تسكع الشيوخ (١) يصفها كذلك نزار قباني في قوله:
(نقعد في الجوامع تنابلًا كسالى
نشطر الأبيات، أو نؤلف الأمثالا
ونشحذ النصر على عدونا من عنده تعالى) (٢).
ويشبه معشوقته الدنسة بالمآذن والجوامع فيقول:
(ألاحظت كم تشبهين دمشق الجميلة
وكم تشبهين المآذن والجامع الأموي ورقص السماح
وخاتم أمي) (٣).
• المعجزة:
ما يظهر على يد النبي من أمور خارقة للعادات (٤)، وقد سبق الإشارة إلى موفقهم من النبوة والنبوات ومن الرسل الكرام فى فصل مستقل بذلك (٥).
ومن تدنيسهم لمصطلح المعجزة قول محمود درويش:
(صليت من أجل ساقين معجزتين) (٦).
وقوله:
(. . . يرسم جسدًا مزدحمًا بالوطن المطحون
стр. 1835
في معجزة الخبز) (١).
• المقدس:
كل منزه عن النقص والعيب، وقد سبق في مطلع هذا الفصل بيان موقفهم من المقدس عند المدرك الثالث والذي فيه أن من أصولهم "تدنيس المقدس" (٢).
• الملائكة:
سبق الحديث عنهم في فصل خاص بهم ﵈، وهو الفصل الأول من الباب الثاني (٣).
• النبوة والأنبياء:
وقد سبق الحديث عن ذلك في فصل خاص، بعنوان الانحرافات المتعلقة بالرسل ﵈ وهو الفصل الثالث من الباب الثاني (٤).
• الهجرة:
هي الانتقال من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، وقد مر عند ذكر الشخصيات كلامهم المدنس عن هاجر أم إسماعيل ﵇.
ومن أقوالهم في هذا قول محمود درويش عن محبوبته:
(عيناك يا معبودتي هجرةٌ
بين ليالي الجحد والانكسار) (٥).
стр. 1836
• الهلال:
يرمز به للإسلام وأهله؛ لأن عباداتهم مبنية على الأهلة؛ ولذلك توجه أدونيس إلى هذا الرمز بعداوته المعهودة قائلًا:
(اليوم ووجه الأرض هلال
اليوم سنقتل هذا العصر) (١).
وكما أن الهلال شعار المسلمين فالصليب شعار النصارى، وقد مر معنا في الفصل الرابع من الباب الأول مقدار تأثرهم بالنصرانية وارتمائهم في مفاهيمها ورموزها وخاصة الصليب، ثم الخطيئة والتكفير، والتثليث.
وكذلك تأثرهم باليهودية وانتشار رموزها بينهم مثل المزمور والإصحاح وسفر التكوين وتأثرهم بالوثنية وخاصة رموز وأسماء الأوثان: عشتار، وأدونيس، وتموز.
• الوعظ:
وهو التذكير بالخير بما يرقق القلب، والتذكير بما يردع عن الشر من الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب (٢).
وقد عبثوا بهذا المفهوم الخيّر عبثهم بكل فضيلة، واعتبروا التحرر من الوعظ والواعظين تقدمًا وعصرانية، يقول أدونيس عن نفسه:
(أصعد أتفجر
ألبس الهدير والتهدج
أتموج بالرعب
أتحرر من التوبة، العظة، العودة
أتحرر من الصبر
стр. 1837
من دمي والتاريخ الراقد فيه) (١).
إنه باختصار ينسلخ من كل ما يمت إلى هذه الأمة بصلة، ويفاخر ذلك ويعتبره صعودًا وتفجرًا ونهضة، ومما يؤسف له أن عمي العقول والقلوب يصفقون له وبه يقتدون!!.
أمَّا نزار قباني فإنه يعتبر المواعظ سمًا، ويعتبر الذين لم يسمعوها أنقياء!! (الأنقياء الذين لم يتسمموا بعد بمواعظنا وأقوالنا المأثورة) (٢).
ولذلك جعل من علامات التخلف حسب رؤيته الشعوبية وعقيدته المادية استماع المواعظ، وذلك في قوله:
(ما زلنا منذ القرن السابع
خارج خارطة الأشياء. . .
ما زلنا نقظم كالفئران
مواعظ سادتنا الفقهاء) (٣).
ويسوق عبد الرحمن منيف موعظة يتقدم بها أحدهم للآخر في صيغة تهكمية، ثم يعقبها بأن الواعظ يضحك بسخرية من كلامه ووعظه الذي قدمه (٤).
• اليقين:
هو الجزم بالشيء، وضده الشك (٥)، وهو العلم الذي لا شك معه (٦).
ودين الإسلام يقوم على اليقين القاطع بالبرهان الجازم والدلائل الثابتة
стр. 1838
في حقيقته، وفي اعتقاد المؤمنين به؛ ولذلك وقف أهل الحداثة ضد مفهوم "اليقين" وحاولوا تدنيس صفائه بالشبهات الباطلة والأراجيف الكاذبة، بل حاولوا إزحة هذا المفهوم بالكلية فأصلوا لذلك أصلًا هو أنه: (ليس هناك حقائق مطلقة، وليس هناك يقين قاطع) وخاصة فيما يتعلق بالدين عقيدة وشريعة، ولذلك اعتنقوا بعبودية كاملة مذهب الشك الديكارتي وقدسوه وجعلوه منطلقًا من أساسيات منطلقاتهم.
وفي هذا المعنى يقول كاهنهم أدونيس (لم تعد هناك حقائق مطلقة، ولا أشكال ثابتة) (١).
ويجترئون بكل وقاحة على العلم والعقل ويقولون: (إن العلم المعاصر لم يعد ينظر إلى "الحقيقة" على أنها كيان بسيط وهوية متجانسة يُمكن عزلها وفصلها عما عداها، ومن ثم القبض عليها نقية من كل الشوائب بحيث يُمكن وضعها في حقل مستقل، والنظر إليها منفصلة عن سواها. . . إن الحقيقة مفهوم شديد التعقيد وعرضة للتغير) (٢).
ولو أن الأمر كما يزعم هذا الواهم الجازم، لما سارت الحياة في شعبها العديدة، ولأضحى البشر يتخبطون في شعاب الأوهام بلا طائل ولا غاية.
وإذا كان هذا يؤمن بالعلم المعاصر فأين هو عن الحقائق التي أثبتتها المكتشفات والمخترعات، والتي أصبحت عند الناس من الحقائق الثابتة الجازمة؟ ثم هو في نفيه وقطعه بعدم وجود حقيقة منفصلة، أليست هذه عنده حقيقة قاطعة جازمة؟! وهذا القول يذكرنا بمذهب السوفسطائيين، ولا غرو أن يكون القوم بهذا المستوى من الضحالة والجهل والضلال، فهم قد حاربوا الحقائق واليقين، واعتنقوا الحداثة التي هي (وعي المتاهة إذ
стр. 1839
تغدوا المتاهة هي الحقيقة الواقعية الوحيدة، بعد أن مات الإنسان بموت اللَّه عبر قرن من تلاشيه التدريجي) (١).
سبحان اللَّه الحي القيوم.
فهم مع فرارهم من إثبات أي يقين أو أي حقيقة، يؤمنون بأوهام المتاهات وسراب الضياع والعدمية، وهذا هو أبعد آفاقهم، وأرفع قاماتهم، وفيه خير دليل على هوانهم وحقارة مبادئهم وأفكارهم.
خذ من ترهاتهم هذا المثال الذي سطره أحدهم: (بين أكوام الكلام الذي قرأته عن سلمان رشدي وروايته "الآيات الشيطانية" في صحف العالم المختلفة طوال الأسابيع الماضية، صفعني قول للمخرج السينمائي الراحل، الأسباني الأصل، لويس بونويل يقول: "إنني أعطي حياتي لأي إنسان يبحث عن الحقيقة، لكنني على استعداد؛ لأن أقتل أي إنسان يعتقد أنه وجد الحقيقة) (٢).
فوعي المتاهة عندهم حقيقة، وكلام الأسباني أو الفرنسي أو الأمريكي حقيقة، وسخرية المرتد سلمان رشدي بالإسلام بحث عن الحقيقة، أمَّا الإسلام فليس حقيقة، وليس يقينًا، وهذا ما صرح به أدونيس في مطالبته بـ (وضع هذه الثقافة "يقصد الثقافة العربية الإسلامية" بأصولها الدينية والإلهية موضع تساؤل أو شك أو رفض) (٣).
وهذا هو غايتهم في طرح هذه الشبكة الشائكة المتداخلة من الشكوك والأوهام والخبط والاضطراب. وفي إحدى جلسات ندوة الإسلام والحداثة يعقب أحدهم على ورقة بعنوان "حرية المسلم وشمولية الدين" فيقول: (إنني رجل علماني وبطبيعتي لا ديني، أحترم معتقدات الآخرين الدينية، لكنني
стр. 1840
لا أقر من بالدين، ولست مؤمنًا، إني إنسان قبل أن أكون مسلمًا أو عربيًا أو فلسطينيًا) (١).
وقبل هذا شرح أصل نظرته العلمانية في الموقف من الحقيقة قائلًا: (الموقف العلماني يقول بالحقيقة الصغيرة المحلية القائمة على التحليل والحجة والفعل والبرهان، ولا ينبثق من حقيقة شاملة كلية تنبثق من نص مقدس ومن كلمة إلهية. . .) (٢).
هنا يُمكن ملاحظة أن نفي الحقيقة عن الإسلام والوحي هو المعتمد الأصلي والمقصد الحقيقي، في مقابل إثبات الحقيقة القائمة -حسب دعواهم- على التحليل والحجة والعقل والبرهان، لمن هذه كلها؟ إنها للعلمانية اللادينية!! والتي هي أبعد في حقيقتها وواقعها وممارستها عن هذه الأوصاف التي أُغدقت عليها، إغداق الجاهلى أوصاف حبه وعشقه ورجائه على الوثن المعبود من دون اللَّه!!.
بيد أنه ينبغي الالتفات إلى أن بعضهم يتطرف فينفي أي يقين وأي حقيقة، وبعضهم يخص بنفيه ما يتعلق بالدين، بل يخص دين الإسلام من بين الأديان، وكلا المسارين يصبان في مقصد واحد هو إسقاط وتهديم الدين جملة وتفصيلًا.
وممن سلك المسلك الأول جابر عصفور، الذي يتحدث عن الإسلام والحداثة، ملغيًا الإسلام وساعيًا في تهديم أصوله ومبانيه من خلال الأغاليط والأكاذيب والجهالات المتراكمة لديه، في نبرة خطابية، وصيغة تدميرية، وحقد أعمى، وساعيًا في الوقت ذاته إلى إقامة صروح الرماد الحداثي، وترسية أعمدة الأوهام العلمانية، وتعميق أركان السراب المادي الإلحادي، وبعد أن ساق جملة من المقارنات الخاسرة تحدث عن الحداثة بأنها تنظر إلى الإنسان باعتباره إلهًا (إنه الفاعل الذي يحرك زمنه بتمرده، وبما يمارسه من حريته التي تجعل منه صانع تاريخه في زمان يتقدم ولا ينكص، يتطور
стр. 1841
ولا يتخلف. . . حيث يضيف السابق إلى اللاحق لا على سبيل الائتساء والاتباع بل على طريق الابتداع والانقطاع، وإذ ينفي هذا الفهم عن خطاب الحداثة الثنائية الخبرية، الملازمة لمقولتي الزمن والإنسان، فإنه ينفي الثنائية المتضمنة لعلاقة الأعلى والأدنى. . . وينتفي معنى الحقيقة الجاهزة، القبلية السابقة الصنع، التي ينقلها الأعلى إلى الأدنى، ويحل محله مقابل لحقيقة نسبية، متغيرة، في حالة صنع دائم، تتشكل في خطاب حواري، يسهم كل أطرافه في إنتاجه) (١).
لماذا كل هذا الدوران والتلاعب بالألفاظ؟ ولماذا الاستتار خلف الألفاظ الموهمة والعبارات الملتبسة؟ ألا يستطيع أن يقول بصراحة أن الحداثة تنفي علاقة الإنسان بربه، بدلًا من قوله أنها تنفي علاقة الأعلى والأدنى؟ ثم ألم يكن ممكنًا له أن يقول بجلاء بأن الحداثة ترفض قبول الدين والوحي، بدلًا من قوله: إنها تنفي معنى الحقيقة الجاهزة القبلية السابقة الصنع؟ لقد كان بإمكانه أن يقول ذلك بصراحة، ولكنها خطة "خداع المصطلحات" و"أضاليل العبارات" و"أباطيل المفاهيم" إنها الخطة القديمة الجديدة التي يعتمد عليها بنيان النفاق: الخداع والكذب الرياء، كما قال اللَّه تعالى عنهم: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ (٢).
فهم حين يظهرون الإسلام واحترامه، ويبطنون البغض والعداوة له، يحسبون أنهم يخادعون اللَّه والمؤمنين، ولكنهم في حقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم وهم يظنون في أنفسهم الذكاء والدهاء والقدرة على الخداع والمراوغة والتلاعب والاحتيال، غير أن الواقع يشهد بأنهم لا يخدعون إلّا أنفسهم المريضة وأذهانهم الكليلة، وقال اللَّه تعالى عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾ (٣).
стр. 1842
وقال -جَلَّ ذِكرُهُ-: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (١).
وجاء في بعض الآثار عن السلف: "رأس النفاق الذي ينبني عليه النفاق الكذب" (٢).
(زرع النفاق ينبت على ساقيتين، ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين، عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربع، استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار فإذا شاهدوا سبل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق، أن حواصله التي حصلها كانت كالسراب ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾) (٣)(٤).
نعم ليسوا سواء في دركات الحداثة والعلمانية، فبعضهم يتوارى خلف العبارات والمبهمات من المعاني، وبعضهم يصرح ويرسل نتن فكره على الناس ويكشف سوأته للناظرين، ومن ذلك انتقاد العلماني الملحد عادل ظاهر للعلماني المتواري حسن حنفي حيث قال: (لدي ملاحظة حول محاضرة الدكتور حسن حنفي وتعليقان، والملاحظة تتعلق بقوله: إن العلماني يفترض بأن النص الديني مطلق أو ما أشبه بذلك، الواقع إنني أعجب كل العجب من هذا الكلام، كيف يُمكن للعلماني أن يقول مثل هذا الكلام، إذ ليس هناك من شيء مطلق عند العلماني إطلاقًا، إن السمة الأساسية للعلماني -إن كنت هناك سمة أساسية له- هى نفيه لإمكان أن يكون أي شيء "مطلقًا") (٥).
стр. 1843
ولعل عادل ظاهر لم يدرك المرمى الذي رمى إليه حسن حنفي من إطلاق هذه العبارات الإبهامية، أو أنه أدرك ولم يرد أن يكون صاحبه بهذا المستوى من التواري والاجتنان!!.
وقد أجاب حسن حنفي على اعتراض صنوه عادل ظاهر بقوله: (عندما قلت بأن العلمانيين يتصورون بأن النص مطلق "المراد نص القرآن والسنة" كان في ذهني أن نقد العلمانيين لما يقوله السلفيون بأن النص مطلق هو نقد صحيح، وبالفعل فإن النص -كما حاولت أن أبين- هو متداخل في الزمان والمكان وفي المجتمع ومع الأشخاص، وهذا مجرد إسراع في التعبير، أما في ما يتعلق بخطورة ذلك على الإيمان، فنحن قد ورثنا إيمان المسلم عبر التاريخ. . . فأنت تعني الإيمان السلفي التأريخي والمتوارث عبر التاريخ، وهو الشيء الذي تخافه عليّ، لذلك فإن إيماني يكفرني، كما أنه يكفرك أيضًا) (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ (٢).
وما زلنا في ميدان نفيهم لليقين والحقيقة الذي يعتبرونه من أهم منجزاتهم، كما يقول المتفرنس أركون (من منجزات الحداثة العقلية ألا وهو نسبية الحقيقة، ونسبية الحقيقة تتعارض جذريًا مع مطلق الحقيقة أو الاعتقاد بوجود الحقيقة المطلقة كما ساد سابقًا في كل الأوساط الدينية) (٣).
وفي هذا القول وأشباهه تداخل قوي مع المذهب السوفسطائي فهم ينفون وجود حقيقة مطلقة، وهذا نفي مطلق وحقيقة مطلقة لديهم ويقين ثابت عندهم!!.
لكنهم في عماية حقدهم على الإسلام المستهدف بنفيهم لليقين
стр. 1844
والحقيقة لم يفطنوا إلى ذلك ولا إلى الأوهام المادية الإلحادية التي اعتنقوها على أنها حقائق وثوابت ويقينيات، ومن أظهرها قولهم بنسبة الحقيقة، وقولهم بالتطور المطلق وعدم الثبات.
وبعضهم لم يستطع تجاوز أنهم يقررون أمورًا يعتبرونها حقائق ثابتة، كما قال العلماني المستغرب هشام شرابي: (إن الحقيقة الكلية الشاملة التي ميزت وعي ما قبل الحداثة "الخطاب الأبوي التقليدي" تذوب ويحل محلها حقيقة من نوع آخر، حقيقة تنبثق عن وعي محدد ومن ممارسات إنسانية اجتماعية محددة، ومن نشاطات حرة خلاقة، لا من وحي إلهي أو من حقيقة أزلية) (١).
ويُمكن أن نلاحظ التعبير الكنسي "البابوي" الذي سيطر على هذا العلماني في بحثه المتقدم في ندوة الإسلام والحداثة بحيث ذهب في شعاب العلمانية، ينفي السلطة الأبوية كما تلقى ذلك عن فلاسفة الغرب الذين قالوا بنفي السلطة الأبوية، أو البابوية الكنيسية في خضم الصراع الطويل مع الدين المنحرف والكنيسة الظالمة، ثم يأتي هذا المقلد متطاولًا بهذه المعاني على أساس أنها من بنات فكره، وقد ذكر هذه الخاصية الموجودة لدى الحداثيين أحد نقاد الحداثة في كلامه عن أحد المؤلفين الحداثيين ويبين (أنه اقتطع بعض أجزاء متفرقة من الكتاب الأجنبي ثم ترجمها مع بعض التصرف أو الاختصار ثم ربط بين هذه الأجزاء المبعثرة بطريقة الربط التي شاعت في كثير من الكتب خلال العشرين عامًا الماضية، وهي طريقة يعلم الكافة الآن أن لها خصائص محددة، من بينها إنك يا عزيزي القارئ ينبغي أن تضرب رأسك في الحائط حتى تفهم، وإذا لم تفهم فهذا أفضل، لأنك في هذه الحالة لن تكتشف طريق التزوير التي لجأنا إليها، وستظل تحس بالقصور تجاه هذه العلوم الجديدة التي لا يفهمها إلّا جنس ثالث من المثقفين الذين لا يمتون إلى العرب ولا إلى العجم بأية صلة!!) (٢).
стр. 1845
وكما أثبت شرابي إيمانهم بالحداثة والعلمانية كحقيقة، مع نفيهم وجود أي حقيقة مطلقة، فكذلك فعل أنسي الحاج الذي قرر بكل جرأة بأن (الشعر هو الحقيقة) (١).
وهو القائل في مكان آخر مادحًا أستاذه أو قل تلميذه: (أفضل ما في الشيطان أنه على عكس أهل التعصب لا يدعي امتلاك الحقيقة) (٢).
يُمكن هنا ملاحظة التناقض بوضوح بين القولين، ولكن ذلك لا يهم في سوق الحداثة؛ لأنها حداثة الفوضى والجنون والتخريب والهدم والنسف والعبث كما اعترفوا بذلك مفاخرين!!.
أمَّا معين بسيسو فإنه يصور أن الحقيقة والحق لا تكون إلّا كفرًا، أو أنها لا تكون إلّا ماركسية على نحو ما كانوا يسمون الصحيفة الناطقة باسم الحزب في موسكو "البرافدا" أي الحقيقة، ثم اتضح للناس أن هذه التسمية ليست إلا على غرار تسمية العرب القدماء الأعمى بصيرًا والملدوغ سليمًا!!.
يقول بسيسو:
(إنني أكتب الحقيقة لكن ثورة الحق في بلادي كفر) (٣)
أمَّا عبد العزيز المقالح التائه ما بين الشيوعية الماوية الصينية والبعثية والناصرية، ثم أخيرًا في سراديب الليبرالية الأمريكية، فإنه لم يصل إلى الحقيقة ولم يعرفها كما سجل ذلك في مقطوعته "الحقيقة" ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (٤)، ومما قاله في هذه المقطوعة:
(تتبعت آثار أقدامها في المغارات
فوق المحيطات عبر جميع البلاد
стр. 1846
سألت الملايين من عاشقيها. . .
تراءت لعيني عمودًا من النور خلف ظلال المساء
على صفحات كتاب قديم
بعيني فتاة تصلي
بوجه دميم
بمنقار عصفورة تذرع الحقل
في دمع طفل يتيم
تقربت منها تلاشت
وعذبني هجرها المستديم. . .
وفتشت عنها عيون النهار وقلب المكان
فلاحت على البعد لكنها كالشهاب
اختفت من جديد
فعدت كما كنت، عاد الشريد
وعمري قصير، ودربي إليها بعيد بعيد) (١).
قال اللَّه تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢).
أمَّا الباطني أدونيس فإنه مع نفيه لوجود حقيقة كما سبق ذكره (٣)، إلّا أنه يعترف بوجود حقيقة، كيف ذلك؟! هكذا هو جُبُّ الحداثة يجمع كل المتناقضات!!.
стр. 1847
ثم يتبرعون بالأوصاف الخالبة كقولهم: "حيوية فكرية، تجديد ثقافي، حوار أفكار" إلى آخر ما هنالك من الدعاوى والأباطيل، يقول أدونيس في حديثه عن "التماهي" والاتحاد والوحدة الصوفية السوريالية الوثنية (الصوفية سوريالية تقوم على البحث عن المطلق والتماهي أيضًا معه. . . إن الحقيقة في مثل هذه اللحظة لا تجيء من خارج من الكتاب أو الشرع أو القانون أو الأفكار والتعاليم وإنّما تجيء من داخل، من التجربة الحية من الحب ومن التواصل الحي مع الأشياء والكون) (١).
إنه يريد عسف الأمور كلها وجعلها في حقل الباطنية، الملة التي نشأ عليها وترعرع، ولذلك أثبت هنا الحقيقة، وفي زمن الشعر نفى وجود الحقيقة.
ونفى اليقين في موضع آخر قائلًا:
(أعوذ بأسمائنا من علم اليقين
اليقين شرك الضمائر
والمعرفة أن تعلم - وتجهل) (٢).
وسوف يكون لهم يوم يقولون فيه ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ (٣).
أمَّا أهل اليقين والإيمان فإنهم يمتثلون أمر اللَّه تعالى لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ (٤).
• اليوم الآخر وما يتعلق به:
سبق الحديث عن ذلك في فصل خاص بذلك (٥).
стр. 1848
الفصل الثاني محاربة الحكم الإسلامي والدعوة إلى تحكيم غيره
(تحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة اللَّه وحده دون ما سواه) (١) فكما أمر بعبادته وحده لا شريك له فقد أمر بتحكيم شرعه وحده دون غيره، وكما يقع الإشراك في العبادة يقع في الحكم، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢).
وهذه القضية قاعدة محكمة وأصل ثابت وأساس مكين في هذا الدين، وليس الخلاف فيها -من حيث حقيقتها وأصلها وحكمها- مما يسوغ فيه الخلاف، أو يتسع فيه النظر والاجتهاد.
فكما أنه لا يتسع الخلاف في قضية العبادة في الصلاة لغير اللَّه والركوع أو السجود أو الدعاء فكذلك لا يتسع الخلاف في قضية الحكم (إذ مضمون الشهادتين أن يكون اللَّه هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون
стр. 1849
الرسول ﷺ هو المتبع، المحكم ما جاء به فقط) (١).
إن أمر الحكم بما أنزل اللَّه تعالى واجب على الأعيان لا مرية في ذلك ولا اشتباه، بل هو من المحكمات البينات في دين الإسلام، لتعلقه بأصل الدين، وارتباطه بالإيمان باللَّه رب العالمين.
قضية الحكم بما أنزل اللَّه تعالى ليست من القضايا التي يُمكن التعامل معها على أساس اختياري، بل هي قضية ملزمة لا يثبت عقد الإسلام ابتداءً إلَّا بوجودها، وقضية ينقسم الناس عندها إلى مؤمنين وكافرين، وموحدين ومشركين، فمن حقق هذه القضية مع الأركان الأخرى فهو المؤمن الموحد، ومن جحدها أو شك في لزومها فقد نقض عقد الإسلام وخلع ربقة الإسلام من عنقه، إذ القبول لها قبول بالإسلام، والمماراة فيها أو التردد في قبولها أو الارتياب في وجوبها، مماراة وتردد وارتياب في الإسلام نفسه.
وتقوم هذه القضية العظيمة على عدة أسس:
الأول: أن اللَّه هو خالق الإنسان والحياة، ومن خلق وأوجد من عدم فله حق الأمر وتجب له الطاعة ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢)، فمن رضي باللَّه ربآ وأقر بأن اللَّه تعالى هو الخالق المالك المتصرف وجب عليه أن ينصاع لأمره وبصدق بخبره، وهي حقيقة الرضا باللَّه ربًا، تتجلى في الإقرار بالأمر الكوني والشرعي للَّه العلي ، وفي الإقرار للَّه تعالى بأمره وتدبيره الكوني القدري، والإقرار والتسليم لأمره وتدبيره الشرعي، فمن أقر بأن اللَّه خالق مالك متصرف ولكنه جحد أن يكون له الحكم والتشريع، فإنه قد تناقض في إقراره بالربوبية وجحده للألوهية، ولا ينفعه ذلك، بل قد حل عقد الإسلام من نفسه، وخلع ربقة الدين من عنقه.
وهذه القضية هي التي حصل فيها النزاع بين الرسل وأتباعهم وشياطين الإنس والجن وأتباعهم، فأكثرهم يقر بأن اللَّه خلق الخلق وبيده الملك والتصريف للكون والحياة والإنسان، ولكنه ينازع في حق اللَّه تعالى في الأمر
стр. 1850
الشرعي ويدعي -بلسان حاله أو مقاله- أن له المشاركة مع اللَّه -جلَّ وعلا- في وضع الشرائع والمناهج.
وصفوة القول في هذا المقام أن توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن اللَّه هو الخالق وحده والمالك والمتصرف وحده لا يستقيم في قلب إنسان إلّا إذا أقر بأمر اللَّه الشرعي، وأيقن أن للَّه وحده السيادة العليا والتشريع المطلق، وله الطاعة المطلقة والأتباع والقبول، فلا دين إلّا ما شرعه اللَّه ولا حلال إلا ما أحله اللَّه ولا حرام إلّا ما حرمه اللَّه، ومن أجاز للناس اتباع شريعة غير شريعته، أو استحل ذلك أو رأى أن شريعة غير اللَّه مساوية لشريعة اللَّه أو أفضل منها فهو كافر مشرك ولو صلى وصام وحج وزكى وبنى المساجد وتصدق وزعم أنه مسلم.
الثاني (١): إن الأمم الكافرة التي أرسل اللَّه إليها الرسل كانت تؤمن بربوبية اللَّه تعالى، وتؤمن بوجوده، وتؤمن بأنه خالق كل شيء ومالك كل شيء والمتصرف في كل شيء، ومع ذلك أرسل اللَّه إليهم الرسل وأنزل الكتب؛ وعلة ذلك أنهم مع إقرارهم بالربوبية والخلق والتدبير الكوني، كانوا يجحدون حقه -جلَّ وعلا- في الأمر والحكم الشرعي، وكانوا لا يفردونه سبحانه في هذا، بل يتخذون معه أو دونه أربابًا من الأصنام أو الآلهة الباطلة أو الأعراف والتقاليد، أو النظم أو الأحبار والرهبان أو غير ذلك من الأنداد والشركاء؛ لأجل هذا بعث اللَّه الرسل وأنزل الكتب وحصل الصراع الطويل بين الفئتين؛ وسبب ذلك أنهم لما نازعوا في الأمر الشرعي، وردوا حكم اللَّه وشريعته كانوا في الحقيقة منازعين في ربوبيته؛ لأن مقتضى الإقرار بالربوبية يلزم منه الالتزام بشرع الرب الخالق المالك المتصرف، ومن اعتقد أن اللَّه تعالى خالق الناس وجب عليه أن يلتزم بالتحاكم إلى شرع خالق الناس، فكما أن الخلق كله للَّه وحده لا ينازعه فيه أحد، فإن الأمر كله للَّه لا يشاركه فيه أحد ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).
стр. 1851
ولو كانت تلك الأمم المقرة بربوبية اللَّه تعالى تُعتبر عند اللَّه تعالى أممًا مسلمة لما أرسل اللَّه إليها الرسل، ولما سلط عليهم رسله وعباده في الدنيا، وأنزل عليهم عقوبته ومقته وغضبه، ولما توعدهم بالعذاب والخلود في نار جهنم أبد الآبدين.
بل إن اللَّه تعالى أخبرنا أن هؤلاء الذين يجحدون الحق ويكذبون الرسل ويردون أمر اللَّه الشرعي مع إقرارهم بالربوبية، ليسوا سوى مشركين، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُوبون (٩٠)﴾ (١).
وقال -جَلَّ شَأنُهُ وتَقَدَّسَتْ أَسمَاؤُهُ-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٣)﴾ (٢).
وقال : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ (٣).
стр. 1852
فمع إقرارهم بالربوبية ولوازمها إلا أنهم عند اللَّه تعالى ما زالوا مشركين كافرين.
الثالث: وجوب التفريق بين حقيقة الألوهية، وماهية النفس البشرية، وهذا الفصل بين القضيتين هو أساس إيمان المؤمنين، كما أن عدم الفصل بينهما هو أساس كفر الكافرين وإشراك المشركين.
فاللَّه تعالى له الصفات العليا التي لا يشابهها صفات، متفرد في كماله وجلاله، عظيم في صفاته وأعماله، ليس فيه نقص، فهو الكامل الكمال المطلق، وليس فيه عيب، فهو المنزه عن كل النقائص والعيوب، (يدبر أمر الممالك ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويقضي وينفذ، ويعز ويذل، ويقلب الليل والنهار ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول،. . . والرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعد إليه بالأمر ونازل من عنده به، وأوامره ومراسيمه متعاقبة على تعاقب الأيام (١)، نافذة بحسب إرادته، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدم ولا تأخر، وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته، يقلبها ويصرفها ويحدث فيهما ما يشاء، وقد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ووسع كل شيء رحمة وحكمة، ووسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على كثرة حاجاتها، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات، وأحاط بصره بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر. . .، له الخلق والأمر وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة. . . شملت قدرته كل شيء، ووسعت رحمته كل شيء ووسعت نعمته كل حي. . . يغفر ذنبًا ويفرج همًا، ويكشف كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا،
стр. 1853
ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتلى، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا، ويقصم جبارًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويؤمن من روعة، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين، ولا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور: لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، يمينه ملأى لا تغيضها نفقة سحاء الليل والنهار،. . . قلوب العباد ونواصيهم بيده، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره، الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه. . .
ولو أن أشجار الأرض كلها -من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا- أقلام والبحر وراءه سبعة أبحر تمده من بعده مداد، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لفنيت الأقلام ونفد المداد ولم تنفد كلمات الخالق ﵎، وكيف تفنى كلماته ﷻ وهي لا بداية لها ولا نِهاية؟ والمخلوق له بداية ونهاية فهو أحق بالفناء والنفاد، كيف يفني المخلوق غير المخلوق؟ هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس دونه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، ﵎، أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأولى من شكر، وأنصر من ابتغى، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأعفى من قدر، وأكرم من قصد، وأعدل من انتقم، حلمه بعد علمه، وعفوه بعد رحمته، ومغفرته عن عزته، ومنعه عن حكمته، وموالاته عن إحسانه ورحمته، هو الملك لا شريك له، والفرد فلا ندّ له، والغني فلا ظهير له، والصمد فلا ولد له، ولا صاحبة له، والعلي فلا شبيه ولا سمي له، كل شيء هالك إلَّا وجهه، وكل ملك زائل إلّا ملكه، وكل ظل قالص إلَّا ظله، وكل فضل منقطع إلَّا فضله، لن يطاع إلَّا بإذنه ورحمته، ولن يعصى إلَّا بعلمه وحكمته، يطاع فيشكر، ويعصى فيتجاوز ويغفر، كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حال دون النفوس وأخذ بالنواصي، وسجل الآثار، وكتب الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده
стр. 1854
علانية، والغيب عنده شهادة، عطاؤه كلام، وعذابه كلام ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾) (١)(٢).
وهذه قطرة من بحر صفاته ﷻ ، وتقدست أسماؤه، وبعض ما يستحقه من جلال وجمال وكمال، وكيف لا؟ وهو الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣)، وهو الذىِ لا نظير له ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (٤) فما من كمال إلَّا واللَّه أكمل منه، وما من جلال إلَّا واللَّه تعالى أجل وأعظم منه، وهكذا جاءت شريعته ، كاملة غاية الكمال، شاملة كل الشمول، عادلة أعمق العدل، وافية أتم الوفاء، لا عيب فيها ولا نقصان، ولا ظلم فيها ولا عدوان، بل هي المبرأة من كل العيوب لكمالها، النقية من كل خلل ونقص لكمال مشرعها والحاكم بها، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥).
فهذه هي حقيقة الألوهية، بل بعض حقيقتها.
أمَّا الإنسان، فهو مخلوق بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، أوجده اللَّه من العدم، وبرأه وأحياه، فهو محكوم بطبيعته من أول لحظة خلق فيها، ليس كليًا ولا مطلقًا، وليس أزليًا ولا خالدًا في الدنيا، يعيش في حالة الاضطرار دائمًا، فقير إلى من يحيه ويغذيه ويريبه وينميه ويحفظه، والفقر وصف دائم له أبدًا لا يُمكن أن ينفك عنه، وإن خيل لنفسه أنه استغنى في بعض مراحل عمره فإنه لا يُمكن له أن يدبر أمر نفسه إلَّا بمعين، ولا يُمكن له أن يخلق شيئًا ولو ظاهره كل المخلوقين، كما لا يستطيع رزق أحد ولا إعزازه ولا إذلاله إلَّا بمشيئة اللَّه رب العالمين، وفي حيز ضيق من الحياة، أمَّا الإحياء
стр. 1855
والإماتة وتقليب الأيام وتداول الدول وتصاريف القدر فليس للإنسان في ذلك قدرة، وإن كان آلة وسببًا في بعض الأحيان.
نعم للإنسان إرادة واختيار، ولكن ليست كل مراداته تنفذ، وليس كل اختياره يقع، بل قد يريد شيئًا ويصبح ضرًا علييه، ويختار شيئًا فينقلب شرًا عليه، فما كل ما يشاؤه الإنسان كائن لا في الوقت ولا على الوجه الذي يشاء، بل المشاهد أنه إن وقع فإنه يقع زائدًا أو ناقصًا أو متقدمًا أو متأخرًا.
وللإنسان أمر وسلطان -بحسبه- ولكن سلطانه -لو كان له سلطان الأرض كلها- سلطان ناقص وأمره محدود غير نافذ، يحده الاضطرار، وينقصه من شاء إذا استطاع، ثم سلطانه ليس شاملًا لكل شيء فقد يحكم أرضًا وفيها من يقاومه ويحاربه ويغالبه، وله سلطان على مكان، وخلف جدار ذلك المكان يحدث ما لا علم له به وما لا قدرة له على دفعه.
وللإنسان عقل وإدراك ولكنه محدود بحدود الطبيعة البشرية المخلوقة، فقد كان بلا عقل عندما خلق في الرحم ثم نزل إلى الأرض، ثم بدأ يميز قليلًا قليلًا ويزداد من المعارف والمعلومات شيئًا بعد شيء، ويتنقل في سلم المعارف لحظة بعد أخرى حتى يدرك، ويعقل ثم حتى يبلغ أشده إلى أن يشيخ وهو في كل ذلك -وإن أوتي أكبر عقول أهل الدنيا- تشتبه عليه الأمور، وتتغير عنده الآراء، وتنتقض عنده العزائم، وتختلط عليه القضايا، وتضطرب عنده الموازين، هذا كله في الأمور التي يدركها بعقله، وهي ولو كثرت ليست سوى قطرة صغيرة من محيطات المعلومات والآراء والقضايا، فهو مع عجزه التام عن الإحاطة بكل المعلومات والمدركات، هو عاجز أيضًا عن الإحاطة بكل تفصيلات ما وصل إلى علمه وإدراكه، بل في تناقض رأيه، وانتقاض عزمه، وتبدل وجهته، وأسف نفسه على فعل ما فعل أو ترك ما ترك دليل على محدودية عقله وانحصار إدراكه.
ولو كان الإنسان أذكى أذكياء الدنيا فإنه يشغله رأي عن رأي وسمع عن سمع ورؤية عن رؤية، وتغلطه المتشابهات من الآراء والمسموعات والمرئيات، ويشغله بعضها عن بعض، لا يستطيع الإحاطة بنفسه علمًا فضلًا
стр. 1856
عن الإحاطة بغيره، يحجب سمعه الجدار، وتحجب رؤيته الأستار، ويحجب إدراكه للأمور على تمامها ما غاب عنه من تفاصيلها ومجرياتها ونتائجها.
أمَّا إدراكه للسر الخفي في ضمير نفسه أو ضمائر غيره، من خطرات القلوب، وأحاديث النفوس فهو أعجز عنه، فضلًا عن عجزه الكامل عن إدراك ما سوف يحدث في المستقبل من حوادث ونوازل وخطرات وحركات.
وللإنسان ملك، ولكنه ملك محدود مسلوب، أتاه بعد أن لم يكن في يديه، وذاهب عنه بعد أن استولى عليه، وهو في حال امتلاكه لا يستطيع أن يمنع عنه كل الآفات، ولا أن يحفظه من كل البليات، بل قد يملك ما فيه ضرره، ويترك ما فيه خيره وصلاحه، وقد يتمسك بما فيه هلاكه وهو لا يدري، ويفرط في ما فيه نجاته وهو لا يعلم.
ولا يستطيع الإنسان مهما أوتي من قوة وإدراك أن يدفع عن نفسه -فضلًا عن غيره- ورادات الهموم والغموم، بل لا يستطيع أن يكشف كربة نفسه أو يجبر كسرها، أو يغني نفسه من الفقر إلَّا بإرادة اللَّه -جلَّ وعلا-، وكذلك أفعاله الأخرى في الهداية من الضلالة وإرشاد الحائر وإغاثة اللهفان وفك العاني وإشباع الجائع، وكسوة العاري، وشفاء المريض، وغير ذلك، فإنه لا يقدر على هذه الأفعال إلَّا بمشيئة اللَّه ، بل قد يريد فعل لشيء من ذلك فينعكس عليه الأمر، ويضطرب عليه الحال، وتنقلب الأمور رأسًا على عقب، فلا يعلم لم حصل ذلك كما أنه لا يقدر على دفع ذلك؛ لاستيلاء العجز عليه، ولمحدوديته الكاملة، وبشريته العاجزة.
والإنسان مع عقله وإدراكه، يفقد ذلك كل يوم بالنوم، ويفقد أحيانًا بالإغماء أو بالجنون أو بغير ذلك من العوارض، فلا يستطيع أن يدفع عن نفسه أثر هذه الأمور، بل هو يطلب النوم ويحتاجه، وتدركه السنة ويغلبه الوسن، ولا يقدر على دفع ذلك كما لا يستطيع دفع الضعف والخرف في العقل إذا كبرت به السن وتطاول به العمر.
والإنسان مع عقله وإدراكه تغلبه على عقله -أحيانًا- الشهوة،
стр. 1857
والغضب، والحزن والفرح، فيتصرف في تلك الأحيان تصرف الأحمق، ويتحرك حركة المجنون، ويعمل ويقول ما يتندم عليه، أو ما يتعجب من حصوله منه بعد ارتفاع هذه الواردات عنه.
والإنسان فيه -إلَّا من رحم اللَّه- أخلاط الأخلاق الرديئة، ورعونات النفس الأمارة، وفيه الشهوة العارمة، والأنانية الذاتية، والحسد، والأثرة والحب والكره، والانتصار للنفس، والكبر والعجب.
والنفس الإنسانية لا تخلو من عيوب تؤثر فيها، ومنها أنها تستجلب فك الضر ممن لا يملكه، وجلب النفع ممن لا يقدر عليه، ولا ترى نقصها وتقصيرها ولا تألف الحق إلَّا مكرهة، لأن الطاعة على خلاف سجيتها، وتحب متابعة الهوى والشهوات، وتغلب عليها الغفلة والتواني والإصرار والتسويف في شأن الحق والهدى، وتغلب عليها اليقظة والإسراع في شأن المعصية والشهوة والرغبة، وتشتغل بعيوب الناس عما بها من عيبها، وبتزيين الظواهر دون البواطن، وتطلب الرئاسة بالعلم والتكبر والافتخار به والمباهاة بما تمتلك وبما لديها من مواهب وقدرات، وإذا رضيت مدحت المرضي عنه وتجاوزت عيوبه، وإذا غضبت ذمت وتناست المحاسن، وفيها طمع وجشع وحرص على اقتناص الحظوظ، والانتقام للذات والخصومة والغضب، واتباع الهوى، وموافقة ما يرضى النفس، وتضييع الأوقات بما لا نفع فيه أو بما فيه ضرر، ووقوعها في الكذب والشح والبخل، والإصرار على ما به ضررها، والغفلة عن ما فيه مصالحها الحقيقية، وألفتها للخواطر الرديئة والإرادات الخبيثة، وحبها للترؤس والسيطرة والعلو، وميلها إلى التحكم والطغيان.
وغير ذلك من الصفات والأدواء التي لا يخلو من بعضها إنسان، وقد يجتمع أكثرها في بعض الناس، خاصة الذين يتصدون لحكم الناس أو الذين تكون لهم مناصب توجيه وتأمّر، إلَّا من رحم اللَّه وقليل ما هم.
ومن كانت هذه صفاته فلا مناص له من الوقوع في الخلل في الأقوال والأفعال، ولا مهرب له من التناقض والنقص في أفكاره وأعماله، ولا
стр. 1858
خلاص له من تبعات النقص البشري الراسخ في نجار هذه الكائن.
فإذا نظرنا إلى هذا الفرق الهائل بين حقيقة الألوهية وماهية النفس البشرية تبين البون الشاسع فيما يصدر عنهما من أحكام وتشريعات.
وهذا الفرق بينهما أشد وضوحًا من الفرق بين الإنسان والنملة، واللَّه ودينه وشريعته أجل وأعظم من هذه المقارنة، وإنَّما ذكرت ذلك -وأستغفر اللَّه- لأجل بيان قاعدة التصور عند المؤمنين الحاكمين بشرع اللَّه، وقاعدة التصور عند العلمانيين المشركين في الحكم، باتباع أحكام غير اللَّه -جلَّ وعلا-، وتاليه الإنسان ورفعه عن درجته البشرية، ونعته بالأوصاف الطاغية غير الحقيقة.
الرابع: أن الإنسان -بحكم كونه مخلوقًا للَّه تعالى- محكوم بهذه الطبيعة فهو ليس كليًا ولا مطلقًا، وليس أزليًا ولا أبديًا في هذه الدنيا، ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدودًا بما تحده به طبيعته، ثم هو محدود في أعماله وأحكامه وتصرفاته بحكم هذه الطبيعة (١).
وقد وُهب من الإدراك ما يناسب عبوديته للَّه تعالى، ولم يوهب القدرة على إدراك كل الأمور، لا في ماهيتها ولا في إدراك كيفيتها، وإن كان يدرك إمكانها، وذلك أن حدود الطبيعة البشرية تقصر عند هذه الحدود، فكيف يُجعل الإنسان مشرعًا مع اللَّه أو من دون اللَّه وهو محصور في إطار هذه الحدود وحيز هذه الضرورات؟ ومع ذلك كله فالإدراك البشري مدعو للتدبر والتفكر، والنظر والاعتبار، والتكيف والتأثر، والتطبيق في إطار عبوديته، وفي دائرة كينونته الخَلْقية، لا في دائرة الإلحاد المظلمة، ولا في إطار التأله الكاذب الظالم؛ الكاذب لأنه متعدٍ على الحقيقة الإنسانية، والظالم لأنه متجاوز الحدود البشرية.
ولا يعني هذا أن دين الإسلام يقضي على الإدراك البشري أو يدعوه إلى الهبوط والضعف، ولكن هذا التوصيف الحقيقي للإنسان هو الذي
стр. 1859
يجعله يسير في حياته العلمية والعملية في خط تصوري واضح المعالم، وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه وتحريكه، وتحريره، وتقويم منهجه في النظر، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، والكهانة والغيبيات الباطلة، وصيانته في الوقت ذاته من التبدد في غير مجاله، ومن الخبط في التيه بلا دليل. . ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام، الذي وجه النظر إلى سنن اللَّه في الأنفس والآفاق وأوضح بجلاء طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان، وبين خصائصه وطاقاته المذخورة، ووسع دائرة إداراكاته توسيعًا لا يوجد في مثله (١).
الخامس: أن من خصائص الإسلام أنه "رباني" المصدر والمنهج والغاية والوجهة، فهو وحي من اللَّه تعالى، يحتوي على الكمال، لم يأت نتيجة لإرادة فرد أو أسرة أو طريقة أو حزب أو شعب، وإنَّما نتيجة لإرادة اللَّه الحكيم العليم، المتصف بصفات الكمال والجمال والجلال، الذي أراد للبشرية الهدى والنور، والبيان، والشفاء، والرحمة والخير، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ (٢)، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ (٣)، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ (٤)، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ (٥).
فهذا الدين يقوم على عقيدة ربانية وعبادات ربانية وتشريعات ربانية، وهو المنهج الوحيد في العالم الذي مصدره كلمات اللَّه وحدها، غير محرفة
стр. 1860
ولا مبدلة ولا مخلوطة بأوهام البشر، وأهواء البشر وانحرافات البشر.
إن الإسلام منهج رباني في عقائده وعباداته وآدابه وأخلاقه وشرائعه ونظمه، كلها ربانية إلهية في كل أحوالها.
والتشريعات -وهي مجال حديثنا هنا- تشريعات تقوم على هذا الأساس الإلهي، لضبط الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والدولية.
وهذه الميزة الفريدة للتشريع الإسلامي هي التي يتميز بها على ما سواه من التشريعات القديمة والحديثة، ذلك أنه التشريع الوحيد الذي أساسه وحي اللَّه وكلماته التامة المبرأة من الخطأ والضلال، المنزهة عن الظلم ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ (١).
وبهذا تقرر في الأصول الإسلامية أن المشرع الوحيد هو اللَّه تعالى وحده؛ دون غيره، فهو الذي يأمر وينهي، ويحلل ويحرم، ويكلف ويلزم، بمقتضى ربوبيته وألوهيته، وملكه لخلقه أجمعين، فهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، له الخلق والأمر.
وكما أن الإسلام رباني المصدر والمنهج، فهو رباني الغاية والمنهج.
فعلى كثرة الغايات والأهداف في الإسلام، إلَّا أننا -عند التأمل- نجد أن هذه الأهداف الكثيرة تصب في الهدف الأكبر، وهو: مرضاة اللَّه وحسن مثوبته، فكل ما في الإسلام من تشريع وتوجيه وإرشاد إنَّما يقصد إلى إعداد الإنسان ليكون عبدًا خالصًا للَّه وحده، لا لأحد معه أو سواه، ولهذا كان روح الإسلام، وجوهره هو "التوحيد"، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا